قال المؤلف: (ورَشَدَا) الفاعل يعود على الصغير وعلى المجنون.
طالب: فيها ألف؟
الشيخ: نعم فيها ألِف (ورَشَدَا)، أي: الصغير والمجنون، من أين نأخذ أنه للصغير وللمجنون؟ لأنه قال: (وإن تم لصغير خمس عشرة سنة)، ثم عطف عليه، ثم قال: (أو عَقَل مجنون ورشَدَا) أي: الصغير الذي بلغ، والمجنون الذي عَقَل.
الدليل على أنه لا بد من الرُّشْد قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾، هذا الدليل: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾، إذن إذا لم نُونِس الرُّشد ولم نَرَه فإننا لا ندفع إليهم الأموال؛ ولهذا اشترط المؤلف -رحمه الله- أن يَرْشُد، قال: (أو رَشَد سفيهٌ)، هنا قال: سفيه، ولم يقُل: أو بلغ؛ لأن المحجور عليهم كم؟
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: صغير، ومجنون، وسفيه، فمعنى (رَشَدَ سفيهٌ) يعني أن يكون رجلًا بالغًا عاقل، لكنه سفيه من حيث التصرف، هذا ما نقول: إذا بلغ، ولا نقول: إذا عقل، لماذا؟ لأنه بالغ عاقل، ولكن نقول: إذا رشَدَ، فصار الصغير لا يزول حَجْرُه إلا بشرطين: البلوغ والرُّشد، والمجنون لا يزول حَجْره إلا بشرطين: العقل والرُّشد، والسفيه يزول حَجْره بشرط واحد وهو الرُّشد؛ لأنه هو بالغ عاقل.
قال: (زال حجرهم بلا قضاء) (زال) هذه جواب (إن) في قوله: (وإن تم لصغير خمس عشرة سنة)، هذا جوابه (زال حجرهم بلا قضاء) قضاء أيش؟ قضاء الْحَجْر؛ لأن هذا الصغير اللي كان ماله عند وليه بلغ ورشد بأنه يزول الْحَجْر، نحتاج أن نذهب إلى القاضي ونقول: فك الحجر عنه؟ لا، عَلِّل؛ لأن هذا الْحَجْر ثبت بدون القاضي، فزال بدونه، بخلاف الحجر السابق؛ الحجر على المفلِس بحظ غيره، فإنه لا يثبت إلا بحكم القاضي ولا يزول إلا بحكم القاضي.
قال: (وتزيد الجارية في البلوغ بالحيض)، والمؤلف -رحمه الله- قال فيما سبق: (وإن تم لصغير خمس عشرة سنة) وهو عامٌّ في الذكر والأنثى، لكن تزيد الجارية الأنثى في البلوغ بالحيض؛ لأنها إذا حاضت صارت صالحة للحمل وصار رحمها قابلًا له؛ لأن هذه الإفرازات الدموية تكون من الرحم إذا صار قابلًا لتلقي الماء من الرجل، ونشوء الحمل فيه، وعليه فإذا حاضت صارت بالغة؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضِ إِلَّا بِخِمَارٍ» (1)، والحائض بمعنى التي بلغت بالحيض.
قال المؤلف -رحمه الله-: (وإن حملت حُكِم ببلوغها) لم يقل المؤلف: إن الحمل من علامات البلوغ، وإنما قال: (إن حملت حُكِم ببلوغها)، لماذا؟؛ لأن الحمل لا يكون إلا عن إنزال، وإذا أنزلت صار البلوغ بإنزالها لا بحملها، شوف دقة العبارة مع أنها إذا حملت فهي بالغة قطعًا؛ لكننا لا نقول: إن حملها هو الذي حصل به البلوغ؛ لأن بلوغها حصل بماذا؟
طلبة: بالإنزال.
الشيخ: بالإنزال السابق على الحمل، فيكون الحمل قطعًا بعد الإنزال، ولهذا نحكم ببلوغها منذ إنزالها السابق، مثال ذلك: امرأة جامعها زوجها في أول ليلة من الشهر وسافر، وبعد نصف الشهر تبيَّن حملها، لو جعلنا الحمل علامة البلوغ لم تبلغ إلا من نصف الشهر، لكن نقول: لا، البلوغ منذ الإنزال السابق على الحمل، إذن من أي وقت بلغت هذه المرأة؟
طالب: من أول الشهر.
الشيخ: من أول الشهر وعلى هذا فتصرُّفها فيما بين أول الشهر ونصفه تصرف صحيح؛ لأنها بالغة.
قال: (ولا ينفك قبل شروطه) ولا ينفك الْحَجْر قبل شروطه، وهي في الصغير: البلوغ والرُّشد، وفي المجنون: العقل والرُّشد، وفي السفيه: الرُّشد، فإذا تمت الشروط زال الْحَجْر بلا قضاء، أما ما دامت الشروط لم تتم فإن الحجر لا يزول.
ثم قال المؤلف: (والرُّشد الصلاح في المال) لا في الدِّين، الدِّين ما هو شرط، لا يُشترط صلاح الدين في هذا الباب؛ لأن الكلام في هذا الباب عن التصرف في المال، الرُّشد هو الصلاح في المال، لو كان في دينه غير صالح، وفي ماله صالح؟
طالب: يُدفَع له المال.
الشيخ: فهو رشيد يُدفع إليه المال، لو كان هذا الرجل بلغ؛ تم له خمس عشرة سنة، لكنه حالق للحيته، مُسْبِل لثوبه، عاقٌّ لأمه، قاطع لرحمه، مغتاب لعباد الله، نَمّام بينهم، شارب للخمر، سارق للأموال، كل شيء فيه من العيوب، هل يزول عنه الْحَجْر ولَّا لا؟ إي نعم.
إذن الرُّشد في كل موضع بحسبه، فقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: 7] هذا الراشدون في ماذا؟
طلبة: في الدِّين.
الشيخ: في الدين، وسبق لنا أن الولي للنكاح يُشْتَرَط أن يكون رشيدًا، لماذا؟ رشيدًا في معرفة الكفء ومصالح النكاح وإن كان سفيهًا في ماله، هنا رشيد في المال، فالرُّشد في كل موضع بحسبه.
قال المؤلف في تفصيل رشد مع صلاح المال، قال: (بأن يتصرف مرارًا فلا يُغبَن غالبًا)، هذا الرُّشد (يتصرف مرارًا).
كلمة (مرارًا) تصلح بثلاث فأكثر؛ لأن (مرار) جمع فلا تفيد مرتين، مرارًا، هذا الرجل تصرف ثلاث مرات، أو أربع، أو خمس، ووجدنا أنه لا يُغبَن، غالب تصرفاته تصرفات سليمة ما فيها غَبْن، لا في البيع ولا في الشراء، نقول: هذا رشيد.
فإن تصرف مرة واحدة ولم يُغبن فليس دليلًا على رشده؛ لأن هذه قد تكون مصادفة، مرتين؟ فليس دليل على الرُّشد، ثلاث مرات؟ فهو دليل على الرُّشد.
رجل، أو صغير، أو بالغ، لكن ما بنعطيه المال، الآن تصرف عشر مرات، لكنه يبيع ما يساوى مئة بخمسين، ويشتري ما يساوي خمسين بمئة.
طالب: يُغبَن.
الشيخ: رشيد ولَّا غير رشيد؟
طالب: غير رشيد.
الشيخ: غير رشيد، ليش؟ لأنه يُغبَن، قال: ما دام أكثر تصرفاته يُغبَن فيها فليس برشيد.
يقول: (بأن يتصرف مرارًا فلا يُغبَن غالبًا)، هذا (... ).
(ولا يبذل ماله في حرام)، (لا يبذل ماله) يحتمل أن يكون قوله: (ماله) يُراد به الجنس ليشمل بعض المال، ويحتمل أن يُراد بكلمة (ماله) جميع ماله، وهذا وارد، انتبه، إذا قلنا بالاحتمال الأول ألَّا يبذل شيئًا من ماله في حرام فهذا مشكل غاية الإشكال؛ لأنه يلزم منه أن هؤلاء الذين يشربون الدخان كلهم سفهاء غير مرشدين؛ لأنهم يبذلون شيئًا من مالهم في محرَّم، ولما كان هذا اللازم باطلًا كان الملزوم باطلًا، وعليه فيُراد بقوله: (ماله) أي كل ماله، أو أكثره، هذا الرجل كل المال اللي عنده يروح يشتري به آلات لهو؛ عود، طنبور، كمنجة، ربابة، كل ما (... ).
طلبة: (... ).
الشيخ: نعم (... ) هذا سفيه ولَّا رشيد؟
طالب: سفيه.
الشيخ: هذا سفيه ولَّا لا؟ هذا حرام، خمر، يبذل ماله في الخمر، كلما أُعْطِي راح -والعياذ بالله- إلى خانات الخمور واشترى وشرب، هذا سفيه لا شك، وكذلك لو صرفه في البغاء فهو سفيه (... )، إذا صرف ماله في حرام فهو سفيه.
(أو في غير فائدة) وهو عندي أنا كغناء ونفط، والمراد بالغناء غير المحرَّم؛ لأن الغناء المحرَّم محرَّم من القسم الأول؛ لكن الغناء غير المحرَّم، كيف غناء غير محرَّم؟ يعني مثل غناء مسجل على أشرطة غير محرَّم؟ ! لكنه غناء اقتداء الإبل، غناء العمال على عملهم، غناء اقتداء الإبل جائز ولَّا لا؟ جائز؛ لأن الرسول –عليه الصلاة والسلام- أقره، غناء العمال على عملهم ليستعينوا بذلك على العمل، جائز ولَّا لا؟
طالب: جائز.
الشيخ: جائز؛ لأن الرسول -عليه الصلاة والسلام- كان يتغنى وهو يحفر الخندق في بشعر عبد الله بن رواحة (2):
اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا
وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
حتى أنه إذا وصل آخرها يمد صوته: أبينااا
وكذلك الصحابة ينتظرون عنده يقولون: لَإِنْ قَعَدْنَا وَالنَّبِيُّ يَعْمَلْ لَذَاكَ مِنَّا الْعَمَلُ الْمُضَلَّلْ
فيجيبهم، فالبناؤون مثلًا الذين يستعينون على البناء بالأغاني؛ أرجوزة، أو مثلًا مطوَّلة من الطويل والبسيط، وما أشبه ذلك من بحور الشعر، فإن هذا لا بأس به.
هذا الرجل أعجبه حُدَاء هذا الإنسان للإبل (... ) نقول: هذا لا شك أنه سفيه، ولَّا لا؟
ونفط، ليشتري بماله النفط، نقول: هذا سفيه؟ النفط المعروف هذا.
طالب: أيش هو؟
الشيخ: إي نعم، البترول يسمى نفط، موجود من زمان، من عهد الرسول أو قبله، نقول: ما ندري كلام المؤلف ما هو على ظاهره، إلا لو اشترى نفطًا يَطَّلِي به (... ) لكان رشيدًا، لكن اشترى نفطًا لأجل يوقِد به النار، يحطه في قوارير، ولَّا يضعه في (... ) يَصُفُّهم مثلًا صَفًّا هندسيًّا، ثم يبدأ يشعل الكبريت ويحطه في واحد علشان يشوف أيش لون ارتفاع اللهب، أو إذا كان في ريح مثلًا يشوف الريح تميله يمينًا وشمالًا، ويطرب بهذا ويستأنس الرجل، يستأنس بهذا الشيء، ماذا نقول، سفيه ولَّا لا؟
طالب: سفيه.
الشيخ: هذا سفيه لا شك، المهم هو أن هذا مثالٌ ما هو للحصر، كل من يبذل ماله في غير فائدة دينية أو دنيوية فهو سفيه فلا يُعطَى المال.
يقول المؤلف: (ولا يبذل ماله في حرام، أو في غير فائدة) لو كان يبذل ماله في مستحب، كلما أعطيناه شيئًا راح للفقراء وقسمه عليهم (... )، هل تقولون: هذا رشيد ولَّا غير رشيد؟
طالب: (... ).
الشيخ: (... ) يعني إذا كان أهله محتاجين وراح يعطي الناس فهو سفيه، كذا؟ وإن كان أهله غير محتاجين وراح يعطي الناس فليس بسفيه، ويش تقولون؟
لاحظوا الآن هذا الرجل، له الآن ست عشرة سنة، بالغ، قال لوليه: أعطني المال، قال: (... ) راح سوق الفقراء ووزَّعه عليهم ورجع، قال: أعطني مالًا، أنا رشيد، قال: أعطيك مالًا وتروح تعطيه الناس؟ ! قال له: أنا أتصدق به (... ) أَبَى أن يعطيه، وذهبنا إلى القاضي، وقال القاضي: يجب تعطيه ولَّا ما يجب؟
طالب: لا، ما يجوز.
الشيخ: واحد بذل ماله في الخير، بفائدة ولَّا غير فائدة؟
طالب: تصرَّف في ماله.
طالب آخر: تصرُّف ما فيه غبن.
الشيخ: ما فيه غبن.
طالب: (... ).
الشيخ: إي نعم، كلام المؤلف: (أو في غير فائدة).
طلبة: (... ).
الشيخ: في هذه الحال ليس برشيد، نعم لو تصدق بالشيء اليسير اللي جرت العادة بمثله فهذا يعتبر رشيدًا، والدليل على ذلك أن الفقهاء يقولون: إن الصبي أصلًا لا يصح أن يتبرع بشيء من ماله، لكن يصح أن يوصي بشيء من ماله.
وعَلَّلُوا ذلك بأنه إذا أوصى بشيء من ماله فإنه سوف يدفع بعد موته بعد أن تزول حاجته، بخلاف ما إذا تبرع، على كل حال الظاهر لي أن هذا الرجل لا يُدْفع إليه المال؛ لأنه يبذله بذلًا ليس (... )، ولكن الكلام في رجل بالغ، ما رأيكم الآن لو جاءنا رجل بالغ وقال: أنا أريد أن أتصدق بجميع مالي، تُبْطِلُون عليه؟
طلبة: لا، (... ).
الشيخ: (ولا يدفع إليه) الضمير يعود على الْمَحْجُور عليه لِحَظِّه من صغير، أو مجنون، أو سفيه.
(ولا يدفع إليه حتى يُختبر قبل البلوغ) بماله، (يُختبر) المعنى هنا ما هو الامتحان، معناه الوصول إلى العلم بباطن الحال؛ لأنه من الخبرة، والخبرة هي العلم ببواطن الأمور، وهي عند الناس الآن بمعنى الامتحان.
قال المؤلف: (قبل بلوغه) يعني لا بد أن يكون الاختبار قبل البلوغ، لماذا؟ لأجل إذا بلغ، فمن حين بلوغه ندفع إليه المال؛ لأن الأصل في بقاء المال في يد الولي التحريم؛ لأنه لا بد ألَّا يستولي على المال أحد، فالأصل التحريم، ولهذا نقدِّم الاختبار قبل البلوغ من أجل أن ندفع إليه ماله فور بلوغه إذا علمنا رشده.
قال الله -عز وجل-: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُم﴾، قال: ﴿ابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾؛ ولكن لا بد أن يكون قبل البلوغ، وقال: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾، إذن فالاختبار قبل أن يبلغوا النكاح ولَّا بعد؟
طلبة: قبل.
الشيخ: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ بعد بلوغ النكاح ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾، هذا الدليل على ما ذكره المؤلف رحمه الله.
وقوله: (بما يليق به) أفادنا -رحمه الله- أن اختبار هؤلاء ليس على حد سواء، بل يُختبر بما يليق به، فالمرأة لا نختبرها بالبيع والشراء، ليش؟ لأنها ليست من أهل البيع والشراء، نختبرها بما يليق بها في شؤون البيت، إذا عرفنا أنها مُصْلِحة للبيت، مُدَبِّرة في الطعام والشراب والأواني، وما أشبه ذلك، عرفنا أنها رشيدة، أما إذا كانت لا تعرف تدبير هذا الشيء، إذا أرادت أن تُخرِج طعامًا لثلاثة أخرجت طعامًا يكفي ثلاثين، وطبخته والباقي يُلْقَى، هذه رشيدة ولَّا غير رشيدة؟
طلبة: غير رشيدة.
الشيخ: غير رشيدة؛ لأنها بذلت مالًا في غير محله، كذلك إذا عرفنا أنها (... ) ما تبالى هذا الشيء، هذه رشيدة ولَّا غير رشيدة؟
طالب: غير رشيدة.
الشيخ: غير رشيدة، لا تنظف الأواني، ما يهمها يبقى الفنجان لا يُغسل شهرًا، هذه رشيدة ولَّا غير رشيدة؟ غير رشيدة،؛ لأن الرشيدة هي اللي تُحْسِن التصرف.
إذا كان هذا الرجل أو هذا الصغير ابنًا لتاجر، فبماذا نختبره؟ بالتجارة بالبيع والشراء، وما أشبه ذلك، ابنًا لفلاح؟ بشؤون الفلاحة.
المهم أن المؤلف يقول: (بما يليق به)، لا نطالب ابن الفلاح أن يكون عارفًا للبيع والشراء والأخذ والعطاء؛ لأن هذا ليس من شؤونه (... )، لكن لا يعرف شيئًا، لكن نقول: هل (... ) الفلاحة تمامًا ولَّا لا؟ يعني ننظر (... ) الأحواض، يعني لو حتى يتقطع وبنى الأحواض لحد النص والباقي ماشي، قلنا: ليش يا ولد هذا؟ قال: كله واحد (... )، هذا يحسن التصرف ولَّا ما يحسن؟
طالب: ما يحسن التصرف.
الشيخ: ما يحسن التصرف.
على كل حال المؤلف أعطانا قاعدة، قال: (حتى يُخْتَبَر قبل بلوغه بما يليق به)، ثم انتقل المؤلف بعد أن ذكر حكم الْحَجْر على هؤلاء، وبماذا يزول، وما هي الطريق إلى إزالته، بيَّنَ مَن وَلِيُّهم حال الْحَجْر.
يقول: (وولِيُّهُم حال الحجر الأب)، (الأب) خبر المبتدأ، (الأب) المراد به الأب الصلب دون الجد، فهذا وَلِيُّه.
(ووكيله يقوم مقامه) كما لو سافر الأب وأقام عليهم وكيلًا فإنه يقوم مقامه.
(ووَصِيّه)، قال المؤلف: (ثم وَصِيّه)، وصيه هو الذي وَكَّلَه عليهم بعد موته؛ لأن النائب عن المالك ذكرنا أنهم أربعة أصناف: وَلِيّ، ووَصِيّ، ووكيل، ونائب، فإذا أقام الإنسان مَن ينوب عنه في ولده الصغير فإن كان في حياته فهو وكيل، وإن كان بعد موته فهو وَصِي.
إذن وليهم (الأب، ثم وصيه، ثم الحاكم)، الحاكم يعني القاضي، الحاكم هو القاضي، فصار أولياء المحكوم عليهم الْحَجْر ثلاثةً، وإن شئت فقل: اثنان، وإن شئت فقل: أربعة.
نقول: اثنان، باعتبار الأصول، وهم الأب، والحاكم، وأربعة باعتبار الفروع، وهي: الأب، ومَن ينوب منابه مِن وكيل أو وصي، والحاكم ومَن ينوب منابه كالوكيل، عرفتم الآن؟
فصار أولياء هؤلاء كم؟ اثنان أصالةً، وأربعة باعتبار نُوَّابِهم، فهو الأب والحاكم، أو مَن يُنِيبُه الأب من وكيل، أو وصي، والفرق بين الوكيل والوصي؟
طالب: (... ).
الشيخ: يوصِي به، يعني يُوَلِّيه، يعني يُوَكِّله؟
الطالب: يوصِي به بما بعد..
الشيخ: بعد الموت، والوكيل؟
الطالب: والوكيل ما أعرفه.
الشيخ: ما عرفته؟
الطالب: أنت ما عرَّفْتَه (... ).
الشيخ: الجد، هل له ولاية على أولاد ابنه؟ لا، الأخ الشقيق له ولاية على إخوته؟ لا، الأم لها ولاية على أولادها؟ لا، هذا على المذهب، المذهب ما فيه ولاية في المال إلا هؤلاء: الأب ومَن ينوب منابه، والحاكم ومَن ينوب منابه، هذا في المال، الابن يكون وَلِيًّا على أبيه؟
طالب: لا.
الشيخ: أنا قصدي الأب وصل إلى درجة لا يُحْسِن التصرف لكِبَر، أو مرض، هل يكون ابنه وليًّا له؟ المذهب لا، لا يكون وليًّا له، فإذا وجد أنه رجل كبير السن ولا يحسن التصرف في ماله وله ابن عاقل رشيد عَدْل وبَارّ ومن أحسن الناس تصرفًا، نقول: ما يجب تستولي على مال أبيك، ولا تتصرف في مال أبيك، مَن يقول بهذا؟ القاضي هو الذي يملك الولاية، إن شاء ولَّاك، وإن شاء وَلَّى غيرك، هذا ما ذهب إليه المؤلف -رحمه الله- وهو المذهب.
والقول الثاني في المسألة: أن الولاية تكون لأولى الناس به، ولو كانت الأم إذا كانت رشيدة؛ لأن المقصود حماية هذا الطفل الصغير، أو حماية المجنون، أو السفيه، فإذا وجد مَن يقوم بهذه الحماية من أقاربه فهو أولى من غيره، وهذا الذي ذكرناه هو الحق، إن شاء الله تعالى.
وعليه فالجد أبو الأب يكون وليًّا لأولاد ابنه، والأخ الشقيق وليّ لأخيه الشقيق الصغير، والأم إذا عدم العَصَبَة تكون وليَّة لابنها.
نعم إذا قُدِّر أن أقاربه ليس فيهم الشفقة والْحُنُوّ والعطف فحينئذ نلجأ إلى الحاكم ليولي مَن هو أحلم.
قال المؤلف -رحمه الله-: (ولا يتصرف لأحدهم وَلِيُّه إلا بالأحظ)، أيش إعراب (وَلِيُّه)؟
طالب: فاعل.
الشيخ: فاعل، (لا يتصرف لأحدهم وَلِيُّه) لأحدهم، أي: هؤلاء الثلاثة، وهم: الصغير والمجنون والسفيه، إلا بالأحظ، وما الأحظ؟ يعني الأفضل والأحسن.
دليل ذلك: أثرٌ ونظرٌ؛ أما الأثر فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
وأما النظر فلأن هذا الولي يتصرف لغيره، فوجب عليه أن يأخذ بالأحظّ، لو كان الإنسان تصرف بنفسه فهو حُرّ، لكن يتصرف لغيره؟ لا بد أن يأخذ بالأحَظّ، وهذا شامل في الولايات الدينية والولايات الدنيوية، لا يتصرف الولي على أحد، سواء كانت الولاية دينية أو دنيوية إلا بالأحسن، ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ، وَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ» (3)، لماذا؟ لأنه إذا كان إمامًا فهو ولي، وإذا كان يُصلي وحده فهو أمير نفسه، ومِن ثَمَّ أيضًا نقول: لا يجوز للإمام أن يسرع سرعة تمنع المأمومين فعلَ ما يجب، ويُكْرَه أن يسرع سرعة تمنع المأمومين فعل ما يُستحب، ويطيل؛ لأنه يحرم عليه أن يخالف السنة.
لو قيل بذلك لكان له وجه، لا سيما إذا علمنا أن المأمومين يودون تطبيق السنة، فمثلًا إذا أراد أن يصلي الفجر بقصار المفصَّل على المذهب هذا جائز،؛ لكن لو قيل بأنه ليس بجائز؛ لأنه خلاف السنة، لا سيما إذا علمنا أن أهل المسجد يرغبون أن يفعل السنة فيهم، لو قيل أنه غير جائز لكان له وجه؛ لأنه قال: إن مَن يتصرف لغيره فإنه يجب عليه أن يعمل بالأحسن.
﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، فمثلًا هذا الرجل الولي نقول: لا تتصرف إلا بما هو أَحَظّ، فإذا أردت أن تشتري سلعة وأمامك سلعة أخرى، السلعة الأولى فُرِضَ أنها تربح عشرة بالمئة، والثانية تظن أنها تربح عشرين بالمئة، أيهما تأخذ؟
طالب: الثانية.
الشيخ: الثانية، وجوبًا ولَّا جوازًا؟
طالب: وجوبًا.
الشيخ: وجوبًا؛ لأن هذا هو الأحسن، لكن لو كنت تتصرف لنفسك وعُرِضَت عليك سلعتان، والأولى تربح عشرة بالمئة والثانية عشرين بالمئة، وأخذت بالعشرة في المئة، يجوز ولَّا لا؟ يجوز، لكن تتصرف لغيرك لا يجوز، لو عُرِض عليك أن يبيع العقار أو يبقيه، أيهما أحسن؟
طالب: ينظر المصلحة.
الشيخ:؛ ينظر المصلحة، لكن الغالب أن بقاء العقار أنفع، لا سيما العقار المغِلّ الذي يأتي بغَلَّة، ولهذا قال بعض العلماء: أنه لا يبيع العقار إلا إذا كان هناك ضرورة أو غبطة.
وقد جرت المحاكم عليه الآن، فالعقار لا يُباع إلا بواسطة المحكمة؛ لأن العقار ثابت وباقٍ، والدراهم عُرْضَة للتلف والزوال، فيحتاط الإنسان في العقار أكثر ما يحتاط في غيره.
قال: (ويَتَّجِر له مجانًا)، وأيش معنى يَتَّجِر؟ يعني يبيع ويشتري بماله بالتجارة مجانًا بدون مقابل، لماذا؟ لأنه نائب مَنَاب المالك، والنائب مَنَاب المالك لا يتصرف بما فيه حَظٌّ لنفسه، فإذا اتَّجَر له بدراهم أو بسهم فقد تصرَّف تصرفًا يعود نفعه إلى نفسه، وهذا لا يجوز.
مثال ذلك: رجل (... ) ويشتري بمال هذا الصغير، نقول: ليس لك شيء من المال أبدًا، لماذا؟ السبب لأنه يتصرف لغيره بنفسه، ومَن تصرف لغيره بنفسه لا يأخذ على ذلك أجرًا، هذا ما مشى عليه المؤلف -رحمه الله- أن الولي يتَّجِر له مجانًا، ومعلوم أننا إذا قلنا للولي أنه يجب عليك أن تَتَّجِر له مجانًا فلا تأخذ شيئًا، لو قلنا له هذا هل يكون حريصًا على الاتجار بالمال؟ أسألكم ولا تجيبوا إلا باليقين.
طالب: لا، لا يحدث.
الشيخ: غالبًا لا يحدث، يقول: أنا مثلًا أتعب وأنا ما آخذ شيئًا، لا، فأنا بريّح نفسي، ويأتي بالمذهب المشهور عند العامة الذي يقول: احفظ للناس ولا تُصْلِح لهم، كلمة مشهورة عند العامة، احفظ للناس ولا تُصْلِح لهم، أنا حافظ المال الآن، ولا أتصرف فيه، ما دام ما أنا آخذ شيئًا، ولهذا كان القول الثاني في المسألة أنه إذا اتَّجَر فله أن يأخذ أقل مما يأخذه غيره.
يُقال: لو أن غيرك اتَّجر بهذا المال، كم يُعطَى منه؟ قال: يُعطَى الرُّبع، أو الْخُمُس، نقول: خذ الْخُمس، يعني أقل ما يمكن أن يُعطَى، لماذا؟ لأن تصرف هذا الإنسان في مال هذا الصغير ليس باختيار منه، ولكنه بولاية من الشرع، فهو في الحقيقة إنما يتصرف تصرفًا شبه مُجْبَر عليه، فله أن يَتَّجِر ويأخذ من الربح، لكن بأقل مما يأخذه مَن يَتَّجِر بهذا المال.
يقول: (وله دفع ماله مضاربةً بجزء من الربح)، (مضاربة) ويش معناها؟
طالب: (... ).
الشيخ: (... ) المضاربة دفع المال لمن يَتَّجِر به بجزء مشاع معلوم من الربح، هذه المضاربة، انتبه، بجزء لا بِكُلّ، مشاع لا معيَّن، معلوم لا مجهول، من الربح لا من رأس المال، كم الشروط؟
طالب: أربعة.
الشيخ: عدهم.
طالب: أن يكون بجزء، مشاع، معلوم.
طالب آخر: من الربح.
الشيخ: من الربح، بجزء لا بكل، فلو أعطيتك المال وقلت: خذ هذا المال اتَّجِر به ولك جميع الربح، هل هو مضاربة؟
طالب: لا.
الشيخ: هذا (... ) ولو قلت: خذ هذا المال اتَّجِر به ولك من ربحه مئة درهم؟
طالب: غير مضاربة.
الشيخ: غير مضاربة، نحن قلنا: جزء مشاع، وهذا جزء معين، معلوم، لو قلت: خذ هذا المال اتَّجِر به ولك بعض ربحه، ما يصح، ليش؟ لأنه غير معلوم، ولو قلت: خذ هذا المال اتَّجِر به (... )، أعطيتها زيدًا يَتَّجِر بها وله نصف الربح، جائز ولَّا لا؟ جائز.
عندي مئة ألف ريال (... ) أعطيتها رجلًا يَتَّجِر بها مضاربة بجزء من الربح، قلت: خذ هذا المال اتَّجِر به مضاربة ولك نصف ربحه، يجوز ولَّا لا؟ يجوز، لكن بشرط أن أرى أن هذا هو أحسن ما يكون في مال هذا الصبي، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
إذا كان هذا الرجل يأخذ النصف، ولكن جاء رجل آخر يقول: يكفيني ثلث الربح، يجوز أُعْطِي الأول؟ إن قلتم: لا، قلنا: خطأ، وإن قلتم: نعم، قلنا: خطأ.
طالب: إذا كان الأول أحسن خِبْرَة (... ) نعطيه.
الشيخ: إذن فيه تفصيل، جاءني رجلان قال أحدهما: أنا آخذ مئة ألف بالمضاربة بثلث الربح، وآخر قال: آخذها بنصف الربح، مَن نعطيها؟ لو تساوى الرجلان في الأمانة وفي التصرف والمعرفة والحرص وجب أن نعطِي الأقل اللي يقول: يكفيني الثلث، لكن إذا كان الذي طلب النصف أقوى أمانة من الآخر، يعني: أكثر أمانة وأقوى، أو كان أعرف وأحسن تصرفًا، فالواجب أن نعطي الأخير، ولو كان السهم الذي طلبه أكثر من السهم الذي طلبه الآخر، والآية الكريمة يقول الله -عز وجل- فيها: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، فأنت تنظر إلى الأحسن واتبعه، والله أعلم.
(... )
(الفقير من مال موليه الأقل من كفايته، أو أجرته مجانًا)، مجانًا يعني بلا عِوَض، يأكل الولي الفقير، أفادنا المؤلف أنه لا يجوز للولي الغني أن يأكل، وإنما يأكل الولي الفقير فقط؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾، يعني من كان غنيًّا ووليًّا على مال اليتامى فليستعفف عنه ولا يأكل منه شيئًا، ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف، أي: بما جرى به العُرْف من غير إسراف ولا نقص، والأفضل أن يستعفف.
فقوله: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾، اللام للأمر المقابل للأمر بالترك، فيكون المراد بالأمر هنا الإباحة؛ لأن الأمر في مقابلة النهي للإباحة، أي: ومن كان فقيرًا فلا بأس أن يأكل، ولكن يأكل بالمعروف، أي بما جرى به العرف، ولكن ما هو المعروف؟ قال المؤلف: (الأقل من كفايته، أو أُجْرَتِه)، هذا المعروف، هذا رأي المؤلف.
فإذا قيل: هذا الرجل كفايته في الشهر مئة ريال، يبغي غداء، وعشاء، وفطورًا، وغسيل ثياب، وما أشبه ذلك، هذا يكفيه مئة ريال، وأُجْرَة مثله، يعني لو أننا استأجرنا شخصًا يتولى مال هذا اليتيم صارت ثمانين ريالًا، ويش يأخذ؟
طالب: ثمانين ريالًا.
الشيخ: ثمانين ريالًا؛ لأنها أقل من مئة، بالعكس كفايته ثمانون؛ ولكن أجرته مئة، ويش يأخذ؟ يأخذ ثمانين، أجرته مئة وكفايته مئة، يأخذ أيش؟
طالب: يأخذ مئة.
الشيخ: على أنها أجرة، أو على أنها كفاية؟
طالب: الاثنين؛ على أنها أجرة وكفاية.
الشيخ: يأخذ مئة، سَمِّهَا أجرة، أو سَمِّها كفاية، وظاهر الآية الكريمة أنه يأكل بالمعروف مطلقًا، سواء كان الأكل أكثر من أجرته أم أقل، لكن العلماء -رحمهم الله- وفقهاءنا يقولون: نعامله بالأبَرّ، من أجل مصلحة اليتيم.
ولكن مَن ذهب إلى ظاهر الآية قال: إننا لا نقيس هذا الرجل الولي الذي عنده من الْحُنُوّ والشفقة ما ليس عند غيره، لا نقيسه بالأجنبي، يعني لو فرضنا أن غيره لو قام على هذا المال لكفاه ثمانون، وهذا كفايته مئة، نقول: هذا يمتاز عن الأجنبي، بماذا؟ بالحنو، والشفقة، وأنه يعطف على هذا اليتيم، ويحرص على حماية ماله، فهو أعظم من الأجنبي.
لكن مَن سلك سبيل الورع فلا شك أن الورع ما ذهب إليه الفقهاء -رحمهم الله- وألَّا يأخذ أكثر من كفايته، وأن يأخذ الأقل من كفايته، أو أجرته مجانًا.
(ويُقبَل قول الولي والحاكم بعد فك الحجر في النفقة، والضرورة، والغبطة، والتلف، ودفع المال)، هذه عدة أشياء، أولها: قد يُقبل قول وليه في النفقة.
لما فُك الْحَجْر، وكان هذا اليتيم قد ورث من أبيه مئة ألف، لما بلغ أعطاه الولي خمسين ألفًا، قال: وين الخمسون الباقية؟ قال: أنفقتها عليك هذا المدة، مَن القول قوله؟ القول قول الولي، إذا قال هذا اليتيم الذي بلغ: أنت ما أنفقت إلَّا ثلاثين ألفًا، وقال الولي: بل أنفقت خمسين، فالقول قول الولي، لماذا؟ لأنه مؤتَمَن، والأمين قوله مقبول؛ ولكن لا بد من اليمين، ويُشترط في قبول قول الولي ألا يخالف العادة، فإن خالف العادة فإنه لا يُقْبَل إلا ببينة، مثلًا بقي المال بيده أي بيد الولي ثلاث سنوات، وهو ينفق على هذا الصغير، وبلغ بعد ثلاث سنوات، وقال: أنفقت عليك في هذه السنوات ستة وثلاثين ألفًا، أي: كل سنة اثني عشر ألفًا، يعني كل شهر ألف ريال، إذا نظرنا إلى معدل النفقة في هذه المدة وجدنا أنه لا يستغرق أكثر من خمس مئة ريال، وعليه فيكون العادة أن مثل هذه المدة ينفق عليه كم ريال؟
طالب: النصف.
الشيخ: ثمانية عشر ألف ريال، وهذا قال: أنفقت عليك ستة وثلاثين، فهل يُقبَل قول الولي حينئذ؟ لا؛ لأن هذا يخالف العادة، والفرق كثير،؛ لكن لو قالوا: العادة أن ينفق عليه خمسة وثلاثين ألفًا، وهو ادعى ستة وثلاثين ألفًا، أيش نقول؟
طالب: (... ).
الشيخ: أحسنت، هو قال: ستة وثلاثين، والناس قالوا: إن مثل هذا الزمن ينفق عليه خمسة وثلاثين، يُقبَل ولَّا لا؟ يُقبَل قول الولي؛ لأن واحدًا من ستة وثلاثين أمر مقبول، يمكن يأتي حالات مثلًا تزيد المعيشة، أو هذا الصبي يحتاج إلى دواء مثلًا، أو ما أشبه ذلك، أما شيء يخالف العادة والعرف فهذا لا يُقْبَل.
ويقول: (في النفقة).
والثاني: (في الضرورة والغبطة)، الضرورة والغبطة متى تكون؟ تكون في بيع العقار؛ لأنه سبق لنا أنه لا يجوز للولي أن يبيع العقار إلا لضرورة، أو غبطة، الضرورة مثل أن يحتاج اليتيم إلى نفقة، وما عندنا فلوس، ما فيه إلا أن نبيع العقار ونأخذ النفقة، ويش تكون هذه؟ ضرورة.
الغبطة أن يساوي هذا العقار ثمنًا زائدًا كثيرًا، فهذا غبطة، بمعنى أننا لو بعناه لاشترينا مثله مرتين، فهذه غبطة، فإذا بلغ الصبي وقال للولي: ليش تبيع عقاري؟ العقار أبقى من الدراهم، الدراهم تطير، تروح، والعقار ثابت، ليش تبيعه؟
قال: بعته لأني اضطررت إلى هذا، ما عندي نفقة، ماذا أصنع؟ يقدر يقول الصبي: اثبت ذلك ببينة؟ لا، نقول: يُقبَل قول الولي بذلك، لكن لا بد من أن يبيع.
كذلك الغبطة، قال: ليش تبيع عقاري؟ قال: لأنه جاب، هو يساوي مئة وبعته بمئتين، هذا غبطة (... )، هذه لولا أن جارك احتاج إلى عقارك (... ) شيء أبدًا، فيُقبَل قول الولي ولَّا لا؟ يُقْبَل.
كذلك يُقبَل قول الولي في التلف؛ تلف المال، كان هذا اليتيم قد خلَّف له أبوه خمس مئة ألف، وهذا الرجل قد وضع الخمس مئة ألف في صندوق محكَم وراء الأبواب، والأغلاق الوثيقة، وجاءت اللصوص تحتمل الصندوق ومشوا، قال له: أين الدراهم؟ يقول: أخذها اللصوص، يُقْبَل ولَّا لا؟ يُقْبَل.
خلَّف له والده غَنَمًا مئة رأس، ولما بلغ قال للولي: أين غنمي؟ يقول: غنمك أكلها الذئب، (... ) وهلكت الماشية، ماذا نقول؟ يُقبَل قوله؟ إي نعم.
لكن إذا ادعى التلف بسبب ظاهر، وهذا قاعدة عامة، إذا ادعى بسببٍ ظاهر فإنه لا يُقبَل حتى يُقيم بينةً بذلك السبب، ثم بعد ذلك نقبل القول بأنه تلف، فمثلًا إذا قال: والله مالك احترق، شبَّ حريقٌ في البيت واحترق، نقول: جيب بيِّنَة على أن بيتك احترق، ثم بعد ذلك (... ) نقبل قولك.
قال: والله المال انهدم عليه البيت، جاءت أمطار غزيرة وانهدم عليه البيت وراح، محتاج لبينة أم لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لأن السبب ظاهر، إذن التلف يُقبَل إلا إذا ادَّعَاه بسبب ظاهر فلا بد من إقامة البينة على هذا السبب، ثم يُقْبَل قوله بالتلف.
ويُقبل قوله في دفع المال إلى اليتيم، (... ) والمجنون، والسفيه، هذا الصغير الذي بلغ، بلغ مثلًا قبل شهرين، ثم جاء إلى الولي، قال: أعطني المال، قال: مالك قد أعطيتك إياه، أعطيتك إياه قبل شهر، قال: جيب شهودًا، يُقبَل قول الولي أم لا؟ يُقبَل قوله في دفع المال، نقول: يُقبَل قول الولي، لكن على كل حال بيمين، هذا ما ذهب إليه المؤلف.
والقول الثاني: أنه لا يُقبَل قوله في دفع المال؛ لأن الله قال: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾، فيُقال لهذا الولي: قولك غير مقبول؛ لأنه لو كان قوله مقبولًا لم يحتج إلى إشهاد.
فإن قلت: إن الله ذكر الإشهاد ليفتدي الإنسان يمينه بالشهود، يعني علشان إذا ادَّعَى عليه الصغير أنه لم يعطِه قال: هذا الشهود، وإذا أقام الشهود يحتاج إلى يمين ولَّا لا؟ ما يحتاج يمينًا، يعني لو قلت لي: إن الله أمر بالإشهاد، لا لأن قول الولي لا يُقبَل، ولكن من أجل أن يفتدي يمينه بالشهود علشان ما يحتاج إلى يمين، فأرشده الله إلى ذلك.
قلنا: ولنفرض أن الأمر كما قلت، فإن مخالفة الإنسان هذا لأمر الله يُعَدّ تفريطًا، لماذا لم يسترشد بإرشاد الله؟ ومعلوم أن المفرِّط لا يُقْبَل قوله، وهذا القول هو الراجح، ويؤيده أيضًا من حيث القواعد العامة أن الأصل عدم الدفع.
فإن قلت: إن الأصل عدم الدفع، لماذا لم تقل: إن الأصل عدم التلف، وأنت قلت الآن: أنه يُقبل قولُه بالتلف، قلنا: الفرق أن مُدَّعِي الدفع يدعي فعلًا مُرَكَّبًا من فعل نفسه وفعل غيره؛ لأن الدافع يحتاج إلى مدفوع إليه، بخلاف التلف، فظهر الفرق بينهم.
إذن فالصواب أن قول الولي في دفع المال إلى الصغير غير مقبول، الدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾.
والتعليل أن الأصل عدم الدفع،؛ ولأن الدافع يَدَّعِي أن المدفوع إليه قد قبض، سواء قد ادعى على غيره فعلًا وقع منه والغير ينكر ذلك، والبينة على المدَّعِي، واليمين على مَن أنكر.
(... )
(وما استدان العبدُ لزم سيدَه إن أذِن له)، (ما استدان) هذه شرطية، و (لزم) جواب الشرط، يعني أن العبد إذا استدان شيئًا بإذن سيده لزم سيدَه.
مثاله: ذهب العبد بإذن سيده إلى صاحب الدكان، وقال: أعطني السلعة الفلانية، فأعطاه السلعة الفلانية مثلًا بقيمة تبلغ ألف ريال، مَن الذي يدفع الألف ويطالَب به؟ السيد، هو الذي يُطالَب بالألف ويُلزم بدفعها؛ لأنه إنما استدان بإذن سيده، فلزم السيد.
فإن قال السيد: أنا لم آذن لك، قلنا: إما أن يأتي العبد بالبينة، وإلَّا تعلق برقبته؛ برقبة العبد، الفرق بين التعلق بالرقبة والتعلق بذمة سيده أنه إذا تعلَّق بذمة السيد لزمه وفاؤه مهما بلغ، حتى لو كان أكثر من قيمة العبد عشر مرات يلزمه بكل حال.
يقول المؤلف: (وما استدان العبد لزم سيدَه إن أذِن له وإلا ففي رقبته)، يعني: وإلّا يأذن له ففي رقبته، (إلّا) هذه حُذِفَ منها شيء، فعل الشرط، يعني: وإلَّا يأذن ففي رقبته، أي: رقبة العبد، وإذا تعلق برقبته فإنه يُخيَّر السيد بين أن يسلِّم عنه الدَّيْن، وبين أن يبيعه ويدفع ثمنه في الدَّيْن، وبين أن يسلِّمه إلى صاحب الدَّيْن، كم هذه؟ ثلاثة، يُخيَّر بينهم؛ إذا تعلق الدَّيْن برقبة العبد فإنه يُخيَّر السيد بين ثلاثة أمور؛ إما أن يفديه، يعني يسلِّم الدَّيْن عنه، ويبقى العبد للسيد، أو يسلِّم العبد إلى مَن له الدَّيْن، يقول: هذا العبد اللي استدان ما أبغاه، خذوه، أو يبيعه على إنسان آخر ويسلِّم ثمنه لصاحب الدَّيْن.
أما المسألة الأولى واضحة؛ أن السيد يدفع الدَّيْن عن العبد، ويبقى العبد للسيد، لكن المسألة الثانية والثالثة ما الفرق بين كونه يسلمه إلى صاحب الدَّيْن، أو يبيعه ويسلِّم ثمنه؟ الفرق (... ) يكون صاحب الدَّيْن رجلًا سيئ الأخلاق غير أمين على العبد، ما هو أمين، فحينئذٍ أُرَجِّح أي شيء؟ أرجح أن يبيعه على إنسان موثوق، وآخذ الثمن وأعطيه لصاحب الدَّيْن، وقد يكون الأمر بالعكس، يكون صاحب الدَّيْن رجلًا أمينًا ثقة، وأخلاقه طيبة، فأسلِّم إليه العبد، هذا التخيير الذي يكون للسيد هل هو تخيير تَشَهٍّ، أو تخيير مصلحة؟ هذا تَشَهٍّ، بمعنى أن السيد مُخَيَّر اللي يرى أن يفعله يفعله، التخيير يكون تخيير مصلحة إذا كان الإنسان يتصرف لغيره، فإنه يكون تخيير مصلحة، أما اللى يتصرف لنفسه فهو تخيير تَشَهٍّ.
ولهذا السيد هنا ماذا يختار؟ هل يختار أن يفديه بأن يسد الدَّيْن عنه، أو يختار أن يسلمه لصاحب الدَّيْن، أو ماذا؟ (... )
إذا كان الدَّيْن أقل من قيمة العبد يختار أن يفديه، إذا كان الدَّيْن أكثر من قيمته يختار أن يسلِّمه، أو أن يبيعه، واضح؟ لكن في المسألتين (... ) أي بيعه، أو تسليمه لصاحب الدَّيْن قد نقول: إن التخيير هنا يجب أن يكون تخيير مصلحة، يُنْظَر فيه إلى مصلحة العبد.
قال: (وإلا ففي رقبته)، وإذا كان في رقبته ماذا يقول؟ يُخيَّر بين أمور ثلاثة: (كاستيداعه) يعني أن أضع عنده الوديعة فيتصرف فيها ويتلفها، يعني رجل وَضَعَ عند هذا العبد وديعة، العبد جاب له الدراهم ألف ريال (... )، بدي أشتري أشياء، أو يذهب إلى مباريات، أو ما أشبه ذلك؛ لأن العبد يهوى الرياضة، فصار ينفق هذه الدراهم في هذه الأشياء.
صاحب الوديعة جاء يطلبها، الدراهم صرفناها (... ) ذهب يتفرج على المصارعين وما أشبه ذلك، ماذا يقول صاحب (... )؟ نقول: الآن هذا الدَّيْن يتعلق في رقبته، أي: رقبة العبد، ويُخيَّر سيده بين الأمور الثلاثة.
قال: (وأَرْش جنايته)، أرش الجناية أيضًا يتعلق برقبة العبد، ويش معنى أرش؟ أي: قيمة الجناية.
مثاله: عبدٌ جرح رجلًا في رأسه حتى أوضح العظم، كم فيه من الإبل؟ فيها خمس من الإبل، يتعلق الأرش هنا برقبة العبد، فنقول لسيده: سَلِّم خمسة إبل (... )، أو يبيعه ويسلِّم الثمن لِمَن جنى عليه، هذا معنى قوله: (أرش جنايته).
(وقيمة مُتْلَفِه)، يعني ما أتلفه فإنه يتعلق برقبته.
مثال هذا: رجل أتلف على إنسان طعامه، عبد أتلف على إنسان طعامه، يتعلق ذلك برقبته، أتلف له سيارة (... ) يتعلق برقبته، قتل بعيره يتعلق برقبته، والذي يتعلق برقبته فإنه كما قلنا: يخيَّر السيد بين أمور ثلاثة.
[باب الوكالة]
ثم قال المؤلف: (باب الوكالة).
الوكالة يُقال: وَكالة، ووِكالة، كما يُقال: وَلاية، ووِلاية، وهي في اللغة التفويض، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: 81] أي: كفى به مفوَّضًا إليه الأمور.
والوَكالة لغةً: التفويض، وأما شرعًا: فهي استنابة جائزِ التصرفِ مثلَه بما تَدْخُلُه النيابة، فيُشْتَرَط أن يكون الموكِّل جائز التصرف، وأن يكون الوكيل كذلك التصرف، وأن يكون وكيله كذلك جائز التصرف، وأن يكون العمل مما تَدْخُلُه النيابة، ولهذا نقول: استنابة جائز التصرف مثلَه، أي: شخص جائز التصرف، بما تَدْخُله النيابة.
لو أن صغيرًا وكَّل إنسانًا في بيع ماله، تصلح هذه الوَكالة؟ لا تصلح، ليش؟ لأنه غير جائز التصرف.
لو أن شخصًا بالغًا عاقلًا رشيدًا وكَّل صغيرًا في شيء من الأشياء فإنه لا تصح؛ لأنه ليس جائز التصرف، لو وكَّل إنسانًا يصلِّي عنه، لا تصح، لماذا؟ ما تدخله النيابة.
وكّله يتوضأ عنه ويصلي، قال: توضأ عني، وأنا أصلي، لا يصح هذا، ليش؟ ما تدخله النيابة.
وكّله أن يصوم عنه؟ ما يصح، لكن إذا مات وعليه صيام صام عنه وكيله.
وكَّله أن يحج عنه؟ فيه تفصيل؛ إن كان في واجب والإنسان الموكِّل غير قادر، ولا يُرْجَى أن يقضي في المستقبل فإنه يصح، وإلا فلا.
وكَّله أن يُخْرِج الزكاة عنه، جائز، وكَّله أن يَذْبَح الهدي عنه، جائز؛ لأنه تدخله النيابة.
إذن العمل الذي تدخله النيابة يجوز التوكيل فيه، والذي لا تدخله النيابة لا يجوز فيه التوكيل.
ثم قال المؤلف: (تصح لكل قول يدل على الإذن، ويصح القبول على الفور والتراخي بكل قول أو فعل يدل عليه).
الوَكالة من أوسع العقود، يصح بها الإيجاب بالقول وبالفعل، والقبول بالقول وبالفعل.
مثال القول، أقول: وكَّلْتك في بيع كذا وكذا، هذا إيجاب بالقول، ومثاله في الفعل: رجل صاحب دكان يبيع للناس التمر والخضار، وما أشبه ذلك، فجاء الفلاح ووضع التمر على عتبة دكانه، أو وضع الخضار على عتبة دكانه، هذا توكيل ولَّا لا؟
طالب: توكيل.
الشيخ: بماذا؟
الطالب: بالفعل.
الشيخ: بالفعل، هذا توكيل بالفعل، القبول كذلك يصح بالقول وبالفعل، مثل قلت: وكَّلْتُك أن تبيع هذا لي، فقال: قبلت، هذا قبول بالقول، بالفعل؛ قلت: وكَّلتك أن تبيع هذا لي، فأخذته أنت من يدي، وذهبت وبعته، هذا قبول بالفعل.
وتصح الوكالة أيضًا مقيَّدة ومطلقة؛ مقيدة بشيء معين، ومطلقة عامة، وتصح مؤقتة ومؤبَّدة، المهم أنها من أوسع العقود، والله أعلم.
(... ) القرآن، والسنة، والقياس، يعني النظر، أما القرآن فقال الله تعالى عن موسى عليه الصلاة والسلام، قال لهارون: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾، هذه وَكالة، وكَّل سليمان الهدهد: ﴿اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِه إِلَيْهِمْ، ثم تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾، وما ذكره الله في القرآن عمن سبق فهو عبرة لنا وشرع.
أما السنة فالأحاديث في هذا كثيرة، وكَّل النبي عليه الصلاة والسلام عروة بن الجعد أن يذبح له أضاحي، ووكَّل علي بن أبي طالب أن يذبح ما تبقى من الهدي في حجة الوداع، ووكّل أُنَيْسًا -رجل من الأنصار- أن يذهب إلى المرأة التي زنت، وقال: إن اعترفت فارجمها، والأحاديث في هذا كثيرة.
أما القياس والنظر فإنه يقتضي حِلَّها وجوازها، لماذا؟ لأن الإنسان قد لا يتمكن من فعل الشيء بنفسه، فإذا لم يتمكن من فعل الشيء بنفسه فإما أن تفوت مصلحة هذا الشيء، وهذا ضرر على بني آدم، وإما أن يتجرأ على إقامة غيره مقامه مع التحريم، وهذا أيضًا مضرة؛ لأنه في الأول تفوته مصلحته الدنيوية، وفي الثاني تحصل له العقوبة الأخروية.
فكان من حكمة الشرع أن أجاز الوكالة فيما تدخله النيابة، وَجْه النظر؛ وجه دلالة النظر على جواز الوكالة؟
طالب: أن فيها منفعة للموكِّل (... ).
الشيخ: فكان من حكمة الشرع الحكيم أن أباح الوكالة.
الوكالة لها صيغة، صيغة العقد وهي: إيجاب، وقبول، الإيجاب هو اللفظ الصادر من الموكِّل، يعني أقول: وكَّلت فلانًا في كذا.
يقول المؤلف: (تصح الوكالة بكل قولٍ يدل على الإذن)، لو قلت: وكَّلتك أن تبيع هذا الشيء، انعقد، كذا؟ خذ هذا الشيء بعه، فأنا أعطيتك ما وَكَّلْتُك، لكن لما قلت: بعه، هذه الصيغة تدل على التوكيل.
(بكل قولٍ يدل على الإذن) هل له صيغة معينة شرعًا؟
الجواب: لا، وفي هذا الباب مشى الفقهاء -رحمهم الله- على القول الراجح؛ من أن العقود تنعقد بما دَلَّ عليها، وهذا هو القول الراجح المتعيِّن؛ أن العقود كلها تنعقد بما دل عليها، ولا ترتبط بلفظ معين، وعلى هذا فإذا قال الرجل للإنسان المتزوج: جَوَّزْتُك بنتي، فقال: قَبِلت، يصح العقد ولَّا لا؟
طالب: يصح.
الشيخ: على القول الراجح، أما على المذهب فلازم تقول: زَوَّجْتُك، أو أَنْكَحْتُك، أما جَوَّزْتك ما يصح، لكن الصحيح أنه يصح.
لو قال: مَلَّكْتك بنتي، يصح على القول الراجح.
فالمهم (... ) ذكروا أنه يصح بكل قول يدل عليه، هل تصح بالفعل؟ يعني هل يكون الإيجاب بالفعل؟
الجواب: ذكرنا أمس أنه يصح بالفعل، وضربنا لذلك مثلًا لرجل أَعَدَّ مكانًا لتلقي السلع ليبيعها، فجاء أصحاب السلع ووضعوها في هذا المكان، يُعْتَبَر هذا إيجابًا بالفعل، وقلنا: إن هذا يقع كثيرًا في أسواق الخضر، وبيع التمر، تجدهم مثلًا عندنا يجيبون التمر يضعونها في محل هذا الرجل الدلَّال ويبيع، نقول: هذا توكيل بالفعل.
لكن لننظر كلام المؤلف الآن: (تصح بكل قول يدل على الإذن، ويصح القبول بكل قول وفعل)، فإن كلام المؤلف يدل على أن الإيجاب لا يصح إلا بالقول؛ لأنه قال: (بكل قول)، وفي القبول قال: (بكل قولٍ أو فعل).
الآن نقول: كلام المؤلف يدل على أن الإيجاب لا يصح إلا بالقول، بخلاف القبول؛ فهو يصح بالقول أو بالفعل، والصحيح أن الإيجاب والقبول كلاهما يصحان بالقول وبالفعل.
قال: (بكل قول يدل على الإذن، ويصح القبول على الفور والتراخي)، يعني يصح أن يقبل الموكَّل، أو بعبارة أصح الوكيل، يصح أن يقبل الوكيل بكل قول، فإذا قال: وكَّلتك تبيع هذا الشيء، قال: قبلت، هذا قول، الفعل؛ قال: وكّلتك تبيع هذا الشيء، فأخذه الوكيل وباعه بدون أن يقول: قبلت، يصح ولّا لا؟ يصح.
يقول المؤلف: (على الفور والتراخي)، يعني يصح أن يقبل فورًا (... ) أو على التراخي، بأن يقول له: بع هذا الشيء، سكت الوكيل ما قال شيئًا، يعنى لم يقل: قبلت، فلما كان من الغد باعه، هذا قبول على التراخي ولَّا على الفور؟
طلبة: على التراخي.
الشيخ: على التراخي، ويصح القبول بالقول والفعل، فوريًّا كان أم متراخيًا، فإن قلت: أتُصَحِّحُون القبول على التراخي؟ أفلا يمكن أن يكون الموكِّل قد عدل عن توكيله؟ يعني مثلًا هو قال لي: خذ هذا بِعْه (... )، وفي الصباح جئت به، ألا يمكن أن يكون صاحب الشيء هذا وهو الموكِّل قد عدَلَ عن رأيه؟ نقول: نعم يمكن، لكن الأصل عدم ذلك، فيكون تصرفه مبنيًّا على الإذن السابق.
(بكل قول أو فعل يدل عليه)، وعرفتم القول والفعل؛ القول بأن يقول: قبلت، والفعل: أن يسكت، ولكن يتصرف حسب الموقف.
ثم قال المؤلف قاعدة: (ومَن له التصرف بشيء فله التوكيل والتوكل فيه)، (مَن له) (مَن) شرطية ولَّا موصولية؟
طلبة: شرطية.
الشيخ: انتبهوا يا إخوان، الشرطية معروف أنها لا بد تدخل على الفعل، ما تدخل الشرطية إلا على فعل، نقول: إذا جعلناها شرطية نحتاج أن نُقَدِّر فعل الشرط، ونمتنع عن تصرف الشيء، وإذا جعلناها موصولة ما نحتاج إلى تقدير، وإذا دار الأمر بين التقدير وعدمه فالأصل عدمه، إذن نجعلها موصولة.
وأما الفاء في قوله: (فله)، فإنه قد سبق لنا مرارًا بأن الاسم الموصول يجوز أن يقترن بخبره الفاء؛ لأنه يشبه الشرط في العموم (... )، إذن هي موصولة.
(مَن له التصرف في شيء فله التوكيل والتوكل فيه)، يعني: ومَن ليس له التصرف فليس له التوكيل ولا التوكُّل، هذه القاعدة ليست على إطلاقها؛ لأن المراد بقوله: (في شيء)، أي: مما تدخله النيابة، فأما ما لا تدخله النيابة فإنه لا يصلح أن يوكِّل به ولا أن يتوكل، ثم إنه حتى فيما تدخله النيابة أشياء مُستثناة.
سنبدأ أولًا فيما إذا وكَّل شخصًا في أمرٍ ليس له التصرف فيه، مثل: قال: وكَّلتك في بيع بيت فلان، يصح ولَّا ما يصح؟
طلبة: (... ).
الشيخ: (... )، قال: وكَّلتك أن تبيع بيت فلان، هذا الوكيل (... ) قال: وكّلتك في طلاق فلانة، وهو بعد ما تزوجها، ثم تزوجها، الرجل الموكِّل تزوج المرأة التي وكَّله في طلاقها، يصح التوكيل ولا ما يصح؟
الطلبة: ما يصح.
الشيخ: ما يصح؛ لأنه حين التوكيل لم يتزوجها.
وكّلتك في عتق هذا العبد، وهو إلى الآن ما ملكه؟ لا يصح؛ لأنه هو إذا اعتقه يصح ولَّا ما يصح؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: ما يصح، هذا الذي ليس له لما كان الموكِّل لا يتصرف هذا التصرف ما صح أن يوكِّل عليه.
يُسْتَثْنَى من ذلك توكيل الأعمى بصيرًا في شراء ما يُشْتَرَط لصحة بيعه الرؤية، الأعمى إذا اشترى شيئًا لا يصح شراؤه إلا برؤية، يصح ولَّا ما يصح؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: لأنه مجهول له.
ومَن له التَّصَرُّفُ في شيءٍ فله التَّوكيلُ والتوكُّلُ فيه،
ويَصِحُّ التوكيلُ في كلِّ حقِّ آدَمِيٍّ من العُقودِ والفُسوخِ، والعِتْقِ والطلاقِ، والرَّجعةِ وتَمَلُّكِ الْمُباحاتِ من الصيدِ والحشيشِ ونحوِه، لا الظِّهارِ واللعانِ والأَيْمَانِ وفي كلِّ حقٍّ للهِ تَدْخُلُه النيابةُ من العِباداتِ والحدودِ في إثباتِها واستيفائِها، وليس للوَكيلِ أن يُوَكَّلِ فيما وُكِّلَ فيه إلا أن يُجْعَلَ إليه.
والوَكالةُ عَقْدٌ جائزٌ، وتَبْطُلُ بفَسْخِ أحدِهما ومَوْتِه وعَزْلِ الوَكيلِ وحَجْرِ السفيهِ، ومَن وُكِّلَ في بيعٍ أو شِراءٍ لم يَبِعْ ولم يَشْتَرِ من نفسِه ووَلَدِه، ولا يَبيعُ بعَرَضٍ ولا نَسَاء ولا بغيرِ نقْدِ البَلَدِ، وإن باعَ بدونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ أو دونِ ما قَدَّرَه له أو اشترى له بأكثرَ من ثَمَنِ الْمِثْلِ أو مما قَدَّرَه له صَحَّ, وضَمِنَ النقصَ والزيادةَ،
الشيخ: فقير.
طالب: الموكّل.
الشيخ: الموكّل اللي معي، لكن أنا واثق من هذا الرجل، أليس يجوز أن أوكل شخصًا في شراء شيء غائب عني ولو اشتريته أنا وهو غائب عني؟
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز، لكن يجوز إني أوكل، فمعنى هذا إني لو باشتري ذراعًا (... ) مدة، معناه على كلامك ما يجوز؛ لأني ما شفته، لكن يجوز إني أوكل واحدًا يشتريها لي، إذن هذا مستثنى.
رجل ما يشم الرائحة، يبغي يشتري طِيبًا، قطعًا اللي ما يشم يمكن يجيبوا له خبيزة أسود، وجابوا له مثلًا..
طالب: دهن عود.
الشيخ: لا، دهن العود فيه سواد شوي، لكن ماء الورد أبيض، قالوا: هذا خبيزة، هذا دهن عود طَيِّب، وهو أسود مر، وهذا (... ) ويش اللي يشتري؟
طالب: يشتري خبيزة.
الشيخ: نعم، بيشتري خبيزة، هذا الرجل قال: ما أشتري، أبغي أوكل واحدًا بيشم علشان يشتري لي طِيبًا، يجوز ولّا لا؟
طلبة: نعم يجوز.
الشيخ: يجوز، على هذا إذن هذه مستثناة من قوله: (ومن له التصرف في شيء فله التوكيل فيه).
نقول: يُسْتَثْنَى من ذلك ما يُشْتَرَط لعلمه الرؤية، فإن الأعمى يجوز أن يوكِّل فيهم بصيرًا يشتري له، وما يشترط لصحة بيعه الشم فلمن لا يشم أن يوكِّل، وما يُشْتَرَط لصحة بيعه العلم به، هو لا يعلم بهذه الأشياء، لكن وَكَّلَ شخصًا في ذلك فإنه جائز، المهم أن مثل هذه المسائل تجوز؛ لأن هذه من الْحِكَم، (... ).
(وله التوكُّل فيه)، يعني مَن له التصرف في شيء فله أن يتوكَّل فيه، فمن ليس له أن يتصرف في شيء فليس له التوكل، هذه قاعدة عامة ولا يُسْتَثْنَى منها شيء؟
طالب: يُسْتَثْنَى منها.
الشيخ: يُسْتَثْنَى منها شيء؛ من ليس له التصرف في شيء فليس له أن يتوكل فيه، لكن يُسْتَثْنَى من هذا شيء، مثلًا فقير وَكَّلَ غنيًّا في قبض الزكاة له، الغني يجوز يأخذ الزكاة؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، لكن لو وَكَّلَه الفقير في قبض الزكاة له يجوز، إذن هذا جاز أن يتصرف لغيره بالوكالة، ولا يجوز أن يتصرف لنفسه، امرأة يجوز أن تطلِّق نفسها؟
طالب: لا.
الشيخ: وكَّلها زوجها بطلاق نفسها.
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز، لماذا؟ لأن هذا لمعنى يتعلق بالزوج، والزوج قد أذن فيه، بخلاف ما إذا طلقت هي نفسها، فصارت القاعدة هذه يُسْتَثْنَى منها شيء، ثم قال المؤلف (ويصح للتوكيل).
طالب: التوكيل والتوكل ويش معناه؟
الشيخ: التوكيل هو الصادر من الموكِّل، والتوكُّل الصادر من الوكيل، يعني أتوكل أكون وكيلًا لك، أُوَكِّل يعني أقيم غيري مقامي.
يقول المؤلف: (ويصح التوكيل في كل حقِّ آدميٍّ من العقود والفُسُوخ والعتق والطلاق والرجعة وتملُّك المباحات من الصيد والحشيش ونحوه، لا الظِّهار).
حقوق الآدميين تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
قسم يصح التوكيل فيه مطلقًا.
وقسم لا يصح مطلقًا.
وقسم يصح عند العذر.
القسم الذي يصح مطلقًا، يقول: (يصح التوكيل في كل حق آدمي من العقود)، سواء كانت العقود عقود تبرعات، أو معاوضات، أو أنكحة، أو توثيقات، أو غير ذلك، مثال عقود المعاوضات: وكَّلْتك تبيع لي شيئًا أو تشتري، أو لا؟
الدليل؛ أولًا: قلنا إن الأصل في العقود الحل، فلا يطالَبَنَا أحد بالدليل؛ لأن المانع هو الذي عليه الدليل، وعلى هذا فنقول: الدليل هو عدم الدليل، فإذا قال لنا قائل: ما هو الدليل على الحل؟ نقول؟
طالب: الدليل عدم الدليل.
الشيخ: الدليل عدم الدليل، أي: عدم الدليل على المنع؛ لأن الأصل في العقود الحل؛ هذه العقود.
قال: (والفسوخ)، كيف أُوَكِّل في الفسخ، الفسوخ مثل الْخُلع، الْخُلع فسخ للنكاح، مَن الذي يُوَكِّل في الخلع؟ الزوج أو الزوجة؟
طلبة: الزوج.
الشيخ: كيف ذلك؟
طالب: أن يقول الزوج: أنا موكلك على الطلاق بالنسبة (... ).
الشيخ: لا، هذا طلاق.
الطالب: الْخُلع.
الشيخ: الْخُلع غير الطلاق.
الطالب: الْخُلع اللي هي يخلع الطلاق.
الشيخ: يخلع الزوجة يعني؟
الطالب: إي.
الشيخ: لا، يخلعها بأيش.
الطالب: بالطلاق.
(... )
الشيخ: فيذهب الوكيل إلى الزوجة ويقول: إن زوجك قد وَكَّلَنِي في خلعك، فكم تفديني من الدراهم مثلًا؛ لأن الخلع هو فراق الزوجة بعِوَض، قالت: أنا بعطيك مثلًا عشرة آلاف ريال، قال: هاتيها، فيكتب الوكيل: خالعت زوجة موكلي فلان فلانة على عِوَض قدره كذا وكذا.
هنا التوكيل منين؟ من الزوج، ولا بد أن نقول: هذا زوجة موكلي فلان فلانة، يسميها.
يكون أيضًا التوكيل من الزوجة، كيف؟ تقول لإنسان: وكلتك تخالعني من زوجي بعشرة آلاف ريال، فيذهب هذا الوكيل إلى الزوج ويقول: إن زوجتك وكلتني في مخالعتك، فخالعها، فيقول الزوج: خالعت زوجتي فلانة على عِوَض قدره كذا وكذا، سلَّمَني إياه وكيلُها، وإذا لم يكن سلَّمها الوكيل ما فيه مانع، المهم أنه يجوز التوكيل في الخلع من الزوج ومن الزوجة، الإقالة يجوز التوكيل فيها ولّا لا؟
طالب: ويش الإقالة؟
الشيخ: ويش الإقالة؟ الإقالة هي فسخ عقد البيع أو الإجارة أو غيرها، مثاله: اشتريت منك سيارة، ثم إن السيارة ما جزتني، فرجعت إليك وأنت البائع، وقلت: السيارة ما جزتني، ودِّي تقيلني البيع، فقلت: نعم أقيلك، هذه الإقالة، لو وَكَّلْت إنسانًا يقيلني في الإقالة يجوز ولّا لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: سواء من البائع أو من المشتري، هذا فسخ، هذا نسميه فسخًا، ما الفرق بين العقد والفسخ؟
العقد هو إيجاد العقد، والفسخ إزالة العقد، فالعقد إيجاد، والفسخ إزالة، والله أعلم.
(... ).
يقول المؤلف رحمه الله: (العتق)، يعني أن أُوَكِّل فلانًا يعتق عبدي فلانًا، ما فيه مانع، وكَّلْت العبد نفسه في عتق نفسه، يجوز ولّا لا؟
طالب: نعم يجوز.
الشيخ: يجوز كذلك أيضًا الطلاق، يجوز أن أوكِّل شخصًا يطلق زوجتي مثلًا، حتى الزوجة؟
طالب: نعم.
الشيخ: حتى الزوجة يجوز أن أوكلها في طلاق نفسها، مثل أن تقول مثلًا المرأة لزوجها: طلِّقْنِي، أتعبتني وفعلت وفعلت وفعلت، فقلت لها: أنت وكيلة في طلاق نفسك، متى شئت طَلِّقِي نفسك، فيجوز، وماذا تقول عند إيقاع الطلاق؟ تقول: طلقت زوجي فلانًا؟
طلقتُ نفسي من فلان، كذا؟
طالب: من زوجي.
الشيخ: من زوجي فلان.
طالب: أو موكلي.
الشيخ: أو موكلي فلان، لكن لا تقول: طلقت فلانًا، ما يصلح؛ لأن الطلاق إنما يقع من الزوج على زوجته.
والثالث: (والرجعة)، الرجعة يكون رجل قد طلق زوجته طلاقًا فيه رجعة، وسيأتي إن شاء الله تعالى ما هو الطلاق اللي فيه الرجعة، فوكَّل إنسانًا يراجع زوجته، قال لرجل: أنت ذاهب إلى البلد الفلاني الذي فيه زوجتي، فأنت وكيلي في مراجعتها، فيذهب الوكيل إلى الزوجة ويقول: قد راجعتك بالوكالة عن زوجك، تصح ولّا ما تصح؟ تصح، هذه الرجعة.
(وتملُّك المباحات من الصيد والحشيش ونحوه)، وكَّلت إنسانًا في تملُّك المباحات من الصيد، ورأيت صيدًا شارعًا على ماء، يعني قد وقع على الماء يشرب منه، فقلت لشخص: خذ هذه البندقية واذهب اصطده بالوكالة عني، فذهب الرجل وصاد الصيد، يصح ولّا لا؟
في ماء للطيور أو للأسماك، إذا كان في البحر فقلت لشخص جالس على الماء اللي فيه الشبكة، قلت: إذا جاء صيد من طيور أو سمك فأنت وكيلي في إمساكه، فجلس هذا الرجل عند الشبكة، فإذا جاء الصيد أمسكه بالشبكة، أو الحيتان أمسكها بالشبكة، يجوز ولّا لا؟ يجوز؛ لأن هذا فعلٌ مباح اسْتَنَبْتُ فيه غيري، فهو جائز.
كنت أريد أن أحش حشيشًا؛ لأنه قال: (من الصيد والحشيش)، حشيشًا لإبلي، ولكن عندي شغل بعد الظهر، فقلت لشخص: وكَّلتك أن تحش عشاء إبلي، يجوز ولّا لا؟ يجوز، وإذا حش الحشيش يكون لي ولّا له؟ يكون لي؛ للموكِّل، فإذن يجوز التوكيل في تملُّك المباحات؛ الحشيش.
وقول المؤلف: (المباحات) يعني بالمباحات هي التي لم تكن على ملك الغير، يعني اللي تأتي من الله ما هي بعلى ملك الغير، أما مثل الدجاج لفلان، والظباء لفلان، والعلف الذي يسقى لفلان، فهذا هو مباح، لكن لا يسمى عند العلماء مباحات، المباح هو الذي حصل من غير صنع آدمي، مثل الكلأ اللي هو الحشيش، أو الصيد؛ سواء كان الصيد بريًّا أو بحريًّا، عرفتم المباحات ما هي؟
ويش هي المباحات؟ الذي ليس فيها صنع آدمي، إنما هي من الله عز وجل، يقول: (تملُّك المباحات من الصيد والحشيش ونحوه)، مثل إحياء الموات، معلوم إن الأرض الموات اللي ما لها مالك لا يملكها الإنسان إلا بإحيائها، فوكَّلت إنسانًا يحييها عني، يعني يضع عليها جدارًا أو يزرعها، هذا جائز ولّا لا؟ هذا جائز.
قال: (لا الظِّهار واللِّعان والأيمان)، الظِّهار لا يصح فيه التوكيل، مثاله: رجل عنده زوجة سيئة العِشْرة، فقال لشخص آخر: يا فلان، جزاك الله خيرًا، هذه المرأة أتعبتني، وَكَّلْتُك في أن تظاهِر عني منها، الظِّهار أن يقول الرجل لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي، فقال الرجل الوكيل: نعم، ثم ذهب إلى الزوجة فقال لها: أنت على زوجك كظهر أمه، يصلح ولّا ما يصلح؟
طالب: ما يصلح.
الشيخ: هذا لا يصلح؛ لأن الظهار مما يتعلق بنفس الشخص، كاليمين والقسم بين الزوجات، وما أشبه ذلك.
اللعان أن توكِّل شخصًا يلعن شخصًا، تقول: يا فلان، من فضلك روح العن فلانًا عني، يصلح ولّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: ما يصلح؟
طالب: ليس هذا.
الشيخ: ليس هذا المراد، المراد باللعان ما يكون بين الزوج وزوجته، وهي أيمان مؤكَّدة بشهادات سببها قذف الزوج زوجته بالزنا، يعني إذا قال رجل لزوجته -والعياذ بالله-: زنيتِ، هذا قذف بالزنا، يقال له: الآن إما أن تأتي ببينة، أو تُقِرّ المرأة بالزنا، أو نجلدك ثمانين جلدة، أو تلاعِن، يُخَيَّر بين أمور أربعة، يعني لا بد من واحد من أحوال أربعة؛ إما أن يأتي ببينة بأنها زنت، فماذا نصنع؟
أجب على هذا السؤال.
طالب: ماذا نصنع؟
الشيخ: إي.
الطالب: (... ).
الشيخ: لا لا.
الطالب: الملاعنة.
الشيخ: انتهينا من التخيير.
الطالب: هو اختار الملاعنة؟
الشيخ: ما أدري، أجب عن سؤالي.
الطالب: تُرْجَم المرأة.
الشيخ: تُرْجَم المرأة إن كان قد جامعها، وإن كانت بكرًا فإنها تُجْلَد وتُغَرَّب، المهم يقام عليها الحد، نقول: إذا أتى بالبينة وهي التي سألت عنها يقام عليها الحد، إذا أقرَّت.
طالب: إذا أقرَّت يقام عليها الحد.
الشيخ: يقام عليها الحد، صح، إذا لاعن سقط الحد عنه وعنها، إن أبى أن يلاعن جُلِدَ ثمانين جلدة؛ حد القذف، المهم أن هذا الزوج قذف زوجته ولم يأتِ ببينة، ولم تُقِرّ الزوجة، واختار اللعان، اللعان يقول: أشهد بالله أن زوجتي فلانة قد زنت، أربع مرات، ويقول في الخامسة: وأن لَعْنَة الله عليه إن كان من الكاذبين، فقال لرجل من الناس، وكان هذا الزوج في نفسه رفيعًا وشريفًا، قال: ما أنا برايح للقاضي علشان فلانة اللي فيها ما لا فيها، ولكن يا خادم روح لاعن عني، هذه ما هي بكفء إني أنا أحضر عند القاضي من أجلها، روح أنت لاعن عني، الخادم يأبى ولّا يمشي، يمشي، خادم، يجوز ولّا ما يجوز؟
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: لا يجوز، لماذا؟ لأن اللعان يتعلق بالإنسان نفسه، الخادم اللي بيقول: وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين؟ ! ما يقول هذا، والخادم أيضًا ما قذف فلا يجوز أن يوكَّل في اللعان.
المرأة؛ المرأة قالت لأبيها: أنا أستحيي أن أذهب إلى القاضي، وأنت وكيلي يا أبي في الملاعنة عني، يجوز؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، ليش؟ لأن هذا يتعلق بالشخص نفسه، يهودي عليه جزية، أو نصراني عليه جزية، وكان موعد أخذ الجزية من النصارى في يوم الاثنين، تعرفون كيف نأخذ الجزية منهم؟ عن يد وهم صاغرون، فقال اليهودي لخادمه، أو النصراني قال لخادمه: اذهب أَعْطِ المسلمين الجزية، أنا ما يمكن أذهب إليهم، اذهب أنت، فذهب الخادم وأعطى الجزية، يصح التوكيل ولّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ هذا يتعلق بالإنسان نفسه، ولهذا إذا جاء بها لا بد أن يسلِّمها عن يد، يعني من يده أو عن يد، أي عن قوة منا عليه، وهو أيضًا صاغر، لو جاء يعطي الجزية على سيارة كاديلك، والخدم بين يديه، وربما نقول: يضربون الطبول أمامه، يقول الناس: تفرقوا عن سيدنا، تفرقوا عن سيدنا، وعلى رأسه ريشة النعام، حتى جاء ووقف على الوالي أو الجابي للجزية، وقال في أنف شامخ: خذ يا ولد، يجوز ولّا لا؟
طالب: ما يجوز.
الشيخ: لا، ما يجوز طبعًا، ما نُمَكِّنُه من هذا أبدًا، العلماء يقولون: يأتي إلينا ليسلم الجزية، ولا نأخذها على طول، خليه يبقى واقفًا، حتى نعلم أنه تعب من الوقوف، نطوّل وقوفه حتى لو ما عندنا شغل، ثم إذا أخذناها منه ما نأخذها بسهولة، نأخذها ونجر إيده حتى ربما تملكَنْ إيده من كتفه، لماذا؟ يقولون: هذا معنى عن يد.
لا بد يكون عندنا قوة، ونريه أننا أعزة، لكن لا وَكْس ولا شطط، لا نقول بالأول اللي جاء يزمر علينا بسياراته وخدمه وفخمه، ولا نقول بالثاني، المهم أن يأتي بها ذليلًا ويسلمها إلينا، هذا المهم، ونسأل الله تعالى أن يعيد للمسلمين هذا المجد الذي فقدوه بفقدهم كثيرًا من دينهم.
إذن نقول: الجزية لا يجوز فيها التوكيل؛ لأنها تتعلق بمن؟ بنفس الشخص.
(والأيمان) أيضا ما فيها توكيل، ويش معنى الأيمان؟
الأيمان اليمين، سواء كانت في خصومة أو في غير خصومة، اليمين لا بد من نفس الحالف، فلو ادعى رجل عند القاضي على شخص بمئة درهم، قال القاضي للمدَّعِي: ألك بينة؟ قال: لا، ماذا يقول للخصم؟ يقول: عليك اليمين، إذا رضي الخصم بيمينه يحلف، قال: علي اليمين؟ قال: عليك اليمين.
قال: فأنا وكلت فلانًا يحلف عني، يصلح؟
طلبة: ما يصلح.
الشيخ: ليش؟
طلبة: لأنها ما تتعلق به.
الشيخ: لأن هذا يتعلق بشخص الإنسان؛ لأن اللي بيحنث أو يَبَرّ باليمين هو الحالف الذي تتعلق به بشخصه، فلا يجوز أن يوكّل في الأيمان.
القاعدة في هذا: كل شيء يتعلق بشخص الإنسان أو بنفس الإنسان شخصيًّا فإنه لا يجوز أن يوكّل فيه، رجل عنده زوجتان، وكانت الليلة لفلانة، فقال لأخيها: أنا عندي شغل، واذهب الليلة لها بدلًا عني، طبعًا في غير الفراش؛ لأن القسم ما هو لازم الفراش، القسم المهم أن يبقى عندها، فقال: اذهب لأختك بدلًا عني، يجوز ولّا لا؟
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: لا يجوز، نعم لو قال مثلًا: أنا عندي شغل واذهب لأختك لإزالة الوحشة عنها فقط، لا باعتبار أنه عن القسم، فإن هذا لا بأس به، وأنا الآن ما وكلته عني، ولكنني طلبت منه أن يتفضل بأن يذهب إلى أخته ليؤنسها فقط، إي نعم.
قال: (وفي كل حق لله تَدْخُلُه النيابةُ من العبادات).
(كل حق لله) قيَّدَه المؤلف بقوله: (تَدْخُلُه النيابةُ)، أما في الأول فقال: (في كل حقِّ آدميٍّ)، وقسم المؤلف حق الآدمي إلى قسمين: قسم تدخله النيابة، وقسم لا تدخله، فما يتعلق بشخص الإنسان لا نيابة فيه، ولا وكالة فيه، وما لا ففيه الوكالة.
حق الله أيضا ينقسم لا إلى قسمين، بل إلى ثلاثة أقسام:
قسم تدخله النيابة مطلقًا.
وقسم لا تدخله مطلقًا.
وقسم تدخله بتفصيل، ولننظر، قال:
(وفي كل حق لله تدخله النيابة من العبادات)، فالضابط أن كل العبادات المالية تدخلها النيابة، كتفريق زكاة، وصدقة، وكفارة، هذه كلها تدخلها النيابة، العبادات المالية تدخلها النيابة؛ تفريق زكاة؛ وكَّلت إنسانًا أن يفرِّق الزكاة، جائز ولّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: جائز أن أوكِّله لتفريق الزكاة؛ لقبض الزكاة، فقير وكَّل شخصًا يقبض الزكاة له؟
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز، كفارة، إنسان عليه كفارة يمين؛ إطعام عشرة مساكين، نقول: يجوز أن توكِّل مَن يطعم عشرة مساكين.
القاعدة إذن أو الضابط: جميع الحقوق المالية تدخلها النيابة، يعني جميع العبادات المالية تلحقها النيابة،
العبادات البدنية لا تصح فيها الوكالة، مثل الصلاة والصيام والوضوء والتيمم، وما أشبهها، هذه عبادة بدنية تتعلق ببدن الإنسان فلا يمكن أن تدخلها النيابة.
أقول: كل عبادة بدنية لا تدخلها النيابة، مثل: الصلاة، الطهارة، والصوم؛ لأن هذه تتعلق بنفس الفاعل، عبادة تكليفية يكلَّف بها الفاعل نفسه، فلا تصح أن يقوم بها غيره، لو قلت لشخص مثلًا: اذهب فَصَلِّ عني، هذا لا يُقْبَل ولا يصح، تَطَهَّر عني وأنا أصلي، لا يصح؛ لأن هذه عبادة بدنية، والعبادة البدنية لا يصح فيها التوكيل.
لو وكَّلت شخصًا يستفتي عني، هذا لا بأس به؛ لأن هذا نقل علم، وهو يقصد به الإخبار فقط، ولذلك كان الصحابة رضي الله عنهم يوكِّل بعضهم بعضًا في استفتاء النبي صلى الله عليه وسلم.
(1)
فإن قلت: يرد على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» (2)، فإن هذا يدل على أن العبادة البدنية تكون فيها نيابة؟
فالجواب: إن هذا ليس عن طريق التوكيل، ولكن هذا تشريع من النبي عليه الصلاة والسلام، فهو في الحقيقة أصيل وليس بوكيل، ولهذا يصوم الإنسان عن ميته، سواء أوصى به أم لم يُوصِ به، فالمسألة هنا ليست من باب الوكالة، لكنها من باب القيام مقام الشخص بأمر من الشرع.
القسم الثالث من العبادات هو الذي يصح فيه التوكيل على التفصيل، وهو العبادة المركَّبة من البدن والمال، مثل الحج، الحج يجوز فيه التوكيل في الفرض للذي لا يستطيع أن يحج، يعني معناه أنه عاجز عن الحج عجزًا مستمرًّا، هذا يجوز أن يوكِّل في فرض الحج، فإن كان غير عاجز فإنه لا يجوز أن يوكِّل، ولولا أن الحديث ورد بذلك ما أجزناه حتى في العاجز، الحديث الوارد في هذا، في جواز توكل الإنسان في الحج عن العاجز.
طالب: (... ) المرأة الَّتِي استفتت النبي صلى الله عليه وسلم على أن والدها لا يستطيع أن يركب الراحلة (... ) صلى الله عليه وسلم.
(3)
الشيخ: إي نعم، فصارت الحقوق كلها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم تجوز فيه الوكالة مطلقًا، وضابطه في العبادات المالية.
وقسم لا يجوز مطلقًا، وضابطه في العبادات البدنية.
وقسم يجوز على تفصيل في ذلك، وهو العبادة المركَّبة كالحج، على أن الحج مَرَّ علينا أن القول الراجح أنه من العبادات البدنية، أما الذي يكون عبادة بدنية ومالية فهو الجهاد، فإن الله تعالى أمر بالجهاد بالمال وبالنفس، أما الحج فإنه عبادة بدنية في الواقع، والمال ليس شرطًا به ولا ركنًا، بدليل أنه يمكن للإنسان أن يحج على قدميه، سواء من مكة أو من بلده، فإن من الناس من يحج على قدميه من بلده حتى يرجع إليهم.
(... ).
ويصح التوكيل في الحدود، الحدود سبق لنا قريبًا تعريفها، وقلنا: إنها جمع حد، وهو في اللغة: المنع، وفي الاصطلاح: عقوبة مقدَّرة شرعًا في معصية لتمنع من الوقوع في مثلها، وتكفِّر ذنب صاحبها، كحد الزنا مثلًا، فيصح أن توكِّل شخصًا في حضورك في إثباتها واستيفائها؛ في إثباتها بأن يقول الحاكم لشخص: اذهب إلى فلان ليُقِرَّ بما يقتضي الحد، هذا في إثباتها، واستيفاؤها يكون المذنب قد اعترف وثبت الحد، فيوكِّل مَن يقيم هذا الحد، نقول: هذا لا بأس به.
الدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم لأنيس -رجل من الأنصار-: «اذْهَبْ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» (4)، هذا فيه توكيل في إثبات الحدود وفي استيفائها؛ «فَإِنِ اعْتَرَفَتْ» هذا إثبات، «فَارْجُمْهَا» هذا استيفاء، إذن يجوز أن يُوَكَّل في الحدود لإثباتها واستيفائها.
في القصاص؛ لو أن أهل الميت الذين وجب لهم القصاص وَكَّلُوا شخصًا يقتص منه، يجوز ولّا لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأن أولياء المقتول هم الذين يباشرون قتل القاتل، ما هو الحاكم، الحاكم والسلطان يباشر قتل القاتل في الحدود، لكن في الحقوق الذي يباشر هو صاحب الحق، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: 33]، ﴿فَلَا يُسْرِفْ﴾ الضمير يعود على مَن؟
طالب: الولي.
الشيخ: الولي، إذن هو اللي بيقتل، ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: 33].
هل يجوز الاستيفاء؛ استيفاء الحدود في غيبة الموكِّل؟ قلنا: لا بد من حضور الموكِّل، يجوز في غيبة الموكل؛ لأن الوكيل يقوم مقام موكله، وهو ظاهر الحديث الذي أشرنا إليه آنفًا، حيث قال: «إِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» (4)، ولم يقل: فأت بها، أو فَآذِنِّي حتى أحضر، فدل ذلك على جواز الاستيفاء بحضرة الموكِّل وغيبته.
ثم قال: (وليس للوكيل أن يوكِّل فيما وُكِّلَ فيه إلا أن يجعل إليه)، الوكيل هو مَن أَذِنَ له في التصرف، إذا كان تصرف الوكيل معتمدًا على الإذن وموقوفًا عليها فإنه لا يجوز أن يتصرف الوكيل في أمر لم يؤذَن له فيه، وعلى هذا فليس له أن يُوَكِّل فيما وُكِّل فيه إلا أن يُجْعَل إليه.
مثال ذلك: وَكَّلْتُكَ أن تبيع لي هذا الكتاب، ليس لك الحق في أن تأخذ مني الكتاب وتُوَكِّل شخصًا آخر، إلا إذا جعل ذلك إليه، ويش معنى جعل إليه؟ بأن قال له: ولك أن تُوَكِّل مَن شئت.
فإذا قال: ولك أن تُوَكِّل، جاز أن يُوَكِّل، لماذا لا يجوز؟ لأن تصرف الوكيل موقوف على أيش؟
طالب: إذن الموكِّل.
الشيخ: على الإذن، فوجب أن يتقيَّد فيما أذن له فيه وألَّا يتعداه، وأنا عندما قلت: خذ بِعْ هذا (... ) يستثنى من ذلك، إذا كان الشيء كثيرًا يعجزك، إذا كان شيء كثير يُعْجِز الوكيل فله أن يستعين بغيره يقوم فيه.
مثل: لو وَكَّلَه في بيع هذه الأموال، وقال: لا تغب الشمس إلا وقد بعتها، وهذه الأموال لا يتمكن من بيعها بنفسه في يوم واحد، فهنا يجوز أن يوكِّل غيره ولّا لا؟ نعم يجوز؛ لأن كون الموكِّل يقول: بِعْ هذا قبل أن تغيب الشمس، وهي أموال كثيرة يعرف أنني لا أستطيع أن أقوم ببيعها وحدي، معناه أنه قد أذن لي في أن أُوَكِّل غيري، فيكون هنا الإذن معلومًا من قرينة الحال، هذا في المسألة الثانية تُسْتَثْنَى.
الثالثة: إذا كان مثله لا يتولاها، إذا كان مثل الوكيل لا يتولى هذا العمل فله أن يوكِّل.
مثال ذلك: قلت لشخص: يا فلان، وَكَّلْتُك تنظف المجاري، مجاري بيتي، وكان هذا الوكيل وزيرًا، المراد أن هذا الوكيل يأخذ المكنسة وينظف المجاري؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟
طالب: ما يتولاها.
الشيخ: لا يتولاها مثله، مثل هذا العمل اللي وكلته فيه ما يمكن يتولاه، إذن وَكَالَتِي تتضمن أن يأمر مَن ينظف هذه المجاري، فإذا كان مثله لا يتولاه فإنه بالضرورة سوف يقيم غيره مقامه، فصار الوكيل لا يُوَكِّل غيره إلا في ثلاث مسائل؛ الأولى: أن تُجْعَل إليه، والثاني؟
طالب: الضرورة.
الشيخ: أن يعجز عنه، وهذا ضرورة، والثالث: أن يكون مثله لا يتولى هذا العمل، ففي هذه الأحوال الثلاث يجوز للوكيل أن يوكِّل فيما وُكِّلَ فيه.
يقول: (إلا أن يجعل إليه، والوكالة عقد جائز) إلى آخره، اعلم أن الجائز يراد به الحكم التكليفي، ويراد به الحكم الوضعي، يعني الأحكام الشرعية قسمان: تكليفية ووضعية، الجائز الذي يراد به الحكم التكليفي يقابله الحرام، وهي الأحكام الخمسة التي تعرفونها: واجب، وحرام، ومكروه، ومستحب، وجائز، مباح.
الجائز باعتبار الحكم التكليفي هو الذي ليس بحرام، وأما الجائز باعتبار الحكم الوضعي فهو الذي ليس بلازم؛ لأن العقود باعتبار الأحكام الوضعية ثلاثة أقسام: جائز من الطرفين، ولازم من الطرفين، وجائز من طرف لازم من طرف.
مثلًا البيع هل هو جائز ولّا لا يجوز؟
طالب: لا يجوز.
طلبة آخرون: جائز.
الشيخ: جائز؟
طالب: لازم من الطرفين.
الشيخ: إن قلت: جائز، فهو خطأ، وإن قلت: لازم، فهو خطأ.
طالب: تفصيل.
الشيخ: وإن قلت: فيه تفصيل فهو خطأ، نقول: جائز باعتبار الحكم التكليفي، يعني ليس بحرام، ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275] لازم باعتبار الحكم؟
طلبة: الوضعي.
الشيخ: الوضعي، فلو سألت أي واحد: ما تقول في البيع، أجائز هو أم لا؟
إن قلت: جائز؛ أخطأت، لازم؛ أخطأت، جائز باعتبار ولازم باعتبار، هذا صح، لكن أنا أقول: عندما تسأل أي إنسان عن البيع هل هو جائز أم لا، سوف يتبادر إلى ذهنه أنه الحكم؟
طالب: التكليفي.
الشيخ: التكليفي، صفة شرعية، لكن هذا تكليفي، وهذا وضعي، قلت: إن الوكالة عقد جائز باعتبار الحكم التكليفي أو الوضعي؟
طلبة: التكليفي.
الشيخ: لا يا أخي، الوضعي.
طالب: ويش الفرق بين الوضعي؟
الشيخ: لأن التكليفي سبق في أوله تصح بكل قول.
طالب: (... ) الفرق بين التكليفي والوضعي؟
الشيخ: التكليفي هو الذي يترتب عليه الثواب والعقاب، والوضعي وصف للعقد نفسه هل هو من العقود اللازمة أو الجائزة أو ما أشبه ذلك، الشروط مثلًا والموانع والأسباب كلها؟
طالب: أحكام وضعية.
الشيخ: أحكام وضعية، فالأحكام التكليفية هي التي يُثَاب عليها الإنسان أو لا يثاب، يعاقَب أو لا يعاقَب، فهي تعود إلى نفس العامل، أما هذه فتعود إلى نفس العقد، فالوكالة مثلًا باعتبار كون الإنسان مُثَابًا عليها أو غير مثاب.
طالب: حكم تكليفي.
الشيخ: حكم تكليفي، جائزة بهذا الاعتبار، فتكون الأحكام تكليفية باعتبار هل هي عقد لازم أو عقد جائز؟
طالب: جائز، حكم وضعي.
الشيخ: هذه باعتبار الحكم الوضعي، أقول: العقود باعتبار الحكم الوضعي تنقسم إلى ثلاثة أقسام من حيث الجواز وعدمه: جائز من الطرفين، ولازم من الطرفين، ولازم من أحدهما جائز من الآخر، فاللازم ما لا يمكن فسخه إلا برضا الآخر، ما هذا؟
(... ).
فقد وجب البيع (... ) الرهن لازم من أحد الطرفين، في حق مَن لازم؟
طالب: الراهن.
الشيخ: في حق الراهن، جائز في حق المرتهن، الضمان؟
الطالب: كذلك.
الشيخ: الكذلكة في مقام الإجابة لا تنفع، كذلك يعني؟
الطالب: الضامن.
الشيخ: إي، باعتبار الضامن، لازمة باعتبار المضمون له، باعتبار الضامن لازمة؛ ما ينفع يتخلص الضامن، باعتبار المضمون له جائز؛ لو شاء المضمون له لقال للضامن: أبرأتك من الضمان.
الوكالة عقد جائز من الطرفين، فيجوز للوكيل أن يفسخ الوكالة، فيذهب إلى الموكِّل ويقول: والله أنا توكلت، يعني: على هذا العقد، لكن فسخت، ما أبغي تتوكل، يجوز ولّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: يجوز، ويجوز أيضًا للموكِّل يفسخ الوكالة، فيذهب للوكيل ويقول: والله أنا وكَّلْتُك بالأمس، ولكن الآن فسخت الوكالة، ولهذا قال المؤلف: الوكالة عقد جائز، يعني من الطرفين، التعليل، لماذا؟ لماذا كانت عقدًا جائزًا؟ نقول: لأنها من جهة الموكل إذْن، ومن جهة الوكيل بذْل نفس، وكلاهما جائز، ما فيه معارضة.
وبناء على ذلك إذا كانت الوكالة بعِوَض فهل تكون عقدًا لازمًا لأنها إجارة، أو يُنْظَر إلى أصلها؛ لأنها وكالة؟ مرت علينا هذه في القواعد قبل أيام قليلة.
إذا تضمن الفسخ ضررًا على أحد الطرفين فإن العلماء يقولون: إن العقود الجائزة تنقلب لازمة درءًا للضرر.
(... )
الأول قال: (تبطل بفسخ أحدهما)، إذا فسخ أحدهما الوكالة فإنها تبطل، سواء كان الموكِّل أو الوكيل، فإذا وكلتك أن تبيع سيارتي مثلًا ثم بعد يوم أو يومين فسخت الوكالة، قلت: إني فسخت وكالتك، يجوز ولّا لا؟
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز، وكذلك لو أن الوكيل رجع إلى الموكِّل في المثال اللي ذكرنا وقال: أنا والله توكَّلْت في بيع سيارتك، ولكني هوَّنْت، فسخت الوكالة، يجوز ولّا لا؟ يجوز، وظاهر كلام المؤلف أن الفسخ جائز، سواء تضمن ضررًا على الآخر أم لا.
ولكن هناك قول آخر: إنه إذا تضمن ضررًا فإما أن نقول بعدم الجواز، ونلزمه بإتمام العمل، وإما أن نقول بالجواز مع ضمان الضرر، وهذا القول هو الصحيح؛ لأنا قلنا قبل: الوكالة عقد جائز، افسخها، لكن إذا تضمن ضررا فعليك ضمان هذا الضرر.
مثال ذلك: وَكَّلتُ شخصًا في أن يبيع سيارتي في الموسم، فقال: نعم أبيعها لك، ثم إنه بعد ذلك فسخ الوكالة، وجاء إليّ وقال لي: فسخت الوكالة، معناه: إنه فوَّت عليّ، ويش فَوَّت؟
طلبة: الموسم.