فإنْ قال قائلٌ: إذا تساوى الأمْرانِ عند الإنسان -أي: التقديم أو التأخير- فأيُّهما أفْضَل؟
قالوا: الأفضلُ التأخير؛ لأن التأخير غايةُ ما فيه تأخيرُ الأُولى عن وقتِها، والصلاةُ بعدَ وقتِها جائزةٌ مُجزِئة، وأمَّا التقديم ففيه صلاةُ الثانيةِ قبلَ دخولِ وقتِها، والصلاةُ قبلَ دخولِ الوقتِ لا تصِحُّ ولو جهْلًا.
على كلِّ حالٍ يقول العلماءُ ما سمعتم: إذا استويا في الأَرْفَقيَّة.. أجيبوا.
طالب: الأفضل التأخير.
الشيخ: فالأفضل التأخير، نعم.
(فإنْ جَمَعَ في وقتِ الأُولى اشتُرِطَ نِيَّةُ الجمْعِ عند إحرامِها، ولا يفرق بينهما إلا بمقدارِ إقامةٍ ووُضُوءٍ خفيفٍ... وأنْ يكون العُذْرُ موجودًا عند افتتاحِهما وسلامِ الأُولى).
إذا جمعَ في وقتِ الأُولى اشتُرِطَ ثلاثةُ شروطٍ:
الشرطُ الأولُ: نيَّةُ الجمْعِ عند إحرامِها، وهذا مبنِيٌّ على اشتراطِ نيَّةِ القصْرِ للمسافرِ، يقول: لأنَّ الجمعَ ضمُّ إحدى الصلاتينِ إلى الأُخرى، فلا بدَّ أنْ تكون نيَّةُ الضمِّ مشتمِلةً على جميعِ أجزاءِ الصلاةِ، فلا بُدَّ أن ينويَ عند إحرامِ الأُولى، فلو فُرِضَ أنه دخلَ في الأُولى وهو لا ينوي الجمْعَ، ثمَّ في أثناء الصلاةِ بَدَا له أنْ يجمعَ؛ فإنَّ الجمعَ لا يصحُّ، لماذا؟ لأنه لم يَنْوِهِ عند إحرامِها -عند إحرامِ الأُولى- فخلا جزءٌ منها عن نيَّةِ الجمْع، والجمْعُ هو الضَّمُّ، ولا بدَّ أنْ يكون الضَّمُّ مشتمِلًا لجميعِ الصلاة.
طيب، لو أنه سلَّمَ من الأُولى ثم نوى الجمْع، يجمع؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يجمع من بابِ أَوْلى، لماذا؟ لأنه لم يَنْوِهِ عند إحرامِ الأُولى، هذا ما رآهُ المؤلفُ رحمه الله.
والصحيحُ أنه لا يُشترَطُ نيَّةُ الجمْع عند الأُولى الذي يُشترَطُ هو وجودُ سببِ الجمْع، وأيضًا يُشترَطُ وجودُ سببِ الجمْعِ عند الجمْع؛ أي: ضمِّ الثانيةِ للأُولى، لا عند إحرامِ الأُولى، إحرامُ الأُولى ليس له شأنٌ أو ليس له دَخْلٌ في الموضوع، فالصحيح أنه لا تُشترَطُ نيَّةُ الجمْعِ عند إحرامِ الأُولى، بلْ له أنْ ينويَ الجمْعَ ولو بعد سلامِهِ من الأُولى، ولو عند إحرامِهِ في الثانيةِ ما دامَ السببُ موجودًا، ويظهرُ هذا بالمثال.
مثلًا لوْ أنَّ الإنسانَ كان مسافرًا وغابت الشمسُ، ثم شَرَعَ في صلاة المغربِ بدون نيَّةِ الجمعِ، لكن في أثناء الصلاةِ طرأَ عليه أنْ يجمع، فعلى رأي المؤلفِ: لا يجوز، وعلى الرأي الثاني: يجوز، وهو اختيارُ شيخِ الإسلامِ ابن تيمية رحمه الله.
يقول: (ولا يفرقَ بينهُما).
ولَّا (ولا يفرقُ)؟
طالب: مضمومة.
الشيخ: بالضم؟
طالب: (... ).
الشيخ: مُعربة عندكم؟
طالب: لا.
طالب آخر: مُعربة.
الشيخ: بالضمِّ؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: لا، الصواب النصب؛ (ولا يفرقَ بينهُما)؛ لأنها على تقدير (أنْ)؛ يعني: وأَلَّا يفرقَ، معطوفًا على مصدرٍ صريحٍ وهو قولُه: (نيَّة الجمْعِ)، والفعلُ المضارعُ إذا عُطِفَ على مصدرٍ صريحٍ فإنه يُنصب بـ (أنْ) مُضمَرةٍ، ومنه قولُ الشاعر:
وَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي
أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ
(لُبْسُ عباءةٍ وتَقَرَّ) أي: وأنْ تَقَرَّ عيني.
وتقول: زيارتي زيدًا ويُكرمَني أحبُّ إليَّ من التأخُّرِ عنه.
(زيارة زيدٍ ويُكرمَني) أي: وأنْ يُكرمَني.
إذَنْ (ولا يفرقَ) يعني: ويُشترَطُ ألَّا يفرقَ بينهما؛ أي: بين المجموعتينِ، ونحن الآن في جمعِ التقديم.
(إلا بمقدارِ إقامةٍ ووُضوءٍ خفيفٍ).
خلاصةُ هذا الشرطِ الموالاةُ بين الصلاتينِ؛ يعني أنْ تكون الصلاتانِ متواليتينِ لا يفصل بينهما إلا بشيءٍ يسير؛ إلا بمقدارِ إقامةٍ؛ لأن الإقامة للثانية لا بدَّ منها ولو حَصَلَ الفصلُ.
(ووُضُوءٍ خفيفٍ) لأن الإنسانَ ربما يحتاجُ إلى الوُضوءِ بين الصلاتينِ، فسُومِحَ في ذلك.
قال: (ويَبْطُلُ براتِبَةٍ بينهما).
(يَبْطُل) يعني الجمع (براتبةٍ) أي: بصلاةٍ راتبةٍ بينهما، بين أيش؟
طلبة: بين الصلاتينِ.
الشيخ: بين الصلاة الأولى والثانية؛ يعني لو جَمَعَ بين المغربِ والعِشاءِ جمْعَ تقديمٍ، فلمَّا صلَّى المغربَ صلَّى الراتبةَ -راتبةَ المغربِ- فإنه لا جَمْعَ حينئذٍ، لماذا؟ لوجودِ الفصلِ بينهما بصلاةٍ.
لو فَصَلَ بينهما بفريضةٍ؟
طلبة: ما يُمْكن.
الشيخ: يُمْكن؛ بعد أنْ سلَّمَ من المغربِ ذَكَرَ أنه صلَّى العصرَ بلا وضوءٍ فصلَّى العصر، فلا جَمْعَ؛ لأنه إذا بَطَلَ الجمْعُ بالراتبةِ التابعةِ للصلاةِ المجموعةِ فبُطْلانُهُ بصلاةٍ أجنبيَّةٍ مِن بابِ أَوْلى.
لو صلَّى تطوُّعًا غير راتبةٍ؟
طلبة: (... ).
الشيخ: مِن بابِ أَوْلى؛ لأنه إذا بَطَلَ بالراتبةِ التابعةِ للمجموعةِ فما كان أجنبيًّا عنها وليس تابعًا لها فهو من بابِ أَوْلى.
(يَبْطُل براتبةٍ بينهما) طيب، هذا الشرطُ أيضًا فيه خلافٌ بين العلماء، واختارَ شيخُ الإسلامِ ابن تيمية أنَّه لا تُشترَطُ الموالاةُ بين المجموعتينِ وقال: إنَّ معنى الجمْع هو الضَّمُّ في الوقتِ؛ أي: ضمُّ وقتِ الثانيةِ للأُولى بحيثُ يكونُ الوقتانِ وقتًا واحدًا، وليس ضَمَّ الفِعْلِ.
وعلى هذا -على رأي شيخ الإسلام- لو أنَّ الرجُلَ صلَّى الظُّهرَ وهو مسافرٌ بدون أنْ ينويَ الجمْعَ ثم بَدَا له أنْ يمشيَ، كان بالأول مقيمًا ثم بدا له أن يمشي قبل العصر، فهل يجمع؟
على رأي شيخ الإسلام يجمع، وعلى ما ذَكَره المؤلف لا يجمع لسببينِ: أولًا: أنه لم يَنْوِ الجمْعَ عند إحرامِ الأُولى، والثاني: أنه فَصَلَ بينهما.
وقد ذَكَر شيخُ الإسلامِ رحمه الله نصوصًا عن الإمام أحمد تدلُّ على ما ذهبَ إليه مِنْ أنَّه لا تُشترَطُ الموالاةُ في الجمْعِ بين الصلاتينِ تقديمًا، كما أنَّ الموالاةَ لا تُشترَطُ في الجمْعِ بينهما تأخيرًا كما سيأتي.
طالب: والراجح يا شيخ؟
الشيخ: واللهِ لا شكَّ أنَّ الأحوطَ ألَّا يجمع إذا لم يتَّصِل، ولكنَّه رأي شيخ الإسلام له قُوَّةٌ، وربما نتكلَّم على ما يؤيِّده في الجمْعِ بالثانية.
طالب: مشى بالطائرة، وأقلعتْ، وفارقَ القريةَ، ثم أحيانًا تعودُ الطائرةُ فوق البلد، يُصلِّي قَصْرًا أو جمْعًا، ولَّا هو تابع للأرض؟
الشيخ: إي، ويش تقولون في هذه المسألة؟ يقول: سافرَ بالطائرة، والمطار خارج البلد، وركِبَ الطائرة، ولكن الطائرة أخذت دورةً فمَرَّتْ ببلدِهِ وهو يُصلِّي، فهلْ يَلْزمه الإتمامُ لأنَّ الهواء تابعٌ للقرارِ.
طلبة: لا يَلْزمه يا شيخ.
الشيخ: لماذا؟
طالب: لأن من عادة نزولِ الطائرة ما تَصِل في وقتٍ يسيرٍ (... ) عن البلد (... )..
الشيخ: على كلِّ حال ما يخالف، خلِّها لا تأخذ إلا شيئًا يسيرًا، لكنْ هو مَرَّ ببلده.
الطالب: الطائرة.. ما يُمْكن أنْ تكون طائرة تسافر ثم ترجع البلد (... )، إذا أقلعتْ من المطار (... )، يوجد سبع دقائق (... ) تتجاوز البلد كلها، ثم بعد ذلك يصلِّي صلاةَ قصْر.
الشيخ: لكنْ ربما أنه الطيار ودُّه يتفرج على (... )، يمكن قائد الطائرة هذا بلده ودُّه يتفرج عليها.
طالب: هذا عامٌّ إذا فارقَ عامرَ القريةِ؛ لأنه سواء كان فوقه ولَّا سواء كان (... )، فارق.
الشيخ: فارق، يعني هذا المرور مرورٌ غيرُ مستقِرٍّ.
الطالب: فارقَ سواءٌ كان فوقًا ولَّا جَنْبًا، وليس هذا مسألة..
الشيخ: إي، لكنْ يقول: إنَّ الهواء تابعٌ للقرار، هذه قاعدة مطَّردة عندكم.
الطالب: في الْمِلْكيَّة ليس في الصلاة.
الشيخ: يعني معناه لو مَرِّيت في المطار في الطيارة فوق الميقات وأنا أُريد الإحرام، نقول: لا تُحْرِم؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: لا، تُحرِم.
اللِّي يظهر لي أنَّه لا يَلْزمه الإتمامُ؛ لأن هذا المرور مرور سَفَر عابر، ما هو مرور استقرارٍ وانتهاءِ سَفَرٍ، الظاهر أنَّ هذا يتبع، ثم إنَّ المدة في الغالب تكون وجيزةً، إي نعم.
طالب: (... ) المسافر أصلًا، أو يصدق عليه..
الشيخ: إي نعم (... ) هذا مرور عبور.
الطالب: شيخ، البرهان على أنَّ السفينة تصبح منزلًا للراكب إذا كان معه أهلُه، ويش الدليل؟
الشيخ: الدليل هذا الواقع.
الطالب: هو يصْدُق عليه أنه مسافر.
الشيخ: لا؛ لأنَّه ما له بلد، السفر مفارقة الإقامة.
الطالب: هو الآن تَرَكَ مدينته..
الشيخ: لا، ما تَرَك مدينته، لنفرض أن الرجل هذا من إفريقيا، وجاء للسعودية في مواني السعودية، ما هو بلده، يعني معناه تَرَكَ البلد، غَادَر مرة، تركه.
طالب: تصبح السفينة منزلًا؟
الشيخ: نعم، تصبح السفينةُ منزلًا، لكنها لا تكون قبرًا، إذا مات في أثناءِ البحر يُدفَن في البحر.
طالب: يعني ما يَصْدُق عليه أنه مسافر؟
الشيخ: لا، ما يَصْدُق عليه؛ لأنه ما له بلد.
طالب: شيخ، ويش الدليل على أنه يُسَنُّ الجمع إذا جدَّ به السير؟
الشيخ: فِعْلُ الرسول عليه الصلاة والسلام.
الطالب: يعني النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يجمع إلَّا إذا جدَّ به السير.
الشيخ: لا، قد يجمع أحيانًا وهو مقيم.
الطالب: يعني تارةً يجمع وهو مقيم، وتارةً (... ) يجمع قبل أن يمشي (... ).
الشيخ: مِن المدينة يعني؟ ما وَرَدَ هذا.
الطالب: ما جَمَع إلَّا وهو في السير يعني.
الشيخ: ما جَمَع إلَّا وهو في السير، لكنْ جَمَعَ وهو مقيمٌ في مكة في حجة الوداع كما هو ظاهرُ حديثِ أبي جُحيفة، وجَمَع أيضًا في تبوكَ كما في حديث -أظُنُّ- معاذ بن جبل أو جابر، نَسِيتُ.
طالب: جابر.
الشيخ: نعم.
طالب: قُلْنا قاعدة أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم، قُلْنا في الجمع: إنه إذا شقَّ عدمُ الجمعِ جازَ الجمعُ سواءٌ كان حاضرًا أو مسافرًا، لكنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم في حديث ابنِ عباسٍ رضي الله تعالى عنهما قال: جَمَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم في المدينةِ مِنْ غيرِ خوفٍ ولا مَطَرٍ (15). يعني ما فيه مشقَّة على النبي صلى الله عليه وسلم، فهلْ يجوز -مَثَلًا- الجمْعُ بلا أيِّ مشقَّة؟
الشيخ: لكنْ فسَّر ابنُ عباسٍ هذا لَمَّا سُئل قال: أراد ألَّا يُحرِجَ أُمَّته.
وفَهْمُ الصحابي أصحُّ مِن فَهْمِنا؛ يعني ظاهر الحديثِ أنه جَمَعَ مِنْ غيرِ شيءٍ، لكن كَوْنه يقول: مِن غيرِ خوفٍ ولا مطرٍ، هذا إشارةٌ إلى العِلَّة، لو قال: جَمَعَ مِن غيرِ شيءٍ، كان نقول: ربما يدلُّ على أنه يجوز الجمْع بدون مشقَّة، لكنْ لَمَّا أشارَ إلى شيءٍ تكون به المشقَّةُ غالبًا -وهو الخوفُ والمطرُ- عُلِمَ أنه جَمَعَ لشيءٍ آخَر في تَرْكِ الجمعِ فيه مشقَّةٌ.
طالب: الرسول صلى الله عليه وسلم قَصَرَ في السفرِ، جَمَعَ بين الظُّهرِ والعصرِ.
الشيخ: جَمَع ولَّا قَصَر؟
الطالب: (... ) قصر جمع.
الشيخ: نعم.
الطالب: إذا كان بعضُ الناسِ تهوى وجه دلالته، اللي يعترضوا على فِعْل الرسول صلى الله عليه وسلم، ويش نقول؟
الشيخ: مين اللِّي يعترض؟
الطالب: يعني ذِي أقوالهم أنهم يقولون: هذا جائز، وهذا (... ).
الشيخ: إي، يعني هل العامَّة ولَّا العلماء؟
الطالب: أقوال (... ) أبو حنيفة رضي الله عنه (... ) يقول: ما يجوز القصر إلا في (... ).
الشيخ: لا، أبو حنيفة يقول: ما يجوزُ الجمْعُ.
وإلا القَصْر يرى أنه واجب، أبو حنيفة يرى أنه واجب، لكنْ يقول: لا يجوز الجمع إلا في عرفة ومزدلفة فقط، ويحمل الأحاديثَ الواردةَ في الجمعِ في غيرِ عرفةَ ومزدلفةَ على أنَّ الجمع جمعٌ صُورِيٌّ.
تعرف الجمعَ الصُوريَّ؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: أنْ تكون الأُولى في آخرِ وقْتِها والثانيةُ في أول وقْتِها.
ونحن نقول: إنَّ هذا دفاعٌ بغير سلاحٍ يستعمله بعضُ العلماء عند المضايق؛ إذا ضُيِّقَ عليه قال: المرادُ كذا وكذا.
وإلَّا هذا الذي ذهبَ إليه -الجمع الصوري- هذا لا يُمكن, لا يُمكنُ الجمع الصُّوري، في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام لا يمكن، لماذا؟ لأن معناه لا بدَّ أن تكون هذه في آخِرِ وقْتِها وهذه في أول وقْتِها بحيثُ لا يَفْصِل بينهما مدَّةٌ طويلة، وفي عهد النبيِّ صلى الله عليه وسلم ما هناك ساعات تَضبِط بالضبط، إنما هو باتِّباع الشمس ومن يتبع الشمس، ولهذا يُعتبر القولُ بالجمع الصوري قولًا شاذًّا بعيدًا عن الواقع.
طالب: (... ) على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
(ولا يفرقَ بينهما إلا بمقدارِ إقامةٍ ووضوءٍ خفيفٍ، ويَبطُل براتبةٍ بينهما، وأنْ يكون العُذْرُ موجودًا عند افتتاحهما وسلامِ الأُولى.
ومَنْ جمعَ في وقْتِ الثانيةِ اشتُرِطَ نيَّةُ الجمعِ في وقْتِ الأُولى إنْ لم يَضِقْ عن فِعْلها، واستمرارُ العُذْرِ إلى دخولِ وقْتِ الثانية).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
ما حُكم الجمعِ عند وجود سببه؟
طالب: الجمع عند وجود سببِهِ جائزٌ (... ).
الشيخ: جائز، يعني وليس فيه فضْل.
طالب: (... ).
الشيخ: فيه قول آخر؟ لا؟ أوْ لا تدري؟
طالب: لا.
الشيخ: ليس فيه قول آخر؟ !
طالب: (... ) لحاجة.
الشيخ: هو معلوم، ما فيه جَمْع إلا لوجود السبب، لكنْ عند وجود السبب هلْ يكون الجمعُ مطلوبًا أو جائزًا مستويَ الطرفينِ؟ هذا هو السؤال.
طالب: أنه سُنَّة؛ لاتِّباع النبي صلى الله عليه وسلم..
الشيخ: القول الثاني؟
الطالب: أنه سُنَّة.
الشيخ: أنه سُنَّة عند وجودِ سببه.
الطالب: قال صلى الله عليه وسلم: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (16). اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في الكيفية (... ).
الشيخ: طيب، هذه واحدة، فيه أيضًا.. احنا ذكرْنا أدلة.
الطالب: (... ) قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا هِيَ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ» (12)، وحديث عائشة رضي الله عنها..
الشيخ: لا، الصدقة هذه في القَصْر.
طالب: أحسن الله إليك، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ» (17).
الشيخ: نعم
الطالب: ولأن..
طالب آخر: فعل النبي صلى الله عليه وسلم
الشيخ: ذكره، فِعْل النبي لأنه قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي».
طالب: لأنه الأرفقُ بالمكلَّف، والشريعةُ قد أتتْ بكلِّ ما هو فيه يُسْرٌ وسهولة..
الشيخ: لأنه أرفقُ وأيسرُ للمكلَّف، والشريعةُ جاءت باليُسر والرِّفق.
ما هو الدليل على أنها جاءتْ باليُسر والرِّفق؟
الطالب: قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185].
الشيخ: وقول النبي؟
الطالب: وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (... ).
الشيخ: لا.
طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ» (14).
الشيخ: «إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ».
ما هو الأفضل: جَمْع التقديم أو جَمْع التأخير؟
طالب: لينظر إذا كان الأَرْفق (... ).
الشيخ: يعني الأفضلُ الأرفقُ، سواء جمْع تقديم أو جمْع تأخير.
ما هو الدليل على أنَّ هذا هو الأفضل؟
طالب: الآية: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾.
الشيخ: إي، صح.
وفيه دليل من فِعْل الرسول صلى الله عليه وسلم؟
طالب: لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا ارتَحَلَ وقد دَخَلَ الوقتُ صلَّى ثم رَكِبَ، وإذا لم يدخل الوقتُ ارتَحَلَ، فإذا دخلَ وقتُ الثانيةِ صلَّى (18).
الشيخ: إي، إذا ارتحلَ قبْلَ أن تَزِيغ الشمسُ.. ؟
الطالب: (... ).
الشيخ: لا، قَبْل أنْ تَزِيغ.
الطالب: قبْل أنْ تَزِيغ، لا, قبل أنْ تَزِيغ الشمسُ في وقت..
الشيخ: ارتَحَلَ ثُمَّ أخَّر، وإنْ كان قبْل صلَّى ثُمَّ ركِبَ، إذَن الدليلُ قولٌ وفِعْلٌ.
الجمع للمطر، أيُّهما أَرْفَقُ: التقديم أو التأخير؟
طالب: التقديم؛ لأن عادة الناس إذا جاء المطر يصلُّون تقديمًا المغربَ والعِشاء.
الشيخ: والعادة هي تحكم على الشرع؟
طالب: (... )، إلا إذا كان الناس مجتمعين للمغرب ونزل المطر، هذه العلة وجبت بالسبب، والسبب هو المطر، (... ) اجتمعوا، وإذا تفرقوا يصعب عليهم.
الشيخ: على كلِّ حالٍ لا شكَّ أنَّ الأرفق في جَمْع المطر للمغربِ والعِشاء هو التقديم؛ لأن الناس يأتون للمغرب، وفي عهد العلماء -رحمهم الله- لم يكن هناك كهرباء تُنير الأسواق.
طالب: الظُّهر والعصر يا شيخ؟
الشيخ: الظُّهر والعصر على المذهب ما يَرِد؛ لأنه ما فيه جَمْع للمطر، لكن على القول الراجح قد يكون الأَرْفقُ التقديمَ وقد يكون التأخيرَ؛ حسب الحال.
طيب، اشترطَ المؤلف.. يقول: إنه اشتُرط للجمع شروط؛ الشرط الأول لم يَذْكُره لوضوحه، ولا أدري هلْ ذكرتُهُ لكم أمْ لا، وهو الترتيب؛ أنْ يبدأ بالأُولى قبل الثانية؛ فبين الظُّهرِ والعصرِ يبدأ بأيش؟
طالب: بالظُّهر.
الشيخ: وبين المغربِ والعِشاء؟
طلبة: بالمغرب.
الشيخ: وبين العصر والمغرب؟
طلبة: ما فيه جمع.
الشيخ: ما فيه جمع.
الثاني: إذا جَمَعَ في وقتِ الأُولى يُشترط له ثلاثة شروط، إذا جمع في وقت الأولى اشتُرط له؟
الطالب: نيَّةُ الجمعِ عند إحرامِ الأُولى، شرطان.
الشيخ: شرطان ولَّا.
طالب: أن ينوي نيَّة الجمع عند إحرام الأولى.
الشيخ: نيَّة الجمعِ عند إحرام الأُولى، أحسنت.
ما هو الدليل أو التعليل؟ قد لا يكون في المسألة دليل لكنْ بها تعليل، والتعليل قد يُقبل وقد يُرفض.
طالب: لأن هذه عبادة، ضمَّ عبادة إلى عبادة.
الشيخ: لأنَّ الجمع.
الطالب: لأنَّ الجمع ضمُّ عبادةٍ إلى أُخرى، فتحتاج إلى نيَّة.
الشيخ: إلى نيَّةِ الضمِّ في جميع أجزاء العبادتينِ.
ماذا تقول؟ هلْ هذا الشرط مُسلَّمٌ لسلامةِ عِلَّتِهِ، أو غيرُ مُسلَّمٍ لعدم سلامةِ علَّته؟
طالب: غيرُ مُسلَّم.
الشيخ: غيرُ مُسلَّم لأنك كأنَّك شعرتَ أنَّ هذا اللي أُريد.
ماذا تقول في العِلَّة؛ لأن الجمع هو الضمُّ، فلا بدَّ أن ينوي الضمَّ في العبادتينِ جميعًا، في كلِّ العبادتينِ؟
طالب: (... ) الوقت (... ).
الشيخ: لأن المراد بالجمع ضمُّ الصلاةِ إلى الصلاةِ في الوقت إذا وُجِد السببُ المبيحُ؛ يعني إذَنْ لا نُسَلِّم التعليلَ الذي قال المؤلف، هذه واحدة.
الشرط الثاني؟
طالب: ألَّا يفرقَ بينهما.
الشيخ: ألَّا يفرقَ بينهما، إذَنْ نُعبِّر عن هذا بالموالاة، وهي ألَّا يفرقَ بينهما بزمنٍ طويلٍ.
ما هو التفريقُ المعفوُّ عنه؟
طالب: التفريق المعفوُّ عنه (... ) الإقامة؛ لأن الصلاة الثانية تحتاجُ إلى إقامةٍ (... )، هذا على قول المؤلف.
الشيخ: نعم، أحسنت.
ما تقول فيما لو جَمَع بين المغرب والعِشاء جَمْعَ تقديم وصلَّى الراتبةَ بينهما؟
طالب: على قول المؤلف لا يصح.
الشيخ: على قول المؤلف لا يصح الجمعُ؛ لوجود التفريقِ بينهما، أحسنت.
فرقَ بينهما بنفْلٍ مطْلَق؟
طالب: غير الراتبة؟
الشيخ: غير الراتبة، إي نعم، هو لما قرأ زاد المستقنع وقال: (ويَبْطُلُ براتبةٍ بينهما)، قال: أتنفَّل نفْلًا مطْلَقًا.
طالب: (... ) مرجوح على القول الأول.
الشيخ: المهم سؤالي: هلْ يصحُّ الجمْعُ أوْ لا؟
طالب: على قول المؤلف لا يصحُّ.
الشيخ: لا، هو يقول: (براتبةٍ)، كيف على قول المؤلف؟ ! هو يقول: (براتبةٍ)، خصَّ بالراتبة (... ) تأتون بنصف الجواب (... )، ما عندك عِلْم؟
طالب: من بابِ أَوْلى.
الشيخ: يعني إذا بَطَلَ بالراتبة مع أنها تابعةٌ للصلاة فغيرها من بابِ أَوْلى، وإنما ذكر الراتبةَ لأنَّ بعضَ العلماء قال: إنه لا يَبْطُل بالراتبة بينهما؛ لأن الراتبة تَبَعٌ للصلاة السابقة.
إذَنْ فقول المؤلف: (يَبْطُل براتبةٍ)، نقول: ما سِواها من باب أَوْلى.
بسم الله الرحمن الرحيم
قال المؤلف، الثالث: (أنْ يكون العُذْرُ موجودًا عند افتتاحهما وسلامِ الأُولى).
(أنْ يكون العُذْرُ) يعني عُذرًا مُبيحًا (موجودًا عند افتتاحهما) أي: افتتاح الصلاتينِ الأُولى والثانية (و) عند (سلامِ الأُولى)، وذلك لأن افتتاح الأُولى محلُّ النيَّة، وقد سبق أنه يُشترط في الجمع نيَّتُه، متى؟
طالب: عند تكبيرة الإحرام.
الشيخ: عند تكبيرة الإحرام، فإذا كان يُشترط نيَّةُ الجمعِ عند تكبيرة الإحرام لَزِمَ من هذا الشرط أنه يُشترط وجودُ العُذرِ عند تكبيرةِ الإحرامِ؛ لأن نيَّة الجمعِ بلا عذرٍ غيرُ صحيحةٍ، لا يمكن أن تصحَّ نيَّةُ الجمعِ إلا إذا وُجِدَ العُذْرُ؛ فإذا قُلْنا: إنه لا بدَّ من نيَّةِ الجمعِ عند تكبيرة الإحرامِ صار لا بدَّ أيضًا من أيش؟
طالب: وجود العُذرِ.
الشيخ: مِنْ وجودِ العُذرِ عند تكبيرة الإحرامِ.
إذَنْ هذا الشرط مبنيٌّ على أيش؟
طالب: على الشرط الأول.
الشيخ: على الشرط الأول الذي هو نيَّةُ الجمع عند افتتاح الصلاة الأُولى؛ وجْهُ كَوْنِه مبنيًّا عليه أنه لا يمكن أن تصحَّ نيَّةُ الجمعِ إلا إذا وُجِدَ العُذر المبيحُ للجمع، وحينئذٍ يكون هذا الشرط مبنيًّا على الشرط الأول.
وقد علمتم أنَّ القولَ الصحيحَ في الشرطِ الأولِ إلغاؤه، وأنه يُشترط وجود العُذر عند السلام من الأُولى، فلو لم ينزل المطر مثلًا إلا في أثناء الصلاة فإنه يصِحُّ الجمعُ على الصحيحِ، بل لو لم ينزل إلا بعد تمام الصلاة الأولى -يعني كانت السماء مغيِّمة والبرق والرعد ولكنْ لم ينزل مطر، بعد أنْ سلَّمْنا من الصلاة الأُولى نزل المطر- فالصحيح أنَّ الجمع جائزٌ.
بناءً على هذا القول الراجح يكون اشتراطُ نيَّةِ الجمع عند تكبيرة الإحرام في الأُولى أيش؟
طلبة: غير شرطٍ.
الشيخ: لاغيًا، غير شرطٍ.
إذَن القول الراجح أنه لا يُشترط الشرطُ الأول، ولا يُشترط الشرطُ الثالث، ويش بقينا؟
طالب: الثاني.
الشيخ: بقينا في الشرط الثاني وهو الموالاة؛ ألَّا يفرق بينهما، وهذا -كما سبقت الإشارة إليه- فيه خِلافٌ أيضًا؛ فشيخ الإسلام ابن تيمية يرى أنه لا تُشترط الموالاةُ؛ وذلك لأن العُذرَ المبيحَ للجمعِ إذا وُجِدَ جعلَ الوقتينِ وقتًا واحدًا، فاندمجَ وقتُ الثانيةِ في وقتِ الأولى، وصار الإنسان إذا فَعَلَ الأولى في أولِ الوقتِ والثانيةَ في آخِرِ الوقتِ فلا بأس.
وبناءً على هذا القولِ تكون جميعُ الشروطِ هذه لاغيةً، أهمُّ شيءٍ أنْ يوجد العُذر، فإذا وُجِدَ العُذر جازَ الجمعُ سواءٌ كان العُذر مرضًا، أو سفرًا، أو مطرًا، أو ريحًا شديدةً باردةً، أو غيرَ ذلك.
فيه الشرط الرابع الذي ذكرناه ونبَّهْنا عليه الليلةَ هذه.
طالب: الترتيب.
الشيخ: وهو الترتيب؛ يُشترط الترتيب بأنْ يبدأ بالأولى ثم بالثانية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (16)، ولأن الشرع جاء بترتيبِ الأوقاتِ في الصلوات، فوجبَ أن تكون كلُّ صلاةٍ في المحلِّ الذي رتَّبَها الشارعُ فيه، ولكنْ لو نَسِيَ الإنسانُ أو جَهِلَ أو حَضَرَ قومًا يُصَلُّون العِشاء وهو قد نوى الجمعَ؛ جمْعَ التأخيرِ، ثم صلَّى معهم العِشاء ثم المغرب، فهلْ يسقط الترتيب في هذه الأعذار أو لا يسقط؟
المشهور عند فقهائنا رحمهم الله أنه لا يسقط، وإنْ كانوا يُسقِطونه بالنسيان في قضاء الفوائت، لكن هنا لا يُسقِطونه؛ لأنهم يقولون: هناك قضاءٌ، وهذا أداءٌ.
وبناءً على هذا لو أنَّ الإنسانَ قدَّمَ الثانيةَ على الأولى سهوًا أو جهلًا أو لإدراكِ الجماعةِ أو لغيرِ ذلك من الأسباب فإنَّ الجمْعَ لا يصحُّ.
إذَنْ ماذا يصنع في هذه الحال؟
نقول: صلِّ اللِّي صليتَها أوَّلًا صَلِّها الآنَ، الحلُّ سهلٌ، فيظهر بالمثال؛ كان جامعًا جَمْعَ تأخيرٍ، ثم دخلَ المسجدَ ووجدَ ناسًا يُصَلُّون العِشاءَ، فدخلَ معهم بنيَّةِ العِشاء، ولَمَّا انتهى من العِشاء صلَّى المغربَ، نقول: صلاةُ العِشاء لا تصحُّ.
لماذا؟ لأنه قدَّمَها على المغرب، والترتيبُ شرطٌ، إذَنْ ماذا يصنع؟
طلبة: يصلِّي العِشاء.
الشيخ: يصلِّي العِشاء، المغربُ صحيحةٌ في مكانها، فيُصلِّي العِشاءَ.
وتصحُّ الصلاتانِ في شرطٍ خامسٍ: ألَّا تكون الجمعة، فإنْ كانت الجمعة فإنَّه لا يصحُّ أن يجمع إليها العصر؛ وذلك لأن الجمعة صلاةٌ منفردةٌ في شروطِها وهيئتِها وأركانِها وثوابِها أيضًا، والسُّنة إنما وردتْ بين الظُّهرِ والعصرِ، لم يَرِدْ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جَمَعَ العصرَ إلى الجمعةِ أبدًا، ولا يصحُّ أنْ تُقاس الجمعةُ على الظُّهر؛ لأنها -كما ذكرتُ لكم- منفردةٌ عن الظُّهر بعِدَّةِ أشياء: بِهيئتها، وشروطِها، وأركانِها، بلْ ووقتِها؛ وقتُها على المشهور مِن مذهبِ الحنابلةِ من ارتفاعِ الشمس قدرَ رُمْحٍ إلى العصرِ، والظُّهرُ مِن الزوالِ إلى العصرِ، أيضًا الجمعةُ لا تصحُّ إلا في وقتِها، فلو خرج الوقتُ صلَّوْا ظُهرًا، والظُّهر تصحُّ في الوقتِ وتصحُّ بعده للعُذر، فهي تختلف.
لكنْ لو قال قائل: أنا أُريد أنْ أتحيَّل فأنوي الجمعةَ ظُهرًا لأني مسافرٌ، وصلاةُ الظُّهرِ في حقِّي كَمْ؟
طالب: ركعتانِ.
الشيخ: ركعتانِ، يعني على قَدْرِ الجمعة، فأنا سأنويها ظُهرًا، فماذا نقول له؟
نقول: هذه النيَّةُ لا تصِحُّ على قول من يقول: إنه يُشترَطُ اتفاقُ نيَّةِ الإمامِ والمأمومِ؛ لأنهم لم يستثنوا في هذه المسألةِ إلا مَنْ أدركَ مِن الجمعةِ أقلَّ مِن ركعةٍ، فإنه يدخلُ مع الإمامِ بنيَّةِ الظُّهرِ لتعذُّرِ الجمعةِ في حقِّه، أمَّا هذا فهي ممكنةٌ، فلا يصحُّ أن ينويَ الظُّهر خلْفَ مَن يصلِّي الجمعة، هذا القولُ واضحٌ أنَّه لا يصحُّ أنْ ينويَها ظُهرًا.
أمَّا على القولِ الراجحِ أنَّ نيَّةَ الإمامِ والمأمومِ لا يضرُّ الاختلافُ بينهما فإنَّنا نقول: لا تَنْوِهَا ظُهرًا؛ لأنك إذا نويتَها ظُهرًا حَرَمْتَ نفْسك أجْرَ الجمعةِ، وأجْرُ الجمعةِ أكبر بكثيرٍ مِن أجْرِ الظُّهر، فكيف تَحرِمُ نفْسَك أجْرَ الجمعةِ مِن أجْلِ أنْ تجمع! والأمرُ يسيرٌ، اترك العصرَ حتى يدخل وقتُها ثم صَلِّها.
إذَنْ هذه الحيلة لا تصحُّ على رأي مَن يرى اشتراطَ اتِّفاقِ نيَّةِ الإمامِ والمأمومِ، وتصحُّ على رأي مَن يرى أن الاختلاف لا يضرُّ، لكن نقول: إنك فَوَّتَّ نفْسَك خيرًا كثيرًا، وهو أجْرُ الجمعةِ التي أضلَّ اللهُ عنها اليهودَ والنصارى وهدى هذه الأُمَّةَ لها.
وإن جَمَعَ في وقتِ الثانيةِ اشْتَرَطَ نِيَّةَ الْجَمْعِ في وقتِ الأُولَى إن لم يَضِقْ عن فِعْلِها واستمرارِ العُذْرِ إلى دُخولِ وَقْتِ الثانيةِ.
(فصل)
وصلاةُ الخوفِ صَحَّتْ عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ بصفاتٍ كُلُّها جائزةٌ،
أما على القول الراجح أن نية الإمام والمأموم لا يضر الاختلاف بينهما، فإننا نقول: لا تَنْوِها ظهرًا؛ لأنك إذا نويتها ظهرًا حرمتَ نفسك أجرَ الجمعة، وأجرُ الجمعة أكبر بكثير من أجر الظهر، فكيف تحرم نفسك أجر الجمعة من أجل أن تجمع؟ والأمر يسير، اترك العصر حتى يدخل وقتها، ثم صلِّها، إذن هذه الحيلة لا تصح على رأي من يرى؟
طلبة: اشتراط اتفاق نية الإمام.
الشيخ: اشتراط اتفاق نية الإمام والمأموم، وتصح على رأي من يرى أن الاختلاف يضر، لكن نقول: إنك فوَّت نفسك خيرًا كثيرًا، وهو أجر الجمعة التي أضل الله عنها اليهود والنصارى، وهدى هذه الأمة لها، كيف تضيع نفسك؟ ! من أجل أن تقول: هذا أسهل عليَّ! هذا إذا جمعت في وقت الأولى.
يقول المؤلف: (وأن يكون العذر موجودًا عند افتتاحهما) فهمنا وجه اشتراط كون العذر موجودًا عند افتتاح الأولى، فما وجه اشتراط كونه موجودًا عند افتتاح الثانية؟
يقولون: لأن افتتاح الثانية هو محل الجمع، هو الذي حصل به الجمع، وهذا صحيح؛ يعني يُشترط أن يكون العذر موجودًا عند افتتاح الثانية؛ لأنه لا يمكن أن يباح الجمع إلا إذا وُجد العذر عند افتتاح الثانية، وهل يشترط أن يكون موجودًا إلى انتهاء الثانية؟ لا، فلو فُرض أن الجمع كان لمطر، وأن المطر استمر إلى أن صلوا ركعتين من العشاء، ثم توقف، ولم يكن هناك وحل؛ لأن الأسواق مفروشة بالأسفلت، ما فيه وحل، فهل يبطل الجمع في هذا الحال، أو لا؟
نقول: لا يبطل الجمع، لماذا؟ لأنه لا يشترط استمرار العذر إلى الفراغ من الثانية، ليس بشرط، ومثل ذلك لو أن الإنسان جمع لمرض، وفي أثناء الصلاة الثانية ارتفع عنه المرض، فإن الجمع أيش؟ يبطل ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يبطل، لماذا؟ لأنه لا يُشترط استمرار العذر إلى الفراغ من الثانية.
ثم قال: (وإن جمع في وقت الثانية اشترط نية الجمع في وقت الأولى) يشترط إذا نوى الجمع في وقت الثانية أن ينوي الجمع في وقت الأولى؛ وذلك لأنه لا يجوز أن يؤخِّر الصلاة عن وقتها إلا بنية الجمع حيث جاز، ودليل عدم جواز تأخير الصلاة عن وقتها معروف، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حدد الصلوات بأوقات معينة، فلا يجوز أن تؤخِّر الصلاة الأولى عن وقتها إلا بنية الجمع حيث وُجد سببه، فلا بد من نية الجمع قبل خروج وقت الأولى، ولهذا قال (يُشترط نية الجمع في وقت الأولى) قال: (إن لم يَضِق عن فعلها) رحمهم الله الفقهاء عندهم احترازات عجيبة.
(إن لم يَضِق عن فعلها) فإن ضاق عن فعلها لم يصح الجمع؛ لأن تأخير الصلاة حتى يضيق وقتها عن الفعل محرم، والجمع رخصة، والرخص لا تُستباح بالمحرم، واضح؟
طلبة: نعم.
طلبة آخرون: لا.
الشيخ: ما هو بواضح، نقول: لو أن رجلًا مسافر ومضى عليه الوقت، فلما بقي عليه من الوقت ما يضيق عن فعل صلاة الظهر نوى الجمع؛ نوى جمع الظهر إلى العصر، نقول: هذا لا يصح، لا تصح هذه النية، لماذا؟
لأنه يحرُم تأخير الصلاة حتى يضيق الوقت؛ يعني يحرم أن يؤخر الإنسان الصلاة إلى أن يضيق الوقت، هذا حرام، إذ إن الواجب أن يصلي الصلاة كلها في الوقت، فإذا كان قد بقي من الوقت مقدار ركعتين فقط، نقول: الآن لو نويت جمع التأخير لا يصح، السبب؟ لأنه يحرم عليك أن تؤخر الصلاة حتى يضيق وقتها عنها، والجمع رخصة، والرخص لا تُستباح بالمحرم، الرخص تسهيل وتيسير، وفاعل المحرم لا يستحق أن ييسر عليه، ولهذا لو أن شخصًا سافر سفرًا محرمًا؛ يعني قصده بسفره الحرام، كرجل سافر إلى بلادٍ ليُفسد فيها، فهل يجوز له القصر؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، لماذا؟
طلبة: سفره محرم.
الشيخ: لأن هذا السفر محرم، والرخصة لا تتناسب مع المحرم، إذن ماذا يفعل؟ نقول: تُبْ إلى الله وارجع من سفرك، وفي أثناء رجوعك تقصر، كذلك صاحبنا في الجمع الذي أخَّر حتى ضاق الوقت، نقول: لا يصح لك الجمع الآن، ويش يسوي؟ نقول: صلِّ الصلاة الآن حسب ما أدركت من وقتها، واستغفر الله عن التأخير، وإذا دخل وقت الثانية، وسيدخل وقت الثانية قبل تمام صلاتك، فصلِّها، ولكن لا على أنه جمع، بل على أنه أداء وقضاء، قضاء لبعض الصلاة الأولى، وممكن لا.
يقول: (واستمرار العذر إلى دخول وقت الثانية) نعم، صحيح، لا بد أن يستمر العذر إلى دخول وقت الثانية، فإن لم يستمر فالجمع حرام، مثاله: رجل مسافر، نوى جمع التأخير، ولكنه قدم إلى بلده قبل خروج وقت الأولى، هل يجوز أن يجمع إلى الثانية؟
طالب: لا.
الشيخ: ليش؟
الطالب: زال الوقت.
الشيخ: لأن العذر انقطع، زال، انقطع وزال، فيجب أن يصليها في وقتها، وهذه مسألة تُشكل على كثير من الناس، كثير من الناس ينوي جمع التأخير، ويقدم بلده قبل أن يخرج وقت الأولى، نقول: لا تجمع الآن؛ لأن علة الجمع السفر، والسفر انقطع وزال، إذن ماذا يصنع؟ نقول: صلِّ الصلاة الآن فورًا في وقتها قبل أن يخرج.
ويرد على هذا سؤال: هل يصليها أربعًا أو يصليها ركعتين؟
طلبة: ركعتين.
طلبة آخرون: أربعًا.
الشيخ: أربعًا، العلة؟
طالب: وجبت.
الشيخ: لأن علة القَصْر السفر، وقد زال، فإذا قال: قد دخل عليَّ الوقت وأنا مسافر، فوجبت عليَّ مقصورة، ماذا نقول؟ نقول: نعم، وجبت عليك مقصورة؛ لأنك في سفر، والآن ذمتك مشغولة بها، ولَّا لا؟
طلبة: نعم، مشغولة.
الشيخ: متأكدون؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، الذمة مشغولة بها، إذن إلى الآن ما صلَّى، وما دامت مشغولة، فإنك إذا وصلت البلد وجبت عليك تامة.
وبهذا نعرف أن القول الصحيح أن الإنسان إذا دخل عليه الوقت وهو في البلد، ثم سافر قبل أن يصلي فله القَصْر، لماذا؟ لأنه سافر وذمته مشغولة بها، والمسافر يقصر الصلاة، إذن فالعِبرة في كون الإنسان مسافرًا أو مقيمًا، العبرة بالفعل لا بالوقت، فإذا دخل عليك الوقت وأنت مسافر، وقدمت البلد قبل الصلاة فصلِّها أربعًا، وإذا دخل عليك الوقت وأنت مُقيم وسافرت، فصلِّها ركعتين، العبرة بالفعل.
قال المؤلف رحمه الله: (واستمرار العذر إلى دخول وقت الثانية) أسقط المؤلف الموالاة، أسقطها؟
طالب: معلوم.
الشيخ: لا تتعجلون، أسقط الموالاة؛ لأن الموالاة في جمع التأخير ليست بشرط، فلو أنه جَمَعَ جمْع تأخير ودخل وقت الثانية، وصلَّى الأولى، وبقي ساعة أو ساعتين، ثم صلى الثانية، فالجمع صحيح؛ لأن الموالاة شرط في جمع التقديم، وليست شرطًا في جمع التأخير، وذهب بعض العلماء إلى أن الموالاة شرط كالتقديم، وذهب بعض العلماء إلى أن الموالاة ليست شرطًا لا في التقديم ولا في التأخير، فالأقوال إذن ثلاثة:
الأول: أن الموالاة ليست شرطًا لا في التقديم ولا في التأخير، وهذا رأي مَنْ؟ شيخ الإسلام ابن تيمية.
والثاني: أنها شرط في الجمعين؛ لأن الجمع هو الظن، وهو قول لبعض العلماء.
والثالث: التفريق، فتشترط الموالاة في جمع التقديم، ولا تشترط في جمع التأخير، وهذا هو المشهور من المذهب، لم يَذْكُر الترتيب.
طالب: معلوم.
الشيخ: معلوم؟ إي نعم، معلوم.
لم يذكر أن يكون العذر موجودًا عند افتتاحهما وسلام الأولى؟
طلبة: لأنه أسقط الموالاة.
الشيخ: لأنه لا يُشترط استمرار العذر إلا إلى دخول الوقت فقط؛ لأن خروج وقت الأولى هو الذي استبحناه، وأخَّرنا صلاته إلى الثانية، فإذا انتهى الوقت فإننا لا نقول: استبحنا؛ وذلك لأنه إذا خرج الوقت ودخل وقت الثانية زالت المطالبة بالصلاة الأولى، لجواز الجمع، وقد حصل، إذن وجود العُذر عند افتتاحهما وسلام الأولى في جمع التأخير ليس بشرط، صح؟
طالب: نعم.
الشيخ: إي نعم؛ لأن المؤلف الآن ما ذكره في الشروط، الآن أضرب مثلًا، رجل مسافر ونوى جمع التأخير، وخرج وقت الأولى وهو في السفر وقدِم البلد في وقت الثانية، يجمع ولَّا ما يجمع؟
طلبة: يجمع.
الشيخ: يجمع؛ لأنه بيصلي الأولى الآن، ثم يصلي الثانية، والمؤلف يقول: (استمرار العذر) إلى متى (إلى دخول وقت الثانية) فقط، بس مسألة القصر عرفتم أنه إذا قدم البلد فإنه لا يقصر؛ لأنه انتهى وقت القصر.
[صلاة الخوف]
ثم قال: (فصل: وصلاة الخوف صحَّت عن النبي صلى الله عليه وسلم بصفات كلها جائزة) هذا العذر الثالث من الأعذار.
العذر الأول: السفر.
والثاني: المرض.
والثالث: الخوف.
الخوف ممن؟ من العدو، أيّ عدو يكون، سواء كان العدو كافرًا، أو العدو السباع مثلًا، في أرض مَسْبَعة، نحتاج إلى صلاة الخوف، تُصلَّى صلاة الخوف، يعني ما هو شرط أن يكون العدو من بني آدم، أي عدو يكون، يخاف الإنسان على نفسه منه، فإنها تُشرع صلاة الخوف.
صلاة الخوف يقول المؤلف: (إنها وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم بصفات كلها جائزة) وردت على ستة أوجه أو سبعة أوجه عن النبي عليه الصلاة والسلام.
وقول المؤلف: (كلها جائزة) ظاهره أن كل صفة منها تجوز في أي موضع؛ لأنه قال: كلها جائزة.
ولكن قد يقول قائل: إن هذه الصفات من الصلاة لا يجوز نوع منها إلا في موضعه الذي صلَّاه النبي صلى الله عليه وسلم فيه، ونأتي بصفتين منها؛ الصفة الأولى: ما يوافق ظاهر القرآن، وهي أن يقسِم القائد قائد الجيش، أن يقسمهم إلى طائفتين؛ طائفة تصلي معه، وطائفة أمام العدو، لئلا يهجم، فيصلي بالطائفة الأولى ركعة، ثم إذا قام إلى الثانية أتموا لأنفسهم؛ يعني نووا الانفراد وأتموا لأنفسهم، والإمام لا يزال قائمًا، ثم إذا أتموا لأنفسهم ذهبوا ووقفوا مكان الطائفة الأولى، أمام العدو، وجاءت الطائفة الأولى ودخلت مع الإمام في الركعة الثانية، في هذه الحال الإمام سيُضطر إلى تطويل الركعة الثانية أكثر من الأولى، صح؟
طلبة: صح.
الشيخ: إي نعم، لكن هذه مستثناة مما سبق في باب صلاة الجماعة، أنه يسن تطويل الركعة الأولى أكثر من الثانية، يستثنى من هذا صلاة الخوف على هذا الوجه، تدخل مع الإمام فيصلي بهم الركعة التي بقيت، ثم يجلس للتشهد، إذا جلس للتشهد قبل أن يُسلِّم يقومون هم، تقوم الطائفة هذه من السجود رأسًا وتكمِّل الركعة التي بقيت، وتدرك الإمام في التشهد فيُسلِّم بهم، هذا موافق لظاهر القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء: 102] إذا سجدوا؛ يعني أتموا الصلاة ﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى﴾، وهي التي أمام العدو ﴿لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾.
فهو مطابق للقرآن تمامًا، ولكن الله عز وجل قال للطائفة الثانية: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ وللطائفة الأولى قال: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ فلماذا؟ لأن الطائفة الثانية الخوف عليها أشد؛ فإن العدو قد يكون قد تأهب؛ لما رأى أن الجيش انقسم إلى قسمين، قد يكون تأهب وأعد العدة للهجوم؛ فلهذا أمر الله بأخذ الحذر والأسلحة، ويأتي -إن شاء الله- السبب الثاني.
طالب: أحد المسافرين يجمع جمع تقديم في وقت الأولى، وهو يعلم ويغلب على ظنه أنه سيقدم بلده وقت الأذان، ويدرك الجماعة فيه، فهل يحل له أن يجمع؟
الشيخ: وهو واحد هو، يسافر هو، واحد؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: ولَّا مع جماعة؟
طالب: لا واحد.
الشيخ: هذا سؤال مهم، يقول: إذا كان المسافر واحدًا، وهو يعلم أنه سيُدرك وقت الثانية في بلده، ويدرك الجماعة، فهل يجوز له الجمع في هذه الحال أو لا؟
نقول: إن أهل العلم يقولون: إن رخص السفر لا تنقطع إلا بدخول البلد، حتى إن علي بن أبي طالب رضي الله عنه صلى قصرًا وهم يشاهدون الكوفة، فقالوا: يا أمير المؤمنين، هذه الكوفة فقال: إنا لن ندخلها (1)، فما دام الإنسان لم يدخل فجميع رخص السفر له، لكن الأفضل إذا كان يغلب على ظنه أنه سيقدم قبل خروج وقت الأولى، الأفضل ألا يجمع.
طالب: ولو جَمَع يا شيخ؟
الشيخ: ولو جمع صحَّت صلاته.
الطالب: ما يعيد الصلاة؟
الشيخ: ما يعيد الصلاة، لا؛ لأنها برئت الذمة.
الطالب: لو كانت الموالاة يا شيخ، موالاة الجمع، لو قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم والَى وقال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (2)؟
الشيخ: لا هو ما، هو في جمع التأخير لم يوالِ، في مزدلفة، لما وصل إلى مزدلفة صلوا المغرب، ثم حطوا الرحال، وبعد ذلك صلوا العشاء، ففصَّل بينهما.
طالب: هذا في جمع التأخير، لكن في جمع التقديم؟
الشيخ: إي بس، شيخ الإسلام يقول: ما الفرق؟
طالب: هو النبي فرَّق.
الشيخ: لا، ما هو على كل حال، ما نجزم الآن أن الرسول لما جمَعَ جمْعَ تقديم أنه والَى في كل جمع، وإلا في عرفة الموالاة ظاهرة، وكذلك حديث أبي جحيفة، الموالاة ظاهرة، لكن مجرد الفعل لا يدل على الوجوب.
الطالب: أقول: احتاج إلى التفريق في مزدلفة.
الشيخ: لا، ما فيه حاجة، الإبل ما هو الواضح أنها تركب في خلال ركعتين.
على كل حال لا شك أن الأحوط الموالاة.
طالب: شيخ، إذا كان في بلد لا يطبقون سنة الجمع بين الصلاتين لعذر، فطلبوا منهم أن يجمعوا، ما وافقت الجماعة أن يصلي بهم العشاء، فصلوا هم العشاء، فهل هو يجمع بين الصلاتين في مثل هذا؟
الشيخ: لا، هو على كل حال معذور، إذا ذهب إلى بيته يصلي في بيته، هذا شأنه، ولا حاجة إلى الجمع في هذه الحال؛ لأنه لا يستفيد، الجماعة لديه حاصلة ولا يستفيد شيئًا.
طالب: إذا وافق معه اثنان أو ثلاثة.
الشيخ: لا بأس، لكن ربما يحصل في هذا فتنة وتفريق للناس، فكونهم يصلون في بيوتهم أحسن من كونهم ييجوا إلى المسجد؛ لأنهم معذورون في المطر؛ يعني إذا حصل المطر عُذر الإنسان في ترك المسجد.
طالب: أحسن الله إليكم، الآن الأسلحة تختلف عن الأسلحة في السابق، فتأتي من الجو، ومن البحر، ومن البر، في كل مكان، فهيئة صلاة الخوف يعني..
الشيخ: ما بعد كملنا جزاك الله خيرًا، توّنا بادئين، وهذه تحتاج إلى مناقشة.
لا شك أنها اختلفت أساليب الحرب الآن.
طالب: بالنسبة لترتيب الصلاة (... ) القول الراجح.
الشيخ: القول الراجح وجوب الترتيب إلا لعذر، يسقط بالعذر.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، الذي نرى أنه إذا جاء والإمام يصلي العشاء وهو لم يصلِّ المغرب أن يدخل مع الإمام بنية المغرب، ثم إن كان قد دخل معه في الركعة الأولى فإنه يجلس إذا قام الإمام إلى الرابعة ويُسلِّم، ويدخل معه فيما بقي من العشاء، وإن دخل معه في الثانية سلَّم معه، وإن دخل في الثالثة أتى بعده بركعة.
طالب: (... ) ما ييجي إلا بعد الثانية؟
الشيخ: (... ) ما يأتي إلا بعد الثانية، يقول مثلًا: لو انقطع العذر عند سلام الأولى، ثم احتاج إلى وضوء، ثم تجدد العذر، يعني يكون فيه فسحة فإذا صار ما فيه فسحة، صحيح ما يظهر أثر لها، لكن يقول: لو فُرِض أنه راح مثلًا يتوضأ الوضوء الخفيف، لا بأس به، فانقطع عند سلام الأولى العذر، ثم عاد العذر قبل أن يفتتح الأولى لا بد من..
طالب: إي نعم، وكذلك سلام الثانية.
الشيخ: ما هو شرط سلام الثانية، ليس بشرط.
طالب: (... ).
الشيخ: إي، في الثانية يقول: لا بد أن يوجد عند سلام الأولى وافتتاح الثانية.
طالب: قال رحمه الله تعالى: ويستحب أن يحمل معه في صلاتها من السلاح ما يدفع به عن نفسه، ولا يثقله كسيف ونحوه.
باب صلاة الجمعة
تلزم كل ذَكَر حُرٍّ مُكَلَّف مسلم مستوطِن ببناء اسمه واحد ولو تفرق، ليس بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ، ولا تجب على مسافر سفر قصر ولا عبد ولا امرأة، ومن حضرها منهم أجزأته ولم تنعقد به، ولم يصح أن يؤم فيها، ومن سقطت عنه لعذر وجبت عليه وانعقدت.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، للجمع في وقت الأولى شروط، ما هي؟
طالب: أولًا: أن ينوي الجمع عند الصلاة الأولى.
ثانيًا: ألَّا يفصل بين الصلاتين بوقت.
الشيخ: بوقت؟
الطالب: نعم، أي لا يفصل بين الصلاة الأولى والثانية المجموعة بوقت.
الشيخ: ويش معنى بوقت؟
الطالب: بوقت كبير.
الشيخ: يعني بفاصل طويل.
هذه واحدة.
الطالب: كذلك يشترط أن يوجد العذر عند افتتاحهما وعند سلام الأولى.
هذا على قول المؤلف.
الشيخ: في الثانية؟
طالب: في الثانية أن يكون العذر موجودًا عند صلاة الثانية.
الشيخ: كيف عند صلاة الثانية؟ يعني يكون الصلاة الأولى؟
الطالب: إذا أراد أن يصلي الثانية أن يكون العذر موجودًا.
الشيخ: ما هو شروط الجمع في وقت الثانية؟
الطالب: العذر.
طالب آخر: أن ينوي جمع الثانية قبل خروج وقتها، ألا يدخل عليه الوقت.
الشيخ: في وقت لا يضيق فعلها؟ هذا واحد.
الطالب: الموالاة.
الشيخ: الموالاة، شرط للجميع؛ ولهذا لم يذكرها المؤلف لوضوحها؛ ولأنها شرط مشترك بين الجمع في الأولى والثانية.
طالب: استمرار العذر إلى دخول وقت الثانية.
الشيخ: استمرار العذر إلى دخول وقت الثانية.
ما هو القول الراجح في مسألة وجود العذر عند افتتاح الأولى؟
طالب: القول الراجح أنه لا يشترط.
الشيخ: القول الراجح أنه لا يشترط، وأنه لو طرأ العذر؟
الطالب: بعد الصلاة أو في أثناء الصلاة الأولى فإنه يجوز.
الشيخ: فإنه يجوز الجمع، تمام.
هل السفر من أسباب الجمع المبيحة له؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: ما هو الدليل؟
طالب: الدليل أن الرسول كان يجمع.
الشيخ: كان يجمع إذا سافر.
هل الأفضل أن يجمع أو ألَّا يجمع؟
الطالب: الأفضل أنه يجمع.
الشيخ: الأفضل أنه يجمع مطلقًا؟
طالب: إلا أن (... ) عليه بعرفة بمزدلفة، الجمع، وغيره مقبول، لا (... ).
الشيخ: يعني إذن إن كان جمع عرفة فهو أفضل، وإلا فتركه أولى، صح؟ هذا هو الصحيح.
اشترط المؤلف للجمع في وقت الثانية ألا يضيق وقت الأولى عنها، فما وجه هذا الشرط؟
طالب: لما الإنسان يؤخر الصلاة حتى يضيق الوقت فهذا محرم، (... ) رخصة، والرخص لا تستباح المحرم.
الشيخ: لا تستباح المحرم.
ما الذي يترتب على هذا، إذا ضاق الوقت عن فعلها، ثم صلاها، ودخل وقت الثانية، ثم صلاها، ما الذي يترتب على ذلك؟
طالب: هذا إثم يا شيخ، يأثم لهذا التأخير، وتسير بقية الصلاة قضاءً.
الشيخ: بالنسبة للأولى.
طالب: إي نعم، بالنسبة للأولى، وبالنسبة للثانية فهي في وقتها، فلا يحتاج أصلًا إلى الجمع.
الشيخ: صح، صلاة الخوف من باب إضافة؟
طالب: من باب إضافة الشيء إلى سببه.
الشيخ: والخوف من الأعذار؟
الطالب: يعتبر مغيرًا لهيئة الصلاة.
الشيخ: من الأعذار، فيه عذر آخر غير الخوف؟
الطالب: المرض.
الشيخ: والثاني؟
الطالب: السفر.
الشيخ: السفر، إذن ثلاثة، أنواع الأعذار في صلاة أهل الأعذار ثلاثة.
ذكرنا أن صلاة الخوف صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم بصفات متعددة.
طالب: ست أو سبع صفات، ما ذكرنا منها إلا الصفة الأولى.
الشيخ: وهل هي جائزة؟ كل الصفات جائزة أو لا؟
الطالب: على كلام المؤلف جائزة.
الشيخ: كلها جائزة؟ ويحتمل، اللي ذكرنا احتمالًا؟
الطالب: ويحتمل أن تكون كل صلاة خوف في الوقت المناسب لها؟
الشيخ: أحسنت، في الحال المناسبة لها، ذكرنا أنها -كما قال المؤلف- صفاتها كلها جائزة؛ يعني مشروع العمل بها، ولكن ذكرنا احتمالًا أن هذه الصفات لا تجوز في كل حال، إنما يجوز في كل حال ما يناسبها، كما سنذكر إن شاء الله.
لا أدري هل تكلمنا على الآية؟ الصفة الأولى ما وافقت الآية، وشرعنا في شرح الآية، ولنكمل إن شاء الله.
يقول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: 102].
إذن يقسمهم القائد إلى قسمين؛ قسم يصلي معه، ويخبرهم بأنه إذا قام إلى الثانية فليقضوا صلاتهم، وينصرفوا إلى مكان الطائفة التي في وجه العدو، ويقول للطائفة الثانية: إذا جئتم فادخلوا معي، فإذا جلست للتشهد فأتموا صلاتكم، وسلِّموا معي، يعني أن القائد لا بد أن يخبرهم ماذا يصنعون، فتقوم طائفة معه، ويصلي بهم الركعة الأولى، فإذا قام إلى الثانية أتموا لأنفسهم؛ يعني قرؤوا الفاتحة وما تيسر، ثم ركعوا وسجدوا وسلَّموا وانصرفوا، تتميز هذه الطائفة عن الثانية بأنها أدركت تكبيرة الإحرام، والثانية لم تدركها، لكن لها ميزة، ثم تأتي الطائفة الثانية التي كانت في وجه العدو وتجد الإمام قائمًا، فتدخل معه وتقرأ الفاتحة وما تيسر وتصلِّي معه الركعة التي بقيت، فإذا جلس للتشهد قامت فأتمت ما عليها، وتجلس للتشهد وتُسلِّم مع الإمام، فتمتاز هذه الطائفة بأنها أدركت التسليم مع الإمام، والأولى أدركت تكبيرة الإحرام.
هذه الطائفة يقول بعض العلماء: إنها أدركت من الصلاة أكثر من الأولى، لأن الله قال: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: 102] فجعلهم في معية النبي صلى الله عليه وسلم، أما الأولى ما قال: فليصلوا معك، قال: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾.
يشترط في هذه الصورة، أو في هذه الصفة أن تكون الطائفة التي تبقى في مواجهة العدو قادرة على حفظ الطائفة المصلية؛ بمعنى أننا لا نجعل مع الإمام مثلًا ثمانين في المئة، والطائفة التي تحرس تكون عشرين في المئة، لا، لا بد أن تكون مكافئة لئلا يأتيهم العدو، هذه الصفة خالفت الصلاة المعتادة في أمور:
أولًا: انفراد الطائفة الأولى عن الإمام قبل سلامه، أليس كذلك؟ ولكن هذا لعذر.
ثانيًا: أن الطائفة الثانية قضت ما فاتها من الصلاة قبل سلام الإمام، أما الصورة الأولى وهي انفراد المأموم عن الإمام، فهذه جائزة في كل عُذْر، كلما طرأ للمأموم عُذر يقتضي أن ينفرد عن إمامه فله أن ينفرد، ونذكر ثلاثة أعذار:
العذر الأول: إذا أطال الإمام الصلاة فللمأموم أن ينفرد، إذا أطال الصلاة إطالة خارجة عن السنة، فللمأموم أن ينفرد، ودليله حديث معاذ بن جبل حينما أمَّ قومه، فأطال بهم القراءة، فانفرد رجل منهم، وصلَّى وحده (3).
الثانية: إذا كان الإمام يسرع في الصلاة إسراعًا لا يتمكن المأموم معه من الطمأنينة، فإن الواجب أن ينفرد.
الصورة الثالثة: إذا طرأ على المأموم عُذر مثل أن احتبس بوله، أو ريح أشغلته، أو تقيؤ أو ما أشبه ذلك، فله أن ينفرد؛ لتعذر المتابعة حينئذٍ، ومن ذلك أيضًا -على القول الراجح- إذا تعذرت المتابعة شرعًا مثل أن تكون صلاة المأموم أنقص من صلاة الإمام، كرجل يصلي المغرب خلف من يصلي العشاء، فإن القول الصحيح جواز ذلك، وإذا قام الإمام إلى الرابعة انفرد المأموم وسلَّم، وإن شاء انتظر، وأما جواز انفراد المأموم بلا عُذر فالقول الصحيح أنه يُبطل الصلاة، وإن كان بعض العلماء أجازه، لكن الصحيح أنه حرام، وأنه يُبطل الصلاة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» (4).
الطائفة الثانية -بالصفة التي ذكرنا- تقضي ما فاتها من الصلاة قبل سلام الإمام، وهذا لا نظير له في صلاة الأمن، بل إن المأموم في صلاة الأمن يقضي ما فاته بعد سلام إمامه، هذه صفة.
الصفة الثانية من صلاة الخوف: إذا كان العدو في جهة القبلة فإن الإمام يصفّهم صفين، ويبتدئ بهم الصلاة جميعًا ويركع بهم جميعًا، ويرفع بهم جميعًا، ويسجد بالصف الأول فقط، ويبقى الصف الثاني قائمًا يحرس، فإذا قام وقام معه الصف الأول سجد الصف المؤخر، سجدوا، فإذا قاموا تقدم الصف المؤخر، وتأخر الصف المقدم، ثم صلَّى بهم الركعة الثانية جميعًا، قام بهم جميعًا وركع بهم جميعًا، فإذا سجد سجد معه الصف المقدم الذي كان في الركعة الأولى هو المؤخَّر، فإذا جلس للتشهد سجد الصف المؤخر، فإذا جلس للتشهد سلَّم الإمام بهم جميعًا، وهذه لا يمكن أن تكون إلا إذا كان العدو في جهة القِبلة، وهي صلاة سهلة.
الصفة الأولى: إذا كان العدو في جهة القبلة، فظاهر كلام المؤلف أنها جائزة، ولكن الصحيح أنها لا تجوز؛ وذلك لأن الناس يرتكبون فيها ما لا يجوز بلا ضرورة؛ لأنهم إذا كان العدو في جهة القبلة، فلا ضرورة إلى أن ينقسموا إلى قسمين؛ قسم يصلي معه، وقسم وجاه العدو.
بقية الصفات مذكورة في الكتب المطوَّلة، نقتصر على هاتين الصفتين.
ولكن إذا قال قائل: لو فُرض أن الصفات الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن تطبيقها في الوقت الحاضر؛ لأن الوسائل الحربية اختلفت، والأسلحة كذلك اختلفت؟
فنقول: إذا دعت الضرورة إلى الصلاة في وقت يُخاف فيه من العدو فإنهم يصلون صلاة أقرب ما تكون إلى الصفات الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، فإذا كانت الصفات الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تتأتى فإننا نقول: يُصلي على أقرب صفة وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
إذا اشتد الخوف، فهل يجوز أن تُؤخَّر الصلاة عن الوقت؟
في هذا خلاف بين العلماء؛ فمنهم من يقول: لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها، ولو اشتد الخوف، بل يُصلُّون هاربين وطالبين إلى القبلة وإلى غيرها، يُومِئون بالركوع والسجود؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: 239]. ومنهم من قال: بل تجوز إذا اشتد الخوف بحيث لا يمكن أن يتدبر الإنسان ما يقول أو يفعل؛ يعني أنه إذا كان يمكن أن يتدبر ما يقول أو يفعل في الصلاة فليُصلِّ على أي حال، لكن إذا كان لا يمكن؛ السهام والرصاص تأتيه من كل جانب، ولا يمكن يستقر قلبه ولا يدري ما يقول، ففي هذه الحال تجوز، وهذا مبني على تأخير النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة في غزوة الأحزاب، هل هو منسوخ أو محكم؟ والصحيح أنه محكم إذا دعت الضرورة القصوى إلى ذلك؛ بمعنى أن الناس لا يقر لهم قرار، وهذا في الحقيقة لا ندركه ونحن على هذا الكنب، وإنما يدركه من كان في ميدان المعركة، لا يقر له قرار، ولا يدري ما يقول، ولا يدري هل كبر أو ركع أو سجد، لا يدري، ففي هذه الحال نقول: لا بأس أن تؤخر الصلاة إلى وقت الصلوات الأخرى، أما إذا كانت صلاة جمع فالمسألة واضحة ما فيها إشكال، لكن إذا كانت غير صلاة جمع، مثل اللي بيؤخر الظهر والعصر والمغرب والعشاء إلى ظلام الليل بحيث يُؤمن العدو بعض الشيء، هذا هو القول الراجح.
وفي الآية الكريمة دليل على وجوب صلاة الجماعة في الخوف، فإذا كانت صلاة الجماعة واجبة في الخوف ففي حال الأمن أوْلى، مع أن صلاة الجماعة في الخوف تؤدي إلى تغيير هيئة الصلاة، وإلى ارتكاب أمور محظورة في حال الأمن، وهذا مما يؤكد صلاة الجماعة، حتى إن الناس في المطر يجمعون بين الصلاتين من أجل تحصيل الجماعة، وهذا قد يكون دليلًا على ما ذهب إليه شيخ الإسلام من أن صلاة الجماعة شرط لصحة الصلاة، وأن من ترك الجماعة لغير عذر فلا صلاة له، لكن حديث ابن عمر (5) وحديث أبي هريرة (6) في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ تدل على صحة صلاة الفذ، ولكن شيخ الإسلام رحمه الله ماذا يجيب عن حديث ابن عمر وأبي هريرة؟ يقول: هذه في حق المعذور.
ويُسْتَحَبُّ أن يَحْمِلَ معه في صلاتِها من السلاحِ ما يَدفعُ به عن نفسِه ولا يُثْقِلُه كسَيْفٍ ونحوِه.
(باب صلاة الجمعة)
تَلْزَمُ كلَّ ذَكَرٍ حُرٍّ مُكَلَّفٍ مُسلِمٍ مسْتَوْطِنٍ ببناءٍ اسمُه واحدٌ ولو تَفَرَّقَ ليس بينَه وبينَ المسجِدِ أكثرُ من فَرْسَخٍ، ولا تَجِبُ على مسافِرٍ سَفَرَ قَصْرٍ ولا عَبْدٍ وامرأةٍ، ومَن حَضَرَها منهم أَجْزَأَتْه ولم تَنْعَقِدْ به ولم يَصِحَّ أن يَؤُمَّ فيها، ومَن سَقَطَتْ عنه لعُذْرٍ وَجَبَتْ عليه وانْعَقَدَتْ به، ومَن صَلَّى الظهْرَ مِمَّنْ عليه حُضورُ الْجُمُعَةِ قَبْلَ صلاةِ الإمامِ لم تَصِحَّ،
وهذا مما يؤكد صلاة الجماعة، حتى إن الناس في المطر يجمعون بين الصلاتين من أجل تحصيل الجماعة، وهذا قد يكون دليلًا على ما ذهب إليه شيخ الإسلام من أن صلاة الجماعة شرط لصحة الصلاة، وأن من ترك الجماعة لغير عذر فلا صلاة له.
لكن حديث ابن عمر (1) وحديث أبي هريرة (2) في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ تدل على صحة صلاة الفذ.
ولكن شيخ الإسلام -رحمه الله- ماذا يجيب عن حديث ابن عمر وأبي هريرة؟ يقول: هذه في حق المعذور، التفضيل في حق المعذور.
ولكن يقال له: إن المعذور الذي من عادته أن يصلي مع الجماعة يُكتب له أجر الجماعة، كما ثبت في الصحيح أن من مرِض أو سافر كُتب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا (3).
ذكر في الشرح عندي: أنه يُشترط لجواز صلاة الخوف أن يكون القتال مباحًا، والقتال المباح: هو قتال الكفار، أو قتال المدافعة، أما قتال الهجوم على من لا يحل قتاله؛ فإن ذلك لا يجيز صلاة الخوف، بل نقول لمن قاتل على هذا الوجه: يجب عليك أن تكف عن القتال.
فالقتال الذي ليس بمباح لا تباح فيه صلاة الخوف، والقتال المباح يعني أنواع في الحقيقة؛ قتال كفار، وقتال مدافعة، وقتال من تركوا صلاة العيد، أو الأذان والإقامة، شعائر الإسلام الظاهرة، وقتال الطائفة المعتدية فيما إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين، فإن الله يقول: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 9].
المهم أن القتال المباح هو الذي تجوز فيه صلاة الخوف، ولو كان قتالًا للمسلمين، إذا أبيح، قتال المدافعة، وقتال من تركوا الأذان والإقامة وصلاة العيد على القول بأنها فرض كفاية، وقتال الطائفة الباغية فيما إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين.
طالب: حمل السلاح.
الشيخ: إي نعم، تمام، قال المؤلف رحمه الله: (ويستحب أن يحمل معه في صلاتها) أي: في صلاة الخوف (من السلاح ما يدفع).
(ما) اسم موصول، يعني الذي يدفع به عن نفسه، وهي اسم موصول مفعول (يحمل).
(ما يدفع به عن نفسه ولا يُشْغِلُهُ) أو (ولا يُثْقِلُهُ)؟
طلبة: ولا يثقله.
طلبة آخرون: ولا يشغله.
الشيخ: نسخة (ولا يشغله) أو (ولا يثقله كسيفٍ ونحوه) نحو: السيف، السكين، والرمح القصير وما أشبهها، وفي وقتنا نقول: مثل المسدس.
قال المؤلف: (يستحب أن يحمل) فجعل حكم حمل السلاح في صلاة الخوف مستحبًّا، وهذا ما ذهب إليه كثير من أهل العلم، ولكن الصحيح أن حمل السلاح واجب؛ لأن الله أمر به فقال: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: 102]، ولأن ترك حمل السلاح خطر على المسلمين، وما كان خطرًا على المسلمين فالواجب تلافيه والحذر منه، فالصحيح بلا شك أن حمل السلاح واجب، ولهذا ذكر الله في الطائفة الثانية أمر الله الطائفة الثانية أن تحمل السلاح وأن تحذر، فقال: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: 102].
قال العلماء: وفي هذه الحال لو فرض أن السلاح متلوث بدم نجس فإنه يجوز حمله للضرورة، ولا إعادة عليه، يجوز حمله في هذه الحال للضرورة وليس عليه إعادة، وهو كذلك.
وقول المؤلف: (ما يدفع به عن نفسه) يفيد أنه لا يحمل سلاحًا هجوميًّا، بل سلاحًا دفاعيًّا؛ لأنه مشغول بصلاته عن مهاجمة عدوه، لكنه مأمور أن يتخذ السلاح الدفاعي (ما يدفع به عن نفسه).
وقوله: (ولا يُثقله) أو (ولا يشغله) يفهم منه أنه لا يحمل سلاحًا يثقله ويشغله عن الصلاة؛ لأنه إذا حمل ما يثقله أو يشغله عن الصلاة زال خشوعه، وأهم شيء في الصلاة الخشوع، الخشوع هو لب الصلاة وروحها، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» (4). لماذا؟ لأن ذلك يُذهِب الخشوع، ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ لَهُ مِنْ صَلَاتِهِ إِلَّا مَا عَقَلَ مِنْهَا، وَإِنَّهُ لَيَنْصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلَّا عُشْرُهَا أَوْ رُبُعُهَا» (5) أو ما أشبه ذلك، فالخشوع له أثر عظيم في صحة الصلاة، فاشترط المؤلف الآن في حمل السلاح شرطين: الشرط الأول أيش؟
طلبة: أن يكون دفاعيًّا.
الشيخ: أن يكون دفاعيًّا فقط، والثاني؟
طلبة: ليس هجوميًّا.
الشيخ: ألا يشغله أو ألا يثقله، نعم، وأما القول بالاستحباب فالصحيح خلافه، وأنه يجب أن يحمل من السلاح ما يدفع به عن نفسه.
[باب صلاة الجمعة]
ثم قال المؤلف: (باب صلاة الجمعة) يعني: الصلاة التي تجمع الخلق، وذلك أن المسلمين لهم اجتماعات متعددة، اجتماعات حي واجتماعات بلد واجتماعات أقطار.
اجتماعات الحي: في الصلوات الخمس، في كل حي مسجد يجتمع فيه أهله، اجتماعات بلد: في صلاة الجمعة، يجتمع أهل البلد كلهم في مكان واحد، والثالث اجتماعات عامة، أيش؟ اجتماعات أقطار: وهذا يكون في الحج في مكة، فهذه اجتماعات المسلمين، صغرى وكبرى ومتوسطة، كل هذا من أجل توطيد أواصر المحبة والألفة بين المسلمين، شرع الله سبحانه وتعالى هذه الاجتماعات.
طالب: العيد؟
الشيخ: العيد مثل الجمعة اجتماع بلد.
يقول: (باب صلاة الجمعة) وليُعلم أن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، وأنها ما طلعت الشمس على يوم خير منه، وأن الله سبحانه وتعالى خص به هذه الأمة بعد أن أضل عنه الأمم السابقة، فإن اليهود اختلفوا فيه فضلوا عنه وصار جمعتهم يوم السبت، والنصارى أشد اختلافًا فصار جمعتهم يوم الأحد، فصاروا ولله الحمد تبعًا لنا ونحن متأخرون عنهم زمنًا، لكن هم متأخرون عنا رتبة، فإن هذه الأمة أفضل الأمم عند الله وأكرمها، وله خصائص لهذا اليوم ذكرها ابن القيم -رحمه الله- في زاد المعاد، فمن أحب الرجوع إليها فليفعل؛ لأنه ذكر خصائص مفيدة لا تكاد تراها مجتمعة في غير هذا الكتاب.
قال المؤلف: (تلزم كل ذكر) (تلزم) الضمير يعود على صلاة الجمعة، يعني: تلزم صلاة الجمعة كلَّ ذكر، خرج به؟
طلبة: الأنثى.
الشيخ: الأنثى، فلا تلزمها صلاة الجمعة، وخرج به الخنثى أيضًا؛ فإن صلاة الجمعة لا تلزمه، وذلك لعدم تحقق الشرط فيه؛ إذ إنه لا يدرى أذكر هو أم أنثى، والأصل براءة الذمة حتى يُتيقن شرط شَغلها، وهنا لم يتيقن.
(كل ذكر حر) وضده؟
طلبة: العبد.
الشيخ: العبد، فمن العبد هنا، هل هو من ليس قَبِيليًّا، كما يقسمه العامة، العامة يقسمون الناس إلى شيخ وعبد، فالشيخ؟
طلبة: القبيلي.
الشيخ: القبيلي، والعبد من ليس قبيليًّا، أم أن العبد هو الأسود، والحر هو الأحمر؟
طالب: (... ).
الشيخ: لا، المراد بالعبد المملوك ولو كان أحمر، ولو كان قبيليًّا، فهو عبد، فالعبد لا تلزمه الجمعة، لماذا؟ قالوا: لحديث ورد في ذلك أنه ليس على العبد جمعة (6)، ولأنه مشغول بخدمة سيده، يمكن سيده يرسله في حاجة، يجعله في البيت، المهم أنه مشغول بخدمة سيده، فلا تلزمه الجمعة.
وهذا محل خلاف بين العلماء، فمن العلماء من يقول: إن العبد تلزمه الجمعة؛ لأنه داخل في عموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9].
والحديث الوارد في نفيها عنه ضعيف، وتعليل ذلك بأنه مشغول بخدمة سيده أضعف؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
ومن العلماء من فصَّل وقال: إن أذنَ له سيده لزمته؛ لأنه لا عذر له، وإن لم يأذن له لم يأثم، يعني: فلا تلزمه، وهذا قول وسط؛ لأن حال العبد في الحقيقة إذا تصورها الإنسان حال شخص ضعيف مملوك على اسمه، لا يستطيع أن يقول: سأذهب إلى الجمعة رضيت يا سيدي أم كرهت، لا يستطيع هذا، فيكون إلزامه بشيء لا يستطيعه فيه حرج، وقد نفى الله في هذا الدين الإسلامي الحرج عن الأمة فقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78].
وهذا القول قول وسط بين من يُلزمه الجمعة مطلقًا، ومن لا يلزمه مطلقًا.
(مكلف) المكلف عند العلماء من جمع وصفين: البلوغ والعقل، لما يُذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ» (7)، ولكن هل يؤمر بها الصغير؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم يؤمر بها ويضرب عليها، يؤمر بها لسبع ويضرب عليها لعشر، لدخولها في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ» (8).
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، قلنا: إنه ما يأخذ إلا سلاحًا دفاعيًّا وألا يثقله، أقول: أحسن الله إليك، العادة جرت الآن بأن يعني أجهزة الأمن أو الجيوش تجهز الجنود بأسلحة حسب المواقع التي يوضعون فيها، فالجندي ما يملك أن يكون السلاح دفاعيًّا أو هجوميًّا، ثم مسألة يعني ثقل السلاح أيضًا هذا ما يملك الجندي؛ لأن مثل الأسلحة الحديثة اليوم لو توضع في الأتربة فسدت، فهو مضطر إلى حملها لو كان ثقيلًا.
الشيخ: على كل حال إحنا قلنا قاعدة عامة، أن نطبق من صلاة الخوف ما يمكن أن يكون أقرب إلى عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، يعني معناه: أنه إذا كان لا بد أن يحمل سلاحًا ثقيلًا مثلًا، نقول: ينظر أخف ما يكون، فإذا كان لا بد من الثقيل يحمل ثقيلًا.
طالب: كيف حصل ضلال أهل الكتاب عن يوم الجمعة؟
الشيخ: إي لأنهم اختلفوا فيه.
الطالب: كيف حصل؟
الشيخ: ما (... ) ما نعرف، الرسول أخبر أنهم اختلفوا فيه، ثم هدانا الله إياه، يمكن بعضهم قال: لا نجعله يوم السبت لأنه به انتهاء الخلق، يعني لأن الله خلق الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، قالوا: هذا نهاية الخلق أنسب، ما ندري عن سبب الاختلاف.
الطالب: أقول: أنبياؤهم ما أمروهم بهذا اليوم أنهم مخصوصون بهذا اليوم.
الشيخ: الظاهر أن أنبياءهم أمروهم بذلك، لكن اختلفوا كما اختلفوا في غيرها من شعائر إسلامهم.
الطالب: اختلفوا مع أنبيائهم؟
الشيخ: بعد الأنبياء.
طالب: أقول يا شيخ: إذا قلنا بالتفصيل، إذا لم يأذن له سيده فإنه لا يذهب للصلاة، إن كنا اعتبرنا العلة (... ) صحيحه؛ لأنه: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، لهذه الصورة اعتبرنا نهي.
الشيخ: لا؛ لأنا نقول في هذه الصورة: لم يوجبه الله عليه.
الطالب: كيف؟
الشيخ: نقول: لم يوجبه الله عليه، كما قالوا في الحارس، الحارس قالوا: له أن يبقى في حراسته ولا يصلي، استأجرت إنسانًا يحرس نخلك مثلًا، لا تلزمه الجماعة ولا الجمعة.
طالب: بالنسبة لصلاة الخوف إذا كانوا مجموعة في سيارتهم السواق يصلي بهم؛ لأنهم لا يستطيعون (... ) مدافعة (... ).
الشيخ: إي نعم يصلونها على حسب حالهم.
الطالب: يعني: يصلون جماعة ولَّا؟
الشيخ: يصلون جماعة، ولو بالإيماء، ولو إلى غير القبلة، حسب حالهم أبدًا ﴿اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، هذه الآية -ولله الحمد- قاعدة من أحسن ما ينبني عليه الأحكام.
طالب: الحر يمكن أن يكون عبدًا يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم، يمكن أن يكون عبدًا.
طالب: (... ) أنه لا يمكن أن يكون عبدًا، الحر.
الشيخ: لا، ما يقولون هذا أبدًا، لكن هذا يمكن فهمك، إذا كان حرًّا كافرًا، وقاتلناهم وسبيناهم، يمكن يكون رقيقًا ولّا ما يمكن؟
طلبة: يمكن.
الشيخ: إي نعم؟
الطالب: الحر مسلم.
الشيخ: لا، المسلم أصله ما يمكن أن يرد عليه رق، المسلم؛ لأن سبب الرق هو الكفر، نعم لو كان هذا الحر المسلم ابنًا لأمة صار رقيقًا؛ لأن الإنسان يتبع أمه في الحرية والرق.
طالب: رضي الله عنك، كلام الرسول صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أم مكتوم لما يقول: «أَجِبْ (... )» (9) ترى رأي شيخ الإسلام في (... ).
الشيخ: كيف؟
الطالب: أمر الرسول صلى الله عليه وسلم (... ) لعبد الله بن أم مكتوم لما يقول: «أَجِبْ (... )» هو الآن (... ) شيخ الإسلام (... ) صلاة الجماعة أنها شرط.
الشيخ: لكن ماذا نقول في قول الرسول: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» (1).
الطالب: بالنسبة لعبد الله.
الشيخ: ما يخالف، قال: «لَا أَجِدُ لَكَ رُخْصَةً» (10)، لكن ما قال: إن صليت وحدك بطلت صلاتك.
طالب: شيخ الآن (... ) سبب علة لترك الجماعة إذا كانوا مجتمعين يكونوا في طيارة يعلم العدو أنهم الآن مجتمعون في صلاتهم فيطلع الطيارة ويقصف المصلين؟
الشيخ: هنا نجعل الطائفة اللي تحرس بالطيارات، بدل ما (... ) صف القتال يكون في السماء، خلي الطائفة اللي تحرس في الطيارات.
الطالب: ما يكون علة لترك الجماعة يا شيخ؟
الشيخ: ما يخالف إذا كان ما يمكن إقامة الجماعة يكون (... )، نحن قلنا لكم: قاعدة أساليب الحرب اختلفت الآن، فيجب الإنسان يكون بأقرب ما يكون لصفات عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.
طالب: إذا كانوا يصلون صلاتهم أو (... ) الحرب، هل يقطعون صلاتهم؟
الشيخ: ولا أيش؟
الطالب: بدأ القتال، يقطعون صلاتهم.
الشيخ: يعني: هجموا عليهم؟
الطالب: نعم.
الشيخ: لا، نكمل وإحنا هاجمين.
ما حكم الجمع عند وجود سببه؟
طالب: (... ).
الشيخ: وعلى ما ذهب إليه المؤلف؟
طالب: جائز.
الشيخ: جائز وليس بسنة.
حكمه على رأي المؤلف جائز وليس بسنة، والصحيح؟
الطالب: أنه مستحب عند وجود سببه.
الشيخ: ما هو دليل الجمع عند وجود سببه؟
طالب: عند وجود سببه.
الشيخ: عند وجود سببه.
الطالب: فعل الرسول.
الشيخ: فعل الرسول، ما هو؟ اقرأ علي الحديث.
الطالب: ما أعرف.
الشيخ: هل يمكن واحد يقوم أمام الناس يحدثهم ويقول: يجوز الجمع بحديث لا أعرفه؟ ! لازم تعرف الدليل.
طالب: (... ) «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ» (11).
الشيخ: إي لكن ما هو الدليل؟
الطالب: الدليل فعل النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عباس.
الشيخ: حديث ابن عباس.
الطالب: أنه صلى، أنه جمع بين..
الشيخ: أن النبي..
الطالب: أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين المغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر.
الشيخ: جمع في المدينة بين الظهر والعصر، وبين المغرب..
الطالب: والعشاء.
الشيخ: من غير..
الطالب: من غير خوف ولا مطر
الشيخ: من غير خوف ولا مطر، طيب.
الطالب: فهذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضًا: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (12).
الشيخ: طيب، ابن عباس سئل عن هذا لماذا صنع ذلك، ماذا قال؟
الطالب: قال: أراد ألا يحرج أمته (13).
الشيخ: أراد ألا يحرج أمته، إذن فيؤخذ منه أنه متى كان الحرج في ترك الجمع جاز..
الطالب: الجمع.
الشيخ: جاز الجمع.
طالب: الجمع الصوري؟
الشيخ: لا، الجمع الصوري ذكرنا فيه أنه لا وجود له، وأن الجمع الصوري يجعل الرخصة حرجًا، من يراقب الشمس حتى إذا لم يبق من وقت الظهر إلا مقدار صلاة الظهر من يراقب؟ ! في ذلك الوقت ما فيه الساعات تضبط بالتحديد.
للجمع في وقت الأولى شروط، ما هي؟
طالب: اشتراط نية الجمع عند إقامتها، أي: عند إقامة الأولى، الشرط الأول: أن ينوي الجمع عند إقامة الأولى.
الشيخ: هذه واحدة.
الطالب: إي نعم، وألَّا يفرق بينهما..
الشيخ: الموالاة..
الطالب: الموالاة.
الشيخ: بحيث لا يفرق..
الطالب: بينهما إلا بمقدار إقامة ووضوء خفيف، والثالث: أن يكون عذره موجودًا عند افتتاحهما وسلام الأولى.
الشيخ: وسلام الأولى.
هذا ما ذهب إليه المؤلف، قال: (لأن الجمع لا يتحقق إلا بذلك).
هل هناك خلاف في الشرط الأول؟
طالب: الشرط الأول؟
الشيخ: نعم.
الطالب: فيه خلاف، أن نية الجمع ليست بشرط.
الشيخ: أن نية الجمع عند إحرام الأولى ليست بشرط.
الطالب: بل الشرط وجود سبب الجمع عند الجمع.
الشيخ: عند الجمع، وعلى هذا لو لم ينوِ الجمع إلا بعد سلام الأولى؟
الطالب: جاز.
الشيخ: إذا وجد السبب؟
الطالب: جاز.
الشيخ: جاز الجمع، أحسنت، وعلى اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية هو الصحيح.
الشرط الثاني فيه خلاف؟ وهو الموالاة بينهما؟
طالب: الموالاة؟ (... ) فيه خلاف.
الشيخ: فيه خلاف، مع من؟ من المخالف؟ المؤلف يرى أنه لا بد من الموالاة.
الطالب: قول ثان أنه لا يشترط الموالاة.
الشيخ: طيب من قاله؟
الطالب: شيخ الإسلام ابن تيمية.
الشيخ: شيخ الإسلام ابن تيمية، ما هو سبب الخلاف؟
الطالب: سبب الخلاف؟
الشيخ: نعم بين شيخ الإسلام وبين من يرى أنه لا بد من الموالاة؟
الطالب: الذين يرون أنه لا بد من الموالاة يقولون: إنه إذا فرق بينهما وجد فاصل.
الشيخ: إي ما هو هذا، هذا علة بالحكم، تعليل بالحكم ما ينفع.
طالب: الذين قالوا بشرط الموالاة فقالوا: إن الجمع هو ضم الصلاة إلى الأخرى.
الشيخ: ضم الصلاة إلى الأخرى، وهذا لا يتحقق مع وجود..
الطالب: مع وجود الفاصل.
الشيخ: طيب، والذين قالوا بالجواز؟
الطالب: قالوا: إنه ضم الوقت إلى وقت الأخرى، بحيث يكون الوقت وقتًا واحدًا.
الشيخ: ضم الصلاتين بعضهما إلى بعضهما في الوقت، بحيث يكون الوقتان وقتًا واحدًا.
إذا جمع في وقت الثانية أيش يشترط، كم شرطًا؟
طالب: شرطان.
الشيخ: شرطان؟
الطالب: إي نعم، الشرط الأول: أن ينوي الجمع في وقت الأولى.
الشيخ: أن ينوي الجمع في وقت الأولى بشرط ألَّا؟
الطالب: إن لم يضق عن وقتها.
الشيخ: إن لم يضق عن وقتها.
الطالب: وأن يستمر العذر إلى دخول وقت الثانية، صح؟
الشيخ: إلى دخول وقت الثانية.
صح؟
طلبة: صح.
الشيخ: طيب، لماذا قيد المؤلف الحكم بقوله: (إن لم يضق عن فعلها).
الطالب: إنما جاء للجمع رخصة، وتأخير الصلاة يعني حتى يضيق وقتها محرم لا يجوز، والرخص لا تستباح بالمعاصي.
الشيخ: أحسنت، واضح يا جماعة؟ يقول: لأنه إذا أخر الصلاة الأولى حتى يضيق الوقت فهذا محرم، والجمع رخصة، ولا تستباح الرخص بالمحرم.
طيب ما الفائدة، هو الآن يبغي يصلي وسيخرج الوقت قبل انتهاء الصلاة، ما الفائدة إذا صلى بعدها الثانية؟
الطالب: أنه يؤدي الصلاة الأولى قضاءً.
الشيخ: أنه إذا قلنا بعدم الجمع صار آثمًا وصارت الصلاة.
الطالب: بعضها مؤدى وبعضها مرفوض.
الشيخ: إذا لم يدرك منها تكبيرة الإحرام صارت قضاء، طيب، وعلى القول بأنه يمكن الجمع في هذه الحال؟
الطالب: فإنه لا يأثم.
الشيخ: لا يأثم ولا تكون قضاء.
ما تقول في رجل نوى الجمع لمرضٍ -جمعَ التأخير- ثم شفاه الله قبل دخول وقت الثانية؟ ما جمع إلى الآن؟
طالب: يصلي.
الشيخ: يجب أن يصلي الصلاة في وقتها، الأولى؛ لأن سبب الجمع قد زال.
ما تقول في رجل نوى التأخير، جمع التأخير وهو مسافر، فقدم بلده قبل خروج وقت الأولى، هل يجوز الجمع؟
طالب: لا.
الشيخ: لماذا؟
طالب: لأن سبب الجمع..
الشيخ: لأن سبب الجمع وهو السفر قد؟
طلبة: قد زال.
الشيخ: قد زال، إذن يجب عليه أن يصلي الصلاة في وقتها، الصلاة الأولى، جوابك ما هو؟
الطالب: (... ).
الشيخ: لكنك لست متكئًا على ركن شديد.
طالب: متكئ إن شاء الله.
الشيخ: متأكد؟
الطالب: إن شاء الله.
الشيخ: ويش تقولون يا جماعة؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح؟ يجب عليه أن يصلي، ترى أخر لأنه مسافر، وقدم بلده قبل خروج وقت الصلاة الأولى.
طلبة: لا، يصليها في وقتها.
الشيخ: يجب أن يصليها في وقتها؟
طلبة: يجب.
الشيخ: ليش؟
طلبة: زال العذر.
الشيخ: لأن العذر زال.
طيب، لو تجدد عذر مثلًا، هل له أن يؤخره؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وصل إلى بلده لكن تجدد عذر، مثلًا مرض، يجوز الجمع؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يجوز الجمع لكن بالسبب الجديد لا بالسبب الأول.
هل صلاة الخوف مشروعة؟
طالب: مشروعة إذا تحقق سببها.
الشيخ: إذا وجد سببها، ثبتت بالقرآن أو بالسنة؟
الطالب: ثبتت بالقرآن وبالسنة.
الشيخ: بالقرآن والسنة؟ اذكر الآيات اللي ثبتت بها؟
الطالب: أما ما ثبت بالقرآن فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: 102].
الشيخ: طيب خلاص، هذه من القرآن، من السنة؟
طالب: وأما من السنة فقد جاء عند مسلم من حديث جابر، حديث طويل.