الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 4125-4164

الطالب: بأنهم لا يُسَمُّون، وأنها تُقْتَل، وأتى باليقين وأتى بالبراهين.
الشيخ: إي، ما يخالف إذا شهد على هذه بعينها فإنها لا تحل.
الطالب: مثلًا، لو ذهب إلى هذه الشركة المعينة للدجاج؛ قال: هذه الشركة أنا ذهبت إليها ورأيت أنهم يصعقونها، تُدْخَل في ماء ويُدْخَل الكهرباء في الماء ويموت، فهل نحن ملزمون به ولَّا نقول: نحن الأصل الحل؟ الشيخ: لا، هذا عبث، ثبت عندنا أنها بطريقة محرمة، لكن لسنا مُلْزَمين بأن نسأل، والسؤال في هذا من باب التنطع والتشديد على الناس، لكن إذا علمنا أن هذه الدجاجة أو هذه الشاة بعينها لم تُذْبَح ذبحًا شرعيًّا فهي حرام ما فيها شك.
طالب: شيخ، قلنا: إن الذبح الأكبر هو قطع الأربعة، وقلنا: إن القول الذي يقول بأن قطع الودجين هو الأسهل في الدليل، ولكن إذا قطع ودجًا واحدًا من الودجين يسقط عليه (... )، فهل نقول بصحة ذبحه؟ الشيخ: هذه (... ) يرى بعض العلماء إذا قطع ودجًا واحدًا مع الحلقوم والمريء حلت، لكن قول رسول الله: «تُفْرَى الْأَوْدَاجُ» (2) يدل على وجوب فريها كلها، ثم إنه أيضًا إذا قطع أحد الودجين ما يحصل إنهار الدم الكامل فيما إذا قطع الودج الثاني.
الطالب: السؤال عن الحل يا شيخ؛ لو قطع ودجًا واحدًا؟ الشيخ: ما تحل.
الطالب: ما تحل؟ الشيخ: ما تحل.
الطالب: حديث أبي داود (... ). الشيخ: إي ما يخالف، لكن ما أنهر الدم، نقول: لا يمكن إنهار الدم على وجه الكمال إلا بهذا.
طالب: هناك بعض النصارى يهدون إلى الناس من اللحم، وهم يُسَمُّون باسم المسيح والشيء الثاني أنهم لا (... )، وإنا نعلم هذا، نأكله أو لا؟ الشيخ: لا، لا تأكل إذا علمت أنه لم يذكر اسم الله عليها لا تأكل سواء ذكروا اسم المسيح أو ذكروا اسم المسيح مع اسم الله أو لم يذكروا شيئًا.
الطالب: طيب، إن هم ذبحوا وهم نصارى، وذبحوا بسم الله، وقالوا: بسم الله.

الشيخ: لكن شوف، لاحظ إنه لا بد تشهد أن هذه الذبيحة بعينها سموا عليها اسم المسيح أو لم يسموا الله عليها.
الطالب: يسموا اسم المسيح أقول.
الشيخ: تشهد أن الشاة هذه ما.. الطالب: إي نعم.
الشيخ: لا تأكل، حرام عليك.
الطالب: وإذا سموا للمسلمين يقولون: إذا ذبحنا للمسلم نقول: بسم الله.
الشيخ: تحل.
الطالب: بارك الله فيك، أما تكون هذه شبهة؟ الشيخ: وهي؟ طالب: يعني: أتى بعض الناس كما قال الأخ -جزاه الله خير- أن هناك تصعق بالكهرباء، والبعض يقول: لا يُذْكر اسم الله عليها وأتوا وهم شهود عيان، رأوا هذا الأمر، أصبح لنا يلتبس الأمر؛ يعني أصبح فيه شبهة والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ فَقَدْ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ» (3). فما رأيكم؟ الشيخ: الذين كانوا حديثي عهدٍ بالكفر وأتوا لنا بلحم ذبحوه، هل فيه شبهة؟ الطالب: كانوا حديثي عهد بالكفر، وأسلموا؟ الشيخ: أسلموا.
الطالب: نعم.
الشيخ: إي لكن.. الطالب: هؤلاء غير مسلمين.
الشيخ: أنا فاهم.
الطالب: نعم.
الشيخ: لكن هؤلاء كالمسلمين في حل الذبيحة، كلهم تحل ذبيحته، ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يكلف نفسه بالسؤال، سَمِّ الله وكُل.
الطالب: يعني: آكل يا شيخ كل.. ؟ الشيخ: أبدًا، كل.
الطالب: كل اللحوم اللي في السوق.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: حتى المعلبة.
الشيخ: حتى المعلبات؛ لأنهم لا يأتون بالشيء إلا وهم عارفون أن الأمة الإسلامية ما تأكل إلا ما ذبح، وحتى نذكر أن وكلاء وزارة التجارة حضروا إلى مجلس هيئة كبار العلماء وناقشهم المجلس وقالوا: أبدًا ما يمكن، وفيه مراقبين لنا، ما يمكن يأتي شيء إلا مذبوح على الطريقة الإسلامية.
طالب: شيخ -جزاك الله خيرًا- إحنا (... ) لو إنسان سمى فذبح بهيمة، ولم يقطع الودجين ثم أتى آخر وأكمل الذبح؟ الشيخ: ما تحل.
الطالب: ولكننا نبتدأ الذبح.

الشيخ: إي، لكن الثاني ما سمى.
الطالب: هو كان (... ) يا شيخ.
الشيخ: ما سمى.
الطالب: يعني المعتبر بالذبح قطع.. الشيخ: المعتبر قطع الودجين بالتسمية من الفاعل.
الطالب: ولو سمى.
الشيخ: ما يصح من اللي سمى الثاني؟ الطالب: إي.
الشيخ: الثاني لو سمى وأدرك الحياة يجزي.
الطالب: حتى لو لم يسمِّ الأول.
الشيخ: إي نعم، كل ما أصابه سبب الموت خليها عندك قاعدة كل ما أصابه سبب الموت وأدركته حيًّا فإنه يجوز (... )؛ لقوله ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3].


الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المصنف رحمه الله تعالى: ويقول: باسم الله والله أكبر، اللهم هذا منك ولك، ويتولاها صاحبها أو يوكَِّل مسلمًا ويشهدها، ووقت الذبح بعد صلاة العيد، أو قدْره إلى يومين بعده ويكره في ليلتيهما، فإن فات قضى واجبه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
رجل ذبح ناقته ذبحًا ولم ينحرها نحرًا، فما الحكم؟ طالب: جائز، إذا تعسر عليه النحر.
الشيخ: لا لم يتعسر عليه، سهل.
الطالب: لكن إذا حصل المقصود من الذبح أو النحر جاز.
الشيخ: سؤال رجل ذبح بعيره ذبحًا ولم ينحرها نحرًا، فما الجواب هل تحل أو لا؟ الطالب: الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ».
الشيخ: سؤال؛ هل تجزئ أو لا؟ قبل أن تستدل.
الطالب: تجزئ.
الشيخ: تجزئ؟ الطالب: نعم.
الشيخ: تمام، ما الدليل؟ الطالب: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا».
الشيخ: أحسنت، تمام، رجل نحر شاةً؟ طالب: جائزة.
الشيخ: تحل؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: الدليل.
الطالب: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا».

الشيخ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا» تمام.
حكم التسمية على الذبيحة والنحيرة؟ طالب: واجبة ولا تسقط بالنسيان.
الشيخ: واجبة ولَّا شرط؟ الطالب: شرط لأيش؟ الشيخ: شرط للحل.
الطالب: شرط للحل.
الشيخ: ما الدليل؟ الطالب: الدليل ما قال الرسول صلى الله عليه وسلم؛ أن «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُلُوا».
الشيخ: تمام.
طالب: وإذا لم يذكر (... ). الشيخ: الدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا» فدل على أن ما لم ينهر الدم أو ما لم يذكر اسم الله عليه لا يؤكل، فإذا كان لو قتل خنقًا لا يحل ولو جهلًا أو نسيانًا، فكذلك متروك التسمية، طيب ومن القرآن؟ طالب: قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121]. الشيخ: نعم، قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، وقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: 118] هل التكبير سُنَّة على الذبح والنحر؟ طالب: نعم.
الشيخ: الدليل؟ الطالب: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: 185]. الشيخ: هذه في عيد الفطر، ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ في عيد الفطر، الطالب: ورد الحديث عند البزار رضي الله عنه.
الشيخ: حديث أنس.
الطالب: قال في حديث عند البزار، أخرجه البزار (... ) الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ذبح الذبيحة قال: بسم الله، ثم كبر، قال: الله أكبر.
الشيخ: إي، حديث أنس في الصحيحين: أنه «سَمَّى وَكَبَّرَ» (4)، طيب التكبير واجب أو سنة؟ الطالب: التكبير سنة.
الشيخ: ما هو الدليل؟ طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا».

الشيخ: قوله: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا» ولم يقل: وكبر الله عليه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويقول) أيضًا: (اللهم هذا منك ولك).
قال: (ويقول): (اللهم هذا منك ولك) (هذا) المشار إليه المذبوح أو المنحور، (منك) عطاءً ورزقًا، (ولك) تعبدًا وشرعًا؛ فهو من الله، هو الذي منَّ به، وهو الذي أمرنا أن نتعبد له بنحره أو ذبحه فيكون الفضل لله تعالى قدرًا والفضل لله تعالى شرعًا، إذ لولا أن الله تعالى شرع لنا أن نتقرب إليه بذبح هذا الحيوان أو نحره لكان ذبحه أو نحره بدعة.
ولهذا نقول: إن الله أنعم علينا بنعمتين: نعمة قدرية ونعمة شرعية؛ أما القدرية فكونه يَسَّرَه لنا وذلله لنا حتى إن الرجل يقود هذه البعيرة الكبيرة ليذبحها لينحرها وتنقاد له، قال الله تعالى: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس: 72] ولك إخلاصًا وتعبدًا فيكون الإنسان في هذا الحال متذكرًا لنعمة الله تعالى متقربًا إليه بالتعبد له.
وفي هذه الحال ينبغي أيضًا أن يقول: اللهم تقبل مني، اللهم هذا عني وعن أهل بيتي، وتكون تسمية المضحي له عند الذبح.
وأما ما يفعله بعض العامة عندنا يسميها في ليلة العيد ويمسح ظهرها من ناصيتها إلى ذنبها وربما يكرر ذلك؛ هذا عني، هذا عني، هذا عني، هذا عن أهل بيتي، هذا عن أمي، هذا عن أبي، وما أشبه ذلك، فهذا من البدع؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنما كان يسمي من هي له عند الذبح.
قال: (ويتولاها صاحبها أو يوكل مسلمًا ويشهدها)

(يتولاها صاحبها) الضمير في (ها) يعود على الأضحية؛ يعني: أن الأفضل أن يتولاها صاحبها، والمهم من ذلك هو نحرها أو ذبحها، أما بقية العمل -عملية الذبح- فهذه ليست مهمة، فإذا ذبحها وأعطى آخر ليكمل سلخها وتوزيعها فقد حصل على السنة، ولكن المهم أن يذبحها أو ينحرها بنفسه وهذا مشروط بما إذا كان قادرًا، أما إذا كان عاجزًا أو جاهلًا لما يجب في الذبح فلا ينبغي أن يخاطر ويذبح بل يُوَكِّل غيره؛ ولهذا قال: (أو يوكل مسلمًا ويشهدها).
(يوكل مسلمًا) يذبح هذه الأضحية، (ويشهدها) أي: صاحبها فيكون حاضرًا عنده، ومن الذي يسمي صاحبها أو الذابح؟ الطلبة: الذابح.
الشيخ: الذابح؛ لأنه فعله فهو يسمي على فعله.
وقول المؤلف: (أو يوكل مسلمًا) عُلِمَ منه أنه لا يصح أن يوكل كتابيًّا مع أن ذبح الكتابي حلال، لكن لما كان ذبح هذه الذبيحة أو نحر هذه النحيرة لما كان عبادة لم يصح أن يوكل فيه كتابيًّا؛ وذلك لأن الكتابي ليس من أهل العبادة والقربة لأنه كافر ولا تقبل عبادتهم، أما لو وَكَّل كتابيًّا يذبح له ذبيحة أو ينحر له نحيرة للأكل فإن ذلك لا بأس به، لكن للتضحية أو الهدي لا يجوز وذلك لأنه ليس أيش؟ طالب: من أهل العبادة.
الشيخ: ليس من أهل القُرْبَة، فإذا كان لا يصح ذلك منه لنفسه فلا يصح منه لغيره، ولهذا اشترط المؤلف أن يوكل مسلمًا.
(ويشهدها)، ثم قال المؤلف: (ووقت الذبح بعد صلاة العيد أو قدره إلى يومين بعده) (وقت الذبح) يعني الوقت الجائز فيه الذبح يوم العيد بعد الصلاة بعد صلاة العيد، (أو قدره) أي: قدر زمن الصلاة لمن ليس عندهم صلاة عيد، إلى آخر يومين بعده، فتكون أيام الذبح ثلاثة فقط؛ يوم العيد ويومان بعده.
وليس في المسألة دليل على أن الذبح يكون في يومين بعد العيد، لكن إما أن نقول: إن الذبح يوم العيد فقط أو أيام التشريق كلها.

أما وجه الأول الذي يقول: لا نحر إلا يوم العيد فلأن الذي يسمى من هذه الأيام يوم النحر هو يوم العيد فيختص النحر به، وقد قال بذلك بعض أهل العلم أن يوم الذبح هو يوم العيد فقط.
وأما من قال: إنها أيام التشريق بالإضافة إلى يوم العيد فتكون أيام الذبح أربعة فله دليل سنذكره بعد إن شاء الله تعالى.
وأما تخصيصه بيومين فلا أعلم في ذلك أصلًا من السنة، لكنه ورد عن الصحابة رضي الله عنهم تخصيصه بيومين بعد العيد.
نرجع الآن إلى قوله: (ووقت الذبح بعد صلاة العيد) وعُلِمَ من كلامه رحمه الله أنه لو ذبح قبل الصلاة فإن ذلك لا يجزئ لأنه قبل الوقت، فكما أنه لو صلى الظهر قبل زوال الشمس لم تجزئه عن صلاة الظهر، كذلك لو ضحى قبل الصلاة فإنه لا يجزئه لأنه قبل الوقت، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الحديث العام الذي يعتبر قاعدة عظيمة في الشريعة «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (5)، وثبت في هذه المسألة بخصوصها أن «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لِأَهْلِهِ وَلَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ» (6)، ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلنه في خطبة صلاة عيد الأضحى.

وقد أورد عليه أبو بردة بن نيار رضي الله عنه أورد عليه قصة وقعت له، وهو أنه أحب أن يكون بيته يأكل اللحم قبل أن يصلي في أول النهار فذبح أضحيته قبل أن يصلي، فسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك فقال له: «شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍِ» (7) مع أن الرجل جاهل، لكن الأوامر لا يعذر فيها بالجهل بخلاف النواهي؛ فالنواهي إذا فعلها الإنسان جاهلًا عذر بجهله، أما الأوامر فلا، ولهذا لم يعذره النبي صلى الله عليه وسلم، بل قال: «شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ»، وقال: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى» (8) فقال أبو بردة: إن عندي عناقًا هي أحب إلي من شاتين - والعناق الصغيرة من المعز - لها نحو أربعة أشهر، يعني فهل أذبحها وتجزئ عني؟ قال: «نَعَمْ، وَلَنْ تُجْزِئ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» (9) مع أن هذه العناق لا تجزئ في الأضحية، ما الذي فات منها؟ الطلبة: السن.
الشيخ: السن المعتبر شرعًا، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أذن له، وقال: «إِنَّهَا لَا تُجْزِئ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ»، فهذا هو الدليل على أنه لا بد أن يكون الذبح بعد صلاة العيد، فإذا كان في مكان ليس فيه صلاة عيد فليعتبر ذلك بمقدار صلاة العيد ولا يعتبر ما حوله.
يعني: لو فرض أنه في بادية قريبًا من عنيزة مثلًا، فهل نقول: المعتبر صلاة عنيزة؟ لا، المعتبر قدر الصلاة؛ لأنه في مكان لا يُصَلَّى فيه العيد فيعتبر قدر الصلاة.
فإذا كانت صلاة العيد تحل بعد ارتفاع الشمس قِيد رمح، وعيد الأضحى يُسَنُّ فيها التبكير في الصلاة فليقدر بعد ارتفاع الشمس قدر رمح نحو ربع ساعة لأن ربع ساعة تتم فيها الصلاة، وإذا كان ارتفاع الشمس قدر رمح مقداره ثلث ساعة أو ربع ساعة فيكون ابتداء الذبح بعد طلوع الشمس بنحو نصف ساعة أو خمس وثلاثين دقيقة.
يقول: (إلى يومين بعده) يعني: إلى آخر يومين، ودليل ذلك ما روي عن بعض الصحابة رضي الله عنهم أنهم حددوا الوقت بذلك.

وقال بعض أهل العلم: إن وقت الذبح يوم العيد فقط؛ لأنه اليوم الذي يُسَمَّى يوم النحر، وقال بعض العلماء: بل أيام التشريق الثلاثة تبعًا ليوم العيد، وقال آخرون: بل شهر ذي الحجة كله وقت للذبح، فالأقوال إذن؟ طلبة: أربعة.
الشيخ: أربعة أو ثلاثة؟ طلبة: أربعة.
الشيخ: الأول.
الطلبة: يوم العيد.
الشيخ: يوم العيد.
والثاني؟ الطلبة: يومان بعده.
الشيخ: يوم العيد ويومان بعده.
والثالث؟ الطلبة: يوم العيد.. الشيخ: يوم العيد وثلاثة أيام بعده.
والرابع؟ الطلبة: شهر.
الشيخ: كل شهر ذي الحجة.
ولكن أصح الأقوال أن أيام الذبح أربعة؛ يوم العيد وثلاثة أيام بعده، والدليل على هذا أمور: أولًا: أنه قد رُوِيَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «كُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ» (10)، وهذا نص في الموضوع، ولولا ما أُعِلَّ فيه من الإرسال والتدليس لكان فصلًا في النزاع.
ثانيًا: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» (11)، فجعل حكمها واحدًا أنها أيام أكل -يعني: مما يذبح فيها- وشرب وذكر لله عز وجل.
ثالثًا: أن هذه الأيام الثلاثة كلها تتساوى في تحريم صيامها لقول عائشة وابن عمر رضي الله عنهم: لم يُرَخَّص في أيام التشريق أن يُصمْن إلا لمن لم يجد الهدي (12). رابعًا: أن هذه الأيام كلها أيام للرمي؛ لرمي الجمرات، فلا يختص الرمي بيومين بعده، بل كل الأيام الثلاثة.

خامسًا: أنها كلها يُشْرَع فيها التكبير المطلق والمقيد، أو المقيد على قول بعض العلماء، ولم يفرق أحد من العلماء فيما نعلم بين هذه الأيام الثلاثة في التكبير فهي مشتركة في جميع الأحكام، وإذا كانت كذلك فلا يمكن أن نُخْرِج عن هذا الاشتراك وقت الذبح، بل نقول: إن وقت الذبح يستمر من بعد صلاة العيد يوم النحر إلى آخر أيام التشريق، وهذا هو القول الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله.
هل يجزئ الذبح من حين الصلاة أو لا بد من الخطبة وذبح الإمام؟ الصحيح أنه يكتفي بالصلاة، ولكن الأفضل أن يكون الذبح بعد الخطبة وبعد ذبح الإمام، وهذا إن فعل الإمام السنة في الذبح؛ وهو أن يخرج بأضحيته إلى مصلى العيد ويذبحها في مصلى العيد؛ لأن هذا هو السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يخرج بأضحيته إلى مصلى العيد ويذبحها هناك إظهارًا للشعيرة وتعميمًا للنفع؛ لأنها إذا كانت هناك في مصلى العيد حضرها الفقراء وحضرها الأغنياء أيضًا، فيعطى الفقراء منها صدقة ويعطى الأغنياء منها هدية.
لكن عمل الناس اليوم أن الإمام وغير الإمام لا يذبح في المصلى، وعلى هذا فتكون مراعاة ذبح الإمام مشقة عظيمة يعني: يحتاج إلى أن نزهم على الإمام إذا رجع إلى بيته، ونقول: هل ذبحت؟ إن قال: نعم.
ذبحنا، وإن قال: لا.
انتظرنا استحبابًا لا وجوبًا، لكن هذا في الوقت الحاضر فيه مشقة.
وقد يُنازَع في استحبابه؛ لأن تأخر الذبح عن ذبح الإمام فيما إذا أعلنه الإمام وتبين للناس، ولكن مراعاة انتهاء الخطبة أمر سهل، فيقال للناس: لا تذبحوا حتى تنتهي الصلاة والخطبة؛ لأن هذا هو الأفضل، وكما قد جاء في بعض روايات الحديث أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر بانتظار الخطبة.

قال المؤلف: (ويُكْرَه في ليلتهما) أي: ليلتي أيام التشريق، لكن المؤلف يرى أن أيام الذبح يومان؛ ولهذا جاءت بالتثنية (في ليلتهما) أي: ليلة الحادي عشر وليلة الثاني عشر يكره أن يذبح، لماذا؟ قالوا: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ»، وقال: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»، وهذا يدل على أن محل الذبح هو اليوم، وعلى هذا فيُكْرَه الذبح في الليل، ولأن الذبح في الليل ربما يعمد إليه البخلاء من أجل أَلَّا يتصدقوا فلهذا كُرِه.
وقيل في علة الكراهة: خروجًا من الخلاف؛ أي: خلاف من قال من العلماء: إنه لا يجزئ الذبح ليلًا لأن الله تعالى قال: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: 28].
والتعليل بالخلاف فيه خلاف، والصحيح أنه لا تعليل في الخلاف، ولو أننا أخذنا بهذا القول -أي: بالتعليل بالخلاف- ما بقي مسألة مباحة؛ لأنه لا تكاد تجد مسألة إلا وفيها خلاف.
فإذا قلنا: إن مراعاة الخلاف لازمة، وإنه يجب أن ندع ما فيه الخلاف من باب دع ما يريبك إلى ما لا يريبك لم يبق مسألة إلا وهي مكروهة، فالصواب أنه لا تعليل في الخلاف.
ولكن يقال: إن كان الخلاف له حظ من النظر -أي من الدليل- فإننا نراعيه، لا لكونه خلافًا ولكن لما يقترن به من الدليل الموجب للشبهة، وهذا هو الصحيح، وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وأنكر التعليل بالخلاف، وما ذكره صحيح؛ فإن الخلاف إذا لم يكن له حظ من النظر فإنه لا عبرة به، ولهذا قيل: وَلَيْسَ كُلُّ خِلَافٍ جَاءَ مُعْتَبَرا إِلَّا خِلَافًا لَهُ حَظٌّ مِنَ النَّظَرِ

فما هو الصواب إذن؟ الصواب أنَّ الذبح في ليلتهما لا يُكْرَه إلا أن يُخِلَّ ذلك بما ينبغي في الأضحية، فيُكْرَه من هذه الناحية لا من كونه ذبحًا في الليل.

(فإن فات) أي: وقت الذبح (قضى واجبه) وفعل به كالأداء، إن فات الذبح؛ وذلك بغروب الشمس من اليوم الثاني من أيام التشريق على ما ذهب إليه المؤلف، أو بغروب الشمس من اليوم الثالث من أيام التشريق على ما رجحناه.
(قضى واجبه) واجب أيش؟ واجب الهدي والأضحية، والمراد: ما وجب قبل التعيين.
مثال ذلك: رجل قال: لله عليَّ نذر أن أضحي هذا العام، ولكنه لم يضحِّ حتى غابت الشمس، فنقول: اقض هذه الأضحية.
ولكن الصواب في هذه المسألة أنه إذا فات الوقت، فإن كان تأخيره عن عمد فإن القضاء لا ينفعه ولا يؤمر به لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ».
وأما إذا كان عن نسيان أو جهل أو انفلتت البهيمة وكان يرجو وجودها قبل فوات الذبح حتى انفرط عليه الوقت، ثم وجد البهيمة ففي هذه الحال يذبحها؛ لأنه أَخَّرها عن الوقت لعذر، فيكون ذلك كما في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ» (13). وإذا كانت وصية ليست له، فهل تدخل في عموم قوله: (قضى واجبه)؟ فالجواب: لا، الوصية تُعْتَبر تطوعًا من الموصي، والواجب على الموصى إليه هو التنفيذ، والآن نقول: إن الموصى إليه قائم مقام الموصي، والموصي لو أَخَّرها إلى ما بعد غروب الشمس إلى ما بعد فوات الوقت فإنه لا يلزمه القضاء لأنها في حقه تطوع وليست بواجبة.
وعلى هذا فإذا قُدِّر أن الوصيَّ لم يضحِّ هذا العام لعذر مثلًا قلنا له: أَخِّرْها إلى العام القادم واذبحها في أيام الذبح؛ فيذبح على هذا أضحيتين: أضحية قضاءً عن العام الماضي، والثانية أداءً لهذا العام.
طالب: شيخ، هل نقول: الأَولى لغير الإمام في الأضحية أن يُضَحِّي في المصلى أو في الأسواق أو في البيوت؟

الشيخ: في الوقت الحاضر نقول: لا تضحِّ في المصلى إلا إذا ضحى الإمام، ولا تضحِّ في الأسواق؛ لأنك إذا ضحيت في الأسواق لوَّثتها على الناس وصار في ذلك قذر ونجاسة.
طالب: شيخ، كثير من العلماء يستدلون بقول الله عز وجل: ﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: 185] على استحباب التكبير.
أيش وجهه؟ الشيخ: (... ) هذه الآية في أي عيد؟ طالب: في الحج، ﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾.
طالب: في رمضان.
الشيخ: قلناها: في الأول، أكثر ما تَحَدَّث الله تعالى عن التسمية أو عن ذكر الله على الذبيحة في سورة الحج.
تأملها.
طالب: عفا الله عنك، إذا كان الإنسان غائبًا، وما حضر هذا الذبح إلا بعد أن انقضى أيام التشريق في الليل يجب أن يذبح ولّا لا؟ الشيخ: ما يذبح، فات الوقت.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: 36] ما فيها دليل على اسم الله؟ الشيخ: إي نعم، ﴿صَوَافَّ﴾، وفي قراءة ﴿صَوَافٍ﴾، وهي التي رفعت إحدى قوائمها.
طالب: شيخ، بعض الناس إذا أراد أن يضحي وهو ليس في الحج؛ يعني: في بلده، ما يقص شيئًا من شعره ولا من أظفاره إلى أن يذبح الذبيحة في الوقت، يعني: بعدما يذبح، هل هذا من السنة؟ الشيخ: صحيح، هذا من الواجب؛ «إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ وَأَرَادَ الْإِنْسَانُ أَنْ يُضَحِّيَ فَإِنَّهُ لَا يَأْخُذُ مِنْ شَعَرِهِ وَلَا ظُفْرِهِ وَلَا بَشَرَتِهِ شَيْئًا» حتى يضحى.
هذا ثبت في صحيح مسلم (14) عن أم سلمة رضي الله عنها.
واختلف العلماء في هذا النهي؛ هل هو للتحريم أو للكراهة، والمشهور من مذهب الإمام أحمد أنه للتحريم.
طالب: بارك الله فيك، رجل يسكن في مكان بين مسجدين، المسجد هذا يبعد عن المسجد هذا كيلو مترات، وهذا المسجد انتهى من الصلاة وهذا لم ينتهِ، يذبح على هذا ولا ذاك؟ الشيخ: يذبح على الأول.
الطالب: الأول؟ الشيخ: نعم.
الطالب: بارك الله فيك.

طالب آخر: إذا كان الإنسان حاجًّا سواء كان متمتعًا أو مفردًا، فهل يضحي عن أهل بيته إذا كانوا في بلدٍ آخر، وأهل بيته في بلدهم؟ الشيخ: في بلدهم، نقول: وَصِّ أهل البيت ليضحوا عن أنفسهم.
طالب: لا، إذا كان عنده هدي، هل يضحي ويهدي ولّا لا؟ الشيخ: لا، الصحيح أنه يُهْدِي فقط.
طالب: فتكون تجزئ كأضحية مع الهدي.
الشيخ: لا، هذه هدي إن كان تمتعًا أو قرانًا فهو هدي واجب، وإن كان إفرادًا فهو هدي تطوع، أما الأضحية فتكون في غير مكة.
طالب: يعني: تسقط في حق الحاج أو حق أهل بيته؟ الشيخ: في حق الحاج نعم، في حق الحاج ما هو في حق أهل مكة.
طالب: لا، أهل بيته.
الشيخ: لا، نقول: مُرْهُم فليضحوا، إذا كان عندهم مال يأمرهم فيضحوا.
طالب: شيخ، دليل مَنْ قال إن (... ) وهو في سفر.
الشيخ: الظاهر أن دليلهم قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197] فجعل الله تعالى كل الأشهر وقتًا للحج، والأضحية من جنس الحج كلها عمل يذكر عليه اسم الله.
طالب: (... ) صحيح؟ الشيخ: إي، لأن الرسول أخبر بأنه لا أضحية قبل الصلاة.
طالب: شيخ، هل ذكاة السكران صحيحة؟ وهل يُسأل عن حاله حين الذبح إذا لم تُعلم؟ الشيخ: ويش تقولون؟ يقول: هل ذكاة السكران حلال تحل الذبيحة؟ الجواب: لا، لأنه لا قصد له.
طالب: وهل يُسأَل عن حاله؟ الشيخ: ولا يُسأَل، الأصل الحل.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- في حديث أبي بردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» بَعْدِيَّة الحالية أم بعدية الشخصية؟ الشيخ: إي، هذا سؤال مهم، هل المراد بقوله: «لَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» يعني: عينًا وشخصًا؟ أم المراد: «لَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» حالًا؟ أكثر العلماء على الأول، والصحيح الثاني، وأن من وقع له مثل ما وقع لأبي بردة فلا حرج أن يذبح العناق

طالب: أحسن الله إليكم، ذكرتم قبل قليل بأن البعدية بعدية حال، وعلى هذا فمن حصل له مثل ما حصل لأبي بردة فإن له أن يذبح عناقًا، لكن قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ».
أقول: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَنْ تُجْزِئَ»، كيف قلنا (... ) بأنها تجزي إذا قلنا بأن البعدية بعدية حال؟ الشيخ: إي، يعني: بعدك بعد حالك، مثلما تقول ما بعد ها لحال شيء، وذلك أن القاعدة الشرعية أن التكاليف لا تتعلق بالشخص لشخصيته؛ لأن الله تعالى لا يحابي أحدًا، وإنما تعلق الأحكام بالمعاني والعلل، حتى خصائص الرسول عليه الصلاة والسلام ليست خصائص له شخصية لكن من أجل أنه رسول ولا يتصف بهذا الوصف سواه.
وهذا الذي نراه هو ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وهو الحق، كيف الله يَخُصُّ هذا الإنسان بخصيصة من بين سائر الناس؟ ! الأحكام الشرعية معلقة بالأوصاف والمعاني لا بالأشخاص.
الطالب: لكن أحسن الله إليكم، الإشكال عندي أن النبي قال لأبي بردة: «لَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ».
الشيخ: إي، ويش معنى بعدك؟ البعدية قد تكون بعدية حال وبعدية زمن، فهذه بعدية حال، وإنما عَدَلْنا عن ظاهر اللفظ إلى هذا؛ لأن القاعدة الشرعية أن العبادات لا يمكن أن تعلق أو أن تعلل بالشخص، لا بد أن يكون هناك علة أوجبت هذا الحكم فالناس في حكم الله سواء.
الطالب: هو -أحسن الله إليكم- هذا واضح لا غبار عليه، لكن الإشكال عندي أن النبي صلى الله عليه وسلم يعني تركيبة بعدية الحال هذا مع قوله «لَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ»؟ الشيخ: بعدك؛ يعني: بعد حالك، المعنى لن تجزئ عن أحد.
الطالب: بعد حالك مثلك.
الشيخ: مثلك.
طالب: طيب، كيف نقول: لمن لم يجد عناقًا لمن لم يجد شاةً اذبح.
الشيخ: نقول: إذا كان الإنسان ذبح شاةً قبل صلاة العيد جاهلًا، ثم ليس عنده إلا عناق، ما عنده دراهم يشتري، فنقول: اذبح العناق وتجزئ عنك.

طالب: شيخ، حتى لو كان ما يكون (... ) العناق.
الشيخ: لا، أيش؟ طالب: (... ). الشيخ: هذا إيراد جيد؛ يقول: حتى لو كانت العناق ليست غالية عنده؛ لأن أبا بردة يقول: عندنا عناق هي أحب إلينا من شاتين، فيقول: إذا كان عنده عناق، لكن ما يحبها، ما يهمه، العناق يعني: العنزة الصغيرة والكبيرة عنده سواء، فهذا قد يقال: إنه محل نظر، هل إننا نقول: إنه لكون هذه العناق قيمتها في قلب أبي بردة تساوي شاتين هو الذي برر أن يذبحها أو نقول: إن محبة الإنسان للشيء لا ترفعه إلى أن يجزئ وهو على وصف لا يجزئ؛ ولهذا لو كان الإنسان عنده عناق ولم تحدث له هذه الحالة وقال: إن هذه العناق أحب إلي من شاتين.
نقول: لا تجزئ، فليس العلة هي كونه يحب، هذا وصف طردي لا يؤثر في الحكم.
طالب: شيخ، إذا كان –مثلًا- رجل يرى أن التسمية بعد الذبيحة (... ) فالابن –مثلًا- لا يرى هذا فهل إذا أمر والده (... )؟ الشيخ: ما مر علينا هذا! (... ) سأله بعض الإخوة، وقلنا: العبرة بما يراه الذابح.
طالب: يعني: يجوز هذا؟ الشيخ: إي نعم.
طالب: إن نذر أن يضحي هذا العام، ثم ترك الأضحية حتى خرج الوقت متعمدًا، فهل الواجب عليه كفارة يمين أم يقضيها من العام القادم؟ الشيخ: العلماء يقولون: يجب عليه أن يذبح الأضحية التي نذر، لكن مو بهذا العام على القول الراجح، ويجب عليه لتركه الوقت كفارة يمين.
طالب: يجب الأمرين؟ الشيخ: نعم.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- ذكرنا في باب صلاة العيدين إذا أنه صلى العيد في المسجد، وذكرنا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم أن الإمام يجوز له أن يضحي في المصلى، فلو قال قائل: هل نُجَوِّز للإنسان أن يذبح في المسجد شاة؟ الشيخ: يقول: قوله: إن الرسول نحر بالمصلى، هل يجوز أن ينحر الإنسان بالمصلى فيلوث المسجد؟

لا، ومعنى أنه ذبح بالمصلى أي: هناك خارج حدود المسجد، مثلما تقول مثلًا، لو أحد خرج بأضحيته وذبحها أمام مصلى العيد أو عن يمينه أو شماله؛ قيل: ذبح بالمصلى لقربه منه وليس في نفس المصلى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْأَذَى وَالْقَذَرِ» (15) وهذا أذى وقذر.
طالب: (... ) كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَذَبْحٍ».
الشيخ: «وَذِكْرٍ».
طالب: «وَذِكْرٍ»، بالنسبة يا شيخ، هذا التقييد الرسول صلى الله عليه وسلم (... ) قيد أيام التشريق بثلاثة أيام.
الشيخ: لا ويش معنى «ذِكْر»، قال: أيش؟ الطالب: ذبح.. الشيخ: على الذبائح.
الطالب: نعم التي بعد ثلاثة أيام التشريق، فكأن الشيخ يؤيد هذه الأيام، يعني ما في دليل على سوى هذا؟ الشيخ: أصلها الذكر؛ الذكر على الأضحية ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ في أيامٍ معلومات ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الَْانْعَامِ﴾ [الحج: 34].
الطالب: (... ). الشيخ: يشمل حتى على الأضاحي، ثم الحديث الذي ذكرنا اللي فيه محمد بن إسحاق أُعِلَّ بالتدليس قال: «كُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ»، ثم إن أيام التشريق متفقة في جميع الأحكام، فما الذي يُخْرِج هذا عنه، ما في دليل يخرج هذا.


الطالب: فصل

ويتعينان بقوله: هذا هدي أو أضحية لا بالنية، وإذا تعينت لم يجز بيعها ولا هبتها إلا أن يبدلها بخير منها، وَيَجُز صوفَها ونحوه إن كان أنفع لها ويتصدق، وإن تعيبت ذبحها وأجزأته إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين والأضحية سنة، وذبحها أفضل من الصدقة بثمنها.
الشيخ: (ولا يعطى جازرها) ما قرأتها، (ولا يعطى جازرها أجرته منها ولا يعطى جلدها ولا شيئًا منها بل ينتفع به)، ألحقها بعد.

الطالب: وسُنَّ أن يأكل ويهدي ويتصدق أثلاثًا، وإن أكلها إلا أوقية تصدق بها جاز.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال المؤلف في زاد المستقنع: (ويتعينان) أي: الهدي والأضحية بقوله: هذا هدي بالنسبة للهدي، أو أضحية بالنسبة للأضحية.
يتعينان بالقول ولا يتعينان بالنية ولا بالشراء؛ يتعينان بالقول بقوله: هذا هدي بالنسبة للهدي، أو هذه أضحية بالنسبة للأضحية، ولا يتعينان بالنية، فلو اشترى شاة بنية أن يضحي بها فإنها لا تتعين ما دامت في ملكه، إن شاء باعها وإن شاء فسخ النية، وإن شاء تصدق بها، وإن شاء أهداها، المهم أنها لا تتعين إلا بالقول.
كذلك لو اشترى شاة يريد أن تكون هديًا كهدي متعة مثلًا، اشتراها وفي أثناء الطريق قبل أن يقول: هي هدي، أراد أن يبيعها فلا بأس، وهنا فرق بين أن يقول: هذا هدي أو هذه أضحية على سبيل الإخبار وبين أن يقول: هذا هدي أو أضحية على سبيل الإنشاء، ويظهر الفرق بينهما بالمثال؛ فرجل يجر شاة فقال له مَن رآه: ما هذه؟ قال: هذه شاة للأضحية؛ يعني: أنها شاة يريد أن يضحي بها، هذا خبر وليس بإنشاء.
بخلاف ما إذا قال: هذه أضحية لله، وأنشأ أن تكون أضحية فإنها حينئذ تتعين.
وعُلِمَ من كلام المؤلف أنها لا تتعين بالفعل، أي: لا يتعين الهدي ولا الأضحية بالفعل، ولكن في هذا نظر، فإنهم نصوا على أن الهدي إذا قلده أو أَشْعَره بنية أنه هدي فإنه يكون هديًا وإن لم ينطق به.
والتقليد هو أن يُقَلِّد النعال وقِطَع القرب والثياب الخَلِقة وما أشبه ذلك في عنق البهيمة؛ فإنه إذا عَلَّق هذه الأشياء في عنقها فَهِمَ من رآها أنها لمن؟ أنها للفقراء.
وهذا كان معتادًا في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعهد من بعده، حتى تضاءل سَوْق الهدي بين الناس، وصار لا يُعْرَف هذا الشيء.

إنما التقليد إذا قال: ما هو التقليد؟ أن يُقَلِّد في عنق البهيمة شيئًا يدل على أنها للفقراء، قالوا: مثل أنها قطع النعال القديمة، أو قطع القرب القديمة، أو الثياب الخلقة حتى يعرف من رآها أنها للفقراء؛ هدي.
وأما الإشعار فإن الإشعار هو أن يشق سنام البعير حتى يخرج الدم ويسيل على الشعر، فإن من رآه يعرف أن هذا مُعَدٌّ للنحر.
فالآن نقول: الهدي يتعين بالقول وبالفعل مع النية؛ القول قوله: هذا هدي، والفعل الإشعار أو التقليد مع النية، يكون هديًا بذلك، ويترتب على التعيين وعدمه مسائل ستذكر فيما بعد.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه إذا اشتراه بنية الأضحية أو بنية الهدي أنه يكون هديًا أو يكون أضحية، وأنه لا يُشْتَرط لذلك لفظ؛ لأن المقصود أن يتعين هذا أضحية أو هديًا وهذا يحصل بالنية لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لُكِلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (16). ولكن الأظهر ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله المشهور من المذهب أنه لا بد من القول، وأما النية فلا يحصل بها التعيين؛ بدليل أن الإنسان لو اشترى عبدًا ليعتقه في كفارة أو غيرها فهل يعتق؟ لا، أو اشترى بيتًا ليوقفه على الفقراء أو المساكين أو طلبة العلم أو ما أشبه ذلك، فإنه لا يكون البيت وقفًا بمجرد الشراء حتى يفعل ما يختص بهذا الشيء، ولهذا قلنا في الهدي لما كان يشرع تقليده أو إشعاره قلنا: إن تقليده أو إشعاره بالنية يعتبر تعيينًا.
يقول المؤلف: (لا بالنية)؛ يعني: لا يتعين بالنية، كما لو أخرج الإنسان دراهم ليتصدق بها فهل تتعين صدقة؟ لا، لا تتعين إن شاء أمضاها وإن شاء أبقاها؛ لأنه لم يدفعها للفقراء.

فالحاصل أننا إذا سئلنا بماذا تتعين الأضحية؟ قلنا: بالقول.
وبماذا يتعين الهدي؟ قلنا: بالقول وبالفعل، وإنما زاد الهدي بالفعل لأن له فعلًا خاصًا وهو التقليد أو الإشعار، أما الأضحية فليس لها فعل خاص، ولهذا لا تكون أضحية إلا بالقول.
ثم قال: (وإذا تعينت لم يجز بيعها) هذه الأحكام التي تترتب على تعينها؛ إذا تعينت لم يجز بيعها لأنها صارت صدقة لله؛ كالوقف لا يجوز بيعه، وكالعبد إذا أعتق لا يجوز بيعه، فلا يجوز بيعها بأي حال من الأحوال، حتى لو ضعفت وهزلت فإنه لا يجوز له بيعها، ولكن لا بد من الشروط السابقة شروط الأضحية.
(ولَا هِبَتُهَا) ولا يجوز أن يهبها لأحد، والفرق بين البيع والهبة أن البيع بعوض، والهبة تبرع بلا عوض.
وهل يجوز أن يتصدق بها؟ لا؛ يعني: ولا يجوز أيضًا أن يتصدق بها، لا بد أن يذبحها، ثم بعد ذبحها إن شاء وهبها وتصدق بما يجب التصدق به، وإن شاء أبقاها، وإن شاء تصدق بها كلها، لكن لا بد أن يتصدق منها بجزء كما سيأتي إن شاء الله ذكره.
المهم إذا تعينت يترتب على ذلك أحكام: أولًا: تحريم بيعها وهبتها والصدقة بها، وينبني على ذلك وجوب ذبحها ولا بد، وعلى هذا فلو أن الإنسان يقود هَدْيَه فلقي فقراء وقالوا: أعطنا إياه فأعطاهم إياه، فهل يجزئه عن الهدي؟ لا، لا يجزئه، فإن قالوا: نذبحه لك، ووكلهم في ذلك، فهل يجزئ؟ طالب: لا يجزئ.
الشيخ: لا، فيه التفصيل؛ إن كان يثق بهم وأنهم سوف يذبحونه فلا بأس ويكونون وكلاء له، أما إذا لم يثق بهم بحيث يخشى أنهم يأخذونه ثم يذهبون يبيعونه فهذا لا يجزئه.
قال المؤلف: (إلا أن يبدلها بخير منها) فيجوز؛ قال: (إلا أن يبدلها بخير منها)، والإبدال نوع من البيع، لكن الغالب أن البيع يكون بنقد ثم يشتري بدلها أضحية.

لكن إذا أبدلها بخير منها مثل أن يكون عَيَّن هذه الشاة أضحية، ثم وجد مع شخص آخر شاة خيرًا منها في السمن والكبر والطيب، وأراد أن يبدلها بخير منها، فإن ذلك لا بأس به؛ لأنه زاد خيرًا ولم يتهم برد شيء من ملك هذه الأضحية إلى نفسه؛ وربما يستدل لذلك بحديث الرجل الذي قال: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أُصَلِّيَ في بيت المقدس، قال: «صَلِّ هَا هُنَا» فأعاد عليه، قال: «صَلِّ هَا هُنَا» -يعني: في مكة لأن مكة أفضل من بيت المقدس- فأعاد عليه الثالثة، فقال في الثالثة أو الرابعة: «شَأْنَكَ إِذَنْ» (17). فدل ذلك على أن الإنسان إذا أبدل العبادة بما هو خير منها فإن ذلك جائز ولا بأس به، وعلى هذا فإذا أبدلها بخير منها فلا حرج؛ أولًا: للدليل الأثري والدليل النظري؛ الدليل الأثري: قصة الرجل الذي نذر أن يصلي في بيت المقدس، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «صَلِّ هَاهُنَا».
وأما النظري: فيقال: إنه زاد خيرًا، زاد خيرًا لأن هذه أفضل وأنفع للفقراء وأثمن في الغالب.
وعُلِمَ من قوله: (إلا أن يبدلها بخير منها) أنه لو باعها ليشتري خيرًا منها فإن ذلك لا يجوز؛ لأن المؤلف استثنى مسألة واحدة وهي الإبدال، وعلى هذا فلو قال: أنا أريد أن أبيعها ثم أشتري خيرًا منها، قلنا: لا يجوز.
وقال بعض العلماء: يجوز؛ لأن الأعمال بالنيات، وهذا الرجل باعها بنية أن يبدلها بخير منها فيكون جائزًا، كما لو أبدلها رأسًا بخير منها.
ولكن الأَوْلى سد الباب وأن لا يتصرف فيها ببيع؛ لأنه ربما يتصرف فيها ببيع ليشتري خيرًا منها ثم لا يتيسر له أن يشتري أو يأخذه الطمع أو ما أشبه ذلك، وعليه فلا يُسْتَثْنَى إلا أيش؟ طلبة: الإبدال.
الشيخ: إلا الإبدال فقط.

ثم قال المؤلف: (ويجز صوفها ونحوه) هذا أيضًا مما يترتب على التعيين؛ أنه لا يأخذ منها شيئًا لا صوفًا ولا لبنًا إذا كان لها ولد يضره أخذ اللبن؛ لأنها الآن أصبحت خارجة عن أيش؟ عن ملكه، فلا يجز الصوف.
لو قال: أنا أريد أن أجز صوفها؛ لأني سأذبحها، فأجز الصوف لأنتفع به.
قلنا: لا يجوز إلا إذا كان أنفع لها، إذا كان أنفع لها فلا بأس، وكيف يمكن أن يكون أنفع لها؟ يمكن إذا كان عليها صوف كثير يؤذيها، وكان في جزه راحة لها، أو نبت فيها جرح وجز الشعر من أجل إبراز الجرح للهواء حتى ينشف ويبرد، المهم إذا كان جز الصوف أنفع فإنه يجزه، وإن كان أضر؟ طلبة: لا يجوز.
الشيخ: وإن لم يكن فيه نفع ولا ضرر؟ الطلبة: لا يجوز.
الشيخ: فلا يجوز؛ لأن المؤلف استثنى، ذَكَر إذا كان أنفع.
وقوله: (صوفها ونحوه) ما الذي نحو الصوف؟ طلبة: الشعر.
الشيخ: الشعر والوبر؛ قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: 80] الشعر يكون للبقر وللإبل وأيش؟ طالب: الغنم.
الشيخ: الإبل لها الأوبار، والضأن لها الأصواف، والماعز والبقر الشعر.
(ويتصدق به) يتصدق بهذا الذي جزه، وظاهر كلام المؤلف أنه لا ينتفع به، وأنه يجب أن يتصدق به، فلو قال: أريد أن أجعله ثيابًا أو أجعله حبالًا.
قلنا: لا يجوز، بل يجب أن تتصدق به.
وقال بعض العلماء: لا يجوز أن ينتفع به؛ لأنه إذا كان له أن ينتفع بالجلد كاملًا فالشعر من باب أولى، وهذا هو الصحيح أنه لا يجب عليه أن يتصدق به، لكن يجب أن نلاحظ الشرط الأول وهو أنه لا يجزه إلا إذا كان ذلك أنفع لها، فإذا كان أنفع لها وجزه فنقول: إن شئت تصدق به، وإن شئت فهبه، وإن شئت فانتفع به؛ لأن انتفاعك بالجلد والصوف بل وبالشحم واللحم والعظام جائز ولا يلزمك أن تخرج إلا ما يصدق عليه اسم اللحم كما سيأتي.
قال: (ولا يعطي جازرها أجرته منها، ولا يبيع جلدها ولا شيئًا منها)

لا يعطي الجازر أجرته منها، من الجازر؟ طلبة: الذي يذبح.
الشيخ: الذابح والناحر، الناحر للإبل والذابح لغيرها لا يعطيه أجرته منها؛ لأن هذا الجازر نائب عنه، وهو ملزم بأن يذبحها هو بنفسه، فإذا كان ملزمًا بأن يذبحها من أجل أن تكون قربة فإنه لا يمكن أن يعطي الجازر منها أجرته وهو وكيل عنه.
قد يقول قائل: ألستم تجيزون أن يُعْطَى العامل على الزكاة من الزكاة، فلماذا لا يجوز أن نعطي الجازر؛ جازر الأضحية والهدي من الهدي كما نعطي العامل على الزكاة؟ قلنا: الفرق ظاهر؛ لأن هذا الجازر وكيل عمن؟ عن المالك، ولهذا لو وكل الإنسان شخصًا يفرق زكاته، لو وكل شخصًا يفرق زكاته فإنه لا يجوز أن يعطيه من سهم العاملين عليها.
يعني: إنسان أرسل لشخص عشرة آلاف ريال، قال: خذ هذه وزعها زكاة، فهذا الذي أخذ العشرة آلاف لا يجوز أن يأخذ لنفسه منها شيئًا؛ لأن العامل عليها هو الذي يتولاها من قبل وليِّ الأمر، إذن لا يعطي الجازر أجرته منها.
وهل يجوز أن يعطيه شيئًا من الأجرة؟ الجواب: لا، يعني: لو قال: اذبحها لي وكانت تذبح بعشرة ريالات، وقال: أعطيك خمسة من لحمها وخمسة نقدًا، أيجوز؟ الطلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؛ لأنه في ذلك يكون قد باع ما تَقَرَّب به إلى الله، قد باع اللحم؛ لأن عوض الأجرة بمنزلة عوض المبيع، فيكون قد باع لحمًا أخرجه لله، وهذا لا يجوز.
وهل يجوز أن يعطي الجازر هدية أو صدقة؟ طلبة: يجوز.
الشيخ: نعم.
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: يجوز كغيره، يجوز أن يعطيه صدقة، يجوز أن يعطيه هدية؛ إن كان فقيرًا أعطاه صدقة، وإن كان غنيًّا أعطاه هدية.
قال: (ولا يبيع جلدها ولا شيئًا منها) كما سبق أنه لا يبيعها إذا تعينت، فكذلك إذا ذبحت فإنها تتعين بالذبح، هي ذبحت انتهى الأمر تعينت بالذبح، ويحسن أن نضيف هذا أيضًا إلى ما سبق من أنها تتعين بالقول وبالفعل الدال عليه -على التعيين- وبالذبح؛ لأنها إذا ذبحت ما عاد يتصرف فيها، انتهت.

(لا يبيع جلدها) بعد الذبح لماذا؟ لأنها تعينت لله بجميع أجزائها، وما تعين لله فإنه لا يجوز أخذ العوض عليه، ودليل ذلك حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه حمل على فرس له في سبيل الله -ويش معنى حمل؟ يعني: أعطى شخصًا فرسًا يجاهد عليه- ولكن الرجل الذي أخذه أضاعه، أضاع الفرس ولم يهتم به، فجاء عمر يستأذن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في شرائه؛ حيث ظن أن صاحبه يبيعه برخص، فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا تَشْتَرِهِ، وَلَوْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ» (18). والعلة في ذلك أنه أيش؟ أخرجه لله، وما أخرجه الإنسان لله فلا يجوز أن يرجع فيه، ولهذا كان الذي يهاجر من بلد الشرك لا يجوز أن يرجع إلى هذه البلد التي هاجر منها ليسكن فيها؛ لأنه أيش؟ خرج لله من بلد يحبها فلا يرجع فيما يحب إذا كان قد تركه لله عز وجل.
قال: (ولا شيئًا منها) يعني: لا يبيع شيئًا منها؛ من أجزائها؛ كيد، أو رجل، أو رأس، أو كرش، أو كبد أو ما أشبه ذلك، والعلة ما سمعتم.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا يبيع شيئًا من ذلك ولو صرفه فيما ينتفع به، وعلى هذا يمكن أن يُلْغَز بهذه المسألة يقال: شيء يجوز الانتفاع به، ولا يجوز بيعه ليشتري ما ينتفع به بدله.
الجلد لو أراد المضحي أن يدبغه، ويجعله قِربَة للماء، أيجوز؟ نعم، يجوز، لكن لو أراد أن يبيعه ويشتري بدلًا من القربة وعاءً للماء كالترمس مثلًا فهل يجوز؟ طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، كل هذا حماية لما أخرجه لله أن يرجع فيه ولا شيئًا منها، وكذلك أيضًا نعم.
ثم قال: (وإن تعينت ذبحها وأجزأته إلا أن تكون واجبة)، عندكم تعينت ولَّا تعيبت؟ الطلبة: تعيبت.
الشيخ: بالباء ولا بالنون؟ الطلبة: بالباء.
الشيخ: بالباء، إي نعم.
طالب: أيهما صحيح.
الشيخ: لا، الظاهر أن الصواب بالباء.
(وإن تعيبت ذبحها وأجزأته إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين)

(إن تعيبت) الفاعل يعود على المتعيِّن من هدي أو أضحية، وهذا مما يترتب على قولنا: إنها تتعين، أنها لو تعيبت بعيب يمنع من الإجزاء فإنه يذبحها وتجزئ.
مثال ذلك: اشترى شاة للأضحية ثم انكسرت رجلها، وصارت لا تستطيع المشي مع الصحاح بعد أن عينها، فإنه في هذا الحال يذبحها وتجزئه؛ لأنها لما تعينت صارت أمانة عنده فإذا تعيبت بغير فعله أو تفريطه لم يلزمه الضمان وأجزأه أن يذبحها، أفهمتم يا جماعة؟ هذا هو تعليل الحكم؛ لأنها لما تعينت صارت عنده أيش؟ طلبة: أمانة.
الشيخ: أمانة كالوديعة، وإذا كانت أمانة ولم يحصل تعيبها بفعله أو تفريطه فإنه لا ضمان عليه فيذبحها وتجزئه.
وربما يستدل لذلك بقصة الرجل الذي اشترى أضحية فعدا الذئب على أليتها فأكلها فأذن له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يضحي بها (19)؛ وذلك لأن فقد الألية عيب يمنع الإجزاء، لكنه لما كان هذا العيب بعد التعيين وليس بتفريط منه ولا بفعله فإنه يكون أمينًا ولا ضمان عليه.
إذن قوله: (وإن تعيبت ذبحها وأجزأته) يستثنى من ذلك إذا تعيبت بفعله أو تفريطه بفعله بأن تكون بعيرًا حمل عليها ما لا تستطيع أن تحمله ثم عثرت وانكسرت، ففي هذه الحال يضمنها بمثلها أو خير منها، وكذلك لو كان بتفريطه كأن كانت في ليلة شاتية باردة وتركها أي ترك الأضحية في مكان بارد فتأثرت من البرد، ففي هذه الحال يجب عليه ضمانها بمثلها أو خير منها، لماذا؟ طلبة: للتفريط.
الشيخ: لأنه فرط، فلتفريطه يجب عليه الضمان.
قال: (إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين) فهنا يجب عليه البدل.
مثال ذلك: رجل عليه هدي تمتع، هدي التمتع واجب في ذمته أو واجب بالتعيين؟ واجب في ذمته، لكن هدي التطوع لا يجب عليه إلا إذا عينه وجب عليه ذبحه؛ الواجب في الذمة قبل التعيين يطالب به الإنسان كاملًا، والواجب بالتعيين وأصله تطوع فيه هذا التفصيل الذي سمعتم وهو أنه لا ضمان عليه إلا أن يكون ذلك بفعله أو أو تفريطه.

المثال الواجب قبل التعيين؛ قلت لكم: مثاله هدي التمتع؛ اشترى رجل هدي تمتع وعيَّنه، ثم بعد ذلك عثر هذا الهدي وانكسر، فهل يجزئه أن يذبحه ولو كان منكسرًا؟ لا؛ لأنه قد وجب في ذمته قبل التعيين أن يذبح هديًا لا عيب فيه، وهذا الهدي فيه عيب فليزمه أن يبدله بمثله.
لو أنه عين هذه الأضحية ثم هربت ولم يحصل عليها، فهل يلزمه بدلها؟ إن كانت واجبة قبل التعيين لزمه البدل، وإن لم تكن واجبة قبل التعيين نظرنا؛ إن فرط فعليه ضمان، وإن لم يفرط فلا ضمان عليه.
الهدي؛ اشترى هديًا، ثم هرب الهدي ولم يمسكه وعجز عنه بعد أن عينه، فهل يلزمه الضمان؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم؟ ! الطلبة: نعم.
الشيخ: هدي، أنا أقول هدي واجب، هدي تمتع؟ الطلبة: يلزمه.
الشيخ: يلزمه بدله، لماذا؟ الطلبة: واجب عليه.
الشيخ: لأنه واجب في ذمته قبل التعيين، أما إن كان هدي تطوع فإنه لا يلزمه.
وإذا قلنا: يجب عليه بدله، فاشترى البدل وذبحه، وبعد ذبحه وجد الضال الذي هرب، فهل يلزمه أن يذبحه، أو يُكتفَى بالبدل؟ الطلبة: يكتفى بالبدل.
الشيخ: يكتفى بالبدل، هذا القول هو الراجح أنه في هذه الحال يكتفى بالبدل؛ لأن الرجل ضمن ما هرب وأدى الواجب عليه بدلًا عن الذي هرب، وإذا كان يجوز أن يبدلها بخير منها وهي حاضرة، فكذلك إذا كانت هاربة من باب أولى، ولكن المذهب أنه لا يسترجع الضال إذا وجده بل يذبحه؛ قالوا: لأن هذا الضال تعين بالتعيين فيجب عليه أن يذبحه لأنه عينه، لكن هذا التعليل كما سمعتم عليل، هو تَعَيَّن بالتعيين، ولكن أقام مقامه البدل فبرئت ذمته، فإذا عاد هذا الذي ضل فإنه يعود على ملك صاحبه يتصرف فيه تصرف المالك في ملكه.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (والأضحية سُنَّة) الأضحية هي: ما يذبح من النعم في أيام الأضحى تقربًا إلى الله عز وجل.
هذه هي الأضحية.

فقولنا: (ما يذبح في أيام الأضحى) خرج به ما يذبح في غير أيام الأضحى، فإنه ليس بأضحية حتى ولو ذبح ضحى، فالعقيقة مثلًا إذا ذبحناها في الضحى في غير أيام الأضاحي لا تُسَمَّى أضحية؛ لأن الأضحية إنما تكون في أيام الأضحى.
وقولنا: (تقربًا إلى الله) خرج به ما لو ذبح وليمة عرس في أيام الأضحى فإنها ليست بأضحية، لا بد أن ينوي بذلك التقرب إلى الله عز وجل بهذا الذبح.
قال: (سُنَّة) سنة مؤكدة جدًّا؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم داوم عليها وضحى عشر سنوات، وحثَّ عليها صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى قال: «مَنْ وَجَدَ سِعَةً وَلَمْ يُضَحِّ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» (20)، وكان يظهرها على أنها شعيرة من شعائر الإسلام، حتى إنه يخرج بأضحيته إلى المصلى ويضحي بالمصلى، ولهذا اختلف العلماء هل هي سنة أو واجبة؟ فذهب أبو حنيفة رحمه الله وأصحابه إلى أنها واجبة، وأن القادر يأثم إذا لم يضحِّ، ومال شيخ الإسلام رحمه الله إلى هذا، وأن القادر إذا لم يضح فهو آثم؛ لأنها شعيرة ظاهرة قرنها الله تعالى بالصلاة في قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2]، وفي قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162]. والقول بالوجوب قوي للقادر؛ لكثرة الأدلة الدالة على عناية الشارع بها، واهتمامه بها، ولكن على من تُسَنُّ؟ أعلى الأحياء أم على الأموات؟

الجواب: أنها على الأحياء، سنة للأحياء وليست سنة للأموات؛ ولهذا لم يضحِّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن أحد ممن مات له، لا ضحى عن زوجته خديجة وهي من أحب النساء إليه، ولا عن عمه حمزة وهو من أحب أعمامه إليه، ولا عن أحد من أولاده الذين ماتوا في حياته وأولاده بضعة منه، وإنما ضحى عنه وعن أهل بيته، ومن أراد أن يدخل الأموات في العموم فإن قوله قد يكون وجيهًا، ولكن تكون التضحية عن الأموات هنا تبعًا لا استقلالًا؛ ولهذا لا يشرع أن يضحى للإنسان الميت استقلالًا لعدم ورود ذلك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فإن ضُحِّي عنه فقيل: تكون أضحية، وقيل: تكون صدقة، والفرق بينهما ظاهر، فإن الأضحية لها أجر أكثر من أجر الصدقة، المهم أن الأضحية سنة لمن؟ طلبة: للأحياء.
الشيخ: سنة للأحياء، أما الأموات فإن أوصوا بأن يُضحى عنهم نفذت الوصية لأنهم أوصوا بمباح، وإذا لم يوصوا بذلك فإنهم إن أراد الإنسان إدخالهم في لفظ أهل البيت فذلك وجيه، وإلا فإنه لا يضحى إلا عن الأحياء.
قال: (وذبحها أفضل من الصدقة بثمنها) ذَبْحُ الأضحية أفضل من الصدقة بثمنها.
فلو قال شخص: أنا عندي خمس مئة ريال، هل الأفضل أن أَتَصَدَّق بها أو أن أضحي بها؟ قلنا: الأفضل أن تضحي بها.
فإن قال: لو اشتريت بها لحمًا كثيرًا أكثر من قيمة الشاة أكثر من الشاة أربع مرات أو خمس مرات، فهل هذا أفضل أو أن أضحي؟ قلنا: الأفضل أن تضحي؛ فذبحها أفضل من الصدقة بثمنها، وأفضل من شراء لحم بقدرها أو أكثر يتصدق به؛ وذلك لأن المقصود الأهم في الأضحية هو التقرب إلى الله تعالى بذبحها.
هذا هو الأهم قال الله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: 37]

فإن قال قائل: لو كان في المسلمين مَسْغَبة، وكانت الصدقة بالدراهم أنفع تَسُد ضرورة المسلمين، ففي هذه الحال نقول: دفع ضرورة المسلمين أولى؛ لأن فيها إنقاذًا للأرواح، وأما الأضحية فهي إحياء للسنة، لكن قد يعرض للمفضول ما يجعله أفضل من الفاضل.
ثم قال المؤلف: (سُنَّ أن يأكل ويهدي ويتصدق أثلاثًا) يعني: كيفية توزيع الأضحية.


طالب: قلنا بقول: (إن كان أنفع لها ويتصدق بها).
قلنا: القول الراجح.
الشيخ: يتصدق بها؛ أي: بالصوف.
الطالب: قلنا: القول الراجح هو مخير إما يتصدق بها أو يأخذها، لو باعها.
الشيخ: لو باع هذا؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما فيه بأس.
الطالب: يجوز ذلك؟ الشيخ: يجوز.
طالب: أحسن الله إليك، إذا ضُحِّيَ عن الميت استقلالًا ألا يقال: إنها بدعة؛ لأنه لم يرد عن الشرع أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله، فالتقيد بالحديث أولى يا شيخ.
الشيخ: بعض العلماء قال: إنها بدعة، وبعضهم قاسها على الصدقة، فالصدقة قد جاءت بها السنة.
الطالب: هو نوى أضحية يا شيخ.
الشيخ: إي نعم، هو نوى أضحية، فيكون الأضحية من جملة المقصود بها نفع الفقراء.
طالب: شيخ -أحسن الله إليكم- ذكركم باليوم بأنه لا بأس أن يبيع الإنسان صوفها، الفقهاء منعوا بيع الجلد؛ أي: الفرق بين الصوف والجلد.
الشيخ: نعم.
وسُنَّ أن يَأْكُلَ ويُهْدِيَ ويَتَصَدَّقَ أَثلاثًا وإن أَكَلَها إلا أُوقِيَّةً تَصَدَّقَ بها جازَ وإلا ضَمِنَها ويَحْرُمُ على مَن يُضَحِّي أن يَأْخُذَ في العَشْرِ من شَعَرِه أو بَشَرَتِه شَيْئًا.
(فصلٌ) تُسَنُّ العَقيقةُ: عن الغلامِ شاتان وعن الجارِيَةِ شاةٌ تُذْبَحُ يومَ سابعِهِ.
فإن فاتَ ففي أربعةَ عَشَرَ، فإن فاتَ ففي أَحَدٍ وعشرينَ، تُنْزَعُ جُدُولًا ولا يُكْسَرُ عَظْمُها, وحُكْمُها كالأُضْحِيَةِ إلا أنه لا يُجْزِئُ فيها شِرْكٌ في دَمٍ، ولا تُسَنُّ الفَرَعَةُ ولا العَتيرةُ.
(كتاب الجهاد)

وهو فَرْضُ كِفايةٍ، و (يَجِبُ) إذا حَضَرَه، أو حَصَرَ بلدَه عَدُوٌّ، أو اسْتَنْفَرَه الإمامُ، وتَمامُ الرِّباطِ أربعون يَوْمًا، وإذا كان أبواه مُسلِمَيْنِ لم يُجاهِدْ تَطَوُّعًا إلا بإذْنِهِما، هذا هو الأهم، قال الله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: 37].
فإن قال قائل: لو كان في المسلمين مسغبة، وكانت الصدقة بالدراهم أنفع، تسد ضرورة المسلمين، ففي هذه الحال نقول: دفع ضرورة المسلمين أوْلى؛ لأن فيها إنقاذًا للأرواح، وأما الأضحية فهي إحياء للسنة، لكن قد يعرض للمفضول ما يجعله أفضل من الفاضل.
ثم قال المؤلف: (وسن أن يأكل ويُهدي ويتصدق أثلاثًا) يعني كيفية توزيع الأضحية، أفاد المؤلف بقوله.
الطالب: قلنا في قوله: إن كان أنفع لها ويتصدق بها.
الشيخ: نعم.
الطالب: قلنا: القول الراجح.
الشيخ: (يتصدق به) أي بالصوف.
الطالب: إي نعم، قلنا القول الراجح: هو مخير إما يتصدق بها أو يأخذها.
الشيخ: نعم.
الطالب: لو باعها.
الشيخ: لو باع هذا؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما فيه بأس.
الطالب: يجوز ذلك؟ الشيخ: يجوز نعم.
طالب: أحسن الله إليك، إذا ضُحي عن الميت استقلالًا، ألا يقال إنها بدعة، فإنه لم يرد عن الشرع النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعلها، نتقيد بالحديث أو لا يجوز؟ الشيخ: بعض العلماء قال: إنها بدعة، وبعضهم قاسها على الصدقة، فالصدقة قد جاءت بها السنة.
الطالب: وهو نوى أضحية يا شيخ.
الشيخ: إي نعم، هو نوى أضحية، فيكون الأضحية من جملة المقصود بها نفع الفقراء.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، ذكرتم في اليوم بأنه لا بأس بأن يبيع الإنسان صوفها، الفقهاء منعوا بيع الجلد، أي فرق بين الصوف والجلد؟

الشيخ: تعرف أن الفقهاء يقولون: حتى الصوف ما يجوز بيعه.
يقول: إذا جز صوفها؛ لأنه أنفع، فهل يجوز أن يبيعه؟ المذهب لا يجوز، يتصدق به، ولا يجوز بيعه، لكن القول الراجح أنه يجوز أن يتصدق به.
طالب: والجلد؟ الشيخ: الجلد جزء من اللحم، تدخله الحياة، وليس في حكم المنفصل بخلاف الصوف فهو يشبه اللبن، لو كان فيها لبن وحلبه فله أن يبيعه، وله أن يتصدق به، وله أن يشربه.
طالب: بارك الله فيكم، قول المؤلف: (ويتعينان بقوله: هذا هدي أو أضحية)، يخرج منه الهدي الواجب؟ هدي التمتع الواجب؟ الشيخ: لا، يدخل في هذا.
الطالب: لا بد من تعيينه.
الشيخ: كيف لا بد؟ لا، ما هو لا بد، قلنا: كل أضحية أو هدي إذا ذبحها بالنية تعيَّنت.
الطالب: بمجرد الشراء يا شيخ قلنا قبل.. الشيخ: لا، بمجرد الشراء ما يكون، لا بد أن يعين.
الطالب: قبل التعيين يا شيخ (... ) (وإن تعيبت بعد تعينها ذبحها وأجزأته إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين) مثلنا بالهدي.
الشيخ: إي نعم، صحيح.
الطالب: مثلنا بالهدي.
الشيخ: هذا صحيح، هذه واجبة في ذمته؛ يعني معناها أنه في ذمته يجب أن يذبح شاة.
الطالب: بمجرد الشراء؟ الشيخ: لا، ما هي بالشراء، ما هي بالشاة المعينة، أن يذبح شاة غير معينة.
طالب: (... )؟ الشيخ: قد يدفع، وقد لا يدفع.
الطالب: يدفع (... ). الشيخ: إذا دفع، لا بأس طيب.
الطالب: هذا يعتبر بيع؟ الشيخ: لا، ما باعك، هو دفع للذي أعطاه خيرًا منها.
الطالب: (... )؟ الشيخ: إي، لكن ما دخل عليه الآن، ما هو بيع، هذا شراء، اشتراط زائد.
طالب: قلنا: يا شيخ القول الراجح أنه يجوز لصاحب الأضحية أن يبيع صوفها، فهل يعطيه الجزار؟ الشيخ: الجزار؟ الطالب: الجازر.
الشيخ: منين؟ الطالب: من الصوف؟ الشيخ: إي، إذا قلنا: بجواز بيعه ملكه، يعطي الجازر، ويشتري بها خبز زي ما هو (... ).

طالب: قلنا: يا شيخ، يجوز الانتفاع بالصوف، إذا جاز الانتفاع بالجلد، فبالصوف أوْلى، لكن هذا يا شيخ بعد الموت ما هو قبل الموت.
الشيخ: أيوه.
طالب: والانتفاع بالصوف.. الشيخ: الصوف أصله ما يُجَز، لا يمكن جزه إلا إذا كان أنفع لها.
الطالب: فإذا كان أنفع لها؟ الشيخ: إذا كان أنفع لها وجزه، وأراد أن يبيعه أو يتصدق به أو ينتفع به فله ذلك.
طالب: الدليل على جواز الانتفاع به؟ الشيخ: أنه جزء منفصل كاللبن كما أنه إذا حلبها بعد التعيين، فإن اللبن له، يتصرف فيه كما شاء.


الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وإن تعيبت ذبحها وأجزأته إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين، والأضحية سنة، وذبحها أفضل من الصدقة بثمنها، وسُن أن يأكل ويهدي ويتصدق أثلاثًا، وإن أكلها إلا أوقية تصدق بها جاز، وإلا ضمنها، ويحرم على من يضحي أن يأخذ في العشر من شعره وبشرته شيئًا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قل لنا بماذا يتعين الهدي؟ طالب: يتعين الهدي أولًا: بالقول، بأن يقول: هذا هدي، ثانيًا: يتعين بالفعل المختص به كالإشعار والتقليد.
الشيخ: إذن يتعين بالقول، وبالفعل الدال عليه، الدال على التعيين، والأضحية، الأخ؟ طالب: الأضحية.. الشيخ: بماذا تتعين؟ قل بارك الله فيك بماذا تتعين؟ طالب: من الأنعام.
الشيخ: لا، لست أسأل ما الذي يُضحَّى به، أسأل بماذا تتعين الأضحية؟ إنسان عنده شاة متى تكون أضحية لازمة؟ طالب: تتعين بقوله: هذه أضحية.
الشيخ: بقوله: هذه أضحية؛ يعني بالقول، تتعين بالقول، وهل تتعين بالفعل؟ طالب: لا تتعين.
الشيخ: ليش؟ الطالب: لا إشعار ولا تقليد.

الشيخ: لأنه لا يسن لها إشعار ولا تقليد، لكن لو فُرض أن هناك علامة خاصة في الأضحية يضعها الناس، ويرون أن ما حصل له هذه العلامة فهو أضحية تعيَّنت؛ يعني معناه كل فعل يدل على التعيين فإن التعيين به.
هل يجوز بيع الأضحية؟ طالب: فيه تفصيل يا شيخ.
الشيخ: ما هو؟ الطالب: إن باعها للانتفاع بثمنها فلا يجوز، أما إن باعها ليشتري خيرًا منها، فهذا جائز.
الشيخ: إي؟ طالب: لا يجوز بكل حال يا شيخ.
الشيخ: لا يجوز بكل حال، على القول الصحيح.
هل يجوز إبدالها؟ طالب: يجوز إبدالها بخير منها.
الشيخ: يجوز إبدالها بخير منها.
ما هو الدليل على منع البيع؟ طالب: الدليل من الأثر والنظر، فأما النظر بأنه زاد (... )، وأما الأثر.. الشيخ: هذا الدليل على إبدالها بخير منها.
ما الدليل على تحريم بيعها؟ الطالب: الدليل على تحريم بيعها بأنها تعينت لله عز وجل.
الشيخ: أخرجها لله فلا يجوز له الرجوع فيها.
الطالب: كمن هاجر لله من مكان من بلاد كفر، فلا يجوز له أن يرجع إلى هذا البلد.. الشيخ: ولا فيه دليل؟ الطالب: نعم، يوجد دليل.
الشيخ: ما هو؟ الطالب: الدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر لا، عندما.. الشيخ: حين حمل على فرس.. الطالب: حين حمل على فرس في سبيل الله فقال له: «لَا تَشْتَرِهْ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ؛ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْعَائِدِ (... )» (1). الشيخ: والبيع نوع؟ الطالب: من العود.
الشيخ: نوع من الرجوع في الصدقة، إبدالها بخير منها، ما هو الدليل على جوازه؟ طالب: عندما قال أحد الصحابة للرسول صلى الله عليه وسلم: لئن فتح الله على يديك بيت المقدس.
الشيخ: لا، فتح الله عليك؟ الطالب: أيوه، بيت المقدس.
الشيخ: الرسول ما فتح له بيت المقدس.
الطالب: بلاد الشام.
الشيخ: ولا بلاد الشام.
طالب: لأصلين في بيت المقدس.

الشيخ: قال: إني نذرت أن أصلي في بيت المقدس إن فتح الله عليك مكة، فماذا قال له؟ الطالب: «صَلِّ هَاهُنَا».
الشيخ: «صَلِّ هَاهُنَا».
كمل.
الطالب: «صَلِّ هَاهُنَا».
الشيخ: فأعاد فقال؟ الطالب: «صَلِّ هَاهُنَا».
الشيخ: فأعاد ثلاثًا فقال: «شَأْنكَ» (2). هل يجوز أن يعطي الجازر شطره منها؟ طالب: لا.
الشيخ: لا، كيف؟ ! ما هو الدليل أو التعليل؟ طالب: التعليل بأنها معاوضة؛ ولأنها لله خالصة.
الشيخ: وإعطاؤه أجرته منها نوع من البيع؛ لأنه كأنه باعها في الواقع، باعها بالمنفعة التي انتفعها من هذا الجزار.
هل يجوز أن يُهدي له؟ طالب: نعم، يجوز.
الشيخ: يجوز.
طالب: يجوز الهدية إن كان غنيًّا يهدي، وإن كان فقيرًا فلا يجوز، استحق عليه الإثم.
الشيخ: بشرط ألا ينقص ذلك من الأجرة شيئًا، كذا؛ لأنه اشترط ألا ينقص من الأجرة من أجل هديته أو صدقته.
يترتب على قولنا: إنها تتعين بالتعيين ما سمعتم أنه لا يجوز بيعها، ولا إبدالها إلا بخير منها، ولا يجز صوفها إلا إذا كان أنفع لها، ومما يترتب عليه لو تعيبت؟ طالب: التعيب فيها فيه تفصيل، إذا كان التعيب بإهمال منه فإنه يضمنها.
الشيخ: إذا كان بفعله أو تفريطه.
الطالب: بفعله أو تفريطه يضمنها؟ الشيخ: نعم.
الطالب: إن كان تركها في يوم بارد بدون مأوى يقيها من البرد، والثاني: تعيبت بغير فعله.
الشيخ: ولا تفريطه.
الطالب: ولا تفريطه، فإنه لا يضمنها، وتجزئه حتى لو اختل شرط من شروط الأضحية.
الشيخ: لماذا يكون بالأول يضمنها، وفي الثاني لا يضمنها؟ طالب: لأن الأول يضمنها؛ لأنها بتفريطه وبفعله واختياره، والثاني لا يضمنها؛ لأنها بغير إرادته.
الشيخ: وهي عنده أمانة، هي عنده بمنزلة الأمانة.
لو كانت واجبة في ذمته قبل التعيين، هل تجزئ إذا تعيبت؟ طالب: لا تجزئ.
الشيخ: لا تجزئ، لماذا؟ الطالب: لأنها واجبة من الأصل.

الشيخ: لأنها واجبة في ذمته سليمة، فيجب أن يذبحها سليمة، إذا ذبح بدلها، فهل له أن يسترجعها هي؟ طالب: فيه خلاف.
الشيخ: وما هو الصحيح؟ الطالب: الصحيح أن له أن يستفيد منها.
الشيخ: أن له أن يسترجعها، صحيح، وكذلك لو ضاعت فإنه يذبح بدلها إذا كانت واجبة في ذمته قبل التعيين، فإن رجعت فهي ملكه على القول الراجح.
يقول المؤلف: إن ذبح الأضحية أفضل من الصدقة بثمنها، فلماذا؟ طالب: لأن في ذبح الأضحية تقرب إلى الله عز وجل بإظهار شعيرته.
الشيخ: بالذبح.
وإذا تصدق بثمنها هل يجزئ عن الأضحية؟ الطالب: لا.
الشيخ: لا يجزئ، أحسنت؛ لأن ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: 37].


قال: (وسُنَّ أن يأكل ويهدي ويتصدق أثلاثًا) (سُنَّ) أي شرع، لا على وجه الوجوب، بل على وجه الاستحباب، أن يقسمها -أي الأضحية- أثلاثًا، فيأكل الثلث، ويهدي الثلث، ويتصدق بالثلث، والفرق بين الهدية والصدقة، أن ما قُصد به التودد والألفة فهو هدية، لما جاء في الحديث: «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» (3)، وما قُصد به القربة إلى الله فهو صدقة، وعلى هذا فتكون الصدقة للمحتاج، والهدية للغني.
وقوله: (أثلاثًا) أي ثلث للأكل، وثلث للهدية، وثلث للصدقة؛ لأجل أن يكون انتفاع الناس على اختلاف طبقاتهم في هذه الأضحية، يعني يكون الانتفاع بهذه الأضحية شاملًا لجميع الطبقات، وقدَّم الأكل؛ لأن الله قدمه، فقال: ﴿كُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: 28].

وقول المؤلف: (يُسن أن يأكل)، ظاهره أنه لو تصدق بها كلها فلا شيء عليه، ولا إثم عليه، وهذا بناء على أن الأكل من الأضحية سُنَّة كما هو قول جمهور العلماء، وقال بعض أهل العلم: بل الأكل منها واجب يأثم بتركه؛ لأن الله أمر به، وقدمه على الصدقة؛ ولأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حجة الوداع أمر أن يؤخذ من كل بدنة قطعة، فجعلت في قدر فطُبخت، فأكل من لحمها، وشَرب من مرقها (4). قالوا: وتكلف هذا الأمر أن يأخذ من مئة بعير مئة قطعة، تطبخ في قدر، ويأكل منها تدل على أن الأمر في الآية الكريمة للوجوب؛ ولأن هذا من باب التمتع بنعم الله عز وجل، فيدخل في قوله: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» (5). وعلى كل حال لا ينبغي للإنسان أن يدع الأكل من أضحيته، واستحب بعض العلماء أن يأكل من كبدها، وعلل ذلك بأن الكبد أسرع نضوجًا؛ لأنها لا تحتاج إلى طبخ كبير، فإذا اختار أن يأكل منها وطبخها، صار من الذين يبادرون بالأكل من أضاحيه، والمبادرة بالمأمور به أفضل من التأخر.

وقول المؤلف: إنه يُهدي ويتصدق ويأكل أثلاثًا، هو ما اختاره أصحاب الإمام أحمد رحمهم الله، وقيل: بل يأكل ويتصدق أنصافًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: 28]، ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: 36]، ولم يذكر الله تعالى الهدية، والهدية من باب جلب المودة، وتحصل بهذا أو بغيرها، وهذا أقرب إلى ظاهر القرآن والسنة، لكن مع ذلك إذا اعتاد الناس أن يتهادوا في الأضاحي، فإن هذا من الأمور المستحبة لدخولها في عموم الأمر بما يجلب المودة والمحبة بين الناس، ولا شك أنك إذا أهديت من لحم الأضاحي في أيام الأضحية إلى غني أنها تقع في نفسه موقعًا أعظم مما لو أعطيته ما يقابلها من الطعام كالتمر والبر وما أشبه ذلك، وإذا كان في هذه المصلحة فهي مطلوبة، لكن تحديدها بالثلث يحتاج إلى دليل من السنة، وقد عرفتم أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يتصدق، بل تصدق بكل لحم الإبل في الهدي إلا القطع التي اختارها صلى الله عليه وسلم أن تجمع في قدر وتطبخ.
وقوله: (يسن أن يأكل ويهدي ويتصدق) ظاهر كلام المؤلف أن هذا الحكم في كل أضحية، حتى الواجبة بالنذر، فإنه يأكل منها ويُهدي ويتصدق، وهو صحيح بخلاف الواجب في الهدي فإنه لا يأكل منه إذا كان جبرانًا، ويأكل منه إذا كان شكرانًا، فدم الهدي التمتع والقِران يأكل منه، والدم الواجب لترك الواجب أو فعل المحظور لا يأكل منه، والفرق أن الثاني كفَّارة، والأول شكر؛ فلذلك أكل النبي عليه الصلاة والسلام من هديه وهو واجِب بالقِران، إذن الأضحية يأكل منها سواء كانت واجبة بالنذر، أو غير واجبة، وأما الهدي ففيه التفصيل.
ما وجب لفعل محظور أو ترك واجب فإنه أيش؟ طلبة: لا يأكل..

الشيخ: لا يأكل منه؛ لأنه يقع موقع الكفارة، وما وجب لشكر النعمة كهدي التمتع والقران فإنه يأكل منه كما جاءت بذلك السنة، أما التطوع فلا شك، ولا إشكال فيه؛ أنه يأكل منه، ويتصدق ويهدي.
ظاهر كلام المؤلف أيضًا أنه لو كانت الأضحية ليتيم فإنه يأكل منها ويهدي ويتصدق.
وقال بعض العلماء: إذا كانت ليتيم فإنه لا يأكل منها، ولا يهدي، ولا يتصدق إلا مقدار الواجب فقط، وهو أقل ما يقع عليه اسم اللحم؛ لأن مال اليتيم لا يجوز التبرع به، ولكن الصحيح أنه متى قلنا بجواز الأضحية في حق اليتيم فإنه يُعمل فيها ما جاءت به الشريعة فيُؤكل منها ويُهدى ويُتصدق، ولكن هل يُشرع أن نُضحي من مال اليتيم؟ في هذا تفصيل: إن جرت العادة بأنه يُضحَّى من أموال اليتامى، وأنه لو لم يُضَحَّ من أموالهم لانكسرت قلوبهم، فهنا ينبغي أيش؟ أن يُضحَّى من ماله كما أننا نشتري له للعيد ثوبًا جديدًا مع أن عنده ثوبًا يكفيه، لكن نشتري له الثوب الجديد من أجل أن يواسي غيره من الناس؛ فهي إذن -أعني الأضحية- من باب النفقة بالمعروف، فإذا كان من المعروف عند الناس أنه يضحى للأيتام فليضحِّ ولو من ماله، وهذا يقع في الصورة التالية؛ مثلًا إذا قلنا: هذا البيت أيتام، ليس عندهم إلا أمهم، وأمهم فقيرة، ولكن الأيتام لهم أموال ورثوها من إخوانهم، أو من أعمامهم، أو من أي إنسان، المهم عندهم مال، فهل نضحي من أموالهم لهم وندفع إليهم الأضحية ليضحوا بها، ويفرحوا بها مع الناس أو نقول: هذه أموال يتامى لا يجوز أن نتبرع منها بشيء؟ أيهما؟ طلبة: الأول.
الشيخ: الأول؛ لأن المال يخدم الإنسان، فإذا كان هؤلاء اليتامى، لو لم تدخل عليهم شاة الأضحية، ولم يأكلوا اللحم مع الناس لانكسرت قلوبهم؛ فإنه يُضحَّى عنهم من مالهم.
ثم قال المؤلف: (وإن أكلها إلا أوقية تصدق بها جاز) (إن أكلها): الضمير يعود على الأضحية؛ يعني أكلها كلها، ولم يتصدق بمقدار أوقية.

فإنه يضمن الأوقية، والأوقية معيار معروف من الكيلو أو نحو ذلك، المهم أنه معيار؛ يعني صنجة يُوزن بها، وهي أقل ما يكون من التقدير في الموزونات، وعبَّر بعض العلماء بقوله: وإن تصدق بها إلا أقل ما يقع عليه اسم اللحم؛ فإنه لا حرج عليه، لكن لو أكلها جميعًا فإنه يضمن أقل ما يقع عليه اسم اللحم، مثال ذلك: رجل ضحى بشاة، وجعلها في الثلاجة كلها، وأكلها، ماذا نقول له؟ نقول: يجب عليك الآن أن تتصدق بأقل ما يقع عليه اسم اللحم، اشترِ اللحم من السوق، وتصدَّق به من أجل حق مَنْ؟ طلبة: الفقراء.
الشيخ: الفقراء (فإن أكلها إلا عضدها أجزأه ذلك)؛ لأن العضد يقع عليه اسم اللحم.
يقول رحمه الله: (ويحرم على من يضحي أن يأخذ في العشر من شعره أو بشرته شيئًا) قال المؤلف: (يحرم على من يضحي).
طالب: وإلا ضمنها.
الشيخ: إي نعم، ذكرناها (وإلا ضمنها) ومثَّلنا بها، قلنا: (وإلا ضمنها) أي ضمن الأوقية على تقدير المؤلف أو أقل ما يقع عليه اسم اللحم، على ما ذكرنا.
قال: (ويحرُم على من يضحي أو يضحى عنه) إلى آخره.
الحرام: هو الذي يُثاب تاركه لله، من تركه لله أُثيب، وإن فعله أيش؟ طالب: عُوقب.
الشيخ: استحق العقاب على فعله.
وقوله: (يحرم على من يضحي)، إذا قال: ما هو الدليل؟ نقول: الدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا مِنْ بَشَرِهِ، وَلَا مِنْ ظُفُرِهِ شَيْئًا» (6). فقال: «إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَأْخُذَنَّ».
والأصل في النهي التحريم، هذا الدليل.

لكن ما هي الحكمة؟ الحكمة أن الله سبحانه وتعالى برحمته لما خص الحجاج بالهدي، وجعل لهذا النسك -أعني نسك الحج- محرمات ومحظورات، وهذه المحظورات إذا تركها الإنسان لله أُثيب عليها، الذين لم يحرموا بحج ولا عمرة شُرع لهم أن يضحوا في مقابل أيش؟ طالب: الهدي.
الشيخ: في مقابل.
طلبة: الهدي.
الشيخ: الهدي، وشُرع لهم أن يتجنبوا الأخذ من الشعور والأظفار والبشرة؛ لأن المحرم لا يأخذ من شعره شيئًا؛ يعني لا يترفه.
فهؤلاء أيضًا مثله، وهذه من عدل الله عز وجل وحكمته، كما أن المؤذن يُثاب على الأذان، وغير المؤذن يثاب على المتابعة، شرع له أن يتابع.
إذن الدليل الحديث: «إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَأْخُذَنَّ»، والتعليل أن يعطى أهل الأمصار شيئًا مما يعطاه أهل المشاعر.
وقول المؤلف: (يحرم) هذا أحد القولين في المسألة، والقول الثاني أنه يكره، وليس بحرام، ولكن الذي يظهر أن التحريم أقرب؛ لأنه الأصل في النهي؛ ولأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أكد النهي بقوله: «فَلَا يَأْخُذَنَّ» والنون هذه للتوكيد؟ وقول المؤلف: (على من يُضحِّي)، يفهم منه أن من يُضحَّى عنه، فلا حرج عليه أن يأخذ من ذلك، وهذا هو ظاهر الحديث أن التحريم خاص بمن؟ طالب: بمن يضحي؟ الشيخ: بمن يضحي، وعلى هذا فيكون التحريم مختصًّا برب البيت، وأما أهل البيت فلا يحرم عليهم ذلك، وهذا القول هو الراجح، ودليله أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم علق الحكم بمن؟ طلبة: بمن يضحي؟ الشيخ: بمن يضحي؟ فمفهومه أن من يضحى عنه لا يثبت له هذا الحكم، ودليل آخر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يضحي عن أهل بيته، ولم ينقل أنه كان يقول لهم: لا تأخذوا من شعوركم وأظافركم وأبشاركم شيئًا، ولو كان حرام عليهم ذلك لنهاهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عنه.
فإن قال قائل: ما وجه قول من يقول: إنه يحرم على من يُضحي أن يضحى عنه؟

جارٍ التحميل