إذا كنتُ قد وُفِّقتُ فإنما هو فضْلُ اللهِ وله الحمدُ والمنَّةُ، وإنْ كان غير ذلك فأستغفرُ اللهَ العليَّ العظيمَ وأتوبُ إليه، وقولي قولُ الإمامِ الشافعيِّ رحمه الله: إذا صحَّ الحديثُ فهو مذهبي.
أمَّا أنتم إخواني -وخاصَّة مَنْ أقمتم للدراسة في بلادٍ غيرِ بلادِكم لم تتَّخِذوها وطنًا- فهذا البحثُ إنما كُتِبَ نُزولًا على رغبةِ بعضِكم، فاعملوا به مهما طالتْ إقامتُكم ما لم يَرِدْ نصٌّ من كتابٍ أو سُنَّةٍ صحيحةٍ، واعلموا أنه لا حَرَجَ في دينِ اللهِ، ولا يقبل عبادةً نعبدُهُ بها إلا ما شرع، وهذا هو تشريعه في السفر كما أن ذاك تشريعه في الحضَر كما تعلمون، عضُّوا عليها بالنواجذ، ولا تأبَهُوا بنَعْقِ المقلِّدين، ولا تأخذْكم في الله لومةُ لائمٍ ما دام همُّكم رضوانَ ربِّكم عنكم، واعلموا أننا في العصر الذي تحدَّث عنه ابن مسعودٍ رضي الله عنه يقول: كيف أنتم إذا لبِستْكم فتنةٌ يَهْرَمُ فيها الكبيرُ، ويربو فيها الصغيرُ، ويتَّخِذُها الناسُ سُنَّةً، فإذا غُيِّرتْ يومًا قالوا: غُيِّرت السُّنَّةُ.
قالوا: ومتى ذاك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: إذا كثُرتْ قُرَّاؤكم، وقَلَّتْ فقهاؤكم، وكثُرتْ أُمَراؤكم، وقَلَّتْ أُمَناؤكم، والتُمِسَت الدنيا بعمل الآخرة (30)، وهذا الخبر حُكمه الرفعُ، واعلموا أنه مَن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومَن ضلَّ فإنما يضِلُّ عليها، ولا عُذْرَ لكم عند الله في أن تعبدوه بغير دليلٍ مِن كتابٍ أو سُنَّةٍ صحيحةٍ، ومَن قلَّدتموه دِينَكم لنْ يُغْنوا عنكم من الله شيئًا، واللهُ كافٍ عبدَهُ، فما علِمْتموه حقًّا فقولوا: هذا الحقُّ من ربِّنا، فمَنْ شاء فلْيُؤمِنْ ومَن شاء فلْيكفرْ.
وحَسْبُنا اللهُ ونِعْم الوكيلُ، سبحانك اللهمَّ وبحمدك، أشهدُ أن لا إلهَ إلا أنت، أستغفرك وأتوبُ إليك.
كَتَبَهُ على عُجالةٍ العبدُ الفقيرُ إلى الله، راجي عَفْوِ ربِّه الكبيرِ المتعالِ أبو البراء غسَّان بن يوسف البرقاوي، وكان الفراغُ منه قُبَيْلَ عصرِ يوم الإثنينِ بقليلٍ في اثنين وعشرين من ذي القعدة سنة 1401 للهجرة.
طالب: ذكرْنا يا شيخ الآن الحكم يدور مع العِلَّة وجودًا وعدمًا، كيف نقول لشخصٍ يريد الإقامة مثلًا عشْرَ سنواتٍ نقول له: اقصُر، ونستدلُّ بفِعْل النبي صلى الله عليه وسلَّم أنه أقام عشرين يومًا، مع أنه ما قال: إذا أقمتُ فوق العشرين يومًا فاقصُر، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم ما دام ما قال هذا، دعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك.
الشيخ: الإنسان -مثلما قال الأخ- الإنسان اللِّي ما تطمئنُّ نفْسه لهذا القول لا حَرَجَ عليه أن يتبع هذا.
الطالب: لكن كيف يا شيخ نقول لشخص (... ) سنة في أيِّ مكان، ولا زالت العلة، أقول: زالت العِلَّة؛ ما عنده مشقَّة ولا عنده تَعَب (... )؟
الشيخ: المشقَّة ما هي بشرط باركَ الله فيك، الإنسان إذا سافر حلَّ له جميعُ رُخَصِ السفر ولو كان في آمَنِ ما يكون وفي أَرْيح ما يكون.
الطالب: لكنْ فيه سَفَر يا شيخ دون سَفَر؛ فيه سَفَر مثلًا فيه مشقَّة وفيه تَعَب..
الشيخ: ما هو بشرطٍ يا أخي، لم يشترط الله إلَّا ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: 101]، والحمدُ لله ألغاها الله.
الطالب: ويش يكون نحن أفقه من ابن عباس وأحمد بن حنبل؟ !
الشيخ: على كلِّ حالٍ ما إحنا نبغي أفقه منهم، ولكننا نتبع على الأقل؛ نقلِّد رجُلًا عالِمًا فاضلًا معروفًا بالعلم، وهو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
طالب: لعلَّ مِن أقوى الأدلَّة اللِّي استُدِلَّ بها للقصْر فِعْل النبي صلى الله عليه وسلم في أوقاتٍ متعدِّدةٍ ومُدَدٍ متعدِّدةٍ، وكان يقصُر، فوجَّهه مَنْ قال الرأي الثاني بأن النبي صلى الله عليه وسلم ينتظر الوحي، ما يأتيه في أيِّ يوم، فما دام ينتظر الوحيَ ما يعرف كم مدته.
الشيخ: وهلْ جاءه وحيٌ يقول له: امش؟
طالب: إي، هم يقولون: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يسير إلا بوحيٍ.
الشيخ: ما هو بصحيح.
الطالب: لأنه كان ينتظر.
الشيخ: لا، ذي دعوى، صعبة ذي صعبة، يعني الآن لو قيل لواحد: تشهد أن الرسول ما بَقِي إلَّا لأجْل أن ينتظر الوحي؟ ما يقدر يشهد.
الطالب: ما هو بصحيح هذا؟
الشيخ: ما هو بصحيح؛ لأنه يحتاج إلى أنك تشهد أن الرسول ما بَقِي إلَّا ينتظر الوحي، ثم ما هو الوحي الذي رخَّص له أن يسافر؛ يعني أنه يمشي؟ !
الطالب: كلُّ أفعالِ الرسول صلى الله عليه وسلم كلُّها بوحيٍ من الله عز وجل.
الشيخ: إمَّا أن يكون الوحيُ إقراريًّا إذا أقرَّه الله عُلِم أنه شَرْعُ اللهِ، أحيانًا قد لا يكون بوحيٍ مباشرٍ، قد يكون بالإقرار.
طالب: شيخ، جزاكم الله خيرًا، على القول هذا إذا خافَ الإنسانُ -مَثَلًا- وهو يؤمُّ بعامَّةٍ، خافَ من البَلْبَلةِ وخافَ من القِيلِ والقالِ، هلْ يُتِمُّ درءًا للمَفْسدة؟
الشيخ: واللهِ أحيانًا أقول: نَعَمْ، يُتِمُّ درءًا للمَفْسدة، وأحيانًا أقول: إذا كان الرجلُ قُدوةًَ -يعني ما يُمْكن يتسلَّط عليه أحدٌ يقول مثلًا: إنه قاصرُ عِلْمٍ، أو ما أشْبَهَ ذلك- فلْيفعل السُّنة اللِّي يرى أنه سُنَّة، وإنْ تَرَكَهُ وأتَمَّ ما فيه مانع؛ هذا الذي يقول: إنه يجوز أن يقصُر، ليس يقول: إنه يجب، إلَّا عاد على رأي الأخ هذا يرى وجوبَ القَصْر، لكنْ إحنا نقول: ما هو بواجب، أصْل القَصْر ما هو بواجب.
ثم هذه المسألة أيضًا متى كان في نفْسك شكٌّ فدَعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك، أمَّا إذا تبيَّنتْ لك السُّنة مثلما قال شيخ الإسلام: إذا تبيَّنتْ للإنسان السُّنة فلا وجْهَ للاحتياط، إنما الاحتياط في اتِّباع السُّنة.
طالب: شيخ، بالنسبة لعَمَلِ الرسول صلى الله عليه وسلم وما يتعلق بالنية؛ بالنسبة يعني أقام عشرين يومًا، يعني ما دامَ يكون الرجلُ هذا نِيَّتُهُ نِيَّةُ السفرِ ما احتاج أن الرسول صلى الله عليه وسلم يشرح؛ لأنه جَلَسَ الرسول صلى الله عليه وسلم عشرين يومًا، وهذا الرجُل الجالسُ عشرين يومًا أو أكثر مِن عشرين يومًا نِيَّته نِيَّة السفرِ، ما احتاج يكون كلام الأخ يقول: الرسول يشرح، أو يقول: كان -مَثَلًا- زِدتَ مِن عشرين أو زِدتَ مِن..
الشيخ: هو على كلِّ حالٍ دليلُ هؤلاء يقولون: إن الرسول أقامَ إقاماتٍ مختلفةً؛ عشرين، تسعةَ عشَرَ، وأربعةَ أيامٍ، ومع ذلك ما قال للناس: مَن زاد على ذلك فلْيُتِمَّ، والعِلَّة هي وجودُ السفر.
طالب: بعضُ العلماء يا شيخ اختارَ أنه يُمْكن أن يكون للمسلم مَحَلَّانِ للإقامة، وبهذا القول نرتاح من مسألة اللِّي بيجلسوا سنين للدراسة أو للعمل، هل فيه اللِّي يدفع هذا القول؟
الشيخ: إي فيه؛ لأن الذين نووا الإقامةَ ما نووا الإقامةَ المطْلقةَ ولا نووا أن يتَّخذوا هذا البلدَ بلدًا لهم، الذي له مَحَلَّانِ مَثَلًا لو فرضْنا واحدًا له سَكَنٌ في الطائف في أيام الصيفِ، وسَكَنٌ في البلد الآخر في أيام الشتاء، هذا له وَطَنانِ مستقِرٌّ فيهما دائمًا، أمَّا الذي ذهب للدراسة فهو يقول: لو أُعطَى شهادتي اليومَ مَشَيْتُ.
بينهما فرقٌ.
ولهذا قُلنا: إنَّ مسألة السُّفَراء ما ينطبق عليها هذا الحكْم؛ لأن السُّفَراء بَقُوا على أصْلِ الإقامة ما لم يُنقَلوا؛ يعني ما حُدِّد بقاؤهم، الأصلُ أنهم باقونَ حتى يُنقَلوا، ولهذا في كلام ابن القيم رحمه الله وكلام شيخ الإسلام قالا: ما لم يستوطِن أو يعزِم إقامةً.
ومرادهم بالإقامة يعني الإقامة المطْلقة التي لا تحدَّد، فما حُدِّدَ بزمنٍ أو حُدِّدَ بعملٍ فإنه لا فَرْقَ بينهما، فكما أنهم يقولون: لو أقامَ من أجْلِ العلاجِ وهو يعرف أن علاجه هذا سيبقى سنواتٍ قالوا: إنه يقصُر أبدًا، حتى لو بَقِيَ أربعين سَنَةً ومات فهو يقصُر.
فنحن نقول: كلُّ مَن قيَّدَ إقامتَه بعَمَلٍ أو مُدَّةٍ فإنه مسافرٌ.
طالب: شيخ، أحسنَ الله إليك، بعض العلماء الذين قالوا: إنْ كان له زوجتانِ في بلدتينِ فإنه في كلِّ بلدةٍ يُتِمُّ.
القول هذا يا شيخ ما رأيك؟
الشيخ: يعني يسكن في هذه وهذه؟
الطالب: لا، ما يسكن، بس يقولون: إذا كان له زوجتانِ -مثلًا- يأتي إلى هذه فترةً وإلى هذه..
الشيخ: هذا معناه أنَّ له وطَنَينِ.
الطالب: بس ما يُقيم في هذه إلا قليلًا.
الشيخ: ما يخالف، لكنْ نسأله نقول: هل أنت اتَّخذْتَ هذا وطنًا؟ إذا قال: لا، إنه بس جاي يزور -مثلًا- زوجته ويرجع لبلده الأصلي صار مسافرًا.
الطالب: هذا عادةٌ عنده يا شيخ، عنده عادةٌ أن يأتي إلى هذه.
الشيخ: على كلِّ حالٍ هذا النيَّة نيَّتُه؛ إذا قال: واللهِ أنا أعتبر أن بيتي هنا هو كبيتي هنا، لكنني أُطِيل المقام في البيت الثاني لأن فيه أولادًا وفيه مدارس وما أشْبَهَ ذلك؛ صار له وطنانِ.
طالب: بالنسبة يا شيخ لإمامِ المسلمينَ؛ أَلَا تكون البلاد كلُّها التي تحت يده موطنًا له أو وطنًا له؟
الشيخ: نعم، صح.
الطالب: فكيف النبيُّ صلى الله عليه وسلم..
الشيخ: ولذلك نحن نُورِد عليك؛ إمامُ الإئمَّةِ رسول الله عليه الصلاة والسلام كان إذا خرج من المدينة يقصُر حتى يرجع إليها.
طالب: وهذا اللي أسأل يا شيخ، هذا سؤالي.
الشيخ: قول بعض العلماء..؛ لأن بعض العلماء اعتذرَ عن عثمان رضي الله عنه أنه أتَمَّ في مِنًى لأنه كان خليفةً على المسلمين، وإمامُ المسلمين كلُّ اللي تحت إمْرتِهِ هو بَلَدٌ له، هذا غير صحيحٍ، نقول: هذا النبي عليه الصلاة والسلام أقوى منه إمامةً، ومع ذلك كان يترخَّص.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، بقية أحكام السفر كالفِطْرِ والمسْحِ على الخفَّينِ، يُسمَح له ولَّا؟
الشيخ: إي له كلُّها، لكن مسألة الصوم الذي أرى أنه لا يؤخِّرها إلى رمضان الثاني؛ لأن الصوم كما تعرفون ليس الإفطارُ فيه كالقَصْر، وأيضًا لو أخَّر شهرًا أو شهرينِ تراكمتْ عليه، ربما يعجز أو يتهاون فيضيع عليه الفرض.
طالب: ما دامت العِلَّة موجودة فيجوز أن يُفطر.
الشيخ: يجوز، لكنْ إذا كان يُخشى.. هو الأصْل أنه يجوز أنه يُفطر إلى أن يرجع إلى أهله، لكن نحن نقول: نخشى أنه إذا بَقِي خمسَ سنواتٍ صار عنده خمسة أشهر، فربما يصعب عليه ذلك ويتهاون، فدَرْءًا لهذه الْمَفْسَدة أنا أرى أنه لا يؤخِّره إلى رمضان الثاني، ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يصوم في السفر ويقصُر، فدلَّ هذا على أن تأكُّد الفِطْر ليس كتأكُّد القصر.
طالب: ما الفرق بين السُّفَراء والطلاب (... )؟
الشيخ: الفرق بينهما: السفيرُ إذا عُيِّنَ في البلدِ فالأصلُ أنه مقيمٌ دائمًا؛ يعني ليس مِن عادة الحكومة أن تُعَيِّنَ السفيرَ لمدَّة أربع سنوات أو خمس سنوات ثم تنقله، لكن المقيم للدراسة يعرف أنه ما أقامَ إلَّا إلى حدِّ الدراسةِ فقط، هذا سواء جاء في أربع سنين أو في ثلاث سنين أو في أكثر.
طالب: بس السفير يا شيخ (... ) فيه احتمال أن (... ).
الشيخ: فيه احتمال، لكنْ ويش الأصل؟ الاستقرار.
طالب: شيخ، أحسنَ الله إليكم، بعضُ الناس ما يحدِّد إقامةً، لكنْ يقول مَثَلًا: إذا تعلَّمتُ أرجعُ إلى أهلي، مَثَلًا، فهل هذا يُعتبر؟
الشيخ: ما يستديم، هذا يُعتبر -الظاهر- أنه مستوطِن؛ لأن كلمة: إذا تعلَّمْتُ، ما بيحدِّد العلم.
طالب: العُمَّال -يا شيخ- يَسرِي عليهم ما سَرَى على الطُّلَّاب أو ما سَرَى على السُّفَراء؟
الشيخ: واللهِ الظاهر أنَّ العامل يُعطي فلوسًا لأجْل يجلس، والطالب يُعطي فلوسًا لأجْل يروح إن حصل له، فالعُمَّال الآن يحاولون -حَسَب الظروف الحالية- أنهم يبقون، فأنا أتوقَّف في هذه المسألة، أنا أرى أنَّ العُمَّال يجب عليهم أنهم يُتِمُّون؛ لأنهم لو حصل لهم.. وها هُمْ يحاولون أيضًا تمديدَ المدَّة.
طالب: ونحن الطلاب -على قول شيخ الإسلام- من كان مسافرًا فهو مسافر (... ) نحن الطلاب جميعًا مسافرون إلا إخواني الذين (... )، هل نحن نقصُر؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: (... )؟
الشيخ: (... ) الإنسان لازم يحاول يُصلِّي مع الجماعة، هذه واحدة، لكنْ لو فاتتْه يُصَلِّي ركعتينِ.
طالب: والسُّنن؟
الشيخ: والسُّنن يتسنَّن، إحنا قلنا: ما فيه إلا سُنَّة المغرب والعِشاء والظُّهر، والباقي على الأصل.
طالب: ويُصلُّون بالناس؛ بأهل عنيزة مثلًا العوام (... ) يصلِّي إمامًا.
الشيخ: إي، كنْ إمامًا، ما فيه مانع.
طالب: بس يقصُر يا شيخ؟
الشيخ: يعني قصْده يقصُر، هذه ترجع إلى قضية الأخ اللِّي سأل؛ يعني إذا كان يشوِّش على أحدٍ؛ إنْ خشيتَ أنك تشوِّش (... ) ما فيه مانع.
طالب: لو كان الإمام راتبًا يا شيخ؟
طالب آخر: الآن اللِّي يسافر من دولة إلى دولة أخرى يا شيخ بموجب تأشيرة، ما نقول: إذا كانت التأشيرةُ إقامةً فيُتِمُّ، وإذا كانت الزيارة لمدَّة فيقصُر فيعتبر مسافرًا؟
الشيخ: طيِّب الإقامة هذه.. ما أعرفُ الفرقَ بينهما، الإقامة مدَّة محدَّدة الظاهر، الإقامة محدَّدة.
الطالب: الإقامة قابلة للتجديد، أمَّا الزيارة قابلة لمدَّة معيَّنة.
الشيخ: الظاهر أنَّ الإقامة محدَّدة أيضًا.
الطالب: محدَّدة لسَنَةٍ أو سنتينِ..
الشيخ: لكنْ أنا أقول: العُمَّال -مثلما قال الأخ- إنَّ العُمَّال يحاولون تمديدَ الإقامةِ، فهم يرغبون الإقامةَ المطْلقةَ لو حصل..
طالب: (... )؟
الشيخ: إي، ما يخالف.
طالب: بعضهم يأتون حتى يؤسِّس نفْسَه في بلده..
الشيخ: أحسنتَ، إذَن يقصُر (... ) حتى يمكن أنْ يتنزَّل على المذهب؛ الذي يقول: أنا سأُقيم لحاجةٍ متى انتهتْ رجعْتُ.
وهادولا يقولون: نحن نُقيم إلى أن نجمع ما تقوم به حاجتُنا.
يمكن يجمع بسهولة، يمكن يجمعها بشهر يمكن يجمعها بسنة، هذا حتى على المذهب يقصُرون.
طالب: إذَنْ يقصُرون يا شيخ؟
الشيخ: هذا على القواعد.
طالب: يا شيخ، لي رأي؛ هلْ هذه المسألة من المسائل المهمَّة جدًّا واللِّي الحقيقة يعني الواحد احتارَ فيها، أنا أقترح أنه يجمع أقوال -بالنسبة لنا كطلبةِ عِلْمٍ- يجمع أقوال الطرفينِ وأدلَّتَها، ونعرضها على الكتاب والسُّنة، ونشوف مَن أقوى أدلَّةً عسى تطمئنُّ قلوبنا.
الشيخ: هذا الواجب، لكن الأدلة -الحمد لله- محصورةٌ الآن.
الطالب: يعني نأخذ دليلَ مَنْ قال كذا، والدليل الثاني.
الشيخ: إي، طبعًا.
الطالب: ونشوف ويش الأدلَّة؛ اللِّي أَوْرد حديثًا -مثلًا- أقوى.
الشيخ: هو الآن ما فيه في السُّنةِ حديثٌ يحدِّد إطْلاقًا، أبدًا.
الطالب: طيِّب، نرى الأدلَّة.
الشيخ: زين، طيِّب، ما يخالف، الله يعينك، أنت أَوْلَى بها.
طالب: ما يخالف.
طالب آخر: لا (... ) ننسى الأدلة يا شيخ.
الشيخ: أنا واللهِ -في الحقيقة- تعرفون، هذه المسألة ما هي واردة زمانِها، ما هي من الآن، يعني لنا أكثر من عشرين سَنَة.
الطالب: بس إنها عرضتْ لنا الآن.
الشيخ: أكثر من عشرين سَنَة ونحن نُفْتي بها، وراجعْنا كلام العلماء من قديمٍ وحديثٍ، وما تبيَّنَ لي إلا أن هذا هو السُّنة؛ أنه إذا لم يَنْوِ الإقامةَ المطْلَقةَ أو الاستيطانَ فإنه مسافرٌ.
الطالب: يقصد -سلَّمك الله- أنه ما نطلع مِن ها المسألة إلا قلوبنا اطمأنتْ.
الشيخ: طيب، هذه من الممكن نقرأ الرسالة اللِّي إحنا كتبناها، أو الجواب اللِّي كتبناه، يمكن يتبيَّن.
طالب: شيخ، بالنسبة لسؤال الأخ؛ يأتي يقول: متى تعلَّمتُ رجعتُ.
ما هي لحاجةٍ متى انتهتْ حاجتُه يرجع، فيقصُر؟
الشيخ: لا، بس العِلْم معروف أنه ما بيتعلَّم بيوم وليلة.
الطالب: قد يطول لسنتينِ.
الشيخ: إي، لكنْ بس ما هو مِثْل أن يقول: حاجتي.
ربما حاجته يقضيها بيومٍ ويرجع، أمَّا العِلْم ما هو بيتعلَّم بيوم وليلة.
طالب: جزاكم الله خيرًا، إنْ كان موظَّف يعمل في شركة، وطلبَ النقلَ إلى مدينة أُخرى، وما جاء الجواب، هل يقصُر إلى أن يأتي جواب النقل؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: وإنْ طالت الفترة يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم؛ لأنه يقول: متى ما جاء مشيت.
الطالب: بس ما يتوقع مثلًا أنه يأتي..
الشيخ: إي، ما يدري، يبقى حتى يأتي الخبر.
طالب: كثير مِن المسائل اللِّي تمرُّ علينا أحيانًا نقول: عامِل الناسَ بالتربية فيها.
المسألة هذه ما تدخل فيها؛ يعني سد الذرائع وغيرها؟
الشيخ: ويش الذريعة؟ ! أخطرُ ما فيها مسألةُ الصيام، ومسألة الصيام إذا حدَّدْنا هذه وقُلنا: إنَّ الإنسان لا يمكن يتأخر إلى ما بعد رمضان، انتهى الموضوع، زالَ الإشكال.
الطالب: بس ما هو على سبيل الإلزام يا شيخ، الواقع الآن في الخارج يقولون: الشيخ ما يقول على سبيل الإلزام.
الشيخ: أيُّ إلزام؟
الطالب: الصيام أنه إلى رمضان الثاني وأنَّا ممكن نتركه.
الشيخ: إحنا نقول: هذه -الحقيقة- ما نُرخِّص فيها؛ لأنه مثلما قلتُ لك: نخشى أنه إذا تكرَّرتْ عليه الشهور تعاجز وتكاسل وخلَّاه، لكنْ ينقله من أيام القيظ إلى أيام الشتاء ما فيه مانع.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا، أمَّا بعدُ:
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (أو نَوَى إقامةَ أكثرَ مِنْ أربعةِ أيامٍ، أو ملَّاحًا معه أهلُه لا ينوي الإقامة ببلدٍ، لَزِمَهُ أن يُتِمَّ.
وإنْ كان له طريقانِ فسَلَكَ أبْعدَهما أو ذَكَرَ صلاةَ سفرٍ في آخرَ قَصَرَ.
وإنْ حُبِسَ ولم يَنْوِ إقامةً أو أقامَ لقضاءِ حاجةٍ بلا نيَّةِ إقامةٍ قَصَرَ أبدًا).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أنَّ المشروع للمسافر أن يصلِّي ركعتينِ وأنَّ ذلك قد دلَّ عليه الكتاب والسُّنة والإجماع؛ في الكتاب قولُ الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: 101]، ونَفْيُ الْجُناحِ سبق أنه لا يمنع الطلبَ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158]، وسبق لنا أيضًا أن الذي يتبيَّن من الأدلة أن القصْر ليس بواجبٍ وإنما هو سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ، ويُكره الإتمام إذا لم يوجد له سببٌ، وسبق أن المؤلف رحمه الله ذَكَر مسائل يجب فيها الإتمامُ؛ منها ما ذَكَره الآن في قوله: (أو نَوَى إقامةَ أكثر من أربعةِ أيامٍ)؛ يعني: إذا نَوَى المسافر أن يُقيم في مكانٍ سواء في بلدٍ أو في أثناءِ سَفَره؛ كما لو وَجَدَ مَرْبعًا خصبًا ترعى فيه الإبلُ ونَوَى أن يُقيم في هذا المكان أكثر من أربعة أيامٍ، فإنه يَلْزمه أن يُتِمَّ؛ لأنه قال: (نَوَى إقامةَ أكثر مِنْ أربعةِ أيامٍ)، ولم يقُل: في البلد، فيتناول ما إذا نوى هذه الإقامةَ في بلدٍ أو نواها في نفْس البَرِّ أثناء سفره فإنه يَلْزمه أن يُتِمَّ، مع أنه في الحقيقة على سَفَرٍ بعد الأربعة الأيام، لكنهم يقولون: إن الأصل في الإقامة منع القصْر، هذا هو الأصل، وأجزْناه في الأربعة الأيام لأن النبي صلى الله عليه وسلم فَعَل ذلك حين قَدِم إلى مكةَ في اليوم الرابع من ذي الحجة وأقامَ فيها إلى اليوم الثامن ثم خَرَجَ إلى مِنى.
قالوا: فقد أقامَ الرسول عليه الصلاة والسلام أربعةَ أيامٍ يقصُر الصلاةَ، فنحن إذا أقمْنا هذه المدَّة نقصُر، وإنْ زِدْنا نُتِمُّ؛ لأن الأصل أن المسافر إذا أقامَ في مكانٍ فقد انقطع سفره.
ولكن هذا الأصل ليس متَّفَقًا عليه بين العلماء؛ فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن هذا الأصل ليس عليه دليلٌ لا من الكتاب ولا من السُّنة ولا من العُرف، وإذا لم يكن عليه دليلٌ فإن الحكْم يُعلَّق بالمعنى الذي من أجْلِهِ شُرِعَ القصْر، وهو السفر.
فما دامَ الإنسانُ مسافرًا مُفارِقًا لمحلِّ إقامتِهِ فهو مسافرٌ؛ لأنه لا فرق بين شخصٍ ينوي أن يُقيم أربعة أيامٍ لشُغلٍ أو أن يُقيم خمسة أيامٍ، كلٌّ منهما يعتقد أنه مسافرٌ وأنه في انتظار انتهاء شُغله، فمتى انتهى رَجَعَ إلى وطنه.
وأيُّ شيءٍ يحدَّد من مدَّةٍ تزيد على أربعة أيامٍ فإنه يُقال للمحدِّد: أين الدليل؟ وهذا هو الذي جَعَلَنا نميل إلى قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذه المسألة، وأنَّ الإنسان إذا كان عازمًا على الرجوع إلى بلده وأنه لم يحبسْه في هذا المكان إلا الشغل فإنه مسافرٌ ولو طالت المدة؛ لأننا مهما قدَّرْنا من تقدير سواء كان شهرًا أو شهرينِ أو أسبوعًا أو أسبوعينِ أو أربعةَ أيامٍ أو عشرةَ أيامٍ فإننا سوف نطالب بالدليل على التحديد، وهذا يحتاج إلى توقيفٍ من الشرع، فإذا لم يوجَد رَجَعْنا إلى الأصل الذي من أجْله شُرِع القصْر؛ ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: 101]، هذا عامٌّ ما دُمْنا ضاربينَ في الأرض، وقد قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: 20]، وقد عُلِم أن التجار لا تنقضي إقامتهم في البلد في خلال أربعة أيامٍ لا تزيد، بلْ ربما يبقون يومًا واحدًا إذا كان السوقُ نشيطًا والسلعُ قليلةً، وربما يبقون شهرًا إذا كانت السلعُ كثيرةً وكان السوقُ ضعيفًا، ولم يحدِّد الله عز وجل للذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وقتًا معيَّنًا، فالذي نميل إليه هو ما اختاره شيخ الإسلام، وهو مطْلَق السفر.
وعلى هذا فنقول: إنَّ فِعْل النبي عليه الصلاة والسلام ليس دليلًا على التحديد؛ وجْهُ ذلك أنه وَقَعَ مصادفةً لا تشريعًا، والذي يقع مصادفةً لا تشريعًا لا يُعتبر تشريعًا، هذه القاعدة.
ولهذا لو قال لنا قائلٌ مثلًا: إذا دفعْتَ من عرفة إلى مزدلفة يُسَنُّ لك أن تنزل عند المأْزِمَينِ ثم تبول وتتوضأ وُضوءًا خفيفًا.
هل هذا مشروع؟ لا؛ لأنه وقع من الرسول صلى الله عليه وسلم على سبيل المصادفة والاتفاق، لا على سبيل القَصْد حتى نقول: يُسَنُّ أن تفعل هذا الوضوءَ الخفيفَ في أثناء الطريق.
ونعلم أيضًا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يَعْلم أنَّ مِن الناس مَنْ يأتي للحجِّ في اليوم الثالث مَثَلًا أو اليوم الثاني أو الأول، فمَنْ جاء في اليوم الأول سوف يبقى ثمانية أيامٍ قبل الطلوع إلى مِنى، ومَنْ جاء في ذي القعدة سيكون أطْول، فلمَّا لم يَقُل النبي عليه الصلاة والسلام للناس: مَنْ قَدِم مكة قبل اليوم الرابع فعليه أن يُتِمَّ، عُلِمَ أنَّه لا فَرْق بين من قَدِم في اليوم الرابع وقَدِم في اليوم الأول، هذا هو الحقيقة، لكن مَنْ أرادَ أن يحتاط وقال: أنا أريدُ أنْ أُتِمَّ إذا أنهيتُ أقصى مدَّةٍ قال بها مَن يحدِّد، فإنَّنا لا نقول: هذا حرامٌ عليك، لا سِيَّما إذا لم يكن الدليل في نفْسه قويًّا، أمَّا مَنْ كان الدليلُ في نفْسه قويًّا واطْمأنَّ إليه فليأخذْ به ولا حرج عليه؛ لأن الله لا يكلِّف نفسًا إلا وُسْعَها.
(أو نَوَى إقامةَ أكثر مِن أربعة أيامٍ)، وقد عَلِمتم كما مرَّ عليكم في المذكِّرة أنَّ من العلماء مَن قال: أربعة أيامٍ ليس منها يوم الدخول والخروج، وهم الشافعية، ومنهم مَن قال: تسعةَ عَشَرَ يومًا، كابن عباسٍ، ومنهم مَن قال: خمسةَ عَشَرَ يومًا، كأبي حنيفة، وهكذا اختلف العلماء؛ لأن المسألة ليس فيها نصٌّ يجب المصير إليه، فمِنْ ثَمَّ تجد الأقوال فيها أكثر من عشرين قولًا في مسألةٍ واحدةٍ.
يقول: (أو نَوَى أكثر من أربعة أيامٍ، أو مَلَّاحًا معه أهلُه لا ينوي الإقامةَ ببلدٍ؛ لَزِمه أن يُتِمَّ).
(مَلَّاحًا) الملَّاح: قائد السفينة، وقوله: (معه أهلُه) أي: مصاحبون له، والجملة في محلِّ نصبٍ على الحال؛ يعني ملاحًا والحالُ أنه أهلُه معه، ويجوز أن تكون في موضع نصبٍ على أنها صفةٌ لـ (ملَّاحًا).
لكنه قال: (لا ينوي الإقامة ببلدٍ) يعني: لا ببلدِ المغادَرةِ، ولا ببلدِ الوصولِ، فهذا يجب عليه أنْ يُتِمَّ؛ لأن بَلَده سفينتُه، هي بَلَده؛ أهلُه معه وليس له بَلَدٌ، إذَنْ أين يكون بَلَده؟ السفينة.
وعُلِم من قول المؤلف: (معه أهلُه) أنه لو كان أهلُه في مكانٍ في بلدٍ فإنه مسافرٌ ولو طالتْ مدَّتُه في السفر.
وكذلك عُلِم منه أنه لو كان له نيَّةُ الإقامة في بلدٍ فإنه يقصُر لأنه مسافرٌ؛ لأن المؤلف اشترط لوجوب الإتمام على الملَّاح شرطَينِ: أنْ يكون معه أهله، وألَّا ينوي الإقامةَ ببلدٍ.
فمثلًا إذا كان ملَّاحًا في سفينةٍ وأهلُه في جدَّة مثلًا، لكنْ يروح يجوب البحار؛ البحر المحيط والهادي، ويأتي بعد شهرٍ أو شهرينِ إلى جدَّة، ماذا نقول لهذا؟ مسافرٌ.
لماذا؟ لأنه ليس معه أهلُه، له بلدٌ يأوي إليه.
وكذلك أيضًا لو فُرِض أن الرجل ينوي الإقامة ببلدٍ، هو ليس له أهلٌ، هو ينوي الإقامة ببلدٍ؛ يعني بمعنى أنه جعل مأواه ومثواه البلد الفلاني الذي على الساحل، فهذا نقول له: إنك مسافر؛ لأن لك بلدًا معيَّنًا عيَّنْتَه بالنيَّة.
مثلُ ذلك أهلُ التكاسي الآن الذين دائمًا في البر نقول: إنْ كان أهلهم معهم ولا ينوون الإقامة ببلدٍ فهم غيرُ مسافرين لا يقصُرون ولا يُفطرون في رمضان، وإنْ كان لهم أهلٌ في بلدٍ فإنهم إذا غادروا بلدَ أهلهم فهم مسافرون يُفطرون ويقصُرون، وكذلك لو لم يكن لهم أهلٌ لكنهم ينوون الإقامة ببلدٍ يعتبرونها مثواهم ومأواهم فهم مسافرون حتى يرجعوا إلى البلد التي نووا أنها مأواهم.
فإذا قال قائل: هؤلاء الملَّاحون أو السائقون لسيَّارات الأُجرة دائمًا في سَفَرٍ، فإذا قلنا: أنتم مسافرون لكم الفطر، فمتى يصومون؟
نقول: هم يمكن أنْ يصوموا في أيام الشتاء فنعطيهم رخصة؛ نقول: صوموا في أيام الشتاء لأنها أيامٌ قصيرةٌ وأيامٌ باردةٌ، والصوم فيها لا يشُقُّ، كذلك لو فُرِضَ أنهم قدموا إلى بلدهم في رمضان فإنهم يَلْزمهم الصومُ ما داموا في بلدهم.
فإنْ قَدِموا في أثناء اليوم إلى بلدهم ففي لزوم الإمساك عليهم قولانِ لأهل العلم، هما روايتانِ عن الإمام أحمد رحمه الله، والصحيح أنَّه لا يَلْزمهم الإمساكُ؛ لأنهم لا يستفيدون بهذا الإمساك شيئًا، وليس هذا اليوم في حقِّهم يومًا محترمًا لأنهم يأكلون ويشربون في أوله وهم مباحون في ذلك، فهُمْ لم ينتهكوا حُرمة اليوم، بخلاف من أفطر أول النهار لغير عُذرٍ فإنه يَلْزمه الإمساكُ ولا يقول: أنا أفطرتُ وأفسدتُ صومي فآكلُ وأشربُ.
نقول: لا أنت انتهكْتَ حُرمةَ اليوم.
ومثلُ ذلك أيضًا -هذه جملة معترِضة- لو أنَّ الحائض طهُرتْ في أثناء اليوم في رمضان فإنه لا يَلْزمها على القول الراجح أن تُمسِك؛ لأن هذه المرأة يُباح لها الفطر أول النهار إباحةً مطْلقةً، فاليوم في حقها ليس يومًا محترمًا، ولا تستفيد من إلزامها بالإمساك إلا العَنَتَ، فالقول الراجح في مسألة المسافرِ إذا قَدِمَ والحائضِ إذا طهُرتْ والمريضِ إذا بَرِئ أنه لا يَلْزمهم الإمساك.
ما تقولون فيمن أفطر لإنقاذ معصومٍ، هل يَلْزمه الإمساك بقيَّة اليوم؟
طلبة: لا يَلْزمه.
الشيخ: أفطر لإنقاذ معصومٍ؛ يعني مثلًا رأى شخصًا غَرِق في الماء، ولا يستطيع أن ينجيه من الغرق إلا إذا أفطر، فأفطر ثم أنقذه وأنجاه؟
طلبة: لا يَلْزمه.
الشيخ: لا يَلْزمه على القول الراجح؛ لأنه أفطر بسببٍ مباحٍ، بخلاف الرجل الذي بَلَغ في أثناء اليوم فإنه يَلْزمه الإمساك، والفرقُ بين هذا والمسائل التي قَبْله أنَّ المسائل التي قَبْله زالَ فيها المانعُ، وهذا وُجِد سببُ الوجوب، فإذا وُجِد سببُ الوجوب في أثناء النهار لَزِمه الإمساكُ؛ كالصغيرِ يبلغ، والمجنونِ يَعقِل، والكافرِ يُسْلم، وفي المسألة خلاف، لكن الصحيح وجوب الإمساك.
طالب: يقضي اليوم؟
الشيخ: لا، ما يقضي.
يقول المؤلف رحمه الله: (وإنْ كان له طريقانِ فسَلَكَ أبعدَهما).
(له طريقانِ) يعني: رجُل في بلدٍ يريد أنْ يسافر إلى بلدٍ آخَر، وللبلد هذا طريقانِ أحدُهما بعيدٌ والثاني قريبٌ -يعني أنَّ أحدَهما يبلغُ المسافةَ والآخَر لا يبلغُها- فسَلَكَ أبعدَهما فإنه يقصُر؛ لأنه يصدق عليه أنه مسافرٌ سَفَرَ قصْرٍ، ولكنْ لو فُرِضَ أنه تعمَّد أن يسلك الطريقَ الأبعدَ في رمضان من أجْل أن يُفطر فهنا نقول له: لا يجوز لك الفطر؛ لأنه يمكنك أن تسلك طريقًا قصيرًا بدون فطر.
هذا هو الظاهر، ومع ذلك ففي النفْس من هذا شيء.
يقول: (فسَلَكَ أبعدَهما، أو ذَكَرَ صلاةَ سَفَرٍ في آخَر؛ قَصَر)
(آخَر) هذه صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ، والتقدير: في سَفَرٍِ آخَر قَصَرَ.
مثاله: سافرَ إلى العمرة وصلَّى بغير وُضوءٍ ناسيًا، ولَمَّا رجعَ من العمرة سافرَ إلى المدينة، وفي أثناء سفرِهِ إلى المدينة ذَكَر أنه صلَّى في سفرِهِ للعمرة صلاةً بغير وُضوءٍ، ماذا نقول؟ يصلِّيها قصْرًا؛ لأن الصلاةَ وجبتْ في السفر أداءً وقضاءً، وكذلك لو نَسِيها في سفرِ العمرة ثم ذَكَرها في سفرِ زيارة المدينة فإنه يقصُر؛ لأن هذه الصلاة سَفَريَّةٌ أداءً وقضاءً.
طيب، وإنْ ذَكَر صلاةَ سفرٍ في حَضَرٍ؟
طالب: لم يقصُر.
الشيخ: يُتِمُّ.
وإنْ ذَكَر صلاةَ حَضَرٍ في سَفَرٍ؟
الطلبة: (... ).
الشيخ: يُتِمُّ.
إذا ذَكَر صلاةَ سفرٍ في حضَرٍ فإنه يُتِمُّ على المذهب، والصحيح أنه يقصُر إذا ذَكَر صلاةَ سفرٍ في حَضَرٍ؛ لأن هذه صلاةٌ مقْضِيَّةٌ، وقد وجبتْ عليه كمْ؟ ركعتينِ، فلا يَلْزمه أكثر مما وجب عليه، هذا تعليلٌ.
أمَّا الدليل الأثريُّ فهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (31)، «فَلْيُصَلِّهَا» يعني: يصلِّي نفْسَ الصلاة، والصلاةُ التي نسيتُها في السفر وذكرتُها في الحضر ركعتانِ، إذَنْ يصلِّي ركعتينِ.
أمَّا إذا ذَكَر صلاةَ حَضَرٍ في سَفَرٍ فالواجب أن يصلِّي أربعًا؛ لأنها وجبتْ عليه أربعًا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا»، وهذا يعني أن أُصلِّيها أربعًا.
طيب، وإنْ ذَكَر صلاةَ حَضَرٍ في حَضَرٍ؟
طالب: (... ).
الشيخ: يصلِّي أربعًا، قُلْنا هذا لتَتِمَّ القِسْمة.
ذَكَر صلاةَ سفرٍ في سفرٍ؟
الطلبة: يقصُر.
الشيخ: صلاة حضرٍ في حضرٍ؟
الطلبة: يُتِمُّ.
الشيخ: يُتِمُّ.
صلاة سفرٍ في حضرٍ؟
الطلبة: يقصُر.
الشيخ: يقصُر على الصحيح.
صلاة حضرٍ في سفرٍ؟
الطلبة: يُتِمُّ.
الشيخ: يُتِمُّ.
يقول المؤلف رحمه الله: (وَإنْ حُبِسَ ولم يَنْوِ إقامةً).
(إنْ حُبِسَ) أي: مُنِع من السفر، (ولم يَنْوِ إقامةً) فإنه يقصُر ولو طالت المدَّة.
وقول المؤلف: (حُبِس) لم يبيِّن نوعَ الحبس، فيشمل مَن حُبِس ظُلْمًا، ومَن حُبِس بحقٍّ، ومَن حُبِس بعدوٍّ، ومَن حُبِس بمرضٍ، ومَن حُبِس بتغيُّراتٍ جوِّيَّةٍ، ومَن حُبِس بخوفٍ على نفْسه، المهم مَن مُنِعَ السفر بأيِّ سببٍ يكون فإنه يقصُر.
ودليل ذلك أنَّ ابنَ عمر رضي الله عنهما حَبَسَهُ الثَّلْجُ بأذْربيجانَ لمدَّة ستَّةِ أشهرٍ وهو يقصُر الصلاةَ (32)، وابن عمر صحابِيٌّ، والقولُ الراجحُ أنَّ فِعْل الصحابِيِّ وقول الصحابِيِّ حجَّةٌ بشرطينِ وهما: ألَّا يخالف نصًّا، وألَّا يعارضه قول صحابِيٍّ آخَر، فإنْ خالفَ نصًّا أُخِذَ بالنصِّ مهما كان الصحابِيُّ، وإنْ عارضه صحابِيٌّ آخَر طُلِبَ المرجِّحُ واتُّبِعَ ما ترجَّحَ من القولينِ.
ثم نقول: إنَّ فِعْل ابن عمر هذا -رضي الله عنه- مؤيَّدٌ بعموماتِ الكتابِ والسُّنَّةِ الدالَّةِ على أنَّ المسافر يقصُر، حتى لو بَقِي باختياره على القول الراجح لمدَّة ستَّةِ أشهرٍ أو أربعةٍ أو سَنَةٍ ولكنه لعَمَلٍ ينتظر انتهاءه؛ فإنَّ القول الراجح أنه يقصُر كما سبق.
قال: (وإنْ حُبِسَ ولم يَنْوِ إقامةً) هذا الشرط لا بدَّ منه؛ فإنْ نوى إقامةً مطْلَقةً لا إقامةً ينتظر بها زوالَ المانعِ؛ فإنه إذا نوى أكثر مِن أربعةِ أيامٍ يُتِمُّ على المذهب، وما دون الأربعة يقصُر.
إذَنْ لا بدَّ من شرطٍ على كلام المؤلف: ألَّا ينوي إقامةً تقطع حُكم السفر، فإنْ نوى إقامةً تقطع حُكم السفر فإنه يُتِمُّ.
يقول: (أو أقامَ لقضاء حاجةٍ بلا نيَّةِ إقامةٍ قَصَرَ أبدًا).
إذا أقامَ لقضاء حاجةٍ ولم يَنْوِ إقامةً؛ يعني: لَمْ يَنْوِ إقامةً مطْلَقةً، وإلَّا الإقامة لا بدَّ منها، قد نوى إقامةً لقضاءِ حاجةٍ، ولكنْ لا يدري متى تنقضي، ولم يَنْوِ إقامةً مطْلَقةً، فإنه يقصُر أبدًا.
ما معنى (أبدًا)؟ يعني: لو بَقِي طولَ عمرِهِ فإنه يقصُر؛ لأنه إنما نوى الإقامةَ من أجْل هذه الحاجةِ ولم يَنْوِ إقامةً مطْلَقةً، وهناك فرقٌ بين شخصٍ ينوي الإقامةَ المطْلَقةَ وشخصٍ آخَر ينوي الإقامةَ المقيَّدةَ؛ فالذي ينوي الإقامةَ المقيَّدةَ لا يُعَدُّ مستوطِنًا، والذي ينوي الإقامةَ المطْلَقةَ يُعَدُّ مستوطِنًا.
الإقامة المطْلقةُ معروفة: أنَّ الإنسان ينوي أنه مقيمٌ ما لم يوجَد سببٌ يقتضي مغادرتَه، ومِن ذلك السُّفَراءُ؛ سُفَراءُ الدول، لا شكَّ أنَّ الأصل أنَّ إقامتهم مطْلقةٌ لا يرتحلون إلَّا إذا أُمِروا بذلك، وإلَّا فالأصلُ أنَّ إقامتهم مطْلقةٌ، وعلى هذا فيَلْزمهم الإتمام، ويَلْزمهم الصوم في رمضان، ولا يزيدون عن يومٍ وليلةٍ في مسْحِ الخفَّينِ؛ لأن إقامتهم مطْلقةٌ.
وكذلك أيضًا الذين يسافرون إلى بلدٍ يرتزقون فيها هؤلاء إقامتهم مطْلَقةٌ؛ لأنهم يقولون: سنبقى، ما دام رِزْقُنا موجودًا سنبقى.
الإقامة المقيَّدة تارةً تُقيَّدُ بزمنٍ، وتارةً تُقيَّدُ بعَمَلٍ.
المقيَّدة بزمنٍ سبق لنا أنَّ المشهور من المذهب أنه إذا نوى أكثرَ مِن أربعةِ أيامٍ يُتِمُّ، ودونها يقصُر، والخلاف معروف لكم.
المقيَّدة بعَمَلٍ يقصُر أبدًا ولو طالت المدَّة، ومن ذلك لو أنَّه سافر للعلاج ولا يدري متى ينتهي فإنه يقصُر أبدًا، حتى لو غَلَبَ على ظنِّه أنه سيطول فإنه يقصُر؛ لأنه ينتظر هذه الحاجة، وهذا هو عُمدة مَن قال: إنه لا حدَّ للإقامة؛ لأنهم يقولون: ما دام الحاملُ له على الإقامة هو الحاجة فلا فَرْق في الحقيقة بين أنْ يحدِّد أو لا يحدِّد، فهو مُقيمٌ لشيءٍ ينتظره متى انتهى منه رجع إلى بلده.
وقوله: (قَصَرَ أبدًا) هذا هو المشهور من المذهب كما عرفتم.
وذهب بعض العلماء إلى أنه إذا أقامَ وانتهت المدة المحدَّدة لحكم السفر فإنه يجب عليه الإتمام، وعليه فإذا أقامَ لحاجةٍ لا يدري متى تنقضي وانتهتْ أربعةُ أيامٍ يَلْزمه الإتمام.
لكن قول الجمهور -حتى إنَّ ابن المنذر حكى الإجماعَ عليه- أنه لا يَلْزمه الإتمامُ ما دام ينتظر انتهاء الحاجة.
يقول: (قَصَرَ أبدًا).
بقينا في مسألة: هل تجب نِيَّة القصر أو لا؟
طلبة: سَبَقَ.
الشيخ: إي، من أجْل أنه سَبَقَ سألتُكم.
طالب: الصحيح: لا يجب.
الشيخ: الصحيح أنه لا تَلْزم نِيَّة القصْر؛ لأن صلاة السفر مقصورة، فلا حاجة إلى نِيَّتِهِ كما أنَّ المقيم لا حاجة أنْ ينوي الإتمام؛ يعني لو أنَّا الآن نصلي العِشاء هلْ يَلْزمنا أنْ ننوي الإتمام؟ لا؛ لأنه هو الأصل، كذلك المسافر لا يَلْزمه أنْ ينوي القصْر؛ لو أنه كبَّر لصلاة العِشاء وهو مسافرٌ ولم يَنْوِ القصْر بناءً على أنه يصلِّي العِشاء فقط، ثم في أثناء الصلاة قال في نفْسه: ما نويتُ القصْر.
على المشهور من المذهب يَلْزمه الإتمامُ، والصحيح أنَّه لا يَلْزمه؛ لأن الأصلَ في صلاةِ السفرِ القصْرُ.
طالب: شيخ، أحسنَ الله إليك، يُقيِّد الإقامةَ بالزمنِ والعملِ، هل يُحسَب على المذهب؟
الشيخ: لا، ما دام زادت المدَّة على أربعةِ أيامٍ امتنعَ القصْر ولو لعملٍ.
طالب: ولو لعملٍ؟
الشيخ: نعم.
الطالب: إذا كان مقرونًا بالزمن؟
الشيخ: نعم.
طالب: أحسن الله إليك، إذا كان الإنسانُ مقيمًا في بلدٍ وصارتْ هذه البلدُ له بلدَ سَفَرٍ، لكن لسَّه ما انتقل منها يا شيخ، فهل يستمرُّ.. ؟
الشيخ: ويش لون هذا؟ كيف؟
الطالب: يعني نَوَى..
الشيخ: نَوَى الإقامة المطْلَقة.
الطالب: أولًا نَوَى الإقامة المطْلقة؛ يعني: كان مُقيمًا في البلد، كان من أهل البلد.
الشيخ: إي نعم، ثم بعد ذلك؟
الطالب: نوى الانتقال.
الشيخ: نوى أن ينتقل، نقول: لا تقصُر حتى تخرج.
الطالب: يعني الحكْم يستمر؟
الشيخ: يكون كالمستوطِن تمامًا، إي نعم.
الطالب: ثم إذا انتقلَ يا شيخ يصير بلدَ سفرٍ له.
الشيخ: يعني إذا اتَّخذَ وطنًا غير الأُولى؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: فإنه إذا رجع إلى الأُولى مسافرًا فهي محلُّ سَفَرٍ؛ كما فَعَل النبي عليه الصلاة والسلام في مكة؛ فإنه كان يقصُر في مكة مع أنها بلده الأول.
طالب: شيخ، حتى في صلاة الجمعة بالنسبة لنيَّةِ القصْر لا يَلْزم أنْ ينوي، حتى في نِيَّةِ صلاة الجمعة؛ لأنه إذا ما نوى، يعني شرط نِيَّته؛ نِيَّة الجمعة.
الشيخ: كيف يعني؟ وهو مُقيم؟
الطالب: لا، هو مسافرٌ، فأدركته صلاةُ الجمعة، فهل..
الشيخ: هو سينويها جمعة.
الطالب: على مَن يصحِّح حديث ابن عمر: «لَيْسَ عَلَى مُسَافِرٍ جُمُعَةٌ» (33)؟
الشيخ: لا، «لَيْسَ عَلَى مُسَافِرٍ جُمُعَةٌ» يعني اللِّي في حال السفر، وأمَّا مَن كان في نفْس البلد وسمع النداء فإنه يجيب.
الطالب: يجيب ويصلِّيها على أنها جمعة.
الشيخ: إي، على أنها جمعة، بعض الناس -انتبهوا لهذه الحيلة الفقهية..
(فصلٌ)
يَجوزُ الْجَمْعُ بينَ الظُّهرينِ وبينَ العِشائينِ في وَقْتِ إحداهما في سَفَرِ قَصْرٍ، ولِمَرِيضٍ يَلْحَقُه بتركِه مَشَقَّةٌ، وبينَ العِشاءَيْنِ لِمَطَرٍ يَبُلُّ الثِّيابَ ووَحْلٍ ورِيحٍ شَديدةٍ باردةٍ ولو صَلَّى في بيتِه أو في مَسجدِ طريقِهِ تحتَ ساباطٍ، والأَفْضَلُ فِعْلُ الأَرْفَقِ به من تَأخيرٍ وتقديمٍ، فإن جَمَعَ في وقتِ الأُولَى اشْتَرَطَ نِيَّةَ الْجَمْعِ عندَ إحرامِها ولا يُفَرَّقُ بينَهما إلا بِمِقدارِ إقامةٍ ووُضوءٍ خَفيفٍ، ويَبْطُلُ برَاتِبَةٍ بينَهما، وأن يكونَ العُذْرُ مَوجودًا عندَ افتتاحِهما وسَلامِ الأُولَى،
الشيخ: نعم.
طالب: شيخ، حتى في صلاة الجمعة بالنسبة لنيَّةِ القصْر لا يجب أنْ ينوي حتى في نِيَّةِ صلاة الجمعة؛ لأنه إذا ما نوى.. يعني يُشترط نِيَّته؛ نِيَّة الجمعة..
الشيخ: كيف يعني؟ وهو مُقيم؟
الطالب: لا، هو مسافرٌ، فأدركته صلاةُ الجمعة، فهل..
الشيخ: هو سينويها جمعة.
الطالب: على مَن يصحِّح حديث ابن عمر: «لَيْسَ عَلَى مُسَافِرٍ جُمُعَةٌ» (1)؟
الشيخ: لا، «لَيْسَ عَلَى مُسَافِرٍ جُمُعَةٌ» يعني اللِّي في حال السفر، وأمَّا مَن كان في نفْس البلد وسمع النداء فإنه يجيب.
الطالب: يجيب ويصلِّيها على أنها جُمْعة.
الشيخ: إي، على أنها جُمْعة، بعضُ الناسِ -انتبهوا لهذه الحيلة الفقهية- بعضُ الناسِ لَمَّا قيل له: إنه لا يجوز أنْ تَجمع العصرَ إلى الجمعةِ.. يعني المسافر؛ إنسانٌ -مثلًا- مسافرٌ ومرَّ ببلدٍ وهم يصلُّون الجمعة، دخل معهم في صلاة الجمعة، ومعلومٌ أن العصر لا تُجمَع لصلاة الجمعة، قال: أنا أُصَلِّي خلف الإمام وأنويها ظُهرًا من أجْل أن أجمع إليها العصرَ.
نقول: هذا صحيح، إذا نويتَها ظُهرًا فلا بأسَ، لكنْ يأتينا على كلام العلماء أنَّ نيَّتك ستخالف نيَّةَ الإمامِ، الإمام جمعة وأنت ظُهر، فعلى مَن يشترط اتفاقَ اتحادِ النيَّةِ بين الإمام والمأموم على قوله لا تصحُّ الصلاةُ؛ لأنه لا يُستثنى مِن ذلك إلا مسألتانِ ليس هذا منها.
ثم نقول: لو قُلنا بصحَّةِ صلاةِ الظُّهرِ خلْف الجمعةِ على الصحيح أنَّه لا يُشترط اتحادُ النيَّةِ بين الإمام والمأموم، فإنه إذا نواها ظُهرًا فاتَهُ خيرٌ كبيرٌ، ما هو؟
طلبة: أجْرُ الجمعة.
الشيخ: أجْرُ الجمعة, أجرُ الجمعةِ ليس بالأمرِ السهل، ولهذا حُرِم أجْرَها من يتكلَّم والإمامُ يخطب، إذا تكلَّمَ الإنسانُ والإمامُ يَخطُب يومَ الجمعةِ حُرِمَ أجْرَ الجمعة كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «فَقَدْ لَغَوْتَ» (2)، «وَمَنْ لَغَا فَلَا جُمُعَةَ لَهُ» (3). يعني أنَّه لا يُثاب ثوابَ الجمعةِ.
فهذه الحيلةُ حيلةٌ تمشي على رأْيِ بعضِ الفقهاءِ، لكنه يفوته بذلك أجْرُ الجمعة، فنقول: صلِّ الجمعةَ وسافِرْ، استمرَّ في سَفَرك، وإذا جاء وقتُ العصرِ صلِّ العصرَ.
طالب: شيخ، أحسنَ الله إليك، النيَّة تنطبقُ على الصوم؟
الشيخ: كيف النية؟
الطالب: نيَّةُ المسافرِ تنطبقُ على الصوم؟
الشيخ: إي نعم، يعني مَن قَصَرَ أفْطَرَ، القاعدةُ أنَّ مَنْ قَصَرَ أفطرَ، ومَن لَزِمه الإتمامُ لَزِمه الصومُ.
[الجمع بين الصلاتين] طالب: فصل.
الشيخ: سمِّ اللهَ أولًا، واحمدِ اللهَ، وصلِّ على النبيِّ، ثم قُل: قال المؤلف رحمه الله تعالى.
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على أشرفِ الأنبياء والمرسلين، نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحْبه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
(فصل: يجوز الجمعُ بين الظُّهرينِ وبين العِشاءينِ في وقتِ إحداهما في سفرِ قصرٍ، ولمريضٍ يلحقُه بترْكِهِ مشقَّةٌ، وبين العِشاءين لمطرٍ يبلُّ الثيابَ ولوحْلٍ وريحٍ شديدةٍ باردةٍ، ولو صلَّى في بيته أو في مسجدٍ طريقُهُ تحتَ ساباطٍ).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه ومَنْ تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ.
سبق لنا من الأعذار كم؟
طالب: ثلاثة: الخوف، والسفر، والمرض.
الشيخ: نعم، ما الذي سبق لنا منها؟
الطالب: السفر، والمرض.
الشيخ: والمرض، طيب، الخوفُ لم يأتِ بعدُ.
بسم الله الرحمن الرحيم
مِن توابع الأعذارِ ما أشارَ إليه في هذا الفصلِ، فقال المؤلف: (فصل)؛ يعني: في الجمعِ، والذي سَبَقَ في القصْرِ، وهذا الجمعُ.
والجمعُ هو ضمُّ إحدى الصلاتينِ إلى الأُخرى، وهذا التعريفُ يشمل جمعَ التقديم وجمعَ التأخير.
وقولنا: ضمُّ إحدى الصلاتينِ إلى الأُخرى.
يُراد به الصلاتانِ اللتانِ يصحُّ الجمعُ بينهما، فلا يدخلُ في ذلك ضمُّ صلاةِ العصر إلى صلاةِ المغرب؛ لأنَّ صلاةَ المغربِ نوعٌ يخالف نوعَ صلاةِ العصر؛ فإنَّ صلاةَ العصرِ نهاريَّةٌ، وصلاة المغربِ ليليَّةٌ، ولا يدخل فيه أيضًا ضمُّ صلاةِ العِشاء إلى الفجر؛ وذلك لأنَّ وقتيهما منفصلٌ بعضُهما عن بعضٍ، فالجمعُ إذَنْ كما قال المؤلف؛ قال: (يجوز الجمعُ بين الظُّهرينِ وبين العِشاءينِ في وقتِ إحداهما في سفرِ قَصْرٍ).
(يجوز الجمع) التعبير بكلمة (يجوز) يحتملُ أن مراد المؤلف -رحمه الله- أنه لا يُمنع، فيكونُ المراد بذِكْر الجوازِ دفعُ قولِ مَنْ يقولُ: إنه لا يجوز، فلا يُنافي أنْ يكون مستحبًّا، هذا احتمالٌ.
احتمالٌ آخرُ: أنه يريد بقوله: (يجوز) الإباحةَ؛ أيْ: إن الجمع مستوي الطرفينِ وليس بممنوع، ثم هلْ يُستحبُّ أو لا يُستحبُّ فيه كلامٌ آخرُ.
وعلى كلِّ حالٍ فالمعروفُ من المذهبِ أنَّ الجمعَ جائزٌ وليس بمستحَبٍّ، بلْ إنَّ تركَهُ أفضلُ، جائزٌ وليس بمستحَبٍّ، فهو رُخْصةٌ، غيرُ مستحبٍّ، وتَرْكُهُ أفضلُ للخِلاف في جوازه؛ فإنَّ مذهب أبي حنيفة رحمه الله أنَّه لا يجوز الجمعُ إلا بين الظُّهرِ والعصرِ في عرفةَ، وبين المغربِ والعِشاء في المزدلفة، والعلَّة في ذلك عنده أن هذا من باب النُّسُكِ وليس من باب العُذر، وأنَّ الجمع بينهما من أجْل النُّسُك لا من أجْل السفرِ، ولكن قوله ضعيفٌ.
والصحيحُ أنَّ الجمعَ مستحبٌّ إذا وُجِد سببُه لوجهينِ:
الوجهُ الأولُ أنه مِن رُخَصِ اللهِ عزَّ وجلَّ، واللهُ سبحانهُ وتعالى يحبُّ أن تؤتَى رُخَصُه.
الوجهُ الثاني: أنَّ فيه اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنه كان يجمع عند وجودِ السببِ الْمُبيحِ للجمعِ، فيكون الدليلُ من وجهينِ:
الوجه الأول؟
طالب: هي أولًا هي الرُّخْصة، ثانيًا..
الشيخ: أنَّه مِن رُخَصِ اللهِ.
كَمِّل.
الطالب: الثانية..
الشيخ: كَمِّلْ، إلى الآن ما بعدُ انتهى هذا الدليل.
طالب: واللَّهُ يُحبُّ أنْ تؤتَى رُخَصه.
الشيخ: واللَّهُ يُحبُّ أنْ تؤتَى رُخَصه.
تمام.
طالب: الدليلُ الثاني أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم جَمَعَ عند وجودِ سبب الجمع.
الشيخ: نعم، فيكون في الجمع اقتداءٌ برسول الله صلى الله عليه وسلم وقد يدخل هذا في عموم قوله صلى الله عليه وسلم «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (4) إذَن الصوابُ أنَّ الجمع سُنَّةٌ حيثُ وُجِدَ سببُه، ولا يُقتصَرُ فيه على الإباحة للوجهينِ اللذينِ سمعتموهما.
قال: (يجوز الجمعُ بين الظُّهرينِ).
(الظُّهرينِ) هما الظُّهر والعصر، لكنَّه أطْلقَ عليهما لفظ الظُّهرينِ من باب التغليبِ كما يُقال: (القَمَرانِ) للشمس والقمر، وكما يقال: (العُمَرانِ) لأبي بكرٍ وعُمَر.
(بين الظُّهرينِ وبين العِشاءينِ).
(العِشاءينِ) أيضًا: المغربُ والعِشاء، وهو من باب التغليبِ كالظُّهرينِ.
(في وقتِ إحداهما) الأُولى أو الثانية، واعلمْ أنَّه إذا جازَ الجمعُ صارَ الوقتانِ وقتًا واحدًا، فإنْ شئتَ اجمعْ في وقتِ الأُولى أو في وقتِ الثانيةِ أو في الوقتِ الذي بينهما، وأمَّا ظنُّ بعض العامَّةِ أنه لا يُجمَع إلا في آخرِ وقْتِ الظُّهر وأولِ وقتِ العصرِ فهذا لا أصلَ له إلا عند مَن يرى الجمعَ الصُّوريَّ، وهو غير صحيحٍ كما سنُبَيِّنه إنْ شاء اللهُ، إذَنْ في وقتِ إحداهما: الأُولى أو الثانية، وإذا جازَ الجمعُ بين الصلاتينِ صارَ الوقتُ وقتًا واحدًا.
(في سفرِ قَصْرٍ) هذا أحدُ الأسبابِ المبيحة للجمع: (في سفرِ قَصْرٍ)، وإذا قال العلماءُ: في سفرِ قصْرٍ، فمرادُهم به السفر الذي تُقصَر فيه الصلاةُ، فيخرج به السفرُ الذي لا تُقصَر فيه الصلاةُ، وسَفَرُ القصْرِ سَبَقَ الكلامُ عليه هلْ هو مقيَّدٌ بمسافةٍ معيَّنة أو بالعُرف.
وقوله: (في سفرِ قَصْرٍ) ظاهرُ كلامِه أنه يجوز الجمع للمسافر سواءٌ كان نازلًا أمْ سائرًا، وهذه المسألةُ ذاتُ خِلافٍ بين العلماء:
فمنهم مَنْ يقول: إنه لا يجوز الجمعُ للمسافر إلَّا إذا كان سائرًا لا إذا كان نازلًا، ويستدلُّ بحديث ابن عُمَر أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يَجْمعُ إذا جَدَّ به السَّيرُ (5)، يعني إذا كان سائرًا، وبأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يجمعْ بين الصلاتينِ في مِنًى في حجَّةِ الوداعِ لأنه كان نازلًا، وإلَّا فلا شكَّ أنه في سَفَرٍ لأنَّه يقصُر الصلاةَ.
وأُورِدَ عليهم أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم جمعَ بين الظُّهرينِ في عرفةَ وهو نازلٌ.
وأجابوا بأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم جمعَ بين الظُّهرينِ في عرفةَ وهو نازلٌ ليُدرِكَ الناسُ صلاةَ الجماعةِ؛ لأن الناس بعد الصلاةِ سوف يتفرَّقون في مواقفهم في عرفة ويكونُ جَمْعُهم بعد ذلك صعبًا وشاقًّا، فأراد النبيُّ عليه الصلاة والسلام أنْ يجمع بين الظُّهرِ والعصرِ مع أنه نازلٌ من أجْلِ حصول الجماعةِ، ونظير ذلك أن الناس يجمعون بين المغرب والعِشاء في المطر من أجْل تحصيل الجماعةِ، وإلَّا فبإمْكانِهِمْ أنْ يُصلُّوا الصلاةَ في وقتها في بيوتهم لأنهم معذورونَ بالوحْلِ.
هذا قولٌ.
القول الثاني: أنه يجوز الجمعُ للمسافر سواءٌ كان نازلًا أمْ سائرًا، واستدلُّوا لذلك بأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم جَمَعَ في غزوة تبوكَ وهو نازلٌ (6)، وبأنَّ المسافر في الغالب يشقُّ عليه أن يُفرِد كُلَّ صلاةٍ في وقتها؛ إمَّا للمشقَّةِ والعناءِ، وإمَّا لقِلَّة الماءِ وإمَّا لغير ذلك.
واستدلُّوا أيضًا بظاهرِ حديثِ أبي جُحيفة رضي الله عنه الثابتِ في الصحيحينِ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان نازلًا في الأَبْطحِ في حجَّةِ الوداعِ، وأنَّه خرجَ ذاتَ يومٍ وعليه حُلَّةٌ حمراءُ فأمَّ الناسَ، فصلَّى الظُّهرَ ركعتينِ والعصرَ ركعتينِ (7). قالوا: فظاهرُ هذا أنهما كانتا مجموعتينِ.
واستدلُّوا أيضًا بأنه إذا جازَ للمَطَرِ ونحوِهِ فجوازُهُ في السفرِ من باب أَوْلى.
واستدلُّوا أيضًا بعموم حديث ابن عباسٍ أنَّ الرسولَ جمعَ بين الظُّهرِ والعصرِ وبين المغربِ والعِشاءِ في المدينة من غيرِ خوفٍ ولا سَفَرٍ (8).
والصحيحُ أنَّ الجمعَ للمسافرِ جائزٌ، لكنَّه في حقِّ السائرِ مستحَبٌّ، وفي حقِّ النازلِ جائزٌ غيرُ مستحَبٍّ؛ إنْ جَمَعَ فلا بأسَ، وإنْ تَرَكَ فهو أفضل.
إذَن القولُ الراجحُ في مسألةِ الجمعِ للمُسافرِ أنَّهُ سُنَّةٌ في حقِّ السائرِ، وفي حقِّ النازلِ جائزٌ وليس بسُنَّةٍ، لكنْ إِنْ فَعَل لا يُنْكَر عليه.
قال المؤلف رحمه الله: (في سفرِ قَصْرٍ)، هذه المسألةُ الأُولى.
المسألةُ الثانيةُ قال: (ولِمَريضٍ يَلْحقُهُ بتَرْكِهِ مشقَّةٌ).
و(ولِمَريضٍ) يعني: ويُباح الجمعُ أو يجوزُ الجمعُ لمريضٍ يَلْحقُه بتَرْكِهِ مشقَّةٌ، مريض أَيّ مَرَضٍ كانَ، سواءٌ كانَ صُداعًا في الرأسِ أو وجعًا في الظَّهْرِ أو في البطنِ أو في الجلدِ أو في غير ذلك، أيُّ مريضٍ يَلْحقُه بتَرْكِ الجمعِ مشقَّةٌ فإنه يجوزُ له أنْ يجمع، دليلُ ذلك عمومُ قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، وعمومُ قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]، وحديثُ ابن عباسٍ رضي الله عنهما جَمَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم في المدينة بين الظُّهرِ والعصرِ وبين المغربِ والعِشاءِ من غير خوفٍ ولا مَطَرٍ (9). قالوا: فإذا كان انتفى الخوفُ والمطرُ وهو في المدينةِ وانتفى السفرُ أيضًا لم يَبْقَ إلَّا المرض.
وعلى كلِّ حالٍ هذا قد يكونُ غيرَ حاصلٍ؛ يعني قد يكون هناك عُذرٌ غيرُ المرضِ، ولكن ابن عباسٍ سُئِلَ: لماذا صنع ذلك؟ قال: أرادَ ألَّا يُحرج أُمَّتَهُ (9). أي ألَّا يُلْحِقَها حرجًا في عدم الجمع، ومن هُنا نأخذ أنه متى لَحِقَ المكلَّفَ حرجٌ في تَرْكِ الجمْع جازَ له أن يجمع، ولهذا قال المؤلف هنا: (ولِمَريضٍ يَلْحَقُهُ بتَرْكِهِ مشقَّةٌ).
وفُهِمَ من قول المؤلف: (يَلْحَقُهُ بتَرْكِهِ مشقَّةٌ) أنه لو لم يَلْحَقْهُ مشقَّةٌ فإنه لا يجوز له الجمعُ.
طيب، إذا قال قائلٌ: مثال المشقة؟
المشقةُ أنْ يكون يتأثَّر بالقيامِ والقُعودِ إذا تفرَّق، أو كان مثلًا يريد أنْ ينامَ مبكرًا فأراد أنْ يقدِّم العِشاء، أو كان يشقُّ عليه أنْ يتوضأ لكُلِّ صلاةٍ، المهمُّ أن المشقَّاتِ متعدِّدةٌ، فإذا كان يَلْحقه بتَرْكِ الجمْع مشقَّةٌ جازَ له أن يَجْمع.
قال المؤلف: (ويُباح الجمْعُ بين العِشاءينِ لمطرٍ يَبُلُّ الثيابَ).
قوله: ويجوز الجمْعُ بين العشاءينِ؛ يعني: بين المغرب والعِشاء، وأمَّا بين الظُّهرِ والعصرِ فلا يجوز؛ والدليل أن هذا مرادُ المؤلِّف لأنه قال في أول كلامه: (يجوزُ الجمْعُ بين الظُّهرينِ وبين العِشاءينِ) ثم هُنا قال: (وبين العِشاءينِ)، فدلَّ هذا على أنه لا يجوز الجمْعُ بين الظُّهرينِ للأعذار التالية:
قال المؤلف: (لمطرٍ يَبُلُّ الثيابَ) الظاهرُ أنها.. قبل أنْ نتعدَّى الموضعَ الأولَ، الموضعُ الأولُ حاصلُ القاعدةِ فيه أنَّهُ كلَّمَا لَحِقَ الإنسانَ مشقَّةٌ بتَرْكِ الجمْعِ جازَ له الجمْعُ حَضَرًا وسَفَرًا.
قال: (وبين العِشاءينِ لمطرٍ يَبُلُّ الثيابَ).
يعني: إذا كان هُناك مَطَرٌ يَبُلُّ الثيابَ لكثرته وغزارته فإنه يجوزُ الجمْعُ بين العِشاءينِ، فإنْ كان مَطَرًا قليلًا لا يَبُلُّ الثيابَ فإنَّ الجمْعَ لا يجوز؛ لأن هذا النوع من المطر لا يَلْحقُ المكلَّفَ فيه مشقَّةٌ، بخلافِ الذي يَبُلُّ الثيابَ، ولا سِيَّما إذا كان في أيام الشتاءِ فإنه يَلْحَقُهُ مشقَّةٌ من جهةِ البللِ ومشقَّةٌ أُخرى من جهةِ البَرْدِ، ولاسِيَّما إن انْضَمَّ إلى ذلك ريحٌ فإنه تزدادُ المشقَّة.
ثم قال: (ولِوَحَلٍ) الوَحَلُ: الزَّلَقُ والطينُ، فإذا كانت الأسواقُ قد ربصت من المطر فإنه يجوز الجمْعُ وإنْ لم يكن المطرُ ينزل؛ وذلك لأنَّ الوحلَ والطينَ يشُقُّ على الناسِ أن يمشوا عليه، وانظروا إلى المشقَّةِ الآنَ، ليست المشقَّةُ شديدةً، لكنْ مع ذلك لَمَّا كان فيه نوعٌ من المشقَّة جازَ الجمعُ بين العِشاءينِ، إذَن المطرُ والوحلُ يُباح لهما الجمعُ بين العِشاءينِ لا بين الظُّهرينِ.
الثالث مما يختصُّ بالعشاءينِ قال: (وريحٍ شديدةٍ باردةٍ).
(ريح شديدة) اشترط المؤلف شرطَينِ في الريح: أنْ تكون شديدة، وأنْ تكون باردة.
وظاهرُ كلامه أنه لا يُشترط أنْ تكون الليلةُ مُظْلمةً، إي نعم، أنه لا يُشترط أن يكون في ليلةٍ مُظْلمةٍ، بلْ يجوزُ الجمْعُ للريحِ الشديدةِ الباردةِ في الليل وفي النهار.
الطلبة: في النهار لا، (... ).
الشيخ: ليش؟
الطلبة: (... ).
الشيخ: لأن الكلام: (بين العِشاءينِ)، وبين العشاءينِ لا يُمْكن أنْ يكون فيه نهار.
إذَنْ لا يُشترط أن تكون الليلةُ مظْلمةً، حتى لو كانتْ مُقْمِرةً وفيها ريحٌ شديدةٌ باردةٌ فإنه يُباح الجمْع.
ولكنْ إذا قال قائلٌ: ما هو حدُّ البرودة؟
فالجواب عن ذلك أن يُقال: المراد بالريحِ الشديدةِ ما خَرَجَ عن العادة، وأمَّا الريحُ المعتادةُ فإنها لا تُبيح الجمْع، لكن الريح الخارجة عن العادة التي يكون فيها برودةٌ تشقُّ على الناس يجوز فيها الجمْع.
فإنْ قال قائلٌ: إذا وُجِدتْ شِدَّةُ بَرْدٍ دون ريحٍ هلْ يُباح الجمْع؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، لأنَّ شدَّة البردِ بدون الريح يمكن أن يتوقَّاها الإنسانُ بكثرةِ الثياب، لكنْ إذا كان هناك ريحٌ مع شِدَّةِ البردِ تدخلُ في الثياب.
طيب، لو كان هناك ريحٌ شديدةٌ بدون بَرْدٍ؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: فلا جَمْع؛ لأن الريحَ الشديدةَ بدون بَرْدٍ ليس فيها مشقَّةٌ، لكنْ لو فُرِضَ أنَّ هذه الريح الشديدة تحمل تُرابًا يتأثَّر به الإنسانُ ويشقُّ عليه فإنها تدخل في القاعدةِ العامةِ وهي المشقَّةُ، وحينئذٍ يجوز الجمع.
إذا قال قائلٌ: ما هو الدليلُ على اختصاصِ الجمْع للريحِ الشديدةِ والمطرِ والوحلِ بالعشاءينِ؟
الدليلُ أنَّ الرسولَ عليه الصلاةُ والسلامُ جَمَعَ بين المغربِ والعشاءِ في ليلةٍ مطيرةٍ (10).
ولكن الصحيح:
أولًا: هذا الحديثُ فيه نَظَرٌ؛ عندكم: رواه البخاري -أظُنُّ- والذي رواه النجادُ وليس البخاري.
ثانيًا: أن كونه جمع في ليلةٍ مطيرةٍ لا يمنع أن يجمع في يومٍ مطيرٍ؛ لأن العلَّة هي المشقَّة.
ولهذا كان القولُ الصحيحُ لهذه المسألة أنه يجوز الجمْع بين الظُّهرينِ لهذه الأعذارِ كما يجوز الجمع بين العشاءينِ، والعِلَّة هي: المشقة، فإذا وُجِدت المشقَّة في ليلٍ أو نهارٍ جاز الجمع.
إذَنْ ننظر إلى أسباب الجمع كم سببًا كان؟
السفر، المرض، ويش بعد؟
طلبة: المطر.
الشيخ: المطر.
طلبة: الريح.
الشيخ: الوَحَل.
طلبة: الريح.
الشيخ: الريح الشديدة الباردة، هذه خمسةُ أسبابٍ، ولكن اعلموا أنَّ الأسباب لا تنحصر في هذه الخمسة، بلْ هذه الخمسة التي ذكرها المؤلف كالتمثيل لقاعدةٍ عامةٍ وهي المشقَّة، ولهذا يجوز الجمعُ للمستحاضةِ بين الظُّهرينِ وبين المغربِ والعشاءِ لمشقَّةِ التوضي عليها لكلِّ صلاةٍ، ويجوز الجمع أيضًا للإنسان إذا كان في سفرٍ وكان الماءُ بعيدًا عنه ويشقُّ عليه أنْ يذهب إلى الماء ليتوضَّأ لكلِّ صلاةٍ فإنه يجوز له الجمع، حتى وإنْ قُلْنا بعدمِ جوازِ الجمع في السفر للنازل، وذلك لمشقَّة الوضوء عليه لكلِّ صلاةٍ، فالمدار كُلُّه على المشقَّة.
هلْ مِن لازمِ جوازِ الجمعِ جوازُ القصْرِ؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، قد يجوزُ الجمعُ ولا يجوز القصْرُ، وقد يجوز القصْرُ ولا يجوزُ الجمعُ على رأْيِ من يرى أن الجمعَ لا يجوز للمسافر النازل، فلا تلازم بينهما.
ثم قال: (ولو صَلَّى في بيتِهِ أو في مسجدٍ طريقُهُ تحت ساباطٍ).
(لو) هذه إشارة خلاف تشير إلى أن بعض العلماء يقول إذا كان يمكنه أن يصلي في بيته فإنه لا يجوز أن يجمع لأجل المطر لأنه يمكنه أن يتحرز من هذه المشقة بصلاته في البيت أيضا إذا كان (في مسجدٍ طريقُهُ تحت ساباطٍ).
ما هو الساباطُ؟
الساباطُ: السقف؛ يعني لو فَرَضْنا أنَّ الشارعَ أو السوقَ الذي يؤدِّي إلى المسجدِ طريقُهُ مسقوفٌ بساباطٍ فإنه يجوزُ له أن يجمع.
والصحيحُ ما ذكره المؤلف أنه يجوز أنْ يجمع ولو كان طريقُهُ إلى المسجد تحت ساباطٍ أو صلى في بيتِهِ، هذا إذا كان من أهلِ الجماعةِ، وذلك لئلَّا تفوته الجماعة.
أمَّا إذا كان يصلِّي في بيته لمرضٍ وهو لا يحضُر المسجدَ أو كانت امرأة فإنه لا يجوز لها الجمعُ من أجْل المطر، لماذا؟ لأنها لا تستفيدُ بالجمع شيئًا، فهي ليستْ مِن أهلِ الجماعةِ، ستُصلِّي في البيت، وكذلك إذا كان المريضُ لا يَصِلُ إلى المسجدِ فهو سيُصلِّي في البيت فلا يستفيدُ بالجمعِ شيئًا، فمُراد المؤلف في قوله: (ولو صَلَّى في بيتِهِ أو في مسجدٍ طريقُهُ تحت ساباطٍ) إذا كان من أهلِ الجماعةِ ويصلِّي مع الجماعة فإنَّنا نقول له: لا حَرَجَ أنْ تجمع مع الناس لئلَّا تفوتك صلاةُ الجماعة، أمَّا مَن ليس مِن أهل الجماعة كالنساء أو مَن سقطتْ عنه لعُذْرٍ كالمريض الذي يصلِّي في بيته فإنه لا يجوز أنْ يجمع؛ لأنه لا فائدة له في هذا الجمع.
ثم قال المؤلف: (والأفضلُ فِعْلُ الأرفقِ به).
طالب: إذا كان الرياح شديدة الحر؟
الشيخ: نعم، شديدة السَّموم، ماذا تقولون؟
طالب: وجود مشقَّة، القاعدة.
الشيخ: إي نعم، إذا كانت الريح شديدةَ الحرِّ تَلْفَحُ الوجْهَ كما يَلْفَحُ الوجْهَ النارُ فإنَّنا قد أصَّلْنا قاعدةً وهي المشقَّة، متى وُجِدت المشقَّةُ جازَ الجمع.
طالب: ولو في النهار؟
الشيخ: ولو في النهار.
الطالب: (... ).
الشيخ: المشقَّة؟ المشقَّةُ: ما يَحصُل به شيءٌ من الحرج، ولا هي معنى المشقة الضرورة, الضرورة ليست بشيء، ولهذا قُلنا قبل قليل: المطر الذي يبلُّ الثيابَ مبيحٌ للجمع، مع أنَّه ما فيه مشقةٌ إلى ذاك.
طالب: فرَّقْنا يا شيخ بين النازلِ والسائرِ؛ قلنا: السائرُ يُستحَبُّ له الجمْع، والنازل يجوز.
(... ) عن النبي صلى الله عليه وسلم؟
الشيخ: نعم، السبب في ذلك هو أنَّ الرسول لَمَّا كان نازلًا في مِنًى كان لا يجمع، وجَمْعُهُ في تبوكَ أو في الأبطحِ كما يقتضيه ظاهر حديثِ أبي جُحيفة ليس بيِّنًا في أنَّ العِلَّة سَفَرٌ، قد يكون أنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام إنما جَمَعَ هناك من أجْلِ أنه احتاج إلى الجمع لِتَعَبٍ أو قِلَّةِ ماءٍ أو غيرِه، فلهذا قُلْنا: إنه لا يُسَنُّ الجمع، لكنه يُباح على ظاهر الفعل.
وأمَّا إذا كان سائرًا فإنه ثَبَتَ أنَّ الرسول عليه الصلاةُ والسلامُ كان إذا ارْتَحَلَ قبلَ أن تَزِيغَ الشمسُ أخَّرَ الظُّهرَ إلى العصرِ، وإذا زالت الشمسُ وهو في مكانه صلَّى الظُّهرَ والعصرَ ثم رَكِبَ (6).
طالب: والقاعدة المشقَّة، وكيف خرجتْ صلاةُ الصبح من الجمع وكذلك هذه القاعدة من.. ؟
الشيخ: نعم، يقول: إذا كانت العِلَّةُ المشقَّةَ فلماذا خرجتْ صلاةُ الصبح عن الجمع؟
الجوابُ سهلٌ؛ صلاةُ الفَجْر مستقِلَّةٌ بوقْتِها، منفردة، فلا يُمْكن أنْ نجمعها؛ لأنَّا لو أخَّرْنا العِشاء إليها لكان حالَ بينها وبين العِشاء زمنٌ ليس بوقتٍ لا لهذه ولا لهذه.
الطالب: وكذلك بين الظُّهر و..
الشيخ: وكذلك بين العصرِ والمغربِ؛ لأنَّ العصر نوعُها غيرُ نوعِ المغرب، وكذلك بين الظُّهرِ والفجرِ للوقت الذي بينهما وليس بوقتٍ لا للفَجْرِ ولا للظُّهر.
طالب: (... ) إذا جَمَعَ بالنسبة للمَطَر هلْ يجمع تقديمًا أو تأخيرًا؟ وإذا زالَ العُذر إذا جمعَ جمعَ تقديمٍ يُعيد أو لا يُعيد؟
الشيخ: الغالبُ أنَّ الأرفقَ في المطرِ جمعُ تقديمٍ، هذا الغالب.
طالب: وإذا زالَ العذر؟
الشيخ: وإذا زالَ لا يُعيد، كما أنَّه لو صلَّى الصلاةَ ركعتينِ ثم قَدِمَ البلدَ لا يُعيد.
طالب: شيخ، مَن أراد أنْ يسافر قبل أنْ يدخل العصرُ، فهو سيصلي الظُّهر ثم ينام ويلحق قبل العصرِ (... ) نصف ساعة، هل يجوز له أن يجمع الظهر.. ؟
الشيخ: وهو في بلده؟
الطالب: وهو في بلده.
الشيخ: لا، لا يجوز أنْ يجمع العصرَ إلى الظهرِ وهو في بلده إلا إذا كان يخشى ألَّا يتمكَّن من صلاة العصر في وقتها؛ مثل أن تكون الرحلةُ في طائرةٍ لا يتمكَّن من صلاة العصر في وقتها، أو في نقْلٍ جماعيٍّ يخشى ألَّا يقِفوا له، ففي هذه الحالِ لا بأس أنْ يجمع.
الطالب: شيخ، يشقُّ عليه وهو يسافر أن ينزل (... )؟
الشيخ: أبدًا، ولا فيه مشقَّة.
الطالب: (... ).
الشيخ: ما فيه مشقَّة، لكن السبب الآن غير موجود، السبب -وهو السفر- غير موجود.
الطالب: بس المشقة الآن؛ ربما يشقُّ عليه أنه ينزل.
الشيخ: ما هي مشقَّةً؛ النزول، (... ) لا تنزل.
ماذا يرى المؤلف رحمه الله في قصْرِ الصلاةِ لِمَنْ سافر؟
طالب: أنْ يقصُرَ الصلاةَ.
الشيخ: إي، ما رأيُه؟ هلْ هو حرام ولَّا واجب ولَّا مكروه ولَّا أيش؟
الطالب: لا, واجب.
الشيخ: واجب! يرى المؤلف أن القصر للمسافر واجب! نعم، اقرأ العبارة التي تُفيد ذلك.
طالب: مباح.
الشيخ: مباحٌ ليس بواجب! اقرأ العبارة التي تفيد ذلك.
طالب: مَن سافر سفرًا مباحًا, سُنَّة..
الشيخ: يرى أنه؟
الطالب: سنة.
الشيخ: مِن أين يؤخذ؟ العبارة التي تفيد ذلك.
الطالب: (سُنَّ له قَصْرُ رُباعيَّةٍ ركعتينِ).
الشيخ: أحسنت، من قوله: (سُنَّ له قَصْرُ رُباعيَّةٍ ركعتينِ).
ما شروط السفرِ الذي يُباح فيه القَصْر أو الذي يُسَنُّ؟
طالب: (... ) المسافر يعني.
الشيخ: نعم.
الطالب: أنْ يكون السفرُ مباحًا.
الشيخ: أنْ يكون السفر مباحًا.
طيب، مِن أين تؤخذ من عبارته؟
الطالب: قال: (مَن سافرَ سفرًا مباحًا أربعةَ بُرُدٍ).
الشيخ: (أربعةَ بُرُدٍ)، طيِّب، كم البريد؟
طالب: البريد نصفُ يومٍ.
الشيخ: نصف يومٍ، وبالتقدير المساحي؟
الطالب: ثلاثة فراسخ.
الشيخ: ثلاثة فراسخ!
طالب: البريد أربعة فراسخ.
الشيخ: والفرسخ؟
الطالب: الفرسخ ثلاثةُ أميال.
الشيخ: أحسنت، صحَّ، إذَنْ تكون المسافةُ بالأميال؟
طالب: ثمانيةً وأربعينَ ميلًا.
الشيخ: ثمانيةً وأربعين ميلًا، نعم.
المؤلف يرى أنَّ القَصْر سنَّةٌ، هلْ هناك أحدٌ يرى خِلافَ رأيِ المؤلف؟
طالب: نعم، أبو حنيفة وابنُ تيمية يريانِ أنَّ القصْر واجبٌ.
الشيخ: فيمَنْ يرى أن القصْر واجبٌ، ما هو الدليل على هذا القول أو لهذا القول؟
طالب: روى البخاريُّ وغيره عن عائشة قالت: أول ما فُرِضَت الصلاةُ ركعتينِ، فأُقِرَّتْ صلاةُ السفرِ وزِيدَ في صلاةِ الحضَرِ ركعتانِ (11).
الشيخ: أول ما فُرِض.. ؟
الطالب: أقول: الأصل أنَّ الأصل ركعتان.
الشيخ: أول ما فُرِضت الصلاةُ ركعتين، ثم زيد.. ؟
الطالب: في صلاة الحضر.
الشيخ: نعم، وأُقِرَّتْ.. ؟
الطالب: صلاةُ السفرِ.
الشيخ: على الفريضة الأولى.
هذا دليل.
دليل آخر؟
طالب: قولُه صلى الله عليه وسلَّمَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (4).
الشيخ: نعم.
الطالب: (... ).
الشيخ: وقد كان لا يُتِمُّ الصلاةَ في السفر، لم يُحفَظ عنه أنه أَتَمَّ الصلاةَ في السفر أبدًا، ما دليل المؤلف؟ ما هو الدليل لرأيِ المؤلف أنه سُنَّةٌ وليس بواجبٍ؟
طالب: الآية؛ قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ [النساء: 101]
الشيخ: نعم، ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾.
الطالب: (... ) النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: هذا قد يَرُدُّ على الوجوب.
الطالب: الآية (... ).
الشيخ: طيب، يَرِد علينا السعيُ بين الصفا والمروة، الحج والعمرة؛ قال الله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158].
الطالب: (... ) عائشة (... ) فسَّرتْ بأنه ليس المراد (... ).
الشيخ: اللي هي؟
الطالب: الصفا والمروة.
طالب: قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «هِيَ صَدَقَةٌ مِنَ اللَّهِ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» (12)، سَمَّاها النبيُّ صلى الله عليه وسلم صدقةً.
الشيخ: نعم, طيب، الصدقة منها ما هو واجبٌ؛ ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء﴾ [التوبة: 60].
الطالب: إي، لكن الأصل، والأصل أنها أربع، وسماها النبي عليه الصلاة..
الشيخ: كيف الأصل أنها أربع وهي أوَّل ما فُرِضَت ركعتينِ ثُمَّ زِيدَ؟
الطالب: لكن الصدقة الآن..
الشيخ: الصدقة، وأيضًا الرسول قال: «اقْبَلُوا صدقتَهُ»، أَمَرَنا بقبولها، والأصلُ في الأَمْرِ الوجوبُ.
طالب: هو أنَّ عُثمان رضي الله عنه صلَّى بِمِنًى أربعًا، وكان الصحابةُ كلُّهم موجودين، فلمْ تَبْطُل الصلاةُ، فدلَّ على (... ).
الشيخ: يعني الدليل ما هو كالإجماعِ للصحابةِ من الإتمامِ خلفَ عثمانَ مع إنكارهم عليه, كذا؟
طيب، لو قال قائلٌ: إنَّ وجوبَ القَصْر عارَضَهُ وجوبُ متابعةِ الإمامِ، فسقط القصْر كما سقط التشهدُ الأولُ إذا نَسِيهُ الإمامُ وقامَ.
المسألة في الحقيقة جيِّدة، ما هي هيِّنة، القولُ بالوجوبِ قويٌّ جدًّا ما هو هيِّن
طالب: إذا قُلنا: إنَّ الإتمامَ يُبطل الصلاةَ فإنه لا يجوز متابعةُ الإمامِ على هذا.
الشيخ: يعني إذا قلنا بوجوب القَصْر لَزِم مِن ذلك بُطْلانُ الصلاةِ بالإتمام، ومتابعةُ الإمامِ فيما يُبطِل الصلاةَ لا تجوز، ولهذا لو صلَّى الإمامُ سِتًّا لا يجوز أن نصلِّي سِتًّا، هذا أَدْنى ما يُقال في دَفْعِ القولِ بالوجوبِ؛ أنْ يُقال: إنَّ الصحابةَ شِبهُ مُجْمِعينَ على الإتمام خلفَ عثمان رضي الله عنه، ولو كان القَصْر واجبًا ما أَتَمُّوا خَلْفه، وقد استدلُّوا أيضًا بما قال الأخ: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ».
لكن هذا أُجِيبَ عنه بأنَّ الصدقةَ قد تكون واجبةً؛ كقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: 60]، وأيضًا يُقَرِّر وجوبَ هذه الصدقةِ أنَّ الرسولَ قال: «فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ»، والأصلُ في الأمْرِ الوجوبُ.
على كلِّ حالٍ أدنى أحوالِ الإتمام أنْ يكون مكروهًا، إي نعم.
طيب، رجلٌ ذَكَرَ صلاةَ سَفَرٍ في سَفَرٍ؟
طالب: يُصَلِّيها قَصْرًا.
الشيخ: كيف؟ لكنْ تخلَّلَهُما إقامةٌ.
الطالب: نعم؛ لأنه ذكرَها في سفرٍ، والأصل..
الشيخ: يعني هو سافرَ مثلًا مِن مكةَ إلى المدينةِ ونَسِيَ صلاةً، والمدينةُ هي بلدُهُ، ثم رجعَ إلى مكة، وفي أثناء السفر ذَكَر أنه لم يُصَلِّ.
الطالب: يُصلِّيها قصرًا.
الشيخ: ولو تخلَّلَهما إقامةٌ؟ ماذا تقولون؟
الطلبة: صح.
الشيخ: صح، تمام؛ لأن هذه الصلاةَ وجبتْ أداءً وقضاءً في سفرٍ.
لو ذَكَر صلاةَ حَضَرٍ في سَفَرٍ؟
طالب: يُتِمُّ.
الشيخ: ذَكَر صلاةَ حَضَرٍ في سَفَرٍ يُتِمُّ؟
الطالب: هذا على رأي المؤلف.
الشيخ: إي، يُتِمُّ، كيف يُتِمُّها وهو ذَكَرها في السفر؟
الطالب: هذا رأي المؤلف؛ لأنها وجبتْ تامَّةً.
الشيخ: تامَّة، هل فيه دليل من السُّنةِ على هذا؟
الطالب: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (13).
الشيخ: نعم، وجْهُ الدلالة؟
الطالب: أنه متى ذَكَرَها (... ).
طالب: وجهُ الدلالةِ: «فَلْيُصَلِّهَا».
الشيخ: «فَلْيُصَلِّهَا» الضمير يعود على الصلاةِ المنسِيَّةِ، إذَنْ إنْ كانتْ تامَّةً فلَزِمتْهُ تامَّةً، وإنْ كانتْ مقصورةً لَزِمتْهُ مقصورةً، ولهذا لوْ ذَكَرَ صلاةَ ليلٍ في نهارٍِ صلَّاها جهريَّةً، ولوْ ذَكَرَ صلاةَ نهارٍ في ليلٍ صلَّاها سِرِّيَّةً.
طالب: العلَّة موجودة.
الشيخ: هذا الدليل.
الطالب: للسفر.
الشيخ: أقول: هذا هو الدليل؛ «فَلْيُصَلِّهَا» هذه مَقضيَّة، ما هي أصليَّة.
لو ذَكَرَ صلاةَ سَفَرٍ في حَضَرٍ؟
طالب: صلى قصْرًا.
الشيخ: صلاة سفرٍ في حضرٍ.
الطالب: يقصر.
الشيخ: يعني يُصَلِّيها قصرًا.
الطالب: نعم.
الشيخ: وهو ببلده؟ ما الدليل؟
الطالب: قولُ الرسولِ عليه الصلاة والسلام: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا»، «فَلْيُصَلِّهَا».
الشيخ: وهذه صلاةٌ وجبتْ ركعتينِ، فلا يَلْزمُهُ إلا ركعتانِ, صحيح؟
طالب: القول الصحيح..
الشيخ: هذا القول الصحيح الثاني المؤلف يرى
طالب: يذكر أنه يتم
الشيخ: يتم؟
الطالب: نعم
الشيخ: ليش؟ حجته؟
الطالب: (... ).
طالب: كان يقول: إذا اجتمعَ مُبِيحٌ وحاظِرٌ (... ).
الشيخ: إي، اجتمعَ مُبيحٌ وحاظِرٌ فغُلِّبَ جانبُ الحظْر، تمام.
رجلٌ صاحبُ نَقْلِيَّاتٍ، دائمًا في سَفَرٍ، هلْ يَقْصُر أو لا يَقْصُر؟
طالب: يَقْصُر.
الشيخ: تراه دائمًا في سفرٍ؛ مِن مكةَ إلى المدينةِ إلى الرياضِ إلى الدمَّامِ.
الطالب: لأنه مفارقٌ عامرَ قريتِهِ.
الشيخ: عامرَ قريتِهِ، فيقصُر، والحديث عامٌّ، والآية عامَّةٌ؛ ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْض﴾ [النساء: 101]، فما داموا ضاربينَ في الأرضِ فإنهم يقصُرون.
صاحبُ سفينةٍ دائمًا في البحر مِن ميناءٍ إلى ميناءٍ؟
الطالب: اشترطَ المؤلف شرطينِ (... ).
الشيخ: هلْ يَقْصُر أو يُتِمُّ؟
الطالب: (... ) شرطين.
الشيخ: أولًا أجبْ ثم اذْكُر الشروط، هلْ يَقْصُر أو يُتِمُّ؟
الطالب: معه أهلُهُ أمْ لا؟
الشيخ: لا، السؤالُ هلْ يقصُر أمْ يُتِمُّ؟ قلْ لي: يقصُر بشروط، أو: يُتِمُّ بشروط، اللِّي تبغيه.
الطالب: في سَفَر؟
الشيخ: ملَّاحٌ في البحرِ دائمًا.
الطالب: يقصُر.
الشيخ: بدون شرط؟
طالب: إنْ كان معه أهلُه ولا ينوي الإقامةَ في البلد لَزِمَهُ أن يُتِمَّ، وإنْ كان ليس معه أهلُه وينوي الإقامةَ في البلد يقصُر.
الشيخ: نعم، تمام، صح، إذا كان معه أهلُه ولا ينوي الإقامةَ في البلد لَزِمَهُ أنْ يُتِمَّ؛ لأنه أصبح بلدُه أيش؟ سفينتَهُ، تمام.
هل الجمعُ سُنَّةٌ أو واجبٌ أمْ ماذا؟
طالب: الجمع إذا كان بسببٍ فهو سُنَّة..
الشيخ: نريد كلامًا على رأْيِ المؤلف.
الطالب: جائز.
الشيخ: جائز، ليس بسُنَّةٍ ولا واجبٍ ولا مكروهٍ ولا حرامٍ، جائز.
أيُّ عبارة تدلُّ على هذا من كلام المؤلف؟
طالب: قوله: (يجوز الجمع).
الشيخ: (يجوز الجمع)، تمام.
ما تقول يا أخ في الجمع بين العِشاء والفجر؟
طالب: لا يوجد جَمْعٌ بين العِشاء والفجر؛ لأن بينهما وقتًا مفصولًا عنهما.
الشيخ: لانفصالها في الوقت عن؟
الطالب: عن العِشاء.
الشيخ: عن العِشاء.
ما الذي فَصَلَهما؟
الطالب: الوقتُ الذي من نصف الليلِ إلى طلوعِ الفجر.
الشيخ: أحسنتَ.
الجمعُ بين المغربِ والعصرِ؟
طالب: لا يجوز الجمع.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأن العصرَ في صلاةِ النهارِ والمغربَ في صلاةِ الليلِ.
الشيخ: يعني اختلاف الجنس؛ العصرُ نهاريَّةٌ، وهذه ليليَّةٌ، وإلَّا فالوقت بينهما متَّصل، تمام.
ما هو القولُ الراجحُ في القصْر؟
الطالب: القولُ الراجحُ في القصْر أنه سُنَّة.
الشيخ: سُنَّة, مطْلقًا؟
الطالب: لا، سُنَّةٌ للجادِّ في السير.
الشيخ: إذا جدَّ في السير، وإنْ كان لم يَجِدَّ بالسير فهو جائزٌ ولكن تَرْكه أفْضَل، تمام.
بسم الله الرحمن الرحيم
نأخذ الدرس الجديد إنْ شاء الله.
قال المؤلف رحمه الله: (والأفضلُ فِعْلُ الأَرْفَقِ به مِن تأخيرٍ وتقديمٍ).
(الأفضل) أي: لِمَنْ يُباح له الجمْعُ (فِعْلُ الأَرْفَقِ به مِن تأخيرٍ وتقديمٍ)، فإنْ كان التأخيرُ أَرْفَقَ فلْيُؤَخِّرْ، وإنْ كان التقديمُ أَرْفَقَ فلْيُقَدِّمْ، هذا هو الأفضل، ودليلُ هذا قولُه تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، وقولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم «إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ» (14)، هذا دليلٌ، ولأنَّ الجمْعَ إنما شُرِع رِفْقًا بالمكلَّف، فما كان أَرْفَقَ به فهو أفضل، فصارَ لدينا دليلانِ من الكتاب والسُّنة، وهذانِ دليلانِ أثريَّانِ، والثالثُ دليلٌ نظريٌّ؛ وهو أنَّ الجمع إنما شُرِع؟
طالب: رِفْقًا بالمكلَّف
الشيخ: رِفْقًا بالمكلَّف، فما كان أَرْفَقَ فهو أفضل.
وسُنَّةُ الرسولِ عليه الصلاة والسلام تدلُّ على هذا؛ فإنه صلى الله عليه وسلم كان إذا ارتَحَلَ قبْلَ أنْ تَزِيغَ الشمسُ أخَّرَ الظُّهرَ إلى العصرِ، وإذا ارتَحَلَ بعدَ أنْ تَزِيغَ الشمسُ صلَّى الظُّهرَ والعصرَ ثم ركِبَ (6).
وكذلك المريضُ لو كان الأرفقُ به أنْ يُقَدِّم صلاةَ العِشاء مع المغربِ قُلنا: هذا أفضل، ولو كان بالعكس أنْ يؤخِّر المغربَ إلى العِشاء قُلنا: هذا أفضل.
طيب، الجمعُ في المطرِ، هل الأفضل التقديم أو التأخير؟
الطلبة: التقديم.
الشيخ: لماذا؟
طالب: أَرْفَق.
الشيخ: لأنه أَرْفَقُ بالناس، ولهذا نجد الناسَ كلَّهم في المطر لا يَجْمعون إلا جَمْعَ تقديمٍ.
يقول: (الأفضلُ فِعْلُ الأَرْفَقِ به مِن تأخيرٍ وتقديمٍ).
واعلمْ أنَّ كلام المؤلف هنا لا يعني أنه إذا جازَ الجمعُ فلا بُدَّ أنْ يكون تقديمًا أو تأخيرًا، بلْ إذا جازَ الجمعُ صار الوقتانِ وقتًا واحدًا، فيجوز أنْ تُصلِّي المجموعتينِ في وقت الأُولى أو في وقت الثانيةِ أو فيما بين ذلك، وأمَّا ظنُّ العامةِ أنَّ الجمعَ لا يجوز إلَّا في وقت الأُولى أو وقت الثانية فهذا لا أصلَ له؛ لأنه متى أُبِيحَ الجمعُ صارَ الوقتُ وقتًا واحدًا.
قال: (الأفضلُ فِعْلُ الأَرْفَقِ به مِن تأخيرٍ وتقديمٍ).
استثنى بعضُ العلماء قال: إلَّا جَمْع عَرَفَةَ فالأفضلُ التقديمُ، أو مزدلفةَ فالأفضلُ التأخيرُ.
ولكنَّ هذا لا وجْهَ له؛ لأنَّ جَمْع عَرَفَةَ تقديمًا أَرْفَقُ بالناسِ من الجمْعِ تأخيرًا؛ لأن الناس لا يمكن أن يُحبَسوا إلى وقت العصرِ مجتمعين وهُم يريدون أن يتفرَّقوا في مواقفهم ويدْعُون الله، فالأرفقُ بهم بلا شكٍّ أيش؟ التقديمُ، أمَّا في مزدلفة فالأرفقُ التأخيرُ؛ لأن إيقافَ الناسِ في أثناء الطريقِ وهُم في سَيْرِهم إلى مُزدلفة فيه مشقَّة، فالأرفقُ إذَنْ هو التأخيرُ، وعلى هذا فإنه لا وجْهَ للاستثناء.