الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 3645-3684

أما النسب؛ فالمَحْرَّم هو الأب، والابن، والأخ، والعم، وابن الأخ، وابن الأُخت، والخال.
كم هؤلاء؟ هؤلاء سبعة؛ الأب، والابن، والأخ، والعم، والخال، وابن الأخ، وابن الأُخت.
هؤلاء سبعة، هؤلاء محارم بالنسب، هؤلاء يحرمون على التأبيد أو إلى أمد؟ على التأبيد.
السبب المباح قلنا: ينحصر في شيئين: المصاهرة والرضاع؛ فالرضاع، المحرَّم من الرضاع كالمحرم من النسب سواء، فيكون محرمها من الرضاع أباها من الرضاع، ابنها من الرضاع، أخاها من الرضاع، عمها من الرضاع، خالها من الرضاع، ابن أخيها من الرضاع، وابن أختها من الرضاع.
سبعة من الرضاع وسبعة من النسب، هؤلاء كم؟ أربعة عشر.
المحارم بالمصاهرة أربعة أنواع: أبو زوج المرأة، وابن زوج المرأة، وزوج أم المرأة، وزوج بنت المرأة.
لكن ثلاثة يكونون محارم بمجرد العقد؛ وهم أبو زوج المرأة وابن زوج المرأة وزوج بنت المرأة، أما زوج أمها فإنه لا يكون محرمًا لها إلا إذا دخل بأمها.
وقول المؤلف: (بسبب مباح) خرج منه ما ثبت التحريم به بسبب مُحَرَّم؛ مثل: أم المزنيِّ بها، وأم الملوط به وبنتها، على القول بأن ذلك يوجب التحريم.
يعني: رجل زنا بامرأة، فهل يكون محرمًا لأمها؟ لا.
أمها حرام عليه؟ حرام عليه على التأبيد؛ أمها حرام عليه على التأبيد.
بنتها حرام عليه على التأبيد.
ومر علينا هذا في المحرمات بالنكاح.

ولكن القول الراجح أن أم المزني بها ليست حرامًا على الزاني، وأن بنت المزني بها ليست حرامًا على الزاني؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وأَحَلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24]، وفي قراءة أخرى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، ولم يذكر الله عز وجل أم المزني بها وبنتها، وإنما قال: ﴿أُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: 23]، ومعلوم أن المزني بها ليست من نسائه قطعًا؛ لأن نساءه زوجاته، فهي ليست من نسائه، فإذا لم تكن من نسائه فإنه لا يصح أن يُلْحَق السفاح بالنكاح الصحيح.
فالقول الراجح أن أم المزني بها وبنت المزني بها ليست حرامًا على الزاني، فإذا تاب من الزنا جاز أن يتزوج أم المزني بها وبنتها.
الموطوءة بشبهة، هل تدخل في ذلك أو لا؟ بمعنى: لو وطئ امرأة بشبهة؛ شبهة عقد، أو شبهة اعتقاد، فهل هو محرم لأمها؟ المذهب: لا؛ لأن هذه المرأة الموطوءة بشبهة لا تحل له في باطن الأمر، فتحريم أمها أو بنتها بسبب غير مباح.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن أم الموطوءة بشبهة وبنتها من محارمه؛ قال: لأنه حين وطئ هذه المرأة يظنها من حلائله، فيترتب على هذا الوطء ما يترتب على الوطء المباح.
وعلى هذا فمن وَطِئ امرأة بشبهة فإن أمها تكون حرامًا عليه وهي من محارمه أيضًا، وبنتها كذلك تكون حرامًا عليه وهي من محارمه؛ فصار المذهب: التسوية بين المزني بها والموطوءة بشبهة في أن أمها وبنتها ليستا من محارم الواطئ.
والصحيح التفريق بينهما، وأن أم الموطوءة بشبهة وبنتها من محارم الواطئ؛ لأنه وطئ وهو يظن أنه وطء حلال.

ولنضرب لهذا مثلًا؛ رجل تزوج امرأة، ثم بعد ذلك تبين أنها أخته من الرضاع، وطؤه إياها؟ بشبهة؛ لأنه لا يعلم التحريم حين الوطء.
فهل نقول: إن أم هذه الزوجة حرام عليه؟ نقول: نعم، هي حرام عليه لا إشكال في هذا، لكن هل هي من محارمه؟ الجواب: نعم، هي من محارمه؛ لأنه حين وطئ المرأة التي تزوجها يعتقد أنها حلال له.
فهذا وطء شبهة.
والخلاصة أن المحرم مَنْ تَحْرُم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح، والسبب شيئان: الرضاع والمصاهرة.
هل المرأة التي تحرم عليه إلى أمد من محارمه كأخت زوجته مثلًا؟ ليست من محارمه؛ لأنها ليست على التأبيد، على أننا نبهناكم حين شرح المحرمات وقلنا: إن أخت الزوجة ليست حرامًا على الزوج، الحرام هو الجمع؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: 23]، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» (6). من هو المحرم؟ مَحْرَم المرأة من؟ طالب: زوجها، أو من تحرم عليه بسبب مباح.
الشيخ: أو مَنْ تَحْرُم عليه على التأبيد لنسب أو سبب مباح.
هل يشترط للمحرَم شروط؟ الجواب: نعم، يشترط أن يكون مسلمًا، فإن كان كافرًا فليس بمحرَم، وظاهر كلام الأصحاب أنه ليس بمحرم، سواء كانت المرأة موافقة له في الدين أو مخالفة، وبناء على ذلك يكون الأب الكافر ليس محرمًا لابنته الكافرة، ويكون الأب الذي لا يصلي غير محرم لابنته التي تصلي، لماذا؟ لأن من شرط المحرم أن يكون مسلمًا، وغير المسلم ليس بمحرم.
ولكن الصحيح خلاف ذلك، وأن الإنسان محرم لمن يوافقها في الدين، فأبو المرأة الكافرة إذا كان كافرًا يكون محرمًا لها، ولا نمنعه من السفر هو وابنته مثلًا.
الأب الكافر يكون محرمًا للمسلمة؟ نقول: يكون محرمًا لها لكن بشرط أن يُؤمَن عليها، فإن كان لا يؤمن عليها فليس بمحرم ولا تُمكَّن من السفر معه.

يشترط أيضًا أن يكون بالغًا، فالصغير لا يكفي أن يكون محرمًا؛ ووجه ذلك أن المقصود من المحرم حماية المرأة وصيانتها، ومن دون البلوغ لا يحصل منه ذلك.
يشترط أن يكون عاقلًا؛ فالمجنون لا يصح أن يكون محرمًا ولو كان بالغًا؛ لأنه لا يحصل بالمجنون حماية المرأة وصيانتها وكفايتها.
يقول: (وهو زوجُها أو مَنْ تَحْرُم عليه).
الشروط الآن كم صارت؟ ثلاثة: أن يكون مسلمًا بالغًا عاقلًا.
هذه شروط المحرم، أما إذا فُقد المحرم البالغ العاقل المسلم، فإنه لا يجب عليها الحج، أو وجد لكن أبى أن يسافر معها، فإنه لا يجب عليها الحج.
فإذا بذلت له النفقة وقالت: حُجَّ معي وأنا أضمن جميع النفقة التي تنفقها في هذا الحج، فهل يلزمه أن يحج معها؟ لا يلزمه؛ لأن ذلك واجب لغيره.
وقال بعض العلماء: بل يلزمه؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال للرجل الذي قال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكْتُتِبْتُ في غزوة كذا وكذا، قال: «انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ» (7)، فأمره أن ينطلق، والأصل في الأمر الوجوب.
ولأنه إذا كانت المرأة ستتكفل بجميع النفقة لا ضرر عليه في الغالب، ولا سيما إذا كان لم يؤدِّ حج الفريضة؛ فإنه في هذه الحال قد نقول: إنه يجب عليه من وجهين: لأداء الفريضة، ولقضاء حاجة هذه المرأة.
والذي يظهر أنه لا يجب عليه الموافقة، ولا يلزمه السفر معها.
وأما الحديث فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمره أن يحج مع امرأته؛ لأن المرأة الآن قد شرعت في السفر، ولا طريق إلى الخلاص من ذلك إلا أن يسافر معها.
قال: (وإن مات مَنْ لَزِمَاه أُخْرِجا من تَرِكَتِه).

(من لزماه) يعني: من تمت الشروط في حقه؛ وجوب الحج أو العمرة، ثم مات فإنهما تخرجان (من تركته).
قبل الإرث؟ قبل الإرث.
وقبل الوصية؟ نعم؛ لأن ذلك دَيْن لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «دَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ» (8)، فيؤخذ من تركته ما يكفي للحج، وما بقي فإنه للوصية والورثة.
وهل يشترط أن يوصي بذلك أو يُخْرج من تركته سواء أوصى أو لم يوصِ؟ الجواب: الثاني؛ أنه يخرج من تركته سواء أوصى أو لم يوص، كما أنه لو كان عليه دين أخرجناه من تركته سواء أوصى به أم لم يوص به.


[باب المواقيت] ثم قال المؤلف رحمه الله: (بَابُ المَوَاقِيْتِ).
(المواقيت) جمع ميقات، وهو مأخوذ من الوقت، وهو زماني ومكاني؛ يعني: قد يراد بالميقات الوقت الزمني، وقد يراد به المكان، وهو هنا يراد به الزمان ويراد به المكان.
قال المؤلف: (وميقات أهل المدينة ذو الحليفة).
(ميقات) مبتدأ و (ذو) خبر، و (الحليفة) تصغير الحِلْفَاء، وهو شجر بري معروف، وسمي هذا المكان بهذا الاسم لكثرته فيه، تبعد عن المدينة ستة أميال أو سبعة، وتبعد عن مكة عشرة أيام، وعلى هذا فهي أبعد المواقيت عن مكة.
(وأهل اليمن وأهل الشام ومصر والمغرب الجحفةُ).
ما الذي جاء بأهل مصر والمغرب إلى الجحفة؟ لأنه لم تكن هناك قناة السويس، كانت القارة الأفريقية والآسيوية يمكن العبور من واحدة لأخرى عن طريق البر؛ يعني ليس فيه قناة السويس، فيأتي أهل الشام من طريق البر، وكذلك أهل المغرب من طريق البر ويمرون بالجحفة.
والجحفة قرية قديمة اجتحفها السيل واجترفها وزالت، وكذلك أيضًا حَلَّ بها الوباء الذي دعا النبي صلى الله عليه وسلم أن ينقله من المدينة إلى الجحفة فقال: «اللَّهُمَّ انْقُلْ حُمَّاهَا -أي حمَّى المدينة- إِلَى الْجُحْفَةَ» (9)، لأنها كانت إذ ذاك بلاد كفر، أو أهلها غالبهم كفار، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أن ينقل الله حمى المدينة إليها.

لما خَربت الجحفة وصارت غير مكان مناسب للحجاج، جعل الناس بدلها رابغًا، ولا يزال الآن موجودًا، وهو أبعد منها قليلًا عن مكة.
وعلى هذا فمن أحرم من رابغ فقد أحرم من الجحفة وزيادة.
بينها وبين مكة نحو ثلاثة أيام، الفرق بينها وبين المدينة كم؟ سبعة أيام.
(ولأهل اليمن يلملم)، ميقات أهل اليمن (يلملم)، و (يلملم) قيل: إنه مكان، وقيل: إنه جبل؛ يعني: مكان يسمى يلملم، وقيل: إنه جبل يسمى يلملم، والميقات عند هذا الجبل، وأيًّا كان فهو معروف.
(ولأهل نجد قرنُ المنازل) المؤلف يقول: (قرن)، ويقال: قرن المنازل، وقيل: إنه يقال له: قرن الثعالب.
ولكن الصحيح أن قرن الثعالب غير قرن المنازل.
(ولأهل المشرق ذاتُ عِرْق)، وسُمِّي هذا المكان بذات عرق؛ لأن فيه عرقًا وهو الجبل الصغير.
هذه الثلاثة؛ يلملم وقرن المنازل وذات عرق متقاربة، هي عن مكة نحو ليلتين، وذات عرق أبعد من قرن المنازل.
وهل هذه الأسماء باقية إلى الآن في هذه المواقيت؟ الجواب: لا، فذو الحليفة تُسْمَّى أيش؟ أبيار عليٍّ، والجحفة صار بدلها رابغًا، يلملم صار يُسمَّى السعدية، قرن المنازل يُسمَّى السيل، ذات عرق تسمى الضَّريبَة، ولكن الأمكنة -والحمد لله- ما زالت معلومة مشهودة للمسلمين لم تتغير.


طالب: أبو الزوج من الرضاعة هل يكون مَحْرمًا لزوجته؟ الشيخ: يقول: أبو الزوج من الرضاع هل يكون محرمًا لزوجته؟ ما الجواب؟ أما ما عليه الجمهور فهو محرم، وأما على القول الراجح فليس بمحرم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» (10)، وأبو الزوج وابن الزوج محرمان من الرضاع.

طالب: يا شيخ -أحسن الله إليكم- لو أن العبد أو المرأة؛ الزوجة نذرت أو العبد نذر أن يحج (... )، فلو نذر وأحرم بغير إذن سيده، وكذلك الزوجة أحرمت بغير إذن زوجها (... ) فهل يجوز للزوجة (... ).

الشيخ: إذا أحرم العبد بلا إذن سيده فلسيده أن يحلله، وإذا أحرمت الزوجة بنفل دون إذن زوجها فله أن يحللها.
طالب: شرعًا (... ) فعلمت أنه لا يجوز.
الشيخ: وهي مسافرة؟ الطالب: (... ). الشيخ: إي نعم، ففي هذه الحال تستمر للضرورة؛ لأنها الآن لو رجعت إلى بلدها سترجع بسفر وتكون مسافرة بلا محرم، فنقول: من أجل الضرورة تستمر، كما لو مات محرمها في الطريق؛ لو مات محرمها في الطريق فإن كان قريبًا من البلد رجعت، وإن كان بعيدًا خُيِّرَت بين الرجوع وبين الاستمرار.
طالب: ولو بعد الإحرام؟ الشيخ: ويش لونه؟ الطالب: يعني: أحرمت (... )؟ الشيخ: لا، بعد الإحرام ما يمكن ترجع؛ لأنها إن رجعت فإما أن نحكم بأنها محصرة وحينئذ يفوتها الحج، وإما أن نقول: تبقى لأنها شرعت فيه فيلزمها الإتمام.
طالب: النساء خروجهن بعضهن مع بعض للحج هل يعتبر (... )؟ الشيخ: ركوبهن مع بعض؟ الطالب: خروج النساء للحج بعضهن مع بعض (... )؟ الشيخ: هؤلاء ليس معهن محارم.
الطالب: لا (... ). الشيخ: لا، ما يجوز، الصحيح أنه لا فرق بين المرأة الآمنة وغير الآمنة، حتى الآمنة التي معها نساء ولا تخشى على نفسها لا يحل لها أن تسافر؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يقل: هل امرأتك آمنة أو غير آمنة.

طالب: بالنسبة (... ) يدخل فيه البدعة والسنة؟ الشيخ: اختلاف الدين لا يدخل فيه البدعة إلا إذا كانت البدعة مكفرة، إذا كانت البدعة مكفرة فنعم لا يكون الكافر محرمًا للمسلمة.
الطالب: بالنسبة للرافضة؟ الشيخ: الرافضة طبقات، بعضهم كافر وبعضهم غير كافر، يختلفون.
طالب: ذكرتم من المحارم التي تكون محرمًا بالمصاهرة ذكرت أبو الزوج (... ) إذا كان امرأة زوج ابنتها، فهل هم من المحارم؟ الشيخ: زوج ابنتها؛ تكون المرأة أم زوجته، ولّا لا؟ وأم الزوجة حرام ولّا غير حرام؟ حرام ما فيه شك، فتدخل في هذا الضابط.

طالب: إذا كان الفقير حج وكان نائبًا وبرئ المنيب قبل الإحرام، لماذا لا يقع الحج على الفقير فرضًا وتكون الأجرة يتحملها أي يؤديها للمنيب إذا برئ المنيب قبل الإحرام؟ الشيخ: إذا عوفي المنيب قبل الإحرام، هذا النائب سيحج على أنه لزيد الذي أنابه، ما هو عن نفسه.
الطالب: هو ما حج عن فرض يا شيخ؛ حديث شبرمة (1). الشيخ: لم يجب عليه الفرض؛ هذا الرجل الآن لم يجب عليه الفرض لأنه معسر.
طالب: ما رأيك -يا شيخ- في أصل توكيل الناس لأداء الحج عمن أدى الفريضة عن نفسه، ولكن يريد أن يحج مرة أخرى وهو غير قادر (... ) يوكل غيره، ما رأيك؟ الشيخ: يعني: هل تجوز الاستنابة في حج النفل؛ قصدك؟ الطالب: إي، في حج النفل، ما رأيك في هذا؟ الشيخ: إنسان أدى الفريضة ويريد أن يُوَكِّل من يحج عنه حج تطوع؟ من العلماء من يقول: يجوز إذا جاز أن ينيب في حج الفريضة؛ يعني بأن كان هذا المنيب مريضًا مرضًا لا يُرْجَى برؤه أو كبيرًا أو ما أشبه ذلك، أما الإنسان الصحيح فإنه لا يجوز أن ينيب عنه أحدًا في النفل، وهذا هو الصحيح.
الطالب: ورأيك يا شيخ؟ الشيخ: هذا هو الصحيح، أما المذهب فيجوز للإنسان القادر أن يتفق مع شخص بأن يحج عنه، والصحيح أنه لا يجوز لأنه لم يرد إلا في العاجز.
طالب: أحسن الله إليك، اشتهر عند الناس أنه إذا كانت هناك مرأة لا محرم لها أنه يجوز أن تحج مع نساء لهن محارم في قافلة واحدة، هل هذا صحيح؟ الشيخ: هذا ليس بصحيح إلا على رأي من يرى أن المرأة إذا كانت آمنة فإنها تسافر، ويقول: إن العلة في وجوب المحرم الخوف على المرأة، فإذا كانت آمنة فلا خوف عليها.
ولكن ظاهر حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال للرجل: «انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ» (7) دون أن يستفصل أنه لا يجوز أن تسافر المرأة بدون محرم سواء كانت آمنة أم غير آمنة.


الطالب: وهي لأهلها ولمن مَرَّ عليها من غيرهم، ومن حجَّ من أهل مكةَ فَمِنْها وعمرتُه من الحِلِّ، وأشهرُ الحجِّ شوال وذو القعدة، وعَشْرٌ من ذي الحجة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين.
سبق لنا أن المواقيت عشرة؟ ! طالب: لا، خمسة.
الشيخ: عشرة.
الطالب: خمسة.
الشيخ: خمسة؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ما هي؟ الطالب: ذو الحليفة، والجحفة، ويلملم، وذات عرق، وقرن المنازل.
الشيخ: نعم، خمسة.
ذو الحليفة ميقات لمن؟ طالب: لأهل المدينة.
الشيخ: لأهل المدينة.
الجحفة؟ طالب: الشام ومصر والمغرب.
الشيخ: يلملم؟ طالب: أهل اليمن.
الشيخ: قرن المنازل؟ طالب: قرن المنازل؟ الشيخ: نعم.
الطالب: لأهل نجد.
الشيخ: لأهل نجد.
ذات عرق؟ طالب: لأهل المشرق.
الشيخ: لأهل المشرق.
هذه المواقيت هل وقَّتَها الرسول عليه الصلاة والسلام أم هي باجتهاد من الصحابة؟ طالب: ثبت في الصحيحين عن الأربعة.. الشيخ: السؤال: هل هذه وقتها الرسول أم هي باجتهاد من الصحابة؟ الطالب: لا، أربعة متفق عليها أنها.. الشيخ: أنها من الرسول؟ الطالب: نعم.
الشيخ: وهي؟ الطالب: وهي ذو الحليفة والجحفة وقرن ويلملم، وذات عرق مختلف فيها.
الشيخ: نعم، هل هو.. ؟ الطالب: ورد في صحيح مسلم (11) أن النبي صلى الله عليه وسلم وقتها، ولكن في رفعه شك، يعني: شك الراوي في رفعه.
الشيخ: نعم.
الطالب: وورد في غيره.. الشيخ: وصح عن عمر أنه؟ الطالب: وَقَّتها.
الشيخ: وقتها.
ما اسم ذي الحليفة في العرف؟ طالب: أبيار علي.
الشيخ: أبيار علي.
الجحفة ما اسمها في العرف؟ طالب: (... ). الشيخ: اسمها رابغ الآن؟ الطالب: لا، (... ). الشيخ: نقلت إلى رابغ؛ لأنها خربت فنُقِلَت إلى رابغ.
يلملم اسمه؟ طالب: السعدية.
الشيخ: السعدية لأهل اليمن.
قرن المنازل؟ طالب: (... ). الشيخ: أيش؟ الطالب: السيل الكبير.
الشيخ: السيل الكبير، صح.
ذات عرق؟ طالب: الضريبة.
الشيخ: ما هي أبعد المواقيت عن مكة؟

طالب: ذو الحليفة.
الشيخ: ذو الحليفة.
ثم؟ طالب: ثم الجحفة.
الشيخ: ثم الجحفة، والثلاث الباقية؟ الطالب: متقاربة.
الشيخ: متقاربة.


يقول قائل: لماذا هذا التفريق بين هذه المواقيت فبعضها بعيد وبعضها قريب؟ والجواب على هذا السؤال: أنه لا ينبغي إيراده؛ لأن هذا السؤال نظيره أن يقول قائل: لماذا كانت الظهر أربعًا والعصر أربعًا والمغرب ثلاثًا والفجر اثنتين؟ لماذا لم تكن الظهر ثمانية والعصر كذلك والعشاء كذلك والمغرب خمسًا والفجر أربعًا؟ فالعبادات المقدَّرة لا يَرِد السؤال عنها؛ لأن موقف الإنسان منها أن يقول: سمعنا وأطعنا، لكن مع ذلك لا حرج على الإنسان أن يلتمس الحكمة؛ لأن الاطلاع على الحكمة مما يزيد الإنسان طمأنينة.
الحكمة -والله أعلم- أنه بَعُد ميقات أهل المدينة من أجل أن تقرب خصائص الحرمين بعضهما من بعض، فالمدينة حرم ومكة حرم، وحرم مكة محدود، لكن الإحرام بالنسك من خصائص أيش؟ حرم مكة، فكان من الحكمة ألا يخرج الإنسان من حدود حرم المدينة إلا قليلًا حتى يدخل فيما يختص بحرم مكة؛ هذا -والله أعلم- هو الحكمة.
أما البقية فلعلها -والله أعلم- أن الجحفة في ذلك الوقت هي أعمر قرية كانت حول طريق أهل الشام، وأما الثلاث الباقية فمتقاربة.
ثم هذه المواقيت وقَّتها النبي عليه الصلاة والسلام لأهلها ولمن مَرَّ عليهم من غيرهم؛ ولهذا قال المؤلف: (وهي لأهلها).
(هي) الضمير يعود على المواقيت.
(لأهلها) أي: أهل هذه الأماكن المذكورة؛ المدينة، الشام، اليمن، نجد، المشرق.
هذه المواقيت لأهل هذه البلاد.
(ولمن مَرَّ عليها من غيرهم)، إذا مَرَّ أحد من أهل نجد بميقات أهل المدينة فإنه يُحْرِم منه، ولا يكلَّف أن يذهب إلى ميقات أهل نجد.

وإذا مر أهل اليمن من ميقات أهل المدينة فإنهم لا يُكَلَّفون الذهاب إلى يلملم لما في ذلك من المشقة؛ فكان من تسهيل الله عز وجل أن مَن مر بهذه المواقيت فإنه يحرم من أول ميقات يمر به؛ فإذا كنت من أهل نجد ومررت بميقات أهل المدينة فأمامك بين يديك ميقات آخر: وهو الجحفة، أمامك الجحفة؛ لأن الجحفة من بعد ذي الحليفة، فهل تؤخِّر إلى الجحفة أو لا بد أن تحرم من ذي الحليفة؟ نقول: لا بد أن تُحْرِم من ذي الحليفة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «وَلِمَنْ مَرَّ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِهِمْ» (12)، فإذا وصلت إلى هذا الميقات وأنت تريد الحج أو العمرة وجب عليك الإحرام منه.
واختلف العلماء فيما إذا مر الشاميُّ بميقات أهل المدينة، هل له أن يؤخر الإحرام إلى الجحفة التي هي الأصل في ميقات أهل الشام؟ اختلفوا في ذلك على قولين: فالجمهور على أنه ليس له أن يؤخر، وأنه يجب أن يحرم من ذي الحليفة.
وذهب الإمام مالك إلى أن له أن يحرم من الجحفة، معللًا ذلك بأن هذا الرجل مرَّ بميقاتين يجب عليه الإحرام من أحدهما فرعًا، ومن الثاني أصلًا.
ما هو الأصل؟ الجحفة، وميقات أهل المدينة فرع، فهو للتسهيل والتيسير على الإنسان، فله أن يدع الإحرام من الفرع إلى الأصل.
واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقال: للشامي إذا مر بذي الحليفة أن يؤخر الإحرام إلى الجحفة.
ولكن الأحوط الأخذ برأي الجمهور؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ» (12)، فوقَّت هذا لمن أتى، فيكون هذا الميقات الفرعي كالميقات الأصليِّ في وجوب الإحرام منه، والقول بهذا لا شك أنه أحوط وأبرأ للذمة.
هذه المواقيت الخمسة عَيَّنها الرسول عليه الصلاة والسلام قبل أن تُفْتَح، فالشام في عهده لم يفتح، اليمن في عهده لم يفتح إلا جزء يسير منه، العراق لم يفتح.

قال العلماء: وهذا من معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم، (من معجزات) والأصح أن نقول: من آيات الرسول، هذا من آيات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن توقيتها لأهل هذه البلاد إشارة إلى أن هذه البلاد سوف تُفْتَح ويحج أهلُها ويصيرون مسلمين، بعد أن كانوا كفارًا.


ثم قال المؤلف: (وَمَنْ حَجَّ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَمِنْهَا، وَعُمْرَتُهُ مِنْ الحِلِّ).
(من حج من أهل مكة فمنها) أي: من مكة، أي: فيُحْرِم من مكة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم حين وقَّت المواقيت: «وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ» (12). وهنا ينبغي أن نأخذ من الحديث أن مَن كان دون هذه المواقيت فإنه يحرم من مكانه؛ فمثلًا أهل الشرايع في طريق أهل نجد إذا أرادوا أن يحرموا هل نقول: ارجعوا إلى قرن المنازل فأحرموا منه، أو نقول: أحرموا من مكانكم؟ من مكانكم.
أهل جدة نقول: أحرموا من مكانكم، ولا حاجة أن تذهبوا إلى الجحفة ولا أن تذهبوا إلى ذي الحليفة.
من كان دون هذه المواقيت أحرم من حيث أنشأ.
وانظر إلى هذا التعبير النبوي، قال: «مِنْ حَيْثُ أَنْشَأ»، ولم يقل: من بلده؛ لأنه قد يكون دون مواقيت بلده، ولكنه هو في مكان آخر غير بلده، فينشئ النية؛ نية العمرة أو الحج، فنقول: أحرم من حيث أيش؟ من حيث أنشأت.
أهل مكة في الحديث: «حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ»، فيحرم أهل مكة من مكة.
وقول المؤلف: (من حج من أهل مكة فمنها) ليس له مفهوم -أعني قوله: (من أهل مكة) - فإن من حج من مكة من أهلها وغيرهم فإحرامه من مكة، فلا مفهوم للعبارة، ولو كانت العبارة: (ومن حج من مكة فمنها).. وعُمرتُه من الْحِلِّ، وأَشْهُرُ الحَجِّ شَوَّالٌ وذو القَعدةِ وعشْرٌ من ذي الْحِجَّةِ.

(بَابُ الإِحْرَامِ)

الإحرامُ نِيَّةُ النُّسُكِ، سُنِّ لِمُريدِه غُسْلٌ أو تَيَمُّمٌ لعَدَمٍ وتَنظيفٌ، وتَطَيُّبٌ، وتَجَرُّدٌ من مَخِيطٍ، في إزارٍ ورِداءٍ أَبْيَضَيْنِ، وإحرامٌ عَقِبَ رَكعتينِ ونِيَّتُه شَرْطٌ، ويُسْتَحَبُّ قولُ: " اللَّهُمَّ إني أُريدُ نُسُكَ كذا فيَسِّرْهُ لي، وإن حَبَسَنِي حابِسٌ فمَحَلِّي حيث حبَسْتَنِي، (وعمرته من الحل): (من حج من أهل مكة فمنها)، أي: من مكة، أي: فيحرم من مكة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم حين وقت المواقيت: «وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ» (1)، وهنا ينبغي أن نأخذ من الحديث أن من كان دون هذه المواقيت فإنه يحرم من مكانه.
فمثلًا أهل الشرايع في طريق أهل نجد إذا أرادوا أن يُحرموا هل نقول: ارجعوا إلى قرن المنازل فأحرموا منه، أو نقول: أحرموا من مكانكم؟ طلبة: من مكانكم.
الشيخ: من مكانكم، أهل جدة نقول: أحرموا من مكانكم، ولا حاجة أن تذهبوا إلى الجحفة ولا أن تذهبوا إلى ذي الحليفة، من كان دون هذه المواقيت أحرم من حيث أنشأ.
وانظر إلى هذا التعبير النبوي قال: «مِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ»، ولم يقل: من بلده؛ لأنه قد يكون دون مواقيت بلده، ولكنه هو في مكان آخر غير بلده، فينشئ النية؛ نية العمرة أو الحج، فنقول: أحرم من حيث أيش؟ أنشأت.
طيب، أهل مكة في الحديث: «حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ»، فيحرم أهل مكة من مكة.
وقول المؤلف: (من حج من أهل مكة فمنها) ليس له مفهوم، أعني قوله: (من أهل مكة)، فإنَّ من حج من مكة من أهلها وغيرهم فإحرامه من مكة، فلا مفهوم للعبارة، ولو كانت العبارة: (ومن حج من مكة فمنها) لشملت أيش؟ أهل مكة وغيرهم، لكن هو رحمه الله تبع غيره في العبارة: (من حج من أهل مكة فمنها).
إذن: من حج من مكة من أهلها ومن غيرهم فمنها.

والدليل على هذا، الدليل على أن أهل مكة يحرمون من مكة قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ»، وفِعْل الصحابة رضي الله عنهم الذين حلوا من إحرامهم في التمتع مع الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فإنهم أحرموا من مكة، من الأبطح.
طيب، وقوله: (وعمرته من الحل)، يعني: عمرة من كان من أهل مكة من الحل، أي: من موضع خارج الحرم، والحرم له حدود معروفة والحمد لله إلى الآن، وتختلف قربًا وبعدًا من الكعبة، فبعضها قريبٌ من الكعبة، وبعضها بعيدٌ من الكعبة، أقربها من الكعبة التنعيم؛ التنعيم هو أقربها من الكعبة، وأبعدها من جهة جدة ومن جهة عرفة أيضًا، بعضها تسعة أميال أو أحد عشر ميلًا.
على كل حال هذه الحدود توقيفية، حدود الحرم توقيفية؛ ليس للرأي فيها مجال، فلا يقال: لماذا بعدت حدود الحرم من هذه الجهة دون هذه الجهة، لماذا؟ لأنها توقيفية.
المؤلف يقول: (عمرته من الحل)، القريب والبعيد أو القريب؟ القريب والبعيد، فلو قال: أنا لا أريد أن أحرم من التنعيم، بل أريد أن أحرم من طريق جدة وهو بعيد -حوالي أحد عشر ميلًا - لأنه إلى الحديبية؛ فهل له أن يفعل؟ أجيبوا.
طلبة: نعم.
الشيخ: له أن يفعل.
طيب، هل الأفضل أن يختار الأبعد، أو أن يختار الأقرب، أو أن يختار الأسهل؟ طلبة: الأسهل.
الشيخ: الأسهل، هذا هو الظاهر، وقال بعض العلماء: بل الأفضل أن يختار الأبعد؛ لأنه أكثرُ أجرًا، ولكن في النفس من هذا شيء.
وقال بعض العلماء أيضًا: الأفضل أن يحرم بالعمرة من ميقات بلده، فإذا كان من أهل نجد وأراد أن يحرم قلنا: الأفضل أن تحرم من قرن المنازل.

فالأقوال إذن ثلاثة: الأبعد، الأفضل من الميقات، الأفضل، الأسهل، وهذا هو الأقرب.
وعليه فإذا كنت في مزدلفة فأحرم من عرفة؛ لأنها أقرب الحل إليك، وإذا كنت من جهة الشرائع وأنت داخل الحرم فالجعرانة؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام أحرم منها حين جاء من الطائف من غزوة حنين (2)، المهم اتبع الأسهل.
طيب، يقول: (وعمرته من الحل).
هذا هو القول الذي عليه جمهور أهل العلم: أنَّ من كان في مكة وأراد العمرة فإنه يحرم من الحل.
ودليل هذا القول أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما طلبت منه عائشة أن تعتمر، أمر أخاها عبد الرحمن وقال: «اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنَ الْحَرَمِ فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ مِنَ الْحِلِّ» (3)، فأمره أن يخرج بها من الحرم لتهل بالعمرة من الحل، فدل ذلك على أن الحرم ليس ميقاتًا للعمرة، ولو كان ميقاتًا للعمرة لم يأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج بأخته ويتجشم المصاعب في تلك الليلة ليحرما من الحل أو لتحرم من الحل؛ لأن من المعلوم أن الرسول عليه الصلاة والسلام يتبع ما هو أسهل ما لم يمنع منه الشرع، فلو كان من الجائز أن يُحْرَم بالعمرة من الحرم لقال لها: أحرمي من مكانك.
طيب، فإذا قال قائل: ماذا تقولون في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ» (4)، ثم ذكر المواقيت وقال: «وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ»، مع أنه في الحديث قال: «مِمَّنْ يُرِيدُ الْحَجَّ أَوِ الْعُمْرَةَ» (5)، فظاهر العموم أن العمرة لأهل مكة تكون من مكة.
قلنا: هذا الظاهر يعارضه حديث عائشة أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر أخاها أن يخرج بها لتحرم من التنعيم.
فإن قال قائل: عائشة ليست من أهل مكة، فأمرت أن تخرج إلى الحل لتحرم منه؟

قلنا: ليس المانع من الإحرام إحرام الآفاقي من مكة هو أنه ليس من أهل مكة، بدليل أن الآفاقي يحرم بالحج من أين؟ من مكة، فلو كانت مكةُ ميقاتًا للإحرام بالعمرة، لكانت ميقاتًا لأهل مكة وللآفاقيين الذين هم ليسوا من أهلها، وهذا واضح.
ثم إننا نقول: العمرة هي الزيارة، والزائر لا بد أن يفد إلى المزور؛ لأن من كان معك في البيت إذا وافقك في البيت لا يقال: إنه زارك، وهذا ترجيحٌ لغوي.
ونقول أيضًا: كل نسك فلا بد أن يجمع فيه بين الحل والحرم؛ النسك لا بد أن يُجمع فيه بين الحل والحرم بدليل أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر عائشة أن تحرم من الحل لتجمع في نسكها بين الحل والحرم (6). فإن قال قائل: هذا يُنتقض عليكم بالإحرام بالحج من مكة؟ قلنا: لا ينتقض؛ لأن الذي يحرم بالحج لا يمكن أن يطوف بالبيت حتى يأتي إلى البيت من الحل، أين الحل في الحج؟ طلبة: عرفة.
الشيخ: عرفة؛ لأنه سيقف بعرفة، ولا يمكن أن يطوف للإفاضة إلا بعد الوقوف بعرفة، وبهذا تبين أن القول بأن أهل مكة يحرمون بالعمرة من مكة قولٌ ضعيف، لا من حيث الدليل، ولا من حيث اللغة، ولا من حيث المعنى.
طيب: (وعمرته من الحل)، ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وأشهر الحج).
بقينا في مسألة مهمة نبحثها قبل أن ندخل الميقات الزمني: إذا مر الإنسان بهذه المواقيت فهل يلزمه أن يحرم؟

نقول: إن كان يريد الحج أو العمرة، أو كان الحج أو العمرة فرضه، يعني: لم يؤدِّ الفريضة من قبل، فإنه يلزمه أن يحرم.
ودليل اللزوم لفظ حديث ابن عمر، قال: «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ»، أما حديث ابن عباس رضي الله عنهما فقال: وَقَّتَ النبي صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة (1)، (وَقَّتَ)؛ لكن حديث ابن عمر: «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ»؛ «يُهِلُّ»، وكلمة «يُهِلُّ» خبرٌ بمعنى الأمر، فلا بد أن يحرموا من هذه المواقيت، إذا كان الإنسان يريد الحج أو العمرة، أو كان الحج أو العمرة فرضه.
إذا كان يريد الحج أو العمرة واضح؛ لأن لفظ الحديث: «مِمَّنْ يُرِيدُ الْحَجَّ أَوِ الْعُمْرَةَ»، لكن إذا كان النسك فرضه، وهو لا يريد أن يحج أو لا يريد أن يعتمر، نقول: يلزمك؛ لأن الحج والعمرة واجبان على الفور، وأنت الآن وصلت، فلا يجوز أن تؤخر، لا بد أن تُحرم بالحج أو بالعمرة.
أما إذا كنت قد أديت الفريضة ومررت بهذه المواقيت لا تريد حجًّا ولا عمرة، فليس عليك إحرام، سواءٌ طالت مدة غيبتك عن مكة أم قصرت، حتى لو بقيت عشر سنوات وأتيت إلى مكة لحاجة وقد أديت الفريضة، فإنه ليس عليك إحرام.
هذا هو القول الصحيح الذي تدل عليه السُّنَّة؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن الحج: هل هو في كل عام؟ فقال: «الْحَجُّ مَرَّةً، فَمَا زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ» (7)، ولم يقل: إلا أن يمر بالميقات، ولو كان المرور بالميقات موجبًا للإحرام لبيَّنه الرسول عليه الصلاة والسلام لدعاء الحاجة إلى بيانه، فلما قال: «الْحَجُّ مَرَّةً، فَمَا زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ» ولم يستثنِ، عُلِمَ أن المرور بالميقات ليس سببًا للوجوب.
ولكن هل الأفضل أن يحرم ويؤدي العمرة أو يؤدي الحج إذا كان وقته؟

الجواب: نعم، هذا هو الأفضل؛ لأن «الْعُمْرَة إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجّ الْمَبْرُور لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ» (8)، ويروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ؛ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ» (9). لكن الاستحباب شيء والوجوب شيء آخر، فالوجوب لا يجب إلا على من لم يؤدِّ النسك أو مرَّ بها يريد النسك.
طيب، ننتقل الآن إلى الميقات الزمني، قال المؤلف: (وأشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة).
أشهر الحج على كلام المؤلف شهران وبعض الثالث، شوال وهو شهرنا هذا، وذو القعدة، وذو الحجة، يقال: ذو القَعدة وذو القِعدة، ويقال: ذو الحَجة وذو الحِجة، والأفصح الفتحُ في الأول (ذو القَعدة)، والكسر في الثاني (ذو الحِجة)، فتقول: (ذو القَعدة) و (ذو الحِجة).
(شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة).
ليش قال: (من ذي الحجة)، والأول يقول: (ذو القعدة) بالواو؟ ليش؟ طلبة: دخل عليه (... ). الشيخ: (عشر من ذي الحجة)؛ لأنه مجرور، وذو بمعنى صاحب من الأسماء الخمسة، ترفع بالواو وتجر بالياء وتنصب بالألف.

طيب، هذا المشهور عن الإمام أحمد رحمه الله، وبه أخذ أصحابه؛ أن أشهر الحج شهران وبعض الثالث، ولكن يَرِدُ على هذا القول أن الله قال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197]، ولم يقل: في أشهر معلومات، لو قال: في أشهر، صارت الأشهر الثلاثة ظرفًا، والمظروف لا يلزم أن يملأ الظرف، لو قال: في أشهر؛ قلنا: نعم يجوز أن يكون المراد شهرين وبعض الثالث، لكن قال: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، وأشهر جمع، والمشهور في اللغة العربية أن أقل الجمع ثلاثة، وعلى هذا فتكون أشهر الحج ثلاثة، وهذا مذهب الإمام مالك رحمه الله، وهو أقرب إلى الصحة مما ذهب إليه المؤلف، لموافقته لظاهر الآية: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾.
فإن قال قائل: إذن هل تجيزون أن يقف الناس في خمسة عشر ذي الحجة؟ قلنا: لا؛ لا نجيزه، كما أنكم لا تجيزون أن يقف الناس في عشرة من شوال، أليس كذلك؟ فهذه الأشهر لا يلزم أن يكون الحج يجوز في كل يوم من هذه الأشهر، لا يلزم.
طيب، ويَرِدُ على كلام المؤلف أيضًا مبينًا لضعفه أن من أيام الحج اليوم الحادي عشر، واليوم الثاني عشر، واليوم الثالث عشر، فإن هذه الأيام من أيام الحج، ما الذي يفعل فيها من الحج؟ أيش؟ الرمي والمبيت، فكيف نخرجها عن أشهر الحج وهي أوقات لأعمال الحج؟ ! لو أن الإنسان قال: أريد أن أرمي الجمار الثلاث، وجمرة العقبة في يوم العيد، هل يمكنه ذلك؟ لا يمكنه، فلا بد أن يكون رمي الجمرات في الأيام الثلاثة، ويوم العيد جمرة واحدة يوم العقبة، وهي خارج الحد الذي قال المؤلف؛ لأن المؤلف قال: (عشر من ذي الحجة).

وبعض الناس يقول: تسعٌ من ذي الحجة، بعض العلماء يقول: تسعٌ من ذي الحجة؛ لأن «الْحَجّ عَرَفَة» (10)، وعرفة ينتهي متى؟ في التاسع.
ولكن هذا القول ضعيف، أضعف مما ذهب إليه المؤلف؛ لأن الله قال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197]، وقال: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة: 3].
وعلى قول من يقول: إنها تسعة، يخرج هذا اليوم الذي سماه الله يوم الحج.
فالصواب ما ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله من أن أشهر الحج ثلاثة، كما هو ظاهر القرآن: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة.
فإن قال قائل: هل يترتب على ذلك شيء، على هذا الخلاف؟ قلنا: نعم، يترتب عليه شيء؛ أولًا: يترتب عليه في مسائل الأيْمَان، لو قال قائل: والله لأصومنَّ ثلاثة أيام من أشهر الحج، وصام اليوم العشرين والحادي والعشرين والثالث والعشرين من ذي الحجة، هل يكون بارًّا بيمينه؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لا.
طالب: على المذهب لا.
الشيخ: على المذهب لا.
طالب: لماذا؟ الشيخ: لأنها انتهت أيام الحج، وعلى قول مالك يكون بارًّا بيمينه؛ لأنه صامها في أشهر الحج، أشهر الحج ما تنتهي إلا في الثلاثين من ذي الحجة أو في ثبوت دخول شهر محرم.
وينبني على ذلك أيضًا أنه لا يجوز أن يؤخر شيءٌ من أعمال الحج عن الأشهر الثلاثة إلا لضرورة، وإلا فالواجب ألا يخرج ذو الحجة وعليك شيءٌ من أعمال الحج إلا طواف الوداع؛ لأن طواف الوداع منفصل عن الحج لمن أراد الخروج.
الشيخ: وعلى هذا فهل يجوز للإنسان أن يؤخر حلق رأسه إلى أن يدخل المحرم؟ طالب: لا.

الشيخ: لا، هل يجوز أن يؤخر طواف الإفاضة إلى أن يدخل المحرم؟ لا، لكن إذا كان لعذر فلا بأس، عذر الحلق أو التقصير: أن يكون في رأسه جروح لا يتمكن معها من الحلق أو التقصير، فله أن يؤخر حتى يبرأ.
عذر الطواف: أن تصاب المرأة بنفاس، يأتيها النفاس وهي واقفة بعرفة، والنفاس عادة يبقى أربعين يومًا، فهذه سوف يخرج ذو الحجة ولم تطف طواف الإفاضة.
نقول: هذا لا بأس؛ لأن تأخيرها للطواف لعذر.
نعم، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، ويرتاح إليه القلب؛ لموافقته لظاهر الآية، والأصل في الدلالات أن نأخذ بأيش؟ بالظاهر، إلا بدليلٍ شرعي يُخْرِجُ الكلام عن ظاهره، وإلا فإننا نأخذ بالظاهر.
بهذا يتقرر أن المواقيت نوعان: مواقيت مكانية وهي خمسة، وزمانية وهي ثلاثة.
الزمانية الثلاثة ما هي؟ طالب: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة على قول المؤلف.
الشيخ: والراجح؟ الطالب: جميع شهر ذي الحجة.
الشيخ: طيب، من فوائد التوقيت أن نسأل: هل يجوز للإنسان أن يحرم بالحج قبل الميقات المكاني أو الزماني، أو بالعمرة قبل الميقات المكاني؟ نقول: أو الزماني ولَّا ما حاجة؟ طلبة: لا، ما حاجة.
الشيخ: ليش؟ لأن العمرة تجوز في كل وقت، الحج له أوقات الأشهر المعلومات؛ فهل يجوز للإنسان أن يحرم بالحج قبل أشهره أو قبل الميقات المكاني، وكذلك العمرة؟ الجواب: قال بعض العلماء: لا يجوز أن يحرم قبل الميقات المكاني ولا الميقات الزماني، وأنه لو أحرم بالحج قبل دخول شهر شوال، صار الإحرام عمرة، لا حجًّا؛ لأن الله قال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197]، وهذا أحرم قبل دخول أشهر الحج، فيكون إحرامه عمرة، أو نقول بأنه فاسد لا ينعقد، كما لو صلى الظهر قبل الزوال فإنها تصح نفلًا أو لا تصح.
ومن العلماء من قال: ينعقد الإحرام ولكن يُكره، ينعقد الإحرام لأنه لبى لله، لكن يكره لمخالفته لظاهر الآية: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾.

وكذلك في المواقيت المكانية، القول الثاني في المسألة أنه يُكره أن يُحرم قبل الميقات، ولكن لو أحرم انعقد إحرامه؛ صح إحرامه وانعقد، فمثلًا: لو أحرم الإنسان من أهل المدينة من المدينة نفسها؟ قلنا: هذا مكروه، لا تتعدى ما حدَّ الله ورسوله، أحرم من ذي الحليفة، ولكن هل ينعقد الإحرام؟ نعم عند الجمهور ينعقد؛ ينعقد ولكنه مكروه.
والمراد بالإحرام: النية دون الاغتسال ولُبس الثياب؛ ثياب الإحرام، وأكثر العامة يحملون معنى الإحرام على أيش؟ على لبس الإحرام، وليس كذلك، الإحرام سيأتينا -إن شاء الله- في الباب الذي يليه أنه نية الدخول في النسك.
وعلى هذا فمن كان في المدينة وتغسَّل ولبس ثياب الإحرام ولم يحرم إلا بذي الحليفة، فإنه لم يفعل مكروهًا، ليش؟ لأن الإحرام هو نية الدخول في النسك، ولم تحصل منه إلا في الميقات.
فإن قال قائل: ما تقولون في شخص لم يمر بشيء من المواقيت، أيحرم من بلده ولو كان بعيدًا؟ لأنه لن يمر بالميقات، فما الجواب؟ نقول: إن أهل الكوفة وأهل البصرة شكوا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن النبي صلى الله عليه وسلم وقّت لأهل نجد قرن المنازل، وإنها جور عن طريقنا -جورٌ يعني مائلة بعيدة عن طريقنا- فقال رضي الله عنه: انظروا إلى حذوها من طريقكم (11). فنقول لهذا الذي لا يمر بالميقات: أحرم إذا حاذيت الميقات، وهذا إذا كان يسيرُ على الأرض واضح، كما قال عمر رضي الله عنه، لكن إذا كان يسير في الجو فإذا حاذاها جوًّا أحرم، كالذي في الطائرة.
وقد نص شيخ الإسلام رحمه الله على أنه لا يجوز لمن كان في الطائرة أن يحرم أو أن يؤخر الإحرام حتى ينزل، قال: يجب أن يحرم في الطائرة إذا حاذى الميقات.
طالب: ما كان هناك طائرة.
الشيخ: نعم، ذكرها.
الطالب: نص هذا؟

الشيخ: لا، هو تكلم عن السحرة؛ السحرة الذين يكذبون على الناس ويقولون: نحن تحملنا الملائكة إلى مكة بيوم واحد، نذهب إلى عرفة بيوم واحد، قال: هؤلاء يخطئون، حيث إن الشياطين تمر بهم من فوق الميقات ولا يحرمون منه، وهذه نظير الطائرة تمامًا، إي نعم.
طالب: التفصيل بين العمرة والحج؛ بأن العمرة يجوز مثلًا أن يُحْرم بها قبل الميقات مع الكراهة، أما الحج فإنه لا يجوز لأنه محدد.
الشيخ: الزماني يعني؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: أصل العمرة ما لها زمان.
الطالب: لا، أي قبل ميقاتها المكاني.
الشيخ: المكاني، لم يحدد الله للحج مكانًا.
الطالب: حدد زمانًا، لا أنا أراجع سؤالي.
الشيخ: نعم.
الطالب: يعني لو أحرم بالعمرة قبل مكانها، وأحرم بالحج قبل زمانه، نقول يعني: إحرامه بالحج قبل زمانه هذا ما يجوز؛ لأن الله حدد زمان الحج، وأما الإحرام بالعمرة قبل مكانها فإنه يجوز مع الكراهة.
الشيخ: وبالحج قبل مكانه؟ الطالب: كيف يا شيخ؟ الشيخ: إي نعم؛ بيحج، يحج مفردًا.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: مثل العمرة يصير، تكون كالعمرة.
الطالب: يكون كالعمرة في مسألة المكان.
الشيخ: نعم.
الطالب: والزمان يعني الله عز وجل حدد الأشهر (... ). الشيخ: هو على كل حال الزمان فيه الخلاف هل ينعقد أو لا ينعقد أو يكون عمرة، الخلاف في المكان هل يكره أو لا يكره؟ الطالب: لكن ما تبين لكم فيها شيء يا شيخ؟ الشيخ: تبين لنا أن الإحرام بالحج وبالعمرة قبل المكان، يجينا إن شاء الله تعالى، بس لأن يكون مع الطلبة كلهم.
طالب: بارك الله فيك، الذين بين ميقات الجحفة وميقات ذي الحليفة، القرى، إذا أردوا الحج والعمرة يحرمون من حيث ينشئون أم الأفضل النزول إلى الجحفة أو يرجعون إلى ذي الحليفة؟ الشيخ: هم دون المواقيت ولَّا فوقها؟ الطالب: لا، بينهم يا شيخ.
الشيخ: إي، لكن بين الميقاتين، لكن هل هم أقرب إلى مكة من الميقاتين؟ الطالب: لا مش بين الميقاتين.

الشيخ: إي أنا فاهم، لكن أيهم أقرب إلى مكة؟ الطالب: ميقات الجحفة.
الشيخ: أقرب إلى مكة؟ الطالب: إي، هم قبل الجحفة.
الشيخ: هم قبل الجحفة؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: قبل الجحفة وبعد ذي الحليفة؟ الطالب: لا، منهم من هو أقرب إلى المدينة، ومنهم من هو أقرب إلى الجحفة.
الشيخ: على كل حال، اللي دون ذي الحليفة يحرِمون من مكانهم، ما دام أن الطريق واحد، يعني معناه اللي يجي من ذي الحليفة يمر بهؤلاء القرى، نقول: الآن أنتم على طريق الميقات، فأحرموا من مكانكم، أما اللي بعيدين عن الطريق؛ طريق ذي الحليفة، فلهم أن يؤخروا حتى يحرموا من الجحفة، نعم.
طالب: (... ). الشيخ: لا؛ وين أنت الآن؟ الطالب: (... ). الشيخ: في مجلسنا؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: طيب؛ نحن ما ذكرنا دليلًا واضحًا في هذا، الصحابة حينما أحلوا في العمرة وتمتعوا من أين أحرموا؟ خرجوا إلى الحل ولّا أحرموا من مكانهم؟ طالب: من الحل.
الشيخ: لا.
طلبة: من مكانهم.
الشيخ: لا، حين حلوا من العمرة؛ لما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُحِلَّ» (12)، وحلوا وأرادوا الإحرام بالحج يوم التروية؛ من أين أحرموا؟ طالب: (... ). الشيخ: طيب هذه.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: بَابُ الإِحْرَامِ

الإِحْرَامُ: نِيَّةُ النُّسُكِ.
سُنَّ لمُريدِه غسْلٌ أو تيممٌ لِعَدَمٍ، وتنظيفٌ وتَطَيُّبٌ وتَجَرُّدٌ من مَخِيط، ويُحْرِمُ في إزارٍ ورداءٍ أبيضين، وإحرامٌ عَقِبَ ركعتين، ونِيَّتُه شَرْطٌ، ويُستحبُّ قولُ: اللهم إني أريد نُسُكَ كذا، فَيَسِّرْه لي، وإن حَبَسَني حابسٌ فَمَحِلِّي حيثُ حَبَسْتَنِي.
وأفضلُ الأَنْساكِ التَّمتعُ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
المواقيت نوعان؟ طالب: نعم يا شيخ، زماني ومكاني.

الشيخ: ما هي الزمانية؟ الطالب: الزمانية قال على كلام المؤلف أشهر: (شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة)، وعلى الصحيح أنها ثلاثة أشهر؛ يشمل كامل ذي الحجة.
الشيخ: طيب، المكانية؟ طالب: المكانية هي خمسة مواضع: (يَلَمْلَم، وقَرْن، وذو الحُلَيْفة، والجُحْفة، وذاتُ عِرْق).
الشيخ: نعم، ما حكم الحج قبل المواقيت الزمانية؛ إذا عقد الحج قبل المواقيت الزمانية، يعني: أحرم للحج في رمضان؟ طالب: اختلف العلماء.
الشيخ: نعم.
الطالب: قول: لا يصح، بل يكره؛ لأن (... ) المواقيت.
الشيخ: قال بعض العلماء: ينعقد الإحرام بالحج ويكره، طيب والثاني؟ الطالب: الثاني أنه يصح.
الشيخ: هذا الذي قلنا ينعقد مع الكراهة.
طالب: والثالث لا يصح.
الشيخ: الثاني لا ينعقد بالحج ويكون عمرة.
طيب، إذا أحرم قبل الميقات المكاني؟ طالب: نقول: لا بأس (... ). الشيخ: يعني أحرم من المدينة مثلًا مارًّا بذي الحليفة، لا بأس، يعني يجوز؟ طالب: يكره يا شيخ.
الشيخ: يكره؛ لكن ينعقد الإحرام؟ الطالب: نعم ينعقد.
الشيخ: ينعقد الإحرام.
طيب، إذا كان في الطائرة فهل الأوْلى أن يؤخر الإحرام حتى يصل إلى جدَّة أو أن يحرم إذا حاذى الميقات؟ طالب: الصحيح أنه يحرم إذا حاذى الميقات ولو كان في الجو.
الشيخ: يعني هذا الأوْلى.
الطالب: نعم.
الشيخ: أقول: هذا الأوْلى؟ الطالب: لا، هذا هو الصحيح.
الشيخ: إي، هذا الصحيح أنه الأوْلى.
الطالب: (... ). الشيخ: طيب، لكن هل يحرم وجوبًا أو يحرم استحبابًا؟ الطالب: يحرم وجوبًا؛ لأنه إذا فات الميقات فإن عليه دمًا.
الشيخ: يحرم وجوبًا؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ما هو الدليل على إحرامه وجوبًا إذا حاذى الميقات أو مرَّ به؟ طالب: توقيت النبي صلى الله عليه وسلم للمواقيت فهو قال: «وَهِيَ مَوَاقيِتُ لِأَهْلِهَا أَوْ لِمَنْ مَرَّ عَلَيْهَا»، فالشاهد: «لِمَنْ مَرَّ عَلَيْهَا»، فلا بد أن يحرم منه.

طالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ» (13). الشيخ: نعم.
طالب: (... ). الشيخ: هذا الدليل على أنه يحرم إذا حاذى، لكن ما هو الدليل على وجوب الإحرام من الميقات أو من محاذاته؟ طالب: قوله صلى الله عليه وسلم (... ). الشيخ: لا، هذا ما (... ). طالب: الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «لِمَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ أَوِ الْعُمْرَةَ».
الشيخ: نعم.
طالب: أمره صلى الله عليه وسلم (... ). الشيخ: حديث عبد الله بن عمر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ»، وهذا خبر بمعنى الأمر.
طيب، هل هناك شاهد لوقوع الخبر بمعنى الأمر؟ طالب: نعم يا شيخ، جاء في القرآن قول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]، وهو خبر بمعنى الأمر.
الشيخ: تمام، طيب، هل هناك دليل على أن من كان في الطائرة وحاذى الميقات فإنه يجب عليه أن يحرم منه؟ طالب: نعم يا شيخ، هناك عموم حديث: «هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ» (1). الشيخ: هذا ما أتى عليه، بينه وبينه تسعة عشر ألف قدم.
طالب: أثر عمر بأمره أهل البصرة والكوفة عندما سألوه عن ميقات (... ) لهم أن يحرموا.
الشيخ: قال: «انْظُرُوا إِلَى حَذْوِهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ»، نعم، وكذلك قول شيخ الإسلام: إن الإنسان إذا مر بالميقات جوًّا فإنه يلزمه أن يحرم منه.
طالب: قال شيخ الإسلام: ما يصح الإحرام في الجو.
الشيخ: أيش؟ الطالب: ما يصح الإحرام في الجو! الشيخ: قال: لا يصح الإحرام في الجو! لا، نحن نقول: قال: إنه يجب الإحرام في الجو؟ طالب: لما تكلم عن السحرة.

الشيخ: إي نعم؛ أن الشياطين تطير بهم ولا يحرمون إلا في الحرم، قال: من جملة شطحاتهم أنهم يتجاوزون الميقات بلا إحرام.
طيب، لو أنه تجاوز الميقات ولم يحرم وهو يجب عليه أن يحرم، ماذا يصنع؟ طالب: يجب عليه دم، ويحرم من مكانه؛ لأنه ترك واجبًا.
الشيخ: يجب عليه دم ويحرم من مكانه؛ أخطأت.
طالب: يجب عليه أن يرجع ويحرم من الميقات.
الشيخ: نعم، ويحرم من الميقات، فإن لم يمكن؟ الطالب: فعليه دم.
الشيخ: فعليه دم؛ يحرم من مكانه وعليه دم، هذا الصحيح، يجب أن يرجع ليحرم من الميقات، فإن لم يمكن أحرم من مكانه وعليه دم.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (بَابُ الإِحْرَامِ).
طالب: الترجيح في مسألة الإحرام زمانًا ومكانًا.
الشيخ: كيف؟ أيش؟ الطالب: الترجيح في الإحرام قبل الميقات الزماني أجلناه إلى درس اليوم، والمكاني.
الشيخ: نعم، إحنا ذكرنا أن ظاهر القرآن: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197]، أنه لا ينعقد الحج إلا في هذه الأشهر، كما في قوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]، وحينئذٍ يتحول إحرامه إن بقي على الإحرام إلى عمرة؛ فإن لم يبق عليه فهو لم ينعقد وليس بشيء.
وأما الميقات المكاني فإنه يُكره أو يحرُم، ولكنه ينعقد؛ لأنه وقع هذا من الصحابة، ولامهم الخلفاء، ولكنه لا نقول: إنه يفسد الإحرام.


[باب الإحرام] ثم قال المؤلف: (بَابُ الإِحْرَامِ).
(الإحرام) مأخوذ من التحريم، ومعنى أحرم أي: دخل في الحرام، كأنجد أي: دخل في نجد، فالإحرام معناه: دخول الإنسان في التحريم، ولهذا يقال للتكبيرة الأولى من الصلاة: تكبيرة الإحرام؛ لأنه بها يدخل في التحريم، أي: تحريم ما يحرم على المصلي.

أما المراد به هنا فإنه نية النسك، يعني نية الدخول فيه، هذا الإحرام، يعني: ينوي أنه الآن دخل في الإحرام، لا نية أنه يعتمر، أو أنه يحج، بل نية الدخول في العمرة أو نية الدخول في الحج، وبين الأمرين فرق.
فمثلًا الآن إذا كان أحدكم يريد أن يحج هذا العام، فهل نقول: إنه بنيته هذه أحرم؟ لا؛ لأنه لم ينوِ الدخول، وكذلك نريد أن نصلي العشاء، هل نحن بنيتنا هذه دخلنا في الصلاة؟ لا، إذن نية الفعل لا تؤثر، لكن نية الدخول فيه هي التي تؤثر، ولهذا نقول: الإحرام نية الدخول في النسك، لا نية أن يحج، يعني أن ينوي الدخول في العمرة إن كان نسكه عمرة، أو في الحج إن كان نسكه حجًّا، أما من نوى أن يحج أو يعتمر فإنه لا يكون محرمًا بذلك، كالصلاة تمامًا، أنت الآن تريد أن تصلي العشاء، فهل نيتك هذه تكون تحريمًا؟ أي: يحرم عليك ما يحرم على المصلي؟ لا، متى تكون؟ إذا نويت الدخول فيها فهذا هو الذي يكون به الدخول في الصلاة.
وسميت نية الدخول في النسك إحرامًا لأنه إذا نوى الدخول في النسك حَرَّمَ على نفسه ما كان مباحًا قبل الإحرام، إذا دخل في النسك حَرَّمَ على نفسه ما كان مباحًا قبل الإحرام، فيحرم عليه مثلًا الرفث، ويحرم عليه الطيب، ويحرم عليه حلق الرأس، ويحرم عليه الصيد، بماذا؟ بالإحرام.
نية الدخول في النسك قال المؤلف: (سُنَّ لِمُرِيدِهِ غُسْلٌ).
(سُنَّ) مَنِ السَّانُّ؟ الرسول عليه الصلاة والسلام، والسُّنَّة في اللغة: الطريقة، وفي الشرع: أقوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأفعاله وتقريراته.
وفي الاصطلاح؛ اصطلاح الأصوليين، السُّنَّة: ما أُمِرَ به لا على وجه الإلزام، يعني المسنون.
(سُنَّ لِمُرِيدِهِ) أي: لمريد الدخول في النسك.
(غُسْلٌ) يعني: يسن أن يغتسل؛ وذلك لثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم فعلًا وأمرًا.

أما فعله فإنه صلى الله عليه وآله وسلم تَجَرَّدَ لإهلاله واغتسل (14)، وأما أمره فإن أسماء بنت عُميس رضي الله عنها امرأة أبي بكر نفست في الحديبية، يعني: ولدت، ولدت ابنها محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم: كيف أصنع؟ قال: «اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي» (15)، «اسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ» يعني: تحفَّظي به وأحرمي.
الشاهد من هذا قوله: «اغْتَسِلِي»، فأمرها أن تغتسل مع أنها نفساء، ليست باغتسالها هذا تستبيح الصلاة ولا غيرها مما يشترط له الطهارة، ومع هذا أمرها الرسول عليه الصلاة والسلام أن تغتسل.
وقول المؤلف: (سُنَّ لِمُرِيدِهِ).
مريد: هذه اسم فاعل مضاف، واسم الفاعل بمنزلة الموصول، بل إن النحويين يقولون: إن (أل) في اسم الفاعل أيش هي؟ موصولة، قال ابن مالك: وَصِفَةٌ صَرِيحَةٌ صِلَةُ أَلْ .................................. فعلى هذا تكون كلمة (مُرِيده) عامة للذكور والإناث، للجنب وغير الجنب، للحائض والنفساء وغيرهما، للصغير والكبير، كل من أراد النسك فليغتسل.
وقول المؤلف: (غُسْلٌ) إذا أطلق الغسل فالمراد به غسل الجنابة، أي: ما يشبه غسل الجنابة، فمثلًا إذا قلنا: يجب للجمعة الغسل، أي: غسل كغسل الجنابة، يسن للإحرام الغسل، يعني: كغسل الجنابة.
قال المؤلف: (أو تيممٌ لِعَدَم).
(أو) هذه معطوفة على (غسل)، يعني: أو أن يتيمم لعدم، أي: لعدم الماء أو تعذر استعماله بالمرض ونحوه، يعني: إذا تعذر استعمال الماء للعدم أو المرض فإنه يتيمم بدلًا عن الغسل، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله بناءً على أن التيمم يحل محل طهارة الماء الواجبة والمستحبة.

ولكن ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن الطهارة المستحبة إذا تعذر فيها استعمال الماء فإنه لا يتيمم؛ لأن الله إنما ذكر التيمم في طهارة الحدث: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: 6]، والعبادة لا تكون بالقياس، فإذا كان الشرع إنما جاء بالتيمم في الحدث فلا يقاس عليه غير الحدث؛ لأن العبادات لا قياس فيها، ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه تيمم للإحرام.
وعليه فنقول: إن وجد الماء وأمكنه استعماله فعل، وإن لم يمكنه فلا تيمم، على هذا القول، أما على المذهب فيقولون: التيمم يحل محل طهارة الماء في الواجب أيش؟ والمستحب.
طيب، (أو تيممٌ لِعَدَم).
ويسن له أيضًا: (تنظيفٌ).
إذا قال العلماء: تنظيف، ليس تنظيف الثياب، ولا تنظيف البدن إذا قرن به الغسل؛ لأن تنظيف البدن يحصل بالغسل، لكن المراد بالتنظيف أخذ ما ينبغي أخذه، مثل: الشعور التي ينبغي أخذها: كالعانة، والإبط، والشارب، وكذلك الأظافر، فيسن أن يتنظف بأخذها.
طالب: (تنظُّف).
الشيخ: نعم، عندكم (تنظُّف)، يصح ما فيه مانع.
ولكن هل ورد في هذا سنة؟ لا، وإنما عللوا ذلك قالوا: لئلا يحتاج إلى أخذها في الإحرام، وأخذها في الإحرام ممتنع.
وبناءً على هذا نقول: إذا لم تكن طويلة في وقتنا الحاضر؛ إذا لم تكن طويلة ولا يخشى أن تطول في أثناء الإحرام، فيحتاج إلى أخذها، فإنه لا وجه لاستحباب ذلك؛ ما دامت العلة خوف أن يحتاج إليها في حال الإحرام ويتمكن، فإذا زالت هذه العلة زال أيش؟ زال المعلول وهو الحكم؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.

قال: (وتَطَيُّبٌ) يعني: يسن أن يتطيب عند الإحرام، ودليل ذلك: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تطيب لإحرامه، قالت عائشة: كنت أطيب النبي صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت (16). والطيب مستحب كل وقت، فهو كالسواك؛ السواك كل وقت، والطيب كل وقت، إذا أمكن للإنسان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» (17). وقوله: (وتَطَيُّبٌ) أطلق المؤلف، فهل المراد التطيب في البدن أو في البدن والإحرام؟ يعني ثياب الإحرام؟ الأول؛ المراد الأول: أن يتطيب في بدنه؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يطيب عند الإحرام رأسه ولحيته، قالت عائشة رضي الله عنها: كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم (18)، مفارقه يعني فرق رأسه؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام له رأس يبقي الشعر ويفرقه؛ يفرقه فرقتين من الخلف ومن الأمام، وكان في الأول يسدل شعره، أول ما قدم المدينة؛ لأنه فعل اليهود وهم أهل كتاب، والفرق فعل المشركين وهم كفار مشركون، ثم بعد ذلك كره السدل وصار يفرق.
الشاهد قولها: «كنت أنظر إلى وبيص المسك»، ما هو الوبيص؟ طالب: الريح.
الشيخ: لا، أنظر إلى وبيص؛ الريح ينظر؟ الطالب: لا؛ اللمعان.
الشيخ: اللمعان، صحيح، الوبيص كالبريق لفظًا ومعنًى، كيف؟ هذه وبيص (واو - با – ياء - صاد)، وهذه (باء - راء - ياء - قاف)؟ طلبة: بالوزن.
الشيخ: بالوزن، صحيح؛ هذه العبارات تقع في كلام العلماء، يقول لك: كذا ككذا لفظًا ومعنى، أي: في الميزان، طيب.
أما تطييب الثوب فإنه يكره، يعني ثوب الإحرام لا يطيب، لا بالبخور ولا بالدهن، ولكن إذا طيبه هل يجوز أن يلبسه؟

قال بعض العلماء: نعم، إذا طيبه ولبسه قبل أن يعقد الإحرام فلا بأس، لكن يكره، وقال بعض العلماء: لا يجوز لبسه إذا طيبه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تَلْبَسُوا ثَوْبًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْوَرْسُ» (19)، فنهى أن نلبس الثوب المطيب، وهذا هو الصحيح.
ولهذا حرم بعض العلماء تطييب ثياب الإحرام، قال: لأن تطييبها لا فائدة منه، إذا حرمنا عليه لباسها، فإنه ما الفائدة؟ إضاعة مال؛ ولهذا حرمه بعض أصحابنا كالآمدي رحمه الله.
قال: يحرم تطييب ثياب الإحرام.
المذهب أنه يكره، ولكن لاحظوا على المذهب يكره إن لبسها قبل أن يعقد الإحرام، أما إذا عقد الإحرام فلا يمكن أن يلبسها؛ لأن الثياب المطيبة لا يجوز لبسها في الإحرام.
وهنا مشكلة تقع كثيرًا: إذا تطيب في بدنه، وضع الطيب على رأسه وعلى لحيته، ثم سال الطيب من الموضع الذي وضعه فيه نازلًا إلى أسفل، فهل هذا يؤثر أو لا؟ الجواب: لا، لا يؤثر؛ لأن انتقال الطيب هنا بنفسه، انتقال الطيب بنفسه ما هو اللي نقله، ليس هو الذي أخذه بيده من طيب رأسه ووضعه مثلًا على صدره، لا، سال بنفسه، ولأن ظاهر حال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أنهم لا يبالون إذا سال الطيب؛ لأنهم وضعوه في حالٍ يجوز لهم وضعه، فلا يُعْبأ به بعد ذلك، وهذا أمر واضح.
لكن هنا شيء آخر: المحرم سوف يتوضأ، أليس كذلك؟ وإذا طيب رأسه فسوف يمسح رأسه بيديه، وإذا مسح رأسه بيديه لصق من الطيب بيديه، فماذا يصنع؟ هل نقول: أعِدَّ لنفسك جوربًا تضعه في يدك إذا أردت أن تمسح رأسك لئلا تمس الطيب؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأن هذا تنطعٌ في الدين، ولم يرد، هل نقول: امسح الرأس بعودٍ أو نحوه كالخشبة والجلد، وعلى هذا يُعِدُّ المحرم معه أعوادًا وجلودًا يمسح بها رأسه؟ الجواب: لا.
بقي علينا أن يمسح بيده مباشرة، وهنا يُشْكِل؛ سوف يعلق الطيب بيده قطعًا، فماذا يصنع؟

على المذهب يجب أن يغسل يديه من هذا الطيب فورًا؛ يجب أن يغسل يديه من هذا الطيب حتى يذهب ريحه فورًا، لكن الذي يظهر لي أن هذا مما يعفى عنه، فالرجل لم يبتدئ الطيب، وهذا طيبٌ مأمور به، والمشقة في غسل يده غسلًا تذهب معه الرائحة لا ترد به الشريعة، فالصواب: أنه لا حرج عليه أن يمسح حتى ولو علق الطيب بيده؛ لأنه لم يستأنف الطيب، ولم يبتدئه وهو محرم.
ثم قال المؤلف: (ويسن تجرُّدٌ من مخيط).
(تجرُّدٌ من مخيط)؛ كيف تجرد؟ (يسن تجرُّدٌ من مخيط)، والتجرد من المخيط حال الإحرام واجب؛ لأن لبس المخيط حرام على المحرم، فكيف يتفق هذا الكلام؟ المراد أنه عند الاغتسال ينزع المخيط ثم يغتسل ثم يلبس ثياب الإحرام.
وتجرُّدٌ من مخيط، ويشترط في هذا التجرد ألا يستلزم كشف العورة أمام الناس، فإن استلزم ذلك كان حرامًا، ولكن ماذا يصنع؟ نقول: البس الإزار أولًا، ثم اربطه على نفسك، ثم اخلع القميص، ثم البس الرداء.
يلبس الإزار أولًا وعليه القميص، ثم يخلع القميص ويلبس الرداء.
(... )


قوله: (أبيضين)؛ لأنها خير الثياب، وهل يسن أن يكونا جديدين أو يشترط؟ لا يشترط، لكن كلما كانت أنظف فهو أحسن؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم لما سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنًا، قال: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» (20)، فكلما كان أنظف فهو أحسن.
وهذه السُّنَّة سُّنَّة لجميع الناس؛ الرجال، وإنما كانت على هذا الوجه من أجل اتفاق الناس على هذا اللباس، حتى لا يفخر أحدٌ على أحد؛ لأنه لو أطلق العنان للناس تفاخر الناس، وصار هذا يلبس ثوبًا جميلًا جدًّا، وهذا عليه ثوب رديء، واختلف الناس، ولم تظهر الوحدة الإسلامية، وصار بعض الناس إذا رأى من عليه الثوب الذي يفوق ثيابه بمدًى بعيد اشتغل قلبه، وقال: كيف هذا عليه كذا وأنا علي كذا؟ ثم ربما يذهب يستدين ليلبس مثلما يلبس غيره.

لهذا كان الناس في لباس الإحرام على حدٍّ سواء، ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يغالي في ثياب الإحرام، بل يكون من جنس الناس.
(في إزار ورداء أبيضين، وإحرامٌ عقب ركعتين) الواو حرف عطف، (إحرام) معطوف على أيش؟ طالب: (سنَّ).
الشيخ: لا، ما هي على (سنَّ).
طالب: (غسلٌ).
الشيخ: على (غسل)، يعني: وسن لمريد الإحرام إحرامٌ عقب ركعتين، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أهل دبر الصلاة (21)، أهلَّ: يعني أحرم دبر الصلاة، فيسن أن يصلي ركعتين ليحرم بعدهما، ولكن الدليل الذي استدل به الأصحاب رحمهم الله لا يتعين أن تكون الصلاة التي أهلَّ دبرها صلاةً مسنونة، بل هو أهلَّ دبر صلاةٍ مفروضة عليه الصلاة والسلام، دبر صلاة الظهر أهلَّ، وهذا لا نعلم هل النبي عليه الصلاة والسلام قصد أن يكون إهلاله بعد الصلاة أو أهل لأنه لما صلى ركب وأهلَّ؛ أهلَّ عند ركوبه؟ في هذا احتمال، ومن ثَمَّ ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن ركعتي الإحرام لا أصل لمشروعيتهما، وأنه ليس للإحرام صلاة تخصه، لكن إن كان في الضحى فيمكن أن يصلي صلاة الضحى ويحرم بعدهما، إذا كان في وقت الظهر نقول: الأفضل أن تمسك حتى تصلي الظهر، ثم تحرم بعد الصلاة، وكذلك صلاة العصر، وأما صلاة مستحبة بعينها للإحرام، فهذا لم يرد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
بقي أن يقال: لو أن الإنسان إذا توضأ صلى ركعتين سنة الوضوء، فهل سنة الوضوء مشروعة؟ نعم مشروعة، وعلى هذا فنقول: أنت إذا اغتسلت وتوضأت فصلِّ ركعتين سنة الوضوء.
ولكن يبقى نظر: إذا كان ليس من عادته في غير هذا المكان أن يصلي ركعتي الوضوء، انتبهوا: ما كل الناس إذا توضؤوا صلوا، فإذا لم يكن من عادته أن يصلي للوضوء، فأراد أن يصلي هنا، أليس سوف يشعر في نفسه أن هذه الصلاة أيش؟ من أجل الإحرام؟ أو على الأقل من أجل الاشتراك بين الإحرام والوضوء؟

هذا هو الظاهر، ولذلك نقول: إذا كان الإنسان سيبقى في الميقات حتى يأتي وقت الفريضة، فالأفضل أن يهلَّ بعد الفريضة؛ هذا هو الأفضل.


يقول: (ونِيَّته شَرْط).
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، إذا لم يجد نعلين يا شيخ، لبس (... ) ماذا يفعل؟ الشيخ: إذا لم يجد النعلين فإنه يلبس الخفين كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن في وقتنا والحمد لله سيجد نعالًا ما هو نعلين، كلها مكومة عند المقعد، إنما ربما لا يجد دراهم يشتري بها.
طالب: داخل الطائرة يا شيخ.
الشيخ: نعم، أو في الطائرة نعم يمكن لا يجد، لكن الغالب أن الذي في الطائرة يكون عليه إما خفان وإما حافيًا وهذا بعيد، لكنِ الخفان يجوز أن يلبسهما إذا لم يجد نعلين.
طالب: (... ). الشيخ: بالبخور.
الطالب: لا.
الشيخ: لا، ثياب الإحرام.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ثوب الإحرام.
الطالب: أو يتطيب؟ الشيخ: يتطيب في بدنه، أما ثوبه لا.
الطالب: لا، البخور؟ الشيخ: حتى البخور ما يطيب الإحرام.
طالب: (... ). الشيخ: العمرة؟ الطالب: العمرة أو الحج؟ الشيخ: العمرة لا بد يحرم من الحِل.
الطالب: (... ). الشيخ: إي نعم، لازم يحرم من الحل.
طالب: طيب الحج يا شيخ.
الشيخ: الحج يحرم من مكانه، إذا جاء وقت الحج يحرم من مكانه الذي هو فيه.
طالب: أحسن الله إليكم؛ ذكرتم بأن من لم يؤدِّ فرض الحج والعمرة ثم مرَّ بالميقات فإنه يلزمه الإحرام ولو لم ينوِ، ما الجواب عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لِمَنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ» (22) (... )؟ الشيخ: إي نعم، يعني: ممن أراد أن يفعل، لكن هل يجب أن يريد أو لا يجب؟ الطالب: لا يجب.
الشيخ: لا يجب، الفريضة على الفور.
طالب: (... ) هذا الأمر على الفور؟ الشيخ: إي نعم، أرأيت مثلًا لو قال: الوضوء واجب على من يريد الصلاة؛ هل يدل هذا على أن الصلاة غير واجبة؟ الطالب: لا، ما يدل.
الشيخ: ما يدل على هذا.

طالب: طيب، يا شيخ لو كان وصل الميقات وأهل بيته وضعوا الطيب في الإحرام.
الشيخ: يغسله.
الطالب: يغسله؟ الشيخ: يغسله، نعم، إذا وصل الميقات وأهله قد طيبوا الإحرام يغسل إحرامه.
طالب: (... ) إذا أرادوا أن يذهبوا إلى مكة يمنعون؛ لأنهم قد حجوا أول مرة، قد حجوا الفريضة.
الشيخ: نعم.
الطالب: ويكثر الأسئلة يقولون: هل يجوز لنا أن نتجاوز الميقات بثيابنا؟ الشيخ: بدون إحرام يعني؟ الطالب: نحرم لكن بثيابنا؟ الشيخ: ما يجوز يلبسون الثياب.
الطالب: (... ) يريد أن يتجاوز منطقة التوقيف، وبعدما نتجاوزه نخلع الثياب.
الشيخ: والله ما أرى هذا؛ أرى أنهم إذا أحرموا التزموا بحكم الله.
الطالب: لكن يمنعون يا شيخ.
الشيخ: إذا منعوا يكون هذا مما سلط عليهم، فيشكون إلى الله عزَّ وجل أنه يخفف هذا المنع.
الطالب: (... ). الشيخ: ما هو بعلى كل حال.
طالب: (... ). الشيخ: إي نعم، لبس القميص حرام؛ لا يلبس القميص.
الطالب: لكن ليس بشرط.
الشيخ: إي، ما هو بشرط، لكن يأثمون.

الطالب: (... ) تجاوز الميقات الآن ما هو الدليل على أنه إذا تجاوزه عليه دم؟ الشيخ: دعنا من الدم، لكن يحرم عليه؛ لأن وجوب الدم بترك الواجب في النفس منه شيء، ما فيه إلا حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ نُسُكِهِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُهْرِقْ دمًا» (23)، وهذا فيه نقاش أولًا في ثبوته، والثاني هل له حكم الرفع أو لا؟ لكن الكلام أنه يأثم بالاتفاق.
الطالب: (... ). الشيخ: كيف؟ الطالب: ترتيب الميقات ليس فيه سعة.
الشيخ: سعة؟ الطالب: فيه سعة (... ). الشيخ: لكن رابغ أبعد من مكة من الجحفة (... ) هذا المكان من زمان.
طالب: هل القول بكراهة تطييب ثياب الإحرام؛ لو طيبها وخلعها ثم أراد أن يلبسها (... ). الشيخ: إي نعم، يعني لو طيبها ولبسها ثم بعد ذلك خلعها لسبب من الأسباب فإنه لا يعيدها وفيها الطيب، يجب أن يغسلها.

الطالب: طيب يا شيخ إذا سال العرق عليها وفيه الطيب هل نفس الحكم؟ الشيخ: نعم، هذا كلام الفقهاء، نفس الحكم، لكن في هذه الحال ربما أقول: يعفى عنه؛ لأن الطيب الذي أصابها من طيب مأمور به، وربما يشق على الإنسان أن يتحرز من هذا، ربما يشق عليه، والشيء إذا شق ولم يكن هناك نصٌّ بيِّن في تحريمه فإنه يسامح فيه.
طالب: (... ) مخيطه وبها جيوب.
الشيخ: المخيط سيأتينا إن شاء الله، إن المخيط هو اللباس المعتاد، ما هو بالذي به الخياط، وسيأتينا أن هذه العبارة ليست من عبارات الشرع، ما قالها الرسول، وقد قيل: إن أول من تكلم بها إبراهيم النخعي رحمه الله، وهو من فقهاء التابعين.
طالب: أحسن الله إليكم، لا يوجد دليل أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة لما أراد أن يحرم من الميقات قال: صلِّ في هذا الوادي فإنها أرض مباركة.
الشيخ: هذا جبريل أتاه وقال: «صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ» أَوْ «عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ» (24). لكن لا يدل على أن يكون الإحرام من حين الصلاة أو أن للإحرام صلاة؛ لأن قوله: «صَلِّ» أمر، يحتمل المراد بذلك الفريضة، يعني: انتظر حتى تصلي، ويحتمل أنها نافلة.
طالب: يسن له الصلاة.
الشيخ: كما قلنا قبل ذلك (... ) ليس للإحرام صلاة تخصه، لكن إذا كان هناك سبب آخر فليفعل.
طالب: تجرده من مخيطه هل هو سُّنَّة؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: يعني لو ما تجرد من مخيطه، يجب عليه التجرد من مخيطه؛ لأنه عقد.
الشيخ: إذا أحرم وجب عليه التجرد.
الطالب: (... ) عليه السُّنَّة؟ الشيخ: (... ) بلى، لكن معناه أنه يتجرد قبل أن يلبس الإحرام، وقبل أن يعقد الإحرام، فإذا عقد وجب أن يتجرد.


الطالب: قال رحمه الله تعالى: (ونِيَّتُه شَرْطٌ، ويستحبُ قولُه: اللهم إني أريد نُسُكَ كذا، فَيَسِّرْه لي، وإن حَبَسَني حابسٌ فَمَحِلِّي حيثُ حَبَسْتَنِي، وأفضلُ الأَنْساكِ التَّمتعُ، وصفته أن يُحْرِم بالعُمرة في أشهرِ الحج، ويَفْرُغَ منها ثم يُحْرِمَ بالحجِّ في عامِه، وعلى الأُفُقِيِّ دمٌ).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد.
قال المؤلف رحمه الله: (ونِيَّتُه شَرْطٌ).
(نِيَّتُه) أي: نية النسك، وما هي نية النسك؟ يعني نية الدخول في النسك، شرط، فلا بد أن ينوي الدخول في النسك، فلو لبى بدون نية الدخول فإنه لا يصير محرمًا بمجرد التلبية، ولو لبس ثياب الإحرام بدون نية الدخول، فإنه لا يكون محرمًا بلبس ثياب الإحرام، لا بد من النية، ودليل هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (25). والتلبية قد تكون في غير الحج، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام كان إذا رأى ما يعجبه من الدنيا يقول: «لَبَّيْكَ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ» (26). وأتيت بهذا استطرادًا؛ لأنه مهم بالنسبة لكم: إذا رأيتم ما يعجبكم من الدنيا من قصور أو سيارات أو بنين أو زوجات أو غيرها، فقولوا: «لَبَّيْكَ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ»، فانظر كيف صد الإنسان نفسه بقول: لبيك، إجابة لله عزّ وجل؛ حتى لا تذهب نفسه مع الدنيا، ثم قال: «إنَّ العَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ» وإن هذا العيش الذي أمامي ليس بشيء، زائل.
إذن لا بد من النية؛ هل يكفي لبس الإحرام؟ أجيبوا.
طلبة: لا.
الشيخ: لا، هل يكفي أن يقول: لبيك اللهم لبيك؟ لا؛ لأن التلبية تكون للحاج ولغيره.
قال: (ويستحب قولُه: اللهم إني أريد نُسُكَ كذا، فَيَسِّرْه لي، وإن حَبَسَني حابسٌ فَمَحِلِّي حيثُ حَبَسْتَنِي).

هذه الجملة اشتملت على مسألتين: المسألة الأولى: قوله: (يستحب أنْ يقول: اللهم إني أريد نُسُكَ كذا).
والاستحباب يحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك، لم يكن الرسول عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يحرم بحج أو عمرة يقول: اللهم إني أريد العمرة، أو اللهم إني أريد الحج.
ومعلومٌ أن العبادات مبناها على الاتباع وعلى الوارد، فإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام اعتمر أربع مرات، وحج مرة، ولم يكن يقول هذا، ولا أرشد إليه؛ فإنه ينبغي ألا يكون مستحبًّا.
ولهذا كان الصحيح في هذه المسألة أن النطق بهذا القول كالنطق بقوله: اللهم إني أريد أن أصلي فيسر لي الصلاة، أو أن أتوضأ فيسر لي الوضوء، وهذا بدعة، فكذلك في النسك لا تقل هكذا، قل ما أرشد إليه النبي عليه الصلاة والسلام حين استفتته ضباعة بنت الزبير أنها تريد الحج وهي شاكية قال: «قُولِي: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، وَإِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» (27) أخرجه النسائي (28)، ولم يقل: قولي: اللهم إني أريد كذا وكذا.
طيب، المسألة الثانية: يقول: (وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني).
فإن قوله: (إن حبسني حابس) عام، أو إن شئت فقل: مطلق، يشمل من كان خائفًا، ومن لم يكن خائفًا، يعني: يشمل من كان يخشى من عائق يعوقه عن إتمام نسكه من مرض، أو ضياع نفقة، أو انكسار مركوب، أو خوف على نفسه، أو ما أشبه ذلك، المهم أنه خائف ألا يكمل النسك.
ومن لم يكن خائفًا، هذا كلام المؤلف؛ لأنه لم يُفَصِّلْ، لم يقل: يقول: إن حبسني حابس إن خاف أن يحبسه حابس.
وهذه المسألة اختلف فيها العلماء: فمنهم من قال: إنها سُّنَّة مطلقًا، أن يقول: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني.
ومنهم من يقول: ليست بسُّنَّة مطلقة.
ومنهم من فَصَّلَ وقال: سُّنَّة لمن كان يخاف المانع من إتمام النسك، وتركها سُّنَّة لمن لم يخف.

وهذا القول هو الصحيح، وهو الذي تجتمع به الأدلة، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أحرم ولم يشترط، لم يقل: إن حبسني حابس، أحرم بِعُمَرِهِ كلِّها، حتى بالحديبية أحرم ولم يقل: إن حبسني حابس، وحبس، وكذلك في عمرة القضاء، وكذلك في عمرة الجعرانة، وكذلك في إحرامه في حجة الوداع، لم ينقل عنه أنه قال: إن حبسني حابس، ولا أمر به أصحابه أمرًا مطلقًا، بل أمر به من جاءت تستفتي لأنها مريضة تخشى أن يشتد بها المرض فلا تكمل النسك.. وعلى هذا فيكون القول الراجح في هذه المسألة أن لا استحباب مطلقًا، ولا إنكار مطلقًا، بل من خاف من مانع يمنعه من إتمام النسك، قلنا له: اشترط؛ استرشادًا بإرشاد الرسول عليه الصلاة والسلام، ومن لم يخف قلنا له: لا تشترط؛ السُّنَّة ألا تشترط، وهذا القول اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
فإن قال قائل: الحوادث الآن كثيرة؛ كثيرًا ما يحصل اصطدام، كثيرًا ما يحصل زحام يموت به الإنسان، أفلا يكون هذا مما يوجب مشروعية الشرط؟ قلنا: لا؛ لأنك لو أحصيت الحجيج، وأحصيت الحوادث التي تحدث لوجدت النسبة قليلة جدًّا، وليست بشيء؛ بالنسبة لكثرة السيارات وكثرة (... ) قليلة.
وفي عهد الرسول عليه الصلاة والسلام حصلت حوادث، ففي عرفة وقصت ناقة صاحبها فسقط منها فمات (29)، هذه حادث، حادث سيارة ولّا حادث ناقة؟ حادث ناقة، ولكن يشبه حادث السيارة.
إذن فالحوادث موجودة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، ومع هذا لم يأمر أصحابه أن يشترطوا أمرًا عامًّا.
الخلاصة الآن في المسألة الثانية أيش؟ أنه يستحب الاشتراط لمن كان يخاف من مانع يمنعه من إتمام النسك، وأما إذا كانت الأمور على طبيعتها فإن السُّنَّة ألا يشترط، وبهذا تجتمع الأدلة.
فإن قال قائل: ما فائدة هذا الاشتراط؟ قلنا: زعم بعض العلماء أنه لا فائدة منه، وإنما هو لفظ يتعبد به فقط، وهذا القول لا شك أنه ضعيف جدًّا.

جارٍ التحميل