الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 6664-6703

الآن عندنا في الشرح يقول: (إذا قال لإحداهن: أنتِ طالق للسنة طلقة، وللبدعة طلقة، وقعتَا في الحال، إلا أن يريد في غير الآيِسَة إذا صارت من أهل ذلك، وإن قاله لمن لها سنة وبدعة فواحدة في الحال، والأخرى في ضد حالها إذن)، شوف: أنتِ طالق للسنة طلقة، وللبدعة طلقة، نقول: تَطلُق؟ تطلق في الحال طلقتين، ما هي طلقة واحدة، ويش السبب؟ طالب: لأنه قال: بدعة في الحال.
الشيخ: أنه ليس لها سنة ولا بدعة، فكأنه قال: أنتِ طالق، أنتِ طالق.
طالب: في كل الحالات؟ الشيخ: فهمت الآن؟ لماذا؟ لأنه ليس له سنة وبدعة، فإذا قال: أنتِ طالق للسنة وأنتِ طالق للبدعة، نقول: تطلق طلقتين في الحال.
طالب: إلا إذا أراد التوكيد.
الشيخ: حتى ولو أراد التأكيد، لأنه في هذه الحال لا يصح التوكيد، التوكيد إنما يكون في جملتين متطابقتين، أما هنا الجملتان مختلفتان: طالق للسنة، والثانية طالق للبدعة، فلا يصح التوكيد، خلافًا لمن قال: إلا إذا أراد التوكيد.
إذن إذا قال لمن لها سنة وبدعة: أنتِ طالق للسنة، وهي الآن عليها حَيْض، تَطلُق ولّا لا؟ طلبة: ما تطلق.
الشيخ: والسبب؟ لأن الطلاق الآن بدعة، تنتظر حتى تطهر، وحينئذ يقع عليها الطلاق.
(... ) إذن أنتِ طالق للسنة وأنتِ طالق للبدعة، تقع واحدة في الحال على كل حال؛ لأنها إما على سنة وإما على بدعة، والثانية تقع إذا كانت على ضد هذه الحال، فإن كانت الآن على السنة ويش اللي يتأجل؟ طلاق البدعة، وإن كانت على البدعة فطلاق السنة.
طالب: (... )؟ الشيخ: لأنه ما بعد جاء وقت طلاق البدعة إلى الآن، إذا كانت الآن طاهرًا وقال: أنتِ طالق للسنة وطالق للبدعة.. طالب: طلقت.
(... ) الشيخ: أقول: هؤلاء ليس لهن سنة ولا بدعة، فتبين أنه إذا قال: أنتِ طالق للسنة، فإنها تقع في الحال إن كانت طاهرًا لم يجامعها فيه، وإن كانت حائضًا أو في طُهْر جامَعَها فيه انتظرت إلى أن تكون على وصف السنة.

هذا في غير هؤلاء الأربع، أما في هؤلاء الأربع فهو من يوم يقول: أنتِ طالق، فإنها تطلق؛ لأنها ليس لها سنة ولا بدعة، حتى لو قال: أنتِ طالق للسنة، وأنتِ طالق للبدعة، كم تطلق؟ تطلق مرتين في الحال، ليش؟ لأننا بنشطب على (للسنة)، ونشطب على (للبدعة) حيث لا سنة لهن ولا بدعة.
فالخلاصة –أهم شيء من هذا– مسألة: أنتِ طالق لكذا، وأنتِ طالق لكذا، هذه مسائل تعليق الطلاق، ويأتينا إن شاء الله، أهم شيء أنه على المذهب يجوز أن يطلق هؤلاء النساء بدون انتظار، أو لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: في التي لم يدخل بها يطلقها ولو كانت حائضًا ما يهم، تطلق.
ثانيًا: في الصغيرة والآيِسَة يطلقها في الحال ولو كان قد أصابها، أو لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: الدليل قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]، وعدة الآيِسَة والصغيرة ثلاثة أشهر تبدأ من الطلاق، فيكون قد طلقهما للعدة.
الحامل ويش الدليل على وقوع الطلاق فيها، وأنه ليس لها لا سنة ولا بدعة؟ ﴿وَأُولاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4]، فإذن هو من يوم يطلقها تبتدئ في العدة.
طالب: بالنسبة للنفساء لو قلنا: إنه يقع مفهوم من مطلق الجواز أنه ما لها دليل خاص؟ الشيخ: لا، ما لها دليل خاص، لكن الأصل الحِلّ.
طالب: الدليل؟ الشيخ: الدليل قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]؛ لأن هذه ما لها عدة، فيكون طلاقها جائزًا بكل حال بدون انتظار.
طالب: ما نقول: إنه مثل الحيض؛ لأنه دم يخرج؟ طالب آخر: النفساء المطلقة قلنا: ما هي البدعة في العدد، التعليل؟ الشيخ: ما لهم تعليل أبدًا، يمكن تعليل في غير المدخول بها بأنهم يقولون إذا قال: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالق، وقع الطلاق في الأول ولم يلحقه الثاني؛ لأن هذا ليست فيه علة، هذا وجيه إذا كان متعاقبًا، لكن إذا قال: أنتِ طالق، ثلاثًا، وقع الثلاث في غير المدخول بها.
طالب: (... )؟

الشيخ: أيهم؟ الطالب: هذا القول لا بدعة (... )؟ الشيخ: لا، هذا المذهب، الجمهور تقدم أن مذهب الشافعي جواز العدد، جواز الطلاق بدون أي شيء.
طالب: ما نقيس النفساء على الحائض؟ الشيخ: لا، ما نقيس.
الطالب: يخرج من كل منهما دم.
الشيخ: ما هو العلة ها الدم، العلة أنه يطلق للعدة، فإن طلق للعدة جاز الطلاق وإلا فلا، وطلاق النفساء تبتدئ العدة من المطلَّقة.
طالب: (... )؟ الشيخ: في اللي طلقها طاهرًا؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: قالوا: إنه يخاطب في امرأة تحيض.
الطالب: والعبرة (... ). الشيخ: لا، ما هو العبرة.. «فَلْيُطَلِّقْهَا» هذه المرأة طاهرًا أو حاملًا، هو الآن يوجَّه الخطاب إلى مَن؟ إلى ابن عمر الذي طلق امرأته وهي حائض، فالعبرة بعموم اللفظ إذا وُجِد، نعم نقول: هذا ما يخص ابن عمر، يعم كل إنسان طلَّق امرأته في حال الحيض، لكن العلة التي أمر الرسول قال: «فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» (5)، ويش الله أَمَرَ؟ طالب: أن تطلَّق للعدة.
الشيخ: النفساء إذا طلقها ابتدأت في العدة من الآن؛ لأن هذا النفاس ما يحتسب، فدل هذا على أن المراد بحديث ابن عمر مَن كان في مثل حال ابن عمر، وهذا هو السبب في أننا نقول: العبرة بعموم اللفظ، بمعنى أنه لا يختص بابن عمر نفسه لكنه يعم من كان مثله، مثل ما مَرَّ علينا في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» (6)، هذا عام، لكنه إنما يعم مَن كان في مثل حال ذلك الرجل الذي كان متكلِّفًا، أما غيره فقد يكون من البِرّ الصيام في سفره.
فلهذا ينبغي أن يعرف طالب العلم ويش معنى العموم، ويش معنى الخصوص، العموم من حيث المعنى دون الشخص، وليس المراد عموم الأحوال في كل حال، فهنا نقول: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فلا نقصر الحكم على ابن عمر، لكن نقول: هو عام في كل مَن شابه حال ابن عمر، أما من خالفها فلا.

فنأتي على كلمة (طاهر)، فإذا قال قائل: النفساء ليست بطاهر، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «مُرْهُ فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا» (3)، ثم بَيَّنَ الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: «فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» (7)، فما هي العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء؟ هو قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]، والنفساء مطلَّقة لعدتها؛ إذ إنها تشرع في العدة من حال الطلاق، مثل ما لو طلقها بعد أن طهرت من النفاس فإنها تبدأ بالعدة من حال الطلاق.
(... ) طالب: تقول: إن جامعها بعد انقضاء النفاس، قبل أن تحيض يعني.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: كيف تكون.. الشيخ: إن جامعها تبقى، ما يجوز يطلقها إلا إن جاءها الحيض، لو بقيت سنتين ما فيه بأس.
طالب: (... )؟ الشيخ: لا، الشيخ ما قال.. يقول: إذا امتنع حيضها وعلمت أنه لن يرجع فهي آيسة.
الطالب: (... )؟ الشيخ: خلاص، إذا علمت نفسها أنها ما ترجو وجوده فعدتها تكون بالأشهر، لكن العلماء يقولون: إنها إذا لم تعلم ما رفعت تنتظر سنة كاملة؛ تسعة أشهر للحمل وثلاثة للعدة، حتى المذهب، أما عند الشيخ فيقول: إذا عَلِمَت ما رَفَعَه انتظرت حتى يزول ذلك الرافع، ثم إن عاد الحيض (... )، وإن لم يعد انتظرت سنة احتياطًا، مع أن هذا البحث يا إخوان ما هو ببحث الـ، بحث العِدد هذا ما هو بحث الطلاق، إحنا الآن نبحث في الطلاق وعسانا نفهمه.

فالمهم الآن الخلاصة: هؤلاء الأربعة يُطَلِّق الإنسان منهن من شاء متى شاء، ليس في طلاقهن سنة ولا بدعة، بمعنى أن طلاقهن لا يوصف بأنه طلاق سنة ولا طلاق بدعة، لماذا؟ لأن طلاق السنة لا يكون إلا حيث يكون طلاق البدعة، وهؤلاء لا بدعة في طلاقهن، وذلك لأن مَن لم يدخل بها ليس عليها عدة، فيطلقها متى شاء، والصغيرة والآيِسَة من يوم يطلقها تَشْرَع في العدة فقد طلَّقَها لعدتها، ومَن بَانَ حملها كذلك تشرع في العدة من حين ما يطلقها، فقد طلقها لعدتها، وأصل كل ذلك قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1].


ثم قال المؤلف رحمه الله: (وَصَرِيحُهُ) يعني: صريح الطلاق، (لفظُ الطلاق وما تصرَّف منه).
لفظ الطلاق مثل أن يقول: أنتِ طالق، أو: أنتِ الطلاق، إذا قال: أنت الطلاق، طَلَقت، كيف أنت الطلاق؟ نعم؛ لأن الطلاق اسم مصدر، طلَّق يُطلِّق، والمصدر؟ طالب: طلاقًا.
الشيخ: لا، تطليقًا، واسم المصدر: طلاق، فإذا قال: أنت الطلاق، فقد جعلها نفس الطلاق مبالغةً.
أو على أن نجعل الطلاق -اسم المصدر- بمعنى اسم الفاعل، يعني أنتِ طالق، أو على أن نجعلها على تقدير مضاف، أي: أنت ذاتُ الطلاق، وهذا مر علينا، وهو أنه إذا وُصِف الفاعل بالمصدر فله ثلاثة توجيهات: إما أن يكون وُصِفَ به مبالغة، أو أن المصدر بمعنى اسم الفاعل، أو أنه على تقدير مضاف، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: 177]، وتقدم لنا هذا في التفسير.
كذلك (ما تصرَّف منه) مثل: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أو: طَلَّقْتُكِ، أو أنت مُطلَّقة، واستثنى المؤلف مما تصرف منه، قال: (غيرَ أمرٍ ومضارعٍ ومُطَلِّقَةٍ اسمَ فاعل).
(غير أمر)، مثل أيش؟ طالب: اطْلُقِي.
الشيخ: لا، اطلُقِي، تَطلُق.
(غير أمر) مضافٍ لها، مثل؟ طَلِّقي، هذا ما يقع الطلاق معلوم.
(أو مضارع) أيضًا مضاف لها، مثل: تُطَلِّقين، أو (مُطَلِّقةٍ اسمَ فاعل)، لماذا؟

لأن الطلاق المتصرِّف هنا في هذه الصيغ مضاف إلى مَن؟ إليها هي، وهي غير مُطلِّقة، فإذا جاء الأمر: طَلِّقِي، يا فلانة طَلِّقي، ما نقول: يقع الطلاق، أو لا؟ لأن الطلاق منها أو عليها؟ طلبة: عليها.
طالب آخر: منها.
طالب آخر: هي دي حال منها.
الشيخ: حال للصيغة، لكن أصل الطلاق عليها لا منها، و (طلِّقي) هذه منها.
كذلك (تُطَلِّقين) هذا أيضًا منها لا عليها.
(مُطَلِّقة اسم فاعل) منها، أما لو قال: (مُطَلَّقة) فعليها، ويقع الطلاق؛ اسم مفعول.
طالب: ولا تثبت (... )؟ الشيخ: لا، ما يستتر فيها.
(... )


بسم الله الرحمن الرحيم.
تنبيه: وقع في جواب على سؤال أنه إذا قال للحامل: أنتِ طالق للسنة، فإنها لا تطلق؛ لأنه لا سُنَّة في طلاقها ولا بدعة، ولكن الذي في الشرح – شرح الروض– أنها تطلق في الحال، ويلغون وصف السنة لأنه ليس لها سنة ولا بدعة، وقد شرحنا هذا في أثناء الدرس بأنه إذا قال: أنتِ طالق للسنة وللبدعة، فإنه يقع في الحال طلقتين، انتبهوا لهذا.
(... ) (به) أي: بالصريح، (فيقعُ به) يعني: فيقع الطلاق بالصريح، إذا قال الإنسان لفظ الطلاق الصريح وقع، ولكن تقدم لنا أنه لا يصح إلا من زوج أو وكيله، ولا بد أن يكون من مكلَّف أو مميِّز يعقله.

فإذا وقع الطلاق من أهله فإنه (يقع به)، أي: بالصريح، (وإن لم يَنْوِه)، يعني: وإن لم يَنْوِ الطلاق، مثل إنسان قال لزوجته: أنتِ طالق، وما نوى شيئًا، بس قال: أنتِ طالق، ولا نوى الطلاق، وهو يعرف معنى أنتِ طالق، أن معنى أنتِ طالق، يعني: أنني فارقتك، فإنه يقع الطلاق به، وإن لم يَنْوِه؛ وذلك لأنه فراق معلَّق على لفظ فحصل به، وليس عملًا يتقرب به الإنسان إلى ربه حتى نقول: إنما الأعمال بالنيات، هذا لفظ فراق يحصل به، أي: بهذا اللفظ، فمتى وُجِد تَمَّ الفراق، مثل البيع والشراء والإجارة والهبة إذا حصل من الإنسان لو ما نوى، ما دام وُجِدَ لفظ يحصل به الفراق فإنه يقع به، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد؛ أنه يقع الطلاق بالصريح وإن لم يَنْوِه.
واعلم أنه إذا طلق فتارة ينوي الطلاق، وتارة ينوي غيره، وتارة لا ينوي شيئًا، كم دُولِي؟ ثلاثة، إن نوى الطلاق وقع ولا إشكال فيه، وإن نوى غيره فسيأتي، وإن لم يَنْوِ الطلاق ولا غيره يقع، نأخذه من كلامه هنا: (فيقع به وإن لم ينوه).
وقال بعض أهل العلم: إنه إذا لم يَنْوِه فإنه لا يقع؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89]، مع أن اليمين له حكم معلَّق عليه ولّا لا؟ له حكم معلَّق عليه، فإذا حلف الإنسان تعلَّق الحكم بيمينه بلفظه، ومع ذلك لم يجعله الله سبحانه وتعالى معتبَرًا إلا إذا نَوَاه، ﴿بِمَا عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ﴾، فإذا كان اليمين لا ينعقد إلا بالنية فالطلاق أيضًا لا ينعقد إلا بالنية، فمن لم يَنْوِه لم يقع.
ولكن لاحظوا أنه سبق لنا أن مَن لم يَنْوِه لإغلاق فإنه لا يقع؛ هذا معروف، لكن كلامنا اللي ما عنده إغلاق ولا شيء.

وهذا القول كما ترون تعليله قوي جدًّا، وكيف يؤاخَذ الإنسان بلفظ جرى على لسانه بدون قصد؟ ! لكن الذين يقولون بالمؤاخذة به يقولون: إن اليمين حق بينه وبين الله، وقد عفا الله عنه، والطلاق حق بينه وبين غيره، الزوجة تقول: حصل اللفظ، ما عليَّ من نيته، نوى ولّا ما نوى، ما دام حصل اللفظ فهي تطالب بالفراق، هذه واحدة.
الثاني، قال: (جَادٌّ أو هازِل)، يعني معناه: أنه يقع من الجادّ ومن الهازِل، الفرق بينهما أن الجادّ قصَد اللفظ والحكم، والهازِل قصد اللفظ دون الحكم، هذا الفرق بينهما، فالجادّ قاصد اللفظ والحكم، طلَّق زوجته قاصدًا اللفظ وقاصدًا الحكم وهو الفراق، وأما الهازِل فهو قاصدٌ للفظ غيرُ قاصد للحكم، يقول مثلًا: أنا أمزح على زوجتي، أو أمزح مع صديقي مثلًا، فقلت: إن زوجتي طالق، أو ما أشبه ذلك، أمزح، ما قصدت أنها تطلُق، صحيح أنا قصدت اللفظ، لكن ما قصدت أنها تطلُق، أمزح.
نقول: الحكم يترتب عليه، لماذا؟ لأن الصيغة وُجِدَت منك، والحكم إلى الله، الصيغة وُجِدَت منك الآن، وهي: أنتِ طالق، أو زوجتي مطلَّقة، أو ما أشبه ذلك، والحكم إلى مَن؟ إلى الله، ما هو أنت اللي تتحكم فيه، ما دام وُجِد لفظ الطلاق بنية معتَبَرة من إنسان عاقل يعقل ويميز ويدري ما هو، فكونه يقول: أنا ما قصدت أن يقع، هذا ليس إليه، هذا إلى الله.
هذا من جهة التعليل من جهة النظر.
أما من جهة الأثر فعندنا حديث أبي هريرة: «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ» (8)، وهذا دليله من الأثر، أما من النظر فقد علمتم ذلك.
وقال بعض أهل العلم: إنه لا يقع الطلاق من الهازِل، وكيف يقع الطلاق من الهازِل وهو لم يُرِدْه، ما أراد إلا اللفظ فقط؟ ! وشنَّع بعض العلماء على من قال بوقوع طلاق الهازِل، فقال: أنتم تقولون: إنه هَزْلٌ ليس بجد، يضحك ويمزح، كيف تقولون: يقع، وتعاملونه معاملة الجد؟ !

ولكن الرد على هؤلاء أن نقول: إننا ما قلنا إلا ما دَلَّ عليه الدليل، والحديث هذا صححه بعضهم وحَسَّنَه بعضهم، ولا شك أنه حجة، فنحن نأخذ به.
ثم إن النظر يقتضيه؛ لأننا لو أخذنا هذا الأمر وفتحنا الباب لكان كل واحد يدَّعِي هذا، ولا يبقى طلاق على الأرض، فالصواب أنه يقع سواء كان جادًّا أو هازِلًا.
ثم إن قولنا بالوقوع فيه فائدة تربوية، وهي كبح جماح اللاعبين، إذا عَلِمَ الإنسان اللي بيلعب بالطلاق وشِبهه أنه يؤاخَذ به يُقْدِم عليه ولّا لا؟ ما يُقْدِم أبدًا، إذا راح هذا شرقًا راح هذا غربًا، لكن علم أنه يقول: بس أنا والله أمزح، وهم يقولون: خذ امرأتك؛ يطلِّق ألف مرة ويقال: خذ امرأتك، لا شك أنه يفتح بابًا للناس، وتُتَّخَذ آيات الله هزوًا.
طالب: لماذا نقول: إن غير القاصد يتلفظ به غير قاصد له؟ الشيخ: اللي غير قاصد لفظه؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: أو لحكمه.
الطالب: وبين هذا وهذا يا شيخ؟ اللي غير قاصد اللفظ؟ الشيخ: اللي قاصد اللفظ ما قصد اللفظ.
الطالب: قصد اللفظ دون الحكم.
الشيخ: هذا قصد اللفظ ونوى، قال: أنتِ طالق، قال: أنا أردت هذا.
الطالب: ما يعرف الحكم.
الشيخ: لا، يعني ما يدري ويش معنى أنتِ طالق؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: هذا سبق لنا أنه ما يقع الطلاق.
الطالب: لا، لو (... ). الشيخ: قلنا: الفرق بين الهازِل والجادّ، الجادّ أراد اللفظ والحكم، والهازِل أراد اللفظ دون الحكم، هو يعرف الحكم، لكن يقول: أنا ما أردته، أنا أمزح.
الطالب: وقلت قبل هذا: إن من ذكر تلفظ به غير قاصد اللفظ.
الشيخ: هذاك النية، يقول: ما نويت الطلاق، هذا يقول: أنا ناوٍ الطلاق وعارفه لكن هازل أمزح.
الطالب: ما الفرق بينهما؟ الشيخ: الفرق بينهما هو هذا، هذاك قال: أنتِ طالق، ولا نوى الفراق إطلاقًا لا جادًّا ولا هازلًا، وهذا قال: أنتِ طالق، ونوى الطلاق، لكنه يمزح، هذا الفرق بينهما.
طالب: كيف يمزح؟

الشيخ: يضحك عليها؛ يضحك مع زوجته ولّا مع صديق له ولّا ما أشبه ذلك.
طالب: وكيف هذه تتصور يا شيخ؟ الشيخ: الأولى تتصور ما عنده هزل، يقول: صحيح أنا قلت: أنتِ طالق، لكن ما قصدت الطلاق إطلاقًا، يعني نفس الفراق ما قصَده، ما قصَد إلا مجرد: أل وطاء ولام وقاف بس.
طالب: وهو يفهم معناها يا شيخ؟ الشيخ: إي، يفهم المعنى، لكن ما نواه.
الطالب: كيف ما ينويه؟ الشيخ: نعم يفهم معناه ولا نواه، يقول: أنا ما على بالي إنه طلاق إنه للفراق، ولا على بالي إنه الطلاق من وثاق ولا شيء، ما قصد شيئًا آخر.
الطالب: الوثاق.
الشيخ: ما قصد.
طالب: هذا الهزل يا شيخ في الطلاق.
الشيخ: ما هو هزل، الهزل أنه يعرف الطلاق ويريد معنى الطلاق، لكن ما يريد حكمه، ما يريد أن يقع، قال: صحيح أنه قال لزوجته: أنتِ طالق، ويعرف أيش معنى الطلاق، وقصد اللفظ، لكن يقول: ما قصدت أني أفارقها أو تفارقني، ولكن أنا أمزح عليها، من باب المزح، هذا الفرق، وهو صحيح الفرق دقيق جدًّا، لا شك أن الفرق دقيق، لكن الفرق بينهما هو: أن مَن لم يَنْوِ الطلاق ما نوى الطلاق إطلاقًا لا جادًّا ولا مازحًا، أما هذا نوى الطلاق لكنه يمزح عليها.
الطالب: العلة (... ). الشيخ: أيهم؟ الطالب: اللي لم يمزح.
الشيخ: إي.
الطالب: لأنه إذا فتحت الباب قد يقول: أنا مازح.
الشيخ: قلنا: المذهب إنه وإن لم يَنْوِه، لكن فيه قول ثانٍ أنه لا يقع به؛ لأن الله تعالى.. وذكرنا الدليل.
طالب: بالنسبة إذا كان يجهل الحكم؟ الشيخ: ما علينا مِن جَهْل الحكم.
الطالب: وإن طَلَّق ما يدريه أنها تطلق؟

الشيخ: ما علينا؛ لأن كون الإنسان يجهل ما يترتب على فعله ما هو معناه ما يؤاخذ به، والدليل على ذلك أن الرسول أخبر بأن الرجل يتكلم بالكلمة من غضب الله أو من رضوان الله (9)، وهو ما يدري ويش تبلغ، ومع ذلك تبلغ به ما بلغت، فأنت ما يلزم، أو أحد مثلًا زنى، وقال: والله إنه داري أن الزنا حرام، لكن ما درى أنه يُجْلَد مئة جلدة، لو درى أنه يُجْلَد مئة جلدة ما زنى، هل نرفع عنه الحكم؟ طلبة: لا.
الشيخ: فجهل الإنسان بتَرَتُّب أحكام فعله عليه هذا لا يُعْذَر به، ما دام عرف أن هذا الشيء محرَّم، أو هذا الشيء واجب، كونه ما يدري ويش يترتب ما هو بلازم.
مثلًا إنسان أحرَم بالعمرة ويدري أن العمرة واجبة مثلًا، قال: والله أنا بأهوّن، ما طال عليّ..، ليش هو ما يمكن؟ قال: أنا ما دريت أن الواحد إذا أحرم لازم يتمم، ويش نقول له؟ نُلزمه بالإتمام، فجهل الإنسان بما يترتب على فعله وهو يدري أن الفعل هذا مثلًا واجب أو حرام لا يرفع الحكم.
طالب: كنت مع أحد الإخوان قلت له: هل تزوجت؟ قال: لا، طلقت، وهو ما طلق، ما الحكم؟ الشيخ: بيجينا هذا.
طالب: (... ) مثلًا أنتِ طالق.
الشيخ: اتركها بس يا رجّال، خلونا نعرف الآن اللي بالكتاب، وفروع الطلاق يعني حاطين العلماء يمكن ستين صفحة في الطلاق وفروعه، وأنتِ وأنتِ، وإن كان قلتِ مثل اللي أقول: أنتِ طالق، وما أشبه ذلك، (... ) هذا ما علينا منه، كصيغ ما علينا منها، إحنا ودنا الآن ما بعد وصلنا للتفريعات، ودنا نعرف الأصول اللي نضبط له ما يقع وما لا يقع؛ لأننا ابتدائيون.
فهمنا الآن إذا ألقى الإنسان الطلاق بلفظ صريح، ويش حكمه؟ يقع به الطلاق، سواء نواه أم لم يَنْوِه أو نوى غيره، وسواء كان جادًّا أم هازلًا، أقولها القاعدة هذه.


قال المؤلف: (فَإِنْ نَوَى بِطَالِقٍ مِنْ وَثَاقٍ).
(إن نوى بطالق) يعني: إن نوى بكلمة (طالق)، إن نوى بها طالقًا من وثاق، هل يُقْبَل؟

ذكر المؤلف عدة مسائل ثم قال: (لم يقبل حكمًا)، هو قال لزوجته: أنتِ طالق، قالت: الحمد لله أن الله فَكَّنِي منك، خلاص طلقت.
قال: لا، أنا ناوٍ طالقًا من وَثَاق، يعني ما قُيِّدَت يداكِ ورجلاكِ، يعني: يداك ورجلاك غير مقيدة، هذا معنى (طالق من وثاق).
ماذا نقول؟ اللفظ يحتمل ولّا ما يحتمل؟ يحتمل، نقول: لا يُقْبَل حكمًا، وكلما سمعت: لم يُقْبَل حكمًا، يعني: لم يُقْبَل عند المحاكمة، إن رَافَعَتْه وحاكَمَتْه ما يُقْبَل، السبب أنه ما يُقْبَل؟ لأن ما يدعيه خلاف ظاهر لفظه.
إذا لم تحاكمه وصدَّقَتْه ووكَلَت الأمر إلى دينه فهي زوجته.
إذن ما معنى (لم يُقْبَل حكمًا) إذا جاءت في كلام الفقهاء؟ أي: لم يُقْبَل عند المحاكمة، وأما فيما بينه وبين الله فإنه يُقْبَل، فإذا رضيت الزوجة بدينه وقالت: نعم، هذا رجل أنا أصدقه أنه يريد بقوله: أنتِ طالق، أي: من وثاق، فإنها لا تطلق.
كذلك (أو في نكاح سابق منه أو من غيره)، قال: نعم أنا أردت أنتِ طالق، لكن في النكاح السابق، وهي متزوِّجة مرتين، قال: طالق في النكاح السابق، ويش الحكم؟ لم يُقْبَل حكمًا، إذا رَافَعَتْه ما يُقْبَل، لماذا؟ لأن ما يَدَّعِيه خلاف الظاهر؛ إذ إن الظاهر أن معنى قولك.. ولو سُئِلَ: أَطَلَّقْتَ امرأتَك؟ فقالَ: نعم وَقَعَ، أو ألك امرأةٌ؟ فقالَ: لا وأَرادَ الكَذِبَ فلا.
(فصلٌ) وكناياتُه الظاهرةُ، نحوَ: أنتِ خَلِيَّةٌ وبَرِيَّةٌ وبائِنٌ وبَتَّةٌ وبَتْلَةٌ وأنتِ حُرَّةٌ وأنت الْحَرَجُ، والخفِيَّةُ نحوَ اخْرُجِي واذْهَبِي وذُوقِي وتَجَرَّعِي واعْتَدِّي واسْتَبرِئي واعْتَزِلِي ولستِ لي بامرأةٍ والْحَقِي بأَهْلِكِ وما أَشْبَهَه، ويَقَعُ مع النِّيَّةِ بالظاهرة ثلاثٌ وإن نَوَى واحدةً، وبالخفِيَّةِ ما نَوَاه.
(فصلٌ)

وإن قالَ: أنتِ عليَّ حرامٌ أو كظَهْرِ أُمِّي فهو ظِهارٌ ولو نَوَى به الطلاقَ، وكذلك ما أَحَلَّ اللهُ عليَّ حَرامٌ، أعني به الطلاقَ.
طَلُقَتْ ثلاثًا، وإن قالَ: أَعْنِي به طَلاقًا فواحدةٌ، وإن قالَ: كالْمَيْتَةِ والدمِ والخنزيرِ وَقَعَ ما نَواه من طلاقٍ وظِهارٍ ويَمينٍ، وإن لم يَنْوِ شيئًا فظِهارٌ، وإن قالَ: أَمْرُك بيَدِك مَلَكَت ثلاثًا ولو نَوَى واحدةً، ويُتَرَاخَى ما لم يَطَأْ أو يُطَلِّقْ أو يَفْسَخْ، ويَخْتَصُّ اختاري نفسَك بواحدةٍ وبالمجْلِسِ الْمُتَّصِلِ ما لم يَزِدْها فيهما، فإن رُدَّت أو وَطِئَ أو طَلَّقَ أو فَسَخَ بَطَلَ خيارُها.

(بابُ ما يَخْتَلِفُ به عددُ الطلاقِ)

يَمْلِكُ مَن كلُّه أو بعضُه حُرٌّ ثلاثًا والعبدُ اثنتينِ طالب: (وقع).
الشيخ: (ألك امرأة؟ قال: لا) وأراد الطلاق فإنه يقع.
وهذا صريح ولَّا كناية؟ هذا كناية؛ لأن الصريح أن يكون بلفظ الطلاق وما تصرف منه، كما سبق: (صريحُه لفظُ الطلاقِ وما تصرَّف منه)، وهنا قال: (قيل له: ألك امرأة؟ قال: لا) وأراد الطلاق، نقول: تطلق؛ لأنها كناية، والكناية لا يقع بها الطلاق إلا بنية أو قرينة.
وعلى هذا فلا تطلق امرأته، سواء أراد الكذب أو لم يرد شيئًا.
فصارت الأقسام كم؟ ثلاثة: أراد الطلاق، أراد الكذب، لم يرد شيئًا؛ إذا أراد الطلاق وقع الطلاق، إذا لم يرد شيئًا أو أراد الكذب على صاحبه فلا طلاق؛ لأنه ليس بصريح.
فإذا قال قائل: إذا كان ليس بصريح، لماذا توقعون الطلاق عليه؟

قلنا: لأن اللفظ يحتمله وقد نواه، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (1)، فما دام اللفظ يحتمله ونواه يقع، لا مانع منه.
ولاحظوا أننا نقول: إن اللفظ يحتمله، فإذا كان اللفظ لا يحتمله فإنه لا يقع به طلاق لو نوى الطلاق؛ إذا أتى الإنسان بلفظ لا يحتمل الطلاق ونوى الطلاق فلا يقع الطلاق؛ مثل أن يقول: أنت طويلة، أو: أنت قصيرة، وقال: أنا نويت الطلاق، تطلق؟ ما تطلق؛ لأن هذا اللفظ لا يحتمل الطلاق إطلاقًا.
كما لو قال: أعطيني الفطور، وجابت الفطور له، قال: خلاص (... ) طلاق، أما مطلقك بقولي: أعطيني الفطور، يقع الطلاق؟ ما يقع.
إذن الكناية ما يقع بها الطلاق إلا إذا كانت مما يحتمل الطلاق، أما ما لا يحتمله فليس بشيء.
طالب: أحسن الله إليك، إذا قيل له: ألك امرأة؛ يعني: أتزوجت؟ الشيخ: أتزوجت؟ الطالب: فقال: لا، طلقت.
الشيخ: لا طلقت؟ الطالب: لا، قال: طلقت.
الشيخ: طلقت زوجتي؟ الطالب: (... ). الشيخ: يكون مثل الأول؛ إذا نوى الطلاق هو طلاق.
الطالب: يعني: يقع الطلاق؟ الشيخ: يقع الطلاق.
الطالب: قلنا سابقًا: إنه ما يقع.
الشيخ: كيف ما يقع؟ الطالب: (... ). الشيخ: الهازل؟ الطالب: لا، قيل له: تزوجت؟ قال: لا، طلقت.
الشيخ: لا، إذا كان متزوجًا، أما إذا كان ما تزوج إي، إذا قال: طلقت فهو طلق، إلا إذا أراد الكذب؛ إذا أراد أنه يكذب على هذا الرجل.
الطالب: إي، أراد أنه يمزح كذبًا.
الشيخ: لا، ما هو بيمزح، فرق بين المزح وبين الكذب؛ الكذب الإخبار بخلاف الواقع، والمزح الإخبار بالشيء لكنه لا يريد وقوعه.
الطالب: إي، هو ما يريد وقوعه.
الشيخ: لكن هو يريد الكذب على هذا الرجل، ولَّا إنشاء الطلاق؟ الطالب: جامع بين الكذب والمزاح.

الشيخ: لا، إن كان هو أراد الإنشاء -إنشاء الطلاق- لكن مزحًا فالطلاق ما فيه مزح، وإن كان أراد الكذب على هذا يقول: إني طلقت زوجتي وهو يكذب ما طلق، هي ما تطلق، لكنه -كما قلنا قبل قليل- لو حاكمته المرأة يؤخذ بالظاهر، إي نعم.
طالب: (... )؟ الشيخ: كل من أتى -تقدم لنا هذه في الدرس- إذا أراد أنها طالق من زوج سابق أو ما أشبه ذلك، كل من أتى بالصريح ما يُقبل حكمه، خلاف الظاهر.
فيه بالشرح عبارات ودي أن أقرأها؛ لأنها مهمة، يقول: وإن كتب صريح طلاق امرأته بما يبين وقع وإن لم ينوه؛ لأنها صريحة فيه، كتب طلاق امرأته بما يبين فإنه يقع الطلاق، السبب لأن الكتابة صريحة؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282]، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» (2)، فإذا كتبه بما يَبِين وقع الطلاق؛ مثل كتب: امرأتي فلانة طالق يَقَعَ.
وقوله: (بما يَبِين) احترازًا مما لو كتبه بما لا يبين؛ مثل كتب بأصبعه على الجدار: امرأتي فلانة طالق، على الجدار، يبين ولَّا ما يبين؟ ما يبين.
أو كتب بالماء؛ عنده ماء في طشت وكتب: امرأتي فلانة طالق، يقع؟ ما يقع.
طيب، فيه حِبْر الآن يَبِين لكن يبقى عشر ثوانٍ وينمحي، ما تقولون فيه؟ طلبة: (... ). الشيخ: لا، ما اطلعتم عليه هذا؟ حبر؛ يعني: إذا انكبَّ على ثوبك (... )، لكن عشر ثوان يعود كما كان.
طالب: إذا شافه أحد وشهد عليه (... ). الشيخ: طيب، على كل حال ظاهر كلام الفقهاء أنه وإن كان يبين ولو لحظة، ما دام يبين فهو طلاق.

فإن قال: لم أرد إلا تجويد خطي، أو غَمَّ أهلي قُبِلَ، الحمد لله بعد هذه نعمة، قال: أنا ما أردت إلا أبغي أنا ودي أتعلم الكتابة، وسبحان الله، غابت الكلمات إلا ها الكلمات دي؟ ! المهم أنه قال: بأتعلم الكتابة وكتبت: امرأتي فلانة طالق، ما أردت إلا هذا، نقول: يُقبل.
أو قال: أردت غم أهلي، بيعطيها الورقة تشوفها لأجل تغتم؛ يلحقها الغم، ولَّا ما أردت الطلاق، يقولون: إنه يُقبل منه، مع أنهم يقولون: إن الكتابة صريح، والصريح أعلى ما فيه أن نقول: إن صاحبه يُدَيَّنُ؛ بمعنى أننا نقبله إن رضيت المرأة به، وإلا فالحكم يُلزمه بالطلاق.
السبب -والله أعلم- أنهم فرقوا بين الكتابة واللفظ بهذا المقام؛ لأن العادة أن الذي يريد أن يكتب طلاق امرأته ما يأتي به هكذا، لا بد أنه يأتي بشهود، ويكون مؤرخًا، ويكون له شأن، ما هو بهكذا يقوله باللفظ.
هذا والظاهر -والله أعلم- أنهم فرقوا بينهما، وإلا فعند التأمل لا يكون بينهما فرق.
طالب: (... )؟ الشيخ: لا، مشكلة، مسألة مرجوعة دي مشكلة؛ يعني كونه يراجع، لكن بيحسب من الطلاق، وربما تكون هذه الطلقة آخر ثلاث تطليقات.
لو طلبت المرأة منه الطلاق، وكتب الطلاق وقال: أردت غم أهلي، أو إجادة الكتابة؟ هذا لا يُقبل؛ لأن القرينة تكذِّبه.
طلبت امرأة من زوجها أن يكتب طلاقها، فقال: لا بأس، أنا أكتب الطلاق، ولكن بشرط أنك تحفظينه عندك حتى لا يطلع عليه أحد، فكتب: أقول وأنا كاتب الأحرف فلان ابن فلان: إذا اشتاقت امرأتي إليَّ فلتتفضل فإنه لا مانع عندي، وأعطاها الورقة، هي ظنت أن هذا هو الطلاق، وبقيت وسكت عليها، فلما مضت العدة؛ انقضت العدة قالت لأهلها: إن زوجها طلقها، (... ) الورقة وجدوا المسألة خلاف الطلاق، يجوز هذا؟ طالب: لا، ما يجوز.
طالب آخر: ما يقع.
طالب آخر: (... ). الشيخ: لا، هي اللي طالبة أن تنفك منه.
طالب: لأنها اعتدت (... ) عشرين سنة ما يقع (... ).

الشيخ: لا، أصله ما فيه طلاق، ما فيه طلاق إطلاقًا، ولهذا.. طالب: (... ). الشيخ: لا، ما هو قال: إني طلقتك ولا شيء.
الطالب: لكن الظاهر أنه.. الشيخ: (... ) أعطاها ورقته ولا فيها شيء.
الطالب: (... ). الشيخ: (... )، لا، اللي سمعته من القصة ما قال شيئًا، بس كتب لها الورقة هذه.
الطالب: لكن كتابة الورقة دليل على أنه.. الشيخ: هو ظاهره..، هذه تورية يسمونها، تورية، ظاهره بالنسبة لها أنه طلق وهو في الحقيقة ما طلق.
طالب: هذه واقعة يا شيخ؟ الشيخ: إي نعم، بعضهم كتب شيئًا ثانيًا أعظم من هذا، لكن ما نريد أن نقولها فتسجل.
طالب: (... )؟ الشيخ: المذهب أنه ما فيه التحليف الطلاق؛ لأنه لا يُقضى فيه بالنكول، كل شيء لا يُقضى فيه بالنكول ما فيه التحليف.
وسيأتينا -إن شاء الله- في الدعاوي أن فيه قولًا لبعض أهل العلم كل شيء يحلف فيه؛ لأنه إن كان صادقًا ما ضره.
طالب: كيف فرقنا بين الهزل وبين (... )، إحنا قلنا: إذا كان هازلًا يقع الطلاق، كذلك كيف فيه فرق بينهما؟ الشيخ: إي نعم، الفرق بينهما أن اللي يهزل ينوي اللفظ وينوي الطلاق أيضًا، لكن بس يقول: أنا نويته هازلًا؛ أنا نويت اللفظ والطلاق هازلًا، أضحك، أما هذا يقول: ما نويت الطلاق أصلًا، فالهازل هذا هو السبب أنه يلزم بما قال؛ لأنه أراد اللفظ والمعنى ولم يرد الحكم، فعندنا لفظ ومعنًى وحكم، الهازل أراد اللفظ والمعنى، لكن ما أراد الحكم وهو الفراق، فنقول: الحكم ليس إليك، ما دام أنك أردت اللفظ والمعنى فالشارع يجعل هذا اللفظ الذي يراد معناه يجعله موجبًا للفرقة.
الطالب: ما يكون هذا من باب الهزل في حقه؛ لأنه يهزل؟ الشيخ: من؟ الطالب: هو الرجل يضحك على زوجته (... ) في حقه هزل.
الشيخ: لا، ما أراد الطلاق أصلًا، بس أراد صورة شيئًا أمامه مكتوب إذا قرأته (... ) فقط.
الطالب: (... ). الشيخ: لا، تورية هذه -بارك الله فيك- (... ) باعتبار الواقع، لكن باعتبار ما يظهر للمرأة ما هو..

الطالب: (... ). الشيخ: لا، هذا (... ) ما هو كذب، هذا تورية.
أما لو قال: هذه ورقة طلاقك -مثلًا- فهذه قد يكون فيها كذب.
الطالب: (... ) من الأول يا شيخ (... ). الشيخ: إي، يمكن.
طالب: (... ) بعد يومين ثلاثة (... ). الشيخ: (... ) بعد يومين ثلاثة؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ما يصير شيء، إذا جاء يومان وثلاثة ولا طلق ما صار شيء؛ لأن الوعد ليس إيقاعًا، وهذه أيضًا دائمًا تقع عند الناس؛ يقول مثلًا: روحي لأهلك وأنا بأكتب ورقتك، أو تلحقك ورقتك، ثم بعدين يكتب الطلاق، إذا لم ينو الطلاق بقوله الأول: روحي لأهلك فإنه يعتبر وعدًا، وإن كتبه فيما بعد وقع الطلاق، وإلا فلا.
ومثله أيضًا لو جاء إلى شخص كاتب وقال له: اكتب طلاق زوجتي فلانة، هل تُطلق بهذا القول، أو ما تطلق حتى يكتب؟ طالب: إن نوى تطلق.
الشيخ: نقول: إن كان نوى يريد منه أن يكتب طلاقًا سابقًا وقع منه، فهذا وقع الطلاق بالكلام السابق، ويكون الأمر هنا للتوثيق فقط، أما إذا كان يقول: اكتب طلاق زوجتي -كتوكيل له أن يطلقها الآن فإنها لا تطلق حتى يكتبه؛ لأنه وكَّله في إيقاع الطلاق بالكتابة ولم يحصل، فنقول: ما دام ما كتب لا يصير شيء.
ولهذا إذا قال: اكتب طلاق زوجتي، فللكاتب أن يقول: هل هي طاهر طهرًا لم تمسها فيه؟ هل هي حائض؟ هل هي حامل؟ حتى يتبين الوقت الذي يحل فيه الطلاق، ثم عاد يكتب على حسب (... ). وله أيضًا أن يشير عليه، يقول: انتظر، الله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19].
طالب: (... )؟ الشيخ: نعم.
الطالب: اللفظ والمعنى؟

الشيخ: اللفظ واضح، والمعنى واضح أيضًا؛ لأن اللفظ أن يقول: نعم، أنا أردت أن أقول: هي طالق، لكن طالق من وثاق مثلًا، ما أردت بطالق الطلاق الذي هو فراق الزوجة، أما إرادة اللفظ والمعنى يقول: نعم، أنا أردت الطلاق وفراق الزوجة، لكن ما أردت أن تفارقني، إنما أردت اللفظ والمعنى فقط اللي هو الفراق، معنى طلاق؛ أي: فراق، لكن ما أردت أن يقع هذا الشيء وتفارقني فيه، فأردتها مزحًا فقط.
هذا هو الفرق، وهو فرق دقيق؛ يعني: يحتاج أن الإنسان يتأمله كثيرًا.
الطالب: بين المعنى والحكم؟ الشيخ: هذا المعنى والحكم، المعنى أراد ما يدل عليه لفظ (طلاق)؛ وهو فراق الزوجة، لكن ما أراد أن يقع الفراق بينه وبين زوجته هذه؛ يعني قال: أنا مازح فقط، صحيح أني.. طالب: ما عنده إلا واحدة.
الشيخ: ويش لون واحدة؟ الطالب: (... ) ما أراد أنه يقع بهذه، أراد (... ) الفراق لكن ما أراد (... ). الشيخ: يعني: بهذه التي وجه إليها الطلاق سواء واحدة ولَّا أربعة، المهم التي وجه إليها الطلاق يقول: ما أردت أن يقع بها؛ معناه: أنه ما أردت أن يكون فراق بيني وبينهما؛ لأني أمزح.
مثلما لو عقد البيع، لو شخص يمزح وإياه، البيع إذا صار مزحًا ما يقع، إذا اتفق البائع والمشتري على أن البيع مزح ما يقع، مع أن هذا أراد اللفظ وأراد المعنى؛ وهو التبادل، لكنه يمزح، ما أراد أن ينفذ هذا الشيء، فنقول: الذي يعتبر فيه الجد ما يقع إذا كان هزلًا، والذي لا يعتبر يقع.
طالب: بالنسبة للبائع نقول: (... ) يقع البيع؟ الشيخ: هذا ما هو مزح، هذا خداع ولا يجوز.
طالب: ورقة الطلاق هل هي واجبة الآن؛ واجب كتابتها؟ الشيخ: لا، ما هي بواجب.
طالب: يكفي الشهود؟ الشيخ: يكفي الشهود، لكنها بس لا بد منها لأجل إذا انقضت العدة فلا يُعقد عليها إلا بإثبات، والشهود قد يموتون، قد ينكر الزوج؛ ولهذا أمر الله بالإشهاد قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2].
طالب: (... )؟

الشيخ: إي نعم.


(فصل.
وكناياته الظاهرة) كذا وكذا.
الطلاق له صريح وكناية، الصريح تقدم؛ وهو (لفظ الطلاق وما تصرف منه غير أمرٍ ومضارعٍ ومطلِّقةٍ اسم فاعل)، والمؤلف قال: (باب صريح الطلاق وكنايته) وسبق لنا أن الصريح هو الذي لا يحتمل غيرَه، الصريح من كل شيء ما لا يحتمل غيرَه، والكناية ما تحتمله وغيرَه، هذه الكناية؛ ولهذا قال الناظم: وَكُلُّ لَفْظٍ لِفِرَاقٍ احْتَمَلْ فَهْوَ كِنَايَةٌ بِنِيَّةٍ حَصَلْ

كل لفظ لفراق احتمل؛ يعني: كل ما يحتمل الفراق فهو كناية، بنية حصل؛ ويش معنى بنية حصل؟ أي: مع النية يحصل الطلاق ويقع الطلاق.
إذن الكناية: كلُّ لفظ يحتمل الطلاق، لكن فقهاؤنا رحمهم الله قسموها إلى قسمين: ظاهرة وخفية، الظاهرة تختلف عن الخفية في أنها صريحة في البينونة؛ ولهذا يوقعون بها ثلاثًا، والخفية غير صريحة في البينونة فلا يوقعون بها إلا واحدة ما لم ينوِ أكثر، هذا الفرق بين الظاهرة والخفية؛ الظاهرة نقول: هي التي تكون ظاهرة في البينونة، والخفية ما ليست ظاهرة في البينونة.
يقع بالظاهر على المذهب ثلاثة، وبالخفية واحدة ما لم ينو أكثر.
(كناياته الظاهرة نحو: أنت خَلِيَّة، وبَرِيَّة، وبائن، وبَتَّة، وبَتْلَة، وأنت حرة، وأنت الْحَرَج)، وأيش بعده؟ طالب: (والخفيَّةُ).
الشيخ: (والخفيَّةُ) نعم.
(الظاهرة) هذه الألفاظ اللي هم عدوها، ولكنها ليست على سبيل الحصر؛ لأنه ما دام قلنا: هي التي تحتمل الطلاق وغيرَه، فإن دلت على البينونة فهي ظاهرة، وإلا فخفية.
نشوف الآن، المؤلف يقول رحمه الله: (الظاهرة نحو: أنت) كلمة (نحو) تفيد على أن المؤلف لا يريد الحصر إنما يريد التمثيل.
(أنت خَلِيَّة) (خلية) على وزن (فَعِيلَة) اسم مفعول؛ يعني: مُخَلَّاة، أنت مخلاة.
لو قال: أنا أردت أنت خَلِيَّةُ نَحْلٍ؟ طالب: لم يبق الحكم.

الشيخ: لا، على كل حال سيأتينا أنه لا بد من نية الطلاق أو القرينة؛ يعني الكنايات ما هي مثل الصريح، الكنايات ما يقع بها طلاق أصلًا إلا بنية أو قرينة، ما هي مثل الصريح.
إذا قال: أنا أردت خلية نحل، قلنا: طيب، شو خلية نحل؟ امرأتك تكون خلية نحل؟ قال: نعم، خلية نحل؛ لأن عندها من المعلومات أشياء كثيرة، خلية النحل فيها العسل، وفيها الشمع، وفيها بيض النحل، وفيها كذا، وفيها كذا، قال: هذا قصدي.
وأيش نقول له؟ نقول: ما يقع الطلاق؛ لأنه ما يقع إلا بنية في الكناية.
لكن لاحظوا أن في لغتنا نحن هنا في القصيم -ولا أدري في غير القصيم- أنه إذا قال: خلى زوجته، فهي صريحة؛ يعني يعتبرونها صريحة، خليته، حتى العامة ما يقولون: فلان طلق زوجته، يقولون: فلان خلى زوجته، فهي عندهم صريحة.
وقد سبق لنا في كتاب البيع أن الصواب ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية أن الألفاظ ثياب للمعاني، وإذا كانت ثيابًا لها فإنها تختلف بحسب العرف والزمان، ثياب الناس هنا في المملكة العربية السعودية غير ثياب الناس في أفريقيا مثلًا، أو لا؟ وغير ثياب الناس في مصر، أو في سوريا، أو ما أشبه ذلك.
أليس كذلك؟ فإذن قد يكون اللفظ عند قوم صريحًا وعند قوم كناية غير صريح، بل قد يكون عند قوم لا يدل عليه أصلًا، وهذا الذي قاله شيخ الإسلام هو الصحيح بلا ريب؛ أن الألفاظ قوالب وثياب للمعاني، وأنها تختلف بحسب الناس.
فعندنا الآن في عرفنا أن قولك: مخلاة وخليت زوجتي يُعتبر طلاقًا صريحًا، مثل: هي طالق أو طلقتك.
طالب: أحسن الله إليك، يفرق بين: خليتك وأنت خَلِيَّة؟ الشيخ: لا، ما فيه فرق، (خَلِيَّة) اسم مفعول؛ يعني: مُخَلَّاة مثل مطلقة.
الطالب: بس تؤول خليتك.
الشيخ: حتى (خليتك) تؤول في مسألة التأويل، حتى (طلقتك) تؤول، إي نعم.
أنت أيضًا بَرِيَّة، (بَرِيَّة) هذه كناية؟ طالب: بعيدة.

الشيخ: صحيح كناية لكن بعيدة؛ يعني شوف كيف الكنايات غريبة، (أنت بَرِيَّة) ما أحد يخطر بباله أن المعنى طالق، ويش يخطر ببالكم؟ برية من مرض، برية من تهمة فيك، برية من الحمل، برية من الدَّيْن اللي عليها، لكن مع ذلك يقولون: (بَرِيَّة) كناية في الطلاق؛ يعني: بريئة من حقوق الزوج عليكِ، ولا تبرأ من حقوق الزوج عليها إلا إذا كانت طالقًا.
(أنت بائن) كناية قريبة ولَّا لا؟ طلبة: قريبة.
الشيخ: قريبة نعم، أقرب من (بَرِيَّة) بلا شك، (أنت بائن) يعني: منفصلة عن الأزواج.
(أنت بَتَّة).
طالب: (بَتْلَة).
الشيخ: لا، عندي (بَتَّة) قبل، (أنت بتة) (بتة) فيه لغات ما أدري (... ) ولَّا لا؟ أنت بتة.
المهم يقولون: (بتة) كناية ظاهرة؛ لأنها من البَتِّ بمعنى القطع، يقال: بتَّ في هذا الأمر؛ يعني: قطع فيه ونفذه، فأنتِ بتة -من البَتِّ؛ وهو القطع- يعني: أنها منقطعة عن الزوج، فتكون الكناية الآن ظاهرة.
طالب: (... ). الشيخ: عجيب! طالب: عندنا -يا شيخ- إذا قال: بتتها؛ يعني: طلقها (... ). الشيخ: بتها؟ الطالب: بتها أو بتتها.
الشيخ: إي.
طالب: كيف يقول: بتها (... )؟ الشيخ: إي، تبتت؛ يعني: تقطعت.
(أنت بتلة) هذا عاد غريب، (بتلة) الغريب أن مفهومها عندنا نحن خلاف القطع.
طالب: (... ). الشيخ: بتلة يعني معناه: تكلم بتلة، تسأل في الدرس بتلة، ابتل؛ يعني: استمر، ومع ذلك يقولون: (بتلة) بمعنى بتة؛ مقطوعة، (بتلة) يعني: مقطوعة.
شوف الآن لو أحد قال لزوجته: أنت بتلة، أحد يفهم أن هذا طلاق؟ أبدًا، يا بيقولون: إنه يقول لها: أنت بتلة، يعني (... ) جيب كذا، جيب اليوم خبز، جيب اليوم خبر منفوش وخبز بر وخبز كذا، إلى آخره، أو بتلة تطلعين للسوق مثلًا.
المهم مع ذلك يرونها كناية ظاهرة أيضًا.
طيب، (أنت حرة)؟ طالب: هذا بعيد.
الشيخ: قال لها: أنت حرة؟ طالب: بعيد.
طالب آخر: قريب.

الشيخ: واللهِ أنا عندي أنه بعيد، إلا إذا قال: إنها سألت الطلاق يمكن، مع أنه حتى لو سألت؛ مثل ألحت عليه بالطلاق وقال: أنت حرة، أنا عندي أنه ما يفهم منها الطلاق أبدًا، وأنَّ فهم الطلاق منها بعيد، لكن هم يقولون: إنها حرة؛ لأن الزوج بالنسبة للمرأة سيد؛ ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: 25]، فهي عنده بمنزلة الأمة، والرسول عليه الصلاة والسلام قال: «إِنَّهُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ» (3)، فإذن إذا قال: أنت حرة؛ يعني: ما لأحد عليك سلطان، فمعناه أنه لا زوج لها.
(وأنت الحرج) هذه قريبة ولَّا بعيدة؟ هذه قريبة الظاهر؛ لأن الناس يفهمون (أنت الحرج) يعني: أنت حرام عليَّ، أنت الحرام؛ لأن الحرج هو الحرام أو شبهه.
إذا قال: أنت الحرج، هذه نعم كناية قريبة أنه يراد بها الطلاق.
كم كلمة الآن عندنا؟ طالب: سبعة.
الشيخ: خَلِيَّة، بَرِيَّة، بائن، بَتَّة، بَتْلَة، حُرَّة، حَرَج.
سبع كلمات، لكن مع ذلك ليست على سبيل الحصر.
إذن لا بد لنا من ضابط، ما دام أنكم تقولون كلمات غير محصورة اجعلوا لنا ضابطًا.
الضابط: كل لفظ احتمل الفراق على وجه البينونة فهو كناية ظاهرة، هذا الضابط، ما دام هذا الضابط -وسبق لنا أن الأعراف تختلف- فإننا ننزله على حسب عرف هذا الزوج، فنقول: ما عرفك؟ ماذا يراد بكلمة كذا في عرفكم؟ قال: واللهِ الغالب هذا أنها بانت منه، نقول: إذن هو من الكنايات الظاهرة.
طالب: شيخ، كل لفظ احتمل (... ). الشيخ: إي نعم، البينونة.


(الخفية نحو: اخرجي) شوف (اخرجي)، (اخرجي) هذا يدل على الطلاق ولَّا لا؟ طالب: ما يدل.
طالب آخر: على حسب القرائن.
الشيخ: إي، فيه قرائن، نعم، إن كان فيه قرائن يمكن، مع أن كثيرًا من الناس إذا زعل من زوجته وغاضبته يقول: اطلعي، ما قصده الطلاق، بس تروح عن وجهه، لكن مع ذلك يقولون: إنه من الكناية؛ (اخرجي).
كذلك (اذهبي) مثل: اخرجي، قريبًا منها.
(ذوقي)؟ طالب: قريبة، إذا صار لها قرينة.

الشيخ: إي، إذا صار لها قرينة، لكن رجل كلَّم زوجته قال: ذوقي؟ طالب: لا.
الشيخ: لا سيما إن كان (... ) -مثلًا- فنجان قال: ذوقي، هذا معروف ليس بطلاق، لكن إذا جاءت مجردة عن قرينة فإنها تكون كناية.
أنا قصدي: إذا قال: أنا أردت بقولي: (ذوقي) الطلاق، نقبل منه ولَّا لا؟ طالب: نقبل.
الشيخ: لأنه يحتمل؛ لأن الشيء الذي يؤلم الإنسان يقال: ذُقْ، أو لا؟ طالب: نعم.
الشيخ: كما قال تعالى: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ﴾ [السجدة: 20]، هو ربما أنه قال: ذوقي؛ يعني: ذوقي ألم الفراق، فكلامه محتمل.
(تَجَرَّعي) هذا رجل قال لزوجته: تجرعي، قالت.. ويش لون؟ راحت الدعوى؟ طيب، هو قال: تجرعي، مثل ذوقي تمامًا؛ لأن الله تعالى قال في عذاب أهل النار: ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ [إبراهيم: 17]، تكرهًا ولَّا تلذذًا؟ تكرهًا، ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16) يَتَجَرَّعُهُ﴾ [إبراهيم: 16، 17]. وقال: (تجرعي) يعني: الطلاق، فنقول: هذا مثل كلمة (ذوقي).
(اعتدِّي) هذا واضح ظاهر، لكنها ليست كناية ظاهرة، لماذا؟ لأن العدة ليست مقصورة على البينونة، ولَّا لا؟ عندنا عدتان غير بائنتين، أو لا؟ ويش هي؟ الطلقة الأولى، والطلقة الثانية.
فهذا رجل قال: اعتدي، نقول: نعم، كلمة (اعتدي) واضح أنه يريد الطلاق؛ لأنه ما فيه عدة إلا بعد الطلاق، لكن هل هي من الكنايات الظاهرة؟ لا، من الخفية؛ لأن الظاهرة -يا جماعة- ما هو معناها الظاهرة في المعنى، الظاهرة هي التي تحتمل الفراق على وجه البينونة، لكن (اعتدي) ما تدل على الفراق على وجه البينونة فليست ظاهرة.
طالب: وصارت طلقة هنا؟ الشيخ: صارت البينونة ما هي بكلمة (اعتدي)، البينونة؛ لأن الطلاق هو الثالث.
(استبرئي) تقدم أن قوله: (أنت بَرِيَّة) من الكنايات الظاهرة، و (استبرئي) يقول: من الكنايات الخفية.
الفرق بينهما؛ لأن (أنت برية) هناك من حقوق الزوج عليك، ولا تبرأ من حقوق الزوج على وجه الإطلاق إلا بفراق بائن.

لكن (استبرئي) بماذا؟ الاستبراء معناه هو التربص الذي يُعْلَم به براءة الرحم، وهذا ظاهر في أنه يريد به الاعتداد؛ إذ لا استبراء إلا بالفراق.
(واعتزلي) اعتزلي أيضًا هي كناية؟ طالب: نعم.
الشيخ: إي، ويش وجه دلالتها على الطلاق؟ لأن الطلاق عزلة في الواقع، وإن كان يحتمل (اعتزلي) يعني: كوني في فراش وأنا في فراش، أو في منزل وأنا في منزل، لكن ما دام أنه يحتمل الفراق نجعله كناية من كنايات الطلاق.
قال: (ولست لي بامرأة)، هنا تكون كناية؟ طالب: هنا ظاهرة.
طالب آخر: واضحة.
الشيخ: إي، لكن كناية ظاهرة ولَّا خفية؟ طالب: خفية.
طالب آخر: ظاهرة.
طالب آخر: ما قال اسم الزوجة.
طالب آخر: خفية الظاهر.
الشيخ: نشوف الآن يا إخوان، (لست لي بامرأة) في الحقيقة أنها تقرب من البينونة؛ لأن الرجعية حكمها امرأة؛ حكمها حكم الزوجات، إذا طلق الإنسان امرأته مرة واحدة فهي تبقى في بيته تتشرف له، وتتزين له، وتتطيب له، وتكشف الوجه والذراع والعضد والصدر والبطن، ولَّا لا؟ نعم.
لكن إذا كانت بائنًا تحتجب عنه مثلما تحتجب عن اللي بالسوق.
إذا قال: لست لي بامرأة، ويش ظاهر الحال؟ أنها بينونة، وهذه عند الفقهاء يقولون: إنها من الكنايات الخفية، وهي إلى الكنايات الظاهرة أقرب.
لكن قد يقول: أنا أريد بقولي: (لست لي بامرأة) يعني: أنك تعاندين وتعصين أمري، والمرأة عادة لا تعاند ولا تعصي، فقال: واللهِ أنت ما امرأة لي؛ يعني: أن عملك معي ليس من عمل المرأة مع زوجها، نقول: هذا محتمل؛ ولهذا قلنا: ليس بصريح، بل هو من باب الكنايات.
(والحقي بأهلك) ويش معنى (الحقي بأهلك)؟ يعني: روحي على أمك، الحقي بهم، هذه كناية خفية ولَّا ظاهرة؟ خفية.
قال: (وما أشبهه) مثل -يقول عندي بالشرح- لا حاجة لي فيكِ، وما بقي شيء، قال: واللهِ ما لي بكِ حاجة، أو ما بقي شيء، هذه (ما بقي شيء) بعد (... ) كناية، يمكن معناه ما بقي شيء (... ) قال: ما بقي شيء.
طالب: لا نعتبرها (... )؟

الشيخ: لا، (الحقي) ما هي.. الطالب: (... ). الشيخ: لا، ما هي بظاهرة.
(... ) طالب: (... ) الزوجة مع زوجها يعني (... )؟ الشيخ: لا، المذهب ما يرون هذا، يحكمون بالظاهر مطلقًا.
الطالب: (... )؟ الشيخ: هو إذا أنكر، لو أنكر الزوج أنه ما حصل منه (... ) معلوم يحتاج إلى إثبات.
الطالب: لا، هو المثبت اللفظ، لكن ليست النية.
الشيخ: على المذهب في الأحوال الثلاث ما يحتاج إلى نية، وهذا هو السبب أننا حكمنا عليه بالظاهر.
طالب: ما يلزم وجود النية.
طالب آخر: (... ) على الصحيح (... )؟ الشيخ: لا، الصحيح أنه لا بد من النية، حتى في هذه الأحوال الثلاث.
الطالب: يعني (... ). الشيخ: لو قال: ما أردت الطلاق، قلنا: إذن نحكم بعدم الطلاق.
طالب: وعليه يمين يا شخ؟ الشيخ: ما (... ). إما بالنية أو بالقرينة، فكم عددًا يقع؟ يقول المؤلف: (يقع مع النية بالكناية ثلاث وإن نوى واحدة).
عندكم (ثلاث) سدا؟ طالب: (بالظاهر).
الشيخ: (ويقع مع النية بالظاهر) يعني: بالكنايات الظاهرة، (ثلاث وإن نوى واحدة) يعني: في الحال التي يقع فيها الطلاق بالكناية كم يقع؟ أما بالكنايات الظاهرة فإنه يقع ثلاث طلقات، فتَبِين بها، ويقع بالخفية ما نواه؛ يعني: واحدة أو اثنتين أو ثلاثة، هذا هو المشهور من المذهب.
فإذا قال لزوجته: أنت خَلِيَّة، ونوى الطلاق كم يقع؟ طالب: ثلاث.
الشيخ: ثلاث، لا، ما نواه عددًا، نوى الطلاق فقط وقال: أنت خلية، كم يقع عليه؟ يقع ثلاث، فتبين منه؛ لأن (خلية) من الكنايات الظاهرة.
لو قال: أنت بائن، ونوى الطلاق، كم يقع؟ ثلاث، ولو نوى واحدة، لو قال: أنا ما نويت إلا واحدة، نقول: يقع الثلاث؛ لأن هذه الألفاظ كناية ظاهرة موضوعة للبينونة، فتقع بها الثلاث.
أما إذا قال: اخرجي، واعتدي، واستبرئي، وما أشبهها، فكم يقع؟ يقع ما نواه؛ واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا، فإن لم ينوِ شيئًا فواحدة، إن لم ينو عددًا فواحدة.

فصار الفرق الآن بين الظاهرة والخفية أنه إذا نوى الطلاق بالظاهرة.. أو بعبارة أشمل: إذا وقع الطلاق بالكناية الظاهرة فإنه يكون ثلاثًا تبين بها، وإذا وقع بالخفية فإنه يقع ما نواه، فإن لم ينوِ شيئًا إلا طلاقًا فقط فواحدة.
وهذا مبني على وقوع الطلاق الثلاث جملة، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- أن الصواب أنه ما فيه طلاق ثلاثًا إلا بتكرار بعد رجعة أو عقد جديد، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الصحيح.
فلو أنه قال لزوجته: أنت طالق ثلاثًا، فهي واحدة.
أو أنت طالق أنت طالق أنت طالق، فهي واحدة.
وإذا كان كذلك، وكان باللفظ الصريح لا يقع المكرر إلا واحدة فبالكناية من باب أولى، لكن الكلام هنا على المذهب الذين يرون وقوع الطلاق الثلاث باللفظة الواحدة يقولون: إنه يقع بالكناية ثلاثًا.
وقوله: (وإن نوى واحدة) إشارة إلى خلاف في المسألة، فإن بعض أهل العلم -ومنهم أصحابنا رحمهم الله الفقهاء- يقولون: إنه إذا نوى واحدة بالظاهرة لم يقع إلا واحدة.
دليلهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (1)، فإذا نوى واحدة فهي واحدة، فإذا قال لزوجته: أنت خلية، برية، بائن، وما أشبه ذلك فإنه لا يقع إلا واحدة إذا نوى الواحدة.
وقيل: لا يقع بالظاهرة أيضًا إلا واحدة ما لم ينوِ أكثر.
وهذا هو القول الثاني ولَّا غيره؟ طالب: غير الثاني.
طالب آخر: هو نفس القول.
الشيخ: لا، غيره، شوف المذهب يقع ثلاثًا ولو نوى واحدة، والقول الثاني: يقع ثلاثًا إلا أن ينوي واحدة، والقول الثالث: يقع واحدة إلا أن ينوي ثلاثًا، صار ثانيًا ولَّا في الأول على وسط يعني؟ غيره؛ يعني معناه أنه إذا قال: أنت خلية -ولم ينوِ شيئًا- فيقع واحدة على القول الثالث، ويقع ثلاثًا على القول الثاني، وعلى الأول أيضًا من باب أولى.

فإن قال: أنت خلية ونوى واحدة وقع على الثالث والثاني واحدة، وعلى الأول ثلاثًا.
فتبين أن بين الأقوال الثلاثة فرقًا.
ولكن الصحيح أنه لا يقع إلا واحدة حتى لو نوى ثلاثًا؛ لأننا نقول: إن الطلاق ما يتكرر إلا بتكرره فعلًا، ولا يتكرر فعلًا إلا إذا وقع على زوجة غير مطلقة، فإذا كان اللفظ الصريح إذا قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق لا يقع إلا واحدة، فالكناية من باب (... ). مقامين: المقام الأول هل يقع بها الطلاق؟ والمقام الثاني: كم يقع بها من الطلاق؟ فعلى المذهب نقول في المقام الأول: يقع بها الطلاق؛ إما بالنية أو بالقرينة، والقرينة ذكر المؤلف لها ثلاث صور؛ وهي: الغضب، والخصومة، وجواب السؤال.
المقام الثاني كم يقع به؟ على المذهب أن الظاهرة يقع بها ثلاثًا، فتكون بينونة كبرى، وأما الخفية فيقع بها ما نوى، والصحيح أنه لا يقع بها ظاهرةً كانت أم خفيةً إلا واحدة، ولو نوى أكثر.
ثم قال المؤلف: (وبالخفية ما نواه).. طالب: أحسن الله إليك، ما الفرق بين أن يعد بـ (ثم) ولَّا (... )؟ الشيخ: من جهة أيش؟ الطالب: (... ). الشيخ: من جهة وقوع الطلاق؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: أبدًا، لو عده بـ (ثُمَّ) وثُمَّ وثُمَّ وثُمَّ، هو واحدة.
طالب: ما قلت: الصحيح (... ). الشيخ: ما لم ينو غيره، أما المذهب فإنه وإن نوى غيره ما يُقبل.
طالب: أحسن الله إليك، لكي يقع الطلاق (... ). الشيخ: (قال: أنت عليَّ حرام) نأخذ هذه الكلمة؛ لأنها هي أهم ما في الباب، إذا قال: أنت عليَّ حرام يخاطب من؟ يخاطب زوجته، فهذا لا يخلو من ثلاث حالات ذكرها المؤلف: إما أن ينوي الطلاق، أو الظهار، أو اليمين.
نشوف التفصيل في هذه المسألة في القول الراجح:

إذا قال لزوجته: أنت عليَّ حرام ونوى به الخبر دون الإنشاء، فإننا نقول له: كذبت، وليس بشيء.
قال لزوجته: أنت حرام عليَّ، يخبر خبرًا، ما هو بينشئ التحريم، نقول له: كذبت.
ليش نقول: كذبت؟ لأنها حلال، كما لو قال: هذا الخبز عليَّ حرام، ما يريد الإنشاء، يريد الخبر، نقول: كذبت، هذا حلال، لك أن تأكله.
فإذا نوى الإنشاء، نوى تحريمها، قال: أنت عليَّ حرام، نوى تحريمها؛ إنشاء التحريم، فهذا إن نوى به الطلاق فهو طلاق؛ لأنه قابِلٌ لأنْ يكون طلاقًا، وإن نوى به الظهار فهو ظهار، وإن نوى به اليمين فهو يمين.
ما هو الفرق بين هذه الأمور الثلاثة؟ الفرق بينها: أنه إذا نوى به اليمين فهو ما نوى التحريم، لكن نوى الامتناع؛ إما معلقًا وإما مُنَجَّزًا، يعني مثل أن يقول: إن فعلتِ كذا فأنت عليَّ حرام، هذا معلق.
فهذا ما قصده أنه بيحرم زوجته، قصده أن تمتنع زوجته من ذلك.
وكذلك: أنت عليَّ حرام قصده أن يمتنع من زوجته، فنقول: هذا يمين؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: 1] إلى أن قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2]، وقوله: ﴿مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (ما) اسم موصول يفيد العموم، فهو شامل للزوجة وللأمة وللطعام والشراب واللباس، فحكم هذا حكم اليمين، قال ابن عباس رضي الله عنهما: إذا قال لزوجته: أنت عليَّ حرام فهي يمين يكفرها (4)، والاستدلال على ذلك بالآية ظاهر.
الحال الثانية: أن ينوي به الطلاق، فينوي بقوله: أنت علي حرام؛ يعني: أنني مفارقك، ما هو يريد أن تبقى معه ولكنه لا يجامعها، يريد أن يفارقها بهذا اللفظ، فهذا طلاق؛ لأنه صالح للفراق، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (5).

الحال الثالثة: أن يريد بها الظهار، ويش معنى الظهار؟ أن يريد أنها محرمة عليه، فهذا قال بعض أهل العلم: إنه لا يكون ظهارًا؛ لأنه لم يوجد فيه لفظ الظهار.
وقال بعض العلماء: إنه يكون ظهارًا؛ لأن معنى قول المظاهر لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي، ويش معناه؟ أنت حرام، لكنه شبَّهه بأعلى درجات التحريم؛ وهو ظهر أمه؛ يعني أشد من يكون حرامًا عليك أمك، فهذا يكون ظهارًا.
وقال بعض العلماء: لا يكون ظهارًا؛ لأن قولك: أنت عليَّ كظهر أمي، ما هو مثل قولك: أنت عليَّ حرام، أيهما أبشع؟ طالب: أنت عليَّ كظهر أمي.
الشيخ: الأول أبشع وأقبح، فيختص الحكم به ولا يُقاس عليه ما دونه.
لكن الذي يظهر -والله أعلم- أنهما سواء، ما دام (أنت عليَّ حرام) يعني: وطؤك علي حرام كما تحرم عليَّ أمي، بنيته يعني، فيكون ظهارًا.
هذا هو الصحيح في هذه المسألة، وهي كثيرًا ما تقع من الناس الآن، يقول: زوجتي عليَّ حرام أني ما أفعل كذا، إذا قال: زوجتي عليَّ حرام ألَّا أفعل كذا، ويش يكون؟ هذا يمين على القول الراجح؛ لأن قصده من ذلك أن يمتنع من هذا الشيء الذي علق تحريم زوجته به، وليس غرضه أنه يحرم زوجته معلقًا على هذا.
نمشي على كلام المؤلف الآن: (إن قال: أنتِ عليَّ حرامٌ أو كظهرِ أمِّي فهو ظِهارٌ ولو نوى به الطلاق).
أما قوله: (وأنت علي كظهر أمي) فما قاله المؤلف حق؛ أنه ظهار ولو نوى الطلاق؛ لأن هذا هو ما جاء به القرآن.
ولو قلنا: إن الرجل إذا قال لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي ونوى به الطلاق ولو قلنا: إننا نجعله طلاقًا لَكُنَّا حكمنا بالظهار بحكم من؟ بحكم الجاهلية؛ لأنهم الجاهلية يرون أن قول الإنسان لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي طلاق، ولكن الشرع خالفهم في هذا وجعله ظهارًا، فالإنسان إذا أتى بصريح الظهار فهو ظهار، لو نوى به الطلاق ما نجعله بطلاق، نقول: الزوجة باقية في ذمتك ولو نويت الطلاق، ولا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به من الكفارة.

لكن (أنت علي حرام) لا تساوي (أنت علي كظهر أمي)؛ لأن عندنا نصًّا في القرآن يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: 1]، ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2]، فجعل الله التحريم يمينًا، وإخراج الزوجة من هذا العموم يحتاج إلى دليل ولا دليل.
إذن يكون ظهارًا على المذهب؛ يجعلون قول الإنسان: أنت عليَّ حرام كقوله: أنت عليَّ كظهر أمي، يجعلونه ظهارًا في كل حال، ولو نوى به الطلاق.
فإذا جاء رجل يستفتينا يقول: إني قلت لزوجتي: أنت عليَّ حرام، ويش ترون؟ نقول: ويش نويت؟ طالب: نعم.
الشيخ: لا، ما نقول على المذهب، على المذهب ما نقول: ويش نويت؟ نقول: أنت الآن مظاهر، ولا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به، أما على القول الصحيح فإننا نقول: ماذا نويت؟ (وكذلك ما أحل الله عليَّ حرام)، إذا قال: (ما أحل الله عليَّ حرام) شوف، ما خاطب الزوجة فقال: أنت علي حرام، بل قال: (ما أحل الله عليَّ حرام) (ما) مبتدأ، وخبره (حرام)، و (ما) عام ولَّا خاص؟ عام، (ما أحل الله): كل ما أحل الله، وهو لم يخاطب الزوجة خطابًا واجهها به صريحًا، بل قال: (ما أحل الله عليَّ حرام) هذا ليس كالأول، هذا إن وصل به شيئًا يدل على ما نوى عملنا بما وصله به، وإن لم يصل به شيئًا فإننا نجعله ظهارًا؛ لأن المؤلف يقول: (وكذلك) الكاف للتشبيه، و (ذا) اسم إشارة يعود على ما سبق من قوله: (أنت عليَّ حرام) يعني: وكذلك إذا قال: أنت عليَّ حرام فهو ظهار، إلا أنه هنا إن وصله بقوله: (أعني به الطلاقَ طَلقَتْ ثلاثًا، وإن قال: أعني به طلاقًا فواحدة).
إذن هذه المسألة أخف من الأولى، فإذا قال: ما أحلَّ الله عليَّ حرامٌ، أعني به الطلاقَ، ماذا يكون؟ يكون طلاقًا، وكم يكون؟ ثلاثًا؛ لأنه أتى بـ (أل) -الطلاق- الدالة على الكمال، وكمال الطلاق ثلاث.

(وإن قال: أعني به طلاقًا) (طلاقًا) نكرة في سياق الإثبات، فتكون مطلقة ولَّا عامة؟ تكون مطلقة؛ لأن النكرة في سياق الإثبات للإطلاق وليست للعموم، فإذا قال: أعني به طلاقًا يقع الطلاق ويكون واحدة؛ ولهذا قال: (وإن قال: أعني به طلاقًا فواحدة).
اللفظ الثالث: (وإن قال: كالميتةِ والدمِ والخنزيرِ وقعَ ما نواهُ من طلاقٍ وظِهَارٍ ويمينٍ، وإن لم يَنْوِ شيئًا فَظِهارٌ).
قال لزوجته يخاطبها قال: أنت عليَّ كالميتة، أو كالخنزير، أو كالدم، أو كالكلب، أو كالهر، أو ما أشبه ذلك من المحرمات، قلنا الآن: ويش تنوي؟ قال: ما نويت شيئًا.
ماذا يكون؟ يكون ظهارًا؛ لأن معنى (أنت كالميتة والدم والخنزير) معناها أنت علي حرام، فيكون ظهارًا.
وإن قال: نويت الطلاق فهو طلاق.
وإن قال: نويت اليمين فهو يمين.
والصواب أن كل هذه الصور يقع فيها ما نواه من طلاق وظهار ويمين إلا مسألة واحدة، ما هي؟ الظهار، إذا قال: أنت كظهر أمي فإنه ظهار.
(... ) طالق، ويش هذا؟ طالب: تعليق.
الشيخ: تعليق؟ ما يحتمل اليمين؟ ما يحتمل اليمين؛ لأنه ويش بيحلف أن الشمس ما تطلع؟ لو حلف ألف مرة فالشمس ماشية تجري، إذن هذا تعليق بلا شك، لو ادعى أنه يمين قلنا: ما نقبل، كأنك ادعيت أنه يمين حجرنا عليك ومنعناك من التصرف بمالك وروحناك للمارستان، ويش السبب؟ لأنه مجنون، واحد يحلف على الشمس أنها ما تطلع.
الصورة الثانية قال لإنسان: عليَّ الطلاق أني ما أكلمك، أو إن كلمتك فامرأتي طالق، ويش يظهر من هذا؟ يظهر من هذا أنه يمين؛ لأنه لا علاقة بين مكالمة هذا الرجل وطلاق امرأته، فالذي يظهر منه أنه أراد اليمين؛ يعني: أراد تأكيد الامتناع من هذا الفعل.
الصورة الثالثة: أن يقول لزوجته: إن فعلت كذا فأنت طالق، هذا؟ طالب: (... ).

الشيخ: لا، يحتمل في الحقيقة، نقول له: إن كنت تريد أن تتركه زوجتك وأنها لو فعلته فنفسك متعلقة بها، تريدها ولو فعلته، لكن أردت أن تمنعها بهذا الحلف فهو يمين؛ لأنه ما أراد الطلاق، يقول: أكره شيء أنه يطلق زوجته، لكن نظرًا إلى أنها تحبه ولا ترضى أن تفارقه هددها بهذا الشيء.
وإن كان قال: لا، أنا قصدي أنها إن فعلت هذا الشيء فقد طابت نفسي منها ولا أبغيها، فهذا تعليق؛ إذا فعلته طلقت.
هذا هو القول الصحيح في هذه المسألة، وسيأتي -إن شاء الله- في باب تعليق الطلاق بالشروط.
طالب: ما نفرق بين اللغو والتحريم؟ الشيخ: لا؛ لأنه هنا في مسألة المعاملة مع الغير ما فيه لغو، يؤخذ بظاهر الحال.
الطالب: شيخ، حتى لو دلت القرينة على أنه لغو؟ الشيخ: ما فيه قرينة، اللغو كيف يعني؟ طالب: أن يقول: عليَّ الطلاق (... ). الشيخ: هازل؟ الطالب: إي، هو إن أكد أنه لا يفعل هذا الفعل أو أنه يفعله، يعني جرى.. الشيخ: جارٍ على لسانه؟ الطالب: نعم.
الشيخ: هذا يمين، هو إذا قلنا: إنه يمين فاللغو مثل اللغو باليمين الصريح ما يكون شيئًا.
طالب: نقول: إن الحلف بغير الله شرك؟ الشيخ: إي.
الطالب: طيب، وكيف.. ؟ الشيخ: الحلف القسم، هذا بمعنى اليمين وليس يمينًا؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: 1]، ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2]، فهذا معناه معنى اليمين، والحلف بغير الله بصيغته الصيغة المعروفة.
ثم قال: (وإن قال لزوجته: أمرُك بيدِك مَلَكَتْ ثلاثًا ولو نوى واحدةً، ويتراخى ما لم يطأ أو يُطَلِّقْ).
هذا رجل قال لزوجته: أمرُك بيدِك، يُتَصور هذا ولَّا ما يُتَصور؟ يتصور، يعني مثل هي تقول له: أبغيك تطلقني، قال: أمرك بيدك، يمكن يقع هذا.

(أمرك بيدك) تأملوا: (أمر) مفرد مضاف فيكون عامًّا، يكون كل أمرها بيدها، ومن جملته أن تطلِّق نفسها ثلاثًا؛ لأن هذا من أمرها، وأن تطلقها ثنتين، وأن تطلقها واحدة، وألَّا تفعل شيئًا.
وأن تطلقها أربعة؟ طالب: لا يا شيخ.
الشيخ: هذا ما فيه فائدة، إذن يكون اللي بيدها كم؟ طالب: ثلاثة.
الشيخ: أربعة؛ ألَّا تختار شيئًا، وأن تطلق واحدة، وأن تطلق ثنتين، وأن تطلق ثلاثًا؛ ولهذا قال: (ملكت ثلاثًا ولو نوى واحدة) هي تملك الثلاث، لماذا نقول: تملك ثلاثًا ولو نوى واحدة؟ إذا قال: (... ) (أمرك بيدك) ظانًّا أنها تطلق مرة واحدة، ما ظنيت أنها تطلق ثلاثًا، نقول: لكن ما ينفع هذا؛ لأن ظاهر لفظك، ويش ظاهر لفظه؟ العموم؛ أمرُكِ، ليش تأتي بهذا.
وقيل: إنه على حسب نيته؛ لأن قوله: (أمرك بيدك) توكيل، والوكالة على حسب نية الموكِّل.
ولو قيل في هذه المسألة: إنه يُدَيَّن كغيرها من شبيهاتها، فيقال: عندنا الآن لفظ ظاهر ونية باطنة، لفظ ظاهر وهو (أمرك)، ونية باطنة، فيدين، فإذا لم ترافعه إلى الحاكم رجعنا إلى قوله وإلى نيته.
قال: (ويتراخى)، ويش معنى يتراخى؟ يعني: إن شاءت طلقت في الحال، وإن شاءت طلقت بعد يوم أو يومين أو ثلاثة أو أربعة على التراخي، فحينئذٍ نقول: إذا قالت في المجلس: طلقتُ نفسي ثلاثًا، طلقت، إذا راحوا وتفرقوا وبعدين بعد مدة قالت: طلقت نفسي ثلاثًا، يقع؟ إي نعم، نقول: (يتراخى) يقع حتى لو تراخى، ما هو لازم في نفس المجلس يتراخى.
لكن يقول: (ما لم يطأ أو يطلق أو يفسخ) هذا عائد على قوله: (ملكت)، أما قوله: (ويتراخى) فلا نقول: ما لم يطأ، نقول: يتراخى ما لم يحد حدًّا، فإن حد حدًّا، قال: أمرك بيدك هذه الساعة، تملكها بعد الساعة هذه؟ لا.
أمرك بيدك هذا اليوم، تملكه بعد اليوم؟ لا؛ لأنه حدد لها.

أما أصل المسألة -يعني كلمة: أمرك بيدك- فإنه ينفسخ هذا التوكيل بهذه الأمور الثلاثة: إذا وطئها، إذا جامعها قبل أن تختار شيئًا، فإنها تنفسخ الوكالة؛ لأن الوطء تصرُّفٌ يدل على أنه عَدَل عن كلامه الأول.
ووجه دلالته: أنه لما قال: أمرك بيدك كان من الممكن أن تُطلِّق نفسها الآن، وإذا طلقت نفسها الآن ثلاثًا، هل يملك جماعها ولَّا لا؟ لا يملك، فلما جامعها بدون أن يسأل: هل طلَّقت أم لم تطلّق؟ عُلِمَ أنه رجع عن التوكيل، مثلما لو قلتُ لشخص: خذ هذه السلعة بِعْها، ثم بعتُها أنا، فإن هذا يعتبر فسخًا لوكالته.
أو قلت: وكلتك على أن تبيع بعيري، وراح الرجل، وجاءني ضيوف فذبحت البعير، تنفسخ الوكالة ولَّا لا؟ تنفسخ.
إذن إذا جامع زوجته التي قال لها: أمرك بيدك انفسخ هذا القول.
كذلك: (أو يُطَلِّق) كيف يطلق؟ هو يطلق، إذا قال: أمرك بيدك، وسكت هي بعدين تحسب قال: أخاف ها الحين تطلق نفسها ثلاثًا، فقال: أنت طالق أنت طالق، مرة ولَّا ثلاث؟ قال: أنت طالق بس مرة، كم تطلق؟ مرة.
وهل تملك الآن أن تطلق نفسها؟ ما تملك؛ لا مرة ولا مرتين ولا أكثر؛ لأنه لما طلقها عُلِمَ أنه عدل عن توكيله الأول، فيكون هذا من باب فسخ الوكالة بماذا؟ بالفعل.
(أو يفسخ) هذا الفسخ بالقول، (يفسخ) قال: ترى هونت، ترى رجعت عن قولي: أمرك بيدك، فمعلوم إذا رجع فللموكِّل أن يرجع في وكالته، كما أن للوكيل أيضًا أن يفسخ الوكالة.
هذا الرجل قال لزوجته: أمرك بيدك، فقالت: طلقت نفسي ثلاثًا، ما تقولون؟ تطلق ثلاثًا.
قال: أمرك بيدك، ثم قال: أنت طالق، تطلق نفسها ثلاثًا؟ طالب: ينفسخ القول الأول.
الشيخ: إي؛ لأن تطليقه لها فسخ لقوله.
قال: أمرك بيدك، ثم رجع وقال: رجعت في هذا، تملك؟ ما تملك؛ لأنه فسخ.
طالب: ويش الدليل على أن (... )؟

الشيخ: هذا الدليل ذكرته لك: لأنه لما كان يحتمل أن تكون قد طلقت نفسها ثلاثًا، وفي الطلاق الثلاث ما يمكن الجماع، فلما جامعها بدون رجوع إليها عُلِمَ أنه فسخ؛ لأنها ما تحل له -أي: ما يحل أن يجامعها- لو طلقت نفسها ثلاثًا.
الطالب: هذا تعليق مطلق.
الشيخ: ويش يعني تعليق مطلق؟ الطالب: (... ). الشيخ: إي.
الطالب: سواء بعد الجماع أو قبل الجماع.
الشيخ: لا، قبل الجماع إذا جامعها بعد هذا القول لم يكن أمرها بيدها؛ لأن جماعه إياها يعتبر رجوعًا عن قوله؛ رجوعًا فعليًّا ما هو قوليًّا.
طالب: لو سألها قالت: إني ما طلقت، وجامعها، يكون هذا فسخًا؟ الشيخ: إي، ولو سكت أيضًا.
الطالب: هي زوجته الآن؟ الشيخ: لو سكت.
الطالب: سألها، قالت: ما طلقت؟ الشيخ: إذا قالت: ما طلقت وجامعها انفسخ، ولو جامعها بدون سؤالها انفسخ، ما عادت تملك شيئًا.
طالب: طيب، لو بعد أن جامعها قالت: ترى أنا نويت طلقة واحدة؟ الشيخ: لو أنه بعد أن جامعها قالت: إنها قد طلقت نفسها قبل الجماع وصدقها في ذلك حسبت عليه.
طالب: (... )؟ الشيخ: (... )؛ لأنه قال: أمرك، و (أمر) مفرد مضاف فيكون للعموم.
الطالب: ما يخصص (... )؟ الشيخ: ما يخصص؛ لأن هذه الصيغة تقتضي التوكيل بالطلاق مطلقًا، كما لو قال فيما سبق: وكلتك في طلاق نفسك ما شئت، فلها أن تطلق ثلاثًا.
طالب: أحسن الله إليك، كيف إذا قالت: إني طلقت نفسي، ثم جاء وجامعها بعد الطلاق، يصير هذا يا شيخ؟ الشيخ: إي، يصير ممكن، هو ما دري مثلًا، فإن كان هناك طلقة واحدة وهي رجعية، فإن هذا الرجوع على المذهب يعتبر رجعة، الآن رجعت إليه ويحسب عليه الطلقة، أما إذا قالت: إني طلقت نفسي ثلاثًا، صار هذا الجماع جماع شبهة؛ لأنه ما علم أنها طلَّقت.
طالب: يصح أن يكون أمرك (... )؟ الشيخ: إي نعم، يصح، ويكون هذا توكيلًا لهم.
الطالب: هم يطلقون ولَّا؟ الشيخ: يطلقون هم، ما تطلق هي، إذا قال: أمرك بيد أبيك أو بيد أمك..

الطالب: حتى لو اصطلحا؟ الشيخ: اصطلحا ويش (... )؟ طالب: يعني (... ). طالب آخر: يعني تكون الوكالة مستمرة حتى لو اصطلحوا؟ الشيخ: لا، أبدًا، هو يقدر يفسخها بلحظة، كل الوكالات يجوز للموكل أن يفسخ، ما هي مشكلة الوكالة.


قال: (ويختص اختاري نفسك بواحدة وبالمجلس المتصل) شوف الفرق بين العبارتين: (اختاري نفسك) يختص بواحدة؛ بمعنى أنها لا تملك أن تطلِّق نفسها ثلاثًا، كذلك يختص (بالمجلس المتصل) يعني: لا يتراخى، (أمرك بيدك) يتراخى، و (اختاري نفسك) لا يتراخى، يقولون: لأنه يشبه الإيجاب والقبول، فكما أن الإيجاب والقبول في صيغ العقود لا بد أن تكون على الفور كذلك هذا.
فإذا قال: اختاري نفسك، وتفرَّقَا، ثم قالت بعد ذلك: طلقتُ نفسي أو اخترت نفسي، ما تقولون؟ لا تطلق، ولا يكون شيئًا؛ لأنه لا بد أن يكون الخيار في نفس المكان.
كذلك لو قالت: اخترت نفسي اختيارًا بائنًا، تريد ثلاثًا، يقع؟ ما يقع، ما يكون إلا واحدة فقط، مع أن ظاهر اللفظ (اختاري نفسك) يشمل الواحدة والثلاث، بل ربما نقول: إنه إلى الثلاث أقرب؛ لأن كونها تختار نفسها معناه تبين منه بينونة لا سبيل له عليها؛ ولهذا في المسألة خلاف في هذه على أنه إذا قال: اختاري نفسك واختارت الفراق البائن فلها ذلك.
وقول المؤلف: (ما لم يزدها فيهما)، قوله: (فيهما) الضمير ويش يعود عليه؟ المجلس والواحدة، فإن زاد بأن قال: اختاري نفسك متى شئتِ يختص بالمجلس؟ طالب: لا.
الشيخ: ليش؟ لأنه قال: متى شئت؛ يعني: الآن أو بعد يوم أو بعد يومين أو أكثر.
كذلك لو قال: اختاري نفسك بأي عدد شئتِ، تملك؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: تملك ثلاثًا؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: طيب، الآن هذا الكلام الذي ذكره المؤلف، هو يذكر الحكم؛ يعني: مقتضى هذه الصيغة ما هو؟ طالب: الجواز.
الشيخ: لا، ما هو..، مقتضى هذه الصيغة: (أمرك بيدك) تملك الثلاث في المجلس المتصل وفيما بعده، و (اختاري نفسك) لا تملك إلا واحدة وفي نفس المجلس.

المؤلف يريد أن يبين لنا ما تقتضيه هذه الصيغة، أما هل الإنسان مأمور بأن يقول ذلك لزوجته، أو يقال: لا ينبغي أن يقول لزوجته هذا الكلام؟ نقول: ما ينبغي، لماذا؟ لأن المرأة -كما تعلمون- ناقصة العقل والدين، كما وصفها النبي صلى الله عليه وسلم، وكما قال أيضًا صلى الله عليه وسلم: «إِنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ» (6)، وكما قال أيضًا: «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً؛ إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا خُلُقًا آخَرَ» (7)، فإذا كان كذلك فإن المرأة لو أحسنتَ إليها الدهر كله ورأت منك إساءة واحدة قالت: ما رأيتُ خيرًا قط، فلو تقول لها هذا الكلام، لا سيما في حال الغضب والمشادة، لو تقول ها الكلام على طول بتت الأمر، فتندم هي ويندم الزوج، وما أكثر ما يقع الندم بين الزوجين في مثل هذه الحال! أحيانًا تكون هذه الطلقة آخر طلقاته، وهي تمسكه وتكتم نفسه وتقول: طلقني، (... ) بيموت ولَّا يطلقها؟ راح يطلقها، ثم تندم هي وهو.
لكن لو جاءا يستفتيان في هذه الحالة، ما تقول لهما؟ طالب: ما يقع الطلاق.
الشيخ: ما يقع الطلاق؛ لأنه مكره، نعم، إذا صارت المرأة أقوى منه، وصار هذا الرجل؛ إما أن يموت أو يطلق، مسكت حلقه وقالت: ما فيه، طلق، ففي هذه الحال لا يقع الطلاق؛ لأنه مكره، لكن بشرط أن يتفق هو والزوجة على هذه الحال، لو ادعى أنها أكرهته وهي أنكرت فلا إكراه.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (فإن ردت أو وطئ أو طلق أو فسخ بطل خيارها) إن ردت هي، قال: أمرك بيدك، أو قال: اختاري نفسك، فقالت: لا أريد ذلك.
تملك هذا بعد؟ ما تملك، كما لو قلت لشخص: خذ هذا الشيء بعْه، فقال: لا واللهِ، ما أنا ببائعه (... ) في بيعه، ثم بعدما (... ) جاء وأخذه وباعه يجوز ولَّا لا؟ لا يجوز، ما دام رد انقطعت الوكالة.
وكذلك هي إذا ردت في قوله: أمرك بيدك أو اختاري نفسك فلا يقع.
وكذلك لو وطئ أو طلق أو فسخ -كما سبق- فإنه يبطل خيارها.

بقي علينا الآن مسائل ذكرها بالشرح مهمة؛ وهي قوله: ومن طلق في قلبه لم يقع، إنسان في نفسه أضمر أنه مطلق زوجته، يقول المؤلف: إنه لا يقع الطلاق، السبب؟ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» (8)، وهذا الرجل حدَّث نفسه بالطلاق فلا يقع الطلاق، ولأن الطلاق عقد أو فسخ، والفسخ لا بد أن يكون باللفظ كالعقد.
كذلك يقول: وإن تلفظ به أو حرك لسانه وقع، إن تلفظ به وقع ما فيها إشكال، إذا تلفظ بالطلاق فإنه يقع الطلاق.
أو حرك لسانه لكن ما لفظ، يقول المؤلف: إنه يقع الطلاق، والصواب أنه لا يقع؛ لأنه ما وُجِدَ اللفظ، والطلاق لفظ، وهذا ما وُجِدَ منه لفظ.
لو كان مصابًا بالوسواس وجرى على لسانه بدون قصد: زوجتي طالق، ما تقولون؟ طلبة: ما يقع.
الشيخ: ما يقع الطلاق.
لو أنه ما جرى على لسانه بدون قصد؛ قصد الطلاق، لكن قال: أنا بأفتك من ها الوسواس، يقع الطلاق ولَّا لا؟ طالب: لا يقع.
الشيخ: إنسان -الله يعافينا وإياكم- موسوس له حالات، شاف أنه ضاقت عليه نفسه، قال: أنا بأقول امرأتي طالق علشان أفتك من هذا الوسواس، وقال ها الكلام، يقع الطلاق ولَّا لا؟ طالب: لا، ما يقع.
الشيخ: ما يقع؟ طالب: يقع.
الشيخ: قاله، تكلفه.
طالب: بس ما قصد الطلاق.
الشيخ: لا، قاصده يقول: بس بأفتك.
طالب: من الوسواس، المغلق أيضًا من الوسواس.
الشيخ: نعم، ما يقع؛ لأنه مغلق عليه، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ» (9). رجل موسوس في الطهارة، وشك هو خرج منه شيء ولَّا لا؟ قال: أنا بأروح أبول علشان أتيقن؟ طالب: إذا بال خلاص.
الشيخ: إي، بال أو لمس ذكره -مثلًا- أو أحدث بريح، يكون حدثًا ولَّا لا؟ يكون حدثًا، السبب: لأن نقض الوضوء بهذا سواء كان باختيار أو بغير اختيار بخلاف الطلاق، هذا هو الفرق.

فإذا قال قائل: كلاهما فعل ذلك دفعًا للوسواس؟ نقول: لكن بينهما فرق، أو لا؟ وهو أن الحدث يحصل به انتقاض الوضوء سواء باختيار أو بغير اختيار، بخلاف الطلاق، إي نعم.


[باب ما يختلف به عدد الطلاق] ثم قال: (باب ما يَختلفُ به عددُ الطَّلاق).
والسؤال الآن: الزوجان لا يخلوان من ثلاث حالات: إما أن يكونا حرَّين، أو رقيقين، أو أحدهما حرٌّ والثاني رقيق، وها الأخيرة تنقسم قسمين: الزوج حرٌّ والأنثى رقيقة، الأنثى حرة والزوج رقيق، فالصور إذن أربع.
هل يختلف عدد الطلاق باختلاف هذه الصور أو لا يختلف؟ المشهور عند أهل العلم أنه يختلف بالحرية والرق؛ فالرقيق طلاقه اثنتان والحر طلاقه ثلاث.
ولكن مَن المعتبر؟ هل هي الزوجة؛ بمعنى إذا كان الزوج حرًّا والزوجة رقيقة اختلف الحكم، أو المعتبر الزوج؟ المذهب أن المعتبر الزوج؛ إذا كان حرًّا فالحكم له ولو كانت الأنثى رقيقة، فيملك، يقول المؤلف: (يملك من كلُّه حرٌّ أو بعضُه ثلاثًا، والعبدُ اثنتينِ)، العبد ما له إلا طلقتين وتبين، والحر له ثلاث طلقات سواء كان حرًّا كاملًا أو مبعضًا.
يُتَصور عندنا واحد نصفه حر ونصفه رقيق؟ طالب: المكاتب.
الشيخ: لا، المكاتب ما هو مُبَعَّض.
طالب: (... ). الشيخ: يعني علوه حر و (... ) رقيق.
طالب: لا.
الشيخ: أو بالعكس (... ) حر وعلوه رقيق.
طالب: لا.
طالب آخر: أي تقع على المالكين يا شيخ.
طالب آخر: كل من كان (... ).

جارٍ التحميل