الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 5664-5703

الطالب: لكن بس هذا دم.
الشيخ: لكن دم، من أين يخرج؟ ويش تقولون في الجواب على هذا؟ طلبة: (... ). الشيخ: نقول: لا ينقض الوضوء، هذا لا ينقض الوضوء.
الطالب: لكن يضره الدم في وقت الصلاة.
الشيخ: كيف يضره؟ الطالب: أن يشغله.
الشيخ: إذا أشغله ماذا يصنع؟ لا بد أن يصلي.
الطالب: يجمع الصلاتين.
الشيخ: إذا كان يشق عليه فإنه يجمع؛ لأن الصحيح أن الجمع منوط بالمشقة، لكن مسألة الوضوء لا يضره حتى لو خرج شيء كثير؛ لأن القول الراجح أن كل ما خرج من البدن فليس بناقض إلا ما خرج من السبيلين.
طالب: (... ) لو كان فيه مريض (... ) أن مرضه غير مخوف، وهو في الحقيقة مخوف، ثم تبرع بجميع ماله، هل (... ) هذا؟ الشيخ: ما تقولون؟ يقول: إن هذا الرجل فيه مرض مخوف لكن لم يخبر به، وهو الآن سليم في ظاهر الحال، فهل نقول: إن العبرة بالظاهر أو العبرة بحقيقة الواقع؟ العبرة بالظاهر.
طالب: (... ). الشيخ: يعني سوى العملية.
ما أدري.
لكن معروف أن الكي هو أنفع شيء.
طالب: (... )؟ الشيخ: ما أدري، يمكن.
الطالب: أحسن الله إليك، كثير من الأمراض المخوفة في هذا العصر لها دواء، هل تسمى من الأمراض المخوفة؟ قد تكون قديمًا مخوفة.. الشيخ: صحيح، سيأتينا إن شاء الله، سيمثل المؤلف بالسل وهو مخوف، من الأمراض اللي (... ) عندهم (... ).


سبق لنا أن المرض ينقسم إلى ثلاثة أقسام: طالب: مخوف وغير مخوف وممتد.
الشيخ: نعم، مخوف وغير مخوف وممتد.
المرض المخوف حكم تصرف صاحبه؟ طالب: حكم المرض المخوف (... ) صحيح.
الشيخ: اللي غير المخوف.
الطالب: اللي غير المخوف، صحيح.
الشيخ: صحيح ولو مات منه؟ الطالب: ولو مات منه.

الشيخ: وأما المرض المخوف فذكره المؤلف الآن نمشي عليه؛ قال المؤلف رحمه الله في بيان تعداد الأمراض المخوفة قال: (وأول فالج) الفالج هو الخدورة التي تصيب بعض البدن، وهي أنواع؛ قد تكون في عضو من الأعضاء، وقد تكون في شق البدن كله، وقد تكون في البدن كله، وتُسَمَّى في عُرْف المتأخرين الجَلْطَة أو الشلل.
هذا يقول المؤلف: إن كان في أوله فهو مخوف، وإن كان في آخره فليس بمخوف، وهذا واضح؛ لأن الفالج أول ما يصيب الإنسان يخشى أن ينتقل بسرعة إلى بقية البدن فيهلك فإذا ثبت في مكان ما صار غير مخوف، لا بالنسبة للمريض ولا بالنسبة لمن حوله من الناس، يقول: هذا الآن خلاص ثبت، ثبت في هذه المكان واستقر، فلا يخشى أن ينتشر في البدن ولكن مع هذا ربما نجعله من الأمراض الممتدة كما سيأتي.
(وآخر سِلٍّ) السِّل معروف، مرض معروف يكون في الرئة، تتخرق منه الرئة، ويضعف به البدن وعلى طول المدة يموت، والسل في أوله ليس بمخوف؛ لأن صاحبه لا يلزم الفراش ولا يتأثر بشيء، أما في آخره إذا أنهكه حتى أكل لحمه ولم يبق عليه إلا الجلد على العظم فحينئذ يكون مخوفًا.
وهذا من الأمراض التي يَسَّر الله للناس الآن الحصول على دوائها فأصبح السل في عهدنا ليس بمخوف؛ لأنهم يعالجونه ويقضون عليه نهائيًّا ويبرأ الإنسان منه بُرءًا تامًّا، حتى إنهم أحيانا يقطعون بعض الرئة ولا يتأثر المريض ويسلم من المرض نهائيًا.
قال المؤلف: (وأول الفالج وآخر السل والحمى المطبقة والرِّبع) الحمى هي الحرارة وهي من فيح جهنم، الحرارة تنقسم إلى قسمين؛ حرارة مطبقة يعني دائمة يكون المريض دائما في حرارة.
الرِّبع هي الحمى التي تأتي في اليوم الرابع، لكنها إذا أتت أنهكت المريض، كل يوم رابع تأتي.
فهذه الحمى الشديدة المطبقة أو الحمى الشديدة التي تكون في اليوم الرابع كلها من الأمراض المخوفة، أما الحمى اليسيرة فإنها لا تضر، وليست من المرض المخوف.

قال: (والحمى المطبقة والربع وما قال طبيبان مسلمان عدلان: إنه مخوف) اشترط المؤلف لهذا الخبر ثلاثة شروط أن يكون القائل طبيبًا، فإن كان غير طبيب فإنه لا عبرة بقوله؛ فلو أن شخصًا مريضًا وصف مرضه لرجل عامي، فوضع العاميُّ يديه على رأسه وقال: أعوذ بالله، هذا مرض مميت على طول مخوف، هل يؤخذ بقوله؟ طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ الطلبة: لأنه ليس بطبيب.
الشيخ: ليس بطبيب فلا يؤخذ بقوله.
كذلك (مسلمان) اشترط المؤلف الإسلام في الطبيب؛ وذلك لأن خبر الكافر غير مقبول؛ لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] فإذا كان خبر الفاسق يجب التبيُّن فيه فخبر الكافر من باب أولى أن يتوقف فيه أو يُرَد، فلا عبرة بقول الطبيب غير المسلم ولو كان حاذقًا مجربًا في الإصابة.
الشرط الثالث (عدلان) يعني: ذوي عدل، فإن كانا فاسقين ولو بحلق اللحية فإن قولهما لا يقبل، ولو كان فاسقين ولو بترك صلاة الجماعة فإن قولهما لا يقبل.
الشرط الرابع العدد؛ فلا يكفي الطبيب الواحد ولو كان من أمهر الناس ولو كان تام الإيمان ولو كان عدلًا، فإنه لا يُقْبَل؛ لأنه لا بد من اثنين؛ فاشترط المؤلف لقبول خبر الطبيب أربعة؛ أن يكون طبيبًا حقًّا مسلمًا عدلًا ومتعددًا اثنان فأكثر؛ وذلك لأن هذا من باب الشهادة، والشهادة لا بد فيها من الإسلام ولا بد فيها من العدالة ولا بد فيها من التعدد.
ولكن لنرجع ولننظر في الواقع أو في هذه المسألة على وجه النقاش؛ فنقول: أما اشتراط كونه طبيبًا فهذا أيش؟ هذا حق لا بد أن يكون طبيبًا، ولكن ما رأيك لو كان غير طبيب لكنه مقلد لطبيب؛ أي أنه قد سمع من طبيب ماهر أن هذا المرض مخوف، فهل يؤخذ بقوله؟

الجواب: نعم يؤخذ، على القول الراجح يؤخذ؛ لأنه أخبر عن طبيب، فكما أنه في المسائل الشرعية لو أخبرك شخص عن عالم بأنه قال: هذا حرام.
فإنك تقبل قوله ولو كان عاميًّا، إذا كان هذا العامي مقبول الخبر.
وأما قول المؤلف: (مسلمان) فالصحيح أن الإسلام لا يُشْتَرط في الطبيب لا في مسألة أن المرض مخوف ولا في مسألة تجنب ما يحتاج المريض إلى تجنبه؛ كما لو قال له: لا تصم فإن الصوم يضرك، فالصحيح أن الإسلام ليس بشرط، وإنما الذي يُشْتَرط الأمانة إذا كان أمينًا؛ نعلم أن هذا الطبيب أمين وليس له هوى، فإننا نقبل قوله ولو كان غير مسلم.
والدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بقول الكافر في الأمور المادية التي مستندها التجارب، وذلك حين استأجر رجلًا مشركًا من بني الديل يقال له: عبد الله بن أريقط ليدله على الطريق في سفره في الهجرة.
فإن النبي صلى الله عليه وسلم استأجر هذا الرجل وهو كافر، وأعطاه بعيره وبعير أبي بكر ليأتي بهما بعد ثلاث ليال إلى غار ثور، هذا ائتمان عظيم لا على المال ولا على النفس.
أما على المال فقد أعطياه الراحلتين وأما على النفس فإنه سيدلهم على الطريق، مع أن قريشًا قد اشتد طلبها للرجلين للنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وجعلوا لمن أتى بهما مئتي بعير؛ لكل واحد مئة، وهذا الكافر ربما يقول: هذه فرصة العمر.

عَدْلان: إنه مَخوفٌ ومَن وَقَعَ الطاعونُ ببَلَدِه ومَن أَخَذَها الطَّلْقُ لا يَلْزَمُ تَبَرُّعُه لوارِثٍ بشيءٍ، ولا بما فَوقَ الثُّّّّلُثِ إلا بإجازةِ الوَرَثَةِ لها إن مَاتَ منه، وإن عُوفِيَ فكصحيحٍ، ومَن امْتَدَّ مَرَضُه بِجُذامٍ أو سُلٍّ أو فالِجٍ ولم يَقْطَعْه بفِراشٍ فمِن كلِّ مالِه، والعكْسُ بالعكسِ، ويُعْتَبَرُ الثُّلُثُ عندَ موتِه ويُسَوِّي بينَ الْمُتَقَدِّمِ والمتَأَخِّرِ في الوَصِيَّةِ، ويَبدأُ بالأَوَّلِ فالأَوَّلِ في العَطِيَّةِ، ولا يَمْلِكُ الرجوعَ فيها، ويُعْتَبَرُ القَبولُ لها عندَ وُجودِها، ويَثْبُتُ الْمِلكُ إِذن، والوصِيَّةُ بخِلافِ ذلك.
وذلك لأن خبر الكافر غير مقبول؛ لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]، فإذا كان خبر الفاسق يجب التبين فيه فخبر الكافر من باب أوْلَى أن يتوقف فيه أو يُردُّ فلا عبرة بقول الطبيب غير المسلم ولو كان حاذقًا مجربًا في الإصابة.
الشرط الثالث: (عدلان) يعني ذوي عدل، فإن كانا فاسقين ولو بحلق اللحية فإن قولهما لا يُقبل، ولو كانا فاسقين ولو بترك صلاة الجماعة فإن قولهما لا يُقبل، وعلى كلام المؤلف.. الشرط الرابع: (العدد) فلا يكفي الطبيب الواحد ولو كان من أمهر الناس ولو كان تام الإيمان، ولو كان عدلًا، فإنه لا يُقبل؛ لأنه لا بد من اثنين، فاشترط المؤلف لقبول خبر الطبيب أربعة؛ أن يكون طبيبًا حقًّا مسلمًا عدلًا ومتعددًا اثنين فأكثر؛ وذلك لأن هذا من باب الشهادة، والشهادة لا بد فيها من الإسلام، ولا بد فيها من العدالة، ولا بد فيها من التعدد.

ولكن لنرجع ولننظر في الواقع أو في هذه المسألة على وجه النقاش فنقول: أما اشتراط كونه طبيبًا فهذا حق، لا بد أن يكون طبيبًا، ولكن ما رأيك لو كان غير طبيب لكنه مُقلِّد لطبيب؛ أي أنه قد سمع من طبيب ماهر أن هذا المرض مخوف، فهل يؤخذ بقوله؟ الجواب: نعم، يؤخذ، على القول الراجح يؤخذ؛ لأنه أخبر عن طبيب، فكما أنه في المسائل الشرعية لو أخبرك شخص عن عالم بأنه قال: هذا حرام فإنك تقبل قوله ولو كان عاميًّا إذا كان هذا العامي مقبول الخبر.
وأما قول المؤلف: (مسلمان) فالصحيح أن الإسلام لا يُشترط في الطبيب لا في مسألة أن المرض مخوف، ولا في مسألة تجنب ما يحتاج المريض إلى تجنبه كما لو قال له: لا تصم؛ فإن الصوم يضرك، فالصحيح أن الإسلام ليس بشرط، وإنما الذي يشترط الأمانة، إذا كان أمينًا، نعلم أن هذا الطبيب أمين وليس له هوى، فإننا نقبل قوله ولو كان غير مسلم.
والدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بقول الكافر في الأمور المادية التي مستندها التجارب، وذلك حين استأجر رجلًا مشركًا من بني الديل، يُقال له: عبد الله بن أريقط ليدله على الطريق في سفره في الهجرة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم استأجر هذا الرجل وهو كافر، وأعطاه بعيره وبعير أبي بكر ليأتي بهما بعد ثلاث ليالٍ إلى غار ثور (1). هذا ائتمان عظيم لا على المال ولا على النفس، أما على المال فقد أعطياه الراحلتين، وأما على النفس فإنه سيدلهم على الطريق مع أن قريشًا قد اشتد طلبها للرجلين للنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وجعلوا لمن أتى بهما مئتي بعير لكل واحد مئة، وهذا الكافر ربما يقول: هذه فرصة العمر، أُسَلِّم الرجلين وآخذ مئتي بعير، لكنه أمين، فدل هذا على اعتبار قول الكافر إذا كان أمينًا.
إذن (مسلمان) الصحيح أن نجعل بدل هذه الكلمة (أمينًا).

الثالث: (عدلان) أيضًا هذا الصحيح أنه ليس بشرط، ما دام مؤتمنًا، مسلم مؤتمن في مهنته، فالصحيح أنه لا تُشترط العدالة؛ لأن كثيرًا من الناس قد يكون فاسقًا وقد يكون كافرًا لكنه في مهنته لا يخون؛ إما لمروءته، أو من أجل الشرف، أو من أجل الدعاية لنفسه؛ لأنه لو خان وعرف الناس أنه خائن تركوه.
ولو أننا اشترطنا العدالة في أخبار الأطباء ما عملنا بقول طبيب واحد إلا أن يشاء الله؛ لأن أكثر الأطباء لا يتصفون بالعدالة، أكثرهم لا يصلي مع الجماعة، أكثرهم يحلق لحيته، أكثرهم يُدخِّن، فلو أنَّا اشترطنا العدالة لأهدرنا قول كثير من الأطباء أو أكثر الأطباء.
بقي علينا العدد، المؤلف اشترط العدد أن يكونا اثنين فأكثر، ولكن الصحيح أن الواحد يكفي؛ وذلك لأن هذا من باب الخبر المحض، ومن باب التكسُّب بالصنعة، فخبر الواحد كافٍ في ذلك، ولهذا لسنا نقول مثلًا لمن أراد أن يخبرنا عن صنعة من الصنائع: هات واحدًا يشهد، بل نأخذ بقوله ولو كان واحدًا.
إذن المدار في هذه المسألة على الأمانة، متى وجدنا طبيبًا أمينًا وقال لنا: إن هذا المرض مخوف اعتبرنا هذا المرض مخوفًا.
لو تعارض مسلم وكافر فقال المسلم: غير مخوف، وقال الكافر: بل مخوف، من نُقدِّم؟ طالب: المسلم.
الشيخ: لا، نُقدِّم من هو أخبر وأعلم، فإذا علمنا أن الكافر أرقى علمًا من المسلم مع أمانته أخذنا بقوله، كثير من أطباء المسلمين الآن يتعلمون على أطباء كفار، أما لو تساووا فمن المعلوم أن نأخذ بقول المسلم.
قال: (وما قال طبيبان مسلمان عدلان: إنه مخوف، ومن وقع الطاعون ببلده فإنه يعتبر بمنزلة المريض مرضًا مخوفًا).

هو نفسه ليس بمريض لكنه يتوقع الموت بين لحظة وأخرى، فهل نقول: إن هذا بمنزلة المريض مرضًا مخوفًا؟ الجواب: نعم؛ لأنه لا فرق بينه وبين من أصابه المرض في اليأس من الحياة فيكون هذا بمنزلة المريض مرضًا مخوفًا، والطاعون وباء فتَّاك يُعدي، وينتشر بسرعة، ولكنه هل هو نوع واحد أو هو جنس تحته أنواع؟ فقال بعض العلماء: إنه نوع واحد، وهي أورام خبيثة تخرج في البدن فتقضي عليه، لكنها غير أمراض السرطان؛ لأن السرطان ليس يُعدي، لكن أمراض أخرى، مثل الجذام وشبهه، هذا هو الطاعون.
وبعضهم قال: المراد بالطاعون كل مرض مُعدٍ فتاك، ولكن الظاهر من السنة خلاف ذلك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم عد الشهداء فقال: «الْمَطْعُونُ وَالْمَبْطُونُ» (2). وهذا يدل على أن من أُصيب بداء البطن غير من أُصيب بالطاعون، والمبطون هو الذي انطلق بطنه وأصابه القيام الدائم، أو أُصيب بألم في البطن وهو مثل ما يسمونه الزائدة، الزائدة هي إذا أصابت الإنسان وانفجرت مات ما فيها سلامة، لكن نجد ألَمًا شديدًا في البطن، فإذا يسر الله له أن تُستأصل سلم.
إذن من وقع الطاعون ببلده نقول: هو مريض مرضًا مخوفًا ولَّا في حكم المريض؟ في حكم المريض؛ لأنه لم يمرض.

قال: (ومن أخذها الطَّلْق) المرأة إذا أخذها الطلق، وهو الوجع الذي يسبق الولادة، وهو نتيجة لانقلاب الجنين لينزل؛ لأن الجنين في الرحم رأسه إلى فوق ووجهه إلى ظهر أمه، وظهره إلى بطن أمه، فيده اليمنى في الجانب الأيسر من الأم، ويده اليسرى في الجانب الأيمن من الأم، شوف الحكمة الإلهية، جعل الله وجهه إلى ظهْر أمه من أجل أن يقيه الصدمات، وظهره إلى بطن الأم؛ لأن الظهر يتحمل، فلو كان وجه الجنين في البطن إلى بطن الأم لكان كل صدمة تيجي للبطن تصيبه، ولكن جعل الله وجهه إلى ظهر الأم ليكون الظهر وقاية عند خروجه ينقلب، ينقلب هكذا من أجل أن يكون رأسه هو الأسفل حتى يخرج رأسه الأول، الرأس يخرج أولًا؛ لأنه لو خرجت الرجلان أولًا لشق على الأم مشقة شديدة فإنه إذا انسلخ ربما تقف اليد هكذا وتحول بينه وبين الخروج، ويحصل في ذلك إما تمزق الصبي أو تألم الأم بكثرة، لكن إذا خرج الرأس سهل بقية البدن، ولذلك يقولون: متى دخل الرأس دخل بقية البدن، أما إذا عجزت أن يدخل الرأس لا تحاول أن يدخل البدن.
قال أهل العلم: وينبغي أن يُدخل في القبر كما خرج من بطن أمه.
بمعنى أننا ننزله من عند الرأس، نجيب الرأس من عند رجلي القبر وندخله كذا سَلًّا ليكون هذا الرأس الذي شهد الدنيا أولًا هو الذي يذهب عن الدنيا أولًا فيدخل إلى القبر.
وبعض العلماء قال: لا، يؤتى بالميت من جهة القبلة، ويُنزَّل جميعًا دفعة واحدة كما يفعله الناس اليوم.
على كل حال أن من أخذها الطلق فهي مريضة مرضًا مخوفًا.
فإن قال قائل: كيف يكون هذا مرضًا مخوفًا مع أن السلامة أكثر؟ أليس كذلك؟ السلامة أكثر؟ طالب: نعم.

الشيخ: السلامة أكثر، ما أكثر النساء التي تلد ولا تموت، يمكن يموت واحدة في المئة، أو واحدة في الألف، فيُقال: لكن لو ماتت من الطلق لم تعد ميتة بغير سبب يقتضي الموت، فلذلك جعلوا هذا من باب المرض المخوف، إلى متى يكون مرضًا مخوفًا؟ حتى تنجو، ما هو حتى تضع حتى تنجو؛ لأنها ربما تضع ولا تنجو، أحيانًا تضع المرأة ولا تنجو، وتسمى عند النساء الخلاص.
يعني ما يطمئنون إليها إلا إذا خلصت، إذا خلصت وخرجت المشيمة وكل شيء الآن يطمئنوا إليها؛ ولهذا قال العلماء: من أخذها الطَّلْق حتى تنجو ولم يقولوا: حتى تضع.
طالب: شيخ، المرأة في قول المؤلف ما يؤخذ بقولها؟ الشيخ: إي نعم، ما يؤخذ بقولها.
الطالب: ما العِلَّة؟ الشيخ: العلة؛ لأنه لا بد من الذكورة.
الطالب: الصحيح؟ الشيخ: الصحيح أنه مثلما قلت لك أن نرجع إلى الأمانة.


الطالب: (... ) نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: ومن أخذها الطلق لا يلزم تبرعه لوارث بشيء، ولا بما فوق الثلث إلا بإجازة الورثة لها إن مات منه، وإن عوفي فكصحيح، ومن امتد مرضه بجذام أو سلٍّ أو فالج، ولم يقطعه بفراش، فمن كل ماله، والعكس بالعكس، ويعتبر الثلث عند موتهم، ويُسوَّى بين المتقدم والمتأخر في الوصية، ويُبدأ بالأول فالأول في العطية، ولا يملك الرجوع فيها، ويُعتبر القبول لها عند وجودها، ويثبت الملك إذن والوصية بخلاف ذلك.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
لماذا فرق المؤلف بين السل والفالج؟ طالب: الفالج يكون ظاهرًا.
الشيخ: لا.
طالب آخر: أن أول السل (... )، وأما آخر السل فهو مخوف، وأما أول الفالج فهو مخوف؛ لأنه يُخشى منه، ويتعذر وضع الفالج، وأما آخره فهو ثابت.
الشيخ: يكون ثابتًا، تمام؛ لأن الخطر في السل آخره، والخطر في الفالج في أوله؛ فلهذا صار أول الفالج مخوفًا وآخر السل مخوفًا.

(ما قال الطبيبان المسلمان العدلان: إنه مخوف) اشترط المؤلف هنا ثلاثة شروط؟ طالب: أولًا: يكونا اثنين، ثانيًا: يكونا عدلين، ثالثًا: أن يكونا مسلمين.
ورابعًا: أن يكونا عدلين.
الشيخ: كيف؟ الطالب: مسلمان وعدلان، العدد اثنان، وطبيبان.
الشيخ: وطبيبان، يعني عنده ما عند الطب.
هذه الشروط الأربعة، ذكرنا أن في بعضها شيئًا من النظر.
طالب: قلنا: يشترط الأصل أن يشترط الأمانة في الطبيب، أما اشتراط المسلم، واشتراط العدالة فليس بواجب، أو فليس بشرط.
الشيخ: والتعدد؟ الطالب: التعدد كذلك.
الشيخ: ويش معنى كذلك؟ شرط ولَّا غير شرط؟ الطالب: شرط.
الشيخ: إذن قلنا: الصحيح أنه اشترط أن يكون طبيبًا مأمونًا.
قوله: (من وقع الطاعون في بلده) الطاعون ما هو؟ طالب: الطاعون مرض يبتلي الله سبحانه وتعالى به، إذا وقع فإنه ينتقل بسرعة إلى الآخرين، وهو مرض مخوف.
الشيخ: أحسنت حتى وإن لم يصب به؟ الطالب: حتى وإن لم يصب به؛ لأنه يحتمل أن ينتقل إليه.
الشيخ: يترقَّبه هو.
الطاعون له حكم شرعي؟ طالب: إذا وقع في بلد لا يجوز للإنسان يخرج منها.
الشيخ: فرارًا منه، ولا يجوز أن يقدم؟ الطالب: أن يقدم على بلده.
الشيخ: على بلده، صح.
قال: (ومن أخذها الطَّلْق) أيش معنى الطلق؟ طالب: هو أول يعني الدم الذي يخرج قبل.. الشيخ: لا، هذا نِفاس.
الطالب: الطَّلْق هو الآلام التي تصيب المرأة عند الولادة.
الشيخ: أحسنت، عند الولادة، الطَّلْق هو الآلام التي تصيب المرأة عند ولادتها.
﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: 15].
لماذا جُعِل من الأمراض المخوفة مع أن السلامة فيه كثيرة؟ طالب: لاحتمال أنها تموت.
الشيخ: حتى الصحيح يحتمل يموت.
الطالب: نعم، بعدين يُوجد حالات كثيرة تموت (... ). الشيخ: إي، لكن الأكثر؟ الطالب: الأكثر.. الشيخ: السلامة، كيف جعلناه مخوفًا؟ الطالب: في حكم المخوف.
الشيخ: لماذا جعلناها في حكم المخوف؟

طالب: لأنه يحتمل أن تموت في هذا.
الشيخ: يعني لأن المرأة لو ماتت ما قيل: إن هذا الشيء أمر نادر؛ يعني معناه يصح أن يكون سببًا للموت، كل شيء يصح أن يكون سببًا للموت فهو مخوف.
يقول المؤلف رحمه الله: (لا يلزم تبرعه للوارث بشيء).
قوله: (لا يلزم) هذا هو جواب الشرط في قوله: (وإن كان مخوفًا) لا يلزم تبرعه لوارث بشيء (تبرعه) يعني عطيته مجانًا.
(لوارث) يعم الوارث بالفرض، والوارث بالتعصيب، والوارث بالرحم.
(بشيء) يشمل القليل والكثير والأعيان والديون.
(ولا بما فوق الثلث) يعني لغير وارث إلا بإجازة الورثة لها، هذا الحكم.
تصرفه من مرضه المخوف إن كان تصرف معاوضة ليس فيه تبرع فهو جائز، يعني يجوز لمن مرضه مخوف أن يبيع ويشتري على العادة، أما إذا كان فيه تبرع؛ يعني بذل مالٍ مجانًا، فهذا يقول المؤلف: (إن كان لوارث فإنه لا يلزم) ولم يقل: لا يصح؛ لأنه لو أجاز الورثة لثبت، لكنه لا يلزم.
وقول المؤلف: (لوارث) قلنا: سواء كان وارثًا بفرض أو تعصيب، فلو أن رجلًا كان له زوجة، وكانت الزوجة تخدمه وتُحسن إليه كثيرًا وليس عندها مال، وكان له وارث بعيد من أبناء العم الذي هو معه دائمًا في خصومة ونكد، فقال: قد وهبت بيتي لزوجتي؛ لأنها تحسن إلَيَّ، وخاف إن مات أن يدخل معها في الإرث ذلك ابن العم الشرير الذي دائمًا معه في نزاع وخصومة، ثم مات هذا الرجل.
فهل تثبت العطية للزوجة؟ طالب: لا.
الشيخ: لا؛ لأنها وارثة، فمن مرضه مخوف لا يلزم أن يتبرع من ماله بشيء لأحد من الورثة، لكن يقول المؤلف: (إلا بإجازة الورثة).
وعلى هذا، فإذا مات هذا الرجل قلنا لابن عمه: هل أجزت تبرع الرجل لزوجته بهذا البيت؟ ماذا سيقول؟ طالب: لا.

الشيخ: سيقول: لا، ليش؟ لأنه شرير وبينه وبينه عداوة، يقول: أبدًا، ما أسمح، إذن تبطل العطية، فإن باعه عليها بيعًا بثمن المثل يعني أخرجه للسوق، ونُودي عليه في السوق، وانتهى الثمن إلى الزوجة فاشترته بثمن بدراهم، فما حكم ذلك؟ طلبة: جائز.
الشيخ: هل يُستأذن ابن العم ولَّا ما يستأذن؟ طلبة: ما يستأذن.
الشيخ: لا يُستأذن؛ لأن هذا ليس بتبرع ولكنه عقد معاوضة، وصارت بثمن الْمِثل، قال: (ولا بما فوق الثلث) بما فوق الثلث لمن؟ طالب: لغير الوارث.
الشيخ: لغير الوارث، وللوارث من باب أولى؛ لأن التبرع للوارث ولو بالقليل لكن غير الوارث المرجع في ذلك إلى الثلث، فما زاد على الثلث فلا بد فيه من إجازة الورثة، وما لم يزد فهو حق للميت، مثاله: قال: إني أوصيت بثلثي لفلان فأعطوه إياه بعد موتي.
ولكن هذه عطية، قال: إني قد وهبت ثلثي لفلان، ثلث مالي لفلان يصح أو لا يصح وهو غير وارث؟ طالب: يصح.
الشيخ: يصح، وهبتُ نصف بيتي لفلان، وليس عنده إلا البيت؟ طلبة: ما يصح.
الشيخ: ما يصح إلا الثلث فقط، وما زاد فالورثة بالخيار، والله أعلم.


الطالب: (... ) وآله أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: لا يلزم تبرُّعه لوارث بشيء، ولا بما فوق الثلث إلا بإجازة الورثة لها إن مات منه، وإن عُوفي فكصحيح، ومن امتد مرضه بجذام أو سل أو فالج، ولم يقطعه بفراش فمن كل ماله، والعكس بالعكس، ويعتبر الثلث عند موته.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
حكم عطية المريض مرضًا، المرض المخوف، يقول المؤلف: (لا يلزم تبرعه لوارث بشيء) مطلقًا، لا قليلًا ولا كثيرًا، مثال ذلك: زيد مريض مرضًا مخوفًا وله أخوان فأعطى أحدهما مئة درهم، نقول: هذه العطية غير لازمة، لماذا؟ لأن المرض مخوف والْمُعْطَى وارث.

شخص آخر مريض مرض الموت المخوف، فأعطى أجنبيًّا منه، ولكنه صديق له أعطاه مئة درهم، فهل العطية صحيحة؟ فيه تفصيل؛ إن كانت من الثلث فأقل فالعطية صحيحة لازمة، وإن كانت أكثر من الثلث فما زاد عن الثلث فإنه لا يلزم إلا بإجازة الورثة؛ ولهذا يقول: (لا يلزم تبرعه لوارث بشيء)، وعُلِم من قوله: (لا يلزم تبرعه) أنه لو تصرف مع الوارث ببيع أو إجارة بدون محاباة فإن البيع أو الإجارة لازم.
مثل: إنسان مريض مرضًا مخوفًا واشترى من أحد ورثته بيتًا بقيمته التي يُباع بها فالبيع صحيح ولا غير صحيح؟ صحيح لازم؛ لأنه لم يتبرع بشيء، فإن اشترى منه بيتًا يساوي ألفًا بألف وخمس مئة فإن الزائد على الألف لا يصح إلا بإجازة الورثة، وذلك لأن الزائد يُعتبر بمنزلة التبرع؛ إذ إن البيت لا يساوي أكثر من مئة.
يقول: (ولا بما فوق الثلث) لمن؟ للأجنبي؛ يعني غير الوارث.
(إلا بإجازة الورثة لها) أي للعطية.
(إن مات منه) فهذا الذي أعطى بعض ورثته شيئًا في المرض المخوف إن مات من هذا المرض قلنا للورثة: الأمر بأيديكم، إن شئتم نفذوا العطية، وإن شئتم امنعوها.
هذا إن مات، أما إذا عُوفِي فإن التبرع صحيح، التبرع يكون صحيحًا، مثاله: امرأة أخذها الطَّلْق، والطَّلْق مرض مخوف، فتبرعت لزوجها بنصف مالها، ثم ماتت من الوضع، فما حكم التبرع؟ طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح إلا بإجازة الورثة، وضعت المرأة وبرأت وعادت صحيحة، فما حكم تبرعها لزوجها بنصف مالها؟ طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح؛ لأن المرض الذي كان يمنعها من التبرع لزوجها قد زال وارتفع فصارت العطية صحيحة؛ ولهذا قال: (إن مات منها، وإن عُوفي فكصحيح) إن عوفي من أي شيء؟ طالب: من المرض.
الشيخ: من المرض.
(إن عوفي فكصحيح).
ثم قال: (ومن امتد مرضه)، وهذا هو القسم الثالث من الأمراض؛ لأن القسم الأول ما هو؟ المرض غير المخوف، والثاني: المخوف، والثالث: الممتد.

قال: (ومن امتد مرضه بجذام أو سل أو فالج) وهذا على سبيل التمثيل، وإلا هناك أمراض ممتدة غير هذه الثلاثة مثل السرطان في الوقت الحاضر، يكون من الأمراض الممتدة، ربما يبقى في الإنسان سنتين أو ثلاثًا، وهو يمشي ويروح ويأتي.
يقول: (بجذام) الجذام جُروح تخرج في الإنسان تُشبه الطاعون، وأكثر ما تخرج في الأماكن الرقيقة من البدن، ويحصل بها آلام عظيمة، وتنتشر في البدن حتى يموت الإنسان.
السل معروف مرض يصيب الرئتين، ويبقى الإنسان معه طويلًا.
الفالج هو ما يسمى بالشلل، هذا أيضًا ربما يبقى سنوات، هذا النوع من الأمراض نقول: يقول المؤلف: (إذا كان لم يقطعه بفراش فمن كل ماله) ما معنى من كل ماله؟ يعني فتبرعه من كل ماله يعني حتى بما زاد على الثلث، وحتى للوارث فإنه لا يضر.
(والعكس بالعكس)، ما هو العكس؟ إذا قطعه بفراشه.
(بالعكس) أي يكون تبرعه من الثلث فأقل لمن ليس بوارث.
رجل صاحب سل، لكنه يذهب مع الناس ويأتي ونومه عادي وأكله عادي، فأعطى زوجته نصف ماله، يجوز أو لا؟ طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز، لماذا؟ لأنه لم يقطعه بالفراش، فإن لزم الفراش، وتبرَّع لزوجته بشيء فإنه لا يصح تبرعه إلا بإجازة الورثة؛ لأنه إذا قطعه بالفراش صار مرضًا، وأما قبل أن يقطعه بالفراش فليس بمرض.


الطالب: (... ) وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال رحمه الله تعالى: ويعتبر الثلث عند موته، ويُسوَّى بين المتقدم والمتأخر في الوصية، ويُبدأ بالأول فالأول في العطية، ولا يملك الرجوع فيها، ويُعتبر القبول لها عند وجودها، ويثبت الملك إذن، والوصية بخلاف ذلك.
الشيخ: قبل أن نقرأ الفقه (... ) ولكنه لم يمت به.
طالب: يعني أعطى نصف ماله.
الشيخ: نعم، في مرضه المخوف.
الطالب: إذا كان يعني للوارث؟ الشيخ: لا لغير وارث.
الطالب: لغير وارث ما يصح؛ لأنه الرسول يعني.. إلا الثلث.

الشيخ: أنا ما طلبت منك الآن الدليل، أنا طلبت منك الحكم فقط، رجل أعطى شخصًا نصف ماله وهو مريض مرضًا مخوفًا، ثم شُفِي.
الطالب: تصح.
الشيخ: تصح، لكن في المرض المخوف؟ الطالب: لا، ما يصح.
الشيخ: توافقون على هذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، صح.
أعطاها لوارث، أعطى النصف لوارث والمرض مخوف، ثم شفي؟ طالب: (... ). الشيخ: لا، ما هم من الأبناء إخوة.
الطالب: أعطاهم.
الشيخ: إي نعم، أعطى واحدًا منهم.
الطالب: يصح، إذا ما مات يصح.
الشيخ: يصح، توافقون؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأن المؤلف قال: (وإن عوفي فكصحيح)، ما تقول في رجل أصابه فالج فأعطى شخصًا نصف ماله؟ طالب: إن كان لم يقطعه بفراش فإنه كالصحيح، وأما إذا قطعه بفراش فإنه يعتبر مخوفًا.. الشيخ: ما فيه تفصيل آخر؟ طالب آخر: إذا أعطاه أولًا.
الشيخ: في أول الفالج.
الطالب: فلا يصح.
الشيخ: إن كان في أوله، فلا يصح إلا؟ الطالب: (... ). الشيخ: ويش الذي لا يصح كل النصف ولا أيش؟ الطالب: إعطاء النصف.
الشيخ: إعطاء النصف.
الطالب: لوارث؟ الشيخ: لا، لغير وارث.
الطالب: ما يصح ما زاد على الثلث إلا بإذن.
الشيخ: إلا بإجازة الورثة إذا مات.
هذا إذا كان في أوله، إذا كان في غير أوله ننظر، إن حبسه بفراش فهو بمنزلة المخوف وإلا فلا.
قال المؤلف رحمه الله: (ويُعتبر الثلث عند موته) الثلث الذي ينفذ يُعتبر عند الموت، لا عند العطية؛ وذلك لأن الثلث قد يزيد وينقص، ربما يُعطي الإنسان العطية وماله كثير ثم يفتقر، وربما يعطي العطية وماله قليل، والعطية زائدة على الثلث، ثم يغنيه الله.
فهل المعتَبر وقت الإعطاء أو وقت الموت؟ قال المؤلف: إن المعتَبر وقت الموت؛ لأن وقت الموت هو الوقت الذي يتعلق فيه حق الورثة في مال هذا المعطِي، إذ قبل الموت ليس لهم حق في ماله فيُعتبر عند الموت.
مثال ذلك: رجل أعطى شخصًا مئتين، وكان ماله حينئذٍ أربع مئة، وعند الموت صار ماله ست مئة، فما حكم هذه العطية؟

رجل أعطى في مرض موته المخوف شخصًا مئتي درهم، وكان ماله حينئذٍ أربع مئة، ثم أغناه الله، وصار ماله عند الموت ست مئة، فهل العطية نافذة أو لا؟ طالب: نافذة.
الشيخ: لماذا؟ لأنها لم تزد على الثلث.
رجل آخر أعطى في مرض موته المخوف شخصًا مئتي درهم، وكان ماله حينذاك ست مئة درهم وعند الموت نقص فصار أربع مئة درهم، فهل تنفذ العطية كلها أم لا؟ طالب: ما تنفذ.
الشيخ: ما تنفذ، كلها ما تنفذ؟ طلبة: لا، ما زاد على الثلث.
الشيخ: نقول: ما زاد على الثلث فإنه يتوقف على إجازة الورثة، وهنا مئتان زادت على الثلث؛ لأن ماله عند موته كان أربع مئة فنقول: إن أجاز الورثة هذه العطية نفذت، وإن لم يجيزوها وجب أن يضاف ما زاد على الثلث من هذه العطية إلى مال الورثة ليرثوه.
لم يذكر المؤلف متى تُعتَبر الإجازة، المؤلف ذكر أن الثلث يعتبر عند الموت، ولم يذكر متى تعتبر الإجازة، فهل تُعتبر الإجازة حين العطية أو بعد الموت؟ اختلف في هذا العلماء؛ فمنهم من قال: إن الإجازة تُعتبر حين العطية؛ لأنه هو الوقت الذي يثبت فيه الملك للمُعطَى، ومنهم من قال: لا تُعتَبر الإجازة إلا بعد الموت؛ وذلك لأن الورثة لم يملكوا المال حين العطية، وإنما يملكونه بعد الموت فتنفيذهم لما زاد على الثلث قبل الموت تنفيذ في غير محله؛ لأنهم لا يملكون من المال شيئًا، ولكن القول الراجح أنهم إذا رضوا بما زاد على الثلث قبل الموت فإن رضاهم معتبَر، ولا يحق لهم الرجوع بعد ذلك؛ لأن سبب الإرث قد وُجِدَ وهو المرض المخوف.
ويدل لهذا القول ما سبق في باب الشفعة، حيث أمر النبي عليه الصلاة والسلام من أراد أن يبيع أن يعرِض على شريكه، ليأخُذ أو يدع، فإن هذا يدل على أنه متى وُجِد السبب، وإن لم يُوجد الشرط فإن الحكم الْمُعلَّق في هذا السبب نافذ.
ويدل لذلك أيضًا أن الرجل لو حلف على يمين فأراد الحنث وأخرج كفارته قبل الحنث فإن ذلك جائز لوجود السبب.

إذن فالصواب في هذه المسألة أن الورثة إذا أجازوا العطية في مرض موت المخوف فإجازتهم صحيحة لازمة، وليس لهم الرجوع بعد الموت، وعلى الرأي الثاني الذين يقولون: إن المعتبر في الإجازة ما بعد الموت يقولون: إذا أجازوا قبل الموت، ثم رجعوا في الإجازة فلهم ذلك.
قال المؤلف: (وَيُسوَّى بين المتقدم والمتأخر في الوصية، ويُبدأ بالأول فالأول في العطية، ولا يملك الرجوع فيها، ويعتبر القبول لها عند وجودها، ويثبت الملك إذن والوصية بخلاف ذلك).
هذه أربعة أمور تُفارق فيها الوصية العطية: الأمر الأول: أنه يُسوى بين المتقدم والمتأخر في الوصية ويبدأ بالأول فالأول في العطية، وذلك فيما إذا تزاحمت الوصايا والعطايا، وضاق الثلث عنها، أما إذا لم تتزاحم، وكان الثلث متسعًا فإنه يُعطى الجميع سواء في الوصية أو في العطية لكن إذا تزاحمت الوصايا، وكان الثلث أقل منها، فهل يتساوى الجميع في النقص أو يُقدَّم الأول فيُعطَى كاملًا ويكون النقص على الأخير؟ نقول: هذا مما تختلف فيه الوصية والعطية، ففي العطية نبدأ بالأول فالأول، وفي الوصية يكون النقص على الجميع.
مثال ذلك: رجل أعطى شخصًا (رقم واحد) ألف درهم، (رقم اثنين) ألفي درهم، (رقم ثلاثة) ثلاثة آلاف درهم؛ الجميع ستة آلاف عطية، ما هي وصية، يعني وهبهم في مرض موته المخوف، وكان ماله ستة آلاف درهم، إذن العطية شملت كل المال، هذا لا يمكن؛ لأنه لا يملك ما زاد على الثلث، فكيف نوزع الآن؟ نقول: نبدأ بالأول فالأول، هو أوصى لرقم واحد بألف، لرقم اثنين بألفين، ولرقم ثلاثة بثلاثة، واللي عندنا الآن ستة آلاف، كل المال ستة آلاف، ما الذي يُنفذ من الوصية؟ ينفذ من الوصية ألفان فقط، نبدأ بالأول فالأول؛ الأول أوصى له بألف، ماذا نعمل؟ نعطيه الألف كاملة ويمشي، الثاني أوصى له بألفين، ما بقي معنا الآن إلا ألف، يأخذه الثاني، وأما الثالث فلا شيء له؛ لأنه يُبدأ بالأول فالأول في العطية.

لو أوصى لرقم واحد بألف، رقم اثنين بألفين، رقم ثلاثة بثلاثة آلاف، ثم مات، ولم نجد عنده من التركة إلا ستة آلاف فقط، فالآن مشكلة ما فيه إلا ستة آلاف، وقد أوصى بكم؟ بستة آلاف والورثة لم يُجيزوا ما زاد على الثلث.
إذن نرد الوصية إلى ألفين، ويدخل النقص على الجميع، ما نبدأ بالأول فالأول؛ يعني لو فُرض أنه أوصى لرقم واحد في عام 1400، رقم اثنين في عام 1405، رقم ثلاثة 1410، ما نبدأ بالأول فالأول في الوصية، نسوي بينهم؛ فالذي عندنا الآن ستة آلاف، هذه التركة، وثلثها كم؟ ألفان، والموصَى به ستة آلاف، انسب ألفين إلى ستة تكون الثلث، أعطِ كل واحد من هؤلاء الثلاثة ثلث ما أوصي له به، فالذي أُوصِي له بألف كم نعطيه؟ ثلاث مئة وثلاثة وثلاثين وثلثًا، واللي ألفين ست مئة وسبعة وستين وثلثين، كذا؟ والذي أوصي له بثلاثة آلاف؟ ألفًا كاملة؛ لأن هذا ثلث نصيب، ونحن قلنا: نعطي كل واحد ثلث ما أوصي له به.
إذن دخل النقص على الجميع، ولو قلنا: يُبدأ بالأول فالأول كالعطية لأعطينا من أُوصي له بألف رقم واحد ألفًا، وأعطينا رقم اثنين ألفًا، وقلنا للثالث: ليس لك شيء.
فإذا قال قائل: ما وجه الفرق؟ أو ما وجه التفريق بينهما؟ فالجواب: أن العطية يثبت الملك بها حين العطية في حين العطية، والوصية لا يثبت الملك بها إلا بالقبول بعد الموت؛ فلذلك صار الأول والأخير كلاهما سواء، لا يُقبل قبولهما إلا بعد الموت.
هذا فرق.
الفرق الثاني قال: (ولا يملك الرجوع فيها) في أيش؟ في العطية إذا أقبضها؛ لأن العطية نوع من الهبة، فإذا أعطى شخصًا في مرض موته المخُوف، أعطاه سيارة، والسيارة هو غني، ما تأتي ولا نصف عشر ماله، أعطى هذا الرجل سيارة في مرض موته المخوف، ثم أراد أن يرجع، يملك هذا أو لا؟ طالب: لا يملك.
الشيخ: لا يملك؛ لأن العائد في هبته كالكلب يقيء، ثم يعود في قيئه.
أوصى لشخص بسيارة، ثم بدا له أن يرجع، فهل له الرجوع أم لا؟ طالب: له الرجوع.

الشيخ: نعم، له الرجوع، له أن يرجع، ووجه التفريق ظاهر هنا؛ لأن الموصَى له لا يملك الموصى به إلا بالقبول بعد الموت، والْمُعطَى يملك المعطَى بالقبول في الحياة، ولا يملك الرجوع إذا قبض لا يملك الرجوع.
إذن هذا فرق ثانٍ.
الفرق الثالث: (ويُعتبر القبول لها عند وجودها) (يعتبر القبول لها) أي للعطية، عند وجودها؛ لأنها هبة، ففيها إيجاب وقبول وقبض في آنٍ واحد مثل أن يقول المريض مرض الموت المخوف لشخص: أعطيتُك هذه السيارة إذا لم يقبل في المجلس لم تصح العطية فلا بد أن يكون القبول عند وجودها.
الوصية لا يصح القبول لها إلا بعد الموت، فلو قال الرجل: أوصيتُ لك يا فلان بهذه السيارة هل قبلت؟ ثم مات الموصي فهل يُعتبر قبول الأول أو لا يعتبر؟ لا يعتبر؛ لأن الوصية لا يعتبر قبولها إلا إذا وقعت بعد موت الموصي.
الفرق الرابع: قال: (ويثبت الملك إذن) (يثبت الملك) أي ملك العطية (إذن) أي عند قبولها، وقبولها لا بد أن يكون عند وجودها، من حين ما يقول: أعطيتك أو قبلت.
فيثبت قبض الملك في العطية من حين العطية؛ لأنه إعطاء، ثم قبول في الحال، ثم ملك.
الوصية لا يثبت الملك فيها إلا بعد الموت؛ لأن الملك لا يثبت إلا بالقبول ولا قبول للوصية إلا بعد الموت.
هذه أربعة فروق، هناك أيضًا فروق أخرى، منها: تحريم العطية على من عليه دَيْن يستغرق، وجواز الوصية على من عليه دَيْن يستغرق، لماذا؟ لأن العطية ممن عليه دين يستغرق تبرع يتضمن إسقاط واجب، والتبرع الذي يتضمن إسقاط واجب غير صحيح، أما الوصية فهي تبرع لا يتضمن إسقاط واجب.
كيف؟ لأن الوصية لا تنفذ إلا بعد الدَّيْن، أليس كذلك؟ لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 12] وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدَّين قبل الوصية.

انتبه يا أخ هذا فرق خامس، ما هو الفرق الخامس؟ العطية لا تجوز ممن عليه دين يستغرق، بخلاف الوصية، ووجه التفريق أنها في التبرع إسقاط واجب في مقابلة مستَحَب، والوصية لا تعتبر من إسقاط؛ لأنه سيقضى بالدَّيْن قبل تنفيذ الوصية.
الفرق السادس: أن الوصية تصح من السفيه، كالصغير أو الكبير الذي لا يُحسِن التصرف في المال، تصح الوصية منه، بخلاف العطية فالعطية لا تصح من السفيه لصغر أو غير ذلك والوصية تصح، مثاله: رجل أخرق لا يحسن التصرف أعطى شخصًا في مرض موته، (... ) المعطي أعطاه عطية، فقبِلها، فهذه العطية لا تصح، لماذا؟ لأنه تبرع من سفيه، والتبرع من السفيه لا يصح.
هذا السفيه أوصى بوصية بعد موته فالوصية صحيحة.
وجه التفريق بينهما أنه إنما مُنِع من التبرع في حال السفه حفاظًا على ماله الذي قد يحتاجه في حياته، وأما بعد موته فقد زالت العلة، لا ليس محتاجًا للمال؛ فلهذا صحت الوصية من السفيه ولم تصح العطية من السفيه.
فهذه ستة فروق بين العطية والوصية.
قال المؤلف: (ويثبت الملك إذن) متى؟ طالب: عند قبولها.
الشيخ: عند قبولها في الحال، العطية يثبت الملك عند قبولها في الحال، ويتفرع على قول من الملك يثبت أنه لو زادت زيادة منفصلة أو متصلة فهي للمعْطَى بخلاف الوصية، فلو أوصى بشاة لزيد ونمت الشاة بين موته ووصيته؛ جاءت بأولاد، قيمة لبن، قيمة صوف، وما أشبه ذلك، ثم قبلها الموصى له بعد موت الموصِي فلمن يكون النماء؟ النماء للورثة؛ لأن الملك في الوصية لا يثبت إلا بعد الموت، أما في العطية فالنماء لمن؟ النماء للمُعطَى إذا كان منفصلًا حتى لو زاد على الثلث، لو فرض هذه الشاة كانت حين العطية ثلثًا، وكانت أيضًا عند الموت ثلثًا لكنها نمت فيما بين العطية والموت فالنماء لا يُحسب من الثلث، النماء يكون للمُعْطَى، وهذا هو الفائدة من قوله: (ويثبت الملك إذن).

(كتابُ الوَصايا) يُسَنُّ لِمَنْ تَرَكَ خيرًا - وهو المالُ الكثيرُ - أن يُوصِيَ بالْخُمُسِ، ولا تَجوزُ بأكثرَ من الثُّلُثِ لأَجْنَبِيٍّ، ولا لوارثٍ بشيءٍ إلا بإجازةِ الوَرَثَةِ لها بعدَ الموتِ فتَصِحُّ تَنْفِيذًا، وتُكْرَهُ وَصِيَّةُ فقيرٍ وارثُه مُحتاجٌ، وتَجوزُ بالكُلِّ لِمَن لا وَارثَ له، وإن لم يَفِ الثلُثُ بالوَصايا فالنَّقْصُ بالقِسطِ، وإن أَوْصَى لوارِثٍ فصارَ عندَ الموتِ غيرَ وارثٍ صَحَّتْ والعكْسُ بالعكسِ، ويُعتبَرُ القَبولُ بعدَ الموتِ وإن طالَ لا قَبْلَه، ويَثْبُتُ الْمِلكُ به عَقِبَ الموتِ، ومَن قَبِلَها ثم رَدَّها لم يَصِحَّ الرَّدُّ، ويَجوزُ الرجوعُ في الوَصِيَّةِ، وإن قالَ: إن قَدِمَ زيدٌ فله ما أَوْصَيْتُ به لعمرٍو فقَدِمَ في حياتِه فله، وبعدَها لعمرٍو، ويَخْرُجُ الواجبُ كلُّه من دَيْنٍ وحَجٍّ وغيرِه من كلِّ مالِه بعدَ موتِه وإن لم يُوصِ به،

مدخل

الطالب: وتُكره وصية فقير وارثه محتاج، وتجوز بالكل لمن لا وارث له، وإن لم يفِ الثلث بالوصايا فالنقص بالقسط.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ﴿كتاب الوصايا﴾ الوصايا جمع وَصِيَّة؛ وهي الأمر بالتبرع بالمال بعد الموت، أو بالتصرف بعد الموت.
الوصية دائرة بين أمرين؛ إما تبرع بمال، وإما تصرف يملكه الْمُوصي، التبرع بالمال مثل أن يقول: إذا مِتُّ فأعطوا فلانًا مئة درهم، التصرف مثل أن يقول: وَصِيي على أولادي الصغار فلان بن فلان.
هذا ليس تبرعًا بالمال، ولكنه وصية بماذا؟ بالتصرف فهي الأمر بالتصرف بعد الموت، أو التبرع بعده.

ومن الوصية بالتصرف ما فعله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين جعل أمر الخلافة شورى بين الستة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الوصية الأصل فيها الجواز، إذا كان الموصي عاقلًا، ولكن ما حكم الوصية بالمال؟ بينه المؤلف، قال: يُسنُّ لمن ترك خيرًا -وهو المال الكثير- أن يوصي بالخمس، يُسن أن يوصي بالخمس، لكن إذا ترك خيرًا، والخير هنا هو المال الكثير.
ما هو الدليل على مشروعية الوصية إذا ترك خيرًا كثيرًا؟ الدليل قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 180]. فهذه الآية تدل على مشروعية الوصية، بل على أن الوصية فرْض لمن ترك خيرًا أن يوصي للوالدين والأقربين بالمعروف.
نُسخ منها مَن كان وارثًا من هؤلاء فإنه لا يُوصى له، وبقي مَنْ ليس بوارث، وظاهر الآية الكريمة أن من ليس بوارث تجب الوصية له، ولكن أكثر العلماء من المفسرين والفقهاء يقولون: إن الوجوب منسوخ إلى الاستحباب.
والذي يظهر لي أنه ليس بمنسوخ؛ لأنه لا دليل على النسخ.
فإذا قال قائل: لو كان الوجوب باقيًا لتوافرت النقول عن الصحابة رضي الله عنهم بالوصية مع أن الوصية بين الصحابة قليلة؟ فالجواب أن يُقال: هذا الاحتمال لا شك أنه يُضعف القول بالوجوب لكن ما دام أمامنا شيء صريح من كتاب الله عز وجل، فإن عدم العمل به يدل على أن من الصحابة أو أن أكثر الصحابة يقولون بأن الوجوب منسوخ، ونحن إنما نُكلَّف بما يدل عليه كلام الله عز وجل.

وقوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ وهو المال الكثير، مفهومه إذا ترك مالًا قليلًا فإنه لا يُسنُّ له الوصية، ودليل هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص: «إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً».
وصاحب المال القليل إذا أوصى فإنه ربما يجعل ورثته عالة على الناس.
وقوله: أن يوصي بالخمس إنما اختار المؤلف الخمس اقتداءً بأبي بكر رضي الله عنه، حيث قال: رضيت بما رضي الله لنفسه.
والله تعالى قد رضي لنفسه الخمس، فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 41]، فأوصى بالخمس، وهذا استدلال جيد من أبي بكر رضي الله عنه.
فتكون الوصية بالخمس فيها: أولًا: الأخذ بالآية، أننا نرضى لأنفسنا ما رضيه الله لنفسه.
وثانيًا: اتباع الخليفة الراشد أبي بكر رضي الله عنه.
ومن الأسف أن أكثر الناس اليوم يوصون بالثلث الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: «الثُّلُثُ كَثِيرٌ».
يعني أنه أباحه على مضض، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ».
فالأحسن والأولى والأفضل لمن أراد الوصية أن يُوصي بأقل من الثلث؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الثُّلُثُ كَثِيرٌ».
وإذا أوصى بالخمس صار أفضل أيضًا استئناسًا بما اختاره الله لنفسه من وجه، واقتداءً بمن؟ بأبي بكر رضي الله عنه.

إذن هذه الوصية المسنونة؛ أن يُوصي بالخمس، لمن؟ المؤلف لم يُبَيِّن إلى أي جهة يُصرف هذا المُوصَى به؟ والجواب أن نقول: يصرف في أعمال الخير، وأولاها القرابة الذين لا يرثون؛ لأن الله فرض الوصية لهم، فإذا قلنا بأن الآية لم تُنسخ صارت الوصية للقرابة الذين لا يرثون واجبة، وإذا قلنا: إنها منسوخة صارت مستحبة، فأفضل ما نقول للمُوصي: أوصِ بالخمس، يُصرف إلى أقاربك الذين لا يرثون؛ سواء كانوا أغنياء أم فقراء، فإن كانوا فقراء تأكد حقهم من وجهين؛ القرابة، والفقر.
وإن أوصى به لغير هؤلاء، فإن قلنا بأن الآية منسوخة فلا حرج عليه، وإن قلنا بأنها مُحكَمة وجب أن يوصي ولو بقليل إلى ورثته الذين لا يرثون، والباقي يُصرَف في أعمال خير عامة، لا تكون لأحد من ورثته؛ لأن الوصية للوارث حرام.
وإذا أوصى بشيء إلى جهة عامة صار أكثر أجرًا، وأعم نفعًا، وصار أيضًا أسهل وأيسر على الوصي؛ لأنه ينجزه في شهر أو شهرين وينتهي منه، لكن إذا بقيت الوصية كلما نشأ ظرف طالب فيها صار في هذا مشقة في المستقبل.
قال: (ولا تجوز بأكثر من الثلث لأجنبي) لا تجوز، الضمير يعود على الوصية (بأكثر من الثلث لأجنبي)؛ وهو من لا يرث.
ودليل عدم الجواز أن سعد بن أبي وقاص قال للنبي صلى الله عليه وسلم وهو في مرض ظن أنه مرض الموت، قال: أتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا.
قال: فالشطر؟ قال: لا.
قال: فالثلث؟ قال: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ».
فدل هذا على أن الوصية بأكثر من الثلث لا تجوز؛ لقوله: «إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً».

قال: (ولا لوارث بشيء) يعني ولا تجوز لوارث بشيء، ودليل ذلك أن الله تعالى قسم التركة بين الورثة فقال: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: 12]، فإذا أوصت لزوجها صار له أكثر من النصف، وهذا من تعدي حدود الله، وقد قال الله تعالى في آيات المواريث: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: 13، 14] فهذا دليل على أن الوصية للوارث لا تحل.
ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ».
قال: (ولا لوارث بشيء إلا بإجازة الورثة لها بعد الموت فتصح تنفيذًا).
يعني إلا بإجازة الورثة فتصح، يعني: إذا أجاز الورثة الوصية بما زاد على الثلث، أو أجازوا الوصية لوارث فإنها تصح لكن تصح تنفيذًا، لا ابتداءً.
فتصح تنفيذًا لا ابتداء عطية، مثال ذلك: أوصى رجل ببيت يملكه لفلان، أجنبي من غير الورثة، فلما مات أحصينا ما عنده، فوجدنا أن بيته يساوي نصف ماله.
إذن الوصية زادت على الثلث، نقول للورثة: إن أمضيتم الوصية بالبيت فالحق لكم، ولا حرج، وإن أبيتم فإنه ليس له من البيت إلا ما يُقابل الثلث، والباقي لكم.
تُوفي الرجل، فأجازه الورثة، هل تكون الإجازة ابتداء عطية، أو تنفيذًا؟ تنفيذًا، والفرق بين هذا وهذا أننا إذا قلنا: إنها ابتداء عطية، وقُدِّر أن أحد الورثة في مرض الموت، وليس له مال إلا ما ورثه من مورثه، فإننا إذا قلنا: إنها ابتداء عطية لم يصح من إجازته إلا ما يقابل الثلث، وإذا قلنا: إنها تنفيذ وإنها إمضاء لوصية الأول فإن تنفيذه يصح؛ لأنه لم يبتدئ العطية.

أعيد المثال: أوصى رجل بأكثر من الثلث وتوفي، كان من جملة ورثته رجل مريض، له نصف ميراثه؛ نصف ميراث الأول، فأجاز الوصية وليس له مال إلا ما ورثه من المورث الأول، إذا قلنا بأنها ابتداء عطية لم ينفذ من وصيته إلا ما يُقابل الثلث، ثلث ما ورث، وإذا قلنا: إنها تنفيذ صح تنفيذه، ولو لم يكن عنده إلا هذا المال الموروث؛ لأن هذا تنفيذ لتصرف غيره، وليس ابتداء من تصرفه، ولهذا قال المؤلف: فيصح تنفيذًا.
بقي علينا أن نقول: هل يجوز أن يوصي بأكثر من الثلث، ولو قلنا بأنه يتوقف على إجازة الورثة؟ الجواب: أن نقول: ظاهر كلام المؤلف أنه يجوز؛ لأنه قال: (ولا تجوز بأكثر من الثلث إلا بإجازة الورثة).
فظاهر كلامه رحمه الله أنه يجوز أن يُوصِي بأكثر من الثلث لكنه يتوقف على إجازة الورثة، ولكن الصحيح أنه لا يجوز أن يوصي، لكن إذا أوصى فهو آثم، والتنفيذ يتوقف على إجازة الورثة.
وإنما قلنا ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم منع سعد بن أبي وقاص من الزائد على الثلث، ولم يقل: إلا أن يشاء ورثته، هذا من وجه.
الوجه الثاني أنه ربما يجيز الورثة أو بعضهم ما أوصى به الميت حياء وخجلًا، لا عن طيب نفس.
ومعلوم أن من تبرع بشيء عن خجل وحياء فإنه لا يجوز قبوله، ولهذا قال العلماء: لو علمت أن شخصًا إنما تبرع لك حياء وخجلًا حرم عليك أن تقبل هديته، مثال ذلك مثلًا رأيت مع إنسان قلمًا أعجبك، فقلت: ما شاء الله، هذا قلم طيب، من أين اشتريته؟ فخجل الرجل، فقال: هو لك، تعرف أنه إنما قال ذلك خجلًا، هل يجوز أن تقبل؟ يقول العلماء: لا يجوز أن تقبل؛ لأنه لم يعطك إياه عن طيب نفس، كذلك أيضًا لو مررت بشخص قد فتح بابه، فقال لك: تفضل، تعلم أنه قاله حياءً وخجلًا، هل تدخل؟ لا تدخل؛ لأنه لم يدعُكَ إلا حياء وخجلًا.

المهم أن نقول: إنه لا يجوز أن يوصي بأكثر من الثلث، ولو كان هذا متوقفًا على إجازة الورثة بدليل وتعليل، ما هو الدليل؟ أن النبي صلى الله عليه وسلم منع سعدًا من تجاوز الثلث، ولم يقل إلا بإجازة الورثة.
الدليل الثاني: أن الورثة أو بعضهم قد يُجيز حياءً وخجلًا، لا عن طيب نفس، ولنفرض مثلًا أن الورثة ابنان أجاز أحدهما؛ لأنه رجل خيِّر وطيب، وقد أغناه الله، والثاني رجل بخيل أو فقير، لو عاد الأمر إليه لمنع، لكنه لما رأى أخاه قد وافق وأجاز الوصية وافق هو وأجاز الوصية، هذا الرجل الثاني هل أجاز عن طيب نفس؟ لا.
فالحاصل أن القول الصحيح أنه لا يحل أن يوصي بزائد على الثلث، ولو كان التنفيذ يتوقف على الورثة للوجهين اللذين عرفتماهم.
إذن نقول: يحرم، فإن أجاز الورثة صار الموصى آثمًا بوصيته والله وأعلم.
طالب: إذا أوصى لأجنبي يعني فقراء أو طلبة علم، وكان من ورثته أناس فقراء وطلبة علم هل يحل لهم الدخول مع هؤلاء؟ الشيخ: إي نعم، يعني إذا أوصى للفقراء وكان من ورثته من هو فقير فله أن يأخذ؛ لأن هذا استحقه بالوصف لا بالتعيين.
طالب: صحيح قول العلماء (... ) حرام أخذه؟ الشيخ: إي نعم.
طالب: (... ). الشيخ: إي، لكن لولا الحياء هو كالمجبر على العطية.
الطالب: وفي هذا مظنة.
الشيخ: لا، أعرف أن الرجل أن هذا القلم عنده غال، هو قلمه يكتب به، وأخذت إيده عليه، وريشته صارت ملساء سهلة، إذا راح يشتري شيئًا ثانيًا متى تستقر عليه يده؟ طالب: ما الضابط؟ الشيخ: الضابط: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ».
لكن هذه ما طابت، لولا أنه شاف أنك تقول: أعطني بلسان الحال لو ما قلت: أعطني إياه بلسان الحال.

نعم، لو فرضنا أن الرجل يعني أنكما تفرقتما، ثم بعد ذلك عاد وأعطاك إياه، هذا عن طِيب نفس، أو سمع أنك تسأل عن هذا النوع من الأقلام، فجاء وأعطاك إياه، أما في نفس المكان كثير من الناس يكون كالمكره على هذا، ولا سيما الكرماء؛ لأن الكرماء بالحقيقة ما يستطيعون يشوفون هذا الرجل يتشوَّف إلى أنه يعطيهم إلا يعطيهم وإن كان كريمًا قد تكون طابت نفسه قد يكون هذا حجة على أنها طابت نفسه إذا كان كريمًا.


الطالب: ويعتبر القبول بعد الموت وإن طال، لا قبله.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سؤال: ما هو القدر الذي تنبغي الوصية فيه؟ طالب: الخمس.
الشيخ: الخمس، ما هو الدليل على هذا؟ من السنة وعمل الصحابة؟ طالب: (... ). الشيخ: السنة؟ طالب: السنة قوله عليه الصلاة والسلام لسعد بن أبي وقاص: «الثُّلُثُ كَثِيرٌ».
الشيخ: نعم، الثلث كثير، تحته الربع وتحته الخمس، الربع قال ابن عباس: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع.
هل لهذا شرط؟ الوصية بالخمس.
طالب: الوصية بالخمس يجب أن تكون في مال الموصي.
الشيخ: هي في مال الموصي.
طالب: هو نفس (... ) السابق (... ) المال الكثير.
الشيخ: يعني نقول: إن ترك خيرًا، وهو المال الكثير، أما من كان ماله قليلًا فالسنة ألا يوصي أصلًا.
ما هي الوصية المحرمة؟ طالب: الوصية للوارث.
الشيخ: نعم هذه واحدة.
طالب: فوق الثلث.
الشيخ: أو في الثلث أو ما فوق الثلث.
الدليل على تحريم ما فوق الثلث؟ طالب: حديث سعد لما.. الشيخ: إي، حين نازل الرسول صلى الله عليه وسلم حتى قال: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ».
أحسنت طيب الدليل على تحريمها للوارث.
طالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ».
الشيخ: نعم، فلا وصية لوارث، أحسنت، تمام.

يقول المؤلف: (إلا بإجازة الورثة لها بعد الموت فتصح تنفيذًا) قال: الورثة، وهو شامل لمن يرث بفرض أو تعصيب أو رحم، فإذا أجاز الورثة الوصية الزائدة على الثلث، أو الوصية لوارث فإن ذلك لا بأس به.
فإن قال قائل: كيف نقول: لا بأس به وقد منع النبي صلى الله عليه وسلم سعدًا من الزيادة على الثلث، ولم يقل: إلا أن يشاء ورثتك؟ ! فالجواب عن ذلك أنهم قالوا: إنما مُنعت الوصية بزائد على الثلث مراعاة لحق الورثة، فإذا أسقطوها أسقطوا حقهم، فلا تحريم ولكن الصحيح أنه حرام أن يوصي بزائد على الثلث لكن هل ينفذ أو لا؟ هذا هو الذي يتوقف على إجازة الورثة.
وإنما قلنا بالتحريم؛ تحريم الوصية؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ».
ولأنه إذا أوصى بزائد على الثلث فإن الورثة قد يجيزون ذلك حياءً وخجلًا، لا عن طيب نفس، فيكون بذلك محرجًا لهم، فالصحيح تحريم ما زاد على الثلث.
أما الوصية للوارث فهذه قد ورد حديث في السنن أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ».
وهذا يكون فاصلًا، أنهم إذا شاؤوا فلا بأس.
وقول المؤلف: (بإجازة الورثة) هل يشرط في الورثة المجيزين أن يكونوا بالغين عاقلين راشدين؟ الجواب: نعم، يشترط؛ لأن من دون البلوغ، ومن كان مجنونًا، ومن كان غير رشيد لا يجوز تبرعه، وعلى هذا فإن اتفق الورثة على إجازة هذه الوصية الزائدة على الثلث نُفِّذت الوصية كلها، وإن كان فيهم من لم يكن رشيدًا فإن نصيبه لا يؤخذ منه شيء، ويؤخذ من أنصباء الورثة الراشدين بالقسط، مثال ذلك: رجل أوصى بثلثي ماله، وله ابنان، أحدهما رشيد، والثاني صغير، ثم مات الموصي، فأجاز الرشيد، والصغير لا تعتبر إجازته، فماذا نعطي المُوصَى له؟ طالب: بالقسط.
الشيخ: كم من القسط؟ طالب: النصف.

الشيخ: يعني نعطيه نصف المال كاملًا؛ لأن الزائد على الثلث ثلث، الثلث بين الرشيد وبين الصغير؟ نصفان، فإذا أجاز الرشيد أضفنا ما أجازه إلى الوصية، فصارت نصفًا، ويبقى السدس تبعًا لغير الرشيد، يعطى ثلثًا كاملًا، ويُعطى الذي أجاز، كم يُعطى؟ طالب: السدس.
الشيخ: يعطى السدس.
قال المؤلف: (بإجازة الورثة لها بعد الموت) أي لا بد أن تكون إجازتهم بعد الموت؛ لأنهم لا يملكون المال إلا بالموت، فلو أجازوا قبل، فإن إجازتهم لا تُعتبر، مثال ذلك: رجل مريض، أراد أن يوصي بنصف ماله، فأحضر الورثة، وقال لهم: أنا أريد أن أوصي بنصف مالي، هل تجيزون؟ قالوا: نعم.
قال: اكتبوا إجازتكم.
فكتبوا وأشهدوا على أنفسهم أنهم أجازوا، ثم مات، فهل إجازتهم معتبرة؟ يقول المؤلف: لا، غير معتبرة، لماذا؟ لأنهم لم يملكوا المال بعد، لا يملكون المال إلا بعد موت الموصِي، وعلى هذا فلا تعتبر إجازتهم؛ لأنهم أجانب من المال.
إذا مات ورجعوا قالوا: نعم، نحن أجزنا وهذه كتابتنا والإشهاد علينا، لكن الآن رجعنا، ماذا نقول؟ طالب: لهم ذلك.
الشيخ: لهم ذلك، لكن التعبير: رجعنا؟ طالب: غير صحيح.
الشيخ: غير صحيح؛ لأننا نقول: أصلًا لم تنعقد هذه الإجازة، وإذا لم تنعقد فلا رجوع فيها، أصلًا هي غير صحيحة، وهذه المسألة التي مشى عليها المؤلف، أو هذا القول الذي مشى عليه المؤلف هو أحد الأقوال في المسألة.
وفيه قول آخر: أن إجازتهم تصح، إلا أن ينقضوها قبل الموت، فهذا محل نظر، أما إذا لم ينقضوها فإنها تصح.
وفيه قول ثالث، وسط: إن إجازتهم إن كانت في مرض الموت المخوف فهي صحيحة، وإن كانت في الصحة؛ يعني معناه أن الموصي صحيح ليس فيه مرض أو فيه مرض ولم يمت به فالإجازة غير صحيحة.
القول الثالث هذا الوسط هو الأصح، وهي أن إجازة الورثة إن كانت في مرض الموت فهي صحيحة، وإلا فلا.

قال أصحاب هذا القول: وذلك لأن تبرع المريض مرض الموت المخوف لا يجوز إلا في الثلث فأقل، وهذا يدل على أن حق الورثة قد تعلق بماله من حين أن كان مريضًا، أما لو تبرع بماله كله وهو غير مريض مرض الموت المخوف فتبرعه صحيح؛ ولذلك نقول: إن أجازوا في الصحة فلا وجه لإجازتهم، وإجازتهم غير مُعتَبرة، وإذا كان في مرض الموت المخوف فإن إجازتهم معتَبرة؛ لأن حقهم قد تعلق بالمال، ودليل أنه تعلق بالمال أن هذا المريض لا يتبرع بزائد على الثلث، وهذ القول قوْل وسط كما علمت، وهو الراجح.
فالأقول إذن ثلاثة: القول الأول: لا عبرة بالإجازة قبل الموت مطلقًا، وهذا هو الذي مشى عليه المؤلف، وهو المذهب.
والثاني: الإجازة معتبرة مطلقًا.
وهذان قولان طرفان.
الثالث: التفصيل، قول وسط يقول: إن كان الموصي في مرض موته المخوف، فالإجازة صحيحة؛ لتعلق حق الورثة بماله، ودليل تعلق حق الورثة بماله أنه لا يملك التبرع بزائد على الثلث، وإن كان في الصحة أو في مرض غير مخوف فإن الإجازة غير صحيحة؛ أي أنها تنفذ الوصية مطلقًا إلا إذا أجازوا بعد الموت، إن أجازوا بعد الموت فهي مقبولة على كل حال ما فيها إشكال.
يقول المؤلف رحمه الله: (وتُكره وصية فقير وارثه محتاج) تُكره وصية فقير، الفقير هنا يقول: تُكره، والكراهة عند الفقهاء حُكم وسط بين الإباحة والتحريم.
وحكمه -أي المكروه- أنه يُثاب تاركه امتثالًا، ولا يُعاقب فاعله، وإنما قلنا: الكراهة عند الفقهاء؛ لأن الكراهة في لسان الشرع أعم من ذلك، بل هي للمحرم؛ قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 23]، ثم ذكر أوامر ونواهي، ثم قال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: 38]، كل ما ذكر فالسيئ منه عند الله مكروه، وما هو السيئ من هذا؟ هو ما نهي عنه.

﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: 23]، هذه الآية فيها سيئ وفيها حسن، ما هو السيئ؟ طلبة: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾.
الشيخ: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾، الحسن: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾.
وهذا هو السر في أن الله قال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ﴾، ولم يقل: كل ذلك كان سيئةً؛ لأنه لو قال كل ذلك كان سيئة، لكان فيه إشكال؛ لأن في أوامر، والأوامر ليست سيئات، الأوامر حسنات، ولهذا قال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾، وكل ذلك يشمل من قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ إلى آخر الآيات.
إذن الكراهة في لسان الشارع للتحريم، وقد تكون للمكروه، لكن الكراهة في لسان أو في اصطلاح الفقهاء هي حكم وسط بين الإباحة والتحريم، يُثاب تاركه امتثالًا، ولا يُعاقَب فاعله.
(تكره وصية فقير وارثه محتاج) فقير، من الفقير؟ الفقير في كل موضع بحسبه؛ فالفقير في باب أهل الزكاة غير الفقير في باب النفقات، وغير الفقير في باب الوصايا، الفقير في باب الوصايا من لم يترك مالًا كثيرًا، يقول: تُكره وصيِّتُه إذا كان وارثه محتاجًا، لماذا؟ لأن هذا يضر بالوارث، والوصية -كما تعلمون- لا تكون إلا بعد الموت؛ أي بعد تعلُّق حق الوارث بمال الموروث، وإذا أوصى وهو فقير، والوارث محتاج صار في هذا إضرار على الوارث، ولهذا نقول: تكره.
طيب إذا كان فقيرًا وارثه غني؟ طالب: لا تكره.
الشيخ: لا تكره، بل هي مباحة.
إذا كان غنيًّا وارثه غني، فهي سُنَّة كما سبق.
قال رحمه الله: (وتجوز بالكل لمن لا وارث له)، ويش معنى بالكل؟ طلبة: كل المال.
الشيخ: كل المال لمن لا وارث له.

فإذا قُدِّر أن شخصًا ليس له وارث، لا بفرض، ولا بتعصيب، ولا برحم، فإنه يجوز أن يوصي بماله كله، بما يراه نافعًا؛ لأنه لا يتعلق بماله حق شخص معين، وإنما ماله لو مات يكون لبيت المال، وبيت المال ليس له مالك معين.
ذكر المؤلف أربعة أحكام، ولَّا ثلاثة؟ سُنَّة، حرام، مكروه، جائز.
أربعة أحكام.
بقي الحكم الخامس؛ لأن الوصية تجري فيها الأحكام الخمسة.
تجب الوصية على مَنْ عليه دَيْن لا بينة به؛ يعني إنسان في ذمته ديْن لشخص، وليس له بينة صاحب الحق، فيجب أن يوصي، لماذا؟ طالب: (... ). الشيخ: إي طيب أنت عللت الآن، عللت الحكم بالحكم؟ طالب: لئلا يضيع صاحب الحق.
الشيخ: لئلا يضيع الحق؛ لأنه لو لم يوصِ، وليس لصاحب الحق بينة ضاع الحق، أليس كذلك؟ إذن تجب الوصية على أيش؟ طلبة: مَنْ عليه دَيْن.
الشيخ: من عليه دين ليس به بينة، التعليل لئلا يضيع حق صاحب الحق.
هذه خمسة أقسام بالنسبة للوصية.
ثم قال المؤلف: (وإن لم يفِ الثلثُ بالوصايا فالنقص بالقسط) يعني لو أوصى لعدة أشخاص أو عدة جهات، وتبين بعد الموت أن الوصية تزيد على الثلث، فماذا نعمل؟ هل نبدأ بالأول، أو نأخذ بالأخير، أو نقرع، أم نعطي الكل؟ ما ندري؟ نشوف مثال ذلك: رجل خلَّف ثلاثة آلاف درهم، وأوصى لزيد بخمس مئة، ولعمرو بخمس مئة، ولبكر بخمس مئة، ولخالد بخمس مئة، كل واحد أوصى له بعد شهر من الثاني، أوصى للأول بخمس مئة في محرم، وللثاني بخمس مئة في صفر، وللثالث بخمس مئة في ربيع الأول، وللرابع بخمس مئة في ربيع الثاني، ثم مات، وتركته ثلاثة آلاف، فماذا نعمل؟ إن أعطينا الجميع زاد على الثلث، كم يبلغ؟ طلبة: الثلثين.
الشيخ: يبلغ الثلثين.
طيب إن أعطينا الأول والثاني وقلنا: نرتب، نبدأ بالأول، ثم بالثاني ضاع حق الثالث والرابع، وإن بدأنا بالثالث والرابع وقلنا: هي الوصية الأخيرة فتكون ناسخة لما سبق أضعنا حق الأول والثاني، إذن نُقرع بينهم، إن أقرعنا مشكلة.

القرعة لا تجوز إلا حيث يتعذَّر الجمع، والجمع هنا ممكن، كيف الجمع؟ نقول: يكون النقص عليكم بالقِسط، كيف نعرف القسط؟ ننسب الثلث إلى مجموع الوصايا، ثم نعطي كل واحد مثل تلك النسبة؛ يعني سهلة المسألة، فنقول: الثلث ألف، مجموع الوصايا؟ طلبة: (... ). الشيخ: لا، ألفان، انسب الألف إلى الألفين؟ النصف، أعطِ كل واحد نصف الوصية نصف ما أوصي له به، كل واحد نعطية مئتين وخمسين، فيكون المجموع ألفًا، ولهذا قال: (إن لم يفِ الثلث بالوصايا فالنقص بالقسط).
هذه المسألة واضحة ولا فيها إشكال، لكن لو أوصى لواحد بمعين، ولثلاثة بمشاع، مثاله: أوصى لشخص بسيارة، وللثاني بخمس مئة درهم، وللثالث بخمس مئة درهم، وتوفي، وصار مجموع ماله مع السيارة ثلاثة آلاف درهم.
السيارة معينة لشخص معين، وأولئك ما هو معين، مشاع بخمس مئة درهم مشاع، لما رأينا السيارة وجدنا أنها تساوي ست مئة درهم، والوصية الثانية كم قلنا؟ خمس مئة درهم، زادت على الثلث ولَّا لا؟ زادت على الثلث، هذه الزيادة، ننسب الستة إلى الخمسة نجد أنها ستة من أحد عشر، ونقول: يرد الثلث إلى ستة من أحد عشر، ويكون لصاحب السيارة ستة من إحدى عشر، ولصاحب الخمس مئة خمسة من أحد عشر.
إذن يدخل صاحب الخمس مئة على السيارة بشيء ولَّا لا؟ يدخل عليه بشيء، فتكون السيارة الآن مشتركة، بدلًا ما كانت خاصة للموصى له الأول، صارت الآن مشتركة.
ولكن لاحظوا أنه سيأتينا -إن شاء الله- أنه إذا رجع عن الوصية الأولى بأن قال: هذه الوصية ناسخة لما سبقها عملنا بالمتأخر.
والله وأعلم.
طالب: (... ) أقر في مرض الموت المخوف.
الشيخ: في مرض الموت المخوف.
الطالب: ووصى بوصية أكثر من الثلث، وهذا الرجل الوارث وأقر بهذا فكيف يصير؟ نحن قلنا: يصح هذا على (... ) وهو ليس بمالك.

الشيخ: أحسنت، هذه إجازة، ما هي عطية حتى المؤلف يرى أنها تنفيذ، ما هي بابتداء عطية، فكأنه أسقط حقه مما سيؤول إليه، وسبب الْأَوْلِ إليه موجود وهو المرض؛ مرض الموت.
طالب: (... ). الشيخ: إي نعم صح.
طالب: (... ). الشيخ: إذا أوصى به، تسمى وصية، كما لو أوصى أن يُحجَّ عنه إذا كان لم يحج مثلًا.
طالب: (... ). الشيخ: وجوبًا، كل من عليه حق واجب سواء لآدمي أو لله وليس فيه بينة يجب عليه أن يوصي به.


الطالب: وَإِنْ لَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِالوَصَايا فَالنَّقْصُ بِالقِسْطِ، فإن أوصى لوارث فصار عند الموت غير وارث صحت، والعكس بالعكس، ويعتبر القبول بعد الموت وإن طال لا قبله، ويثبت الملك به عقب الموت، ومن قبلها ثم ردها لم يصح الرد، ويجوز الرجوع في الوصية، وَإِن قَالَ: إِنْ قَدِمَ زَيْدٌ فَلَهُ مَا أَوْصَيْتُ بِهِ لِعَمْرٍو، فَقَدِمَ فِي حَيَاتِهِ فَلَهُ وَبَعْدَهَا لِعَمْرٍو.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
متى تكون الوصية مكروهة؟ طالب: (... ). طالب آخر: إذا كان.. الشيخ: ما رجعت والله.
طالب: (... ). الشيخ: إي نعم.
طالب: يكون مكروهًا، إذا كان وارثه (... ). الشيخ: بس.
طالب: أو كان ماله قليلًا.
الشيخ: أو ولَّى وكان ماله قليلًا، إذن إذا كان الموصي فقيرًا ووارثه محتاجًا.
يقول: (إن لم يفِ الثلث بالوصايا فالنقص بالقسط) كيف ذلك؟ طالب: إذا أوصى لجماعة، ثم (... ) هذه وصية تزيد على الثلث، فيكون عليهم النقص بالقسط (... ). الشيخ: مثاله.
الطالب: إذا كان مثلًا ماله ثلاثة آلاف درهم فأوصى لأربعة لكل واحد بخمس مئة.
الشيخ: يعني أوصى بأيش، بكم؟ طالب: بخمس مئة درهم.
الشيخ: خمس مئة درهم أقل من الثلث.
طالب: سيزيد عن الثلث، ثلثين.
الشيخ: أوصى بالثلثين لأربعة.
طالب: فهنا زادت على الثلث (... ) الثلث إلى (... ).

الشيخ: إذا أوصى بألفين لأربعة يكون لكل واحد.
طالب: خمس مئة.
الشيخ: لكل واحد خمس مئة، والثلث الآن صار ألفًا.
هل نعطي الاثنين الأولين أو الاثنين الآخريين؟ طالب: لا، نعطيهم كلهم، نعطيهم بالقسط؛ لأن لو أعطينا الأولين لبطل الآخرون.
الشيخ: نعم، كيف القسط؟ طالب: نقول: ننسب الثلث إلى مجموع الوصايا.
الشيخ: ننسب الثلث إلى مجموع الوصايا.
طالب: يعني ألف إلى الثلث؟ الشيخ: الثلث كم؟ طالب: ألف.
الشيخ: والوصايا نسبة الألف إلى الألفين؟ الطالب: النصف.
الشيخ: نعطي كل واحد نصف ما يستحقه.
إذن كم نعطي كل واحد في المثال اللي قلت؟ الطالب: مئتين وخمسين.
الشيخ: مئتين وخمسين، صح.
طيب إذا زاد الثلث على الوصايا هل نكمل للموصى لهم يعني أوصى لكل واحد من الأربعة بخمس مئة، وخلف عشرة آلاف بل خلف تسعة آلاف.
طالب: ما يصح (... ). الشيخ: نقصت الوصايا عن الثلث، هل نكمل لهم الثلث؟ طالب: لا.
الشيخ: كيف إذا زادت عن الثلث ننقصها؟ طالب: زيادة محرمة ما يجوز أن يزيد عن الثلث فالنقص منها هو الأولى.
الشيخ: لأننا لو كملنا الثلث لزدنا عما قال الموصي، تمام.
إذن النقص عليهم والزيادة ليست لهم؛ لأن الموصي حدد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويعتبر القبول بعد الموت وإن طال، لا قبله)، يعتبر يعني لصحة الوصية، قال: (وإن أوصى لوارث فصار عند الموت غير وارث صح، والعكس بالعكس).
سبق في أول الباب أن الوصية للوارث حرام، وبينا دليل ذلك من القرآن والسنة، لكن متى يعتبر وارثًا أو غير وارث؟ يعتبر عند الموت، فإذا أوصى لوارث حين الوصية، وصار عند الموت غير وارث فالوصية صحيحة.
مثال ذلك: رجل له زوجة وأخ شقيق، فأوصى لأخيه الشقيق بثلث المال، فهنا أخوه الشقيق وارث، صح؟ ليش؟ طالب: نعم؛ لأنه عاصب.
الشيخ: لأنه عاصب، للزوجة الربع، والباقي للأخ الشقيق.
ولكنه بعد ذلك وُلِد له ولد، فمات عن زوجته وابنه وأخيه الشقيق، هل تصح الوصية؟ طلبة: تصح.

الشيخ: تصح، لماذا؟ لأنه كان عند الموت غير وارث.
طيب، مثال آخر: رجل له أم وأب وزوجة، فأوصى لزوجته بثلث ماله، ثم طلقها بعد ذلك، وانقضت عدتها، ثم تُوفي الرجل عن أبيه وأمه، فهل تصح الوصية للزوجة؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لماذا؟ لأنها حين الموت ليست بوارثة.
إذن المعتَبر في كون الموصى له وارث أو غير وارث عند الموت.
قال: (والعكس بالعكس)، يعني إذا أوصى لغير وارث فصار عند الموت وارثًا؛ لم تصح الوصية.
والمثال رجل له زوجة وابن وأخ شقيق، فأوصى لأخيه الشقيق، هو الآن وارث ولَّا غير وارث؟ طلبة: غير وارث.
الشيخ: غير وارث؛ لأن الابن يحجبه، ثم مات ابنه قبله، ثم مات الموصي، فالوصية لا تصح؛ لأن الأخ الذي كان محجوبًا بالابن صار الآن وارثًا؛ فلا تصح.
إذن الاعتبار بكون الشخص الموصَى له وارثًا أو غير وارث حال الموت لا حال الوصية.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (ويُعتبر القبول بعد الموت وإن طال).
يُعتبر أي يُشترط القبول من الموصَى له بعد الموت؛ فإن لم يقبل ورد بطلت الوصية.
وإن قبل قبل الموت يقول المؤلف: (لا قبله)، فالقبول قبل الموت لا يُعتبر؛ وذلك لأن سبب الملك متأخر، إذ إن سبب الملك لا يثبت إلا بعد موت الموصي، فإذا قبل الموصى له قبل فقد قَبِلَ قبل وجود السبب، وتقديم الشيء على سببه يوجب بطلانه.
(يعتبر القبول بعد الموت وإن طال) عن الموت، يعني مثلا رجل أوصى لزيد بألف درهم، ثم توفي زيد، وأُخبِر الموصى له بالوصية، وسكت، وبعد أسبوع أو شهر قال: قبِلت، فهذا جائز؛ يعني لا تُشترط الفورية في القبول، بل يجوز القبول ولو تأخر الموت.
مثال آخر رجل أوصى لشخص بألف درهم فبُلِّغ الشخص بأن فلانًا أوصى له بألف درهم، فقال: اشهدوا يا جماعة أني قبلتُ الوصية ثم مات الموصى له، ثم مات الموصِي، فقام ورثة الموصَى له يطالبون ورثة الموصِي بالوصية، فهل لهم الحق في هذا؟ طالب: لا.

الشيخ: أنتم فهمتم السؤال زين؟ أعيده: أوصى شخص لآخر بألف درهم فقال الموصَى له: قبلت.
ثم مات الموصَى له قبل موت الموصِي، ثم مات الموصِي، فهل لورثة الموصى له أن يطالبوا ورثة الموصِي بالوصية؟ طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ لأن القبول كان قبل موت الموصي، والقبول المعتبر ما كان بعد موت الموصي.
إذا قدرنا أن الموصى له رد؛ يعني بعد أن مات الموصي قال الموصى له: أنا لا أقبل بالوصية ولا أريدها، فإنه لا يُلزم بها، إذا ردها بطلت الوصية، إذا بطلت الوصية إلى أين يعود المال الموصى به؟ يعود للورثة تمام.
وقول المؤلف: (ويعتبر القبول بعد الموت) ليس على إطلاقه؛ لأنه يُستثنى من ذلك ما إذا كانت الوصية على غير عاقل، أو على غير محصور، على غير عاقل يعني على غير شخص من شأنه أن يعقل، أو على غير محصور، مثال الأول: لو أوصى بدراهم تُصرف في بناء المساجد، هل نقول: يُشترط لصحة الوصية أن يقبل مدير الأوقاف أو وزير الأوقاف؟ لا؛ لأن المساجد جهة وليست ذات ملك.
طيب لو أوصى بدراهم للفقراء، هل نقول: لا بد أن يجتمع الفقراء كلهم في مشارق الأرض ومغاربها ليقولوا: قبلنا الوصية، لا، لأن هذا شيء مستحيل فالوقف إذن على غير محصور.
الوصية لغير محصور، لو أوصى لبني زيد؟ طالب: فيه التفصيل.
الشيخ: فيه التفصيل، ما هو التفصيل، إن كانوا قبيلة لم يُشترط القبول؛ لعدم إمكان حصرهم، وإن كانوا بني زيد لصلبه فإنه يمكن حصرهم فلا بد من القبول.
إذن يشترط القبول للوصية إذا كانت على معين يمكن حصره، ويمكن قبوله، فإن لم يمكن قبوله كالمساجد، أو لم يمكن حصره كالفقراء، فإنه لا يُشترط القبول بل تثبت الوصية بمجرد موت الموصي.
ثم قال المؤلف: (ويثبت الملك به) أي بالقبول (عقب الموت) يعني إذا قبل ثبت الملك بالقبول، ولكن من أين يبتدئ الملك؟ يقول: عقب الموت، يثبت الملك به، أي بالقبول، عقب الموت؛ يعني لا من حين القبول.

مثاله: أوصى لشخص بهذا البيت، ببيت يؤجر، كل شهر بعشرة آلاف ريال، ثم مات الموصِي، وبعد مضي شهر من موته قبل الموصَى له، قال: قبلت الوصية، صار البيت لمن؟ طلبة: للموصَى له.
الشيخ: للموصَى له، يثبت الملك بالقبول، إذا قبل ثبت الملك.
ولكن من حين قبوله أو من موت الموصي؟ يقول المؤلف: (عقِب الموت) يعني من موت الموصِي، فأُجرة هذا البيت مدة الشهر، وهي عشرة آلاف تكون لمن؟ تكون للموصَى له، هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله.
وعلى هذا تثبت الوصية بأثر رجعي.
وقال بعض العلماء: يثبت الملك بالقبول من حين القبول.
وعلى هذا فتكون الأجرة لمدة شهر قبل قبول الموصى له للورثة؛ لأن الموصَى به على ملكهم.
والحقيقة أن الإنسان يتوقف في هذه المسألة؛ لأنه إذا تدبر أن الوصية يخرج بها الموصى به إلى الوصي من حين الموت رجَّح ما ذكره المؤلف؛ وهو أنه إذا قبل انسحب الْمُلك إلى الوراء من حين موت مَن؟ الموصِي.
وإذا رأى أن القاعدة: أن الفرع يتبع الأصل، فإذا قلنا: إن الملك لا يثبت إلا بالقبول، صار ما قبل القبول ليس ملكًا للموصى له.
المشهور من المذهب الثاني؛ أن الملك يثبت من حين القبول.
وعلى هذا فنقول: إن أجرة هذا البيت ما بين موت الموصِي إلى قبول الموصَى له تكون للورثة، وعلى القول الأول تكون للموصَى له، ولو أنهم في هذه الحال اصطلحوا فيما بينهم، وتقاسموا الأجرة، لكان هذا خيرًا، تطيب به نفس كل واحد ولا يحصل نزاع لكن إن تنازعوا وذهبوا إلى المحكمة مثلًا فإن للقاضي أن يحكم بما يراه أقرب إلى الصواب.
قال: (ومن قبلها ثم ردها لم يصح الرد) قبل أيش؟ قبل الوصية، ثم ردها لم يصح الرد؛ لأنه إذا قبلها دخلت ملكه، فإذا دخلت ملكه وثبتت له، وحينئذٍ لا يمكن أن يردها إلى ملك الورثة؛ لأنه قبلها.
طيب لو قال قائل: هل يصح أن يردها إلى الورثة على سبيل الهبة؟

جارٍ التحميل