الشيخ: نعم، أن الرسول صلى الله عليه وسلم صَفَّ صَفَّيْنِ (14) إلى آخره.
الطالب: والثاني ثبت في الصحيحين من حديث صالح بن خوات (15).
الشيخ: نعم تمام، إذن ثبتت بالقرآن والسنة، كم وجهًا ثبتت عليه في السنة؟
طلبة: ستة أوجه.
الشيخ: أو سبعة؟
الطالب: أو سبعة، حديث جابر اللي ذكره.
الشيخ: طيب هذه الوجوه الستة أو السبعة هل يجوز أن يصلى بها، أو لا بد أن يصلي بواحد منها؟
الطالب: لا يصلي بواحد منها.
الشيخ: لازم بواحد منها.
طالب: على حسب ما تقتضي الحال.
الشيخ: يعني: كلها جائزة، ولكن ينبغي أن يكون على حسب ما تقتضيه الحال، كذا؟
الطالب: هذا قصدي أنا قصد، يعني لا يصلي..
الشيخ: الآن لا أعرف النية، إحنا نقضي بنحو ما نسمع، إذن نقول: صحت بصفات كلها جائزة كما قال الإمام أحمد، لكن ينبغي أن تتنزل هذه الصفات على ما تقتضيه الحال.
ما حكم حمل السلاح أثناء صلاة الخوف؟
طالب: على المذهب: مستحب، والصحيح أنه واجب لقول الله تعالى..
الشيخ: المؤلف اشترط للاستحباب شرطين؟
الطالب: أن يكون السلاح خفيفًا، أول شيء أن يكون للدفاع، وألَّا (... ).
الشيخ: نعم أن يكون للدفاع ما يدفع به عن نفسه، وألا يثقله.
يرى المؤلف أنه مستحب.
طيب فيه قول آخر؟
طالب: القول الثاني: أنه واجب.
الشيخ: أنه واجب، ما هو الدليل على الاستحباب والوجوب؟
الطالب: أما الوجوب فقول الله تبارك وتعالى: ﴿لْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾، وأما الاستحباب لا أذكره.
طالب: تعليل؛ لأنه كان أرفق بهم.
طالب آخر: نفس الآية، وحملوا الأمر على الاستحباب.
الشيخ: إي، نفس الآية: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾.
قالوا: الأمر للاستحباب؛ لأن الأصل أن حمل السلاح مشغل مثقل للمصلي، فكأن الأمر للإباحة، كأنهم قالوا: يباح لكم أن تحملوا ما يشغلكم عن صلاتكم في هذه الحال، لكن الصحيح أنه واجب، والدليل على الوجوب أن الأمر هو الأصل في الوجوب، والثاني قوله: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ [النساء: 102]. إذن فإذا لم يكن بنا أذى من مطر ولا مرض فعلينا جناح، ولا جناح إلا بإثم، ولهذا كان الصواب الذي لا شك فيه أن حمل السلاح واجب.
صلاة الجمعة يقول: إنها تلزم كل ذكر، مَن ضد الذكر؟
طالب: الأنثى.
الشيخ: الأنثى إي، طيب وغير؟
الطالب: والخنثى.
الشيخ: والخنثى.
(حر) مَن ضد الحر؟
طالب: العبد.
الشيخ: العبد يعني المملوك، تمام.
(مكلف) مَن هو المكلف؟
طالب: العاقل البالغ.
الشيخ: البالغ العاقل ضده؟
الطالب: الصبي المجنون.
الشيخ: الصبي المجنون، فأما المجنون البالغ؟
الطالب: لا يصح أيضًا لأنه شرط، العقل شرط.
الشيخ: الآن المكلف يعني البالغ العاقل، وأيش ضده؟ ضد البالغ؟
الطالب: الذي لم يبلغ.
الشيخ: الصغير، وضد العاقل؟
الطالب: المجنون.
الشيخ: المجنون، إذن لا تجب على صغير ولا على مجنون، طيب، بقينا (مسلم).
طلبة: ما أخذناه.
الشيخ: ما أخذناه، طيب، ما هو الدليل على اشتراط الذكورية؟ أظن لم نذكرها، نذكرها إن شاء الله الآن.
قال: (تلزم كل ذكر، وضده الأنثى والخنثى).
أما اشتراط الذكورية فالدليل على هذا أن صلاة الجمعة صلاة جمع، والمرأة ليست من أهل الجماعة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ، وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ» (16). هذا إن لم يصح الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إِنَّ الْجُمُعَةَ حَقٌّ وَاجِبٌ إِلَّا عَلَى أَرْبَعَةٍ» (17) فإن صح فالأمر فيه واضح.
اشتراط الخنثى، لماذا لا تجب عليه؟ لأن الأصل أيش؟
طلبة: براءة الذمة.
الشيخ: براءة الذمة، والخنثى لا يدرى أذكر هو أم أنثى، فإن كان ذكرًا فالجمعة واجبة، وإن كانت أنثى فالجمعة لا تجب، وحينئذٍ نقول: الأصل براءة الذمة.
فإن قال قائل: لماذا لا تسلكون طريق الاحتياط وتوجبونها عليه؟ قلنا: لأن الشرط وصف لا بد من ثبوته، الشرط -وهو الذكورية- وصف لا بد من ثبوته، فالاحتياط في عدم الإلزام بفقده؛ لأننا لو ألزمنا بفقده لم نكن محتاطين، حيث أوجبنا على عباد الله ما لا يلزمهم، بخلاف المحرم، فالمحرم الاحتياط في تركه؛ لأن الترك ليس كالفعل المُلْزَم به، إذ إن الترك لا يستلزم فعلًا يكلف به.
طيب (حر) ضدها العبد، والعبد لا تجب عليه الجمعة؛ لحديث: «الْجُمُعَةُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلَّا أَرْبَعَةً» وذكر منهم العبد المملوك، هذا دليل، ولأن العبد غالبًا يكون مشغولًا بخدمة سيده، ولا يتسنى له أن يأتي إلى الجمعة، وهذا هو الذي عليه أكثر أهل العلم.
وذهبت الظاهرية إلى وجوب صلاة الجمعة على العبد وقالوا: إن العبد داخل في عموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9].
والحديث الوارد في استثناء العبد ضعيف، هكذا عندهم، وذهب إلى هذا شيخنا عبد الرحمن بن سعدي -رحمه الله- وقال: إن العبد تلزمه الجمعة كالحر، ولا فرق.
وذهب قوم إلى التفصيل في هذا؛ وهو أنه إن أذن له سيده لزمته الجمعة؛ لزوال العلة التي هي سببُ منع الوجوب، وهي اشتغاله بخدمة سيده.
فإذا أذن له فقد زالت العلة، وإن لم يأذن فلا تجب عليه فلا يأثم، وهذا القول وسطٌ بين قولين، ووجهه قوي جدًّا، ويمكن أن يحمل الحديث عليه، فيقال: عبد مملوك: ليس على إطلاقه، بل العبد المملوك الذي يُشغل بمالكه، وربما يكون قوله: (مملوك) إشارة إلى العلة، وهي أنه ملك سيده يتصرف فيه فيشغله.
مكلف بالغ عاقل، وضده؟
طالب: الصغير والمجنون.
الشيخ: نعم، ضده الصغير والمجنون، فلا جمعة عليهما؛ لأن جميع العبادات لا تجب عليهما؛ لحديث: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ» (7).
لكن الصغير تصح منه الجمعة، والمجنون لا تصح منه الجمعة، يعني لو صلى الصغير الجمعة صحت، والمجنون لا، لماذا؟ لأن المجنون لا عقل له، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (18)، ومَن لا عقل له؟
طلبة: لا نية له.
الشيخ: لا نية له، بخلاف الصبي المميز الصغير فإنه له نية، فتصح منه جمعة.
(مسلم) ضده الكافر، فالكافر لا تصح منه جمعة، بل لا تجب عليه الجمعة، بل ولا تصح منه، ودليل هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذًا إلى اليمن، وقال له: «لِيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ» (19)، فجعل فرض الصلوات بعد الشهادتين، ويدل لهذا أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ [التوبة: 54]، فإذا كانت النفقات مع كون نفعها متعديًا لا تقبل منهم، فالعبادات التي نفعها غير متعدٍّ مِن؟
طلبة: مِن باب أولى.
الشيخ: من باب أولى ألَّا تقبل منهم.
فإن قال قائل: إذا كان من شرط وجوب الجمعة الإسلام، فهل يسلم الكافر من الإثم لأن الجمعة غير واجبة عليه؟
الجواب: لا، لا يسلم من الإثم؛ لأن القول الراجح من أقوال أهل العلم أن الكافر مخاطب بفروع الإسلام كما هو مخاطب بأصول الإسلام.
والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر: 39 - 47]، ووجه الدلالة من الآية أنهم ذكروا من أسباب دخولهم النار أنهم لم يكونوا من المصلين ولا من المطعمين للمسكين، واضح؟
بل أقول: إن الكافر معاقبٌ على أكله وشربه ولباسه، معاقب، لكنه ليس حرامًا عليه بحيث يمنع منه، إنما هو معاقب عليه، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: 93]، فقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ دليل على أن غيرهم عليه جناح فيما طعم.
والطعام يشمل الأكل والشرب؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: 249].
اللباس قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: 32].
فقوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يفهم منها أنها ليست للذين كفروا، وقوله: ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يفهم منه أنها لغير المؤمنين ليست خالصة لهم، بل يعاقبون عليها.
والمعنى يقتضي ما دلت عليه النصوص، من معاقبة الكافر على الأكل والشرب واللباس والنعمة والصحة وكل شيء، وذلك لأن العقل يقتضي طاعة من أحسن إليك، وأنك إذا بارزته بمعصية وهو يحسن إليك، فإن هذا خلاف الأدب والمروءة، وبه تَسْتَحِق العقوبة، فصارت النصوص مؤيدة لما يقتضيه العقل.
(مسلم مستوطن ببناء اسمه واحد) مستوطن، وضده المسافر والمقيم.
المسافر ظاهر أنه لا جمعة عليه، ودليل هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم في أسفاره لا يصلي الجمعة، مع أن معه الجمع الغفير ولا يصلي بهم الجمعة، وإنما يصلي ظهرًا مقصورة وعصرًا، أحيانًا يجمع وأحيانًا لا يجمع.
فإذا قال قائل: ألَا يمكن أن يكون جمعه وقصره في غير يوم الجمعة، وأنه يقيم صلاة الجمعة في السفر؟
فالجواب على هذا من وجهين: الوجه الأول: أن لدينا نصًّا ظاهرًا جدًّا في أنه لا يصلي الجمعة في سفره، وذلك في يوم عرفة، فإن يوم عرفة كان يوم الجمعة في حجة الوداع، وفي صحيح مسلم من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم: لما وصل بطن عُرَنَة نزل فخطب الناس، ثم بعد الخطبة أذَّن بلال ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر (20) هكذا جاء الحديث.
وهذه الصفة تخالف أيش؟ صلاة الجمعة؛ لأن صلاة الجمعة الخطبة فيها تكون بعد الأذان، وهنا الخطبة قبل الأذان.
صلاة الجمعة خطبتان، يتقدمها خطبتان، وحديث جابر ليس فيه إلا خطبة واحدة.
صلاة الجمعة يجهر فيها بالقراءة، وحديث جابر يدل على أنه لم يجهر لأنه قال: صلى الظهر ثم أقام فصلى العصر.
صلاة الجمعة تسمى صلاةَ الجمعة، وفي حديث جابر قال: صلى الظهر.
صلاة الجمعة لا تجمع إليها العصر، وحديث جابر يقول: صلى الظهر ثم أقام فصلى العصر، وهذا نص صريح واضح في هذا الجمع الكثير الذي سيتفرق فيه المسلمون إلى بلادهم، فيقولون: صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة ظهرًا، يدل دلالة قطعية على أن المسافر؟
طلبة: ليس عليه جمعة.
الشيخ: لا يصلي الجمعة.
الوجه الثاني أن نقول: لو كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة في أسفاره لكان ذلك مما تتوافر الدواعي على نقله، ولنُقِل إلينا.
ولهذا كان من أضعف الأقوال قول الظاهرية في هذا الباب أن المسافر تلزمه الجمعة، واستدلوا بالعمومات الدالة على وجوب صلاة الجمعة.
إذن نقول: المسافر لا جمعة عليه، المقيم أيضًا لا جمعة عليه، لكن إن أقامها مستوطنون في البلد لزمته بغيره، لا بنفسه.
وبناء على هذا ينقسم الناس إلى ثلاثة أقسام: مستوطن، ومسافر، ومقيم بينهما، لا مسافر ولا مستوطن.
فمثال المقيم: رجل وصل إلى بلد ونوى أن يقيم فيها أكثر من أربعة أيام، هذا نقول: ليس مستوطنًا، لماذا؟ لأنه لم يتخذ هذا البلد وطنًا، وليس مسافرًا؛ لأنه نوى إقامةً تقطع السفر، إذن: هو بينهما مقيم، إن أقيمت الجمعة في البلد بأناس مستوطنين لزمته، وإن لم تُقَم لم تلزمه، وبناءً على هذا لو وجد جماعة مسلمون سافروا إلى بلاد كفر، وهم مئتا رجل، يريدون أن يدرسوا فيها لمدة خمس سنوات، ست سنوات، عشر سنوات، وجاءت الجمعة، فإن الجمعة لا تلزمهم، بل ولا تصح منهم؛ لو صلوا الجمعة ما صحت، لماذا؟ لأنه لا بد من استيطان، وهؤلاء ليسوا بمستوطنين، فلا تصح منهم الجمعة ولا تلزمهم، لكن لو وجد في هذه القرية التي هم فيها أربعون مستوطنًا، لزمت الجمعة الأربعين ثم تلزم هؤلاء تبعًا، تلزمهم بغيرهم.
وهذا التقرير الذي ذكرناه يؤيد ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- من أن نية الإقامة ولو طالت لا تجعل الإنسان من أهل البلد، بل يبقى في حقه حكمُ السفر، وقد سبق الكلام على هذا في فصل القصر.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ذكرنا أنه (... ) الجمعة (... ).
الشيخ: العبد؟
طالب: زين ما يخالف، أحسن الله إليك، لماذا لا نقول بأن الجمعة لازمة للعبد على كل حال، فإن منعه السيد أثم السيد وسلم العبد؟
الشيخ: لا.
الطالب: لماذا؟
الشيخ: لأن العبد الآن يوجد عنده مانع من وجوب الجمعة عليه، لا لفوات الشرط، كما أن الرجل إذا كان معذورًا بشغل أو مرض سقطت عنه الجمعة، فالرأي الذي قلنا يكون سقوط الجمعة عن العبد لوجود مانع الوجوب، لا لفوات شرط الوجوب.
الطالب: ما هو مانع الوجوب؟
الشيخ: حق السيد.
الطالب: ما فيه دليل شرعي يدل على..
الشيخ: هذا الحديث.
الطالب: ضعيف هذا قلنا.
الشيخ: لا، إحنا قلنا: هو ضعيف عند بعض العلماء وصحيح عند الآخرين، لكن نقول: إذا صح فإن هذا القول يجب أن يخرَّج الحديث عليه.
طالب: قد يقول الكافر: كيف أخاطب بجموع الشريعة وهي لم تقبل مني؟
الشيخ: لأنك تستطيع أن تسلم فتقبل منك.
الطالب: قد يوجه يا شيخ الدليل، يقول: كيف أخاطب بجموع الشريعة وهي لم تقبل مني، وإنما ذكر هذا ذكر المعنى العام؟
الشيخ: فين المعنى العام؟ إنما هو النص: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ صريح.
الطالب: مذكورة ضمنًا.
الشيخ: وكذلك ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ ذُكر ضمنًا، نقول: لولا أن لتركه هذا أثرًا ما ذكروه، لكان ذكره لغوًا، صحيح أن كونهم يكذبون بيوم الدين يكفي في عذاب النار، ولكن لولا أن لهذا أثرًا لكان ذكره لغوًا لا فائدة منه.
طالب: ذكرنا في درس..
الشيخ: درس أيش؟
الطالب: أنه صنع في بيته أو في مسجد كبير (... ) ما المانع أن يكون صفة..
الشيخ: أن يكون أيش؟
الطالب: أن يكون طريقه صفة للمسجد.
طلبة: صفة.
طالب: إعراب.
الشيخ: إعرابه: (أو في مسجدٍ طريقه)، (طريقه): مبتدأ، و (تحت ساباط) خبر للمبتدأ، والجملة صفة للمسجد.
الطالب: طريقه..
الشيخ: ما يصلح، ما يصلح، أو في مسجد طريقه، لو قلت أيضًا: طريقِهِ؛ صار معناه: أنه صلى في الطريق.
الطالب: طريقه صفة للمسجد..
الشيخ: ما يصلح، يشترط للصفة أن تكون موافقة للموصوف في المعرفة والنكرة.
الطالب: هذا (... ).
الشيخ: أيهم، مسجد؟
الطالب: لا.
الشيخ: مسجد نكرة، لكن الجملة: طريقه تحت ساباط، الجملة كلها صفة للمسجد.
إي واضح؟
طالب: شيخ، المسافر يا شيخ، الذي يمشي في الطريق هل يشرع له أن يقصد بعض البلاد المجاورة ليصلي جمعة، أو يصلي في مكانه من غير جماعة؟
الشيخ: إذا لم يكن عليه مشقة فالظاهر أن الأفضل أن يعرِّج على البلد ليصلي الجمعة، فينال أجرها، أما إذا كان فيه مشقة فلا ينبغي أن يشق عليه مع وجود الرخصة.
طالب: (... ) وهي موطنه ما ينزل ولا يطلع (... ) على قول (... ) ما يدعهم ليصلون الجمعة؟
الشيخ: لا.
الطالب: لماذا؟
الشيخ: لأن السفينة ليست قرية، سيأتينا إن شاء الله تعالى أنه يشترط أن يكونوا بقرية مستوطنين.
الطالب: يعني يصير عندهم حكمان، بعض أحكامهم مقيم وبعض أحكامهم (... ).
الشيخ: يصير (... ).
الطالب: وعلى الصحيح يعني عليهم الجمعة؟
الشيخ: وين؟ على الصحيح عليهم جمعة نعم.
الطالب: لأنهم مقيمون؟
الشيخ: لأن هذه بلدهم، هم يقولون: يلزمهم الإتمام؛ لأن هذا يعتبر بلدًا لهم، ولكن لا تجوز منهم جمعة؛ لأنه اشترط أن يكونوا مستوطنين بقرية، والسفينة ما هي قرية (... ).
طالب: باب صلاة الجمعة: تلزم كل ذكر حر مكلف مسلم مستوطن ببناء اسمه واحد ولو تفرق، ليس بينه وبين المسجد أكثرُ من فرسخ، ولا تجب على مسافر سفر قَصْرٍ ولا عبد وامرأة، ومن حضرها منهم أجزأته ولم تنعقد به ولم يصح أن يؤم فيها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، فيه أسئلة، أولًا: صلاة الجمعة ما حكمها؟
طالب: واجبة على الكبير..
الشيخ: لا، حكمها، لا أريد من تلزم؟ حكم الجمعة فرض عين أو كفاية؟
الطالب: (... ).
الشيخ: فرض عين، من أين تأخذها من كلام المؤلف؟
الطالب: (تلزم).
الشيخ: من قوله: (تلزم) واللزوم بمعنى الوجوب.
هل الجمعة صلاة مستقلة أو بدل عن الظهر؟
طالب: صلاة مستقلة؟
الشيخ: صلاة مستقلة، هل تعلل هذا؟
طالب: صلاة مستقلة؛ لأنها لو كانت مثل الظهر لجاز جمعها مع العصر.
الشيخ: لا، هذي ما هي؛ لأن هذه فرع من كونها صلاة مستقلة.
طالب: لأنها تختلف في هيئتها ووقتها (... ) وشروطها.
الشيخ: وشروطها وواجباتها، يعني خصت بأشياء تدل على أنها صلاة مستقلة.
هل للجمعة شروط خاصة من بين سائر الصلوات؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: ما هي؟
طالب: (... ).
الشيخ: هل تجب الجمعة على الأنثى؟
طالب: لا.
الشيخ: الدليل، ما هو الدليل على أن الأنثى لا تجب عليها الجمعة؟
طالب: أمر وتعليل، حديث أنه لما ضعف (... ). الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم: الجمعة واجبة إلا على...
الشيخ: «حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ».
الطالب: «حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ إِلَّا أَرْبَعَةً.. » وذكر المرأة والمجنون (17).
طالب آخر: في جماعة.
الشيخ: في جماعة نعم.
طالب: والتعليل أن الجمعة مجمع، والمرأة ليس لها المجامع.
الشيخ: إي نعم، وفيه دليل ثالث أوضح من هذا وأصح؟
طالب: الإجماع.
الشيخ: الإجماع؟ ! غير هذا؟
طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ، وَبُيُوتُهُنُّ خَيْرٌ لَهُنَّ» (16).
الشيخ: نعم تمام.
هذا عام في الجمعة وغيرها.
طيب هل تلزم الخنثى؟
طالب: لا.
الشيخ: لا تلزم الخنثى.
الطالب: لأن الأصل براءة الذمة.
الشيخ: لأن الأصل براءة الذمة، ولم يتحقق شرط الوجوب.
من هو الخنثى؟
الطالب: الخنثى الذي يعني ما بين الذكر والأنثى، ليس ذكرًا ولا أنثى.
الشيخ: إي، يعني لا يعلم أذكر هو أم أنثى، تمام.
ما تقول في العبد هل عليه جمعة؟
طالب: اختلف العلماء فبعضهم قالوا: لا تجب عليه الصلاة، وبعضهم..
الشيخ: لا تجب عليه الجمعة!
الطالب: لا تجب عليه صلاة الجمعة.
وقالوا: لأن..
الشيخ: اصبر، وبعضهم؟
الطالب: وبعضهم قال: إنها تجب عليه.
الشيخ: طيب، ما حجة الأولين؟
الطالب: حجة الأولين قالوا: إنه مشغول بسيده، وإنه مشغول بالأشغال التي يأمرها به سيده.
وأما الآخرون الذين قالوا بوجوب..
الشيخ: ما فيه دليل لهم يستدلون به، هذا اللي قلت تعليل.
الطالب: الحديث الذي..
الشيخ: الحديث الذي أشار إليه الأخ.
الطالب: نعم.
وقال بعضهم: إنها تجب عليه، منهم الظاهرية، قالوا: تجب الصلاة عليه.
الشيخ: ما الدليل؟
الطالب: ضعفوا الحديث السابق.
الشيخ: ما دليلهم هم؟
الطالب: قالوا: إنه مثل..
الشيخ: بس ما دليلهم؟ !
طالب: بعموم قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9].
الشيخ: نعم، ولأن الأصل تساوي الأحرار والعبيد في حقوق الله، حتى يقوم دليل على التفريق.
طالب: قول ثالث.
الشيخ: نعم فيه قول ثالث؟ إي نعم أنت!
طالب: قالوا يا شيخ (... ) فتجب عليه (... ).
الشيخ: وحملوا الحديث إذا صح على عبد لم يأذن له سيده، تمام.
هل يشترط أن يكون مكلفًا؟
طالب: نعم.
الشيخ: مكلفًا.
الطالب: بالغ عاقل.
الشيخ: وهو البالغ العاقل، هل هذا خاص في الجمعة أو عام؟
الطالب: عام.
الشيخ: إذن ما هي الشروط الخاصة بالجمعة من هذه الشروط؟
الطالب: الحرية والإسلام..
الشيخ: والإسلام، يعني: وأما غيرها من العبادات فتصح من الكافر.
الطالب: لا، ما تصح، الحرية على قول والاستيطان.
الشيخ: ما وصلنا إلى الاستيطان.
طالب: الحرية شروط خاصة بالجمعة، الحرية يا شيخ على رأي الجمهور.
الشيخ: على خلاف فيها، طيب.
الطالب: والذكورية.
الشيخ: والذكورية.
على كل حال الشرط الخاص: الذكورية، والثاني: الحرية؛ لأن الصلوات الخمس تجب على الأنثى والذكر والحر والعبد.
والعجيب أن الذين قالوا: إن الجمعة لا تجب على العبد قالوا: إن الجماعة تجب عليه، وعندي: أنه لو صح حديث أن الرسول استثنى العبد، لكان عدم وجوب الجماعة من باب أولى؛ لأن الجماعة تتكرر في اليوم خمس مرات، فإذا أسقط عنه ما يجب في الأسبوع مرة فما يجب خمس مرات من باب أولى، وإذا أوجبنا عليه الجماعة فإيجاب الجمعة من باب أولى.
ما معنى قوله: (مستوطن).
طالب: أي في بلد مقيم.
الشيخ: أي: في مكان اتخذه وطنًا.
والوطن هو الإقامة الدائمة.
هذا الشرط يختص بالجمعة، غير الجمعة لا يشترط فيها الاستيطان.
فلنعدها الآن: كل ذكر حر مكلف مسلم مستوطِن.
هذه خمسة شروط الآن، عرفتم؟ منها ما هو مشترك بين الجمعة وغيرها، ومنها ما هو مختص بالجمعة، المختص: ذكر حر مستوطن.
يقول المؤلف رحمه الله: (مستوطن ببناء) بناء بمعنى مبني، أي: بوطن مبني، الوطن المبني لم يبين المؤلف بأي شيء بني، فيشمل ما بني بالحجر والمدر والأسمنت والخشب وغيرها.
وهو يحترز من ذلك مما لو كانوا أهل خيام، كالبادية، فإنه لا جمعة عليهم؛ لأن البادية الذين كانوا حول المدينة لم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بإقامة الجمعة، مع أنهم مستوطنون في أماكنهم، لكنهم ليسوا ببناء، ولهذا إذا ظعنوا عن هذا الموطن ظعنوا ببيوتهم، ولم يبق لهذه البيوت أثر لأنها خيام.
(ببناء) قلنا: (بناء) يشمل معنى مبني من أي مادة كان، المهم أن يكون مبنيًّا ثابتًا، احترازًا من الخيام ونحوها.
يقول: (اسمه واحد ولو تفرق) يعني: يكون مستوطنًا ببناء، اسم البناء واحد، مثل مكة، المدينة، عنيزة، بريدة، الرياض، المهم اسمه واحد، حتى لو تباعد، وحتى لو تفرق، بأن صارت الأحياء بينها مثلًا مزارع، لكن يشملها اسم واحد فإنه يعتبر وطنًا واحدًا وبلدًا واحدًا.
ولهذا قال المؤلف: (ولو تفرق) إشارة لخلاف يقول: إذا تفرق وفرقت بينهم المزارع فليس بوطن، يعني على هذا الرأي يكون كل حي وحده مستقلًّا، ولكن الصحيح أنه ما دام يشمله اسم واحد فهو بلد واحد.
لو فرض أن هذا البلد اتسع، وصار بين أطرافه أميال أو فراسخ فهو أيش؟ وطن واحد، يلزم من في أقصاه الشرقي، كما يلزم من في أقصاه الغربي، تلزم الجمعة من في أقصاه الشرقي كما تلزم من في أقصاه الغربي، وهكذا الشمال والجنوب؛ لأنه بلد واحد.
طيب.
(ليس بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ) هذا الشرط السادس.
(ليس بينه) أي: بين الإنسان (وبين المسجد أكثر من فرسخ) والفرسخ: سبق لنا أنه ثلاثة أميال، والميل اثنا عشر ألف ذراع، فعلى هذا لا يلزم الشخص الذي يكون بينه وبين البلد أكثر من فرسخ.
(ليس بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ) هذا إذا كان خارج البلد، أما إذا كان بلدًا واحدًا فإنه يلزمه، ولو كان بينه وبين المسجد فراسخ، انتبهوا يا جماعة.
إذن هذا القيد الأخير (ليس بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ) يوهم في الحقيقة يوهم أيش؟ أنه ولو كان في البلد وليس كذلك، بل هذا إذا كان خارج البلد، عرفتم؟ فإذا كان بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ فإنه لا تلزمه الجمعة.
الفرسخ قلنا: إنه ثلاثة أميال، وذكر علماؤنا أن مسيرة الفرسخ ساعة ونصف بسير الإبل والقدم، لا بسير السيارة.
يقول: (ليس بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ) فإن كان بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ، قالوا: فإنها تلزمه بغيره، أيش معنى تلزمه بغيره؟ يعني: إن أقيمت الجمعة في البلد لزمته وإلَّا فلا.
صارت الشروط كم؟
طلبة: ستة.
الشيخ: ستة شروط في وجوب الجمعة عينًا.
قال: (ولا تجب على مسافر سفر قصر)، (لا تجب) الضمير يعود على الجمعة.
(لا تجب على مسافر سفر قصر) والصلوات الأخرى تجب؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب والجماعة؟
طلبة: تجب.
الشيخ: تجب الجماعة في السفر، أما الجمعة فلا تجب على المسافر.
فإذا قال قائل: ما الدليل، أليست الجمعة صلاة مستقلة وهي فرض الوقت؟
فالجواب: بلى، لكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يسافر وتأتيه الجمعة في السفر فلا يصلي الجمعة، ولو كانت الجمعة واجبة لصلاها، بل لو كانت جائزة لصلاها، فإذا صلى الإنسان الجمعة وهو في السفر فصلاته باطلة، وعليه أن يعيدها ظهرًا مقصورة، لماذا؟ لأن المسافر ليس من أهل الجمعة.
فإذا قال قائل: ترك النبي صلى الله عليه وسلم للجمعة لا يدل على أنها غير مشروعة؟
فالجواب: بلى؛ لأنها لو كانت مشروعة لكانت عبادة، وهي فريضة واجبة، ولا يمكن أن يدع النبي صلى الله عليه وسلم الواجب، فإذن إذا كان سبب الفعل موجودًا ولم يفعل الرسول عليه الصلاة والسلام ذلك علم أن فعله يكون بدعة، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (21)، وهذه قاعدة مفيدة لطالب العلم، كل شيء سببه موجود في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يفعله ففعله بدعة.
فالجمعة في السفر موجودة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، ولكنه لم يفعلها، فإذا فعلها الإنسان قلنا له: أنت عملت عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله، فيكون عملك مردودًا.
أما المسافر الذي في بلد تقام فيه الجمعة، كما لو مر الإنسان في السفر ببلد ودخل فيه ليقيل ويستمر في سيره بعد الظهر، فهل تلزمه الجمعة؟
نقول: نعم تلزمه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9] وهذا عام، ولم نعلم أن الصحابة الذين يفدون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبقون إلى يوم الجمعة يتركون صلاة الجمعة، بل إن ظاهر السنة أنهم يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم.
قوله: (سفر قصر) أي: سفرًا يحل فيه القصر، فلو كان مسافرًا سفرًا قصيرًا، فإنها تجب عليه الجمعة، ولكن تجب عليه بغيره، بمعنى: إن أقيمت الجمعة وجبت عليه وإلَّا فلا.
فلو فرضنا أن رجلًا من أهل عنيزة سافر إلى بريدة فالسفر هذا -على المشهور من المذهب- ليس سفر قصر؛ لأنه دون المسافة، أقيمت الجمعة هناك، يجب عليه أن يصلي؛ لأن السفر ليس سفر قصر.
رجل سافر إلى بلد يبلغ المسافة ولكن سفره محرم، أي: سافر -والعياذ بالله- ليفعل الفواحش ويشرب الخمر وما أشبه ذلك، هل تسقط عنه الجمعة؟
طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ لأن السفر ليس سفر قصر؛ لأنه من شروط سفر القصر أن يكون السفر مباحًا.
رجل دخل بلدًا ليقيم فيه خمسة أيام ثم يسافر، هل تلزمه الجمعة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، تلزمه بغيره، لماذا؟ لأنه ليس مسافرًا سفر قصر، بل هو مقيم ما يمنع القصر، فتلزمه الجمعة.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (ولا تجب على عبد) وسبق الكلام فيه، والمراد بالعبد من؟
طلبة: المملوك.
الشيخ: الرقيق المملوك.
(ولا تجب على امرأة) وسبق أيضًا الدليل على هذا، ولكن من حضر؟ قال: (ومن حضرها منهم) أي: من المسافر سفر القصر، والعبيد والنساء (من حضرها منهم) أي: من حضر الجمعة منهم وصلى مع الإمام (أجزأته ولم تنعقد به، ولم يصح أن يؤم فيها).
(من حضرها منهم أجزأته) كيف تجزئهم وهم لم يخاطَبوا بها؟ قالوا: لأن إسقاطها عنهم تخفيف، فإذا حضروا وصلوا فهم الذين اختاروا ذلك لأنفسهم فتصح، ولكن لو قيل في التعليل سوى هذا؛ لو قيل: لأنهم ائتموا بمن يصلي الجمعة فأجزأتهم تبعًا لإمامهم، وقد يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا.
قال: (ولم تنعقد به) يعني: لم تنعقد بواحد من هؤلاء، بالمسافر سفر قصر.
ما معنى (لم تنعقد به) يعني أنه لا يحسب من العدد المعتبر، العدد المعتبر -كما سيأتينا إن شاء الله على المذهب- أربعون رجلًا.
فإذا جاء عبد يكمّل الأربعين، أي أن عندنا تسعة وثلاثين حرًّا، وجاء عبد، هل يتمم الأربعين؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، إذن ماذا يصلي هؤلاء؟
طلبة: ظهرًا.
الشيخ: يصلونها ظهرًا؛ لأنها لا تنعقد به.
مثال آخر: قدم شخص قرية صغيرة فيها تسعة وثلاثون رجلًا وهو مسافر من العلماء، فهل يكمل الأربعين؟
طلبة: نعم.
طلبة آخرون: لا.
الشيخ: حر بالغ عاقل؟
طلبة: ما يكمل.
الشيخ: ما يكمل، لماذا؟
طلبة: مسافر.
الشيخ: مسافر، لا يكمل الأربعين.
يقول: (ولم يصح أن يؤم فيها) أما المرأة فلا شك أنه لا يصح أن تؤم فيها؛ لأن المرأة لا تكون إمامًا للرجال.
العبد: هل يصح أن يكون إمامًا في الصلوات الخمس؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، في الجمعة لا يصح، لماذا؟ لأنه ليس من أهل الوجوب، فلو كان هذا العبد قارئًا عالمًا فقيهًا عابدًا، والذين في القرية أربعون رجلًا، كل واحد منهم يحسن القراءة الواجبة، وهو في العبادة ضعيف، فجاء هذا العبد ليتقدمهم وهو عبد أحمر ليتقدمهم يصلي بهم الجمعة، يصح؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: على قول المؤلف لا يصح، إي نعم لا يصح، لا المؤلف يقول: ما يصح.
طالب: قول الرسول صلى الله عليه وسلم (... ).
الشيخ: اصبر، ما بعد ناقشنا حتى الآن، على كلام المؤلف: لا يصح أن يكون إمامًا فيها؛ لأنه ليس من أهل الوجوب.
المرأة: عرفنا أنه واضح أنها لا تصح أن تكون إمامًا، وأنها لا تنعقد بها؛ لأنها أصلًا ليست من أهل الجماعة، ولا يصح أن تكون إمامًا للرجل.
العبد: كلام المؤلف يقول: (لا تنعقد به، ولا يصح أن يكون إمامًا فيها) أما إذا قلنا بأن العبد تلزمه الجمعة فإنه تنعقد به، بأن يكمل به العدد ويصح أن يكون إمامًا فيها.
المسافر: مسافر قدم إلى بلد أهله كله عوام، لكن أحدهم الخطيب فيهم يأخذ ورقة ويخطب فيها ويمشي، فقدم البلد هذا رجل عالم كبير في العلم عابد، فقالوا له: تفضل صل بنا، فصلى بهم، لا تصح صلاته على قول المؤلف، لا تصح صلاته لماذا؟ لأنه مسافر، لو خطب بهم وصلى أحدهم؟
طالب: صح.
الشيخ: لا تصح؛ لأن من شرط الخطبة أن تكون ممن يصح إمامته (... ).
العمل الآن على هذا ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، العمل على خلاف ذلك، يأتي الرجل الداعية إلى قرية من القرى ويخطب بهم الجمعة ويصلي بهم الجمعة، وينصرفون وأنهم يعتقدون بأن صلاتهم صحيحة، لكن الذي يريد أن يقلد المذهب نقول: إن صلاتهم غير صحيحة، وعليهم أن يعيدوها ظهرًا، إن أمكن أن يعيدوها في الوقت أعادوها جمعة، كيف يعني يعيدونها جمعة؟ يخطب واحد منهم المرة الثانية، ويصلون الجمعة المرة الثانية، وينتهي، لكن إن كان قد خرج الوقت يلزمهم أن يقضوها ظهرًا، هذا ما ذهب إليه المؤلف.
والقول الراجح في هذه المسألة أن المرأة كما قال المؤلف لا يصح أن تكون خطيبة ولا يصح أن تكون إمامة، ولا تحسب من الأربعين، وأما العبد والمسافر فالصحيح أنها تنعقد بهم، ويصح أن يكونوا أئمة فيها وخطباء أيضًا؛ إذ إن القول بعدم صحة ذلك لا دليل عليه.
فالعبد من أهل التكليف، والمسافر من أهل التكليف، وكيف تقولون: إنه إذا صلى العبد خلف الإمام جمعة صحت، وتقولون: لو كان هو الإمام لم تصح؟ أي فرق؟ لا يظهر فرق، وكونكم تقولون: هذا صحت تبعًا، ويثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا، قد لا يسلم في كل موضع.
المهم ما هو القول الراجح في هذه المسألة؟ أنها تصح إمامة المسافر والعبد، وأنها تنعقد به الجمعة.
قال: (ومن سقطت عنه لعذر) (سقطت) أي الجمعة (عنه لعذر) كمرض.
(وجبت عليه وانعقدت به) (وجبت عليه) يعني: تلزمه بنفسه وتنعقد به، مثال ذلك: مريض سقطت عنه الجمعة من أجل المرض، واضح؟ ولكنه تحمل المشقة وحضر إلى الجمعة، هل تنعقد به؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم تنعقد به، يحسب من الأربعين.
وهل يصح أن يكون إمامًا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، وهل يصح أن يخطب فيها؟ نعم، لماذا؟
لأنه أهل للوجوب، ولكن وجد فيه مانع الوجوب، وفرق بين من فقد منه شرط الوجوب، ومن وجد منه مانع الوجوب؛ لأن من فقد منه شر ط الوجوب ليس أهلًا للعبادة أصلًا، ومن وجد فيه مانع الوجوب فهو في الأصل أهل للوجوب، فإذا وصل إلى محل الجمعة زال مانع الوجوب؛ لأن مانع الوجوب مشقة الوصول إلى المسجد، والآن قد وصل، فذهب مانع الوجوب وصار الآن من أهل وجوبها فتلزمه وتنعقد به، ويصح أن يؤم فيها.
فيه غير المريض؟ نعم الخائف على ماله مثلًا، إنسان خائف على ماله تسقط عنه الجمعة، لكنه قال: سأذهب ثم جاء إلى الجمعة، نقول: الآن تلزمك ولا تعذر، وتنعقد بك، وتصح أن تكون إمامًا.
فإذا قال قائل: ما الفرق بينه وبين المسافر والعبد؟
الجواب: أن الفرق أن المسافر والعبد لم يوجد فيهم شرط الوجوب، فليسوا من أهلها، أو فليس من أهلها، وأما من سقطت عنه لعذر فالذي فيه مانع الوجوب، وهو من أهلها، فإذا حضر إلى مكانها زال المانع فصار كالذي ليس فيه مانع.
يقول: (وجبت عليه وانعقدت به، ومن صلى الظهر ممن عليه حضور الجمعة قبل صلاة الإمام لم يصح) أنا عندي بالحاشية: وقال أبو حنيفة والشافعي: يجوز أن يكون العبد والمسافر إمامًا فيها، ووافقهم مالك في المسافر.
إذن يكون القول بأن المسافر لا يصح أن يكون إمامًا من مفردات مذهب الإمام أحمد، وأما العبد فقد وافقه عليه مالك، وخالفه فيه أبو حنيفة والشافعي، والصحيح ما ذهب إليه أبو حنيفة والشافعي.
يقول: (ومن صلى الظهر ممن عليه حضور الجمعة قبل صلاة الإمام لم تصح) من صلى الظهر قبل صلاة الإمام وهو ممن يلزمه الحضور فإن صلاته لا تصح.
وتأمل قال المؤلف: (ممن عليه حضور الجمعة) ولم يقل: ممن تجب عليه الجمعة، وذلك من أجل أن يكون كلامه -رحمه الله- شاملًا للذي تجب عليه بنفسه والذي تجب عليه بغيره؛ لأن الفقهاء -رحمهم الله- يجعلون بعض الناس تجب عليه بغيره، وهو الذي لا تنعقد به ولا يصح أن يكون إمامًا فيها، ومن تلزمه بنفسه، وهو الذي يصح أن يكون إمامًا فيها وتنعقد به، ولهذا عبر فقال: (ممن عليه حضور الجمعة).
مثاله: الذي عليه الحضور دون الوجوب: مسافر دخل بلدًا تقام فيه الجمعة وأذن لصلاة الجمعة، هذا عليه الحضور ليست واجبة عليه بنفسه، بل بغيره، فإذا صلى هذا المسافر قبل صلاة الإمام فإن صلاته لا تصح.
لماذا؟
لأنه فعل ما لم يؤمر به، وترك ما أمر به، فيكون هذا الرجل عمل عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله؛ لأنه مأمور أن يحضر الجمعة، وهو صلى ظهرًا، ولأن صلاته الظهر مع وجوب الحضور عليه يكون كالذي غصب الزمن؛ لأن هذا الزمن الأصل فيه أن يكون للجمعة، فإذا صلى فيه الظهر، صار كأنه غاصبًا للزمن.
مثال آخر: رجل مقيم في البلد وكان معه أصحابه في البيت مستأنسين، وقالوا: نبغي نصلي الظهر، الآن جاء وقت الظهر، نصلي الظهر، فصلوا الظهر قبل صلاة الجمعة، ما تقولون؟
طلبة: لا تصح.
الشيخ: لا تصح.
مثال: لو فرض أن الرجل في أقصى البلد، ويعلم أنه لو ذهب لم يدرك الجمعة، فهل يصلي الظهر قبل صلاة الإمام الجمعة؟ لا؛ لعموم قوله: (من صلى الظهر قبل صلاة الإمام)، يعني حتى في الحال التي يعلم أنه لو سعى لم يدرك الجمعة، فإنه ينتظر حتى يفرغ الإمام من الجمعة.
وتَصِحُّ مِمَّنْ لا تَجِبُ عليه، والأَفْضَلُ حتى يُصَلِّيَ الإمامُ، ولا يَجوزُ لِمَنْ تَلْزَمُه السفَرُ في يومِها بعدَ الزوالِ.
(فصلٌ)
يُشْتَرَطُ لصِحَّتِها شُروطٌ ليس منها إذنُ الإمامِ: أحَدُها الوقتُ، وأَوَّلُه أوَّلُ وَقتِ صلاةِ العِيدِ وآخِرُه آخِرُ وَقتِ صلاةِ الظهْرِ، فإنْ خَرَجَ وقْتُها قَبلَ التحريمةِ صَلَّوا ظُهْرًا وإلا فجُمُعَةً.
الثاني: حُضورُ أربعينَ من أهلِ وُجُوبِها.
فإذا صلى هذا المسافر قبل صلاة الإمام فإن صلاته لا تصح، لماذا؟ لأنه فعل ما لم يؤمر به، وترك ما أُمِرَ به، فيكون هذا الرجل عمل عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله؛ لأنه مأمور أن يحضر الجمعة وهو صلى ظهرًا، ولأن صلاته الظهر مع وجوب الحضور عليه يكون كالذي غصب الزمن؛ لأن هذا الزمن الأصل فيه أن يكون للجمعة، فإذا صلى فيه الظهر صار كأنه غاصب للزمن.
مثال آخر: رجل مقيم بالبلد، وكان معه أصحابه في البيت مستأنسين وقالوا: بنصلي الظهر، الآن جاء وقت الظهر بنصلي الظهر، فصلوا الظهر قبل صلاة الجمعة، ما تقولون؟
طلبة: ما تصح.
الشيخ: لا تصح.
مثال: لو فُرِضَ أن الرجل في أقصى البلد، ويعلم أنه لو ذهب لم يدرك الجمعة، فهل يصلى الظهر قبل صلاة الإمام الجمعة؟ لا؛ لعموم قوله: (من صلى الظهر قبل صلاة الإمام) يعني: حتى في الحال التي يعلم أنه لو سعى لم يدرك الجمعة، فإنه ينتظر حتى يفرغ الإمام من الجمعة، كيف يفرغ وهو لا يسمعه؟ نقول: يُقدِّر.
وقول المؤلف: (ممن عليه حضور الجمعة) لو صلى إنسان لا تلزمه الجمعة لا يلزمه الحضور؛ كمريض لا تجب عليه الجمعة صلى قبل صلاة الإمام الظهر، ما الحكم؟ تصح؛ لأنه لا تلزمه الجمعة.
ولو صلَّت امرأة الظهر قبل صلاة الإمام الجمعة صحت؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ليش؟ لأن الجمعة لا تلزمها.
خلاصة الكلام الآن: من صلى الظهر قبل صلاة الإمام وهو ممن يجب عليه الحضور لم تصح، التعليل لأنه عمل عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله، فيكون مردودًا، فإن الذي عليه أمر الله ورسوله في هذه الحال أن يذهب إلى الجمعة، من صلى الظهر قبل صلاة الإمام الجمعة ممن لا يجب عليه الحضور فصلاته صحيحة؛ لأنه لم يخالف أمر الله ورسوله.
يقول المؤلف رحمه الله: (وتصح ممن لا تجب عليه) واضح.
قال: (والأفْضلُ حتى يُصلِّي الإِمامُ) الأفضل أن يؤخر صلاة الظهر حتى يصلي الإمام، وعلى هذا فنقول للنساء: الأفضل في يوم الجمعة ألَّا تصلين الظهر حتى يصلي الإمام، لماذا؟ قالوا: لأنه ربما يزول عذره فيدرك صلاة الجمعة، وإذا كان هذا هو التعليل فإنه لا ينطبق على النساء؛ إذ إن النساء لا يمكن أن يزول العذر؛ المرأة امرأة، لا يمكن أن يزول عذرها، وإذا كان كذلك فنقول للمرأة: الأفضل أن تصلي الظهر في أول الوقت ولو قبل صلاة الإمام؛ لأن الصلاة في أول الوقت أفضل من الصلاة في آخر الوقت.
وحينئذٍ نقول: إن كان من لا تلزمه الجمعة ممن يرجى أن يزول عذره فيدركها؟
طالب: الأفضل أن ينتظر.
الشيخ: وإذا كان ممن لا يرجى أن يزول عذره فالأفضل تقديم الصلاة في أول وقتها؛ على القاعدة؛ أن الأفضل في الصلوات تقديمها.
طالب: أحسن الله إليك، قلنا: إنه إذا كان بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ فإنه لا تلزمه، إلا إن وجبت على غيره وجبت عليه تبعًا.
الشيخ: نعم، إذا كان خارج البلد.
الطالب: هذا إذا كان خارج البلد، لماذا -أحسن الله إليك- قالوا: إذا كان بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ فإنها لا تجب؟
الشيخ: هذه مسألة تقديم فيها خلاف بين العلماء بالتقدير، لكن يقول: إن هذا بعيد، والغالب أن من بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ أنه لا يسمع النداء.
الطالب: طيب، أحسن الله إليك، إذن ينتقد عليهم هذا بأن إذا قلنا: إذا وجبت على غيره وجبت عليه تبعًا، نقول: أيضًا العلة موجودة بعيد وهذا يشق عليه؟
الشيخ: إي نعم، هو لا شك أنه يرد عليه، لكن إذا كان بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ وهو خارج البلد لا تجب عليه، لا بغيره، ولا بنفسه، لكن إذا كان خارج البلد ودون مسافة الفرسخ وجبت عليه.
طالب: المجتمعون بمنى -يا شيخ- يوجب عليهم صلاة الجمعة وهم لا يسمعون النداء؟
الشيخ: هم الآن في منى ليسوا يجمعون في أيام الحج.
الطالب: يجمعون في مسجد الخيف.
الشيخ: إي نعم، لا يجمعون.
الطالب: وإذا جمعوا؟
الشيخ: هم لا يجمعون، إذا جمعوا فإن منى الآن أصبحت حيًّا من أحياء مكة؛ يعني: فيها بناء، وفيها مدارس، وفيها مساجد.
الطالب: يجوز لمن يلي الحاضرين يلزمهم بالحضور؟
الشيخ: على كلام الفقهاء نلزمهم بالحضور؛ لأنها تلزمهم بغيره، لكن -الحمد لله- أنهم ما هم بيقيمونها، هذه تحل الإشكال.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- في صلاة الخوف مضى علينا مسألة ما ذكرناها؛ وهي صلاة المغرب، وكذلك مسألة إذا كان أهل البلد الذين يدافعون، فكيف يصلون الرباعية صلاة الخوف؟ والمغرب كذلك ما ذكرناها.
الشيخ: المغرب يصلي بالطائفة الأولى ركعتين، ثم إذا جلس للتشهد الأول تشهدوا، ثم قاموا فأتوا بالثالثة، ثم انصرفوا وجاء الآخرون فأتم بهم الصلاة.
الطالب: الرباعية؟
الشيخ: في الغالب أنها اللي وقعت في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام لم تكن رباعية؛ لأنهم في سفر، فهي ثنائية، لكن لو فرض أنه دهمهم العدو في الحضر القصر لا يمكن، يصلي بطائفة ركعتين، ثم يكملون، ثم ينصرفون إلى العدو، وهكذا.
طالب: ذكرنا في الدروس الماضية في صلاة المسافر (... ) أربع (... )، أعتقد أربعة أيام وقلنا: هذه (... )؛ لأنه قبل الشبر مسافر، وبعد الشبر غير مسافر، وكذلك قبل دقيقة مسافر، وبعد دقيقة تقيم، وبعد رجحنا القول الآخر وهل في هذه بين المسجد أكثر من..
الشيخ: إي نعم، هذه مبنية على ذيك.
الطالب: وما ذكرنا هنا القول الراجح.
الشيخ: إي نعم، نسينا هذه، ينبغي أنها تقال.
طالب: شيخ، يقول المؤلف: (ومن سقطت عنه لعذر وجبت عليه) وتنعقد به إذا ما سقطت عنه لعذر وجبت عليه..
الشيخ: يعني: وجبت عليه إذا حضر، هذا معنى كلامه إذا حضر في المسجد.
الطالب: إذا حضر يصلي في المسجد الظهر؟
الشيخ: لا، يصلي الجمعة، لكن الفائدة لأجل أن يفرق بين العبد والمسافر والمرأة، العبد والمسافر والمرأة لو حضروا لم تجب عليهم، لو شاؤوا انصرفوا ولا تنعقد بهم، ولا يصح أن يكونوا أئمة فيها، وهذا الذي سقطت عنه لعذر إذا حضر وجبت عليه ولم يمكن أن ينصرف، وتنعقد به، ويصح أن يكون إمامًا فيها.
طالب: ما حجتهم هنا؛ أن في تصحيح صلاة العبد في الجماعة غير تصحيحها في الجمعة؟
الشيخ: لا، ما هو كذا، ما حجتهم في إيجاب الجماعة دون إيجاب الجمعة، هم يحتجون بالحديث: «الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ فِي جَمَاعَةٍ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ إِلَّا أَرْبَعَةً» (1).
الطالب: هم يقولون: لو صلى بهم إمامًا في الجمعة لم تصح الصلاة، ولو صلى في الجماعة تصح، ما حجتهم؟
الشيخ: يقولون: لأنه في الجماعة من أهل الوجوب، في الجمعة ليس من أهل الوجوب، على كل حال القول الصحيح ما فيه إشكال أن الجمعة والجماعة واجبة على العبد ما لم يمنعه سيده، فإن منعه سيده فهو معذور.
الطالب: حتى الجمعة أن العدد المعتبر أربعون؛ يعني هذا على المذهب.
الشيخ: على المذهب، إي، لا، الصحيح أنهم ثلاثة فقط.
الطالب: قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولا يجوز لمن تلزمه السفر في يومها بعد الزوال.
فصل
يشترط لصحتها شروط ليس منها إذن الإمام؛ أحدها: الوقت، وأوله أول وقت صلاة العيد، وآخره آخر وقت صلاة الظهر، فإن خرج وقتها قبل التحريمة صلوا ظهرًا، وإلا فجمعة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
إذا كان رجل خارج البلد وبينه وبين المسجد أقل من فرسخ؟
طالب: يجب عليه الحضور.
الشيخ: تجب عليه بنفسه أو بغيره؟
الطالب: بنفسه.
طالب آخر: بغيره.
طالب آخر: بنفسه.
الشيخ: لا، بغيره.
الطالب: بنفسه يا شيخ.
الشيخ: تجب عليه بغيره.
طلبة: أقل من فرسخ.
الشيخ: إي، هذه أقل من فرسخ؛ لأن أكثر من فرسخ لا تلزمه لا بغيره ولا بنفسه إذا كان هو خارج البلد، لاحظوا؛ إذا كان داخل البلد تجب عليه ولو بينه وبين المسجد فراسخ، هذه واحدة، إذا كان خارج البلد وبينه وبين المسجد أقل من فرسخ لزمته بغيره، إذا كان خارج البلد وبينه وبين المسجد أكثر من فرسخ لا تلزمه لا بنفسه ولا بغيره.
إذا قال قائل: ما هو الدليل على التقدير بالفرسخ؛ لأن كل شيء مقدر؛ يعني: أي شيء يدعي إنسان أنه مقدر نقول له: لا بد من دليل، وهذه قاعدة مفيدة لطالب العلم؛ أيُّ قولٍ يقوله قائله يقدره بشيء بزمن أو مكان أو عدد أو أي شيء فإنه يطالب بالدليل؛ إن أتى بدليل، وإلا فقوله مردود عليه؛ مثل أقل الحيض يوم وليلة، أكثره خمسة عشر، نقول للذي حدده بذلك: هات الدليل، وإلا فلا عبرة بقولك، كذلك هنا ليس بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ نقول: هات الدليل، يقول: الدليل..، وأشرنا إليه من قبل ولعل أحدكم يعرفه؟
طالب: التعليل يا شيخ؟
الشيخ: ما يخالف، التعليل.
الطالب: التعليل قالوا بأنه إذا كان أكثر من فرسخ فإن المسافة تكون بعيدة، وبالتالي يشق على المصلي، أما إذا كان أقل من فرسخ فإن هذا ما فيه مشقة.
الشيخ: يكون الغالب أن من كان بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ الغالب أنه؟
طالب: لا يسمع.
الشيخ: لا يسمع النداء، مع أن بعض العلماء قدَّره بالأذان، قال: إن سمع الأذان وجب، وإلا فلا، والذين قالوا بالفرسخ قالوا: الأذان يختلف بحسب صوت المؤذن والرياح وارتفاع المؤذن وهدوء الأصوات، فلا يمكن انضباطها، فقالوا: الفرسخ منضبط.
إذن ليس هناك دليل ولكنه تعليل، الدليل الذي دلت عليه السنة هو سماع الأذان؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ » قال: نعم، قال: «فَأَجِبْ» (2).
ما رأيك في البادية الذين يسكنون الخيام هل تلزمهم الجمعة أو لا؟
طالب: لا، ليس ببناء اسمه دار.
الشيخ: إي، ليس ببناء؛ يعني: لم يسكنوا ببناء اسمه واحد.
رجل صلى الظهر قبل صلاة الإمام الجمعة فما حكم صلاة الظهر؟
طالب: إن كان عنده عذر؛ مثل مرض أو خوف فتصح صلاته، أما إذا كان ليس بعذر كالمسافة مثلًا.
الشيخ: إن كان ليش؟
الطالب: إن كان لعذر تصح صلاته.
الشيخ: وإلا؟
الطالب: وإلا فلا.
الشيخ: إن كان لغير عذر وصلى، توافق على أنه لا تصح صلاته؟
طالب: نعم، لا تصح.
الشيخ: لا تصح، لماذا؟
طالب: لأنه جاء بشيء لم يؤمر به (... ) ولا رسوله.
الشيخ: إي، وترك شيئًا أمر به وهو حضور الجمعة، وفعل ما لم يؤمر به وهو صلاة الظهر؛ لأن هذا الذي ليس له عذر الفرض في حقه صلاة الجمعة.
امرأة صلت الظهر قبل صلاة الإمام الجمعة؟
طالب: تصح صلاتها.
الشيخ: تصح، لماذا؟
الطالب: لأنها لا يرجى زوال عذرها.
الشيخ: كيف لا يرجى زوال عذرها؛ يعني: هي فيها عذر؟
طالب: لأنها غير مطالبة بحضور الجمعة.
الشيخ: إي؛ لأنها ليست من أهل الجمعة، طيب.
هل الأفضل للمرأة والمريض الذي لا يستطيع حضور الجمعة أن يؤخرا صلاة الظهر حتى يصلي الإمام أو لا؟
طالب: المريض الذي يمنعه العذر.
الشيخ: نريد كلام المؤلف.
الطالب: الأفضل أن يؤخر.
الشيخ: إلى؟
الطالب: إلى أن ينتهي الإمام.
طالب آخر: المرأة لا، الأفضل الصلاة في أول وقتها، أما المريض ممكن أن يزول عذره.
الشيخ: يعني أنت تفصِّل؟
الطالب: المرأة لا.
الشيخ: يعني تقول: من لا يرجى زوال عذره فالأفضل التقديم في أول الوقت، ومن يرجى؟
الطالب: الأفضل التأخير.
الشيخ: يعني لأجل أن ينتظر؛ لعله يزول عذره فيصلي الجمعة، طيب.
هل هذان قولان أو قول واحد؟
طالب: على كلام المؤلف يكونوا قولان؛ لأنه أطلق لكونه فصَّل، هذا قول زائد على ما قاله المؤلف.
الشيخ: إي نعم، وهذا القول هو الذي رجحناه، قلنا: إن كلام المؤلف فيه نظر، ولكن الصحيح أن نفصِّل نقول: من كان يرجى زوال عذره فالأفضل أن يؤخر؛ لأنه ربما يزول العذر ويحضر الجمعة، وأما من لا يرجى أو من ليس أهلًا للوجوب أصلًا كالمرأة فالأفضل التقديم.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (ولا يجوز -لمن تلزمه- السفرُ في يومها بعد الزوال)، (ولا يجوز -لمن تلزمه- السفرُ) السفر فاعل (تلزم)؟
طلبة: فاعل (يجوز).
الشيخ: فاعل (يجوز)، (ولا يجوز -لمن تلزمه- السفرُ في يومها) السفر فاعل؟
طلبة: (يجوز).
الشيخ: إي، لا يلزم؟ صح؛ يعني: لا يجوز السفر في يومها بعد الزوال لمن تلزمه، سواء تلزمه في نفسه أو بغيره؛ وذلك لأنه بعد الزوال قد دخل وقتها بالاتفاق، والغالب أنه إذا دخل الوقت يحضر الإمام وتصلى الجمعة، فيحرم أن يسافر.
فإذا قال قائل: ما الدليل؟ قلنا: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9]، فأمر بالسعي إليها وترك البيع، إذن نحن كذلك نقول: إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسع إليها وذر السفر؛ لأن العلة واحدة، فالبيع مانع من حضور الصلاة، والسفر كذلك مانع من حضور الصلاة، فلا يجوز أن تسافر بعد أذان الجمعة، وهذا لا إشكال فيه.
لكن المؤلف علَّق الحكم بالزوال؛ لأن الزوال هو سبب وجوب الجمعة؛ إذ إنه دخول الوقت، ودخول الوقت سبب، فعلَّق الحكم بالسبب، ولكن الأوْلى: أن يعلق الحكم بما علَّقه الله به؛ وهو النداء إلى الجمعة؛ لأنه من الجائز أن يتأخر الإمام عن الزوال، ولا يأتي إلا بعد الزوال بساعة، فلا ينادى للجمعة إلا عند حضور الإمام؛ لذلك نقول: المعتبر النداء.
لكن المؤلف مشى على أن المعتبر الزوال؛ لأن الزوال سبب الوجوب، فعلَّق الحكم به، وهذا يشبه من بعض الوجوه قولهم: من باع نخلًا بعد أن تشقق فثمرته للبائع، نقلناكم إلى البيوع الآن، من باع نخلًا بعد أن تشقق فثمرتها للبائع، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ بَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ» تؤبر يعني: تلقح؛ يوضع فيها اللقاح «فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ» (3)، فعلقوا الحكم على التشقق، قالوا: لأن التشقق هو سبب التأبير، فعلق الحكم به.
فنقول لهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم علَّق الحكم بالتأبير، فلا يمكن أن نلغي ما علَّق الشارع الحكم عليه، ونعتبر شيئًا آخر، كذلك هنا علق الحكم؟
طالب: بالزوال.
الشيخ: بالأذان، الله علَّق الحكم بالأذان، فإذا كونه علق الحكم بالأذان، فلا يمكن أن نتجاوز ذلك ونعلقه بالزوال، ولكن الغالب أن الإمام يحضر إذا زالت الشمس، هذا الغالب.
وفُهِمَ من قول المؤلف: (بعد الزوال) أن السفر قبل الزوال يوم الجمعة جائز، وهو كذلك؛ السفر يوم الجمعة قبل الزوال جائز، ولا بأس به؛ وذلك لأنه لم يؤمر بالحضور، فلم يتعلق الطلب به، فجاز له أن يسافر قبل الزوال.
لكن بعض العلماء كرهه، قال: لئلا يُفَوِّت على نفسه فضل الجمعة؛ لأن فضل الجمعة «الْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ» (4)، فمن أجل ألَّا يفوت فضل الجمعة كرهوا له أن يسافر قبل الزوال.
يستثنى من المسألة التي ذكرها المؤلف تحريم السفر مسألتان:
المسألة الأولى: إذا خاف فوات الرفقة؛ يعني: أن له رفاقًا يريدون أن يسافروا قبل صلاة الجمعة، فزالت الشمس، وخاف أن تفوته الرفقة، فإنه هنا له أن يسافر؛ لأن هذا عذر في ترك الجمعة نفسها، فكذلك يكون عذرًا في السفر بعد الزوال.
المسألة الثانية: إذا كان يمكنه أن يأتي بها في طريقه، فمثلًا: لو قدرنا أن شخصًا يريد أن يسافر من عنيزة إلى حائل، وسيمر في بريدة، فهنا يمكن أن يأتي بها في طريقه، فلا يحرم عليه السفر؛ لأن علة التحريم هو أيش؟
طلبة: فوات الجمعة.
الشيخ: خوف فوات الجمعة، وهنا الجمعة لا تفوته.
إذن يستثنى من هذا كم؟
طالب: مسألتان.
الشيخ: مسألتان؛ الأولى إذا خاف فوات الرفقة، والثانية إذا كان يضمن أن يأتي بها في طريقه
هل مثل ذلك خوف إقلاع الطائرة؟ نعم، لا شك أنه من هذا، فلو فرض أن الطائرة ستقلع وقت صلاة الجمعة، ولو جلس ينتظر فاتته، فهو معذور له أن يسافر ولو بعد الزوال.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (فصْلٌ يُشْترطُ لصحتها شروط)، (الشروط) جمع (شرط)؛ وهو في اللغة: العلامة.
وفي الشرع: ما يتوقف عليه الشيء؛ إن كان شرطًا للوجوب فهو ما يتوقف عليه الوجوب، إن كان شرطًا للصحة فهو ما يتوقف عليه الصحة، إن كان شرطًا للإجزاء فهو ما يتوقف عليه الإجزاء، كم نوعًا هذه؟
طلبة: ثلاثة أنواع.
الشيخ: ثلاثة أنواع، كلها موجودة في شروط الحج، شروط الحج التي ستأتي -إن شاء الله- بعضها شروط للصحة، بعضها شروط للوجوب، بعضها شروط للإجزاء.
وهنا يجب أن نعرف الفرق بين شروط الشيء والشروط في الشيء:
شروط الشيء موضوعة من قِبَلِ الشرع؛ يعني: التي وضعها الشرع، فلا يمكن لأحد إسقاطها، والشروط في الشيء موضوعة من قِبَلِ الإنسان؛ من قِبَلِ العبد، فيجوز لمن هي له أن يسقطها.
هذه واحد.
الفرق الثاني: شروط الشيء ما يتوقف عليه الشيء؛ صحة، أو وجوبًا، أو إجزاء، أو وجودًا، الأمور العقليات، والشروط في الشيء ما يتوقف عليه لزوم الشيء.
نضرب مثلًا في البيع، العلم بالمبيع شرط لأيش؟
طلبة: للصحة.
الشيخ: لو بعنا مجهولًا؟
طالب: لم يصح البيع.
الشيخ: لو رضي الطرفان قال: نسقط العلم ما له لزوم ولو كان مجهولًا؟
طالب: ولو رضوا ما يجوز.
الشيخ: ولو رضوا لا يسقط، لماذا؟ لأنه من وضع؟
طلبة: الشرع.
الشيخ: اشتراط سكنى الدار؛ باع شخص بيتًا، واشترط سكناه لمدة سنة، نسمي هذا شرطًا؟
طالب: في البيع.
الشيخ: لو أسقطه من له الشرط، قال: أنا اشترطت عليك أن أسكن الدار سنة، ولكن يسر الله لي بيتًا وأنا بأخرج؟
طالب: له هذا.
الشيخ: نعم، يجوز.
لو لم يشترط البائع سكنى الدار هل يثبت له سكنى الدار؟
طلبة: لا.
الشيخ: إذن لم يثبت هذا إلا بوضع من البشر، ولمن له الحق أن يسقطه.
الآن شروط صحة الجمعة ما يتوقف عليه صحة الجمعة؛ يعني: إذا فقد واحد من هذه الشروط لم تصح الجمعة.
قال: (يُشترَط لصحتها شروطٌ ليس منها إذن الإمام) (الإمام)، إذا قال العلماء: (الإمام) فهو أعلى سلطة في البلد، وتعلمون أن وصف الحكم تغيَّر بعد زمن الفقهاء؛ كان في عهد الفقهاء الخليفة واحد، ويسمى إمامًا، ثم تغير الحكم وصار ملكًا، أو أميرًا، أو شيخًا، أو رئيسًا، أو سلطانًا، وما أشبه ذلك، فالمراد بالإمام إذا قال الفقهاء: (الإمام) مرادهم أعلى سلطة في الدولة، هذا الإمام يقول المؤلف: ليس من شرط صحة الجمعة إذن الإمام، بل لو صلوا الناس بدون إذن الإمام فصلاتهم صحيحة، وليس من شرطها إذن الإمام.
فإذا قال قائل: لماذا نصَّ المؤلف على نفي هذا الشرط، مع أن السكوت عنه يقتضي انتفاءه، مجرد السكوت عنه يقتضي انتفاءه، فلماذا نص على نفيه؟
والجواب: أن في ذلك خِلافًا؛ فإن من العلماء من يقول: إنها لا تقام الجمعة إلا بإذن الإمام؛ وذلك لأنها صلاة جامعة لكل أهل البلد، فلا يجوز أن تقام إلا بإذن الإمام، والإمام إذا استؤذن يجب عليه أن يأذن، ولا يحل له أن يمتنع، فلو فرض أنه امتنع ومنعهم من إقامة الجمعة مع وجوبها، فحينئذٍ يسقط استئذانه.
ولكن لو قيل بالتفصيل؛ وهو أن إقامة الجمعة في البلد لا يشترط لها إذن الإمام، وأما تعدد الجمعة فيشترط له إذن الإمام؛ لئلا يتلاعب الناس في تعدد الجمع، لو قيل بهذا القول لكان له وجه، والعمل عليه عندنا هنا في السعودية؛ لا تقام الجمعة إلا بعد مراجعة دار الإفتاء، وهذا القول لا شك أنه قول وسط، وقول يضبط الناس؛ لأننا لو قلنا: كل من شاء من حي أقاموا الجمعة بدون مراجعة الإمام أو نائب الإمام لأصبح الناس فوضى، وصار كل عشرة في حي ولو صغيرًا يقولون: نريد جمعة؛ فلذلك نقول: الصحيح أن أصل إقامة الجمعة لا يشترط له إذن الإمام، بل يجب على المسلمين إذا تمت الشروط فيهم أن يقيموا الجمعة، سواء أذن الإمام أم لم يأذن، أما تعدد الجمعة فلا بد فيه من إذن الإمام؛ لئلا تصبح البلاد فوضى، وهذا القول وسط بين القولين، وبه تنضبط المسألة، ولا نحتاج إلى أن نستأذن الإمام في فرض من فرائض ديننا؛ لأن الجمعة فرض من فرائض الدين ليس منها إذن الإمام.
(أحدها الوقت) هذا الشرط الأول (الوقت)، وبدأ به المؤلف؛ لأن الوقت آكد شروط الصلاة، سواء هنا أو في أوقات الصلاة الخمس، الوقت هو آكدها؛ ولهذا إذا جاء الوقت يصلي الإنسان على حسب حاله، ولو ترك مما لا يقدر عليه كل الأركان وكل الشروط.
لو جاء الوقت والإنسان عارٍ ليس عنده ما يستر عورته، ليس عنده ماء ولا تراب، لا يستطيع أن يتطهر، لا يستطيع القيام، لا يستطيع التوجه إلى القبلة، بدنه نجس لا يستطيع غسله، هل نقول: انتظر حتى تتحقق الشروط هذه، أو نقول: صلِّ، على حسب الحال؟
الثاني، نقول: صلِّ على حسب الحال، فالوقت هو أعظم الشروط مراعاة؛ ولهذا بدأ به المؤلف كما بدؤوا به هنا في باب شروط الصلاة.
والمؤلف يقول: (أحدها الوقت)، وفي شروط الصلاة يقولون: (دخول الوقت)، فهل هذا اختلاف تعبير لا يختلف به الحكم، أو اختلاف تعبير يختلف به الحكم؟
الثاني، هذا اختلاف تعبير يختلف به الحكم؛ لأن الشرط -في شروط الصلاة السابق- هو دخول الوقت، فتصح الصلاة ولو بعد وقتها، أما هذه فشروطها الوقت، فلا تصح الصلاة إلا في وقتها، لو خرج الوقت ولم يصل ولو لعذر؛ كالنسيان والنوم، فإنه لا يصلي الجمعة، بل يصلي ظهرًا، إذن اختلاف التعبير لاختلاف الحكم.
فما هو الشرط في الوقت بالنسبة للجمعة؟ يشترط أن تكون في الوقت، الشرط في غيرها يشترط دخول الوقت وإن لم تكن في الوقت، الصلاة قبل الوقت في الجمعة وغيرها لا تصح؛ لأن في غير الجمعة نقول: ما دخل الوقت، وفي الجمعة نقول: ليست في الوقت، الصلاة بعد خروج الوقت في غير الجمعة صحيحة؛ إما مطلقًا، وإما لعذر على القول الراجح، وصلاة الجمعة بعد الوقت لا تصح مطلقًا.
إذن فالشرط الوقت.
قال المؤلف: (وأوله أول وقت صلاة العيد، وآخره آخر وقت الظهر) أوله أول وقت صلاة العيد، وهذه إحالة على مَلِيٍّ أو على معدم؟
طالب: على مَلِيٍّ.
الشيخ: إن قلتم: على مَلِيٍّ، فقد نقول: خطأ، إن قلتم: على معدم، فقد نقول خطأ، كيف ذلك؟
إن قلتم: إنه إحالة على مَلِيٍّ، قلنا: إن الملي من يملك الشيء، وهنا لا يملكه؛ لأن طالب العلم الذي ابتدأ الكتاب، ومشى عليه سيرًا لم يمر عليه وقت صلاة العيد، أليس كذلك؟ باب صلاة العيدين بعد الجمعة، فإذن تكون الإِحالة أيش؟
طلبة: على معدم.
الشيخ: صح، وإن قلنا: إن باب العبادات يعتبر شيئًا واحدًا فالإحالة على ملي؛ لأن أول العبادات وآخرها واحد.
على كلِّ حال الذي ينبغي لمن يؤلف ألَّا يحيل إلا على شيء معلوم، فلا يحيل على وقت صلاة العيد.
الآن لو قال: أوله إذا ارتفعت الشمس قيد رمح، ما يبغي إحالة، الآن أعطاك إياه نقدًا، هذا ما فيه إحالة، لكن هل يزيد شيء كثير عن كلام المؤلف؟ لا يزيد، ولا يحتاج نروح نفتش وين صلاة العيد؟ وين وقتها؟ على كل حال، أول وقت صلاة الجمعة على ما ذكره المؤلف بعد ارتفاع الشمس قِيد رمح؛ قيد بمعنى: قدر، رمح؛ الرمح حوالي متر، المتر معروف للجميع.
إذا ارتفعت الشمس قيد رمح دخل وقت صلاة الجمعة، فلنا أن نصليها من حين أن ترتفع الشمس قدر رمح، لاحظوا لماذا؟ لأثر ورد في ذلك، سنذكره -إن شاء الله- ونتكلم عليه.
ولكن لو قال قائل: لماذا خص الوقت بما بعد ارتفاع الشمس قيد رمح ولم يكن من حين طلوع الشمس؟
لأن الشمس -كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الصادق المصدوق- تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنِيْ شَيْطَانٍ -حقيقةً الشيطان يقارنها- فَإِذَا رَآهَا الْمُشْرِكُونَ سَجَدُوا (5)، فاهتز الشيطان طربًا وقال: سجدوا لي، مع أنهم إنما يسجدون للشمس، لكنه في الحقيقة إذا سجدوا للشمس فقد أطاعوا الشيطان، فنهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الصلاة حين طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمح في خلال ربع ساعة إلى عشرة دقائق، وفي هذه المدة يكون سجود المشركين للشمس قد انتهى، وكل هذا من أجل البعد عن مشابهة المشركين، حتى في العبادات يجب أن نبتعد عن مشابهتهم، ولو كان الوارد الذي يرد على القلب في المشابهة في العبادات أمرًا بعيدًا، فإذا كنا نهينا أن نتشبه بالمشركين حتى في العبادات التي يكون التشبه فيها بعيدًا، فالعادات من باب أولى؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (6)، إسناد الحديث جيد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه -الذي هو من أفيد ما يكون، ولا سيما في الوقت الحاضر- اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم قال: أقل أحوال هذا الحديث التحريم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبِّه بهم.
كيف ظاهره يقتضي كفر المتشبِّه بهم؟ لأنه قال: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»، فظاهره أنه منهم كافر، لكن هو منهم فيما تشبه به فيهم، فيكون هذا الحديث دالًّا على أيش؟ دالًّا على التحريم، وهو القول الراجح الذي لا شك فيه؛ أن التشبه بالكفار حرام، ولكن لا بد أن نعرف ما هو التشبه، وهل يشترط قصد التشبه؟
التشبه أن يأتي الإنسان بما هو من خصائصهم بحيث لا يشاركهم المسلمون فيه؛ كلباس لا يلبسه إلا الكفار، فإن كان اللباس شائعًا بين الكفار والمسلمين فليس تشبهًا، لكن إذا كان لباسًا خاصًّا في الكفار؛ سواء كان يرمز إلى شيء ديني كلباس الرهبان، أو إلى شيء عادي لكنه من رآه قال: هذا كافر بناء على لباسه، فهذا حرام.
هل يشترط قصد التشبه أو لا؟
قد يقول قائل: إنه يشترط قصد التشبه؛ لأنه قال: «مَنْ تَشَبَّهَ» و (تفعَّل) تقتضي فعلًا وقصدًا، ولكن من نظر إلى العلة عرف أنه متى حصل التشبه، أو بعبارة أصح: متى حصل التشابه ثبت الحكم؛ ولهذا نص شيخ الإسلام رحمه الله على أنه متى حصلت المشابهة ولو بغير قصد؛ وذلك لأن العلة لا تختلف بالقصد وعدمه، العلة هو أن من رأى هذا الرجل قال: هذا رجل كافر، هذا لا يشترط فيه القصد.
لكن لو فُرِضَ أن الإنسان في بلد ليس فيه من الكفار من يلبس هذا اللباس، وهو لا يعرف عن لباس الكفار في بلادهم، ولبس لباسًا يشبه لباس الكفار في بلادهم، إلا أنه في هذا البلد لا يلبسه الكفار وهو لم يقصد، فهنا قد نقول: إنه لا تشبه؛ لأن العلة قد زالت تمامًا.
فإن قال قائل: على قولكم حرموا قيادة الطائرات التي تحمل الصواريخ، والتي تكشف عن بعد؛ لأن الذي يركبها كفار، ويش نقول؟
نقول: هذه ليست من حلاهم التي يتحلون بها، ويتخذونها شعارًا لهم، هذه آلة يركبها الكفار، ويركبها المسلمون، والصحابة رضي الله عنهم لما فتحوا البلاد ركبوا السفن التي يصنعها الكفار، والتي هم بها أدرى، ولم يقولوا: والله إذا ركبنا السفينة صرنا متشبِّهين.
طالب: لو كان رجلًا عازمًا على السفر قبل نداء الجمعة، ولكن حبسه العذر حتى نودي للجمعة يبقى ولا؟
الشيخ: يبقى، نعم، إلا إذا كان يضره.
شروط وجوب الجمعة التي تتميز بها عن غيرها؟
الطالب: الذكورية.
الشيخ: الذكورية، وجه ذلك؟
الطالب: لأنها لا تجب على المرأة.
الشيخ: لأن الصلوات الأخرى تجب على الذكر والأنثى، طيب، هذه واحدة.
الطالب: وأن يكون حرًّا.
الشيخ: والحرية؛ لأن الصلوات الأخرى تجب على الحر والعبد.
الطالب: والاستيطان.
الشيخ: والاستيطان؛ لأن الصلوات الأخرى تجب..
طالب: (... ).
الشيخ: المستوطن وغير المستوطن.
طيب، الاستيطان في أيش؟
الطالب: ببناء اسمه واحد.
الشيخ: ببناء، اسم واحد ما هو بشرط.
طالب: أن يكون مقيمًا.
الشيخ: لا، مستوطنًا ما (... ).
طالب: ليس بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ.
الشيخ: هذه تختص بالجمعة.
الإسلام والتكليف هل هو شرط خاص أو مشترك؟
طالب: شرط خاص.
الشيخ: الإسلام والتكليف؛ لأن الصلوات الخمس تجب على الكافر والمجنون والصغير.
طالب: لا، تجب على المسلم.
الشيخ: إذن السؤال الآن هل التكليف شرط خاص بالجمعة أو عام في كل الصلوات؟
الطالب: شرط على قول المؤلف خاص بالمكلف.
طالب آخر: شرط عام يا شيخ.
الشيخ: عام.
الطالب: لكل أهل بلد.
الشيخ: والتكليف؟
الطالب: (... ).
الشيخ: صح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ما معنى قولنا: إن الصلوات أو الجمعة -مثلًا- غير واجبة على الكافر؟
طالب: غير واجبة؛ لأن الكافر لا تجب عليه.
الشيخ: إي، ما معنى قولنا: غير واجبة؟ هل معناها أنها ساقطة عنه مخفف عنه فيها ولَّا أيش؟
الطالب: لا، ليست ساقطة؛ لكونها مأمورًا بها، لكن يأثم بتركها.
الشيخ: يعني: يؤمر بها في حال كفره؟
الطالب: لا، ليس في حال كفره، لكن بعد أن يسلم.
الشيخ: بعدما يسلم نقول: اقض ما فات.
الطالب: ما يقال: اقض (... ).
الشيخ: كيف (... )؟
طالب: (... ).
الشيخ: السؤال معنى قولنا: إن الصلاة -ومنها الجمعة- لا تجب على الكافر.
الطالب: لأن من شروط..
الشيخ: لا، معنى قولنا هذا.
طالب: شيخ، أي أننا لا نطالبه بالصلاة.
الشيخ: نعم، لا نأمره بها أن يفعلها حال كفره، ولا نأمره بقضائها إذا أسلم، إذن ما الفائدة؟ إذا قلنا: إنه لا نأمره بقضائها ولا نأمره بها حال الكفر، هل يعذب عليها في الآخرة أو لا يعذب؟
طالب: نعم، يعذب.
الشيخ: يعذب عليها، تمام.
رجل سافر إلى بلد قريب من بلده فهل تلزمه الجمعة أو لا؟
طالب: تسقط عنه.
طالب آخر: لا، ما تسقط، لا بد أن يصلي قصرًا.
الشيخ: لا تسقط؛ لأنه لا بد أن يكون سفر قصر، كما قال المؤلف.
رجل كان خارج البلد، لكنه لا يتجاوز الفرسخ، فهل عليه صلاة الجمعة أو لا؟
طالب: إذا كان خارج البلد لا تجب.
الشيخ: لا تجب عليه.
ولو كان دون الفرسخ؟
الطالب: ولو كان دون تجب عليه -يا شيخ- لأنها أقرب من فرسخ.
الشيخ: أقل من فرسخ.
تجب عليه بنفسه ولَّا بغيره؟
الطالب: تجب عليه بغيره؛ لأن صلاة الجمعة أقيمت في المدينة فلا بد أن يحضرها.
الشيخ: طيب، ما الفرق بين قولنا: تجب عليه بنفسه أو بغيره؟
الطالب: هو أصلًا لم تحقق فيه الشروط الذي لا بد أن تقام بها الجمعة، ما دام أنه سمع النداء لا بد له أن يجيب.
الشيخ: ما دام أقيمت.
الطالب: لا بد أن يأتي إلى المدينة ويصلي الجمعة.
الشيخ: طيب، فهمنا هذا، معناه لو لم تقم في المدينة فلا عليه شيء، لكن ما الفرق بين قولنا: من تلزمه بنفسه أو بغيره، هل يفرق بين الرجلين أو لا؟
طالب: نعم، يفرق بين الرجلين.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: تلزمه بنفسه إذا كان رجلًا من أهل المدينة مثلًا، فهذا عليه أن يحضر..
الشيخ: فهمنا من في المدينة تلزمه بنفسه، من خارج البلد دون الفرسخ تلزمه بغيره، ما الفرق بينهما؟
طالب: أن من تلزمه بغيره لم يصح أن يؤم فيها، ولم تنعقد به، وأما من تلزمه بنفسه فيصح أن يؤم فيها وتنعقد، ويحتسب من العدد.
الشيخ: الذي تلزمه بغيره إن أقيمت لزمته، لكنها لا تنعقد به، لا يحسب من العدد، ولا يصح أن يكون إمامًا ولا خطيبًا فيها؛ لأنه ليس من أهل الوجوب بنفسه، معلوم الآن؟
رجل خارج البلد بينه وبين البلد أكثر من فرسخ؟
طالب: لا تلزمه؛ لا بنفسه، ولا بغيره.
الشيخ: يعني ولو أقاموا في البلد الجمعة؟
الطالب: ولو أقاموا في البلد الجمعة.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأنه معذور، لأنه خارج البلد بأكثر من فرسخ لا يسمع النداء.
الشيخ: طيب، هل عندك دليل على تقدير من تجب عليه الجمعة بفرسخ؟
الطالب: لا يوجد دليل يا شيخ.
الشيخ: ما يوجد دليل، إذن..
الطالب: لكن هم استدلوا بتعليل أنه في الغالب لا يسمع النداء؛ ولهذا لا يجب عليه؛ لأن أكثر من فرسخ لا يسمع النداء فلا..
الشيخ: ولا تجب الجمعة على من لا يسمع النداء؛ لقول الرسول: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ » قال: نعم، قال: «فَأَجِبْ» (2)، يقوله في الجماعة، والجمعة كذلك.
طالب: هذه سواء كان أقل من فرسخ أو أكثر من هذا يا شيخ..
الشيخ: إي، لكن يقولون: إن ما دون الفرسخ لا ينضبط؛ لأنها تختلف باختلاف الرياح؛ مثلًا إذا كان الريح من الجانب هنا يحمل الصوت، وإذا كان بالعكس فأبعد الصوت، إذا كانت البلاد هادئة يكون الصوت أبين، إذا كانت غير هادئة يكون خفيًّا، فقالوا: لما لم ينضبط بالصوت ضبطناه بالمسافة الغالبة وهو الفرسخ.
طالب: حكم العوالي -يا شيخ- يحضرون الجمعة مع الرسول، هم بعيدون ما يسمعون؟
الشيخ: إي نعم، يحبونها.
الطالب: يسمعون النداء.
الشيخ: إن كانوا يسمعونه فهم يسمعونه، وإلا فهم يرغبون الصلاة مع الرسول صلى الله عليه وسلم.
ما معنى قول المؤلف: (ومن سقطت عنه لعذر وجبت عليه وانعقدت به)؟
طالب: أي من سقطت عنه لعذر ممن تلزمه الجمعة، فإذا حضرها تجب عليه وتنعقد الجمعة به.
الشيخ: وتنعقد به، مثل؟
الطالب: مثل رجل تلزمه الجمعة، ثم مرض، حضر الجمعة، هذا تلزمه الجمعة وتنعقد به أيضًا.
الشيخ: أحسنت، تمام؛ ولهذا قال: (من سقطت عنه لعذر) ما هو لعدم شرط الوجوب.
طالب: لمانع.
الشيخ: لمانع، فحضرها فإنها تجب عليه وتنعقد به، ويحسب من الأربعين، ويصح أن يكون إمامًا فيها.
امرأة صلت الظهر يوم الجمعة قبل صلاة الإمام؟
طالب: تصح؛ لأنها لا تلزمها الجمعة، الجمعة لا تلزمها؛ لأنها امرأة.
الشيخ: طيب، لها ولد بالغ معافى صلى الظهر قبل صلاة الإمام؟
الطالب: لا تصح.
الشيخ: ما الفرق؟ لماذا صحت لأمه ولم تصح له؟
الطالب: لأنها امرأة لا تطالب بحضور الجمعة.
الشيخ: أمه يعني؟
الطالب: نعم.
الشيخ: وهو؟
الطالب: هو مطالب.
الشيخ: طيب، إذا صلى قال: أحمد الله، أنا أديت الفريضة؟
الطالب: إي، لكن الشرط هنا أن يكون بعد صلاة الإمام (... ).
طالب آخر: تصح صلاته مع الإثم.
الشيخ: تصح صلاته مع الإثم.
طالب: شيخ، إن صلى قبل الإمام لا تصح تكون..
الشيخ: هو كذا؟ فرضنا للمسألة صلى قبل الإمام.
الطالب: لم تصح منه؛ لأن فرض الوقت الجمعة، فصلى صلاة الظهر غير ما أمر به.
الشيخ: يعني: صلى صلاة غير مأمور بها وترك ما أمر به، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (7)، تمام، طيب.
أمه ليش يصح صلاتها؟
طالب: لأن المرأة لا تجب عليها، المرأة مأمورة بالصلاة؛ صلاة الظهر فأدتها (... ).
الشيخ: يقول المؤلف: إن الأفضل لمن لا تلزمه الجمعة ألَّا يصلي إلا بعد الإمام، فما تعليل ذلك؟ وما مدى صحته؟
طالب: التعليل -يا شيخ- أنه قد يزول عنه العذر، فإذا زال عنه العذر وجب عليه الحضور، فلا يجوز منه..
الشيخ: فالاحتياط أحسن يعني؟ وهل هذا التعليل قوي؟
الطالب: نعم، التعليل قوي، إلا من كان عذره؛ يعني: فيه تفصيل، من كان عذره باقيًا لا يزول فإنه -نقول على كلام المؤلف- صحيح.
الشيخ: إذا كان عذره لا يزول فكلام المؤلف صحيح؟
الطالب: لا، ليس بصحيح، فليس له أن يؤخر، أما من كان عذره سيزول نقول له: الأفضل أن تؤخر.
الشيخ: سيزول، ما ندري، هو يزول ولَّا لا؟
الطالب: لا، ممكن يزول، ممكن؛ يعني: فيه احتمال.
الشيخ: يعني: من كان فيه احتمال أن عذره يزول فالأفضل أن يؤخر، ومن لا؟
الطالب: فلا.
الشيخ: فلا.
طيب ما تقولون في هذا الكلام؟
الطلبة: صحيح.
الشيخ: طيب، رجل مريض سافر يوم الجمعة بعد الزوال؟
طالب: يجوز له السفر.
الشيخ: كيف يجوز السفر؟ نقول: أصل أنت بتمشي ولَّا ما تروح للصلاة.
الطالب: إذا كان مريضًا بحيث يكون مرض يسقط عنه الوجوب يجوز له السفر.
الشيخ: نعم، إذا كان مرضه يسقط عنه الجمعة جاز له السفر، طيب خاف الرفقة؟
الطالب: وهو مريض أو صحيح؟
الشيخ: لا، ما هو مريض، صحيح، خاف الرفقة، هل يجوز أن يسافر بعد الزوال أو لا؟
الطالب: نعم، يجوز.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: هذا عذر.
الشيخ: لأن هذا عذر في ترك؟
الطالب: في ترك الجماعة.
الشيخ: تمام، المؤلف رحمه الله يقول: إن من شروط صحة الجمعة الوقت، فهل هناك فرق بين أن نقول: من شروطها الوقت وبين ما قالوه في باب شروط الصلاة: من شروطها دخول الوقت؟
طالب: فيه فرق (... ) والصلاة في غير الجمعة (... ) تصح في وقتها أو بعدها.
الشيخ: أو بعد وقتها للعذر، تمام، صحيح، إذن ما سواها نقول في الشرط؟
طلبة: دخول الوقت.
الشيخ: أما هي فنقول: الوقت.
متى يدخل وقت صلاة الجمعة على ما مشى عليه المؤلف؟
طالب: أول وقت صلاة العيد.
الشيخ: متى وقت صلاة العيد؟
الطالب: بعد طلوع الشمس.
الشيخ: بعد طلوع الشمس بكم؟
الطالب: قيد رمح.
الشيخ: قيد رمح، ويش تقولون؟ صح؟
طلبة: صح.
الشيخ: نعم، هذا ما ذهب إليه المؤلف.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف: (أحدها الوقت) يعني: أحد الشروط الخاصة بالجمعة الوقت، (وأوله أول وقت صلاة العيد) أي: من ارتفاع الشمس قيد رمح، قال: (وآخره آخر وقت صلاة الظهر)، علامته إذا كان ظل الشيء كطوله بعد خصم ظل الزوال، وعلامة ذلك الشمس إذا طلعت يكون لكل شاخص -أي: لكل شيء قائم- ظل من جهة المغرب، ثم لا يزال هذا الظل يتناقص شيئًا فشيئًا؛ كلما ارتفعت الشمس نقص إلى أن يقف، إذا وقف وبدأ يزيد زيادة قليلة فهنا يكون الزوال، اجعل علامة على المحل الذي بدأ يزيد منه، ثم هو سوف يزداد؛ الظل سوف يزداد، إذا كان من العلامة التي زالت عليها الشمس إلى منتهى الظل طول الشاخص، فهنا يخرج وقت الظهر ويدخل وقت العصر، وهذه علامة يعرفها كل إنسان؛ كل إنسان يمكن أن يضع شيئًا شاخصًا في محل مستوٍ من الأرض، ثم يرقبه، فما دام ظله ينقص فالشمس لم تَزُل، وإذا بدأ يزداد أدنى زيادة فالشمس قد زالت، ضع علامة على مبتدأ الزيادة، ثم إذا صار من هذه العلامة إلى منتهى الظل طول هذا الشاخص فقد خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر، إذن يكون انتهاء وقت صلاة الجمعة إذا صار ظل الشيء كطوله بعد فيء الزوال.
تتساوى مع الظهر العادي في آخر الوقت وتختلف في أوله، ما هو الدليل على صحة هذا؟
أولًا: الوقت، قبل كل شيء الدليلُ على أنها لا تصح إلا فيه الإجماعُ، فإنه قد نقل الإجماع؛ إجماع العلماء على أن صلاة الجمعة لا تصح قبل الوقت ولا بعد الوقت، هذا الإجماع.
أوله وقت صلاة العيد، لكن ما هو الدليل؟ لأننا ذكرنا قاعدة مفيدة؛ أن كل تحديد بمكان أو زمان فإنه لا بد له من دليل؛ لأن التحديد يحتاج إلى توقيف، فكل من حدَّد شيئًا فلا بد من دليل.