الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 2722-2761

الشيخ: يا أخي، اجزم، قل: لا يحرم وبس، ماذا تقولون؟ طلبة: لا يحرم.
الشيخ: صحيح، لا يحرم؛ لأن المحرَّم على المحرِم تغطية الرأس فقط، فيه رواية: «وَلَا وَجْهَهُ» (14) لكن الرواية هذه شاذة، الرواية اعتبرها العلماء شاذة.
طيب، هل يجوز أن يلبس قميصًا؟ طالب: لا يجوز أن يلبس قميصًا ذكر من المخيط ما يجوز.
الشيخ: لأنه لا يجوز لبسه في حال الحياة.
الطالب: نعم.
الشيخ: طيب هل هناك دليل على أن جميع المحظورات يُجَنَّبُها الميت؟ الطالب: نعم؛ لقوله: كمحرم حي.
الشيخ: لا، شوف كلام المؤلف ما نستدل به.
الطالب: جميع المحظورات.. الشيخ: إي نعم، هل فيه دليل على أن جميع محظورات الإحرام تجنب المحرم إذا مات؟ الطالب: من ضمنها الطيب، وكشف الوجه للأنثى.
طالب: (... ). الشيخ: لا، أنا أريد جميع المحظورات، الطيب، تخمير الرأس.
طالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» (2). الشيخ: نعم صحيح، «فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا»، فهذا التعليل يقتضي أن يجنب جميع محظورات الإحرام، تمام، صح.
ذكرنا أنه لو مات بعد التحلل الأول فما الحكم؟ طالب: يغطى رأسه، يعني (... ) الحج؛ لأنه لا يحرم عن الحاج بعد التحلل الأول إلا (... ) فيجوز له أن يفعل كل ما.. الشيخ: هو يمكن يؤخذ من قوله: «فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» لأنه إذا حل التحلل الأول انقطعت التلبية، التلبية تنقطع متى؟ عند رمي جمرة العقبة.
امرأة ماتت وهي محرمة، هل يجوز أن نغطي رأسها؟ طالب: يجوز تغطية رأسها ولكن (... ). الشيخ: يجوز أن يغطى رأسها وهي محرمة.
الطالب: لأنها وهي حية يغطى الرأس وهي ميتة من باب أولى.
الشيخ: وجهها؟ طالب: وجهها أيضًا؛ لأن بإحرامها لا يغطى وجهها.
الشيخ: طيب، هي سيمر بها من عند الرجال؟ الطالب: يمر بها من عند الرجال نغطي وجهها حينئذٍ.
الشيخ: إذا زال الموجب للتغطية كشفناه أحسنت، تمام.

من الذي يموت من المسلمين ولا يغسل؟ طالب: الشهيد.
الشيخ: الشهيد، ما هو الدليل؟ الطالب: النبي صلى الله عليه وسلم دفن قتلى أحد ولم يغسلهم (9). الشيخ: نعم، أن الرسول لم يغسل شهداء أحد ولم يصل عليهم.
طيب.
هل يلحق بالشهيد -شهيد المعركة- كل شهيد؟ طالب: فيه قولان؛ على قول المؤلف يلحق به.
الشيخ: يلحق به كل شهيد، إي، يعني: حتى المبطون والمطعون.
الطالب: حتى لو (... ). الشيخ: نعم.
طالب: على كلام المؤلف أنه ما يلحق.
الشيخ: وعلى رأيك أنه يلحق به كل شهيد؟ الطالب: ما يلحق (... ) الشهداء ما.. الشيخ: المهم المؤلف ماذا يرى، هل يرى أن يلحق بشهيد المعركة كل شهيد؟ الطالب: يرى أنه لا يلحق به كل شهيد، إلا المقتول ظلمًا.
الشيخ: يعني لا، تقول: لا.
الطالب: ما يرى هذا.
الشيخ: لا يرى هذا.
طالب: (... ) لا يغسل شهيد.
الشيخ: سبحان الله، هو عمم، هذا يدل على أنك ما (... ) الكتاب ما حفظته، المؤلف يقول: ولا يغسل شهيد معركة، ما هي عندك معركة؟ طالب: لا، في الشرح.
الشيخ: شرح.
طالب: شهيد المعركة.
الشيخ: لا، هي المراد شهيد المعركة.
طالب: (... ) شهيد المعركة.
الشيخ: إي يمكن في بعض النسخ، طيب على كل حال المؤلف يرى أنه يلحق بشهيد المعركة المقتول ظلمًا.
طيب، ما هو القول الصحيح في هذا؟ طالب: ما يلحق بشهيد المعركة.
الشيخ: يعني لا يلحق بشهيد المعركة إلا شهيد المعركة.
الطالب: لا.
الشيخ: ما هو القول الراجح؟ الطالب: القول الراجح شهيد المعركة فقط هو الذي لا يغسل.
الشيخ: وغيره؟ الطالب: وغيره لا.
الشيخ: طيب، ما الذي جعلنا نرجح هذا القول؟ طالب: (... ) شهيد المعركة.
طالب آخر: شهيد المعركة قدم رقبته للأعداء ليضربوها، غيره لم يفعل ذلك.
الشيخ: هذه يمكن أن نقولها إذا رددنا القياس، لكن ما هو الدليل على وجوب تغسيل المقتول ظلمًا؟ طالب: لأن شهيد المعركة شفع له..

الشيخ: خل ما جينا هذا التعليل لما لم يغسل، لكن لماذا قلنا: إن الراجح وجوب تغسيل من قتل ظلمًا؟ طالب: لأنه (... ). الشيخ: سبحان الله.
طالب: لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه (... ). الشيخ: يعني عمومات الأدلة الدالة على وجوب تغسيل المسلم، كل مسلم الأصل أن تغسيله وتكفينه والصلاة عليه فرض كفاية، كل مسلم، هذا الأصل، «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» (2) «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ» (1)، فالأصل في كل مسلم يموت التغسيل، هذا العموم لا يمكن أن نخرج منه شيئًا إلا ما دل عليه الدليل.
شهيد المعركة دل عليه الدليل، ألحق الفقهاء به المقتول ظلمًا، قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» (11). نقول: هذا الإلحاق لا يصح؛ للفرق العظيم بين شهادة هذا وهذا، وإلا فقولوا أيضًا: إن المطعون لا يغسل لأنه شهيد، فالصحيح أنه يغسل المقتول ظلمًا.
طالب: (... ). الشيخ: هذا هو الصحيح.
الطالب: (... ). الشيخ: ما صلى، صلى في آخر حياته، خرج فصلى عليهم، يعني دعا لهم دعاء عاديًّا.
الطالب: (... ). الشيخ: صُلي عليهم.
الطالب: (... ). الشيخ: هذا يجعل ضعف هذا القول.


قال المؤلف رحمه الله: (إلا أن يكون جنبًا)، (إلا أن يكون) الضمير يعود على الشهيد.
طالب: (... ). الشيخ: اللي عندي يا إخواني ترى في المتن: (ولا يغسل شهيد).
طالب: (... ). الشيخ: (ومقتول ظلمًا، ) ما هي بمتن عندكم، متن؟ طلبة: إي نعم.
الشيخ: عندكم متن، طيب ما يخالف شيء.

(إلا شهيد المعركة) لكن قوله: (إلا أن يكون جنبًا) إذا كان المتن: (ولا يغسل شهيد ومقتول ظلمًا) أو (شهيد معركة ومقتول ظلمًا) فإن مقتضى القاعدة النحوية أن يقال: إلا أن يكونا جنبًا؛ لأن العطف بالواو يجعلهما شيئين، فيجب أن يكون الضمير عائدًا على شيئين بصيغة المثنى، ولكن الشرح اللي عندي جعل المقتول ظلمًا شرحًا، وهذا هو الذي يناسب للعبارة (إلا أن يكون جنبًا)، يعني: إلا أن يكون الشهيد جنبًا، فإن كان الشهيد جنبًا فإنه يغسل، وكذلك لو كانت امرأة استشهدت قتلت ظلمًا على المذهب، أو قتلت في الجهاد وكانت حائضًا ولم تغتسل من الحيض، فإنها كذلك تغسل، هذا ما ذهب إليه المؤلف، ولكن ظاهر الأخبار يدل على أنه لا فرق بين الجنب وغيره؛ فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يغسل الذين قتلوا في أحد (9). أما ما يذكر من أن عبد الله بن حنظلة، أو حنظلة غسلته الملائكة (15)، فهذا إن صح في الحديث ليس فيه دليل على أنه يغسله البشر؛ لأن تغسيل الملائكة له ليس شيئًا محسوسًا بماءٍ يطهر، بل هو إن صح من باب الكرامة، وليس من باب التكليف، وتغسيل الملائكة للرجل ليس قيامًا بواجب، بل هو من باب الكرامة، هذا إن صح الحديث.
فالصحيح أنه لا يغسل، سواء أكان جنبًا أم غير جنب؛ لعموم الأدلة، ولأن الشهادة تكفر كل شيء.
ولو قلنا بوجوب تغسيله إذا كان جنبًا، لقلنا أيضًا بوجوب وضوئه إذا كان محدثًا حدثًا أصغر؛ ليكون على طهارة، ولم يقولوا به، فالصواب أنه لا استثناء.
وقوله: (ويدفن بدمه في ثيابه).
طالب: (... ). الشيخ: ما عندكم (بدمه) عندي حطها متن.
(ويدفن في ثيابه) يدفن يعني الشهيد في ثيابه التي قتل فيها؛ لأنه يبعث يوم القيامة على ما مات عليه من القتل، ولهذا يبعث وجرحه يثعب دمًا، اللون لون الدم، والريح ريح المسك، فيدفن في ثيابه.

ولكن يقول: (بعد نزع السلاح والجلود عنه)، يعني: إذا كان معه جلود مثل سير ربط به إزاره أو رداءه، أو ما أشبه ذلك، أو معه سلاح قد حمله فإنه ينزع منه؛ لأن هذا لا يدخل في الثياب، ولأنه ورد في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم (9). (وإن سُلبها) الضمير الذي هو نائب الفاعل يعود على (الثياب) ومعنى سلبه إياها أنها تؤخذ منه، مثل أن يأخذها العدو ويدعه عاريًا، قالوا: كفن بغيرها وجوبًا؛ لأنه لا بد من التكفين للميت؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «كَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ» (2). (ولا يصلى عليه) لا يصلي عليه أحد من الناس؛ لا الإمام ولا غير الإمام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على شهداء أحد (9)، ولأن الحكمة من الصلاة الشفاعة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جِنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئًا إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ» (16)، فدل هذا على أن الحكمة من الصلاة هي الشفاعة.
والشهيد يكفر عنه كل شيء إلا الدَّين؛ فإن الدين لا يسقط بالشهادة، يبقى في ذمة الميت في تركته، إن خلف تركة، وإلا فإنه إذا كان أخذه يريد أداءه أدى الله عنه.
(ولا يصلى عليه) إذن نقول: لا يصلى عليه دليل وتعليل، ما هو الدليل؟ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على شهداء أحد (9)، والتعليل: أن المقصود من الصلاة الشفاعة، والشهيد قد كفر عنه كل شيء.
فإن قال قائل: أليس النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج في آخر حياته إلى أحد وصلى عليهم (17)؟

فالجواب أن هذه ليست صلاة الميت؛ لأن صلاة الميت يجب أن تكون قبل الدفن، ولكن هذه إما صلاة بمعنى الدعاء، وإما صلاة مودع كما مال إليه ابن القيم -رحمه الله- أنه خرج إليهم يدعو لهم كالمودع لهم، وأما أنها الصلاة التي تصلى على الميت فلا يمكن أن يبقى الرسول عليه الصلاة والسلام من السنة الثانية إلى السنة العاشرة أو الحادية عشرة لم يصلِّ عليهم.
ثم قال: (وإن سقط عن دابته)، (إن سقط) الفاعل من؟ الشهيد، إن سقط أي الشهيد عن دابته، لكن بشرط أن يكون بغير فعل العدو، فإن سقط عن دابته بفعل العدو فالعدو قتله إن مات، ويكون شهيدًا لا يغسل كما سبق.
(أو وجد ميتًا ولا أثر به) يعني ليس به أثر جراحة، ولا خنق، ولا ضرب، ووجد ميتًا فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، وهذا له دليل نظري؛ وذلك أن هذا الميت وجب بموته أن يغسل ويكفن ويصلى عليه.
وكون موته من فعل العدو مشكوك فيه؛ لأنه ليس فيه أثر، ولا يمكن أن ندع اليقين للشك، بل يجب أن يغسل ويكفن ويصلى عليه.
وقول المؤلف: (ولا أثر به) يخرج به ما لو وجد به أثر، مثل جرح، خنق، ضرب، ضربات مميتة، فإنه يحكم بالظاهر هنا، وهو أن الذي فعل به ذلك العدو، وعلى هذا فيكون شهيدًا لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه.
وهنا غلبنا الظاهر على الأصل؛ كيف غلبنا الظاهر على الأصل؟ لأن الأصل وجوب التغسيل.. أو حُمِلَ فأُكِلَ أو طالَ بقاؤُه عُرْفًا غُسِّلَ وصُلِّيَ عليه، والسَّقْطُ إذا بَلَغَ أربعةَ أَشْهُرٍ غُسِّلَ وصُلِّيَ عليه، ومَن تَعَذَّرَ غُسْلُه يُمِّمَ، وعلى الغاسِلِ سَتْرُ ما رآه إن لم يكنْ حَسَنًا.

(فصلٌ في الكفن)

يَجِبُ تَكفينُه في مالِه مُقَدَّمًا على دَيْنٍ وغيرِه، فإن لم يكنْ له مالٌ فَعَلَى مَن تَلْزَمُه نَفقتُه إلا الزوجَ لا يَلْزَمُهُ كَفَنُ امرَأَتِه، ويُسْتَحَبُّ تَكفينُ رَجُلٍ في ثلاثِ لفائفَ بيضٍ تُجَمَّرُ ثم تُبْسَطُ بعضُها فوقَ بعضٍ ويُجْعَلُ الْحَنوطُ فيما بينَها ثم يُوضَعُ عليها مُسْتَلْقِيًا ويُجْعَلُ منه في قُطْنٍ بينَ ألْيَتَيْهِ ويُشَدُّ فوقَها خِرقةٌ مَشقوقةُ الطرْفِ كالتُّبَّانِ تَجْمَعُ ألْيَتَيْةِ ومَثَانَتَه، ويُجْعَلُ الباقي على مَنافِذِ وَجهِهِ ومَواضِعِ سُجودِه، وإن طُيِّبَ كلُّه فحَسَنٌ، ثم يُرَدُّ طَرْفُ اللِّفافةِ العُليا على شِقِّهِ الأيمنِ ويُرَدُّ طَرْفُها الآخَرُ من فوقِه ثم الثانيةُ والثالثةُ كذلك، ويُجْعَلُ أكثرُ الفاضلِ علىِ رأسِه ثم يَعْقِدُها وتُحَلُّ في القبرِ وإن كُفِّنَ في قميصٍ ومِئْزَرٍ ولِفافةٍ جازَ.

وتُكَفَّنُ المرأةُ في خمسةِ أثوابٍ: إزارٍ وخِمارٍ وقَميصٍ ولِفافَتَيْنِ، والواجبُ ثوبٌ يَسْتُرُ جميعَه.
(فصلٌ)

السُّنَّةُ أن يقومَ الإمامُ عندَ صَدْرِه وعندَ وَسَطِها، ويُكَبِّرُ أربعًا يَقرأُ في الأُولى بعدَ التَّعَوُّذِ الفاتحةَ، ويُصَلِّي على النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ في الثانيةِ كالتَّشَهُّدِ، ويَدعُو في الثالثةِ فيقولُ: " اللهمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا ومَيِّتِنَا وشاهِدِنا وغائِبِنا وصَغيرنِا وكَبيرنِا وذَكَرِنا وأُنْثَانَا، إنك تَعْلَمُ مُنْقَلَبَنَا ومَثوانَا وأنتَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، يخرج به ما لو وُجِدَ به أثر؛ مثل: جرح، خنق، ضرب؛ ضربات مميتة، فإنه يحكم بالظاهر هنا، وهو أن الذي فعل به ذلك العدو، وعلى هذا فيكون شهيدًا لا يُغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه.
وهنا غلَّبنا الظاهر على الأصل، كيف غلَّبنا الظاهر على الأصل؟ لأن الأصل وجوب التغسيل، وهنا أسقطنا هذا الواجب بهذا الظاهر الذي هو الأثر.

استثنى بعضهم من الأثر الدمَ من الفم، أو الأنف، أو القُبُل، أو الدُّبُر، قال: لأن هذا قد يقع ممن مات موتًا طبيعيًا، فلا يدل على أن الذي فعل به هذا العدو، ولكن كلام المؤلف يدل على العموم أنه متى وجد به أثر يحتمل أنه من فعل العدو فهو شهيد.
قال: (أو حُمل فأكل) (حمل) من أين؟ من أرض المعركة، (فأكل) ثم مات، فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، ولو علمنا أنه مات متأثرًا بجراحه؛ لأن كونه يأكل يدل على أن فيه حياة مستقرة؛ إذ إن الذي في حكم الميت لا يأكل، فأكله دليل على أن فيه حياة مستقرة.
وظاهر كلام المؤلف أنه إذا أكل ولو لم يطل الفصل؛ يعني: إذا أكل ولو مات بدون طول الفصل فإنه يغسل.
وقال بعض الفقهاء: لا يغسل إذا لم يطل الفصل؛ لأنه قد يأكل بغير شعور وهو في النزع، ولكن هذا في الحقيقة بعيد؛ أي: أن أكله دليل على أن فيه حياة مستقرة.
وقول المؤلف: (أو حُمل فأكل) ظاهره أنه لو لم يحمل فأكل، ثم مات فإنه شهيد لا يغسل، وعبارة بعض الفقهاء: أو جُرِحَ فأكل، وهذه العبارة الثانية الأخيرة أعم مما إذا حمل أم لم يحمل.
وهذا هو الأقرب، الأقرب أنه إذا أكل -سواء حمل أم لم يحمل- فإن أكله دليل على أن فيه حياة مستقرة، فيغسَّل ويكفن.
فإن قال قائل: ما الدليل على أن الشهيد إذا جرحه العدو جرحًا مميتًا وبقي حيًّا حياة مستقرة أنه يغسل ويكفن؟ قلنا: الدليل قصة سعد بن معاذ رضي الله عنه؛ فإنه جُرح في أكحله عام الأحزاب، ولكنه سأل الله ألَّا يميته حتى يقر عينه ببني قريظة، فاستجاب الله دعاءه (1)، وبقي الجرح ملتئمًا حتى حكم فيهم هو نفسه، حكم في بني قريظة لماذا؟ لأنه هو حليفهم.

انظر الفرق بين سعد بن معاذ وبين عبد الله بن أُبي؛ عبد الله بن أُبي قام يجادل عن حلفائه من اليهود؛ لأنه كافر، أما هذا فسأل الله ألَّا يميته حتى يقر عينه بهم، فأقر الله عينه، وصار هو الحكم فيهم، وحكم فيهم بالحكم الذي شهد له النبي عليه الصلاة والسلام بأنه حكم الله من فوق سبع سماوات (2)، ولما حكم فيهم -سبحان الله- انبعث الدم ومات رضي الله عنه، ولكنه أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: أن عرش الرب عز وجل اهتز لموته (3) فرحًا بروحه؛ لأن روحه صعدت إلى الله عز وجل.
وفي ذلك يقول حسان بن ثابت رضي الله عنه:

وَمَا اهْتَزَّ عَرْشُ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ هَالِكٍ سَمِعْنَا بِهِ إِلَّا لِسَعْدٍ أَبِي عَمْرِو

رضي الله عنه.
الحاصل أن هذا يكون دليلًا على أن الشهيد إذا طال بقاؤه فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، وألحق العلماء به ذلك ما إذا وجد منه دليل الحياة المستقرة؛ مثل الأكل.
(أو طال بقاؤه عُرفًا) يعني: ليس مقدرًا على الشرع، بل إذا طال بقاؤه وعرف أنه ليس في سياق الموت فإنه يغسل ويكفن ويُصَلَّى عليه.
وظاهر كلام المؤلف أنه لو شرب فإن ذلك لا يسقط وجوب الغسل، وهذا هو اختيار المجد، من المجد؟ مجد الدين ابن تيمية، وهو عبد السلام جد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله، يقول: إن الشرب لا يسقط حكم الشهادة؛ لأن الإنسان قد يشرب وهو في سياق الموت، بخلاف الأكل، فكلام الماتن تابع لكلام المجد رحمه الله.
طالب: أحسن الله إليك، إن قال قائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر قيس بن عاصم حينما أسلم أن يغتسل (4)، استدل العلماء على هذا بالوجوب، وبعض العلماء قالوا: على الاستحباب؛ لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر الصحابة بالاغتسال، قد يقول قائل: إن في غسل الشهيد، إن هذا لحنظلة رضي الله عنه أن الملائكة غسلوه، فيكون شرعًا معلومًا من بعده، فقيس بن عاصم..

الشيخ: لا، ما يستقيم هذا؛ لأن الشهادة تكفر كل شيء، أصل الموت حدث أكبر يوجب الغسل، فلما سقط عن الشهيد، نقول: كذلك أيضًا ما أوجب الغسل من غير الموت.
طالب: يا شيخ، في قوله: (إذا خرج منه شيء بعد السابعة يوضأ) لماذا؟ ولأن الوضوء ليس واجبًا؟ الشيخ: لا، يكون هذا نقضًا للوضوء، وإذا كان ناقضًا للوضوء فإنه يجب أن تكون الصلاة على الميت وهو على طهارة كاملة.
الطالب: الخارج منه هل لا بد أن يكون (... )؛ يعني: لو كان دم هل يُوَضَّأ؟ الشيخ: ظاهر كلامهم أنه يُوَضَّأ.
الطالب: من كل خارج؟ الشيخ: من كل خارج.
الطالب: وما هو ضابط الخارج؟ الشيخ: الخارج الدم، قيح، بول، غائط.
الطالب: كل شيء؟ الشيخ: كل شيء.
طالب: (... ).

الشيخ: أيهم؟ الطالب: (... ). الشيخ: الذي يترجح عندي أنه إذا بقي متأثرًا كتأثر المحتضر أنه لا يغسل، أما إذا بقي متألمًا لكنه معه عقله وفكره فإنه يغسل.
الطالب: إذا قلنا يا شيخ (... ) حمية (... ) يغسل (... ) غنيمة فقط؟ الشيخ: ويش تقولون؟ يقول: لو كان المقتول في المعركة قد صرح بأنه يقاتل حمية وعصبية فهل له حكم الشهيد؟ لا، هذا يغسل كغيره.
طالب: أحسن الله إليك، (... ) ما يكون شهيد؟ الشيخ: وُجِدَ مقتولًا، وليس فيه آثار قتل.
الطالب: لا، ميتًا.
الشيخ: ميتًا، هذا الصواب هذا المؤلف يقول: (إذا وجد ميتًا ولا أثر به فإنه يجب أن يغسل).
الطالب: شيخ، ما يكون له أجر الشهداء؟ الشيخ: دعنا من الأجر، أجر الآخرة عند الله، لكن نحن الآن لم نعلم ما يسقط تغسيله، فلا يزال يقين الوجوب بالشك.

الطالب: هل شهيد المقتول في سبيل الله؟ الشيخ: المقتول في سبيل الله شهيد ما فيه شك.
الطالب: يعني: يقال لرجل ميت: إنه شهيد؟ الشيخ: ما ندري إن كان من فعل العدو فهو شهيد، وإن كان بفعل الله؛ الله يميت الإنسان هكذا سكتة.
طالب: الغازات تحتاج الكشف عليها ولا ظاهرة (... )؟ الشيخ: نعم، إذا علم أن العدو استعمل الغاز، وأن هذا الميت مات منه.

الطالب: (... ). الشيخ: إي، فهذا قد يقال: إن هذا ظاهر أنه مات من الغازات، لكن في عهد العلماء ما يعرفون الغازات (... ).


(والسقط إذا بلغ أربعة أشهر غسل وصلي عليه) السِّقط بكسر السين، ويجوز الفتح، ويجوز الضم؛ فتقول: السِّقط والسَّقط والسُّقط، ومعناه: الساقط، والمراد به: الحمل إذا سقط من بطن أمه.
فهل حكمه كحكم من مات بعد خروجه أم ماذا؟ قال: (إذا بلغ أربعة أشهر غُسِّل وصُلِّي عليه) يعني: إذا تم له أربعة أشهر، ليس المعنى إذا دخل الرابع، بل إذا أتمه.
(إذا بلغ أربعة أشهر غُسِّل وصُلِّي عليه) من ابتداء الحمل، والمراد بالأشهر هنا الأشهر الهلالية؛ لأن الأشهر الهلالية هي التي جعلها الله عز وجل مواقيت للناس؛ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189]، وهي التي وضعها الله تعالى للناس جميعًا منذ خلق السماوات والأرض، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: 36]، وهي هذه الأشهر الهلالية المعروفة.
وأما الأشهر الاصطلاحية التي هي أشهر النصارى ومن تابعهم، فهذه لا أصل لها شرعًا ولا أصل لها قدرًا؛ أما الأصل القدري فلأن الله تعالى جعل هذه الأهلة هي المواقيت؛ ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾، وأما شرعًا فإنه لم يرتب عليها لا صيام، ولا حج، ولا أشهر حرم، كل الأحكام -أحكام الأشهر- منفية عن هذه الأشهر الاصطلاحية التي جاءت من النصارى.
إذن المعتبر بقوله: (أربعة أشهر) الأشهر الهلالية التي جعلها الله لعباده شرعًا وقدرًا.
يقول: (إذا بلغ أربعة أشهر غُسِّل وصُلِّي عليه) (غُسِّل) يعني: وكُفِّن، الكفن لا بد منه، (وصُلِّي عليه) يعني: ودُفِن، فالمؤلف طوى ذكر الكفن والدفن؛ لأنه معلوم.

وإنما قيده ببلوغ أربعة أشهر؛ لأنه قبل ذلك ليس بإنسان؛ إذ لا يكون إنسانًا حتى يمضي عليه أربعة أشهر، ودليل ذلك حديث عبد الله بن مسعود حيث بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه يكون -يعني الجنين- في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، فهذه كم؟ أربعة أشهر، ثم يرسل إليه الملك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات (5)، إلى آخره.
وعلى هذا فهو قبل هذه المدة يكون جمادًا؛ قطعة لحم يدفن في أي مكان بدون تغسيل، وبدون تكفين، وبدون صلاة، لكن بعد أربعة أشهر يكون إنسانًا، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: 14]، فيعامل معاملة من مات بعد خروجه.
قال العلماء: ويسمى؛ يسمى بالاسم؛ لأن هذا السقط يبعث يوم القيامة، فلا بد أن يسمى؛ لأن الناس يدعون يوم القيامة بأسمائهم وأسماء آبائهم، فيسمى حتى يدعى باسمه يوم القيامة.
قال العلماء: فإن شُك فيه هل هو ذكر أو أنثى -وهو بعيد، لكن ربما يقع- فإنه يسمى باسم صالح للذكر والأنثى؛ مثل هبة الله، عطية الله، نحلة الله، وما أشبه ذلك؛ لأن هذا صالح للذكر والأنثى.
أما إذا كان ذكرًا فيسمى باسم الذكور؛ كعبد لله، إن كان أنثى يسمى بأسماء الإناث؛ كزينب، وفاطمة.
(ومن تعذر غسله يُمِّمَ) يعني: من امتنع غسله؛ أي: تغسيله، فإنه ييمم.
وكيفية التيمم أن يضرب الحيُّ يديه على الأرض، ثم يمسح بهما وجه الميت وكفيه.
ولكن بماذا يكون التعذر؟ يكون التعذر؛ إما بعدم الماء، وإما بتعذر استعماله في هذا الميت؛ بأن يكون الميت قد تمزق، أو يكون محترقًا لا يمكن مسه إلا بتمزيق جلده، فهنا ييمم.

لماذا ييمم؟ قالوا: لأن تغسيل الميت طهارة مأمور بها، فإذا تعذر تطهيره بالماء عدلنا إلى بدله وهو التراب.
وأظن فيه قولًا بأنه لا ييمم إذا تعذر غسله؛ لأن هذه ليست طهارة حدث، إنما هي طهارة تنظيف؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم للنساء اللاتي يغسلن ابنته: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ سَبْعًا، أَوْ أَكَثَرَ مِنْ ذَلِكَ» (6)، وطهارة الحدث لا تزيد على ثلاث، فإذا كان المقصود تنظيف الميت، وتعذر الماء، فإن استعمال التراب لا يزيده إلا تلويثًا، فتجنبه أولى.
فإذا كان هذا قد قيل فهو أقرب إلى الصواب من القول بتيميمه، وإن كانت المسألة إجماعًا؛ يعني: ييمم من تعذر غسله، فالإجماع لا تجوز مخالفته؛ لأن هذه الأمة لا تجمع على ضلالة.
ثم قال: (وعلى الغاسل ستر ما رآه إن لم يكن حسنًا) (على الغاسل) غاسل من؟ غاسل الميت.
(ستر ما رآه) من الميت، (إن لم يكن حسنًا) الميت ربما يُرَى منه ما ليس بحسن؛ إما ليس بحسن من الناحية الجسدية، وإما ليس بحسن من الناحية المعنوية، قد يُرَى -والعياذ بالله- وجهه مظلمًا متغيرًا كثيرًا عن حياته، فلا يجوز للإنسان أن يتحدث إلى الناس، ويقول: إني رأيت وجهه مظلمًا؛ لأنه إذا قال ذلك ظنَّ الناس به سوءًا.
وقد يكون وجهه مسفرًا، حتى إن بعضهم يُرى بعد موته متبسمًا، هذا أيضًا يستر أو لا؟ هذا لا يستره.
أما السيء من الناحية الحسية؛ فإن الميت قد يكون في جلده أشياء من التي تسوؤه إذا اطَّلع الناس عليها، كما قال الله تعالى في قصة موسى: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [طه: 22]، فإنه قد يكون فيه برص يكره أن الناس تطلع عليه، فلا يجوز للإنسان أن يقول: رأيت فيه برصًا، وقد يتغير لون الجلد ببقع سوداء، والظاهر -والله أعلم- أنها دموية تكون، أيضًا لا يبرزها للناس يجب أن يسترها.

قال العلماء: إلا إذا كان صاحب بدعة وداعية لبدعته ورآه على وجهٍ مكروه، فإنه ينبغي أن يبين ذلك، ليش؟ حتى يحذر الناس من دعوته إلى البدعة؛ لأن الناس إذا علموا أن خاتمته على هذه الحال، فإنهم ينفرون من منهجه وطريقه، وهذا القول لا شك قول جيد وحسن؛ لما فيه من درء المفسدة التي تحصل في اتباع هذا المبتدع الداعية.
عندي في الشرح كلام حسن يقول: فيلزمه ستر الشر، لا إظهار الخير؛ يعني: ستر الشر واجب، وإظهار الخير ليس بواجب، ولكنه حسن ومطلوب؛ لما فيه من إحسان الظن بالميت والترحم له، ولا سيما إذا كان صاحب خير.
يقول: (ونرجو للمحسن ونخاف على المسيء) يعني: بالنسبة للأموات أن نرجو للمحسن رحمة الله، ونخاف على المسيء، خوفنا على المسيء يستلزم أن ندعو الله له، إذا لم تكن إساءته مخرجة إلى الكفر، فإذا مات الإنسان وهو معروف بالمعاصي التي لا توصل إلى الكفر، فإننا نخاف عليه، ولكننا نسأل الله له المغفرة والعفو؛ لأنه محتاج إلى ذلك.
(ولا نشهد إلا لمن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم) (لا نشهد) يعني: بالجنة أو بالنار، إلا لمن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم.
والشهادة بالجنة أو بالنار على نوعين؛ النوع الأول: شهادة للجنس، والنوع الثاني: شهادة للعين؛ يعني: أن تشهد لشخص بعينه.
فأما الأول فنشهد بالجنة لكل مؤمن؛ لأن الله هكذا قال، ونشهد بالجنة لكل متق؛ لأن الله قال: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133]، وهذا لا يخص شخصًا بعينه، لكن يعم الجنس، وكذلك نشهد لكل كافر أنه في النار، قال الله تعالى في النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 131]. وأما الشهادة لمعين فلا نشهد إلا إذا شهد له النبي صلى الله عليه وسلم، مثل العشرة المبشرين بالجنة؛ أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وستة مجموعون في بيت: سَعِيدٌ وَسَعْدٌ وَابْنُ عَوْفٍ وَطَلْحَةُ وَعَامِرُ فِهْرٍ وَالزُّبَيْرُ الْمُمَدَّحُ

ستة وغيرهم أيضًا ممن شهد له الرسول شهد النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة لغير هؤلاء؛ مثل: سعد بن معاذ، ثابت بن قيس بن شماس، عبد الله بن سلَام، وبلال، وغيرهم من الصحابة نشهد لهم بالجنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم شهد لهم.
وألحق شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من اتفقت الأمة أو جُلُّ الأمة على الثناء عليه؛ مثل الأئمة الأربعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا مرَّت جنازة أثنوا عليها خيرًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَجَبَتْ» يعني: وجبت له الجنة، ومرت جنازة أخرى فأثنوا عليها شرًّا، فقال: «وَجَبَتْ»، ثم قال لهم: «أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ» (7). وعلى هذا فنشهد لهؤلاء الأئمة الذين أجمعت الأمة أو جُلها على الثناء عليهم بالجنة، لكن ليست شهادتنا لهم بالجنة كشهادتنا لمن شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم.
قال: (ويحرم سوء الظن بمسلم ظاهره العدالة) انتبه، يحرم سوء الظن بمسلم، أما الكافر فلا يحرم سوء الظن فيه؛ لأنه أهلٌ لذلك.
(ظاهره العدالة) يعني: وأما من عُرف بالفسوق والفجور فلا حرج أن نسيء الظن به؛ لأنه أهلٌ لذلك، ومع هذا لا ينبغي للإنسان أن يتتبع عورات الناس ويبحث عنها؛ لأنه قد يكون متجسسًا بهذا العمل.
قال: (ويُسْتَحَب ظنُّ الخيرِ بالمسلم) يعني: يستحب للإنسان أن يظن بالمسلمين خيرًا، وإذا وردت كلمةٌ من إنسانٍ تحتمل الخير والشر فاحملها على الخير ما وجدت لها محملًا، وإذا حصل فعلٌ من إنسانٍ يحتمل الخير والشر فاحمله على الخير ما وجدت له محملًا؛ لأن ذلك يزيل ما في قلبك من الحقد والعداوة والبغضاء ويريحك.
فإذا كان الله عز وجل لم يكلفك أن تبحث وتنقب، فاحمد الله على العافية، وأحسن الظن بإخوانك المسلمين حتى لو قالوا فيك كلمة أنت، وجاءك الشيطان يقول: ترى إن هذا الرجل يريد كذا وكذا، فالواجب أن تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وأن تحملها على أحسن المحامل.

وإلا لو اتبعنا الشيطان في هذه الأمور لكنا نؤول كلمات كثيرة من الناس على أنها قدح، ولكننا يجب أن نبعد الشيطان عنا في هذا الأمر، وما دامت كلمة أخينا المسلم تحتمل الخير -ولو من وجه بعيد- فليحملها على الخير.
وأما ما يذكر عن النبي عليه الصلاة والسلام: «احْتَرِسُوا مِنَ النَّاسِ بِسُوءِ الظَّنِّ» (8)، فهذا كذب لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل روى أبو داود من حديث ابن مسعود رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يُحَدِّثْنِي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا؛ فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ، وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ» (9)، عليه الصلاة والسلام.
وهذا هو اللائق بالمسلم.
أما -والعياذ بالله- بعض الناس من فُتن وصار يتتبع عورات الناس ويبحث عنها، وإذا رأى شيئًا يحتمل الشر ولو من وجه بعيد طار به فرحًا ونشره، فليبشرْ بأن من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في جحر (... ).


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله، قال المصنف رحمه الله تعالى: فصل

يجب تكفينه في ماله مقدمًا على دينٍ وغيره، فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته، إلا الزوج لا يلزمه كفن امرأته.
ويُسْتَحب تكفينُ رجلٍ في ثلاث لفائف بيض، تجمر، ثم تبسط بعضها فوق بعض، ويجعل الحنوط فيما بينها، ثم يوضع عليها مستلقيًا، ويجعل منه في قطن بين أليتيه، ويشد فوقها خرقة مشقوقة الطرف كالتبان، تجمع أليتيه ومثانته، ويجعل الباقي على منافذ وجهه ومواضع سجوده، وإن طيب كله فحسن.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فصل: في الكفن).
قبل أن نبدأ بالدرس اليوم نبين ما ذكرناه الآن من أن من تعذر غسله فإنه لا ييمم على القول الراجح، وننظر في السقط هل يغسل ويكفن ويصلى عليه أم لا؟ طالب: يغسل ويكفن ويصلى عليه.
الشيخ: السقط يغسل؟ الطالب: إذا بلغ أربعة أشهر.

الشيخ: إذا بلغ أربعة أشهر يغسل ويكفن ويصلى عليه.
لماذا قيدناه بأربعة أشهر؟ طالب: لأنه عندما يبلغ عمره أربعة أشهر ينفخ فيه الروح ويتم خلقه، حديث ابن مسعود: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يَمْكُثُ -فِي معنى الحديث- أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا عَلَقَةً، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ» (5)، وقبل الأربعة أشهر يكون كقطعة اللحم لا يتبين فيه خلق الإنسان.
الشيخ: يعني: لا يتبين فيه خلق الإنسان إلا بعد أربعة أشهر؟ الطالب: نعم.
الشيخ: خطأ.
طالب: إذا كان له أربعة أشهر فإنه يكون حكمه حكم إنسان يغسل ويُصَلَّى عليه، أما قبل ذلك.. الشيخ: إي، لماذا؟ نسأل عن التعليل.
الطالب: لأنه يكون إنسانًا وتم إنسان..، لم يخلق؛ لم ينفخ فيه الروح.
الشيخ: يعني: إذا أتم أربعة أشهر نفخ فيه الروح، فكان إنسانًا يوصف بالحياة والموت.
قبل أربعة أشهر هل يخلق أو لا؟ طالب: لا يُخَلَّق.
الشيخ: قبل أربعة أشهر لا يُخَلَّق؟ الطالب: (... ). الشيخ: أنا أسأل هل يُخَلَّق أو لا؟ الطالب: يُخَلَّق.
الشيخ: يُخَلَّق.
الدليل؟ طالب: (... ) أربعين يوم علقة، ثم يكون مضغة مثل ذلك.
الشيخ: مثل ذلك، والمضغة قال الله فيها: ﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: 5].
يقول المؤلف: (يجب على الغاسل أن يستر ما رآه إن لم يكن حسنًا) هل هذا على إطلاقه؟ طالب: إي نعم.
الشيخ: يجب؟ الطالب: يجب على المغسِّل أن يبين ما فيه إذا كان صاحب بدعة.
الشيخ: إذن ليس على إطلاقه.
الطالب: إي نعم، إذا كان صاحب بدعة يبينه؛ ليعتبر به الناس.
الشيخ: إي نعم، وكذلك أيضًا لو كان صاحب مبدأ هدَّام؛ كالبعثيين مثلًا والحداثيين وما أشبههم، فقول العلماء: صاحب بدعة يشمل هذا؛ لأن هذه المبادئ كلها مبتدعة في الدين، وإن انتسبت إلى الدين فإنها بدعة.

المهم أن كل صاحب عقيدة أو طريقة مخالفة للشرع وداعية لذلك والناس يعتقدون به فإن الواجب أن نبين ما نراه بعد موته من مظهر السوء؛ حتى ينفر الناس من طريقته ومنهجه.


ثم قال المؤلف: (فصل: في الكفن) (الكفن) ما يكفَّن به الميت من ثياب أو غيرها.
وحكمه -أي: حكم تكفين الميت- الوجوب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الذي وقصته راحلته: «كَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ» (10)، «كَفِّنُوهُ»، والأصل في الأمر الوجوب.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى النساء اللاتي يغسلن ابنته الكفن وقال: «أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ» (6)، أعطاهن حِقْوَه عليه الصلاة والسلام -يعني: إزاره- وقال: «أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ» أي: اجعلنه شعارًا، وهو الذي يلي بدنها.
وقوله: (يجب تكفينه) ما نوع الوجوب هذا؟ كفائي.
وقد تقدم لنا الفرق بين الكفائي والعيني؛ أن الكفائي يقصد حصول الفعل بقطع النظر عن الفاعل، وأما العيني فيطلب الفعل من الفاعل؛ يعني: يراعى فيه الفعل والفاعل.
وتقدم أيضًا أن القول الراجح أن فرض العين أفضل من فرض الكفاية؛ لأنه أوكد، بدليل أن الله تعالى أمر به جميع الخلق.
(يجب تكفينه في ماله) أي: في مال الميت، ودليل كونه واجبًا في ماله قوله: «كَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ» (11)، فأضاف الثوبين إلى الميت.
ولكن لو فرض أن هناك جهة مسؤولة ملتزمة بذلك، فلا حرج أن نكفنه منها، إلا إذا أوصى الميت بعدم ذلك؛ بأن قال: كفنوني من مالي، فإنه لا يجوز أن نكفنه من الأكفان العامة، سواء كانت من جهة حكومية أو من جهة فاعل خير.
(مقدمًا على دَين وغيره) (مقدمًا) هذه حال من (تكفينه) يعني: حال كون التكفين مقدمًا على دَين وغيره.
الدَّين معروف وهو: كل ما ثبت في الذمة من ثمن مبيع، أو أجرة بيت، أو دكان، أو قرض، أو صداق، أو عوض خلع، المهم أن الدين كل ما ثبت في الذمة، وإن كان العامة لا يطلقون الدين إلا على ثمن المبيع لأجلٍ، فهذا عرف ليس موافقًا لإطلاقه الشرعي.

وقوله: (وغيره) يعني: الوصية والإرث، فالتكفين مقدم على كل شيء.
وعموم قول المؤلف: (مقدمًا على دَين) يشمل ما إذا كان الدين فيه رهن أو لا، وعلى هذا فلو خلَّف الرجل شاة ليس له غيرها مرهونة هذه الشاة بدَين عليه، ولم نجد كفنًا إلا إذا بعنا هذه الشاة واشترينا بقيمتها كفنًا، فهل نقدم حق المرتهن ونقول: لا نبيع الشاة، أو نقدم الكفن؟ نقول: نقدم الكفن؛ لأن الكفن مما تتعلق به حاجة الشخص الخاصة، فيقدم على كل شيء.
إذن نأخذ من إطلاق المؤلف أو عموم كلامه: (مقدمًا على دَين) أنه يُقَدَّم التكفين على الدين، ولو كان الدَين برهنٍ فيباع الرهن ويُكَفَّن منه.
وقوله: (وغيره) ماذا ذكرنا في الغير؟ الوصية والإرث، فلو أوصى الميت بشاة للفقراء، ولما مات لم نجد ما نكفنه به إلا قيمة هذه الشاة فماذا نصنع؟ تباع الشاة ويكفن من قيمتها.
(فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته) يعني: إن لم نجد له مالًا فعلى من تلزمه نفقته.
إذا وجدنا ثوبًا قد لبسه الميت وغترة، فهل نكفنه به أو نقول: لا بد أن نكفنه باللفائف؟ نقول: إذا كان يقوم بالواجب فإننا لا نلزم الناس أن يكفنوه ما دام في ماله، ولو ثيابه التي عليه تكفي فإننا لا نلزم غيره بتكفينه.
(فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته) ومن الذي تلزمه النفقة؟ نحن نذكر هنا ما يسمى عند الناس بالخطوط العريضة؛ الأصول والفروع تجب نفقته بكل حال، فيجب عليك أن تنفق على والديك بكل حال، وعلى أولادك بكل حال، سواء كنت وارثًا أم لم تكن، وعلى هذا فتجب نفقة الجد على ابن ابنه، وإن لم يكن وارثًا لوجود الابن؛ يعني: وإن كان محجوبًا بالابن.
يعني: لو فرضنا أنا وجدنا جدًّا فقيرًا وأبًا فقيرًا وابنَ ابنٍ غنيًّا، يجب على ابن الابن أن ينفق على أبيه وعلى جده، مع أنه لا يرث جده؛ لكونه محجوبًا بأبيه، كذلك في الأصول يجب الإنفاق على الأصول، سواء ورثهم المنفق أم لم يرثهم.

الضابط إذن في الأصول والفروع..، ما هو الضابط؟ طالب: أن كل أصل وفرع تجب نفقته.
الشيخ: بكل حال، سواء كان وارثًا أم لم يكن، أما غير الأصول والفروع فلا تجب النفقة، إلا على من كان وارثًا بفرض أو تعصيب.
الأخ هل يجب أن ينفق على أخيه؟ طالب: إن كان وارثًا.
الشيخ: إن كان لأخيه أولاد فإنه لا يلزمه أن ينفق عليه، لماذا؟ لأنه محجوب بهم، وإن لم يكن له أولاد وجب أن ينفق عليه؛ لأنه وارثه.
هذه هي القاعدة العريضة في المشهور من مذهب الإمام أحمد، والمقام لا يقتضي البسط هنا ولا الترجيح، لكن هذه القاعدة.
إذن من الذي تلزمه نفقته؟ الأصول والفروع، وفي الحواشي من كان المنفق وارثًا له لزمته النفقة، وإلا فلا.
وعلى هذا لو مات ابن بنت شخص ولم نجد له كفنًا، هل يلزم جده من قبل أمه أن يكفنه؟ نعم، يلزم، لماذا؟ لأنه من الأصول، والأصول يجب عليهم الإنفاق على فروعهم مطلقًا، سواء كانوا وارثين أم لا، وكذلك الفروع يجب عليهم الإنفاق على أصولهم مطلقًا، سواء كانوا وارثين أم غير وارثين.
(إلا الزوج لا يلزمه كفن امرأته) يعني: لو ماتت امرأة ولم نجد وراءها شيئًا تكفن به، وزوجها عنده ملايين، فإنه لا يلزمه أن يكفن امرأته، لماذا؟ لأن الإنفاق على الزوجة إنفاق معاوضة؛ مقابل الاستمتاع، وهي إذا ماتت انتهى الاستمتاع بها، مع أنها إذا ماتت فإن بعض علائق الزوجية تبقى؛ بدليل أن الزوج يغسل امرأته بعد موتها.
وقد اختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة؛ فالمشهور عندنا في مذهب الحنابلة أنه لا يلزم الزوج أن يكفِّن امرأته، والعلة ما ذكرنا؛ أن الإنفاق عليها إنفاق معاوضة وقد انقطع بموتها.
والقول الثاني أنه يلزمه أن يكفِّن امرأته؛ لأن هذا من العِشْرَة بالمعروف، ومن المكافأة بالجميل، ولأن علائق الزوجية لم تنقطع.
وهذا القول أرجح؛ أنه يلزمه كفن امرأته إذا كان موسرًا.

فإن لم يوجد من تلزمه النفقة أو وُجِدَ وكان فقيرًا ففي بيت المال، فإن لم يوجد بيت مال منتظم فعلى من علم بحاله من المسلمين؛ لأنه فرض كفاية.
إذن فالمراتب أربعة؛ أولًا: في ماله، ثانيًا: من تلزمه نفقته، ثالثًا: بيت المال، رابعًا: عموم المسلمين.
وإنما قُدِّم بيت المال على عموم المسلمين؛ لأنه لا منَّة فيه على الميت، بخلاف ما إذا كان من المسلمين، فإن هذا الذي سيعطيه سيكون في قلبه منَّة عليه.
قال المؤلف رحمه الله: (ويستحب تكفين رجل في ثلاث لفائف بيض) الاستحباب هنا ليس منصبًّا على أصل التكفين؛ لأن أصل التكفين فرض كفاية، لكنه منصبٌّ على كون الكفن ثلاث لفائف، وكونها بيضًا، فالمستحب في تكفين الرجل أن يكفن في ثلاث لفائف بيض؛ وذلك لأن هذا هو كفن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه كُفِّن في ثلاثة أثواب بيض سَحُولِيَّة، ليس فيها قميص ولا عمامة (12)، وكذلك أمر النبي عليه الصلاة والسلام بأن نلبس البياض ونكفن فيها موتانا، وقال: «إِنَّهَا خَيْرُ ثِيَابِكُمْ» (13)، ولا شك أن البياض يبهج النفس أكثر من غيره من الألوان؛ ولهذا كان النهار أبيض، وتجد السرور إذا طلع الفجر، بخلاف ما إذا جاء الليل.
إذن نقول: الأفضل أن تكون بيضًا، وأن تكون ثلاث لفائف، فإن كُفِّن بغير الأبيض جاز، وإن كُفِّن بلفافة واحدة جاز أيضًا.
وكيف يكفن؟ قال: (تُجمَّر) يعني: تبخر، وسمي التبخير تجميرًا؛ لأنه يوضع في الجمر، ولكن ترش أولًا بماء، ترش رشًا ثم تبخر؛ من أجل أن يعلق الدخان فيها.
(تُجمَّر، ثم تبسط بعضها فوق بعض) تمد الأولى على الأرض، ثم الثانية، ثم الثالثة.
قال المؤلف: (ويُجْعَل الحنوطُ فيما بينها) الحنوط: أخلاط من الطيب تصنع للأموات، ويدل لهذا قول الرسول عليه الصلاة والسلام في الذي وقصته راحلته: «وَلَا تُحَنِّطُوهُ» (11)؛ فإن هذا يدل على أن من عادتهم تحنيط الأموات.

(ثم يوضع الميت عليها) أي: على اللفائف، (مستلقيًا) لأن وضعه مستلقيًا أثبت، وأسهل لإدراجه فيها؛ إذ لو وضع على جنبه لانقلب، وصار في إدراجه هذه اللفائف شيء من الصعوبة، فيوضع مستلقيًا.
(ويجعل منه) أي: من الحنوط (في قطن بين أَليتيه) الحنوط ذكرنا أنه أخلاط من الطيب يصنع للأموات، فنأتي بهذا الطيب نجعل منه فيما بين الأكفان الثلاثة، ونضعه أيضًا في قطنة نجعلها بين أليتيه.
قالوا في تعليل ذلك: لئلا يخرج شيء من دبره، والغالب إذا خرج شيء من دبره أن تكون رائحته كريهة، وهذا الحنوط يضيع الرائحة الكريهة.
ثم قال: (ثم يُشَد فوقها خرقة مشقوقة الطرف كالتُّبان) (يُشَد فوقها) أي: فوق الحنوط الذي وُضِعَ في القطن، (خرقة مشقوقة الطرف كالتُّبان) والتبان هو: السروال القصير الذي ليس له أكمام.
يقول عندي في الشرح: هو السراويل بلا أكمام.
(تجمع) أي: الخرقة المشقوقة (أليتيه ومثانته)، واضحة؟ طلبة: لا.
الشيخ: إي، ما هي بواضحة، يؤتى بخرقة مشقوقة الطرف من أجل أن يمكن إدارتها على الفخذين جميعًا، ثم تشد، ومعنى تشد؛ يعني: تربط لتجمع بين أليتيه ومثانته.
إذن تكون على العورة على السوأتين؛ لأنه لا يمكن أن تجمع المثانة مع الأليتين إلا إذا كانت ساترة لهما، وهذا من تمام الستر؛ ولهذا يقول: (تجمع أليتيه ومثانته) يعني: هذه الخرقة.
(ويُجْعَل الباقي على منافذ وجهه ومواضع سجوده) الباقي منين؟ من الحنوط الذي وضع في القطن، يجعل على منافذ وجهه؛ ومنافذ الوجه هي: العينان، والمنخران، والشفتان.
وعندي أيضًا زيادة: (الأذنين) مع أن الأذنين من الرأس، لكنها لقربها من الوجه تلحق به.
(تجعل على المنافذ) من أجل أن تمنع الهوام دخول هذه المنافذ.
وتجعل على مواضع السجود؛ وهي: الجبهة، والأنف، والكفان، والركبتان، وأطراف القدمين، عللوا لذلك بأن هذا من باب التشريف لها أن تخص بشيء من الحنوط.

وكل هذا على سبيل الاستحباب من العلماء؛ يعني: وضع الحنوط في هذه الأماكن، أما الحنوط من حيث هو فقد جاءت به السنة كما سمعتم.
(وإن طُيِّب كله فحسن) إن طُيِّب الميت كله فحسن؛ لأنه يكون أطيب، لكن ينبغي أن يُطَيب بطيب ليس حارًّا؛ لأن الحار ربما يمزق البدن، لكن بل يكون باردًا، وهذا ليس من الأمور التي عُرِفَت في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن فعلها بعض الصحابة.
يقول: (ثم يرد طرف اللفافة العليا على شقه الأيمن، ويرد طرفها الآخر من فوقه) يعني: من فوق الطرف الأيمن، ثم يفعل الثانية، والثالثة كذلك، يرد طرف اللفافة العليا؛ وهي التي تلي الميت.
(على شقه الأيمن) الآن تصوروا أن الميت مستلقٍ على هذه اللفائف الثلاث، نرد طرف اللفافة العليا؛ وهي التي تلي الميت، على شقه الأيمن، ثم نرد طرفها من الجانب الأيسر على اللفافة التي جاءت من قبل اليمين، نفعل بالأولى هكذا، ثم نفعل بالثانية كذلك، ثم بالثالثة كذلك.
وإنما قال المؤلف هذا؛ لئلا يظن الظان أننا نرد طرف اللفائف الثلاث ردة واحدة؛ بمعنى أن نجمع الثلاث نردها على الجانب الأيمن، ثم نرد الثلاث أيضًا على الجانب الأيسر، المؤلف يقول: لا، أكملْ ردِّ اللفافة الأولى، كيف إكمالها؟ ترد الطرف الذي يلي يمين الميت، ثم الطرف الذي يلي يساره، انتهت العملية بالنسبة للفافة الأولى، ثم الثانية كذلك، ثم الثالثة كذلك.
قال: (ثم يرد طرف اللفافة العليا على شقه الأيمن، ويرد طرفها الآخر من فوقه، ثم يفعل بالثانية، والثالثة كذلك، ويجعل أكثر الفاضل على رأسه) (أكثر الفاضل) منين؟ من الكفن؛ يعني: إذا كان الكفن طويلًا، فليجعل الفاضل من جهة رأسه؛ يعني: يرده على الرأس، وإذا كان يتحمل الرأس والرجلين فلا حرج، ويكون هذا أيضًا أثبت للكفن.

يقول: (ثم يعقدها) يعقد اللفائف، والحكمة من عقدها لئلا تنتشر وتتفرق، (وتحل في القبر) استدل عندي بأثر عن ابن مسعود قال: إذا أدخلتم الميت القبر فحلوا العقد (14)، إي نعم، يعقدها، ثم تحل في القبر، حتى لو فرض أنه نُسي أن تحل، ثم ذكروا عن قرب، فإن الميت ينبش من أجل أن تحل هذه العقد.
عندي في الشرح يقول: وكره تخريق اللفائف؛ لأنه إفساد لها؛ يعني: يكره أنك تخرق اللفائف.
فإذا قال قائل: كيف أخرقها إذا خرقتها لم تستر؟ نقول: لا، تستره خرِّق -مثلًا- العليا، ثم خرق التي تحتها من جهة أخرى لا تقابل الخرق العليا، ثم الثالثة كذلك.
وإنما ذكر المؤلف هذا؛ لأن بعض أهل العلم قال: إذا خيف من النَّباش فإنها تخرق اللفائف.
أيش النَّباش؟ فيه ناس سُرَّاق يأتون إلى المقابر ينبشونها ويأخذون الأكفان، فقال: إذا خفت من هؤلاء فخرق اللفائف؛ لتفسدها عليهم، كما خرق الخضر السفينة؛ لئلا يأخذها الملك الظالم، لكن الفقهاء المتأخرون يقولون: لا تخرقها.
طالب: (... )؟ الشيخ: إي، «لَا تُحَنِّطُوهُ» (11)؛ لأنه محرم؛ لأن الرسول يخاطبهم في المحرم الذي وقصته راحلته، فنهيه عن التحنيط يدل على أن هذا من عادتهم.
طالب: شيخ، لو وضع (... )؟ الشيخ: الظاهر أنه لا بأس، بس الفاظة يخشى منها أنها متينة.
الطالب: فيه نوع خفيف.
الشيخ: إذا كان فيه نوع خفيف طيب.
طالب: شيخ، الراجح أنه يقدم الكفن على الدَّين؟ الشيخ: إي نعم، الراجح أنه يقدم الكفن على الدَّين.
الطالب: من يقوم بسداد دينه إذا (... )؟ الشيخ: يقوم بسداد دينه رب العالمين، من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله، أجل نذهب بالميت كأنه فرخ لا ريش له إلى المقبرة.
الطالب: (... ) بيت المال؟ الشيخ: هذا فيه مِنَّة.
طالب: شيخ، إذا صلى على الميت من يقوم به؟ الشيخ: من تقوم به الكفاية.
الطالب: إذا ناس صلوا صلاة أخرى هل يكونون صلوا سنة أو واجبًا كفائيًّا؟

الشيخ: الصلاة الثانية سنة، وصلاة الفريضة هي الأولى.
الطالب: طيب يا شيخ، بالنسبة للفرض الآن اللي قام بفرض الكفاية قام بالفرض عن الجميع (... ) إسقاط الواجب عن الجميع؟ الشيخ: أسقطوا الواجب عن أنفسهم فقط، لكنه سقط عن الجميع؛ لأن المقصود الفعل وقد حصل.
الطالب: (... ). الشيخ: إي نعم، معلوم؛ لأنه لا بد أن يوجد هذا الفعل من المسلمين، فإذا فعله واحد وحصل به الكفاية فقد أسقط الفرض عن نفسه، والآخرون بعد أن قام هذا بالكفاية لا يجب عليهم شيء.
طالب: شيخ، لماذا تحل العقد في القبر؟ الشيخ: تحل العقد في القبر، عرفتم الأثر عن ابن مسعود، هذه واحدة، الحكمة الثانية: الحكمة من ذلك هو أن الميت يتورم في القبر، فإذا كان مشدودًا بهذه العقد تمزق.
طالب: شيخ، (... ) في هامش الحاشية (... ) الإمام أحمد وقال هو وغيره: إنهم يتزاورون فيها.
الشيخ: الله أعلم، هذا ما نعلم.

طالب: بالنسبة -يا شيخ- لو توفي وليس عنده مال ولكن زوجته عندها مال هل تلزمها؟ الشيخ: لا تلزمها، إلا على رأي ابن حزم يقول: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 233] والزوجة وارثة، فيلزمها إذا كان زوجها فقيرًا أن تنفق عليه، حتى في الحياة يقول: إذا كان الزوج فقيرًا وجب على الزوجة أن تنفق عليه.
طالب: شيخ (... )؟ الشيخ: هو لا يضر، إذا كان عن قرب ما يضر، لم يحصل شيء، نعم لو مضى وقت وخيف أن يكون الميت قد تغير فهنا لا ينبش من أجلها.
طالب: أحسن الله إليك، ذكر أهل العلم (... ) أن تغسيل الميت (... ) سنة، ما دليل هؤلاء؟ الشيخ: ليس عندهم دليل، لا أعلم لهم دليلًا، يقول بعض العلماء: إنه سنة؛ غسل الميت وتكفينه، أقول: لا أعلم لهم دليلًا.
طالب: جزاك الله خيرًا، بالنسبة (... ) ما هو دليلهم على أن (... ) فعل الصحابة فقط؟ الشيخ: فعل الصحابة رضي الله عنهم، نعم.
الطالب: (... )؟

الشيخ: لا، من جملة الصحابة أبو بكر وعمر، وقد أمرنا باتباع سنتهم، ثم إن بعض العلماء علل بعلة جيدة قال: لم يكن الله يختار لنبيه إلا أفضل الأكفان على أيدي الصحابة رضي الله عنهم.
الطالب: أربع أو خمس؟ الشيخ: لا، هذا إسراف ينهى عنه.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، قلت في الدرس الماضي: إن السقط يسمى، وإن الناس يوم يبعثون بأسماء.. الشيخ: يدعون بأسمائهم وأسماء آبائهم.
الطالب: (... )؟ الشيخ: هذا ثبت في صحيح البخاري: أن الناس يدعون بأسمائهم وأسماء آبائهم (15). طالب: إذا دفن الميت وفيه أشياء ثمينة، السِّنة ذهب وغيره هل يجوز (... )؟ الشيخ: إحنا ما ذكرنا هذا يا جماعة؟ طلبة: ذكرناها.
الشيخ: ذكرناها ولكن (... ). الطالب: لا، ولكن شيء غامض؛ يعني: إذا شوف؟ الشيخ: نحن قلنا: إذا مات وفيه سن ذهب؛ فإن تيسر أخذه أخذ، وإن لم يمكن إلا بالتشويه فإنه يبقى، فإذا ظن أنه قد بلي نبش وأخذ، إلا إذا تنازل الورثة عنه فإنه يبقى.
الطالب: يعني يؤخذ بعد الدفن؟ الشيخ: إي، يؤخذ بعد الدفن، لكن ما هو بعد الدفن مباشرة؛ يعني: بعد الدفن مباشرة إذا أخذناه سيتشوه، لكن بعد أن نعلم أن الميت هذا قد يبس وصار لو أخذناه ما يتأذى.
طالب: (... )؟ الشيخ: إي نعم، هذا إشكال جيد، يقول: لو وجدنا بعض ميت فهل نغسله ونكفنه أم ماذا؟ نقول: إن كان الموجود جملة الميت؛ يعني: وجدنا رجلًا بلا أعضاء فإننا نغسله ونكفنه ونصلي عليه، وإن كان الموجود عضو من الأعضاء؛ فإن كان قد صُلِّي على جملة الميت فهذا لا يصلى عليه، وإن كان لم يصلَّ عليه فإننا نصلي على هذا الجزء الموجود.
طالب: شيخ، بالنسبة لعدد العقد؟ الشيخ: ما يحتاج إليه، أما بعض العامة يقولون: سبع عقد، فلا أعلم لها أصلًا، لكن ما يحتاج إليه، ومعلوم أننا نحتاج إلى عقدتين؛ واحدة عند الذي يرد عند الرأس، والثاني عند الذي يرد عند الرجل، ثم إن كانت اللفائف ما هي عريضة نحتاج أيضًا إلى اثنتين أو ثلاث في الوسط.

طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بالنسبة إلى غسل الرَّجُل الميت وكان معه معاون، هل لهما أن يتحدثا بما رآه من الميت؟ الشيخ: ويش قلنا يا جماعة؟ هل للغاسل ومن معه أن يتحدثا بما رأى من الميت؟ الطالب: (... ) أن يتحدثا (... ) فقط.
الشيخ: إذن لا ينبغي؛ لأنه قد يتحدثا بذلك على وجه الشماتة.
الطالب: أو للعظة يا شيخ.
الشيخ: أما إذا كان للعظة أو للدعاء له فلا بأس.
طالب: شيخ، (... ) أيهما أفضل (... )؟ الشيخ: لا، إذا كان غير البياض يعتبر جمالًا؛ فإنه ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه يلبس العمامة السوداء (16) والحلة الحمراء (17)، وإذا كان على حد سواء فالبياض أفضل (... ).


قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن كُفِّن في قميص ومئزرٍ ولفافة جاز) بعد أن ذكر المؤلف رحمه الله المشروع في تكفين الرجل أنه يكفن في ثلاث لفائف بيض، كما كُفِّن النبي صلى الله عليه وسلم، وذكرنا وجه الدلالة في ذلك أن الصحابة رضي الله عنهم اختاروا هذا، وقد اختار الله لنبيه ما اختاره أصحابه، والله عز وجل هداهم لما فيه الخير لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
لكن مع هذا (إن كُفِّن في قميص ومئزر ولفافة جاز) القميص هو: هذا الذي نلبسه؛ يعني الدرع ذا أكمام.
هذا القميص، والمئزر: ما يؤتزر به، ويكون في أسفل البدن، واللفافة عامة؛ يعني: إذا كُفِّن بهذا فلا بأس، ولكن غالب ما يكفن به الناس اليوم هو اللفائف الثلاث؛ لأن القميص يحتاج إلى خياطة وإلى مدة، أو إلى تجهيز أقمصة تكون مهيئة عند الذين يغسلون الموتى ويكفِّنونهم.
ثم قال المؤلف: (وتكفن المرأة في خمسة أثواب) المرأة تكفن في خمسة أثواب، فبينها: (إزار، وخمار، وقميص، ولفافتين).
قوله: (في خمسة أثواب؛ إزار) هذه يسمونها من حيث الإعراب بدل بعضٍ من كل؛ لأن (خمسة أثواب) هذه عامة، ثم فصَّلها، الإِزار معروف، والخمار: ما يغطى به الرأس، والقميص: هو الدرع ذو الأكمام، واللفافتين: يعمان جميع الجسد.

وقد جاء في هذا حديث مرفوع (18)، إلا أن هذا الحديث في إسناده نظر؛ لأن فيه راويًا مجهولًا؛ ولهذا قال بعض العلماء: إن المرأة تكفن بما يكفن به الرجل؛ أي: في ثلاثة أثواب يلف بعضها على بعض.
وهذا القول إذا لم يصح الحديث هو الأصح؛ لأن الأصل تساوي الرجال والنساء في الأحكام الشرعية، إلا ما دلَّ الدليل عليه، فما دلَّ الدليل على اختصاص أحدهما بالحكم فعلى ما دلَّ عليه الدليل، وإلا فالأصل أنهما سواء.
وعلى هذا فنقول: إن ثبت الحديث بتكفين المرأة في هذه الأثواب الخمسة فعلى العين والرأس، وإن لم يثبت فالأصل تساوي الرجال والنساء في جميع الأحكام، إلا ما دلَّ عليه الدليل.
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (والواجب ثوب يستر جميع الميت) الواجب في الكفن ثوب يستر جميع الميت ثوب واحد، وقول المؤلف: (يستر جميع الميت) يدل على أنه لا بد أن يكون هذا الثوب صفيقًا بحيث لا ترى من ورائه البشرة، فإن رئيت من ورائه البشرة فإنه لا يكفي.
والدليل على أن هذا واجبٌ أن الصحابة الذين قصرت بهم ثيابهم عن الكفن أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يجعل الكفن من نحو الرأس، ويجعل على الرجلين شيء من الإذخر (19)، الإذخر نبات معروف.
فإذا لم يوجد شيء؛ مثل أن يكون الرجل قد احترق بثيابه ولم يوجد ثياب يكفن بها فإنه يكفن بحشيش أو نحوه يوضع على بدنه ويلف عليه حزائم، فإن لم يوجد شيء فإنه يدفن على ما هو عليه، كل هذا مأخوذ من عموم قول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].


الصلاة على الميت

ثم قال المؤلف: (فصل: السنة أن يقوم الإمام عند صدره وعند وسطها) لم يفصح المؤلف في هذا الفصل بحكم الصلاة على الميت؛ لأنه ذكرها في أول الفصل في قوله: (غسلُ الميتِ وتكفينُه والصلاةُ عليه ودفنُه فرضُ كفايةٍ).

وعلى هذا فنقول: الصلاة على الميت فرض كفاية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصلاة على الميت فقال في قصة الرجل الذي عليه الدين: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» (20)، وقال في الذي قتل نفسه بمشاقص: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» (21)، وقال: «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (22). ويشير إلى هذا قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: 84]، فإن هذا يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من هديه أن يصلي على الأموات، وهو كذلك.
فالصلاة على الميت فرض كفاية، وتسقط بمكلَّف؛ يعني: لو صلَّى عليه مكلف واحد ذكر أو أنثى فإن الفرض يسقط.
قد تقولون: كيف لا يوجد إلا رجل واحد أو امرأة واحدة تصلي عليه؟ نقول: نعم، هذا ممكن؛ مثل أن يموت شخص في مكان مجهول، ولا يعلم عنه، فيصلي عليه واحد من الناس يكفي.
ومثلما يسأل عنه الآن بعد أن تنور الناس وتفتحت لهم أبواب العلم يكون عندهم أطفال صغار؛ إما سقط، أو أكبر من ذلك يدفنون في زمن الجهل بدون صلاة عليهم وبدون تكفين وبدون تغسيل، يسأل بعض الأحيان أهل البادية يقولون: إنا كنا ندفن الأموات الصغار بدون صلاة؟ نقول لهم: يصلي واحد منكم على هؤلاء الذين دفنوا ويكفي، حتى لو صلت امرأة واحدة على أحد من الناس كفى؛ لأن فرض الكفاية يسقط بواحد.
واشترطنا أن يكون مكلَّفًا؛ لأن الصلاة على الجنازة فرض، والفرض لا يقوم به إلا المكلَّف.

أمَّا كيف يصلى عليه فاستمع يقول: (السنة أن يقوم الإمام عند صدره، وعند وسطها) هذه السنة، والسنة هنا ليست ضد الواجب، ولكن المراد بها الطريقة؛ يعني: الطريقة التي سنها النبي صلى الله عليه وسلم لأمته؛ أن يقوم الإمام عند صدره، صدر من؟ صدر الرجل، بدليل قوله: (وعند وسطها) فيقف الإمام عند صدر الرجل، ويقف عند وسط المرأة، هكذا قال المؤلف رحمه الله، ولكن الصحيح أنه يقف عند رأس الرجل، لا عند صدره؛ لأن السنة ثبتت بذلك.
(وعند وسطها) أي: وسط المرأة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قام على امرأة ماتت في نفاسها عند وسطها (23). والحكمة في ذلك لأن وسطها محل العجيزة والفرج، فكان الإمام عندهما ليحول بين المأمومين وبين النظر إليه، هذه من الحكمة، والله أعلم هل هناك حكم أخرى أم لا، المهم أن هذا هو السنة عند؟ طالب: من السنة ذكرت أن الحكمة.. الشيخ: ما هو الحكمة عند، الحكم أين يقف الإمام من الرجل؟ الطالب: عند رأس الرجل.
الشيخ: وعلى رأي المؤلف؟ الطالب: قال: عند صدره.
الشيخ: عند صدره، ولكن الصحيح عند الرأس.
وقوله: (أن يقوم الإمام عند صدره) يُفْهَم منه أن هذه الصلاة كغيرها من الصلوات؛ يكون الإمام هو المتقدم والمأمومون خلفه، وقد جرت عادة كثير من الناس اليوم أن يقوم مع الإمام الذين قربوا الجنازة إلى الإمام، يقومون على يمينه غالبًا دون يساره، وأحيانًا عن يمينه وعن يساره، وكل هذا خلاف السنة.
السنة أن يتقدم الإمام، وأما الذين قدموا الجنازة إلى الإمام؛ فإن كان لهم محل في الصف الأول صفوا في الصف الأول، وإن لم يكن لهم محل صفوا بين الإمام وبين الصف الأول؛ من أجل أن يتميز الإمام بمكانه، ويكون أمام المأمومين، ثم إن قدر أن المكان ضيق لم يتسع لوقوف الإمام وصف خلفه فإنهم يكونون عن يمينه وعن شماله، وليس كلهم عن اليمين؛ لأن صف المأمومين كلهم عن يمين الإمام خلاف السنة أيضًا.

ودليل ذلك أنه لما كان الناس إذا كانوا ثلاثة وقاموا جماعة فإن الإمام يكون بين الاثنين، دلَّ ذلك على أنه متى كانت الصفوف مع الإمام فإنهم يكونون على يمينه وعلى يساره، خلافًا لما اعتاده كثير من الناس اليوم؛ يصف المأمومون كلهم عن يمين الإمام ولا يبقى عن يساره أحد، هذا خلاف السنة لا شك.
فإذا قال قائل: السنة إذا كانوا ثلاثة أن يتقدم الإمام؟ قلنا: نعم، هذا هو الذي آل إليه الحكم أخيرًا، والحكم الأول نسخ، لكن الذي نسخ من الحكم الأول هو كون الإمام بين الثلاثة، أما إذا كانوا لا بد أن يصفوا معه فإن السنة باقية؛ أن يكونوا على يمينه وعلى شماله.
وقول المؤلف رحمه الله: (ويكبر أربعًا) التكبيرات هنا يقول الفقهاء: كلها أركان؛ لأنها بمنزلة الركعات؛ كل تكبيرة عن ركعة، فيقولون: إن التكبيرات هنا كلها أركان.
بقية التكبيرات في الصلوات الأخرى؛ منها ما هو ركن، ومنها ما هو واجب، ومنها ما هو سنة؛ الركن في غير صلاة الجنازة تكبيرة الإحرام، والسنة تكبيرة المسبوق إذا جاء والإمام راكع، فإنه يكبِّر تكبيرة الإحرام قائمًا، ثم يركع، والأفضل أن يكبر للركوع وإن لم يكبر فلا حرج، والواجب ما عدا ذلك، هذا هو الراجح.
وذهب بعض العلماء إلى أن التكبيرات سوى تكبيرة الإحرام كلها سنة، وأن الرجل لو تعمد تركها لم تبطل صلاته، لكن ما ذكرناه هو ما مشى عليه أصحاب الإمام أحمد رحمهم الله.
(يكبر أربعًا؛ يقرأ في الأولى بعد التعوذ الفاتحة) يعني: في التكبيرة الأولى يقرأ بعد التعوذ؛ أي: بعد قول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الفاتحة.

وعُلم من كلامه أنه لا استفتاح فيها؛ أي: في صلاة الجنازة، وعلل العلماء الذين يقولون بهذا بأن هذه الصلاة مبنية على التخفيف؛ ولهذا ليس فيها ركوع، وليس فيها سجود، وليس فيها قراءة مطولة زائدة على الفاتحة، بل ولا قراءة زائدة مطلقًا على قول بعض العلماء، وليس فيها تشهد، وليس فيها إلا تسليم واحد، فهي مبنية على التخفيف، إذن من التخفيف ألا يستفتح، وقال بعض أهل العلم: بل يستفتح؛ لأنها صلاة، فيستفتح لها كما يستفتح لسائر الصلوات.
يقول رحمه الله: (بعد الفاتحة) أفادنا أيضًا أن الفاتحة لا بد منها، وهو كذلك، فالفاتحة في صلاة الجنازة ركن؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (24)، وصلاة الجنازة صلاة.
(ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في الثانية، كالتشهد) يصلي في الثانية؛ أي: في التكبيرة الثانية، (كالتشهد) يعني: كما يصلي عليه في التشهد.
والصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في التشهد هي: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
وإن اقتصر على قوله: اللهم صلِّ على محمد، كفى كما يكفي ذلك في التشهد.
(ويدعو في الثالثة) يعني: في التكبيرة الثالثة يدعو بالدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم إن كان يعرفه، فإن لم يكن يعرفه فبأي دعاء دعا جاز، إلا أنه يخلص الدعاء للميت؛ أي: يخصه بالدعاء.
ومنه: (اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا).
(اللهم اغفر) أي: يا الله اغفر، والمغفرة: ستر الذنب مع التجاوز عنه، ليست ستر الذنب فقط، بل لا بد من ستر وتجاوز، وهي مأخوذة من المِغْفَر الذي يُغَطَّى به الرأس عند القتال؛ لأنه يتضمن سترًا ووقاية.

وقوله: (لحينا وميتنا) أي: لحينا نحن المسلمين، وميتنا كذلك نحن المسلمين، وهذا عام، أليس كذلك؟ لأنه مفرد مضاف، والمفرد المضاف يعم؛ يشمل الذكر والأنثى، والصغير والكبير، والحر والعبد، والشاهد والغائب.
وإنما قلت ذلك لتعتبروا فيما يأتي.
(وشاهدنا وغائبنا) هذا أيضًا عموم داخل في العموم الأول، والعموم الأول داخل فيه أيضًا؛ لأن (شاهدنا وغائبنا) يشمل الذكر والأنثى، والصغير والكبير، والحر والعبد، والحي والميت.
(وصغيرنا وكبيرنا) مثلها.
(وذكرنا وأُنثانا) مثلما سبق، كله عام.
فإذا قال قائل: لماذا؟ قلنا: لأن مقام الدعاء ينبغي فيه البسط، السنة في الدعاء أن تبسط وتطول؛ لسببين: السبب الأول: أن إطالة الدعاء تدل على محبة الداعي؛ لأن الإنسان كلما أحب شيئًا أحب طول مناجاته، أليس كذلك؟ فأنت متصل بالله في الدعاء، فتطويلك الدعاء وبسطك بالدعاء دليل على محبتك لمناجاة الله عز وجل.
ثانيًا: أن التطويل يظهر فيه من التفصيل ما يدل على شدة افتقار الإنسان إلى ربه في كل حال.
الثالث: أن ذلك أحضر للقلب.
واعتبر هذا بقول القائل: اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، سره وعلانيته، وأوله وآخره، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي، هذا فيه تفصيل ولَّا لا؟ تفصيل وعمومات، لكن فائدته ما أشرت إليه من قبل.
(إنك تعلم منقلبنا ومثوانا) (إنك تعلم) الجملة تعليل لما سبق؛ يعني: دعوناك بهذا الدعاء؛ لأننا نعلم أنك تعلم منقلبنا؛ أي: ما ننقلب إليه، ومثوانا؛ أي: ما نصير إليه؛ لأن المثوى والمصير معناهما واحد.
(وأنت على كل شيء قدير) تتمة الدعاء، ولكنها من زيادات بعض الفقهاء؛ لأنها لم ترد في الحديث الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ومعناها (وأنت على كل شيء قدير): أن الله قادر على كل شيء؛ قادر على أن يوجد المعدوم، وأن يعدم الموجود، وأن يغير الحال من أحسن إلى حسن، أو من حسن إلى أردى، أو من أردى إلى حسن، أو من حسن إلى أحسن، المهم أنه على كل شيء قدير، وهذه جملة عامة لا يستثنى منها شيء.
وقول صاحب تفسير الجلالين في قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السماوات وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يقول: (خصَّ العقلُ ذاتَه فليس عليها بقادر) هذا القول منكر؛ وذلك لأن قوله: (خص العقل ذاته) أين العقل الذي خص ذاته بأنَّه ليس قادرًا عليها، أليس الله يفعل ما يريد؟ ! بلى، يفعل ما يريد، والفاعل لما يريد يفعل بنفسه، فهو قادر على أن يفعل ما شاء، وأن يدع ما شاء.
نعم، الشيء الذي لا يليق بجلاله عز وجل لا يمكن أن يكون متعلق القدرة؛ لأن أصل القدرة لا تتعلق به.
كما لو قال قائل: هل يقدر الله على أن يخلق مثله؟ نقول: هذا مستحيل؛ لأن المثلية ممتنعة، لو لم يكن من انتفاء المماثلة إلا أن الثاني مخلوق والأول خالق..

اللَّهُمَّ مَن أَحْيَيْتَه منا فَأَحْيِهِ على الإسلامِ والسُّنَّةِ، ومَن تَوَفَّيْتَه مِنَّا فَتَوَفَّهُ عليهما، اللَّهُمَّ اغْفِرْ له وارْحَمْهُ وعافِهِ واعْفُ عنه وأَكْرِمْ نُزُلَه وأَوْسِعْ مُدْخَلَه، واغْسِلْهُ بالماءِ والثلجِ والْبَرَدِ، ونَقِّهِ من الذنوبِ والخطايا كما يُنَقَّى الثوبُ الأبيضُ من الدَّنَسِ، وأَبْدِلْهُ دارًا خيرًا من دارِه وزَوجًا خيرًا من زَوْجِه وأَدْخِلْه الجنَّةَ وأَعِذْهُ من عَذابِ القبرِ وعذابِ النارِ وأَفْسِحْ له في قَبْرِه ونَوِّرْ له فيه، وإن كان صغيرًا قالَ: " اللهمَّ اجْعَلْهُ ذُخْرًا لِوَالِدَيْه، وفَرَطًا وأَجْرًا وشَفيعًا مُجَابًا، اللهمَّ ثَقِّلْ به مَوازِينَهما، وأَعْظِمْ به أُجورَهما، وأَلْحِقْهُ بصالِحِ سَلَفِ المؤمنينَ، واجْعَلْهُ في كَفالةِ إبراهيمَ، وَقِهِ برَحمَتِكَ عذابَ الجحيمِ، ويَقِفُ بعدَ الرابعةِ قليلًا ويُسَلِّمُ واحدةً عن يمينِه ويَرفَعُ يَديْهِ مع كلِّ تكبيرةٍ، وواجبُها قِيامٌ وتَكبيراتٌ أربعٌ والفاتحةُ والصلاةُ على النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ ودعوةٌ للمَيِّتِ والسلامُ، ومَن فاتَه شيءٌ من التكبيرِ قَضاهُ على صِفتِه، ومَن فاتَتْهُ الصلاةُ عليه صَلَّى على القبرِ.
وعلى غائبٍ بالنِّيَّةِ إلى شَهْرٍ.
ولكنها من زيادات بعض الفقهاء؛ لأنها لم تَرِد في الحديث الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومعناها: ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 26]، وأنت على كل شيء قدير، إن الله قادر على كل شيء، قادر على أن يوجِد المعدوم، وأن يعدم الموجود، وأن يغيِّر الحال من أحسن إلى حسن، أو من حسن إلى أردأ، أو من أردأ إلى حسن، أو من حسن إلى أحسن، المهم أنه على كل شيء قدير، وهذه جملة عامة لا يُسْتَثْنَى منها شيء.

وقول صاحب تفسير الجلالين في قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: 120]، يقول: (خَصَّ العقلُ ذاتَه، فليس عليها بقادر)، هذا القول منكَر، وذلك لأن قوله: خَصَّ العقلُ ذاتَه، أين العقل الذي خص ذاته بأنه ليس قادرًا عليه، أليس الله يفعل ما يريد؟ بلى، يفعل ما يريد، والفاعل لما يريد يفعل بنفسه، فهو قادر على أن يفعل ما شاء وأن يدع ما شاء.
نعم، الشيء الذي لا يليق بجلاله عز وجل لا يمكن أن يكون متعلّق القدرة؛ لأن أصل القدرة لا تتعلق به، كما لو قال قائل: هل يقدر الله على أن يخلق مثله؟ نقول: هذا مستحيل؛ لأن المثلية ممتنعة، لو لم يكن من انتقاء المماثلة إلا أن الثاني مخلوق والأول خالق، الأول واجب الوجوب، والثاني ممكن الوجوب، لو لم يكن إلا هذا الفرق لكان كافيًا، مع أنه مستحيل.
ويذكر أن جنود الشيطان جاؤوا إليه، استمع للقصة هذه غريبة، جاؤوا إليه فقالوا له: يا سيدنا، نراك تفرح بموت الواحد من العلماء، ولا تفرح بموت آلاف العُبَّاد، كيف هذا، العابد الذي يعبد الله ليلًا ونهارًا، يسبِّح ويهلِّل، ويصوم ويتصدق، لا تفرح بالأَلْف فرحك بالواحد من العلماء؟ ! قال: نعم، أنا أدلكم على هذا، فذهب إلى عابد وقال له: يا أيها الشيخ، هل يقدر الله أن يجعل السماوات في جوف بيضة، السماوات كلها الكبرى في جوف بيضة، فقال العابد: لا، ما يصير! قال: احبسوها عندكم، قيِّدُوها، غلطة كبيرة، وذهب إلى العالم وقال له: هل يقدر الله على أن يجعل السماوات في بيضة؟ قال: نعم.
قال: كيف؟ قال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]، إذا قال للسماوات: كونوا في جوف بيضة، كانت.
فقال: انظروا الفرق بين هذا وهذا.
فالمهم أنه يجب أن نطلِق، نقول: إن الله على كل شيء قدير.

فإن قال قائل عبارة تَرِد كثيرًا عند الناس: إنه على ما يشاء قدير.
هل هذا جائز؟ قلنا: لا، لا يجوز إلا مقيَّدًا؛ لأنك إذا قلت: إنه على ما يشاء قدير، أوهم أن ما لا يشاء لا يقدر عليه، وهو قادر على الذي يشاء والذي لا يشاء، لكن إذا قيدت المشيئة بشيء معين صح، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: 29]، يعني إذا يشاء جمعه فهو قادر عليه.
وكذلك في قصة الرجل الذي أدخله الله الجنة آخر ما كان، فقال الله له: إني على ما أشاء قادر؛ لأنه يتعلق بفعل معيَّن.
(... ) ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
كيف يُكَفَّن الرجل، وكم خرقة توضع في كفنه؟ طالب: ثلاث ثياب بيض.
الشيخ: ثلاث لفائف.
الطالب: ثلاث لفائف بيض، يوضع فوق بعض، ثم نُجَمِّر هذه اللفائف، ثم يوضع عليها مستلقيًا.. الشيخ: ويش معنى تُجَمَّر؟ الطالب: يعني تُطَيَّب.
الشيخ: تُبَخَّر؟ نعم.
الطالب: ثم يوضع عليها الميت مستلقيًا، ثم بعد ذلك يُوضَع من هذا الطِّيب في قطن، ثم توضع في إليتيه، ثم يشد بخرقة مشقوقة.. الشيخ: على منافذ وجهه ومواضع سجوده.
الطالب: لا، الأول القطن يوضع من هذا بين إليتيه، شد هذه الإليتين بالخرقة هذه، ثم بعد ذلك يوضع الباقي من هذه القطنة على منافذ وجهه ومواضع سجوده، ثم بعد ذلك.. الشيخ: يكفي، إلى هذا الحد، مَن يكمل؟ طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم يُرَد طرف اللفافة العليا على شقه الأيمن.. الشيخ: العليا هي تلي الميت.
الطالب: نعم على شقه الأيمن، ويُرَد طرفها الأيسر من فوقها، طرف اللفافة العليا من فوق الشق الأيمن، ثم الثانية ثم الثالثة، ثم يُعْقَد، ويجعل الفاضل من اللفائف على رأسه إذا كان هناك فاضل، ثم يُعقد الطرفان، تُعْقَد ولا تُحَلُّ إلا في القبر.
الشيخ: إلَّا في القبر، تمام، هل يجوز أن يُكَفَّن بغير هذه اللفائف؟ طالب: إلا بعذر، إن لم تكن هناك لفائف يجوز أن يُكَفَّن.. الشيخ: عند الضرورة.

الطالب: عند الضرورة.
الشيخ: وعند غير الضرورة؟ الطالب: عند غير الضرورة مستحب.
الشيخ: إي، لكن هل يجوز أن يُكَفَّن بغيرها؟ الطالب: نعم.
الشيخ: مثل؟ الطالب: الملابس اللي (... ). الشيخ: المؤلف ذكره، لا، على كل حال كل ده يكفي، هو الواجب ثوب يستر الجميع، لكن المؤلف ذكر صفة أخرى.
طالب: (... ). الشيخ: لا (... ). الطالب: يكفن بقميص ومئزر.
الشيخ: ولفافة، إي نعم، يعني ممكن أن نجعل اللفائف مئزرًا وقميصًا ولفافة، ما هو الواجب من الكفن؟ طالب: الثوب الواحد يستره.
الشيخ: يستر الجميع، لو كُفِّنَ في ثوب دقيق يصف البشرة، هل يجزئ أو لا؟ طالب: لا يجزئ.
الشيخ: لا يجزئ؛ لأن الواجب أن يكون الثوب ساترًا، إذا كُفِّنَ بثوب أسود يجوز؟ طالب: يجوز.
الشيخ: نعم، ولكن الأفضل الأبيض.
إذا لم يجد إلا ما يستر بعض بدنه، فماذا نعمل؟ طالب: نستره (... ). الشيخ: نعم، أو ورق، وإذا لم يجد شيئًا من ذلك، ماذا نعمل؟ طالب: يُدْفَن هكذا.
الشيخ: يُدْفَن هكذا، فاتقوا الله ما استطعتم، بارك الله فيك، الصلاة على الميت حكمُها؟ طالب: فرض.
الشيخ: فرض؟ ما هو الدليل؟ الطالب: (... ). الشيخ: مثل؟ الطالب: (... ). الشيخ: نعم، ويذكر عنه أنه قال: صَلُّوا.. الطالب: (... ). الشيخ: هل في القرآن ما يدل على أن من عادتهم الصلاة على الأموات؟ طالب: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: 84] (... ) أنه صلى عليهم.
الشيخ: نعم، النهي عن الصلاة على المنافقين دليل على أنه كان يصلي على غيرهم، وأنه من العادة الصلاة على الأموات.
طالب: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 103]. الشيخ: لا لا، صلِّ عليهم، يعني عند إعطاء الزكاة، ما هو السنة في وقوف الإمام في صلاة الجنازة؟ طالب: أن يقف عند رأس الرجل، وعلى وسط المرأة..

الشيخ: وعلى وسط المرأة، أنت قلت: قال المؤلف، فهل لديك قول آخر؟ الطالب: (... ) عند رأس الرجل.
الشيخ: عند رأس الرجل، هل هذا على سبيل الوجوب؟ لو وقف عند رِجْلَي الرجل، عند قدميه، يجزئ أو لا؟ طالب: يجزئ.
الشيخ: يجزئ، ماذا تقولون؟ صحيح، لو وقف والميِّت خارج عن موضع يكون بين يدي الإمام؟ طالب: لا بد أن يكون بين يديه.
الشيخ: لا بد أن يكون بين يديه، فأما إذا ذهب به يمينًا أو يسارًا فإنه لا يجزئ، ما هي الحكمة في أنه يكون عند رأس الرجل، وعند وسط المرأة؟ طالب: يكون عند وسط المرأة لكي (... ). الشيخ: يحول دون رؤية ما وراءه، عند رأس الرجل؟ الطالب: لأنه مكان العقل.
الشيخ: إي نعم؛ لأنه مكان العقل.
طالب: المرأة يا شيخ يقولون: إن مكان (... ) في وسطها (... )؟ الشيخ: لا، لو كان كذا كان يقول: عند البطن.
الطالب: هو يشمل الوسط.
الشيخ: لا، عند العجيزة، كما جاء في الحديث: «عَجِيزَتِهَا» (1)، والذين قالوا: عند صدره، ذكروا فيه حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه لا يقاوم الحديث الصحيح، وقالوا: إن الصدر محل القلب، ولكن إذا جاءت السنة فهي تقضي على كل شيء.
طالب: (... ). الشيخ: كأنه أيش؟ عند أيش؟ الطالب: عند رأسه.
الشيخ: لا، بينهما فرق؛ لأنه إذا وقف عند رأسه يجعل كل الصدر على يساره، أو على يمينه.
الطالب: (... ). الشيخ: لا، هذا أيضًا من المسائل التي ينبغي أن ننبه عليها، عند العامة لا بد أن يكون رأس الميت على يمين الإمام، وهذا ليس بصحيح، يعني يجوز أن يكون رأس الميت على يساره وعلى يمينه، ليس لازمًا أن يكون الرأس على يمين الإمام.
ماذا يقرأ في التكبيرة الأولى؟ طالب: الفاتحة.
الشيخ: الفاتحة، ما الدليل؟ الطالب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (2). الشيخ: بفاتحة الكتاب، هذا دليل، والجنازة صلاتها صلاة، دليل آخر؟

الطالب: قول ابن عباس أنه من السنة قراءة الفاتحة.
الشيخ: أنها من السنة، تمام، في التكبيرة الثانية ماذا يصنع؟ طالب: يصلي على النبي.
الشيخ: يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف يصلي؟ الطالب: يصلي كما يصلي في التشهد.
الشيخ: كما يصلي في التشهد، في الثالثة؟ طالب: يدعو للميت.
الشيخ: يدعو للميت، الدعاء للميت عام وخاص، الدعاء العام ما هو؟ طالب: (... ). الشيخ: نعم، هذا الدعاء فيه تطويل: «لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا»، فما هي الحكمة، لو قال: لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، عَمَّت كل شيء؟ طالب: إلحاح.
الشيخ: هذا إلحاح في الدعاء، هذه واحدة.
طالب: إظهار شدة الافتقار إلى الله.
الشيخ: إظهار شدة الافتقار إلى الله.
الطالب: وكذلك محبة الداعي.
الشيخ: نعم، كذلك محبة الداعي لمن دعاه، حيث يتبسَّط معه في القول.
الطالب: لأن الأولى يكون بسط الدعاء.
الشيخ: إي، بس لماذا هذا الحكم؟ الطالب: (... ). الشيخ: نعم، يعني ربما يذكر شيئًا يدعو له مع البسط.
طالب: فيه إظهار.. الشيخ: ذكرناه.
طالب: استحضار القلب.
الشيخ: استحضار القلب، يعني ربما يستحضر في أول جملة أو لا يستحضر ثم يستحضر في الثانية.
طالب: (... ). الشيخ: لا، هذه ما إليها.
الطالب: (... ) كان يلح في الدعاء.
الشيخ: إي نعم، لكن ما هي الحكمة من هذا؟ الطالب: (... ). الشيخ: إي، بس هذه إن صحت فإنما تكون في صلاة الجنازة، لكن البسط في غير صلاة الجنازة أيضًا، (... ) من هذا، الآن نقول: زيادة الأجر والتعبد لله؛ لأن الدعاء عبادة يؤجَر عليها الإنسان.
طالب: (... ). الشيخ: هذا إشكال، يقول: ذكرتم أنه لا يقرأ دعاء الاستفتاح في صلاة الجنازة؛ لأنها مبنية على التخفيف، فكيف نقول هنا: نبسط في الدعاء، والبسط معناه التطويل، فيقال: الدعاء هو مضمون الصلاة، ومضمون الصلاة ينبغي أن يُبْسَط فيه، أما الاستفتاح فهو خارج عن ذلك.

جارٍ التحميل