أخت ابنك من الرضاع لا تحرم عليك؛ يعني: ابنك رضع من امرأة لها بنت، يجوز أن تتزوج بالبنت أنت يا أبا الرضيع؟ نعم يجوز أن تتزوج بالبنت؛ لأنه ما بينك وبينها علاقة، ولأنها نظير ما يحرم بالمصاهرة؛ لأن أخت ابنك من الرضاع؛ إن كانت هي رضعت من زوجتك فهي بنتك من الرضاع، ما يقال: أخت ابنك من الرضاع، يقال: بنتك من الرضاع، وإن كان ابنك رضع من أمها فلا علاقة بينك وبينها، وهي نظير من يحرم بالمصاهرة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ» (3).
طالب: وجه الاستثناء؟
الشيخ: وجه الاستثناء ظاهر؛ لأن أخت ابنك من النسب حرام عليك بكل حال؛ لأنها إما بنتك، أو ربيبتك، أخت ابنك من الرضاع ما تحرم عليك؛ لأنها إن كانت من امرأتك -رضعت هي من امرأتك- فهي بنتك، ولا يقال: أخت ابنك، وإن كان ابنك هو الذي رضع من أمها فلا علاقة بينك وبينها؛ لأنها ما هي من زوجتك حتى نقول: ربيبة، من امرأة أجنبية.
ووجه ذلك أن أخت ابنك من النسب إنما تحرم عليك بكل حال؛ لأنها إما من طريق النسب، وإما من طريق المصاهرة، والرضاع لا تؤثر فيه المصاهرة، وهذا أيضًا نقول فيه ما قلنا بالأول: إنه لا وجه لاستثنائه؛ لأنه غير داخل في لفظ الحديث من الأصل، والذي يستثنى ما كان داخلًا فيُخرَج، أما ما لم يكن داخلًا فالذي دخل يكون ويش عليكم منه؟ أنا واقف عند الباب، ما دخلت حتى تطلعوني؟ فلا وجه لاستثنائه.
ثم إن في الاستثناء قلنا: نوع استدراك على لفظ الشارع، والشارع اللفظ فيه محكم متقنٌ.
طالب: الاستثناء قلنا: ليس داخلًا في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم..
الشيخ: إي، لكن ويش اللي استثنينا أولا؟ «يَحْرُمُ بِالرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ» (3)، إلا؟
الطالب: إلا أخت الابن من (... ).
الشيخ: إلا أخت ابنه، ويش بعد؟ وأُم؟ ويش قلنا؟
طالب: أم أخته وأخت ابنه.
الشيخ: إلا أم أخته وأخت ابنه، وجه الاستثناء على كلام المؤلف أنه بالنسب؛ أن أم أختك من النسب (... ).
ربيبتك، لكن في الرضاع الأمر بالعكس؛ أم أختك من الرضاع قد لا تكون زوجة أبيك، أم الأجنبية ما لها دخل، فلا تحرم عليك، وكذلك نقول في أخت ابنه..
طالب: الاستثناء -يا شيخ- قوله: أم أخته ولا قال: أم أخيه؟
الشيخ: إي؛ لأن أخاه ما بينه وبينهم تناكح، فيه حد بيتزوج أخاه؟ !
الطالب: لا، الأم.
الشيخ: ويش لون؟
الطالب: قال: أم أخته ولا قال: أم أخيه؛ يعني هي الأم هذه المرضعة؟
الشيخ: أم أختك الآن تحرم عليك بالنسب؛ لأنها إما أمك، وإلا زوجة أبيك، سدا ولَّا لا؟ طيب أم أخيك..
الطالب: إي نعم، مثل أم أختك.
الشيخ: زين، هذا نفس الشيء.
الطالب: لا، أقول: مثل..
الشيخ: نعم مثله.
قال المؤلف: (ويحرم بالعقد ما يحرم) إلى آخره، اللي مضى عندنا الآن كم؟ من المحرمات إلى الأبد؟ صنفان؛ النسب واللعان.
يقول: (ويحرم بالعقد زوجة أبيه وكل جد، وزوجة ابنه وإن نزل) (يحرم بالعقد) أي عقد؟ عقد الزوجية، بدليل قوله: (زوجة أبيه)، وقوله: (بالعقد) للسببية الباء، والمراد بالعقد هو العقد الصحيح، يحرم به زوجة أبيه وإن علا، فكل امرأة تزوجها أبوك ولو طلقها فهي حرام عليك إلى الأبد، وكل امرأة تزوجها جدك من قبل الأب أو من قبل الأم فهي حرام عليك إلى الأبد.
الدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 22]، فلو تزوجها فهو أعظم من الزنا، لو تزوجها لكان أعظم من الزنا؛ لأن الله قال في الزنا: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32]، وأما هذا فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 22]، فنكاح ذوات المحارم أعظم -والعياذ بالله- من الزنا؛ ولهذا ذهب كثير من أهل العلم إلى أن من زنا بأحدٍ من محارمه ولو لم يكن محصنًا فإنه يجب قتله، وفي هذا حديث في السنن (10)، ويأتي -إن شاء الله- الكلام عليه.
طيب، إذن يحرم زوجة أبيه، ويش قلنا؟ وإن علا من قبل الأب أو من قبل الأم، الدليل ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 22]، وبمجرد العقد يثبت النكاح، ولم يشترط الله سبحانه وتعالى لا دخولًا ولا غيره، بمجرد العقد الصحيح يثبت هذا الحكم.
ثانيًا: (وزوجة ابنه وإن نزل) لقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: 23]، هذا الدليل.
طالب: والزوجة (... )؟
الشيخ: قلنا: وإن علا، داخلة في الأب..
الطالب: على المذهب؟
الشيخ: نعم، قلنا: في مسألة..
الطالب: ما استدلوا به؟
الشيخ: نعم، ما استدلوا به؛ لأننا قلنا في باب النكاح: النكاح يؤثر فيه أدنى سبب؛ ولذلك أثر فيه الرضاع، ولم يؤثر الرضاع في الإرث ولا في النفقات ولا في غيره، النكاح ليس كغيره أدنى سبب يؤثر فيه، وإلا كان استدللنا بها عليه، كانوا استدلوا بها عليه، لكن هم يجيبون لأن مسألة النكاح ما تقاس عليها مسائل الفرائض؛ لأن أدنى سبب يؤثر فيه.
(زوجة ابنه وإن نزل) يعني: ابنه وابن ابنه وابن بنته وإن نزل، فكل من ينتسب إليك بأبوة من جهة الأب أو من جهة الأم فإن زوجته حرام عليك.
ما هو الدليل؟ ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: 23].
هذا اثنان.
عبَّر عن ذلك بعض أهل العلم بقوله: يحرم بالعقد على الزوجة -نطاق محصور- أصول الزوج وفروعه.
كذلك يقول: (وزوجة ابنه وإن نزل دون بناتهن وأمهاتهن) ويش معنى (دون بناتهن وأمهاتهن)؟ يعني: دون بنات زوجة أبيه، ودون بنات زوجة ابنه، ودون أمهاتهن، الحقيقة أن هذا الاستثناء لو ما جابه المؤلف كان أوضح، لكن لا بد أن نشرحه.
(دون بناتهن) اللي تكلم عليه المؤلف زوجة الأب وإن علا، وزوجة الابن وإن نزل، زوجة الأب وإن علا حرام على من؟ على الابن وإن نزل، وزوجة الابن وإن نزل حرام على الأب وإن علا، تبادل.
(دون بناتهن) فابنة زوجة أبيك حلال لك.
طالب: ابنة زوجة أبيك؟
الشيخ: إي، ابنة زوجة أبيك حلال لك.
الطالب: من رجل آخر.
الشيخ: طبعًا من رجل آخر، لو كانت من أبيك صارت أختك.
طالب: ربيبة.
الشيخ: ما هي ربيبة لك، ربيبة لأبيك.
طالب: (... )؟
الشيخ: (... ) بنت زوجة أبيك حلال لك، فيجوز للرجل أن يتزوج امرأة وابنه بنتها.
وكذلك أيضًا زوجة الابن يجوز للأب أن يتزوج بنتها من غير ابنه؛ لأن بنتها من ابنه يكون هو جدها، لكن يتزوج بنت زوجة ابنه من غير الابن، يصح ولَّا لا؟
طالب: نعم.
طالب آخر: يصح.
الشيخ: فعلى هذا يجوز أن يتزوج الرجل بنتًا ويتزوج أبوه بنتها.
طالب: (... )؟
الشيخ: ما وصلنا للأمهات، بنتها.
قال المؤلف: (وأمهاتهن) عكس المسألة هذه، فيجوز للإنسان أن يتزوج أم زوجة أبيه، إلا أن تكون زوجة أبيه أمه، هو ما يجوز أن يتزوج أمها؛ لأنها تكون جدته، إذن يجوز أن يتزوج أم زوجة أبيه.
وكذلك يجوز للرجل أن يتزوج أم زوجة ابنه أو ما يجوز؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز.
طالب: (... ) أم زوجة ابنه.
الشيخ: يجوز، أم زوجة ابنه، إي نعم؛ ولهذا قال: (دون بناتهن وأمهاتهن)، والسبب في ذلك -يا إخواننا- أن التحريم يختص بالزوجين دون فروعهم وأصولهم؛ يعني بمعنى: أن الزوجة فقط يحرم عليها أصل زوجها وفرعه، والزوج نفسه يحرم عليه أصل زوجته وفرعها، أضبطوا القاعدة دي، ولا حاجة إلى الاستثناء اللي يمكن يشكل عليكم.
طالب: (... )؟
الشيخ: الزوج وحده يحرم عليه أصول زوجته وفروعها؛ يعني: أمهاتها وإن علون، وبناتها وإن نزلن، والزوج نفسه يحرم عليه أصول زوجته وفروعها؛ يعني: أمهات زوجته وإن علون، وبناتها وإن نزلن.
يقول المؤلف: (وتحرم أيضًا أم زوجته وجداتها بالعقد) ويش معنى (بالعقد)؟ أي: بمجرد العقد مثل لو (... )، يحرم على الزوج أم زوجته وجداتها بالعقد، الدليل..
طالب: حتى ولو لم يدخل عليها يا شيخ؟
الشيخ: نعم ولم يدخل عليها، الدليل قوله تعالى في معرض المحرمات: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 23]، ﴿أُمَّهَاتُ﴾ يدخل بها الجدات وإن علون.
طالب: ويدخلها البنات؟
الشيخ: يا أخي هي البنت تصير الأم، اصبر يا أخي.
﴿أُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ فيحرم بالعقد، يحرم على من؟ على الزوج فقط دون أصوله وفروعه يحرم عليه أمهات زوجته وإن علون، ويش نسمي أمهات الزوجة أصول ولَّا فروع؟
الطلبة: أصول.
الشيخ: أصول، اضبطوا الثلاثة الآن، عندنا يحرم بالعقد على الزوجة أصول زوجها وفروعه بالعقد، وعلى الزوج أصول الزوجة، الثلاث ها دولي بمجرد العقد.
(... ) في باب المصاهرة: يحرم بمجرد العقد على الزوج نفسه أصول زوجته وفروعها.
طالب: أصول الزوجة؟
الشيخ: إي نعم، أصول الزوجة فقط وفروعها على هذا الزوج، ويحرم كذلك بالعقد على الزوجة أصول الزوج..
طلبة: وفروعه.
الشيخ: لا، قلناها..
طلبة: لا.
الشيخ: ويحرم على الزوج فقط أصول الزوجة بالعقد.
طالب: دون الفروع.
الشيخ: الفروع فيها تفصيل يجيء، صار اللي يحرم بالعقد ثلاثة: أصول الزوجة وفروعها على من؟
طلبة: على الزوج.
الشيخ: على الزوج، وأصول.. عكسنا -الله يهديكم- يحرم بالعقد على الزوجة أصول الزوج وفروعه، تمام، هذا محكم مضبوط، اكتبوه ما فيه شيء.
وكذلك يحرم بالعقد على الزوج أصول الزوجة، كم دوله؟
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة، هؤلاء يثبت فيهم التحريم بالعقد، مين بقي معنا؟
طالب: فروع الزوجة.
الشيخ: باقي معنا فروع الزوجة، فروع الزوجة ما يحرمون على زوجها إلا بالدخول، ما يكفي العقد وحده، لا بد من الدخول وهو الجماع؛ ولهذا قال المؤلف: (ويحرم عليه أم زوجته وجداتها بالعقد وبنتها وبنات أولادها بالدخول) (بنتها) ويش بنتها من فروعها؟
طالب: نعم.
الشيخ: (وبنات أولادها) فرع، وقوله: (بنات أولادها) يشمل بنات الأبناء وبنات البنات؛ لأن (الأولاد) إذا أُطْلِقت شملت البنين والبنات، إذن هذا هو الذي وحده ينفرد عن الثلاثة، ويش ينفرد به؟ بأنه لا بد من الدخول وهو الجماع، اللي هو فروع أيش؟ فروع الزوجة على من؟ على الزوج لا بد فيه من الدخول.
الدليل قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: 23] ﴿رَبَائِبُكُمُ﴾ من هن الربائب؟ بنات الزوجة وإن نزلن، لكن لاحظوا الآية الكريمة مشروطة، نحن اشترطنا شرطًا واحدًا؛ وهو الدخول، والله تعالى في القرآن اشترط شرطين: أحدهما في الربائب، والثاني في الزوجات، الربائب اشترط فيهن: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾، ﴿رَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾، والنساء الزوجات اشترط: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾، فجعل الله تعالى شرطين؛ شرطًا في الربائب، وشرطًا في النساء الزوجات، ونحن ما ذكرنا إلا شرطًا واحدًا في؟
طلبة: الزوجات.
الشيخ: الزوجات، إذن فالدليل أخص من المدلول، ومعلوم أنه لا يجوز الاستدلال بالأخص على الأعم؛ لأن المدلول تابع للدليل، فإذا كان الدليل خاصًّا وجب أن يكون المدلول خاصًّا، فنحتاج حينئذٍ إلى الإجابة عن الآية الكريمة.
طيب، ما هو الجواب؟
أجاب بعض أهل العلم بأن هذا الشرط شرطٌ مقيِّدٌ وأنه لا بد من الشرطين: أن تكون الربيبة بالحجر، وأن تكون الزوجة مدخولًا بها، وهؤلاء لا يمكننا أن نقول لهم شيئًا، ويش السبب؟ لأنهم تمسكوا بظاهر القرآن، فـ ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ مثل ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾؛ الكل منهما صفة لموصوفه، هؤلاء ما نطالبهم بالإجابة عن الآية.
إذن عند هؤلاء لو لم تكن الربيبة في حجرك حَلَّت لك؛ مثل أن تكون بنت الزوجة عند أبيها السابق، فهو على قول هؤلاء تحل لك؛ لأن الله اشترط شرطًا، ولأنها إذا كانت في حجرك فهو المناسب ألَّا تحل لك؛ لأنها أصبحت مثل بنتك بالرعاية والولاية، فهي بنت زوجتك، وهي في حجرك، وإذا لم تكن في حجرك فهي كالأجنبية منك.
وقال جمهور أهل العلم: إن ذلك ليس بشرط؛ يعني: لا يُشترط أن تكون الربيبة في الحجر.
هؤلاء يحتاجون إلى الإجابة عن الآية الكريمة؛ لأن كل أحد يخالف ظاهر القرآن لا بد أن يأتي بدليل، وإلا رُدَّ قوله، أجابوا عن الآية الكريمة بأن هذا القيد؛ إما للإشارة إلى الحكمة والعلة؛ وهي أن ربيبتك كالتي في حجرك من بناتك وليست مقصودة.
وأجاب آخرون بأن ذلك مبني على الغالب؛ أن الإنسان إذا تزوج امرأة لها بنت أن بنتها تكون مع أمها.
وفي كلا الجوابين عندي نظر وقلق، أما إذا قلنا بأن العلة الإشارة إلى الحكمة، نقول إذن فلنتبع الحكمة، ولَّا لا؟ إن وجدت، وإلا فانتفى الحكم.
وأما القائلون بأن هذا مبني على الأغلب ففيه نظر أيضًا؛ لأنه من المعروف أن المرأة إذا تزوجت سقط حقها منين؟
طلبة: من الحضانة.
الشيخ: من الحضانة، وحينئذٍ تكون البنت مع أبيها، فالغالب ألَّا تكون مع أمها، يندر أن تكون امرأة مات عنها زوجها ولها بنات، ثم تزوجها رجل وصار بناتها عنده كبناته، هذا وإن كان واقع لكنه نادر بالنسبة للواقع الكثير.
لكن عندي أن هذا الشرط غير مقصود؛ بدليل آخر الآية اشترط الله تعالى شرطين: ﴿رَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾، ثم أتى بمفهوم شرط واحد فقط؛ وهو قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 23]، مما يدل على أن مفهوم الشرط الأول غير معتبر، ولو كان معتبرًا لبينه الله عز وجل، ولقال: فإن لم يكنَّ في حجوركم أو لم تكونوا دخلتم بأمهاتهن فلا جناح عليكم، فلما لم يقل ذلك عُلِم أن هذا الشرط ليس قيدًا.
وهذا القول هو قول جمهور أهل العلم، وهوالراجح؛ أنه لا يُشترط في الربيبة -أي: في تحريمها على زوج أمها- لا يُشترط أن تكون في حجره، ولو كانت من زوج سابق أو من زوج لاحق، هذا هو الصحيح.
وعلى هذا فتكون القاعدة عندنا في تحريم المصاهرة، القاعدة كما يلي: أولًا: يحرم على الزوجة أيش؟
طلبة: أصول زوجها.
الشيخ: أصول زوجها وفروعه، سدا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: طيب، أصولها هل يحرمون على أصول الزوج؟
طالب: لا.
طالب آخر: إي نعم.
الشيخ: أقول: أصول زوجها هل يحرمون على أصولها؟
طالب: لا.
الشيخ: طيب..
طالب: عليها هي.
الشيخ: لا، هذا قلناه، طيب فروعها هل يحرمون على فروع زوجها؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يحرمون؟ بنت زوجتك يجوز ولدك يتزوجها؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: زين، إذن يحرم على الزوجة وحدها -حط تحتها خط- أصول زوجها وفروعه، ويحرم على الزوج فقط أصول زوجته، هذا يضاف إلى ما سبق أنه يحرم بمجرد العقد، ويحرم عليها أيضًا فروعه -اللي هم عياله، بناته وبنات عياله وما أشبه ذلك- ويش به؟ بشرط الدخول.
طالب: (... )؟
الشيخ: إلا يحرم عليه، قلنا: يحرم على الزوج أصول الزوجة بالعقد، وهذا يضاف إلى ما سبق؛ أنه بمجرد العقد، ويحرم عليه أيضًا فروعها، لكن بشرط الدخول؛ وهو الجماع.
لو تزوج امرأة وعقد عليها ودخل عليها وجلس عندها مدة طويلة ولكنه ما جامعها، ثم طلقها ولها بنت، يجوز يتزوج البنت؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يجوز؛ لأنه لم يجامعها ولا بد من الجماع، فهذا هو الذي يحرم، ويقول العلماء: هذا يحرم بالمصاهرة، هذا من المحرمات بالمصاهرة.
طالب: الدخول عليها (... )؟
الشيخ: لا، ما يعمم، هذا كمسألة العدة، كمسألة المهر أن مجرد الخلوة..
الطالب: (... ).
الشيخ: لا، ما ورد في مسألة المهر إلا ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: 236]، ذكر بلفظ المس، فألحق به الصحابة الخلوة، على أن المسألة فيها خلاف مثل المهر، إنما هذه لا بد من الجماع.
طالب: (... )؟
الشيخ: لا، ﴿دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: 23] ما قال: عليهن، ففرق بين هذا وهذا.
طالب: ولو فعل معها -يا شيخ- مقدمات الجماع؟
الشيخ: ولو فعل ما تحرم منه، لا بد من الجماع.
بقينا في مسألة، المؤلف يقول رحمه الله: (وبنتها)..
طالب: (... )؟
الشيخ: وهو؟
الطالب: (... ).
الشيخ: إي نعم، ويش مثل؟
الطالب: (... ).
الشيخ: لا، ما أستحضر شيئًا في هذا، والسلف مختلفون في هذا الأمر.
فيه مسألة: لو أن رجلًا زنا بامرأة، ما هو عقد، زنا بامرأة، فهل يحرم عليه أصلها وفرعها؟ وهل يحرم عليها أصله وفرعه؟
طلبة: ما يحرم.
الشيخ: لماذا؟
طالب: ليس زوج.
الشيخ: لأنه ما يدخل في الآية، الله قال: ﴿أُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ [النساء: 23]، ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: 22] ﴿مَا نَكَحَ﴾، ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء: 23]، والزانية ما تدخل في هذا، هل الزانية -المزني بها يعني قصدي- من حلائل الأبناء؟ يعني: لو زنا ابن شخص بامرأة، هل نقول: هذه المرأة من حلائله؟
طالب: لا، ليس من حلائله.
الشيخ: طيب، وهل نقول: إن أمها -أم هذه المزني بها- من أمهات نسائك؟
طالب: لا.
الشيخ: إذن فتكون حلالًا؛ لدخولها في قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24]، وفي قراءة: ﴿وَأَحَلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، فتكون داخلة في الحلال، ومع ذلك فالمذهب عندنا -مذهب الحنابلة- أن الزنا كالنكاح، فإذا زنا بامرأة حرم عليه أصولها وفروعها، وحرم عليها أصوله وفروعه تحريمًا مؤبدًا.
وهذا من غرائب العلم؛ أن يُجعل السفاح كالنكاح، هذا من أغرب ما يكون، وهو من أضعف الأقوال.
وأضعف منه أيضًا من قال: إن الرجل إذا لاط بشخص -والعياذ بالله- فهو كالمرأة المعقود عليها عقدًا شرعيًّا؛ فيحرم على هذا اللائط فروع الملوط به وأصوله، ويحرم على الملوط به فروع اللائط وأصوله، هذا أبعد وأبعد من القول الأول؛ وذلك لأن اللواط لا يحل الفرج فيه بأي حال من الأحوال؛ لا بعقد ولا بغير عقد، الزنا يحل الفرج فيه بأيش؟ بالعقد، فرج امرأة يمكن تعقد على امرأة ويحل لك، لكن اللواط -والعياذ بالله- ما.. هذا أيضًا أغرب من الأول، وأبعد عن الصواب من الأول.
والصواب أنه لا أثر في تحريم المصاهرة لغير عقد صحيح؛ أنه لا أثر بالمصاهرة لغير عقد صحيح؛ وذلك لأن العقود إذا أُطْلِقت في الشرع حملت على أيش؟ على الصحيح.
ومن الغرائب أنهم يقولون في الظهار: لو ظاهر الإنسان من امرأة يثبت الظهار ولَّا لا؟ امرأة أجنبية ما هي بزوجته؟
طلبة: (... ).
الشيخ: مع أن قوله: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: 2] مثل ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ [النساء: 23] في هذا، وكذلك في الإيلاء ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: 226] قالوا: ما يثبت إلا مع زوجة، فكيف نقول في هذه المسألة؟
فالصواب في هذه المسألة -يا إخواننا- أن كل ما كان طريقه محرمًا فإنه لا أثر له في التحريم بالمصاهرة.
طالب: (... ) العقد بشبهة (... )؟
الشيخ: لا، العقد بشبهة؛ لأنه يعطى حكم الصحيح، العقد بشبهة؛ لأن العاقد يعتقد أنه صحيح.
الطالب: كان خطأً؟
الشيخ: خطأ؟
الطالب: (... ) بشبهة خطأ، العقد.
الشيخ: إي نعم، الشبهة قد تكون شبهة عقد أو شبهة اعتقاد، وأظن المسألة جماعية، وإلا لو لم تكن إجماعًا لكان في النفس شيء في شبهة الاعتقاد، إذا وطء امرأة يظنها زوجته فإن تحريم أصولها وفروعها عليه في النفس منه شيء، فإذا لم يكن إجماع فالأصل الحل.
أما إذا عقد عليها عقدًا فاسدًا بشبهة فهذا له حكم الصحيح.
هذه مسألة تتفرع على مسألة المصاهرة ويش هي؟ اللي ذكرنا الآن، هل الزنا كالنكاح تثبت به المصاهرة؟ وهل اللواط كذلك؟ وقلنا: إنه ليس كذلك، وإن إلحاق هذا بهذا من أبطل القياس ومن غرائب العلم.
البحث الثاني في مسألة المصاهرة: هل تثبت المصاهرة بالرضاع ولَّا ما تثبت؟ بمعنى هل يحرم على الزوجة آباء زوجها من الرضاع وأبناؤه من الرضاع أو لا؟
هذه المسألة جمهور أهل العلم -ومنهم الأئمة الأربعة- على أنه يثبت التحريم، فيقولون: إنه يحرم على الزوجة أبو زوجها من الرضاع وابن زوجها من الرضاع، ترى هي اللي مرضعته ولَّا غيرها؟
طالب: لا.
الشيخ: أسألكم هي اللي مرضعته ولَّا غيرها؟
طلبة: غيرها.
الشيخ: لأنها لو كانت هي المرضعة صارت أمه، واضح.
لكن هذا رجل له زوجتان، أرضعت إحداهما بنتًا، والثانية لم ترضعها، فهي بنته ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: زين، هذه البنت من الرضاع هل يؤثر الرضاع في مسألة المصاهرة؟ قلت لكم: إن جمهور أهل العلم يرون أنه مؤثر، وأن أصل زوجها من الرضاع -يعني أبا زوجها من الرضاع- حرام عليها؛ مثل أبي زوجها من النسب، وكذلك أم زوجته من الرضاع حرام عليه كأم زوجتها من النسب، قلت: هذا رأي من؟
طلبة: الجمهور.
الشيخ: جمهور أهل العلم، ومنهم الأئمة الأربعة.
ما دليلهم؟
استدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 23]، والمرضعة تسمى أمًّا؟
طالب: نعم.
الشيخ: تسمى أمًّا.
هذا دليل.
وقال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 22]، والأب من الرضاع يسمى أبًا، وكذلك ﴿حَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء: 23]، لكن في ﴿حَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ فيه شيء يمنع، لكن أجابوا عنه.
واستدلوا أيضًا -وهو العمدة في دليلهم، لو كان متجهًا- بقوله عليه الصلاة والسلام: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» (3)، فقالوا: كما أن أبا الزوج من النسب حرام على الزوجة فيكون أباه من الرضاع حرام عليها، وكما أن أم الزوجة من النسب حرام على الزوج فأمها من الرضاع أيضًا حرام.
هذا دليلهم.
أما شيخ الإسلام رحمه الله فقال: نعم، أنا أستدل بهذا الحديث عليكم «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»، فأنا أسألكم: ما سبب التحريم في أم الزوجة على الزوج؟
طلبة: المصاهرة.
الشيخ: ويش سبب؟ نسب، ما بينه وبينه نسب، صحيح بينه وبينه الأنثى نسب، لكن ما هي علاقة التحريم بين الأنثى وأبيها حتى نقول: نشوف ويش العلاقة؟ علاقة التحريم بين أم الزوجة وزوجها، والعلاقة بينهما ليست النسب، فما هي العلاقة أو سبب التحريم؟ هو المصاهرة، فالحديث يدل بمنطوقه على أنه يحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب، ويدل بمفهومه على أنه لا يحرم بالرضاع ما يحرم بغير النسب.
ثم إن استدلالكم بعموم قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 23] استدلال غير صحيح من الآية نفسها، لو كانت الأم عند الإطلاق تشمل الأم من الرضاع والأم من النسب لم يكن لقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ لم يكن لها فائدة؛ لأن ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ سبقت في أول الآية ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾، فلو كانت الأم عند الإطلاق يدخل فيها الأم من الرضاع ما كُرِّر، ما قيل: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، وكذلك الأخت من النسب، الأخت عند الإطلاق ما يدخل فيها الأخت من الرضاع، وإلا لما قال: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾، فلا دليل لكم.
وأما استدلالكم بقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: 22] فإن من المعلوم أن الأب من الرضاع لا يدخل في مطلق الأب أبدًا، هو يدخل في مطلق الأب؟ ما يسمى أبًا إلا بقيد، أب من الرضاع، فلا يدخل في مطلق الأب.
وكذلك نقول: ﴿أُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ ما يدخل فيها الأم من الرضاع؛ لأنا عرفنا أن كلمة (الأم) ما يدخل فيها عند الإطلاق الأم من الرضاع.
وأما قوله: ﴿رَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ (من) للتبعيض، ومعلوم أن البنت من الرضاع ما هي من المرأة، منين؟ من أُمٍّ أخرى، لكن هذه أرضعته.
وأما قوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء: 23] فإنها قد تكون حجة عليهم؛ لأن الله قال: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: 23] هذا القيد وين روحوه؟ قالوا: هذا القيد احترازًا من ابن التبني؛ يعني: لا من أبنائكم الذين تبنيتموهم، فيقال: إنه لا يمكن أن يحترز الله في القرآن عن ابن باطل شرعًا؛ لأن الابن الباطل شرعًا داخل حتى يحتاج إلى قيد يخرجه؟ غير داخل، فابن التبني ليس شرعيًّا من الأصل؛ ولهذا استدل الله عز وجل على بطلانه بأمر حسي معقول؛ ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: 4] صح؟ أو لا؟ ما فيه واحد له قلبان؟ الناس إذا صار الواحد (... ) يقولون: هذا له قلبان.
طالب: مبالغ.
الشيخ: مبالغ، طيب.
﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [الأحزاب: 4] صح ولَّا لا؟ هل الإنسان إذا قال لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي، يصير ظهرها كظهر أمه؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ ﴿مَا جَعَلَ﴾ (ما) نافية، و (جعل) فعل ماضٍ؛ يعني: ما جعلهم أبناء شرعًا، فإذن لم يقرر الله عز وجل البنوة المدَّعاة في الجاهلية، من الأصل ما قررها، فإذا لم تكن مقررة من الأصل صارت غير داخلة من الأصل، فلا حاجة إلى إخراجها في قوله: ﴿مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: 23].
وعلى هذا فالآية تدل على ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الذي نراه ونرجحه؛ أنه لا دخل للرضاع في المصاهرة؛ وذلك لأن لدينا عمومًا من القرآن، ما يمكن أن نخرم هذا العموم إلا بدليل بيِّن يخرمه، ما هو الدليل؟ ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24]، و (ما) هذه اسم موصول تفيد العموم، أي إنسان يقول: هذه المرأة حرام، نقول: جيب دليلًا، أو لا؟ نعم، مثلما قال النبي عليه الصلاة والسلام لما سئل: ما يلبس المحرم قال: لا يلبس كذا ولا كذا ولا كذا ولا كذا (11)، فأي واحد يقول: هذا حرام على المحرم، نقول له: جيب دليلًا، بل الآية أصرح من حديث المحرم؛ لأن فيها أصل التصريح: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24].
فعلى هذا يكون القول الراجح ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ من أن الرجل يجوز أن يتزوج أم زوجته من الرضاع، لكن بعد أن يفارق الزوجة بموت أو طلاق، ما يجمع بينهما؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «يَحْرُمُ بِالرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ» (3)، وهنا المحرَّم الجمع ما هو بالمرأة، المحرَّم الجمع، فإذا حرم الجمع بالنسب حرم بالرضاع.
ولهذا شيخ الإسلام رحمه الله في هذه المسألة لم يصب في أنه يجوز الجمع بين الأختين من الرضاع، هذا رأيه ليس بصواب.
كنت بالأول أذهب إلى طريق احتياطي فأقول: المرأة حلال، أم الزوجة من الرضاعة حلال، لكن تحتجب عنه، هذا ما فيه تناقض؟ حلال وتحتجب، تناقض؛ لأن الحلال ما..
طلبة: (... ).
الشيخ: طيب نشوف الآن.
كنت أذهب إلى هذا فأقول: إنها حلال للزوج إذا فارق بنتها من الرضاع، لكن تحتجب عنه، وهذا من باب الاحتياط، وأستدل لذلك بحديث ثبت عن الرسول عليه الصلاة والسلام..
طالب: كيف هي حلال وتحتجب عنه؟
الشيخ: إي، حلال وتحتجب، أو لا؟
طالب: حلال يتزوجها؟
الشيخ: إي، وتحتجب عنه، حلال أن يتزوجها ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24].
طالب: حلال لازم التناقض وتحتجب عنه؟ !
الشيخ: نقول: هذه أم زوجتك من الرضاع، نقول: إنها حرام عليك، هذا قول الجمهور، إذا كانت حرامًا لا تحتجب، ولَّا لا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: ولكني أقول: حلال، على رأي شيخ الإسلام، وتحتجب، على رأي الجمهور، حلال، على رأي الشيخ، وتحتجب، ما هو على رأي الجمهور..
طلبة: العكس.
الشيخ: العكس، سبحان الله العظيم! شيخ الإسلام يقول: إن أم زوجتك من الرضاعة حلال لك، فتحتجب عنك ولَّا لا؟
طالب: لا تحتجب.
طالب آخر: تحتجب.
الشيخ: إلا، إذا قلنا: إنها حلال لك فإنها تحتجب عنك، لكن رأي الجمهور يقولون: حرام عليك ولا تحتجب، أنا أقول: كنت أقول: إنها حرام عليك، هذا الصواب صح، إنها حرام عليك وتحتجب، هذا فيه تناقض ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: الآن فيه تناقض، بارك الله فيكم، الإنسان ينسى.
كنت أرى الاحتياط، ويقولون العوام: إن اللبن ما تظهر الزبد إلا بخض، كنت أقول: إن أم الزوجة حرام؛ تبعًا للجمهور، وتحتجب عنك؛ تبعًا لشيخ الإسلام ابن تيمية؛ وذلك لأننا إذا قلنا: إنها حرام عليك -على رأي الجمهور- تحتجب ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما تحتجب، وإذا قلنا: إنها حلال -على رأي الشيخ- تحتجب، لكني كنت أعمل بالدليلين، وأقول: هذه مسألة مشكوك فيها، وإذا شُكَّ في الأمر فإنه يُسلك فيه طريق الاحتياط فنأخذ بالاحتياط بما قاله الجمهور من تحريم نكاحها، ونأخذ بالاحتياط بما قاله شيخ الإسلام من وجوب الحجاب.
ما هو استناده؟ إذا قال قائل: هذان حكمان متناقضان؟
فإن بانَتِ الزوجةُ أو ماتَتْ بعدَ الْخَلْوَةِ أُبِحْنَ.
(فصلٌ)
وتَحْرُمُ إلى أَمَدٍ أختُ مُعْتَدَّتِه وأختُ زوجتِه وبنتاهما وعمَّتَاهما وخالتاهما، فإن طَلُقَتْ وفَرَغَت العِدَّةُ أُبِحْنَ، وإن تَزَوَّجَهما في عَقْدٍ أو عَقدينِ معًا بَطَلَا،
ثم رأى شَبَهًا بَيِّنًا بعتبة فقال لها: «احْتَجِبِي مِنْهُ» (1) أو لا؟
إذن كيف تحتجب منه وهي أخته؟ من باب الاحتياط فنعمل بالاحتياط.
مع أن بعض أهل العلم قال في قصة سَوْدَة: إنها ما هي من باب الاحتياط، من باب إعمال الدليلين؛ يعني: عندنا دليل وهو فراش يُوجِب أن تكون أختًا فهي أخت، وعندنا دليل وقرينة توجب ألا يكون أخًا لها وهو الشبه فلا تكون أختًا، لكن هذا -وإن كان لا شك أن له أصلًا وهو إعمال الدليلين- لكن إعمال الدليلين مع التناقض فيه نظر؛ لأن إعمال الدليلين ما يرتأى من الدليلين، فعندي أنه من باب الاحتياط، عندي أن قضية سودة من باب الاحتياط وليست من باب إعمال الدليلين، ولكن يبقى لماذا لا نقول في هذه المسألة بالاحتياط؟
تَبَيَّن لي بعد التأمل والتدبر أن كلام شيخ الإسلام ما يحتاج إلى الاحتياط فيه؛ لأن النصوص واضحة في أن قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24] يدخل فيه أُمُّ الزوجة من الرضاع وبنتها من الرضاع وكذلك أبو الزوج من الرضاع وابنه من الرضاع، ولكن من أراد أن يحتاط ويأمن ما فيه مانع، إذا كانت الأمور مشتبهة عليه فلا مانع أن يحتاط؛ يأخذ بقول هذا وبقول هذا، والنساء كثير، ما هو ما خلق الله إلا ها المرأة هذه، والله أعلم (... ).
(فإن بانت الزوجة أو ماتت بعد الخلوة أُبِحْنَ) (فإن بانت الزوجة) الزوجة المعقود عليها، ومعنى بانت أي: طلَّقَها زوجها إما طلاقًا بائنًا وإما طلاقًا لا عدة له؛ يعني: هي تَبِين إما بكونها لا عدة لها وإما بكون الطلاق بائنًا.
مثال ذلك: رجل عقد على امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها، فما رأيكم؟ هذه تَبِين بمجرد الطلاق؛ لأنه ليس لها عدة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾ [الأحزاب: 49].
الصورة الثانية: تزوجها ودخل عليها ولم يدخلْ بها، بل طلقها قبل أن يمسها، عليها عدة ولَّا لا؟
عليها عدة على المشهور عند أهل العلم، والمسألة فيها خلاف، لكن المشهور أن عليها عدة؛ لأنه استباح منها ما لا يُبَاح لغيره وهو الخلوة فعليها العدة، لكن ربما تبين، متى تبين؟ إذا انقضت العدة بانت.
المهم أنه إذا لم يدخل بالزوجة وطلقها أو ماتت هي قبل الدخول (أبحن).
وقوله: (بعد الخلوة) لها مفهوم موافقة ومفهوم مخالفة.
طالب: بعد الخلوة؟
الشيخ: (أو ماتت بعد الخلوة) لها مفهوم موافقة ومفهوم مخالفة؛ أما مفهوم الموافقة فإذا ماتت قبل الخلوة يُبَحْنَ ولَّا لا؟
الظاهر أنكم ما فهمتم الموضوع.
تزوج رجل امرأة ولها بنت من غيره، إن جامعها حرمت البنت لوجود الشرط، وإن طلقها قبل أن يخلو بها وهي عند أهلها، ما دخل عليها ولا شيء؛ تحل البنت ولا لا؟
طلبة: نعم، تحل.
الشيخ: تحل.
خلا بها ولم يجامعها فطلقها، تحل البنت؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لأنه قال: (بعد الخلوة)، تحل، كذا؟ دخل عليها، خلا بها وجامعها يعني: دخل عليها وبها؛ تحل البنت ولَّا لا؟
طلبة: لا، تحرم.
الشيخ: تحرم البنت، هذا مفهوم المخالفة، ومفهوم الموافقة إذا فارقها قبل الخلوة.
فالحاصل أن الرجل إذا تزوَّج امرأة ثم فارقها بموت أو طلاق ولها بنت.
كم من الأحوال؟
ثلاثة: إما أن يكون الفراق قبل الخلوة وقبل المسيس وقبل كل شيء فتحل، أو بعد الجماع فلا تَحِل؛ تحرم، أو بعد الخلوة دون الجماع فتحل، هذا منطوق كلام المؤلف: (أو ماتت بعد الخلوة أُبِحْنَ).
لو أنه ما جامعها، ولكن تزوج ابنتها؟
ما يحل، ما هو لأنها محرمة عليه تحريمًا مؤبدًا، إلى الآن ما ثبت التحريم المؤبد، لكن لا يحل من أجل الجمع؛ لأنه لا يُجْمَع بين المرأة وعمتها وأختها، ومن باب أولى أمها.
لو تزوجهما في عقد واحد؛ رجل له أُمٌّ وبنت، خطبهما إنسان؛ خطب من هذا الرجل أمه وابنته قال: الله يحييك، إحنا ما ندور إلا أنت، فجلس، وقال: زوجتك أمي وبنتي، فقال: قبلت.
ما تقولون في هذا؟
طلبة: (... ).
الشيخ: يبطلان، متأكدين؟ العجيب أن الفقهاء رحمهم الله يقولون: إن الذي يبطل نكاحه الأم فقط.
طالب: لأنها كبيرة.
الشيخ: لا، ما هو عشان أنها كبيرة يا شيخ، لا؛ يبطل نكاح الأم؛ لأن الأم تحرم؛ أم الزوجة تحرم بمجرد العقد، وقد عقد على البنت فحرمت الأم، وأما البنت فيصح نكاحها؛ لأنه ما تحرم حتى يُجامِع أُمَّها، هكذا قالوا.
والصحيح أن هذا باطل في العقد؛ لأنه وإن كان غير محرم من جهة، لكنه محرم من جهة أخرى، فإذا كان لو جمع بين أختين في عقد ويش حكم العقد؟
باطل؛ لو قال رجل لإنسان: تعال، عندي لك بنتان، ثم قال: زوجتك ابنتي فاطمة وعائشة.
فقال: قَبِلْت، فالنكاح باطل، فكيف عاد بالأم وبنتها؟ من باب أولى.
طالب: لو سبق أحدهما الآخر؟
الشيخ: لو سبق أحدهما الآخر صحَّ ما يصح.
الطالب: البنت وأمها؟
الشيخ: صحَّ، بس يكون المتأخر هو الباطل بكل حال؛ لأنه يكون من باب الجمع.
طالب: مثل إنسان عنده مرأة وأراد أن يأخذ بنت أخيها -امرأة كبيرة- يحل أنه يطلقها علشان يأخذه هذه؟
الشيخ: إي، لا بأس، ما يُشْرَط عليه.
الطالب: نيته أنه يطلقها علشان يأخذ..
الشيخ: إي، ما فيه بأس، ما فيه مانع.
الطالب: إذا خطب قبل أن يُطَلِّق؟
الشيخ: ما يجوز يخطب.
طالب: (... ).
الشيخ: يعني بنتها الربيبة قصدك؟ (... ) الربيبة؟
الله أعلم، الفقهاء لا فرق عندهم في هذا؛ الفقهاء يرونها تحرم، وهذا بالنسبة لما أرى تحتاج إلى تأمل.
ثم قال: (فصل) انتهت المحرمات إلى أبد، والمحرمات إلى أبد -يا جماعة- معناه ما تحل هذه المرأة إطلاقًا بأي حال من الأحوال.
فيه محرمات إلى أمد؛ المحرمات إلى أمد؛ يعني: معناه إلى مدة معينة، أو تَغَيُّر حالٍ إلى أخرى، وهؤلاء محرمات لسبب من الأسباب يزول؛ منها قال: (تَحْرُم إلى أمد أختُ مُعْتَدَّتِهِ وأخت زوجته وبنتاهما وعمتاهما وخالتاهما).
أولًا قوله: (أخت معتدته) معنى (أخت معتدته) يعني أخت المرأة التي في عدة منه، ولو كان الطلاق بائنًا.
مثال ذلك رجل له زوجة فطلقها، عدتها ثلاثة قروء، ما يجوز يتزوج أختها ما دامت ذيك في العدة، لا يجوز أن يتزوجها ما دامت أختها في العدة حتى تنتهي.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين أن تكون معتدة من فراق بائن أو من فراق غير بائن؛ يعني: أو رجعية؛ يعني: لا فرق بين أن تكون المعتدة بائنًا أو رجعية، ولا فرق بين أن تكون بائنًا من وفاة أو حياة، ويش رأيكم في هذا؟ ولا فرق بين أن تكون زوجته معتدة من وفاة أو حياة، أو ما يمكن من وفاة؟
طلبة: ما يمكن من وفاة.
الشيخ: ما يمكن، إذن المعتدة لا فرق بين أن تكون رجعية أو بائنًا؛ البائن مثل: طلق هذه المرأة آخر ثلاث تطليقات، بعد الطلقة الثالثة تَبِين قال: أبغي أتزوج أختها الآن.
نقول: لا، حتى تنقضي العدة، ثم بعد ذلك تحل لك الأخت؛ لماذا؟
لأن عُلَقَ النكاح لا تزال باقية، صحيح أن الآن ما يمكن ترجع لك أو لا؟ لكن لا زالت الآن آثار نكاحك باقية عليها ويش هي الآثار الباقية؟ العدة فلا تحل أختها حتى تنتهي.
أخت زوجته تحل؟
الزوجة إلى الآن ما طلقت، إلى الآن وهي معه، فأراد أن يتزوج أختها ما يَحِل؛ الدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: 23]، ما قال الله: حُرِّمت عليكم أخوات زوجاتكم مثلما قال: أمهات زوجاتكم ونسائكم، بل قال: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا﴾ [النساء: 23]، والواو حرف عطف، ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا﴾ (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر معطوف على قوله: ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23]؛ لأن الأصح أن العطف على أول معمول فنقول: الواو حرف عطف.
﴿أَنْ تَجْمَعُوا﴾ أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر معطوف على قوله: ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾، وعليه فيكون تقديرها: وجمعكم بين الأختين ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا﴾ [النساء: 23] حَوِّلْها إلى مصدر، حوِّل ﴿أَنْ تَجْمَعُوا﴾ إلى مصدر؟
طلبة: وجمع.
الشيخ: وجمعكم بين الأختين إلا ما قد سلف، إذن المحرم الجمع.
قال: (أخت زوجته وبنتاهما) بنتا أخت معتدته وزوجته، (بنتاهما) الضمير في (هما) يعود على المعتدة والزوجة.
طالب: لا، على أخت الزوجة وأخت المعتدة.
الشيخ: لا، على المعتدة والزوجة، (هما) (بنتاهما)؛ يعني الضمير المضاف إليه يعود إلى المعتدة والزوجة؛ يعني: وبنت أخت معتدته وبنت أخت زوجته.
طالب: لو كانت (... ) في الأصل بنت الزوجة.
الشيخ: لا، ما هي بنت الزوجة، بنت أخت المعتدة والزوجة؛ فالضمير في قوله: (هما) يعود إلى أخت المعتدة وأخت الزوجة؛ يعني: وبنت أخت معتدته وبنت أخت زوجته، ماذا تكون الزوجة لهاتين المرأتين؟
طالب: عمة.
طالب آخر: خالة.
الشيخ: خالة تكون خالتها؛ إذن لا يجمع بين المرأة وخالتها اللي هي بنت أختها، أين الدليل؟ الدليل ما ثبت في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» (2) هذا الدليل.
التعليل لأن الجمع بين هذه القرابة القريبة يؤدي غالبًا إلى قطيعة الرحم؛ لأنه من المعروف أن الضرتين يكون بينهما من العداوة والبغضاء والشحناء ما هو ظاهر، شيء يجعله الله تعالى في قلب المرأة؛ حتى النساء الفاضلات يحصل منهن تلك الغيرة؛ غيرتها على زوجها؛ فإذا غارت هذه القريبة مثلًا الخالة على بنت أختها هذا صعب؛ من أجل هذا أو من أجل البعد عن قطيعة الرحم حرَّم الشرع الجمعَ بين الأختين، وبين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها.
يقول المؤلف: (وعمتاهما وخالتاهما) عَمَّتَا مَنْ؟
طلبة: (... ).
الشيخ: عَمَّتَا المعتدة والزوجة، عمة الزوجة وخالة الزوجة أيضًا لا يُجْمَع بينهما؛ أي أن المعنى إذن سواء كانت الزوجة هي العمة والخالة، أو كان المجموع إليها هي العمة والخالة أخذ العلماء من هذا -يعني: جعلوا لهذا- قاعدة؛ فقالوا: كل امرأتين يحرم التناكح بينهما لنسب أو رضاع فإنه يحرم الجمع بينهما، فهمتهم هذه؟
هذه القاعدة: كل امرأتين لو قُدِّرَ أن إحداهما ذكرًا والأخرى أنثى ما جاز أن يتزوج إحداهما بالأخرى فإنه يحرم الجمع بينهما، أو لا؟
وهذا واضح، فالأخت أخوها لا يتزوجها، فأختها لا تُجمع إليها، العمة لا تتزوج بنت أخيها.
إذن لا يُجمع بين العمة وبنت أخيها، وعلى هذا فقس.
وقولنا: (بنسب أو رضاع) احترازًا مما لو كان ذلك بالمصاهرة، لو كان ذلك بالمصاهرة فلا بأس، ولو كانت إحداهما لو قُدِّرَت ذكرًا لم تحل لها الأخرى فإنه لا بأس به؛ لأن المصاهرة ما هي مثل النسب والرضاع؛ النسب والرضاع صنوان «يَحْرُمُ بِالرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ» (3)، لكن المصاهرة خارجة عنه، وهذا مما يؤكد رجحان قول شيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة الرضاع؛ أنه لو قُدِّرَ أن امرأتين يحرُم نكاح إحداهما الأخرى لو كانت ذكرًا بسبب المصاهرة فإن الجمع بينهما لا يَحرُم.
طالب: ما قلت: إن الشيخ، يعني الكلام: أنه يجمع بين البنت وأمها من الرضاع ما هو صحيح؟
الشيخ: لا، ما هي بهذه المسألة؛ مثال ذلك حتى يتضح؛ لأنها يمكن في تصورها فيه صعوبة؛ جمع رجل بين زوجة شخص وابنته مِنْ غيرها يجوز ولَّا لا؟
طالب: يجوز.
الشيخ: واحد أراد أن يتزوج امرأة شخص وابنته من غيرها.
طالب: بنت وأمها.
الشيخ: لا، ما هي بنت وأمها؛ قلت: ابنته من غيرها، أراد يتزوج امرأة رجل؛ هذا رجل مات عن امرأة؛ مات عن زوجته وله بنت من غير هذه الزوجة، يجوز للإنسان يتزوجهما؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يجوز أن يتزوجهما، نعم، يجوز أن يتزوجهما.
طالب: يجمع بينهما يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم، يجمع بينهما، يعقد عليهما بعقد واحد، أو عقب ما تزوج الزوجة، راح وخطب البنت وتزوجها يجوز، ليش؟
لأن هنا لو قُدِّرَ أن البنت ولد جاز يتزوج المرأة هذه ولَّا لا؟
طالب: لا، ما يجوز.
الشيخ: لأنها امرأة أبيه، لكن هذا التحريم بينهما من أجل المصاهرة، وليس من أجل النسب والرضاع، في الحقيقة أنا ما ودي أجيب مسألة تشكل عليكم.
طلبة: واضحة.
الشيخ: القاعدة اللي إحنا فهمنا الآن، كل امرأتين لا يحل أن يتزوج إحداهما الأخرى لو كانت ذكرًا لنسب، ويش بعد؟
طلبة: أو رضاع.
الشيخ: أو رضاع فإنه لا يَحل الجمع بينهما، ترى هذه قاعدة العلماء، وأنا أشهد أن كلام الرسول أوضح من هذا، لكن لأجل (... ) في الكتب تعرفونها، كلام الله عز وجل وكلام رسوله أوضح؛ في القرآن: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: 23] وفي السنة: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» (2) كلام واضح بَيِّن ما يَرِد عليه شيء أبدًا، لكن لأجل إذا مرت عليكم في كلام أهل العلم تكون القاعدة عندكم مفهومة، نعم كل امرأتين لا يحل أن يتزوج إحداهما بالأخرى لو كان ذكرًا لنسب أو رضاع فإنه لا يحل الجمع بينهما.
وقولنا: لنسب أو رضاع احترازًا مما لو حرم التناكح بينهما بالمصاهرة فإن ذلك لا يضر؛ ومثاله أن يتزوج رجل زوجة رجل وابنته من غيرها فهذا لا بأس به، مع أنه لو قُدِّر أن هذه البنت ذكر ما جاز أن يتزوج بهذه المرأة اللي هي زوجة أبيه؛ لأنها إما أمه وإما زوجة أبيه.
طالب: فيه دليل يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم، فيها دليل؛ قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24].
الطالب: إي، لكن جاء جميع اللي ما يحرم..
الشيخ: جاء القرآن: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: 23]، وجاءت السنة: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا»، فهذه الزوجة وهذه البنت هو بينهما عمومة؟
طالب: بينهما تحريم.
الشيخ: ما فيه تحريم؛ ولهذا قلنا لكم: إن كلام الله ورسوله أوضح من ها القاعدة ذي؛ لأن كلام الله سبحانه وتعالى وكلام رسوله ما فيه استثناء، وأوضح بَعْد حتى أوضح تصورًا، وأبعد من قولة: يحرم التناكح بينهما، وهم حريم كلهم، لكن إحنا قلنا: لو قُدِّر أحدهما ذكرًا، وأنا قلت لكم هذه لأجل إذا مرت عليكم في الكتب تعرفونها ولَّا ما لها داعٍ؟
طالب: (... ).
الشيخ: لا، يعني: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 23] بالإجماع، ما فيها خلاف.
طيب، يا جماعة الآن فهمنا أنه يجوز للإنسان أن يجمع بين زوجة إنسان وابنته من غيرها.
سألني رجل الظهر عن رجل تزوج امرأة وأراد ابنه أن يتزوج بنت هذه المرأة فما جوابكم؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، إي نعم يجوز، لكن هو كأنه استنكر هذا، وقال: نبغي الدليل من الكتاب والسنة، طيب، جزاك الله خيرًا، اللي يطلب الدليل هذا الحقيقة أنا يسرنا كثيرًا، قلنا له: الدليل قوله تعالى لما ذكر المحرمات: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24].
أنت دور ها البنت هذه وها الولد إذا كان في الآية ما يدل على أنها يحرم نكاحه بها وإلا فهي حلال، وها الآية من أوضح ما يكون لمن أراد أن يستدل ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ [النساء: 24]؛ ولهذا قلت لكم فيما سبق: إن الأصل الحل ولَّا التحريم؟
طلبة: الحل.
الشيخ: الأصل الحل حتى يَثْبُت التحريم.
هذه محرمة إلى أمد ولَّا لا؟ إلى أمد وهي انقضاء العدة في المعتدة.
قال: (فإن طلقت وفرغت العدة أُبِحْنَ) ويش هي اللي طلقت؟ زوجته (وفرغت العدة أبحن) ويش اللي أبحن أظنها فعل ماض مبني للمجهول، والنون في (أبحن) نائب الفاعل للنسوة، ويش اللي أبحن؟
طلبة: أخت الزوجة الخالة وعمتها.
الشيخ: البنت والأخت والعمة والخالة.
(أبحن) وكذلك لو ماتت أو لا؟ لو ما انقضت العدة.
طلبة: (... ).
الشيخ: ما لها، يقول: (فإن تزوجهما) (... )، فيه عندي للشرح مسألة مبنية على القول الضعيف يقول: فإن وطئ أخت زوجته بزنا حرمت عليه زوجته حتى تنقضي عدة الموطوءة؛ يعني: لو أن رجلًا زنى بامرأة والعياذ بالله قلنا: إن المرأة الآن حرام عليه؛ زوجته، إلى متى؟ حتى تنقضي عدة المزني بها، ولو قُدِّر إنها حملت المزني بها من هذا الوطء.
طالب: حتى تضع.
الشيخ: حتى تضع؟ بقي الولد في بطنها أربع سنوات؟
طالب: حتى ولو كان.
الشيخ: ولو كان نعم، حتى تضع، لكن تقدم أن القول الراجح في هذه المسائل أن الزنى لا أثر له ولا يمكن أن نجعل الزنا السفاح مثل النكاح الصحيح.
طالب: لو (... ) من الرضاعة (... ) تطليقة الرجل (... ) استبراء (... ) الزوجة (... ).
الشيخ: متى انقضت العدة سواء استبراء ولا عدة ثلاثة قروء.
الطالب: (... ) القول لا عدة لها.
الشيخ: لا عدة لها.
الطالب: (... ) استبراء فقط (... ).
الشيخ: لا في حال الاستبراء وهي تعتبر من محارمه بمعنى أن هذا من آثار نكاحه.
لكن في المسألة قول آخر أنه إذا كان الطلاق بائنًا فله أن يأخذ أخت زوجته ما دام الطلاق بائنًا ما فيه رجعة.
وفيه قول ثالث يمكن هو الأقرب؛ أنه إذا كان الطلاق بائنًا بثلاث فإنها تحل له أخت زوجته؛ لأن البائن بثلاث ما تحل للزوج ولا بعقد بخلاف البائن بينونة صغرى فإنها تَحِلُّ له بالعقد، ولكن لا شك إن الاحتياط أولى فيقال: ما دامت في العدة فالأولى التجنب، أما الرجعية فقطعًا؛ لأنها زوجة.
والبائن بفسخ أو بطلاق ثلاث فيها نظر لكن الاحتياط أحسن.
قال المؤلف رحمه الله: (فإن تزوجهما في عقد أو عقدين معًا بطلا)، إن تزوجهما في عقد بطلا (... )؟
طالب: (... ).
الشيخ: تزوجهما في عقد مثل أيش؟ تزوج أختين في عقد مثل أيش؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، ويش مثاله؟ صورها لنا.
(... ) لا يصح النكاحان، النكاحان جميعًا لا يصحان؛ والسبب لأنه لا مَزِيَّةَ لتصحيح أحدهما دون الآخر؛ واحدة اسمها فاطمة وواحدة اسمها عائشة، إن قلت: يصح نكاح فاطمة.
قالت عائشة: ليش يصح، وأنا لا؟ إن قلت: يصح نكاح عائشة.
قالت فاطمة: لا، ليش يصح وأنا لا؟ هل لإحداهما مزية، ما لها مزية؛ إذن يبطل العقد فيهما.
(أو عقدين معًا) تزوجهما في عقدين معًا.
يَلَّا صورها لنا؛ مثاله في عقدين معًا؟
طالب: (... ).
الشيخ: هذا عقدان ولَّا عقد واحد؟
الطالب: عقدان.
الشيخ: معًا ولَّا أحدهما بعد الثاني؟
الطالب: أحدهما.
الشيخ: المؤلف يقول: (معًا) (لو تزوجهما في عقدين معًا)؛ لأنه إذا صار واحد قبل الثاني اختص البطلان بأيش بالثاني، والأول صحيح، ما فيه مانع الأول، عقدين؟
طالب: تزوجهما بعقدين كل واحدة (... ) مرة واحدة.
الشيخ: إي، ويش لون؟
الطالب: زوجتك..
الشيخ: المعنى واضح، لكن التطبيق، إحنا نبغي التطبيق، المعنى واضح.
طالب: يكرر عليه مرتين.
الشيخ: يكرر عليه مرتين؟ ! ويش لونه يقول؟
الطالب: يقول: زوجتك ابنتي هاتين بعدين..
الشيخ: لا، ما يصلح؛ لأنه إذا قال: زوجتك ابنتي هاتين صار عقدًا واحدًا.
طالب: يقول: زوجتك ابنتي فاطمة وعائشة، العطف..
الشيخ: هذا عقد واحد؛ لأن (زوجتك) هذا الإيجاب.
طالب: قال: زوجتك من فاطمة.
قال: قبلت.
قال: زوجتك من عائشة.
قال: قبلت.
الشيخ: هذا عقدان، لكن أيهما الأول (... )؟
وَكَّل شخصًا على أن يزوج ابنته؛ وَكَّل شخصًا يزوج بنته فاطمة، وحضر الزوج، وكان الزوج أيضًا موكلًا واحدًا يقبل له، صار عندنا الآن أصيلان ووكيلان، فقال الأب للزوج: زوجتك بنتي فاطمة، والثاني: ينطق بهذا اللفظ لوكيل الزوج.
تصورتوا المسألة,
هذا واحد بيتزوج من هذا الرجل؛ الرجل عنده بنتين وبيزوجه إياهم في عقدين؛ قال: بدل ما إني أتزوج الجميع بعقد واحد، أنا بوكلك تقبل العقد، تقبل فوكَّل واحدًا يقبل نكاح عائشة، وأبو الزوجتين وكَّل واحدًا يعقد لعائشة؛ عندنا الآن الأب بيزوج فاطمة مباشرة مع الزوج، ووكيل الأب بيزوج عائشة لوكيل الزوج، حضر الزوج ووكيله وحضر الأب ووكيله فقال الأب: زوجتك بنتي فاطمة في حال أن الوكيل يقول لوكيل الزوج: زوجت موكلك عائشة بنت فلان في آن واحد فقال الزوج: قبلت.
وإذا الوكيل يقول: قبلت.
صار كم من عقد الآن؟
طلبة: عقدين.
الشيخ: عقدان في آن واحد، يصح العقد ولا ما يصح؟
(... ) (تأخر أحدهما أو وقع في عدة الأخرى وهي بائن أو رجعية بطل) إن تأخر أحدهما؛ أي أحد نكاح الأختين أو المرأة وعمتها أو المرأة وخالتها (بطل) أيهما؟
الأخير؛ مثل أن يزوجه ابنته فيقول: زوجتك بنتي عائشة.
فيقول: قبلت.
ثم يقول في نفس المكان: زوجتك بنتي فاطمة.
فيقول: قبلت.
من الذي يصح نكاحه عائشة، والثانية لا تصح؛ لماذا؟
لأنه إنما حصل الجمع بالعقد الثاني فيكون هو موردَ النهي، الجمع حصل في الحقيقة بالعقد الثاني.
العقد الأول ما فيه مانع، عقد إفرادي، لكن لما عقد الثاني حصل الجمع فاختص البطلان به؛ لأنه موضع النهي.
كذلك إذا وقع في عدة الأخرى؛ يعني: طلق زوجته ولها أخت فتزوجها قبل أن تنقضي عدة مَنْ طلقها يصح ولَّا لا؟
ما يصح؛ لأن المعتدة إن كانت رجعية فهي في حكم الزوجة، وإن كانت بائنًا فإنه لم ينقطع عنها علق الزوج، إلى الآن في عدته، فلا يصح أن يتزوج عليها أختها، فيقع النكاح الثاني باطلًا؛ لأنه الذي حصل به الجمع فيكون هو الباطل.
وقوله: (وهي بائن)، تَقدَّم لنا أن بعض أهل العلم؛ يقول: إن البائن يجوز أن يعقد على أختها ومنهم من قال: إن كانت البينونة بالثلاث جاز، وإن كانت بدون الثلاث لم يجز، وقلنا: إن الأحوط ألا يتزوج، والأمر بسيط.
إن وقعا وجهلنا السابق، ما ندري أيهما أسبق، فماذا نصنع؟
طالب: يبطل الجميع.
الشيخ: لا، ما يبطلان جميعًا، يجب فسخهما جميعًا، ما نقول: يبطلان يجب فسخهما، ولا نقول: بطلا؛ لأنه ليس عندنا ما يحصل به البطلان؛ إذ البطلان إنما يكون حين يتحقق أنهما وقعا معًا، أما الآن فلا ندري قد يكونا وقعا معًا، وقد يكون أحدهما سابقًا، فلا ندري؛ إذن يجب الفسخ يجب فسخهما.
ويترتب على ذلك أيضًا أنه يجب نصف المهر لإحداهما، ولو قلنا: بطلا، ما وجب لإحداهما شيء؛ لأنه عقد باطل، ما يوجب المهر، ولا حصل دخول، حتى نقول: يستقر بالدخول، فهذا الفرق فنقول: يفسخان ولا يبطلان، من الذي يتولى فسخهما؟
القاضي، القاضي يقول: تعال، أنت تزوجتَ امرأتين في عقدين لا ندري أيهما أسبق، فأنا أقرر فسخ النكاح فيفسخه، ويجب لإحداهما نصف المهر؛ لأنها مطلقة قبل الدخول، طيب من الذي يجب لها؟ الكبيرة الفقيرة؟
طالب: كلاهما.
الشيخ: لا، واحدة بس؛ لأن أحد النكاحين باطل، أحد النكاحين متأخر نقول: هنا تأتي القرعة؛ لأنها تدخل في الأموال فيُقْرَع بينهما أيتهما يكون لها نصف المهر.
العدة على مَنْ؟ لا عدة على الجميع؛ لأنه لم يحصل دخول.
طالب: القرعة ما يُلجأ إليه إلا عند التساوي، وهنا ما فيه تساوي، العقد صحيح؛ إحداهما صح عقدها؟
الشيخ: أيهما؟
الطالب: (... ).
الشيخ: إذن تساويا، ليست هذه أحق، ولا هذه أحق، لكن لو تراضيا على أن يقتسما نصف المهر..
طالب: لا حرج.
الشيخ: إي، لكن يجيء حق الزوج؛ واحدة منهن شابة جميلة، وواحدة عجوز عمياء.
طالب: (... ).
الشيخ: هذا اللي حصل.
الطالب: (... ).
الشيخ: لا هو وده تنتهي القرعة على العجوز العمياء؛ علشان يكون نصف المهر شوي؛ لأنه طبعًا ما هو براح يعطيها هذه مثل (... ) ما يعطيها، على كل حال نقول: يقرع بينهما وإذا أقرع بينهما فإذا تراضيتا بعد ذلك على أن يقتسما ما حصل فالحق لهم.
طالب: إذا زالت الجهالة (... )؟
الشيخ: إذا زالت ما أدري، يمكن نقول: ببطلان القرعة، أما من جهة النكاح ما يرجع، النكاح فُسِخَ، وحكم الحاكم يرفع كل شيء.
لكن بقينا في مسألة المهر: إذا تبين الحال بعد ذلك فإن تبين أنهما وقعا معًا فلا مهر عليه ويُرَدُّ، وإن تبين أن أحدهما هو السابق فهذه محل نظر قد نقول: إن القرعة كحكم الحاكم، وقد نقول: إن القرعة لتمييز المشتبه، وقد زال الاشتباه، فيُرَدُّ المهر لمن تبين أن نكاحها هو الأول.
طالب: إذا كان حكم الحاكم لا يوافق الواقع..
الشيخ: لا، هذا مجتهد، والاجتهاد ما يُنْقَض، الآن فُسِخَ، ما هو يقال: إنهم باطلات، حتى نقول: فسخ، والفسخ لا يكون إلا بعد ثبوت الصحة، ففسخه معناه الآن أنه يقول: كلاهما يحتمل أن يكون صحيحًا، ولكن حتى الصحيح أفسخه أنا.
طالب: إذا تبين يا شيخ، هل يجوز يعقد على هذه؟
الشيخ: إي نعم، إذا تبين يجوز أنه يعقد على إحداهما؛ لأن ما فيه عدة الآن.
هذا اللي يبغي منه، لكن إذا تبين أنه واحد صحيح هو لازم يطلقها، إذا تبين أن أحدهما صحيح وهو ما يبغيها لازم يطلقها.
طالب: وإذا يبغاها.
الشيخ: إذا يبغاها فهو..
الطالب: يعقد.
الشيخ: هو يعقد.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، الفسخ هذا ما يحصل.
طالب: (... ).
الشيخ: ما ترجع؛ لأنه فَسَخَهُ الحاكم، فسخه.
قال: (وتحرم المعتدة والمستبرأة من غيره والزانية حتى تتوب) (تحرم المعتدة من غيره) إلى متى؟ حتى تنقضي العدة، ولم يقل المؤلف: حتى تنقضي؛ لأنه علق الحكم بوصف.
وتعليق الحكم بوصف يقتضي ثبوت الحكم ما دام الوصف باقيًا وانتفاءه إذا زال هذا الوصف، فإذا انقضت العدة لم تكن معتدة، فلا يجوز لإنسان أن يتزوج امرأة معتدة من غيره سواء كانت العدة من بينونة أو من رجعية؛ فلو مات إنسان عن امرأة وبقيت في العدة، الرجل يمكن يرجع عليها ولا ما يمكن؛ زوجها؟ ما يمكن يرجع، متوف عنها.
إذن لو قال قائل: أنا بأتزوجها؛ لأن زوجها الآن ما يمكن يرجع، نقول: هذا حرام؛ لأن الله قال: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: 235]، ما يجوز.
وقوله: (من غيره) المعتدة منه؛ مفهومه أن المعتدة منه لا يحرم نكاحها، ولكن هذا المفهوم فيه تفصيل؛ فالمعتدة منه إن كانت رجعية راجعها بدون عقد أو لا؟ وإن كانت بائنًا بغير الثلاث جازت له بعقد، وإن كانت بائنًا بالثلاث لم تجز له لا بعقد ولا بغير عقد.
إذن المفهوم فيه تفصيل، وفي التفصيل المعتدة من غيره حرام، المعتدة منه فيه تفصيل؛ إن كانت رجعية (... )، وإن كانت بائنًا بالثلاث حرم عليه أن يتزوجها؛ لأنها ما تحل إلا بعد العدة إن كانت بائنًا بغير الثلاث له (... )؛ مثال ذلك رجل تصالح هو وامرأته على أن يطلقها بألف ريال (... ) بولي وشهود وكل شيء.
رجل آخر طَلَّق زوجته آخر ثلاث تطليقات؛ يعني: طلقها مرة وراجع، وطلقها مرة وراجع، وطلقها الثالثة الآن هي في العدة يجوز يتزوجها؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يجوز أن يتزوجها إلا بعد زوج كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى.
المستبرأة أيضًا من غيره لا يجوز، المستبرأة من غيره لا يجوز أن يتزوجها حتى ينتهي الاستبراء، ويش معنى المستبرأة؟
المستبرأة على المذهب ما تكون إلا في المملوكة؛ إذا رجل باعها على شخص فإنها يجب أن تستبرئ بحيضة؛ يعني: ما يجوز لأحد يتزوجها، ولا يجوز لأحد أن يطأها، حتى سيدها الذي اشتراها لا يجوز حتى تستبرئ بحيضة؛ يعني: حتى تحيض؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام في غزوة أوطاس نهى أن تُوطَأَ حاملٌ حتى تضعَ ولا ذاتُ حيضٍ حتى تحيضَ (4) ويش معنى استبراء؟
الاستبراء طلب البراءة؛ البراءة الخلو؛ يعني أننا ننتظر حتى تحيض مرة؛ علشان نعرف أنه ليس بها حمل، هذا معنى الاستبراء؛ لأن الغالب أن النساء في الحمل لا يَحِضْنَ.
قال الإمام أحمد رحمه الله: إنما تَعرِف النساءُ الحمل بانقطاع الحيض، هذا هو الغالب، فالمستبرأة تحرم على غير مَنِ استبرأها إلى متى؟ حتى ينتهي زمن الاستبراء.
الحامل بماذا يكون استبراؤها؟ بوضع الحمل حتى تضع.
قال: (وتحرُم الزانية حتى تتوب وتنقضي عدتها) الزانية هي فاعلة الفاحشة والعياذ بالله، هذه الزانية تحرم حتى تتوب وتنقضي عدتها.
وظاهر كلام المؤلف ولو مكرهة أو لا؟ ولو مكرهة، مع أن المكرهة لا حد عليها أو لا؟ ولا إثم عليها أيضًا، لكن هذا لا يمنع من انشغال رحمها بماء الزاني بها، فإن الزاني بها قد ينشأ الحمل منه ولَّا لا؟ ولو كانت مكرهة غير راضية، والزانية تحرم على الزاني وغير الزاني إلى أن تتوب؛ الدليل قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 3]، ﴿حُرِّمَ ذَلِكَ﴾ أي النكاح، ما هو بالزنا، الزنا معلوم، ﴿حُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.
فلا يجوز للمؤمن أن يتزوج زانية إلى متى؟ حتى يزول عنها وصف الزنا، هذا الوصف الخبيث يزول، ولا يزول ذلك إلا بالتوبة، فإذا تابت بقي علينا انقضاء العدة كما ذكر المؤلف، وسيأتي البحث فيها أيضًا.
نشوف الآية لأن فيها إشكالًا: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ الزاني مؤمن ولَّا كافر؟
طلبة: مؤمن.
الشيخ: مؤمن، كيف يقول: ﴿أَوْ مُشْرِكَةً﴾؟ المؤمن لا يجوز أن ينكح المشركة، ولو كان زانيًا، ثم كيف يقول: لا ينكح إلا زانية؟ هل معناه أن الزاني نقول: روح، دور لك زانية علشان تزوجها؛ لأن الزانية تحرم حتى على الزاني، هذه الآية حصل فيها إشكال بين أهل العلم، ولكن يتضح بما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: إن الزاني إذا تزوج زانية فإما أن يكون راضيًا بحكم الله وهو التحريم فيكون في هذه الحال زانيًا؛ لأنه جامعها وهو يعتقد أنها حرام وهذا هو الزنى، وإما ألا يرضى بالحكم الشرعي ويرى حِلَّها فحينئذ يكون مشركًا؛ لأنه أحل ما حرم الله، وتحليل ما حرم الله نوع من الشرك كما في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 31].
وكذلك بالعكس ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ فمن تزوجت بالزاني وهي تعلم التحريم وراضية به مسلمة له فهي زانية، ومن لم ترض به فهي مشركة، وهذا الذي قاله ووجَّه الآية عليه توجيه صحيح منطبق على القواعد الشرعية.
نرجع الآن إلى كلام المؤلف يقول: (تحرُم الزانية على الزاني وغيره حتى تتوب) يعني: ترجع إلى الله من زناها وتصلح حالها، لكن كيف نعرف أنها تابت؟
قال الفقهاء رحمهم الله: توبتُها أن تُراوَد فتمتنع، ويش معنى تراود؟ يجي واحد يقول: أنا ودي أزني بك، إن عَيَّت فهي تائبة، وإن وافقت فهي ما تابت، هذا ميزان التوبة عندهم.
والحقيقة أن هذا القول في غاية ما يكون من الضعف؛ أولًا: إن الدعوة إلى الزنى محرمة؛ كونه يراودها على الزنا هذا حرام ولَّا حلال؟ كيف نتوصل بالحرام إلى شيء حلال؟
ثانيًا: إنه بالمراودة قد تكون هي بالأول تائبة ولا طرأ على بالها أنها تزني بعد ما مضى، لكن إذا راودها هذا الإنسان الشاب الجميل، يمكن أنها تقول: أفعل ها المرة وأتوب.
طالب: تُغيِّر رأيها.
الشيخ: تغير رأيها الأول؛ التوبة؛ لأنه طبعًا ما هو براح اللي يراودها شايب أعمى مُحَرْوَل، ما هي تطيعه، ما مراودها إلا إنسان يجذبها.
ثالثًا: أن هذا المراود هل يأمن على نفسه لو أطاعته؟ ما يأمن؛ قد يكون إنسان عنده عفة كاملة وتقوى لله عز وجل، لكن عندما يأتي إلى هذه المرأة ويراودها عن نفسها وتوافق فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم قد يجترئ هو ويفعل.
رابعًا: أن المراودة إما أن تكون بحضرة أناس أو بغير حضرتهم ولَّا لا؟ إن كانت بحضرة أناس ما هي مطيعة له أبدًا، ما هي مطيعته لو هي ما تابت.
وإن كانت بخلوة فهو محرم، لا يجوز أن يخلو بامرأة؛ فهذا القول في غاية ما يكون من الضعف؛ لأنه مخالف لقواعد الشرع لكن توبتها كغيرها وهي أن نعلم صلاح حالها بحيث تبتعد عن مواقع الريب، وبحيث تكره كلما ذُكِرَ لها هذا الكلام كرهت وتغير وجهها وتبين، الإنسان التائب يُعْرَف، أو مثلًا تسأل أنها حصل منها كذا وكذا، فما هو المخلص؛ لأن هذا أيضًا يقع دائمًا، بعض النساء يحصل منها هذا الشيء وتسأل كيف خلاصها؟ وهل عليها كفارة؟ هل عليها صدقة؟ وما أشبه ذلك، ومثل هذا الشيء يُعْرَف بالقرائن، أما أن يراودها فهذا من أضعف ما يكون من الأقوال.
قوله: (وتنقضي عدتها) (حتى تتوب وتنقضي عدتها) عُلِمَ من كلامه أن عليها عدة بالزنى؛ أنها تعتد والعدة كم؟ ثلاثة قروء إن كانت تحيض، إن كانت صغيرة ما بعد تحيض فثلاثة أشهر، أو آيسة فثلاثة أشهر، إن حملت من الزنى فعدتها بوضع الحمل.
فظاهره أن عليها عدة، وهذا ضعيف؛ وجوب العدة عليها ضعيف؛ لأن العدة إنما تجب في النكاح لحق الزوج، والدليل على أنها لحق الزوج اقرأ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ﴾ شف أتى باللام ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49] فدل هذا على أن العدة حق للزوج ويدل لهذا أيضًا من القرآن ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: 53] فلعظم حق النبي عليه الصلاة والسلام صارت أزواجه محرمات كأنهن في عدة إلى الممات، فالحاصل أن العدة حق للزوج وهل للزاني حق على المرأة؟
طالب: لا.
الشيخ: نحبسها عليه ثلاثة قروء وهو فاجر زان، لماذا نحبسها ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر؟ أو إن ارتفع حيضها وعَلِمَت ما رفعه فإنها على المذهب تبقى في عدة إلى متى؟
طالب: (... ).
الشيخ: لا، حتى تحيض أو تبلغ سن الإياس فلو زنى بامرأة صغيرة وحاضت أول مرة وجاءها مرض وانقطع الحيض طابت من المرض ولا رجع الحيض نقول: تبقى؛ لأن يتم لها خمسين سنة، ما تُزَوَّج على عدة ها الزاني نعم، ولو عدت إن شاء الله خمسين سنة قلنا: الآن اعتدي بعد ثلاثة أشهر ثم تحلين للأزواج هذا على المذهب.
والصواب أن الزانية ليس عليها عدة وأن الزاني ليس له عدة، لكن يجب خوفًا من أن يكون قد انشغل رحمها بولد يجب أيش؟ الاستبراء، يجب الاستبراء؛ وهي أن تستبرئ بحيضة؛ حيضة واحدة فقط.
فإذا حاضت حيضة واحدة حلت للأزواج، وهذا هو الصحيح.
المؤلف ما ذكر الزاني على غير الزانية أنه حرام، وظاهر كلام الأصحاب أنه؟
طالب: داخل.
الشيخ: لا، ما دخل، أنه يحل، لكن سبق لنا في الكفاءة وهي دين ومنصب أنه لو زوج عفيفة بفاجر فالنكاح..
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا، يصح على المذهب، يصح لكن لمن لم يرض من الأولياء الفسخ، وسبق هناك أن الصحيح أن النكاح لا يصح (... ).
(ثلاثًا حتى يطأها زوج غيره) قال: (مطلقته) مطلقة اسم مفعول، ولا يصلح أن تقول: مُطَلِّقته ليش؟ لأن هي ما تطلِّق، (مطلقته) يعني: تحرم ثلاثًا، وسيأتي -إن شاء الله- بماذا يكون طلاق الثلاث؟ هذا له باب سيأتينا إن شاء الله تعالى، وأن القول الراجح؛ أنه لا يكون الطلاق ثلاثًا حتى يتكرر على زوجة لا على مطلقة، ما يكون طلاق حتى يتكرر على زوجة؛ فلو قال لها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فهي واحدة؛ لأن قوله: أنت طالق الثانية صادفها وهي مطلقة، فلم يثبت فيه حكم ما ثبت به حكم؛ ولهذا لو قال: أنت طالق.
وبدأت بالعدة وحاضت مرة ومرة وبقي عليها الحيضة الثالثة ثم قال: أنت طالق، فهل تبتدئ العدة ولَّا لا؟ لا تبتدئ العدة حتى على من يقول بأن الطلقة هذه طلقة معتبرة حتى الذين يقولون بأن هذه الطلقة معتبرة يقولون: إنها لا تبتدئ بها العدة، وهذا مما يدل على أنه إذا لم يثبت لها أثر فلا عبرة به.
ثم إن الله يقول: ﴿طَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] وما دامت هذه الطلقة لا يثبت بها عدة، فإنه طلقها لغير أمر الله أو لا؟ وكل شيء ليس عليه أمر الله فهو رَدٌّ؛ ولهذا اختار شيخ الإسلام رحمه الله بأن الطلاق الثلاث مهما كُرِّرَ فإنه لا يقع إلا بعد نكاح أو رجعة.
وقال شيخنا رحمه الله ابن سعدي -لما ذكر هذا القول- قال: إن من راجع كلام شيخ الإسلام أو تأمله وجد أنه لا يسوغ القول بغيره.
وهذا صحيح عند التأمل يتبين أنه القول الراجح.
إنما على كل حال مطلقته ثلاثًا سواء قلت: إن طلاق الثلاث يقع بكلمة واحدة أو بكلمات متفرقات أو لا يقع إلا بعد رجعة.
المهم إذا حكمنا بأنها طلقت ثلاثًا؛ على اختلاف الآراء فإنها لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره.
المؤلف يقول: (حتى يطأها زوج غيره) ما قال: حتى تنكح؛ لأن كلمة زوج تدل على النكاح؛ إذ لا زوجية إلا بنكاح، ويحتاج أن نقول: نكاح صحيح ولَّا وصفه بأنه صحيح من باب التوكيد؟
من باب التوكيد؛ إذ لا تثبت الزوجية إلا بنكاح صحيح، وعلى هذا فيكون الشروط ثلاثة:
أن تتزوج بعده.
وأن يكون العقد صحيحًا.
ويش بعد.
وأن يحصل الوطء.
ما هو الدليل؟ الدليل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: 230] يعني الثالثة ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230].
فإذا قال قائل: الآية الكريمة ﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾ [البقرة: 230]، والنكاح يكون بمجرد العقد.
والدليل على أن النكاح يكون بمجرد العقد قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 22] فإن زوجة الأب حرام على الابن بمجرد العقد أو لا؟
فهنا ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ما فيها أنه لا بد من الوطء قلنا: نعم، ظاهر القرآن أن مجرد العقد الصحيح يُحِلُّها للزوج الأول.
ولكن الله أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم الكتاب والحكمة، والسنة بينت أنه لا بد من الوطء، دليل ذلك أن امرأة رفاعة القرظي طلقها رفاعة وبَتَّ طلاقها، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزَّبِير، وكأنه -رضي الله عنه- إما أنه عُقِلَ عنها أو أنه لا شهوة له، جاءت تشتكي إلى النبي عليه الصلاة والسلام تقول: يا رسول الله، إن رفاعة طلَّقني فبَتَّ طلاقي، وإني تزوجت بعده عبد الرحمن بن الزَّبِير ما هو بابن الزُّبير، الزَّبِير وإنما معه مثل هدبة الثوب، هدبة الثوب أظنها رخوة فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» (5).
وهذا كناية عن الوطء، الوطء الذي يحصل به اللذة.
واختلف العلماء؛ هل يشترط الانتشار أو لا يشترط؟ وهل يشترط الإنزال أو لا يشترط؟
عرفتم؟ الانتشار؛ يعني: قيام الذكر، هل يشترط ولَّا لا؟
والصحيح أنه يُشْتَرط؛ لأنه ما يمكن أن يكون لذة في الجماع إلا بذلك، لكن الإنزال هل يشترط أو لا يشترط؟
نعم، المشهور من المذهب أنه لا يشترط؛ أنه ليس بشرط الإنزال، إذا حصل الجماع فإنها يحصل الحل.
وقال بعض أهل العلم: لا بد من الإنزال، وقوله: «حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ», وسيأتي إن شاء الله الكلام على هذا لكن ذكرناه استطرادًا.
(مطلقته ثلاثًا حتى تنكح زوجا غيره) قلنا بنكاح صحيح.
منين أخذنا النكاح الصحيح؟
طالب: ﴿زَوْجًا﴾.
الشيخ: ﴿زَوْجًا﴾؛ لأن الزوجية ما تثبت إلا بعقد صحيح.
لو أنه نكحها للتحليل؛ يعني: واحد طلق زوجته ثلاث مرات، وبانت منه، وجاء له واحد صديق له قال له: جزاك الله خيرًا، أم عيالي طلقتها وأنا أحبها، وبانت مني، خذ هذه عشرة آلاف روح تزوجها ولا منك جامعتها، طلقها عشان آخذها أنا وفعل، تحل له؟
طالب: لا تحل له.
طالب آخر: لا، تَحَيُّل.
الشيخ: إي، تحيل، هل يجوز ولَّا لا؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، العقد ظاهره الصحة، جاب الولي، وجاء بالشهود، وعقدوا واحتفلوا وأعلنوا النكاح، كل شيء نعم، لكن نقول: الحيل لا تبيح المحرم، ولا تُسْقِط الواجب، كل الحيل على المحارم لا تؤثر شيئًا، ومن هنا نعرف أن التحيل على الربا لا يجعله بيعًا حلالًا، والعبرة بالنية وتسمية الخمر بغير اسمه يجعله حلالًا؟ ما يجعله حلالًا.
طالب: (... ) الزوجة (... ) الزوج مثلًا..
الشيخ: إي نعم، ذكرناها فيما سبق.
طالب: (... ).
الشيخ: العقد.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، ما ينفع، قال: (والمحرِمة حتى تحل) المحرمة حتى تحل.
والغريب المؤلف ما قال: والمحرم حتى يحل؛ لأن كلامه في المحرمات بالنكاح، كما أنه ما قال: والزاني حتى يتوب.
الكلام الآن في النساء المحرمات، ما هو في الرجال المحرمين، ولا حتى المحرم ما يجوز يتزوج حتى يحل.
قوله (المحرِمة حتى تحل) بأي إحرام عمرة ولا بحج؟
طالب: بالاثنين.
الشيخ: بعمرة أو حج؛ لحديث عثمان بن عفان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحْ وَلَا يَخْطُبْ» (6) هذا هو الدليل؛ فقوله: (المحرم) وصف، وهو علة الحكم فمتى يزول هذا الحكم؟
إذا زال هذا الوصف؛ إذا حَلَّ من إحرامه جاز.
إذن فهذا النكاح إلى أمد ولا إلى أبد؟
طالب: إلى أمد.
الشيخ: إلى أمد.
قال: (والْمُحْرِمة حتى تحل) أي الحلين؟ الثاني؛ لأن التحلل الأول ما يبيح النكاح.
(ولا ينكح كافر مسلمة) الكافر بأي نوع كان كفره؛ سواء كان يهوديًّا أم نصرانيًّا أم وثنيًّا أم شيعيًّا أم شيوعيًّا أيًّا كان فإنه لا يحل أن يتزوج مسلمة ولو كانت فاسقة؟ ولو كانت فاسقة.
(ولا ينكح كافر مسلمة) الدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: 221] ﴿وَلَا تُنْكِحُوا﴾ لا تزوجوا المشركين حتى يؤمنوا، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: 10].
أما الدليل من النظر؛ فلأنه لا يمكن أن تكون المسلمة تحت زوج كافر، والزوج سيد قال الله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: 25] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّهُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ» (7) مثل الأسرى، هل تارك الصلاة كافر؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، فلا يجوز أن يزوج بمسلمة، فإن عقد له على مسلمة فالنكاح باطل بإجماع المسلمين؛ على أن الكافر لا ينكح المسلمة، لكن عاد هل هو كافر أو لا الخلاف في هذا معروف؟ لكن الصواب أنه كافر.
قال: (ولا ينكح مسلم -ولو عبدًا- كافرة) المسلم ما ينكح الكافرة؛ الدليل ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: 221]، وكذلك ما في سورة الممتحنة ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُن﴾ [الممتحنة: 10].
طالب: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾.
الشيخ: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ ولا مسلم.
وقوله: (ولو عبدًا) هذه لو ما أدري لماذا جاء بها المؤلف؟ هل هي إشارة خلاف أو رفع توهم بأنه لما نقصت الحرية صار يجوز له أن يتزوج الكافرة لأنها تفوقه في الحرية وهو يفوقها في الدين فيتقابلان؟
ما أدري إن كان أحد من أهل العلم قال بذلك أم لا، فإن كان فيها خلاف فالخلاف لا شك أنه ضعيف، وإن كان رفع توهم فقد يكون أن يتوهم بعض الناس أن حريتها..
طالب: تقابل إسلامه.
الشيخ: تقابل إسلامه، ورقه يقابل كفرها فيكون كل واحد منهما له مزية على الآخر.
وقوله: (كافرة إلا حرة كتابية) هذا يستثنى منين؟ من نكاح المسلم للكافرة، من الشرط (حرة) والثاني (كتابية)؛ الدليل قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ﴾ [المائدة: 5].
قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ قال أهل العلم: المراد بالمحصنات هنا الحرائر.
والمحصنات في الحقيقة تطلق في القرآن على ثلاثة معانٍ تحضرني الآن:
أولًا: المتزوجات يعني ذوات الأزواج.
والثاني: المحصنات العفيفات عن الزنى.
والثالث: المحصنات الحرائر؛ فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُم﴾ [النور: 4] فالمراد بالمحصنات هنا؟
طلبة: المتزوجات.
الشيخ: لا، العفيفات، والمراد بالآية المنسوخة الزنى على مَنْ أحصن أيش؟ المتزوجات ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 24] على قول فيها المراد المتزوجات، وأما المحصنات الحرائر فمثل هذه الآية ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾.
وقول المؤلف: (كتابية) هي اليهودية أو النصرانية، وهل يشترط أن تكون ملتزمة بدين اليهود والنصارى الدين الخالص أو لا يشترط؟
قال بعض أهل العلم: إنه يشترط بأن توحد الله عز وجل ولا تشرك به شيئًا، ولكنها ما تتبع إلا موسى إن كانت يهودية أو عيسى إن كانت نصرانية، فإن خالفت الإسلام وأشركت فإنها لا تحل، وهؤلاء راموا الجمع بين آية المائدة وآية البقرة ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: 221] فقالوا: إذا أشركت بالله ولو كانت يهودية أو نصرانية فلا تحل.
وأما إذا كانت غير مشركة بالله، وإن لم تدن بالإسلام الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام فإنها تحل، ويكون الفائدة من قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 5] الفائدة أنها غير مسلمة وحلَّت، لا أنها مشركة وحلت.
وإلى هذا ذهب كثير من أهل العلم من السلف والخلف، وعلى هذا الرأي إذا كانت النصرانية تقول بأن الله ثالث ثلاثة فإنها لا تحل، ولو تدينت بدين النصارى.
وكذلك اليهودية إذا قالت: عزير ابن الله فإنها لا تحل؛ لأنها مشركة.
وذهب أكثر أهل العلم إلى أن الآية ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ عامة فكل من انتمى إلى دين أهل الكتاب فهو منهم.
وقالوا: إن هذا مُخصِّص لقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: 221] لأن آية البقرة متقدمة على آية المائدة.