وهو مبادلةُ مالٍ ولو في الذمة، أو منفعة مباحة كممر في دار، بمثل أحدهما على التأبيد غير ربا وقرض.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: كتاب البيع، ذكره -أعني: كتاب البيع- بعد أن أنهى الكلام على العبادات، وذكرنا أن ترتيب الفقهاء رحمهم الله بدؤوا أولًا بماذا؟ بالعبادات، وأشرفها الصلاة، ومفتاحها الطهارة، فبدأوا بالطهارة، ثم بالبيع؛ لأن البيع يتوقف عليه أيش؟ مصالح البدن، وثم بعد ذلك بالنكاح؛ لأنه بعد أن يأكل الإنسان ويشرب ويتغذى يحتاج إلى نكاح، ثم بعد ذلك بالقصاص والدماء وغيرها.
المهم أن البيع جعلوه بعد العبادات؛ لأنه من ضروريات الحياة.
والبيع جائز بالكتاب والسنة والإجماع والنظر الصحيح؛ يعني: أدلته أربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والنظر الصحيح.
أما الكتاب ففي قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275].
وأما بالسنة فمثل قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا» (1)، والأحاديث في هذا كثيرة، مثل قوله: «لَا يَبِعْ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» (2).
وأما الإجماع فمعلوم بالضرورة من دين الإسلام.
وأما النظر الصحيح فلأن الإنسان يحتاج إلى ما في يد غيره من متاع الدنيا، ولا وسيلة إلى ذلك إلا إما بالظلم وأخذه منه قهرًا، وإما بالبيع؛ فلهذا كان من الضروري أن يَحِلَّ البيع، فأحله الله عز وجل.
وفي حِلِّ البيع دليل على شمول الشريعة الإسلامية، وأنها ليست -كما قال أعداؤها- لا تُنَظِّم إلا المعاملات التي بين الخالق والمخلوق؛ بل هي تنظم المعاملات بين الخالق والمخلوق، وبين المخلوقين بعضهم مع بعض.
وتنظيمها للمعاملة بين المخلوقين بعضهم مع بعض من أهم الأمور؛ لأنه لولا ذلك لأكل الناس بعضهم بعضًا، واعتدى الناس بعضهم على بعض؛ فكان من الحكمة ومن مقتضى عدل الله عز وجل أن تُنظَّم المعاملات بين الخلق لئلَّا ترجع إلى أهوائهم وعدوانهم، ثم إن أطول آية في كتاب الله آية الدين، وهي في المعاملات بين الخلق، فكيف يقال: إن الشريعة الإسلامية هي تنظيم المعاملة بين الخالق والمخلوق؟ ولهذا قال رجل من المشركين لسلمان الفارسي: عَلَّمَكُمْ نبيُّكم حتى الخِرَاءة؟ قال: أجل (3)، الخِراءة يعني: آداب قضاء الحاجة.
في السنة آداب قضاء الحاجة، في القرآن آداب الجلوس: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا﴾ [المجادلة: 11].
آداب الاستئذان، آداب الدخول: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: 61].
فالشريعة والحمد لله شاملة لكل شيء، لكن من الأشياء ما تنص عليه الشريعة بعينه، ومن الأشياء ما يكون داخلًا تحت قاعدة عامة من قواعد الشريعة.
ولقد أخطأ من قال: إن النصوص لا تَفِي بعُشْر ما يحتاج الناس إليه، بل نقول: إن النصوص وافية بكل ما يحتاج الناس إليه، ولكن منه أشياء منصوص عليها، ومنه أشياء تدخل تحت القواعد العامة.
إذن حكم البيع الجواز بالكتاب والسنة والإجماع.
طلبة: والنظر الصحيح.
الشيخ: والنظر الصحيح.
عندي يقول في الشرح -نشوف كلام المؤلف في الشرح-: (جائز بالإجماع لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275])، بعضهم يقول: إن هذا التعبير فيه نظر، والصواب أن يقال: جائز بالكتاب والسنة والإجماع، لكن المؤلف له وجهة نظر، أراد أن يبدأ بالإجماع، ثم يذكر مستنده؛ لأن الإجماع قاطع للنزاع، بخلاف النص، النص قد يكون فيه مدخل لمُؤَوِّل فلا يوافقك مَنِ استدللت عليه به على ما استدللت به عليه، لكن الإجماع قاطع للنزاع، ولكلٍّ وجهة؛ مَنْ قال: ابدأ بالكتاب والسنة والإجماع فله نظر؛ لأن الكتاب أقوى الأدلة ثم السنة ثم الإجماع، والإجماع لا بد أن يكون له مستند من الكتاب السنة، إما معلوم وإما خَفِيٌّ على بعض الناس، وإلا فلا يمكن أبدًا أن يوجد إجماع بلا مستند من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ثم قال: (وهو مبادلة مال ولو في الذمة) إلى آخره، (هو) الضمير يعود على البيع، وقوله: (مبادلة) إلى آخره هذا تعريف له بالاصطلاح، وله تعريف في اللغة، تعريفه في اللغة أعم من تعريفه في الاصطلاح، وهكذا جميع الكلمات والحقائق التي لها حقائق لغوية وحقائق شرعية، تجد أن الحقائق اللغوية أوسع من الحقائق الشرعية إلا في بعض الكلمات؛ مثلًا الإيمان في اللغة محله القلب؛ لأنه إقرار القلب بالشيء، لكن في الشرع أعم؛ يشمل قول اللسان وعمل الجوارح، بالإضافة إلى إقرار القلب، وهذا نادر، لكن فالأكثر أن تكون المعاني اللغوية أوسع من المعاني الشرعية.
إذن البيع في اللغة أعم من البيع شرعًا، فهو أَخْذ شيءٍ وإعطاء شيء، حتى ولو كان على سبيل العارية أو الوديعة، فإذا مددت إليك شيئًا أُعِيرُك إياه فهو بيع في اللغة؛ لأنه مأخوذ من الباع، إذ إن كل واحد من المتعاطيَيْنِ يمد باعه إلى الآخر.
لكن في الاصطلاح يقول: (مُبادَلَةُ مالٍ ولو في الذمة، أو منفعة مباحة كممرِّ دار بمثل أحدهما على التأبيد غير ربا وقرض).
انتبه للشروط، نعم، أولًا: (مُبَادَلَةُ مَالٍ) ما المراد بالمال هنا؟
المال: كل عين مباحة النفع بلا حاجة؛ هي المال، فيدخل في ذلك الذهب، والفضة، والبُرُّ، والشعير، والتمر، والملح، والسيارات، والأواني، والعَقارات، وغيرها؛ كل عَيْنٍ مباحة النفع بلا حاجة.
انتبه، فقولنا: (مباحَة النفع) معناه أنه لا بد أن يكون فيها نفع؛ فالعين التي لا نفع فيها لا تدخل في هذا التعريف، الأعيان التي ليست فيها نفع لا تدخل في هذا التعريف، وقولنا: (مباحَة النفع) خرج به محرمة النفع؛ كآلات الزمر، والمعازف، فهذه لا تسمى مالًا، أو لا تدخل في اسم المال هنا.
وقولنا: (بلا حاجة) احترازًا مما يباح نفعه للحاجة أو للضرورة، فمثلًا الميتة تباح لكن متى؟ للضرورة، جلد الميتة إذا دبغ يباح للحاجة، وأيضًا مقيد؛ ما يباح استعماله إلا في اليابسات على المشهور من المذهب.
إذن لا بد من هذا القيد: (عين مباحة النفع بلا حاجة).
كلب الصيد؟
عين مباحة النفع لكن لحاجة، ولهذا قُيِّدَت منفعته بقيد معين، فتبين الآن ما هو المال هنا؟ كل عين مباحة النفع بلا حاجة.
وقوله: (ولو في الذمة)، (لو) تدل على أن هناك شيئًا مقابلًا، قوله: (ولو في الذمة) تدل على أن هناك شيئًا مقابلًا لما في الذمة، وهو كذلك.
والذي يقابل ما في الذمة هو المعيَّن؛ يعني المعين أو في الذمة؛ يعني: قد يقع العقد على شيء معين، وقد يقع العقد على شيء في الذمة، ويظهر هذا بالمثال؛ فإذا قلت: بعتك هذا الكتاب بهذا الكتاب، الكتاب الثاني أمامي، هذا أيش؟
طلبة: معين.
الشيخ: معين بمعين ليس في الذمة.
وإذا قلت: بعتك هذا الكتاب بعشرة ريالات، هذا معين بأيش؟
طلبة: بما في الذمة.
الشيخ: بما في الذمة، حتى وإن كنت قلت: عشرة ريالات؛ لأن ما عينتها، في ذمتي.
إذن قوله: (ولو في الذمة) أفادنا أن المال الذي يقع العقد عليه يكون معينًا ويكون في الذمة؛ مثال المعين: هذا الكتاب بهذا الكتاب، في الذمة: هذا الكتاب بعشرة دراهم، واضح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب.
طالب: ما هو بواضح.
الشيخ: كيف ما هو بواضح؟
الطالب: معيَّن.
الشيخ: معين بما في الذمة.
الطالب: غير واضح.
الشيخ: بعتك هذا الكتاب بعشرة ريالات، أين العشرة؟
الطالب: موجودة أمامي.
الشيخ: لا، لا ما هي أمامك، بعتك هذا الكتاب بعشرة ريالات فقلت: آتي بالعصر عشرة ريالات مثلًا، أو هي في مخباتي أيضًا ولكن ما أخرجتها من مخباتي وقلت: هذه الدراهم، هذا معين بأيش؟ بما في الذمة.
وقوله: (ولو في الذمة) ربما يشمل ما في الذمة بما في الذمة، وهو كذلك أيضًا، فأقول مثلًا: اشتريت منك كيلو من السكر بعشرة ريالات، ثم ذهب البائع يزن لي السكر، وأنا أخرجت الدراهم من جيبي وأعطيتها إياه، هنا العقد وقع على أيش؟
طلبة: (... ).
الشيخ: لا.
الطلبة: على معين.
الشيخ: لا، ما فيه معين.
الطلبة: على ما في الذمة بالذمة.
الشيخ: هذا، وقع العقد على شيء في الذمة بشيء في الذمة، ما فيه إشكال -سيارة؛ جملة معترضة يا إخوان- واضح يا جماعة؟ ما هو بواضح، اللهم بَيِّن، اشتريت منك كيلو سكر بعشرة ريالات، فذهبت أنت تزن لي السكر، وأنا ذهبت أبغي أخرج الدراهم من جيبي، العقد أول ما وقع على أيش؟
طلبة: على شيء في الذمة.
الشيخ: شيء في الذمة بشيء في الذمة، لكن لو أخرجت الدراهم العشرة وضعتها هنا على الماصة وأتيت أنت بالكيلو من السكر ووضعته على الماصة، وقلت: اشتريت منك هذا الكيلو بهذه الدراهم، صار معينًا بمعين، أما الأول نحن ما عيَنَّا الدراهم، ما قلت: هات هذه الدراهم، ولا قلت أنت: هذا الكيلو.
فصار الآن: معين بمعين، ومعين بما في الذمة، وبما في الذمة بما في الذمة، تمام؟
قال المؤلف: (أو منفعة مباحة كممرٍّ في دار)، (منفعة مباحة) يعني: مبادلة مال بمنفعة مباحة، مثاله: ممر في دار، كيف ممر في دار؟
هذا رجل له دار وله جار، دار وجار، الجار بينه وبين الشارع، فقال الآخر: أشتري منك ممرًّا في دارك إلى الشارع، قال: ما فيه مانع، اشترى منه الممر إلى الشارع بدراهم، فهذه يقال: إنها مبادلة مال بأيش؟ بمنفعة، فليس للجار الذي اشترى من جاره المنفعة ليس له إلا الاستطراق من داره عبر بيت جاره إلى الشارع، فلا يتصرف في هذا الممر، يعني: لو قال: أبغي أبلط الممر -يقول الذي يريد أن يعبر إلى الشارع- فلصاحب الدار أن يمنعه، ما هو ملكك، أنت لك الاستطراق فقط، والاستطراق هو منفعة، لك المنفعة، لك عليَّ ألا أحول بينك وبين الانتفاع، لا آتي يومًا من الأيام وأضع العراقيل أمامك، لا؛ لأنك تملك المنفعة، فهذه إذن مبادلة مال بمنفعة.
تبين الآن أن الذي يقع عليه العقد إما أعيان وإما منافع، والأعيان إما مشار إليها وإما في الذمة، أليس كذلك؟
وقول المؤلف: (منفعة مباحة) احترازًا من المنفعة غير المباحة؛ مثل لو اشترى منه الانتفاع بآلة عزف، قال: بع عليَّ الانتفاع بهذه الآلة، مثلًا الآلة تساوي مئة ريال، قال: أبغي أشتري بها الانتفاع فقط خمسين ريالًا.
قال: بعت عليك، يجوز أو لا؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، لماذا؟ لأن المنفعة هنا محرمة، وكل عقد على محرم فهو باطل؛ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (4).
قال: (بمثل أحدهما) متعلق بـ (مبادلة)؛ يعني: أنْ يبادل المال ولو في الذمة أو المنفعة بمثل أحدهما.
طيب (بمثل أحدهما) تعطينا الآن صورًا متعددة؛ معين بمعين، معين بما في الذمة، ما في الذمة بما في الذمة.
وتأتي المنفعة الآن؛ منفعة بمال معين، منفعة بمالٍ في الذمة، منفعة بمنفعة.
ولهذا ذكر في الشرح أن هذا يشمل تِسْعَ صور، ولا نحب أن نطيل عليكم بها أخشى أن تتلخبطوا بعد، لكن على كل حال هذا الضابط، يعني: يقع العقد على ثلاثة أشياء:
مال معين، مال في الذمة، منفعة، أنت إذا ضربت بعضها ببعض، ثلاثة في ثلاثة: تسعة؛ لأن التبادل بين هذه الأشياء، فتأتي مثلًا الأول: بالمال المعين، يكون بمالٍ معين، بمال في الذمة، بمنفعة.
ثم نأتي بمال في الذمة يكون بمال معين، بمال في الذمة، بمنفعة.
ثم نأتي بالمنفعة ويكون منفعة بمال معين، بمال في الذمة، بمنفعة.
فالجميع الآن تسع صور، ونسأل الله ألا يلخبط رؤوسكم.
قد تقولون: ما دام فيه مبادلة، لماذا لا نجعلها ست صور؟
نقول: لأن ما دخلت عليه الباء فهو الثمن، وما وقع عليه الفعل فهو المثمَن؛ فإذا قلت: بعتك كتابًا بدرهم، الفعل وقع على كتاب، إذن هو المثمَن، بدرهم: الباء دخلت على (درهم) فهو الثمن، هذه القاعدة، فما وقع عليه الفعل فهو المثمَن، وما دخلت عليه الباء فهو الثمن.
يقول: (على التأبيد) انتبه، إلى الآن نحن الآن في شروط التعريف، لا بد أن يكون هذا التبادل على التأبيد احترازًا من الإجارة، الإجارة فيها مبادلة لا شك، استأجرت منك هذا البيت بمئة ريال، فأنا الآن استأجرت معينًا بما في الذمة، كذا ولَّا لا؟ ما يخالف، منفعة، أليس يجوز عقد البيع على المنفعة؟
طالب: بلى.
الشيخ: طيب، هذا لا نقول: إنه بيع، لماذا؟
طلبة: ليس على التأبيد.
الشيخ: لأنه ليس على التأبيد، فالبيع إذن لا بد أن يكون على التأبيد.
ولهذا لو قال قائل: بعتك هذه الدار لمدة سنة بألف ريال لم يصح هذا العقد على أنه بيع، لماذا؟ لأنه ليس على التأبيد.
وهل يصح على أنه إجارة؟ هذا ينبني على قاعدة معروفة عند الفقهاء: هل إذا وُصِف العقد بوصف على خلاف ما اتفق عليه، هل يُنزَّل على الوجه الصحيح؟ أو يلغى كله؟ فيه خلاف.
(غير ربا وقرض) الربا لا يُسَمَّى بيعًا وإن وُجِد فيه التبادل، فإذا أعطيتك درهمًا بدرهمين، قلت: هذا الدرهم بهذين الدرهمين، فهو أيش؟ مبادلة عين بعين، لكنه ليس ببيع، ما الذي أخرجه؟
أخرجه أن الله جعله قسيمًا للبيع.
وقسيم الشيء ليس هو الشيء، ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، وأيش؟ ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، إذن ليس الربا ببيع، وإلا لما صح التقسيم.
(وقرض) يعني: وغير قرض فلا يسمى بيعًا وإن وجدت فيه المبادلة.
يأتي الإنسان الغني لمن طلب منه القرض ويقول: خذ هذه الدراهم، أقرضتك إياها، الآن الدراهم معينة ولَّا غير معينة؟
طلبة: معينة.
الشيخ: والقرض؛ يعني: قدر القرض؟
طلبة: معين.
الشيخ: لا.
طالب: في الذمة.
الشيخ: في الذمة، فهو يشبه مبادلة عين بما في الذمة، لكنه لا يسمى بيعًا؛ لأنه لو كان بيعًا لبطل القرض في الأموال الربوية، لو كان القرض بيعًا لبطل القرض في الأموال الربوية، ظاهر ولَّا غير ظاهر؟
طلبة: ظاهر.
طلبة آخرون: غير ظاهر.
الشيخ: اللهم أَلْهِمَنا، لو بعت عليك درهمًا بدرهم لا أقبضه منك إلا بعد يومين، ربا ولا غير ربا؟
طلبة: ربا.
الشيخ: أقرضتك درهمًا قرضًا تبغي تعطيني إياه بعد يومين.
جائز؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إي نعم، إذن لو قلنا: إن القرض بيع ما صح القرض في الأموال الربوية؛ لأنه يؤدي إلى تأخير القبض بإقراض الشيء بجنسه، ومعلوم أن تأخير القبض في بيع الشيء بجنسه حرام، ربا.
إذا قال قائل: ما الذي أخرج القرض عن البيع، وهو مبادلة مال بمال؟
قلنا: أخرجه قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»، هذا اللي أخرجه، فما الذي نواه المقرض لما أقرض طالبَ القرض، هل نوى المعاوضة والاتجار؟ أو نوى الإرفاق؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: نعم، الثاني لا شك، هو نوى الإرفاق، ومن أجل أنه نوى الإحسان صار مقابلًا لنية المرابي؛ لأن الأصل في الربا هو الظلم كما قال تعالى: ﴿لَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 279]، فصار القرض على نقيض مقصود أيش؟ الربا؛ إذ إن المقصود منه الإرفاق، فلذلك خرج عن كونه بيعًا.
إذن ما الدليل على خروج القرض من البيع؟
قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (5)، وذلك أن المقرِض والمستقرض لم ينو أحد منهما المعاوضة، إنما قصدُ المقرِض الإرفاق، وقصدُ المستقرضِ سدُّ حاجته؛ ولهذا صار القرض ليس بيعًا، وقلت لكم: إننا لو جعلنا القرض بيعًا لبطل القرض في جميع الربويات بجنسها.
طالب: قلت: إن الفرق بين الإجارة و.. ؟
الشيخ: لا، (... ) وقع عليها العقد.
طالب: أموال يا شيخ (... ).
الشيخ: هذه عاد مسألة سيأتينا إن شاء الله تعالى، هل تتعين النقود بالتعيين بالعقد أو لا؟
المذهب أنها تتعين بالعقد، عرفت؟
فإذا قلنا بالقول الثاني: لا تتعين جئنا بشيء أخر؛ أنه كتاب بكتاب، وهذا يتعين بالاتفاق، عرفت ولَّا لا؟
طالب: شيخ -بارك الله فيك- ما ذنب الذي جعل في ذمته شيئًا؛ قال: سأعطيك هذا البيت، أو هذا الدكان بإيجار سنة أو البيت، ولكن في ذمته، يعني: أخذ قال: المال في ذمتي، يلزمه (... ) يكاتبه؟ يلزمه الكتابة؟ ولَّا ممكن في الذمة؟
الشيخ: لا، لا بد من الكتابة بينهما؛ لئلا ينسى أحدهما أو يموت.
الطالب: يعني: يكون فيه شيء إذا قال له.
الشيخ: لا بد من شهود أو كتابة.
الطالب: إذا لم يجد؛ يعني: إذا لم يفعل ذلك؟
الشيخ: يأخذ رهنًا، عَجَل يسلطه على بيته أو على دكانه ثم غدًا ينكر أو ينسى! الأخ البارح قال: إن في قول الرسول: «ثُمَّ أنْطَلِقَ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الْجَمَاعَةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ» (6)، قال: يُسْتَدَلُّ بهذا على جواز مداهمة المجرمين، وإحراق بيوتهم، فما رأيكم بهذا الاستدلال أو هذا الاستنباط؟
طلبة: ما يُسْتَدل به؟
طالب: يستدل على جواز الهمِّ.
طالب آخر: يرد من الحديث بوجوه.
الشيخ: إي.
الطالب: منها أن النبي عليه الصلاة والسلام هو الحاكم والسلطة العليا، هذا وجه.
الوجه الثاني..
الشيخ: إي ما يخالف، هو يقول: أنا أريد مداهمة السلطة العليا أو نائب السلطة العليا، ما هو يبغي الناس يهجم بعضهم على بعض.
الطالب: النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل.
الشيخ: هذا واحد.
طالب: شيخ، الهم هو وسط بين التردد والفعل؛ قال الشاعر:
هَمَمْتُ وَلَمْ أفْعَلْ وكِدْتُ ولَيْتَنِي
تَرَكْتُ عَلَى عُثْمَانَ تَبْكِي حَلائِلُه
وهو لم يفعل؛ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «همَمْتُ»، ولكنه لم يفعل.
الشيخ: أنت عندك عينًا.
الطالب: همَّ يا شيخ مو (... ).
الشيخ: يعني -كما قال الأخوان- يعني: همَّ ولم يفعل.
ولقائل يقول: ربما منعه من ذلك عدم المداهمة، ألا يداهم، وألا يحرق، فليس فيه دليل، لكن الدليل أنه إذا قويت القرائن في تهمة بيت ما فلولي الأمر أن يبحث ويتحقق ولو بمداهمته، لكن لا نجعل كل إنسان يتهم شخصًا يداهم، هذه ما يمكن، تكون المسألة فوضى.
طالب: (... ) الثانية أو الثالثة؟
الشيخ: الثانية هي؟
الطالب: وهي إحراق محل المنكر مثل (... )، إحراقها؛ يعني: يجوز حرقها (... ) قول.
الشيخ: الإخوان يقولون: هَمَّ ولم يفعل.
الطالب: (... ) قول.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: هل يمكن أن تعيد لنا الدرس الماضي من البيوع؟ كثير من الطلبة، كلمتهم يعني، أنا عن نفسي لم أفهم، وبعضهم كذلك.
الشيخ: ما فهمت شيء أبدًا؟
الطالب: لا؛ يعني: لم تتضح لنا الأمور كما في الأول؛ كالدروس الماضية.
الشيخ: إي؛ لأن المعاملات أصلًا ما هي مثل العبادات، العبادات يمارسها الإنسان دائمًا.
الطالب: ربما لأجل هذا.
الشيخ: فهو فاهم من قبل.
طالب: (... ).
الشيخ: أيوه، إي صحيح، نشوف اللي عندك.
طالب: إلى الفصل يا شيخ.
الشيخ: إلى: (فصل: ومَنْ جامع).
أولًا: هل فهمتم البيع؟ لغة واصطلاحًا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: فهمتموه؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: هذه واحدة.
ثانيًا: هل فهمتم أنه جائز بالكتاب والسنة والإجماع والنظر؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، ثالثًا: هل فهمتم أن له صورًا متعددة؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: ويش بقي؟
طالب: القرض يا شيخ قلت: إنه ليس ببيع.
الشيخ: هذا التعريف الآن؛ تقول: عرفت التعريف؛ (مُبادَلَة مال ولو في الذمة أو منفعة مباحة كممرٍّ في دار بمثل أحدهما على التأبيد غيرَ ربًا وقرض)، تقول: عرفنا التعريف، واضح؟
طالب: إي، مسألة القرض.
الشيخ: زين، هل عرفتم من قوله: (على التأبيد) أنه يخرج الإجارة؟ لأنها ليست على التأبيد، مؤجلة بأجل معين.
هل فهمتم (غَيْرَ رِبًا) أن الربا ليس من البيع، وإن كان صورته صورة بيع؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لأن الله جعله قسيمًا للبيع.
وقسيم الشيء غير الشيء.
هل فهمتم أن القرض ليس ببيع؟
طلبة: لا، هذا يا شيخ أنا ما فهمته.
الشيخ: لا إله إلا الله، القرض غير بيع؛ ليس ببيع.
طالب: لكن كيف يا شيخ؟
الشيخ: أقرضتك درهمًا، وأعطيتني بعد شهر درهمًا وفاءً، ما هو هذا القرض؟
طلبة: بلى.
الشيخ: هذا القرض، هذا حقيقة القرض، تجيء للإنسان تقول: سلفني ريالًا قال: خذ، وتوفيه بعد شهر، هذا القرض.
لو كان هذا بيعًا ما صحَّ، لماذا؟
لأنه لا يجوز بيع درهم بدرهم مع تأخير القبض، ولولا إخراج القرض من تعريف البيع ما صحَّ قرض أبدًا، واضح؟
طلبة: واضح.
الشيخ: إلا إذا كان القرض في غير الربويات، إذا كان في غير الربويات لا بأس؛ يعني: لو قلنا: إن القرض بيعٌ ما صحَّ قرض أبدًا في الربويات؛ لأنه يستلزم تأخير التقابض من الطرفين، واضح؟
إذا قيل: ما الذي أخرجه عن البيع؟
قلنا: لأن المقصود به الإرفاق، ما قصْده المعاوضة أبدًا؛ قصده الإحسان إلى أخيه الذي جاء يسأله القرض، أو يعرف حاله وأقرضه.
فيه إشكال الآن؟
طالب: لا.
هذا الأخير هذا.
الشيخ: هل فيه إشكال الآن ولَّا لا؟
الطالب: لا.
الشيخ: الحمد لله.
طالب: لو أنه في غير الضروريات ممكن نسميه بيعًا؟
الشيخ: يمكن قرضًا.
الطالب: المحروز عن القرض.
الشيخ: قرض؛ الرسول اسْتَقْرَضَ بَكْرًا وردَّ خيرًا منه (7).
أما مسألة الصور فأنا قلت لكم أمس في الدرس الماضي: لا أحب أن نشرحها ونتكلف شرحها؛ لأن فائدتها قليلة من جهة، ولأنها ربما تمسح جميع ما فهمتم من الدرس، والفائدة فيها قليلة.
والإنسان إذا عرف عندنا ثلاثة أشياء مال معين، ومال في الذمة، ومنفعة، وأن البيع التبادل بين هذه الأشياء، إذا عرف ذلك عرف أن الصور لا بد أن تكون تسع صور؛ من ضرب ثلاثة في ثلاثة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وينعقد بإيجاب وقَبول)، (ينعقد) أي: البيع، والانعقاد ضد الانحلال، والعقد بمعنى الإحكام وربط الشيء بعضه ببعض؛ تقول: عقدت الحبل أي: ربطت بعضه ببعض، وكلمة: (ينعقد) وصف لجميع العقود؛ سواء: البيع، الإجارة، الرهن، الوقف، كلها يقال فيها: (ينعقد)؛ لأنها ربط وإحكام وشدٍّ.
(ينعقد بإيجاب وقَبول)، الإيجاب: هو اللفظ الصادر من البائع، والقبول: هو اللفظ الصادر من المشتري؛ فالإيجاب: هو اللفظ الصادر من البائع أو مَنْ يقوم مقامه، والقبول: هو اللفظ الصادر من المشتري أو من يقوم مقامه، والحقيقة أني قلت: (أو مَنْ يقوم مقامه) من باب التوضيح فقط، وإلا فمن يقوم مقام البائع يسمى بائعًا، فالوكيل مثلًا بائع، وكذلك مَنْ يقوم مقام المشتري.
(بإيجاب وقَبول) لكن اشترط المؤلف أن يكون القبول بعده؛ لأنه فرعٌ عنه بحيث يقول: بِعتُك هذا، فيقول: قَبِلْتُ، فلو تقدم وقال: قبلت ثم قال الثاني: بعت، فإنه لا يصح؛ لأن القبول فرع الإيجاب، (وقبول بعده)، ولم يذكر المؤلف صيغة معينة للبيع، يعني ما قال: لا بد أن يكون بلفظ البيع، فدلَّ هذا على أنه ينعقد بما دل عليه، مثل أن يقول: بعتك هذا الشيء، أعطيتك هذا الشيء، ملكتك هذا الشيء، فالمهم أنه ليس هناك لفظ معين للبيع، أي لفظ يدل عليه فإنه ينعقد به.
وهل هذا شامل لجميع العقود؟ فيه خلاف؛ فمن العلماء مَنِ اشترط لبعض العقود ألفاظًا معينة وقال: لا بد من الإتيان بها، كالنكاح مثلًا قال: لا بد أن يقول: زوجتك وبعدها يقول: قبلت.
ومنهم من قال: جميع العقود تنعقد بما دل عليها عُرْفًا، وهذا القول هو الراجح، وهو المتعين، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ لأن المعاملات ليست عبادات يتقيَّد الإنسان فيها بما وَرَد، بل هي معاملات بين الناس، فما عدَّه الناس بيعًا فهو بيع، وما عدُّوه رهنًا فهو رهن، وما عدُّوه وقفًا فهو وقف، وما عدُّوه نكاحًا فهو نكاح.
فالصواب أن جميع العقود ليس لها صيغ معينة، بل تنعقد بماذا؟ بما دلَّ عليها، ولا يمكن لإنسان أن يأتي بفارق بين البيع وبين غيره، أبدًا.
إذا قالوا مثلًا: النكاح ذكره الله بلفظ النكاح، قلنا: والبيع ذكره الله بأيش؟ بلفظ البيع، فهل تقولون: إنه لا بد أن تقول: بعت؟ يقولون: لا، ما هو شرطًا، إذن (ينعقد) بكل لفظ دل عليه عرفًا (بإيجاب وقبول بعده).
قال: (وقبلَه)، (قبلَه): يعني: ويصح أيضًا بقبولٍ قبلَه، لكن في صور معينة، هذه الصور لا بد أن تكون دالة على العقد؛ مثل: يقول: بعني كذا بعشرة، فيقول البائع: بعتك، انتهى الآن، مع أن القَبول أو ما يدل على القبول قد سبق الإيجاب، لكننا قعَّدنا قاعدة أنه ينعقد بما دلَّ عليه.
لو قال: أتبيعني كذا بكذا؟ فقال: بعتك، هل ينعقد؟ لا، يستفهم الآن، هو يستفهم الآن؛ أتبيعني؟
فإذا قال: بعتك، يقول: قبلت؛ ولهذا عندنا: (بلفظ أمرٍ أو ماضٍ مجرد عن استفهام ونحوه؛ لأن المعنى حاصل به).
لو قال: اشتريت منك كذا بكذا، فقال: بعتك.
طلبة: ينعقد.
الشيخ: لماذا؟ لأنه دلَّ عليه، القبول الآن -وإن سبق- فهو دالٌّ على أن الرجل قابل، فصار الآن ينعقد إذا تقدَّم القبول على الإيجاب بشرط أن يكون دالًا عليه؛ على القبول.
أما إذا كان لم يدل كمضارع يستفهم هل تبيعني كذا؟ أو: أتبيعني كذا؟ أو ما أشبه ذلك، فهذا لا يعتبر قبولًا مرضيًّا.
قال: (مُتَرَاخِيًا عنه في مجلِسه)، (مُتَراخِيًا) هذا حال من القبول؛ يعني أن القبول يجوز أن يكون عقِيب الإيجاب، ويجوز أن يكون متراخيًا عنه؛ أما كونه جائزًا عقِيب الإيجاب فالأمر واضح، قال: بعتك هذا بعشرة، قال: قبلت، القبول هنا أعقب الإيجاب، وهذا لا إشكال فيه.
يجوز أن يتراخى عن الإيجاب؛ فيقول: بعتك هذا بعشرة، ثم يسكت المشتري، يفكر؛ لأن الإنسان قَبْلَ أن يُباع عليه الشيء يجد في نفسه رغبة فيه؛ فإذا قال: بعتك، ربما يتريَّث وتزول هذه الرغبة، وأحب شيء إلى الإنسان ما مُنِعَ، ولهذا تجد الصيادين الذين يصيدون الطيور قبل أن يَرْمِي الطير ومعه شفقة عظيمة على هذا الطير، فإذا رماه وسقط على الأرض صار لا يساوي شيئًا عنده.
وهذه السلع في يد البائع؛ إذا قال: هل تبيع عليَّ هذا بعشرة؟ قال: نعم، أبيعه عليك بعشرة، فهنا لو تأخَّر القبول فلا بأس.
لكن يقول: إذا تراخى عنه لا بد من شروط؛ أنْ يكون في مجلسه، وألا يتشاغلا بما يقطعه؛ أما كونه في المجلس فهو احتراز مما لو كان في غير المجلس، بأن قال: بعتك هذه السلعة بعشرة ثم تفرقا ثم رجع، وقال: قبلت فهذا لا يصح هذا القبول، لماذا؟ لتغير المجلس، كذلك لو تشاغلا بما يقطعه، قال: بعتك هذه السيارة بثلاثين ألفًا -ما يخالف، ننوع- فقال: مررت اليوم بالكلية، ووجدت فلانًا ناجحًا، وفلانًا مكمِّلًا، وفلانًا حاملًا، وفلانًا راسبًا، ويش تقول؟ والله أنا ساءني هذه النتيجة، قال: هذه النتيجة ما هي طيبة، ثم قال: قبلت، يصحُّ ولَّا ما يصح؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: ليش؟
الطلبة: تشاغلا.
الشيخ: تشاغلا بما يقطعه، إذن لا بد لصحة هذا العقد من أن يعيد البائع الإيجاب حتى يكون القبول عقبه.
يشترط أيضًا في القبول، الآن فهمنا أنه يشترط في القبول أن يكون بعد الإيجاب إلا ما استُثني؛ يشترط أن يكون عَقِبَ الإيجاب أو متراخيًا عنه بشرط أيش؟ أن يكون في المجلس، وألا يتشاغلا بما يقطعه.
الشرط الثالث: أن يطابق القبول الإيجاب؛ فلو قال: بعتك شرح ابن عقيل بعشرة، فقال: قبلت الروض المرْبع بعشرة يصح؟
الطلبة: لا، ما يصح.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأنه اختلف.
الشيخ: اختلف.
قال: بعتك شرح ابن عقيل بعشرة، فقال: قَبِلْته بتسعة؟
الطلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، لماذا؟
الطالب: لعدم المطابقة.
الشيخ: لعدم المطابقة.
لو قال: قبلته بأحد عشر.
انتبهوا إلى هذا، قال: بعتك شرح ابن عقيل بعشرة.
قال: قبلته بأحد عشر.
طلبة: يصح.
الشيخ: هو لا شك أنه اختلف، لكن هل هذا من مصلحة البائع؟
من مصلحته؛ إذن يقول البائع: خلاص، آخذ العشرة والباقي لك، إذا كان لا يريد أن يمنَّ عليه بالزيادة فالظاهر أن هذا يصح، وأن الذي لا يصح إذا نقص الثمن عما أوجبه البائع.
الشرط الثالث للقبول؟
طلبة: أن يطابق.
الشيخ: أن يكون مطابقًا للإيجاب كمية، وجنسًا، ونوعًا؛ يعني: قدرًا وجنسًا ونوعًا، إلا أن القدر نقول: إذا زاد فقد زاده خيرًا، وعادة أن البائع لا يَرُدُّ الزيادة، هذا هو العادة والغالب.
ثم قال المؤلف: (وهي الصيغة القولية)، (هي) يعني: صورة الإيجاب والقبول (الصيغة القولية)، وهذا يشعر بأن هناك صيغة غير قولية، وهو كذلك وقد ذكرها بقوله: (وبمُعاطاة وهي الفعلية)، (معاطاة) يعني: كل واحد يعطي الثاني بدون قول، وهذه الصيغة الفعلية.
إذن للعقد صيغتان: قولية وفعلية؛ القولية: هي الإيجاب والقبول، والفعلية؟
طالب: (... ).
الشيخ: ما هي؟
الطالب: (... ).
الشيخ: إي آني ما (... )، الفعلية هي أيش؟
طلبة: المعاطاة.
الشيخ: المعاطاة عاد لها ثلاث صور:
أن تكون معاطاة من الجانبين، وأن تكون معاطاة من البائع، وأن تكون معاطاة من المشتري.
مثالها من الجانبين أن يكون هنا أدوية مثلًا قد كُتِبَ سعرُها، ووضِع إلى جانبها وعاء للثمن، فيأتي المشتري، ويضع ثمن هذا الدواء بوعاء الثمن ويأخذ الدواء، هذه أيش؟
طلبة: معاطاة من الجانبين.
الشيخ: معاطاة من الجانبين، كل واحد منهم ما تكلم، وضع الثمن في مكانه وأخذ المبيع.
هذه معاطاة من الجانبين.
معاطاة من البائع: قال: أعطني بهذا الدرهم خبزًا، فأخذ البائع كيس الخبز اللي بالدرهم كم عددها؟
طلبة: أربعة.
الشيخ: أربعة؛ أخذ الكيس فيه أربعة وأعطاه، هذه معاطاة ممن؟
طلبة: من البائع.
الشيخ: من البائع، المشتري قال: أعطني بهذا الدرهم خبزًا، بالعكس، يكون معاطاة من المشتري.
قال البائع: خذ هذا الكتاب بعشرة فأخذه المشتري، ولم يقل: قبلت، ولكن أعطاه عشرة؛ فالمعاطاة هنا ممن؟ من المشتري، البائع قدَّر الثمن وأوجب، قال: بعتك هذا الكتاب بعشرة، أو خذ هذا الكتاب بعشرة، فأخذه، ولم يتكلم وأعطاه العشرة، وهذا يدلنا على أن مسألة المعاملات أمرها سهل، يرجع فيه إلى ما تعارفه الناس، والناس كلهم قد تعارفوا بأن هذه المعاطاة عقد ولَّا غير عقد؟
طلبة: عقد.
الشيخ: عقد، يرونها عقدًا واضحًا.
خلاصة الدرس: أن لعقد البيع صيغتين: قولية وفعلية؛ القولية: هي الإيجاب والقبول، والإيجاب: هو اللفظ الصادر من البائع أو مَنْ يقوم مقامه، والقبول: هو اللفظ الصادر من المشتري أو من يقوم مقامه، وعرفتم شروط القبول.
وأما الصيغة الثانية فهي الصيغة الفعلية، وهي المعاطاة.
علَّل الشارح بعلة ينبغي أن نفهمها قال: (لعدم التعبد فيه)؛ لأنه ما فيه تعبُّد بالصيغة، كل ما دل على العقد فهو عقد.
طالب: (لعدم التعبد فيه).
الشيخ: فكل ما دلَّ على العقد فهو عقد.
شيخ بارك الله فيك، هل يجب أو يُشْتَرط من البائع والمشتري أن يكون عاقلًا؟
الشيخ: ما جاءت الشروط بارك الله فيك، الشروط سبعة، تأتي إن شاء الله.
طالب: (مُتَراخِيًا عَنْهُ)، ظاهر الكلام أنه يعود إلى..
الشيخ: القبول.
الطالب: لا، القبض.
الشيخ: لا، ما هو هذا، صحيح، العبارة فيها شيء من القلق.
الطالب: (مُتَراخِيًا) يعني: بعده؟
الشيخ: إي نعم؛ لأن إذا صار قبله ما يصير متراخيًا عنه، سابقًا عليه.
الطالب: (... ) يكون في مجلسه تراخ (... ) في مجلس العقد.
الشيخ: القبول؟
الطالب: القبول.
الشيخ: نعم.
طالب: لو أن إنسانًا إذا قال: (... ) بعتك هذه السيارة، ثم قال: أستشير فلانًا، وذهب من المجلس وقال: (... ).
الشيخ: (... ) لازم يعطي الإيجاب.
الطالب: (... ) تعارض (... ).
الشيخ: إذا تعارض (... ) هذا، رجعنا إلى الأصل، وأن ما عَدَّه الناس بيعًا فهو بيعٌ.
طالب: الآن صيغة القبول قلنا: لا بد أن تتأخر عن الإيجاب إلا ما استُثني، عندما مثَّلنا إذا كان على صيغة الاستفهام الماضي؛ تبيعني كذا، هذه صيغة القبول الآن، لا بد أن نعيد القبول مرة أخرى بعد الإيجاب؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ما يُكتفى بقول..
الشيخ: ما يُكتفى، أتبيعني؟
الطالب: أتبيعني؟ لا بد أن يقول بعد ذلك: قبلت.
الشيخ: نعم.
طالب: المعاطاة يا شيخ، ممكن نقول: هي نوع من أنواع الإيجاب والقبول؟
الشيخ: لا، قسم، أحسن.
الطالب: غير الإيجاب والقبول؟
الشيخ: ليست نوعًا من الصيغة القولية، بل هي قسم من صيغة العقد، صيغة العقد قسمان.
الطالب: نقول: يا شيخ، إن الإيجاب والقبول قوليٌّ وفعليٌّ.
الشيخ: لا ما يصح.
نقول: الصيغة.
طالب: بارك الله فيك يا شيخ، من صور البيع بيع ما في الذمة بما في الذمة، هذه صورة.
الشيخ: أيش؟
الطالب: من صور البيع (... ).
الشيخ: نعم.
الطالب: (... ) يشترط التقابض.
الشيخ: يشترط الحلول والتقابض.
الطالب: كيف صورته؛ يشترط التقابض؟
الشيخ: إي نعم، إذا بعت مثلًا، اشتريت منك كتابًا لشرح ابن عقيل بعشرة ريالات، هذا بيع ما في الذمة بما في الذمة، لا بد ألا نقول: عشرة ريالات تحل بعد أسبوع مثلًا، ما تكون مؤجلة، تكون حالَّة، ولا بد من قبض أحد العوضين: إما الدراهم؛ يعني إما الثمن، وإما المثمَن، إما الدراهم وإما الشرح؛ لأنهم يرون أنه لا يصح بيع ما في الذمة بما في الذمة مع التفرق؛ لأنه يكون بيع دين بدين.
طالب: كيف يحصل التقابض، ما عنده ذا، وهذا ما عنده ذا؟
الشيخ: إي إذن ما صحَّ البيع، ونقول: لا تتعاطون البيع إلى أن تحضِّرون حدا.
الطالب: (... ) صورة (... ).
الشيخ: لا، صورة مشروطة، وفائدته الآن إذا قلت: اشتريت منك شرح ابن عقيل بعشرة ريالات، هل هذا معين؛ الشرح؟
الطالب: لا، شرح (... ).
الشيخ: غير معين، والريال؟
الطالب: لا.
الشيخ: إذن هذه، بس نقول الآن: حضروا الريال ولَّا حضروا الكتاب؛ فالشرط هنا ليس شرطًا للتصوير، الصورة حاصلة بدون هذا، لكن شرط للصحة؛ لأنه إذا تفرق قبل قبض أحد العوضين بطل البيع.
طالب: بيع جلد الميتة بعد الدبغ ما يصح؟
الشيخ: بيجينا -إن شاء الله- يجينا من الشروط.
الطالب: في الدرس الماضي.
الشيخ: استطرادًا، على سبيل التمثيل، ما هو على سبيل الشرط والبسط.
طالب: (... ) الإيجاب أو القبول يصح قبل (... ).
الشيخ: متراخٍ، هذا إذا صار بعده.
الطالب: إذا صار بعده لكن يكون في المجلس (... ) القبول يا شيخ، هذا فيه إشكال (... ).
الشيخ: إي، ما هو لما الإيجاب، بعت عليك هذا فقلت: قبلت، هذا العقد الآن، هذا العقد، القبول صار بالعقد، مع العقد مباشرة، بعتك هذا الشيء بعشرة، سكتَّ أنت، ثم قلت: قبلت، يقول: حالة المجلس كحال العقد، هو الآن غير متصل بالإيجاب، لو اتصل لكان العقد واحد، متصل بعضه البعض.
طالب: ما فهمت.
الشيخ: كيف ما فهمت، يعني: إذا قلت: بعت عليك هذا الكتاب بعشرة فقلت: قَبِلْت، هذا عقد ولَّا لا؟
بعتك هذا الكتاب بعشرة وسكتَّ، الآن ما صار عقد، فإذا قلت أنت بعد مدة: قبلت.
فأنت الآن يقال: إنك قبلت لا حال العقد الذي هو الإيجاب ولكنك قبلت في حال المجلس، يقول: فحال المجلس كحال العقد.
باب شروط البيع
طالب: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، قال المصنف رحمه الله في كتاب البيع: فإن تشاغلا بما يقطعه بطل، وهي الصيغة القولية وبمعاطاة وهي الفعلية، ويُشْتَرط التراضي منهما، فلا يَصِحُّ من مُكْرَهٍ بلا حق، وأن يكون العاقد جائز التصرف، فلا يصحُّ تصرفُّ صبيٍّ وسفيه بغير إذن وليٍّ، وأن تكون العينُ مباحةَ النفع من غير حاجة كالبغل والحِمار ودود القز وبِزْرِه والفيلِ وسِباعِ البهائم التي تصلح للصيد إلا الكلب والحشرات والمصحف والميتة والسِّرْجين النجس والأدهان النجسة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
لما ذكر المؤلف رحمه الله تعريف البيع ذكر شروط البيع، وكان الأولى أن يذكر حكم البيع؛ لأن التعريف يستلزم التصور؛ تصور الشيء، وبعد التصور يكون الحكم، ولهذا من الكلمات السائرة عند العلماء: الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وقال ابن القيم في النونية:
إِنَّ الْبِدَارَ بِرَدِّ شَيْءٍ لَمْ تُحِطْ
عِلْمًا بِهِ سَبَبٌ إِلَى الْحِرْمَانِ
البيع جائز، وقد سبق لنا أنه جائز بالكتاب والسنة والإجماع، وأيش؟
طلبة: والنظر الصحيح.
الشيخ: والنظر الصحيح، لكن لا بد فيه من شروط، ومن حكمة هذه الشريعة أنها جَعَلت للعبادات شروطًا، وللعقود شروطًا، وللتبرعات شروطًا؛ لأن هذه الشروط هي التي تضبط ما كانت شرطًا فيه، وإلا صارت المسألة فوضى، فالشروط من ضرورات انتظام الأحكام؛ ولهذا كان البيع له شروط، والإجارة لها شروط، والوقف له شروط، والرهن له شروط، وهلمَّ جرًّا حتى تنضبط الأحكام وتنضبط العقود.
البيع له شروط سبعة، فإذا قال قائل: ما هو الدليل على هذا الحصر؟
فالجواب التتبع، أن العلماء تتبعوا فوجدوا أنه لا بد من شروط يصحُّ بها البيع، وهي سبعة، وربما تدور على -إن شاء الله تعالى سنبين أن هذه السبعة- تدور على ثلاثة أمور: الظلم والغرر والربا، لكن التفصيل حسن.
الأول: (التراضي منهما) أي: من البائع والمشتري، يُشْتَرط التراضي من البائع والمشتري، ودليل ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29]، ومعنى ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾: أي: تجارة صادرة عن تراضٍ منكم، هذا من القرآن، وفي السنة قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروى عنه: «إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ» (8)، والنظر يقتضي ذلك أيضًا؛ لأننا لو لم نشترط التراضي لأصبح الناس يأكل بعضهم بعضًا، كل إنسان يرغب سلعة عند شخص يذهب إليه ويقول: اشتريتها منك بكذا قهرًا عليك، وهذا يؤدي إلى الفوضى والشغب والعداوة والبغضاء، فإذن الدليل على اشتراط التراضي من الكتاب والسنة والنظر الصحيح، فلا بد من التراضي.
قال: (فلا يصحُّ من مُكْرَهٍ بِلا حَقٍّ) والمُكْرَه هو الملجَأ إلى البيع، المغصوب على البيع، فلا يصح من المكره إلا بحق، فلو أن سلطانًا جائرًا أرغم شخصًا على أن يبيع هذه السلعة لفلان فباعها فإن البيع لا يصح؛ لأنها صدرت عن غير تراضٍ.
ومثل ذلك ما لو علمت أن هذا البائع باع عليك حياءً وخجلًا فإنه لا يجوز لك أن تشتري منه ما دمت تعلم أنه لولا الحياء والخجل لم يبع عليك، ولهذا قال العلماء رحمهم الله: يحرم قبول هدية إذا علم أن الرجل أهداها له على سبيل الحياء والخجل؛ لأن هذا وإن لم يصرِّح بأنه غير راضٍ لكن دلالة الحال على أنه غير راضٍ.
وقوله: (فلا يصحُّ من مكره بلا حقٍّ) أفادنا رحمه الله أنه إذا كان مكرهًا بحق فلا بأس؛ لأن هذا إثبات للحق، يعني: إذا أكرهنا الإنسان على البيع بحق فإن هذا إثبات للحق وليس ظلمًا ولا عدوانًا؛ مثال ذلك: شخص رهن بيته لإنسان في دين عليه، وحلَّ الدين، فطالب الدائن بدينه، ولكن الراهن الذي عليه الدين أَبَى، في هذه الحال يُجْبَر الراهن على بيع بيته، لماذا؟ لأجل أن يستوفي صاحبُ الحق حقه فيُرغَم على ذلك.
ومثال آخر: أرض مشتركة بين شخصين وهي أرض صغيرة لا تمكن قسمتها، فطلب أحد الشريكين أن تُباعَ، فأبى الشريك الآخر، فهنا تباع الأرض قهرًا على من امتنع، لماذا؟ لأن هذا بحق، من أجل دفع الضرر عن شريكه.
فالضابط إذن: أنه إذا كان الإكراه بحق فإن البيع يَصِحُّ ولو كان البائع غير راضٍ بذلك؛ لأننا هنا لم نرتكب إثمًا لا بظلم ولا بغيره فيكون ذلك جائزًا.
عندي مسألة ذكرها في الشرح: إذا أُكْرِه على شيء فباع ملكه من أجل دفع ما أكره عليه؛ يعني: جاء إنسان ظالم وأكرهه، قال له: لا بد أن تدفع لي الآن مئة ألف ريال وإلَّا حبستك، الرجل ليس عنده شيء فباع بيته ليسدد مئة ألف ريال، فما حكم بيعه لبيته؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: أنتم فاهمين السؤال زين؟ أُكْرِه على أن يدفع مئة ألف ريال وليس عنده شيء، فباع بيته من أجل أن يدفع الذي أكره عليه، صحيح؟ هو بغير حق، معلوم، قال: لازم الآن تدبر لي مئة ألف، وإلا فالحبس، أو هدده بالقتل بعد، فباع بيته هل يصح؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: طيب، إذن في المسألة قولان لأهل العلم -وأريد بأهل العلم أنتم- إذا طبقناها على هذا الشرط فهل هذا الرجل أُكْرِهَ على بيع البيت، أو أكره على دفع المال؟
طلبة: على دفع المال.
الشيخ: على دفع المال، جائز أن يذهب إلى شخص ويتسلف منه، يستقرض، يجمع من الزكاة، وما أشبه ذلك؛ إذن هو لم يُكْرَه على بيع البيت، فيكون البيع صحيحًا.
بقي أن يقال: هل يكره أن يُشْتَرى منه بيتُه؛ لأنه مُكْرَه على بيعه ولا يرغب أن يخرج عن ملكه، فهل يكره أن يشترى منه؟ أو لا؟
طلبة: لا، فيه تفصيل.
الشيخ: قال الفقهاء: إنه يُكْرَه أن يُشْتَرى منه.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: لا يُكْرَه؛ لأننا إذا اشترينا منه فقد أحسنَّا إليه، ليش؟ لدفع ضرورته.
والصحيح أن في ذلك تفصيلًا: إن كان الناس كلهم سيضربون عن شرائه ويؤدي ذلك إلى أن يتراجع المكرِه، فهنا لا نقول: يكرَه الشراء منه، نقول: يحرُم الشراء منه، ويجب علينا ألا نشتري إذا علمنا أن في ذلك رفعًا للإكراه.
أما إذا كان المكره لن يمكن أن يتراجع عن إكراهه، فلا وجه لكراهة الشراء منه، بل إن الشراء منه في الواقع إحسان إليه، فالصواب التفصيل في هذه المسألة.
الشرط الثاني: (أن يكون العاقدُ جائزَ التصرف) مَنِ العاقد؟ البائع والمشتري، وهنا قال: (جائز التصرف) ولم يقل: جائز التبرع؛ وذلك لأنه لا يشترط أن يكون البائع أو المشتري جائز التبرع، يشترط أن يكون جائز التصرف، فالتبرع أضيق من التصرف، من جاز تبرعه جاز تصرفه، وليس كل من جاز تصرفه جاز تبرعه.
(أن يكون جائز التصرف)، فمَنْ هو (جائز التصرف)؟ من جمع أربعة أوصاف: أن يكون حرًّا، بالغًا، عاقلًا، رشيدًا، هذا جائز التصرف، من جمع أربعة أوصاف: أن يكون حرًّا، الثاني بالغًا، عاقلًا، رشيدًا.
الحر ضده: العبد، فالعبد لا يصحُّ بيعه ولا شراؤه إلا بإذن سيده؛ ووجه ذلك أن العبد لا يملك، ما في يد العبد ملكٌ لسيده، والدليل على هذا، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِبَائِعِهِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» (9)، فهنا نقول: العبد لا يصح بيعه إلا بإذن سيده.
أن يكون بالغًا، ضد البالغ: الصبي؛ ولهذا قال المؤلف: (فلا يصح تصرفُ صبيٍّ وسفيه بغير إذن وليٍّ) حتى وإن كان مراهقًا، لو كان له أربع عشرة سنة، وكان حاذقًا جيدًا في البيع والشراء، فإنه لا يصح بيعه؛ لأنه لم يبلغ، صغير، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6]، فاشترط الله لدفع أموالهم شرطين؛ أولًا: بلوغ النكاح وذلك بالبلوغ، والثاني: الرشد.
والعاقل ضده المجنون، فالمجنون لا يصح تصرفه، ومن ذلك المهذرم لا يصح بيعه، فلو أن رجلًا أصيب بالهذرام؛ هرم، كبر، وجاء إلى إنسان، وقال: فلان أنا أبيع عليك بيتي وأبيع عليك سيارتي، وأبيع عليك عيالي، وأبيع عليك كذا، يصح بيته لبيته وسيارته دون أولاده؛ لأن الأولاد أحرار لا يجوز بيعهم، أليس كذلك؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: نعم؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، لماذا؟ لفقد العقل، ومن شرط جواز التصرف أن يكون الإنسان عاقلًا.
قلنا: رشيدًا، من الرشيد؟ الرشيد هو الذي يحسن التصرف في ماله، بحيث لا يبذله في شيء محرم، ولا في شيء لا فائدة منه، ولا يبيع الشيء الذي يساوي مئة بعشرة، أو يشتري ما يساوي عشرة بمئة، المهم أنه يحسن التصرف، ضده: السفيه؛ ولهذا قال المؤلف: (وسفيه) أي: ولا يصح تصرف السفيه (بغير إذن وليٍّ)، فإن أذن فإنه لا بأس.
وهنا نسأل: مَنِ الولي؟
الولي هو من يتولى ماله، وسيأتي -إن شاء الله- في باب الحجر من الذي يتولى مال السفيه، ولكن ظاهر كلام المؤلف أنه يصح إذن الولي للسفيه بالتصرف المطلق والمعين؛ المطلق بأن يقول: خذ هذا المال اتَّجِرْ به، والمعين، أن يقول: خذ هذا المال اتَّجِرْ به في شيء معين كبيع الدجاج، بيع البيض، بيع الأشياء الخفيفة، هذا ظاهر كلام المؤلف، ولكن هذا الظاهر غير مراد، بل يقال: (بغير إذن وليٍّ) في الشيء المعين بأن يأتي إليه، ويقول: أنا أريد أن أشتري مثلًا دبابة، فيقول: اشتر، أو يأتي إليه ويقول: أنا أريد أن أبيع دبابي مثلًا فيقول: بعه، إلا في الشيء اليسير الذي جرت العادة بإعطاء الصغار إياه فلا بأس.
ولكن هل يجوز أن يأذن للسفيه أو الصبي إرضاءً لهما من غير مراعاة المصلحة المالية؟
الجواب: لا؛ ولهذا نقول: يَحْرُم على الولي أن يأذن بدون مصلحة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أْحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152].
هذا الشرط الثاني؛ أن يكون العاقد جائز التصرف، وجائز التصرف هو الذي جمع أربعة أوصاف؛ الحرية والبلوغ والعقل والرشد.
قال: الشرط الثالث (أن تكون العين مباحةَ النفع من غير حاجة)، (أن تكون العين) يعني التي وقع العقد عليها بالشراء (مباحةَ النفع من غير حاجة)، هذه تقتضي ثلاثة شروط؛ أن يكون فيها نفع، وأن يكون النفع مباحًا، وأن تكون الإباحة بلا حاجة.
انتبهوا، الشروط ثلاثة، فخرج بقولنا: (مباحة النفع) محرمة النفع، مثل آلات اللهو، فإنه لا يجوز بيع آلات اللهو؛ لأن منفعتها محرمة، وكذلك الخمر؛ لأن منفعته محرمة.
وخرج بقولنا: (أن يكون فيها نفع) ما لا نفع فيه، كالحشرات؛ فالحشرات لا يصح بيعها؛ فلو أن شخصًا جمع صراصر في إناء، وقال لإنسان: أبيع عليك الصراصر، تعرفون الصراصر، هل يجوز بيعها؟
طلبة: لا، لا يجوز.
الشيخ: لماذا؟ ما فيها نفع، لكن لو جَمَع جرادًا في إناء، وقال: أبيع عليك هذه الجراد.
الطلبة: يصح.
الشيخ: ليش؟
الطلبة: فيها نفع.
الشيخ: لأن فيها نفعًا مباحًا.
إذن الحشرات لا يجوز بيعها؛ لأنه ليس فيها نفع.
وقولنا: (من غير حاجة) احترازًا مما إذا كانت مباحة النفع لحاجة كالكلب، الكلب يباح نفعه لكن لا مطلقًا بل لحاجة، ما هي الحاجة؟ الصيد والحرث والماشية، فلا يصح بيع الكلب، حتى وإن كان كلب صيد.
الهر، يجوز بيعه؟
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: طيب، ما فيه نفع.
طالب: فيه نفع.
الشيخ: فيه نفع، ما هو؟ نعم، الواقع إن الهر فيه نفع، يأكل الفأر، ويأكل الحشرات، يأكل الأوزاغ، يأكل الصراصر، بعض الهررة يدور على الإنسان إذا نام، وتجد لصدره صوت، وإذا قرب من الإنسان النائم أيُّ حشرة خبطها بيده، ثم إن اشتهاها أكلها وإلا تركها، هذا نفع ولَّا غير نفع؟ هذا نفع؛ ولهذا قال الفقهاء: إنه يجوز بيع الهر، لكن قد ورد في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الهر (10)؛ ولهذا اختلف العلماء في ذلك؛ فمنهم من أجازه وحمل الحديث الذي فيه النهي على هرٍّ لا فائدة منه؛ لأن أكثر الهررة معتدٍ لا فائدة منه، ويعتدي أيضًا، لكن إذا وجدنا هرًّا مربى ويُنتفع به فالقول بجواز بيعه ظاهر؛ لأنه فيه نفع.
بيع الميتة؛ الميتة فيها نفع مباح، لكنه للضرورة، ما هو للحاجة، للضرورة؛ ولهذا حرم بيعها.
إذن أن يكون مباحًا (من غير حاجة) ونقول: من غير ضرورة، أو نكتفي بذكر الحاجة؟ بذكر الحاجة؛ لأننا إذا قلنا: من غير حاجة فمن غير ضرورة من باب أولى.
إذا كان في العين نفع لكنه نفع مقيد ليس نفعًا مطلقًا، مثل جلد الميتة إذا دُبِغَ؛ فالمشهور من المذهب أنه لا يُنْتَفَع به في كل شيء، وإنما ينتفع به في اليابسات، وبناءً على هذا يقولون: لا يصحُّ بيعه؛ لأن نفعه ليس مطلقًا بل هو نفع مقيد، ويشترط أن يكون النفع مطلقًا.
وحينئذ تكون الشروط: أن يكون في العين نفع، وأن يكون نفعُها مباحًا، وألا يكون إباحته لحاجة، وألا يكون النفع مقيدًا، فإن كان مقيدًا فإنه لا يصح بيعه؛ لأن المشتري لا يملك به عموم الانتفاع.
طالب: ذكرنا أن الصبي يكون تصرفه بإذن وليه.
الشيخ: نعم.
الطالب: هل يفرق بين الصبي المميز وغير المميز؟
الشيخ: لا، المراد المميز.
الطالب: المميز يصح؟
الشيخ: إي، هذا المراد، غير المميز كالمجنون.
الطالب: إذا جرى العرف بأن الصبي الصغير يأخذ المال ويشتري به الحلوى؟
الشيخ: الذي لم يميز؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما أدري، الذي لم يميز يمكن يجيء واحد يقول: تعال أعطني إياه ويعطيه الحلاوة اللي بقرش بريال.
طالب: شيخ، بارك الله فيك (... ).
الشيخ: ومعنى لغوي ومعنى اصطلاحي: أيهما أعم؟
طالب: المعنى اللغوي.
الشيخ: المعنى اللغوي، وهل هذا ثابت في جميع التعريفات؟ أو في بعض الأحيان يكون المعنى الاصطلاحي أعم؟
طالب: في بعض الأحيان يكون المعنى الاصطلاحي أعم.
الشيخ: مثل.
الطالب: الإيمان مثلًا.
الشيخ: كالإيمان؛ في اللغة التصديق، وفي الاصطلاح أو في الشرع أعم من ذلك؛ لأنه يشمل التصديق والقول والعمل، فما هو البيع في اللغة؟
طالب: أخذ شيء وإعطاء شيء.
الشيخ: وفي الشرع؟
الطالب: (مُبادَلَةُ مالٍ ولو في الذمة أو منفعة مباحة كممر في دار بِمِثْلِ أحدهما على التأبيد غير ربا وقَرْضٍ).
الشيخ: طيب، ما الذي أخرج الربا من البيع شرعًا مع أنه مبادلة مال بمال على التأبيد.
الطالب: لا أعرف.
الشيخ: ما حضرت؟
الطالب: حضرت.
طالب آخر: أنه قسيم البيع في كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]، وقسيم الشيء ليس مثله.
الشيخ: أحسنت، قسيم الشيء ليس مثله.
ذكروا أن هذا التعريف يشمل تسع صور، فما وجهه؟ التعريف هذا يشمل تسع صور، فما وجهه؟
طالب: المبادلة تكون على عين، أو مال في الذمة، أو منفعة مباحة (... ) بين البائع والمشتري، فيكون حاصل ضرب ثلاثة بثلاثة تكون الصور تسعة.
الشيخ: إما عين، أو دين أو منفعة، بمثل أحدها تكون تسعة؛ وجه ذلك أن نقول: عين بدين، عين بعين، عين بمنفعة، شوف الآن، الأساس هو العين؛ الغصن مثلًا -خَلِّ الأصل الآن العين- الغصن عين، أيش؟ دين، منفعة.
نجعل الأساس الدين؛ الفرع عين، دين، منفعة.
نجعل الأساس المنفعة، فالفرع: عين، دين، منفعة.
فصار الجميع الآن تسع صور.
ما الذي أخرج القرض عن البيع؟
طالب: لأن المقصود من القرض الإرفاق.
الشيخ: الإرفاق، كذا؟ لو جعلنا القرض من البيع لزم من ذلك إبطال القرض؛ يعني: ما سددنا باب القرض، كذا؟ توافقون على هذا يا جماعة، نسد باب القرض فيما يجري فيه الربا؛ لأنه إذا جعلناه بيعًا لزم من ذلك تأخير القبض فيما يشترط فيه القبض.
البيع له أدلة؛ أربعة أنواع؟
طالب: الكتاب والسنة والإجماع والنظر الصحيح.
الشيخ: الكتاب والسنة والإجماع والنظر الصحيح، تفسير النظر الصحيح؟ الدليل من النظر الصحيح ما هو على جواز البيع؟
طالب: النظر الصحيح أن الإنسان..
الشيخ: أن الحاجة أو الضرورة داعية إلى ذلك، مثاله؟
الطالب: إن الإنسان في حاجة إلى ما في يد أخيه؛ فلا سبيل إلى هذا الشيء إلا عن طريق الغصب أو القهر أو بيع، (... ).
الشيخ: أو عن طريق البيع، الحاجة داعية لذلك؛ لأن الإنسان يحتاج مثلًا، لنقل: يحتاج إلى طعام، وليس عنده طعام، وعنده دراهم، كيف يصل إلى الطعام؟ بماذا؟ إما بالبيع، وإما بالسرقة أو الغصب، فكانت الضرورة داعية إلى جوازه، وهذا هو النظر الصحيح.
ومن السنة؟
طالب: من السنة؛ سنة قولية وفعلية؛ أما السنة القولية فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» (1).
الشيخ: نعم، والفعلية؟
الطالب: الفعلية؛ النبي صلى الله عليه وسلم اشترى جملًا من جارٍ له..
الشيخ: نعم، كشرائه جمل جاره، أحسنت، بارك الله فيك.
هل ينعقد البيع بالمعاطاة؟
طالب: نعم، ينعقد البيع بالمعاطاة.
الشيخ: إي معلوم، ينعقد البيع بالمعاطاة، كيف ينعقد بالمعاطاة بدون لفظ؟
الطالب: بدون لفظ؟
الشيخ: نعم.
الطالب: إذا جرى العرف على ذلك.
كالبَغْلِ والْحِمارِ، ودُودِ الْقَزِّ وبِزْرِه, والفيلِ وسِباعِ البهائمِ التي تَصْلُحُ للصيْدِ، إلا الكلبَ والحشراتِ والمصْحَفَ والْمَيْتَةَ والسِّرْجِينَ النَّجِسَ والأَدْهَانَ النَّجِسَةَ، لا الْمُتَنَجِّسَةَ، ويَجوزُ الاستصباحُ بها في غيرِ مَسْجِدٍ، وأن يكونَ من مالِكٍ أو مَن يَقومُ مَقامَه، فإن باعَ مِلْكَ غيرِه أو اشترى بعين ماله بلا إذنه لم يصح
فكانت الضرورة داعية إلى جوازه، وهذا هو النظر الصحيح، ومن السنة؟
طالب: من السنة، سنة قولية وفعلية، أما السنة القولية فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» (1).
الشيخ: نعم، والفعلية؟
الطالب: أما الفعلية: النبي صلى الله عليه وسلم اشترى جملًا من جابر رضي الله عنه (2).
الشيخ: نعم، كشرائه جمل جابر، أحسنت، بارك الله فيك.
هل ينعقد البيع بالمعاطاة؟
طالب: نعم، ينعقد البيع بالمعاطاة.
الشيخ: كيف ينعقد؟ إي، معلوم ينعقد البيع بالمعاطاة، كيف ينعقد بالمعاطاة بدون لفظ؟
الطالب: بدون لفظ إذا جرى العُرْف على ذلك، فأي عرف يدل على المعاطاة أنها بيع فإنها (... ).
الشيخ: طيب، المعاطاة ذكروا أن لها ثلاث صور.
الطالب: صورة من الجانبين، أو من البائع.
الشيخ: من الجانبين.
الطالب: أو من البائع.
الشيخ: أو من البائع.
الطالب: أو من المشتري.
الشيخ: أو من المشتري، طيب، من الجانبين؟
الطالب: مثال، يتضح بالمثال.
الشيخ: بالمثال.
الطالب: مثلًا خبز تمييز مثلًا.
الشيخ: خبز تمييز؟
الطالب: خبز تميز، فيضع الريال ويأخذ..
الشيخ: يعني مكتوب السعر، فيضع الريال في مُحصِّلة الدراهم، ويأخذ الخبزة، طيب، صح، هذه معاطاة من الجانبين.
من جانب البائع؟
طالب: من جانب البائع يقول، البائع يقول له: رجل يشتري كتابًا؟ فقال: أعطِه بعشرة ريالات.
الشيخ: يقول: أعطني هذا الكتاب بعشرة ريالات، فيأخذ الكتاب ويعطيه إياه، زين، ويعطي ذاك العشرة، صحيح.
لماذا جعل للبيوع شروطًا، وكذلك للعبادات شروطًا، وكذلك لبقية المعاملات شروطًا؟
طالب: جعل لها شروطًا ليسهل ضبطها وليكون الناس على بينة؛ لأنه لو كانت الأمور بغير خطاب كان قليل من يفهمها.
الشيخ: نعم.
الطالب: لكن إذا توضع لها ضوابط وشروط وواجبات يسهل (... ) مع الناس.
الشيخ: وهذا داخل في اسم الله الحكيم، المحكم للأشياء المتقن لها، هذا من مقتضى اسمه الحكيم أن جميع ما شرعه أو أحله لعباده كله مضبوط بشروط، الشرط الأول من شروط البيع: التراضي، فما هو الدليل عليه؟ الدليل على أنه لا بد من الرضا في البيع؟
طالب: الدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم ابتاع جمل جابر، وشرط عليه جابر أنه يصل عليه إلى المدينة (3).
الشيخ: طيب، صحيح، الحديث فيه دليل، بس ما أتى بما فيه الدلالة؛ أن الرسول كان يماكسه بشراء الجمل، ويقول: «بِعْنِيهِ، بِعْنِيهِ» (3) حتى رضِي، لكن نريد أيضًا من القرآن ما هو أصرح من هذا.
طالب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾ [النساء: 29].
الشيخ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ أحسنت، يمكن أن نكره إنسانًا على البيع ويصح البيع.
طالب: إذا كان بحق.
الشيخ: إذا كان الإكراه بحق، مثاله؟
الطالب: مثال: أنه يكون رجل عليه دَيْن، وعنده مالٌ، ولا يمكنه الوفاء فيجبره الحاكم على أن يبيع ماله ويؤدي دَيْنه، ويوفي دينه.
الشيخ: ما صح.
الطالب: ويكون رهن، عنده رهن.
الشيخ: إنسان رهن شيئًا من ماله بدَيْن، وحل الدين، ولم يوفِ، فيلزم.
الطالب: يبيع الرهن.
الشيخ: يبيع الحاكم الرهن، ويُوفي، صحيح، هذا بحق، وذكرنا أيضًا مسألة في القسمة لكم، مو لازم نستوعب كل الأمثلة.
الشرط الثاني، يلَّا.
طالب: جواز التصرف.
الشيخ: ويش معنى جواز التصرف؟
الطالب: التصرف في البيع.
الشيخ: أن يكون العاقد؟
الطالب: يكون عاقلًا بالغًا.
الشيخ: نعم.
طالب: أن يكون العاقد جائز التصرف.
الشيخ: أن يكون العاقد جائز التصرف، فمن هو جائز التصرف؟
الطالب: هو البالغ العاقل الحر.
الشيخ: البالغ العاقل الحر، باقي واحدة.
الطالب: الرشيد.
الشيخ: الرشيد، تمام.
الشرط الثالث؟
طالب: أن تكون العَيْن مباحة النفع بلا حاجة.
الشيخ: طيب، هل يجوز بيع الحشرات؟
طالب: الحشرات؟
الشيخ: نعم.
الطالب: نقول: فيه تفصيل؛ إذا كان مثلًا داخلًا في حشرات الجراد يجوز.
الشيخ: لا، الجراد، ما هي حشرات.
الطالب: أمَّا غيرُها ما يجوز.
الشيخ: لا، الجراد ما نوافقك على أنها حشرات.
الطالب: (... ) لا يجوز.
الشيخ: لماذا لا يجوز؟
الطالب: لأنه ليس فيها المنفعة.
الشيخ: لأنه ليس فيها منفعة.
الدليل على أن ما لا منفعة فيه لا يجوز بيعه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن إضاعة المال.
(4) إذا كانت مباحة النفع، لكن لا تُباح إلا عند الحاجة؟
الطالب: أعد السؤال.
الشيخ: إذا كانت مُباحة النفع للحاجة فقط، ليس إباحةً مطلقة، هل يصح عقد البيع عليها؟
الطالب: إي نعم، يصح العقد عليها عند الحاجة.
الشيخ: يصح العقد عليها عند الحاجة، إذن كلام المؤلف قوله: (أن تكون مباحة النفع من غير حاجة) غير صحيح؟
الطالب: نخرجها، لا تصح.
الشيخ: تراجعت الآن؟
الطالب: إي نعم، تراجعت.
الشيخ: طيب، مثال ما يباح عند الحاجة فقط؟
الطالب: عند الحاجة فقط؟
الشيخ: إي.
الطالب: هذا مثل الكلب.
الشيخ: كلب أيش؟
الطالب: الكلب.
الشيخ: الكلب، لا يُباح إلا عند الحاجة، لا يباح نفعه عند الحاجة، ما هي الحاجة؟
الطالب: الحاجة: الكلب الذي يباع للصيد، أو الماشية، أو الزراعة.
الشيخ: صح، تمام؛ ولهذا لا يصح بيع الكلب -على الصحيح- ولو كان معلمًا، مع أن فيه نفعًا مُباحًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الكلب أو عن ثمن الكلب.
طيب رجل باع طبولًا.
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأنه غير مباح.
الشيخ: لماذا لا يجوز؟
الطالب: لأنه لا يوجد فيه نفع.
الشيخ: فيه نفع، فيه طرب.
الطالب: محرم محرم.
الشيخ: لأن المنفعة هذه مُحرَّمة، صح، طيب، ونحن نقول: (مباحة النفع).
طالب: شيخ، (... ) قول: (مباحة النفع من غير حاجة)، ما معنى (من غير حاجة)؟
الشيخ: يعني خرج بذلك ما كان مباح النفع لحاجة، كلب الصيد، الكلب عمومًا لا يجوز بيعه، ليش؟ لأنه لا يُباح الانتفاع به إلا لحاجة، لو واحد مثلًا اقتنى كلبًا، أعجبه هذا الكلب في عدوه أو في قفزه أو ما أشبه ذلك، أو في لونه، أو في جسمه فاقتناه لهذا الغرض، يصح ولا ما يصح؟ يجوز ولَّا ما يجوز؟
طالب: ما يصح.
الشيخ: ما يجوز، إذن لا يُباح اقتناء الكلب إلا لحاجة: حرث، أو صيد، أو ماشية، فنقول هنا: لا يجوز بيعه؛ لأنه لا يُباح إلا لحاجة، فيه ما يباح للحاجة.
طالب: المحجور عليه.
الشيخ: إي.
الطالب: (... ).
الشيخ: المحجور عليه في أعيان ماله غير جائز التصرف، في ذمته جائز التصرف.
الطالب: (... ).
الشيخ: نعم؟ لا؛ لأن هذا يصح تصرفه في ذمته، كما لا يصح تصرف الراهن في الرهن، يعني العلة الآن ما هو لشيء في نفسه، أو لخلل في وصف العاقد، بل إنه لا يصح تصرفه في عين المال لحق الغير.
طالب: شيخ، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ [البقرة: 184]، وقلنا: إن المرض الذي لا يشق على الإنسان لا يجوز أن يفطر فيه، ومريضًا نكرة في سياق الشرط، فتعم، ما الذي أخرجها عن العموم، ﴿مَرِيضًا﴾؟
الشيخ: نعم، أخرجها عن ذلك المعنى؛ لأن هذا الصوم فريضة، ولا يمكن تسقط الفريضة إلا لسبب، ومجرد المرض ليس سببًا للتخيير.
الطالب: وإذا قال قائل: هذا الله -عز وجل- علَّق على المرض ووجد المرض؟
الشيخ: المرض الذي يمنع من الصيام، أو يشق به الصيام.
الطالب: ما الدليل على أنه.. ؟
الشيخ: الدليل هو هذا، قلت لك: المعنى؛ لأن إسقاط الفرض لا يمكن إلا لسبب، ومجرد المرض وصف طردي ما يثبت الحكم ولا عِلَّة.
الطالب: شيخ، علَّلتم في الموضع الآخر، يقول: إذا كان الإفطار أرفق به، وهذا.
الشيخ: لا، ما هذا، هذا في السفر، نروح للأيمنين؛ لأنه..
طالب: شيخ، هل يجوز للأخ أن يغشش أخاه حينما تسأله؟
الشيخ: لا.
الطالب: ما يجوز.
الشيخ: إذا وجهت سؤالًا لشخص ما يغششه الآخر، هل سعد غششك؟ !
الطالب: لا، أتناقش يعني معاه.
(... )
طالب آخر: أشياء كثيرة يشتريها الناس ما فيها منفعة، كالآثار القديمة والطوابع..
الشيخ: إي، فيها منفعة تجارية.
الطالب: لا، هو يحتفظ بها فقط.
الشيخ: إي، يحتفظ بها، لكن لو باعها لحصل فيها مكسب؛ يعني فهنا قيمتها اعتبارية، لا ذاتية.
الطالب: تداولها بين الناس، (... ).
الشيخ: والله على كل حال فيها.
الطالب: (... ) حتى (... ).
الشيخ: كيف؟
الطالب: يعني حتى المصلحة التجارية حاصلة في (... ).
الشيخ: أيش؟ أحد يحتفظ بالحشرات؟ !
الطالب: إي نعم.
الشيخ: يحتفظ بالحشرات؟
الطالب: فراشات.
الشيخ: إي.
الطالب: أقول: كما قلت لكم (... ) ذكرت.
الشيخ: على كل حال العلماء يقولون: إذا كان فيه منفعة مباحة فلا بأس، وإذا لم يكن فيه منفعة، والطوابع حسب ما نسمع أن فيها تجارة الآن، يتجر بها، يمكن يبلغ الطابع عشرة آلاف أو أكثر.
طالب: أحسن الله إليكم، هذا مدِين، كتب على بيع أراضٍ كانت له للدائن، فقال: أمهلوني حتى أحرج عليه، يعني يحرج عليه إذا ارتفع الثمن، (... ) فألزموه على البيع، وباعها بغير إحراج، بيع مثل هذا يصح؟
الشيخ: هذا ينبني على أنه إذا وجد الإنسان عين ماله عند رجل أفلس فهو أحق بها، يعني مثلًا لو بعتُ بعيرًا على شخص أو سيارة، ثم أفلس، فأنا آخذ سيارتي.
الطالب: يعني لا يحق له (... ).
الشيخ: ولكن هذه المسألة لو أنهم حرجوا عليها لكان فيه مصلحة للجميع.
الطالب: صحيح.
الشيخ: غلط هذا، نعم.
طالب: الإكراه، إذا كان الإكراه للمصلحة العامة، ولو بحق (... ).
الشيخ: إذا دعت الضرورة، وعلمنا أن الرجل هذا إنما امتنع اعتراضًا على المصلحة العامة، فإنه يؤخذ منه، يجبر ويؤخذ منه، ويقال: هذا ثمنه.
طالب: شيخ، الدليل على عدم صحة بيع الصبي، قلنا: قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: 6]، كذا يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم، وقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: 5].
الطالب: لكن قوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ ما مفهوم الآية؟ اختبرهم إذا كانوا يعني ممكن يبيعون ويشترون، ممكن؟
الشيخ: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾.
الطالب: يعني مو بيختبر قبل؟
الشيخ: اشترط إلا، يختبر قبيل البلوغ.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: هذا الاختبار ما هو تصرف مطلق، مقيد بما يراه الولي.
طالب: (... ) مثل واحد صلى وعنده غنم، وتعادى عليها السبع، يقطع صلاته يفكها ولا يخليه؟
الشيخ: إلا يقطع صلاته يفكها.
الطالب: إي، فيه واحد يا شيخ جاء جابله غنم (... ) وعدا عليهن الذئب، وتم صلاته (... ) والذئب ميت.
الشيخ: كيف؟
الطالب: وتم صلاته.
الشيخ: الحبل؟
الطالب: نعم، واحدة راحت (... )، وواحدة راحت (... )، معروف رجال (... ).
الشيخ: يعني سلمًا هن؟
الطالب: سلمًا.
الشيخ: والذئب مات؟ !
الطالب: والذئب مات.
الشيخ: سبحان الله!
الطالب: هو أتم صلاته.
الشيخ: الله أكبر!
الطالب: والله (... ) يا شيخ.
الشيخ: إي، سبحان الله، يمكن.
(... ).
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: كالبغل والحمار، ودود القز وبزره، والفيل، وسباع البهائم التي تصلح للصيد، إلا الكلب والحشرات والمصحف والميتة والسرجين النجس، والأدهان النجسة لا المتنجِّسة، ويجوز الاستصباح بها في غير مسجد.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، سبق لنا أن من شروط صحة البيع أن تكون العين ذات نفع مُباح لغير حاجة في كل حال، أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: أن تكون العين ذات نفع مباح لغير حاجة في كل حال، وهذه مأخوذة من قول المؤلف: (أن تكون العين مباحة النفع من غير حاجة)؛ لأن قوله: (مباحة النفع) يعني في كل حال.
إذا باع حشرات لا يُنتفع بها؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لماذا؟
طالب: لأنه ما يُنتفع به.
الشيخ: طيب، وإذا كان لا يُنتفع بها؟
الطالب: لا يجوز.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأنه فقد شرطًا.
الشيخ: وما هو داعي الشرطية على هذا الشرط؟ أليس في الحديث الصحيح: أن الرسول نهى عن إضاعة المال (4)؟ كذا؟ قلنا: حشرات لا نفع فيها، هل يمكن أن يكون في الحشرات نفع؟
طلبة: نعم.
طالب آخر: الطبيب يا شيخ إذا أراد تشريح، وكذا (... ).
الشيخ: إي، ويش منفعتهم أنه يشرح البعوض؟
الطالب: الأمراض تنقل عن طريق هالحشرات.
الشيخ: إي، طيب، على كل حال إذا أمكن يمكن؛ يعني يصح البيع، ومن أمثلته الواضحة العلقة لمص الدم؛ لأن فيه علق معروف، أنواع من العلق تُباع لمص الدم، تكون مثل الحجامة، في منزلة الحجامة، قال: ومن ذلك الديدان لصيد السمك، هذه يُنتفع بها، أحد منكم سماك؟
طالب: نعم.
الشيخ: مَنْ؟ معروف؟
الطالب: نعم، يُصاد بها السمك.
الشيخ: يُصاد بها السمك، هذه في حد ذاتها ما فيها نفع، لكنها تُلقى في البحر فيأتي السمك ليأكلها فيُمسَك.
بَيْع جِلْد الميتة إذا كان يطهر بالدباغ، هل يحل بيعه؟ هل يحل بيع جلد الميتة إذا كان يُباح بعد الدبغ، هل يحل بيعه؟
طالب: نعم.
الشيخ: جلد الميتة إذا دُبغ جاز أن يُنتفع به، فهل يحل بيعه؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، لماذا؟
الطالب: لأنه عين لا يجوز الانتفاع بها.
الشيخ: لا، يُنتفع به في اليابس.
الطالب: ما يجوز بيعه.
الشيخ: لماذا وهو ينتفع به في اليابس؟
الطالب: لأنه عين الميتة.
الشيخ: طيب، نعم.
طالب: المذهب أنه لا يجوز بيعها.
الشيخ: لماذا؟ طبِّقها على القاعدة.
الطالب: لأنه يجوز للحاجة في اليابسات.
الشيخ: لا، ما هو لحاجة؛ لأنه لا يُباح الانتفاع بها على سبيل الإطلاق، هو يُباح في الانتفاع في اليابسات بلا حاجة، لكنه لما كان الانتفاع به مقيدًا بحال دون حال، قالوا: إنه لا يصح، لكن الراجح أنه إذا كان يطهر بالدباغ فإنه يصح بيعه.
طالب: قبل الدبغ ولَّا بعده يصح بيعه؟ (... ).
الشيخ: لا.
طالب: (... ).
الشيخ: على القول ما ينتقض، صحيح هذا.
الطالب: وهو الإطلاق ما موجود.
الشيخ: لا؛ لأننا إذا قلنا بطهارته صار يُباح على الإطلاق، حتى لو تجعل فيه لبنًا وتشربه ما فيه بأس.
يقول المؤلف: (كالبغل والحمار) إلى آخره، (البغل) هو حيوان متولِّد بين الحمار والفرس، وهو أن ينزو الحمار على الفرس فتلد ما يُسمى بالبغل، وفيه من طبائع الحمير ومن طبائع الخيل، وحكمه أنه حرام؛ لأنه مُتولِّد من حلال وحرام على وجه لا يتميز، فغُلِّب جانب التحريم، أعرفتم هذا؟ مُتولِّد من حلال وحرام على وجه لا يتميز، فيُغلَّب جانب التحريم.
فإذا قال قائل: كيف نُغلِّب جانب التحريم؟ لماذا لا نُغلِّب جانب الحل؟
نقول: لأن اجتناب الحرام واجب، ولا يمكن اجتنابه إلا باجتناب الحلال، واجتناب الحلال حلال ولَّا حرام؟
طلبة: حلال.
الشيخ: اجتناب الحلال؟
طلبة: حلال، حرام.
الشيخ: اجتناب الحلال يا جماعة؟
طلبة: مُباح.
الشيخ: مُباح، حلال، اجتناب الحلال حلال، أفهمتم التعليل؟ العلماء يقولون: إذا اجتمع موجب التحليل والتحريم على وجه لا تمييز بينهما غُلِّب جانب التحريم، لماذا؟ لأن اجتناب الحرام، كمِّل.
طلبة: واجب.
الشيخ: ولا يمكن اجتنابه إلا باجتناب الحلال، واجتناب الحلال حلال، فأنا إذا اجتنبت الحلال لا حرج عليَّ، لكن لو فعلت الحرام فعلي الإثم؛ لهذا غُلِّب جانب التحريم وقيل: إن البغل حرام، لكن يجوز بيعه؛ لأنه ما زال المسلمون يتبايعون البغال من عهد الرسول عليه الصلاة والسلام إلى يومنا هذا، كذلك الحمار يجوز بيعه، ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يجوز بيعه، الدليل: الإجماع، الدليل أن المسلمين مجمعون على ذلك؛ يتبايعون الحمير من عهد الرسول صلوات الله وسلامه عليه إلى يومنا هذا.
فإن قال قائل: يُشكل على ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ» (5)، والبغل حرام، والحمار حرام.
فنقول: «حَرَّمَ ثَمَنَهُ» أي ثمن ذلك المحرم، ولهذا لو اشترى شخص بغلًا ليأكله، حرُم ولَّا حَلَّ؟
طلبة: حرم.
الشيخ: نعم؛ لأنه حرام عليه، فلا يجوز أن يأخذ على شيء محرم عوضًا، وهو يشتريه لا لأكله، ولكن لركوبه، وركوبه والانتفاع به حلال، فلا يعارض الحديث.
قال: (ودود القز)، (القز) نوع من الحرير، من أفخر الحرير، وله دود، تعرفون الدود؟
طالب: نعم.
الشيخ: أيش هو؟
طلبة: حشرة، دود، حشرة.
الشيخ: الدود مثل الذي يكون في التمرة، هذه الدودة -بإذن الله- يظهر منها هذا القز، وينطوي عليها، هي بنفسها تطوى على نفسها، حتى إذا غمها ماتت ويبست، ثم أُخِذ هذا القز، لكنه بكميات كبيرة هائلة، دود القز يجوز بيعه مع أنه حشرة، لكن ينتفع به، كذلك بزر هذا الدود الذي لم يصل إلى حد أن يتولد منه القز، يجوز؛ لأنه ينتفع به متى؟ في الحال ولَّا في المآل؟
طلبة: في المآل.
الشيخ: لأنه يُنتفع به في المآل، فيجوز بيعه.
كذلك أيضًا يجوز بيع (الفيل وسباع البهائم التي تصلح للصيد)، الفيل معروف، يجوز بيعه؛ لأنه يُحمل عليه الأثقال، ففيه منفعة، كذلك سِباع البهائم التي تصلح للصيد؛ كالنمور، والفهود، والآساد -إن كانت تصلح- وكذلك الصقور وغيرها، كل سباع البهائم من طائر وماشٍ إذا كان يصلح للصيد فإنه يجوز بيعه؛ لأنه يباع لمنفعة مباحة فجاز، كالحمار، إلا واحدًا، قال: (إلا الكلب)؛ فإنه لا يجوز بيعه؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن بيعه (6). مع أن الكلب يصلح للصيد، أليس قد أباح النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم اقتناءه لثلاثة أمور: الحرْث، والماشية، والصيد؟ ومع ذلك لا يجوز بيعه، حتى لو باعه لهذا الغرض -أي للصيد- فإنه لا يجوز.
فإن قال قائل: كيف مُنع الكلب -مع ما فيه من المنافع- ولم تُمنع سباع البهائم التي تصلح للصيد؟
قلنا: التفريق بالنص، فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب، ولا يصح أن تُقاس سباع البهائم التي تصلح للصيد عليه؛ لدخولها في عموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275]؛ ولأنها أخف ضررًا من الكلب؛ إذ إن الكلب إذا ولغ في الإناء يجب أن يُغسل سبعًا إحداها بالتراب، وغيره من السباع لا يجب التسبيع فيه ولا التراب، فظهر الفرق وامتنع القياس.
فإن قال قائل: أليس قد ورد فيما رواه النسائي وغيره من استثناء كلب الصيد؟ قلنا: بلى، ولكن المحققين من أهل الحديث والفقه قالوا: إن هذا الاستثناء شاذ؛ فلا يُعوَّل عليه، وأيضًا لو صح هذا الاستثناء لكان نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب من باب اللغو؛ لأن كلبًا لا يُصاد عليه، ولا يُنتفع به في الحرث، ولا في الماشية لا يُمكن أن يُباع؛ فلذلك تعيَّن أن يكون النهي عن ثمن الكلب، إنما هو الكلب الذي يُنتفع به، ويُباح اقتناؤه.
يقول: (إلا الكلب والحشرات)، الحشرات لا يصح بيعها، والعلة أنه ليس فيها نفع، فبذْل المال فيها إضاعة له، وقد نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن إضاعة المال (4)، وعلم من هذا التعليل أنه لو كان فيها نفع جاز بيعها؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فإذا كان فيها نفْع فلا بأس، قال: ومن النفع العلق لمص الدم، والديدان لصيد السمك.
يقول: (والمصحف) رحمة الله على المؤلف في سياق هذه الصيغة، يعني عطف المصحف على الحشرات أسلوب ليس بجيد، لكن -عفا الله عنه- لو أنه أفرده بجملة واحدة لكان أوْلى، لكن يريد المؤلف -رحمه الله- أن المصحف لا يصح بيعه؛ ووجه ذلك أن الواجب على من استغنى عنه أن يبذله للمحتاج إليه، فإذا كان هذا هو الواجب فيُقال: من لم يستغنِ عنه لا يحل له أن يبيعه؛ لأنه محتاج إليه، ومن استغنى عنه وجب عليه بذله بلا عِوض؛ لأن الواجب لا يؤخذ عليه عوض، ولهذا قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: ودِدْت أن الأيدي تقطع ببيعه (7).
شوف إلى هذا الحد، فجعل آخذَ ثمنِهِ بمنزلة السارق تُقطع يده، وعلَّلوا ذلك أيضًا بتعليل آخر، قالوا: لأن بيعه ابتذال له؛ حيث يُجعل كالسِّلع العادية، تبيع المصحف، مَنْ يشتري المصحف، ابتذال لكلام الله عز وجل، فلا يجوز أن يُباع.
فصار عندنا الدليل على هذا أثر ونظر؛ الأثر أثر ابن عمر رضي الله عنه، وأما النظر فيقال: إن كان الإنسان مستغنيًا عنه فبذْلُه واجب، والواجب لا يجوز أخذ العِوَض عنه، وإن كان غير مستغنٍ عنه، فإن بيعه حرام عليه؛ لأنه محتاج له، فلا يصح.
وتعليل آخر -دليل نظري-: هو أن في بيعه ابتذالًا له، والمصحف يجب أن يُحترم ويُعظَّم.
وقال بعض العلماء: إنه يحرُم بيعه ويصح، وفي هذا نظر؛ لأنه مخالِف للقواعد؛ إذ إن القاعدة أن ما حرُم فإنه لا يصح، كل عقد مُحرَّم فإنه لا يصح، فالقول بأنه يحرم ويصح فيه نظر، فإما أن نقول: يحرم ولا يصح، وإما أن نقول بما عليه جمهور العلماء وعمل المسلمين من أزمنة متطاولة أنه يجوز.
ويصح بيع المصحف، وهذا هوالصحيح أنه يجوز بيع المصحف ويصح، وهذا عمل المسلمين عليه ما زال إلى اليوم، ولو أننا حرمنا بيعه لكان في ذلك منع للانتفاع به؛ لأن أكثر الناس يشح أن يبذله لغيره، وإذا كان عنده شيء من الورع وبذله يبذله على إغماض، هل كل أحد نقول له: إذا كنت مستغنيًا عن المصحف يجب أن تبذله لغيرك؟ يشق على الناس، على كثير منهم.
فالصواب أن بيع المصحف حلال وصحيح، وهذا هو الأصل، وأما ما ورد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فلعله كان في وقت يحتاج الناس فيه إلى المصاحف، ويعني أن المصاحف قليلة، فيحتاجون إليها، فلو أُبِيح البيع -في ذلك الوقت- لكان الناس يطلبون أثمانًا كثيرة لِقلَّته؛ فلهذا رأى -رضي الله عنه- ألا يباع.
طالب: بيع الخمر يا شيخ لغير الشرب، للاستعمال في الإحراق؟
الشيخ: إحراق؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: يحرق أيش؟
الطالب: فيه أشياء (... ).
الشيخ: الخمر مادة محرقة؟ !
الطالب: يشتعل يا شيخ.
الشيخ: محرقة؟
الطالب: يشتعل.
الشيخ: ما سمعنا بهذا.
الطالب: فيه نسبة الكحول.
الشيخ: هل سمعتم بهذا؟
طالب: نعم.
الطالب: الكحول، السبرتو.
الشيخ: إي طيب، هذا نص الشارع على النهي عن بيعه: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ» (8) كما أن الميتة قد يُنتفع بها، قد أشتري الميتة وأطعمها الكلاب اللي عندي، ما نص عليه الشرع لا يمكن أن يُجتهد فيه.
طالب: أحسن الله إليكم، استدللتم على تحريم بيع الحشرات في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال، والجهة منفكة.
الشيخ: وهي؟