الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 122-161

يعني: هذا ينفعكم إذا مر عليكم ما في الحواشي (ويتجه كذا) فهو من عبارات من؟ مرعي صاحب الغاية من المتأخرين.
وإذا قيل: يتوجه فهو من كلام صاحب الفروع.
لكن بين التوجيه والاتجاه من حيث القوة والتعليل والدليل فرق عظيم.
يعني: توجيهات صاحب الفروع رحمه الله غالبها مبنيٌّ على القواعد والأصول، أما اتجاهات الشيخ مرعي رحمه الله فهي دون مستوى تلك.
يقول: (وَما أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ كَمَيْتَتِهِ) هذه قاعدة فقهية.
(مَا أُبِينَ): ما إعراب (ما)؟ مبتدأ محلها الرفع، لكن ما نوعها؟ استفهاميَّة، شرطية؟ الطلبة: موصولة.
الشيخ: لكن إن جعلتها موصولة، قالت لك الفاء في قوله: (فهو كميتته) ويش محلي؟ ليش أجيء؟ لأن الفاء ما تأتي إلا رابطة، فتكون داخلة على جملة جواب الشرط.
طالب: (... ). الشيخ: طيب هذا خلاف الأصل، إذن معناه إذا جعلناها (ما) موصولة فإنا شبهنها بالشرطية وأدخلنا الفاء في جوابها.
مفهوم؟ لكن إذا جعلنا (ما) شرطية فهو أولى من ناحية المعنى ومن ناحية اللفظ؛ أما من ناحية المعنى فلدخول الفاء في الجواب، وأما من ناحية المعنى فلأن هذه قاعدة، واستعمال الشرط في القاعدة أبلغ من استعمال اسم الموصول؛ فنقول: (ما أُبِينَ) هذه (ما) شرطية، و (أُبِين) بمعنى فُصِلَ.
وقوله: (مِنْ حَيٍّ) يعني: من حيوان حي، ولا حتى من الشجر؟ الحي: من الحيوان.
وقوله: (فهو كميتته)؛ يعني: طهارة ونجاسة، وحِلًّا وحرمةً، فهمتم؟ ما أُبِين من الآدمي فهو طاهر حرام؛ لحرمته لا لنجاسته وخبثه.
ما أُبِين من البقرة فهو نجس حرام؛ لأن ميتتها نجسة حرام، ما أبين من السمك طاهر حلال، ما أُبِين من الجرادة؟ طلبة: حلال.
الشيخ: يجوز تأخذ فخذ جرادة تقصه وهي حي وتأكله؟ طلبة: نعم.
الشيخ: إي نعم، يجوز والله أعلم.
وما أُبِينَ من حيٍّ فهو كمَيْتَتِه.

(بابُ الاستنجاءِ)

(يُسْتَحَبُّ) عندَ دخولِ الخلاءِ قولُ: (بِسْمِ اللهِ، أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ) وعندَ الخروجِ منه: (غُفْرَانَكَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّيَ الْأَذَى وَعَافَانِي، وتقديمُ رِجْلِه اليُسرَى دخولًا ويُمْنَى خروجًا عكسَ مسْجِدٍ ونَعْلٍ، واعتمادُه على رِجلِه اليُسرَى، وبُعْدُه في فَضاءٍ، واستتارُه، وارتيادُه لبَولِه مكانًا رِخْوًا، ومَسْحُه بيدِه اليُسرَى إذا فَرَغَ من بَوْلِه من أَصْلِ ذَكَرِه إلى رأسِه ثلاثًا ونَتْرَهَ ثلاثًا، وتَحَوُّلُه من مَوضِعِه ليَسْتَنْجِيَ في غيرِه إن خافَ تَلَوُّثًا.
و(يُكْرَهُ) دخولُه بشيءٍ فيه ذِكْرُ اللهِ تعالى إلا لحاجةٍ، ورَفْعُ ثوبِه قبلَ دُنُوِّه من الأَرْضِ، وكلامُه فيه، وبولُه في شَقٍّ ونحوِه، ومَسُّ فَرْجِه بيمينِه واستنجاؤُه واستجمارُه بها، واستقبالُ النَّيِّرَيْنِ.
و(يَحْرُمُ) استقبالُ القبلةِ واستدبارُها في غيرِ بُنيانٍ، وهو أحد القولين في المذهب، يقول: إن العظم طاهر، عظم الميتة طاهر، ويستدل لذلك بأن العظم وإن كان يتألم ويحس لكنه ليس فيه الحياة الكاملة، ولا يَحُله الدم، ما يحله الدم، وهو -أي العظم- ما له حركة إلا بغيره، العظم لا يتحرك إلا بغيره، فليس كبقية الجسم، فهو يشبه الظفر والشعر وما أشبهه.
ويقول: إن المدار في التطهير والتنجيس على الدم؛ ولذلك الذي ليس له نفس سائلة؟ طلبة: طاهر.
الشيخ: طاهر، يكون طاهرًا، ولكن الذي يظهر أن الصواب مع المذهب في هذه المسألة؛ لأنه فرّق بين هذا وبين ما لا نفس له سائلة، بأن الذي ليس له نفس سائلة حيوان مستقل، لكن هذا يكون نجسًا تبعًا لغيره، وإذا كان يتألم فليس كالظفر وليس كالشعر.

ثم إن كونه ليس فيه دم هذا ينظر فيه؛ هل هو مؤكد أنه ليس فيه دم، أو أنه فيه دم؛ لأن بعض العظام تحس بأن فيه دمًا، أحيانًا يكون العظم أحمر، فهذه ينظر فيها ويرجع فيها إلى الطب، ولكننا إذا أخذنا بالعموم ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: 145] فهو أحوط وأولى.
قال المؤلف: (ما أُبِين من حي فهو كميتته) شرحناها أظن؟ طلبة: نعم.
الشيخ: (ما أبين من حي فهو كميتته) وناقشنا فيها.
الذي يقطع من الحي كميتته أي كميتة ذلك الحي، فإن قطع من آدمي أيش قولك؟ طلبة: طاهر.
الشيخ: فهو طاهر؛ لأن ميتة الآدمي طاهرة، وإن قطع من بعير فهو نجس؛ لأن ميتة البعير نجسة، وإن قطع من سمك فهو طاهر؛ لأن ميتة السمك طاهرة، وإن قطع من جراد؟ طلبة: طاهر.
الشيخ: فهو طاهر؛ لأن ميتته طاهرة، كذا، استثنى العلماء من ذلك مسألتين: المسألة الأولى: الطريدة.
والمسألة الثانية: المسك وفأرة المسك، المسك وفأرته، مسك وفأرة مسك أيش هذا؟ يقولون: إن المسك بعض دم الغزال، فيه غزلان معروفة تسمى غزال المسك، وإن هذه تركَّض حتى تفحم، ثم ينزل من عند سرتها دم، فإذا نزل هذا الدم يصرونه يربطونه رباطًا قويًّا شديدًا حتى ينقطع اتصاله بالدم، ثم في النهاية يسقط هذا الذي شدوا عليه، تصورتموه زين أو ما تصورتم؟ بس الإخوان أظن أنهم ما تصوروه، فيه نوع من الغزلان يسمى غزال المسك، يقولون: إنهم إذا أرادوا أن يستخرجوا منه المسك فإنهم يركضونه، يجعلونه يركض، يتعبونه، فينزل منه دم من عند سرته، ثم يأتون بخيط شديد قوي فيربطون هذا الدم الذي نزل، يربطونه ربطًا قويًّا من أجل ألا يتصل بالبدن فيتغذى بالدم، إذا أخذ مدة طبعًا يطيح يسقط لأنه ييبس ويسقط، إذا سقط وجد هذا مسكًا، هذا الدم اللي انحجر بالجلد يكون مسكًا من أطيب المسك رائحة.
طالب: من داخل الجلد يا شيخ؟

الشيخ: إي نعم من داخل الجلد، هذا الوعاء يسمى فأرة، فأرة المسك، والمسك هو الذي في جوفه، هذا انفصل من حي ولّا لا؟ طلبة: من حي.
الشيخ: انفصل من حي، ويكون طاهراً بإجماع العلماء على طهارته، أو قول أكثر العلماء، ولهذا يقول المتنبي:

فَإِنْ تَفُقِ الْأَنَامَ وَأَنْتَ مِنْهُمْ فَإِنَّ الْمِسْكَ بَعْضُ دَمِ الْغَزَالِ

هذا المسك فأرة مع أنه منفصل من غزال، والغزال ميتته نجسة، لكن هذا مستثنى.
الثانية، المسألة الثانية، ما يستثنى من هذا العموم: الطريدة، بمعنى المطرودة، وهي الصيد يطرده الجماعة فلا يدركونه فيذبحونه، ولكنهم يضربونه بأسيافهم أو خناجرهم ضربة رجل واحد، فهذا يقص يده، وهذا يقص رجله، وهذا يقص رأسه، وهذا يقص بطنه حتى يموت، هذه تسمى الطريدة، بمعنى مطرودة، وليس فيها دليل عن الرسول عليه الصلاة والسلام، إلا أن ذلك فعل الصحابة رضي الله عنهم.
قال الإمام أحمد: كانوا يفعلون ذلك في مغازيهم، ولا يرون به بأسًا، والحكمة في هذا -والله أعلم- أن هذه الطريدة لا يقدر على ذبحها، ما يقدر على ذبحها، وإذا لم يقدر على ذبحها فإنها تحل بعقرها في أي موضع من بدنها، صيد، الصيد إذا رميته في أي مكان ومات حلال؛ هذه هي نفس الشيء؛ إلا أن هذه قطعت قبل أن تموت.
قال الإمام أحمد: فإن بقيت، يعني: قطعنا رجلها، ولكن هربت ما أدركناها؛ فإن رجلها حينئذٍ تكون حرامًا ونجسة؛ لأننا ما أدركناها ولم تكن الآن صيدا فتكون حرامًا.
إذن القاعدة (ما أُبِين من حي فهو كميتته) ويش يستثنى منها؟ مسألتان الأولى: الطريدة، والثاني: المسك وفأرة المسك.
[باب الاستنجاء] ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب الاستنجاء) هذا الباب ذكر فيه المؤلف الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة.

الاستنجاء: استفعال من النجو، وهو في اللغة: القطع، يقال: نجوت الشجرة، أي: قطعتها.
وهو: إزالة الخارج من السبيلين بماء أو حجر، وفي ذلك قطع لهذا النجس، هذا وجه تعلق الاشتقاق بالمعنى الاصطلاحي.
فهو في اللغة: من النجو وهو القطع، وأما في الاصطلاح فهو: إزالة الخارج من سبيل بماء أو إزالة حكمه -على القول بأن الاستجمار لا يطهر- بحجر ونحوه، فهمتم؟ إزالة الخارج من سبيل بماء أو إزالة حكمه بحجر ونحوه.
والصواب أن نقول: إزالة الخارج من سبيل بماء أو حجر ونحوه؛ لأن الصحيح أن الاستجمار يطهر تطهيرًا كاملًا كالماء تمامًا.
قال: (اعلم أن الله عز وجل أسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، من الأكل، والشرب، واللباس، والسكن، وغير ذلك من نعم الله التي لا تحصى).
الأكل والشرب لله علينا فيه نعم سابقة ولاحقة: أما السابقة: فإن هذا الماء الذي نشربه ما جاء بحولنا ولا قوتنا، ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة: 68، 69]، ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: 30]، فبين الله تعالى منته علينا بالماء النازل من السماء، والنابع من الأرض.
الطعام الذي نأكله ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة: 63 - 65]، فهذه نعمة عظيمة من الله، هو الذي زرعه ونماه حتى تكامل، ويسر لنا بالأسباب التي يسر لنا أن نجنيه، وأن نحصده، ثم بالطحن وبالطبخ، إلى غير ذلك من النعم الكثيرة.

قال بعض العلماء: إنه لا يقدم الطعام بين يديك إلا وفيه ثلاث مئة وستون نعمة، هذا اللي يدرك فكيف عاد الذي لا يدرك؟ ثم مع ذلك نِعم عند تناوله، إذا قُدم بين يديك نِعم عند تناوله، كيف؟ عندما تأكله على جوع ماذا تكون لذته؟ ما تتصور، وعندما تطعمه في فمك تجد لذة، وعندما ينزل تجد لذة، وعندما يمشي في الأمعاء ما تجد تعبًا.
الآن لو يقف على يدك بعوضة أحسست برجليها أو لا؟ تحس بها وتقشعر منها، لكن هذا الطعام الغليظ ينزل مع هذه الأمعاء الرقيقة ولا تحس به، نِعم من الله عز وجل؛ لأن داخل الجوف ما فيه إحساس يمر به بدون إحساس.
ثم إن الله تعالى خلق غددًا تفرز أشياء تلين هذا الطعام حتى ينزل وتخفف حتى ينزل.
ثم إن الله عز وجل جعل له قنوات يذهب معها التفل وقنوات يذهب معها الماء، ثم هناك عروق شارعة في هذه الأمعاء تفرق الدم على الجسم؛ وأين توصله؟ توصله إلى القلب.
ثم هذا القلب الصغير في لحظة من اللحظات يطهر هذا الدم حتى يخرج من الجانب الآخر من القلب نقيًّا، ثم يدور في البدن، ثم يرجع مرة ثانية إلى القلب فيطهره ويصفيه، ثم يعيده نقيًّا، وهكذا دواليك، كل هذا ونحن لا نحس بهذا الشيء، ما نحس به، وإلا فالقلب يقول هكذا نبضات، كل نبضة تأخذ شيئًا، والنبضة الأخرى تخرج شيئًا من هذا الدم، ومع ذلك يذهب هذا الدم إلى جميع أجزاء الجسم بشعيرات دقيقة منظمة مرتبة على حسب حكمة الله وقدرته.
ثم مع هذا أيضًا، من قدرة الله العظيمة البالغة، أن مجاري العروق لا تتفق في الأعضاء، كل عضو له مجارٍ خاصة، بمعنى أن يدك اليمنى ليست مجاري الدم فيها كيدك اليسرى؛ تختلف.
وكذلك بالنسبة للرجل، تختلف، كل هذا من أجل بيان قدرة الله سبحانه وتعالى.
ولا شك أن هذا هو مقتضى الحكمة أيضًا، فإنه لولا أن هناك حكمة تقتضي أن يكون لهذه اليد مجار معينة، ولهذه اليد مجار معينة ما خلقها الله هكذا.

المهم أن كل هذا نريد أن نبين أن لله علينا نعمًا مادية بدنية في هذا الطعام، سابقة على وصوله إلينا ولاحقة.
ثم هناك يا إخواني نعم دينية تقترن بهذا الطعام؛ تسمي عند الأكل، وتحمد إذا فرغت، وأيش الجزاء؟ «إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ يَأْكُلُ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا، وَيَشْرَبُ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا» (1)، نعمة هذه رضى الله هو غاية كل إنسان، من يحصل رضى الله عز وجل؟ ومع ذلك نتمتع بنعمه، فإذا حمدناه رضي عنا، وهو الذي تفضل بها أولًا.
هذه النعمة أكبر من نعمة البدن «إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ يَأْكُلُ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا، وَيَشْرَبُ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا».
ما ظنكم لو لم يشرع الله لنا أن نحمده عند الأكل والشرب؛ فإننا لو حمدناه لصرنا مبتدعين وصرنا آثمين، لكنه شرع لنا ذلك لأجل أن يوصلنا إلى رضاه.
أسأل الله أن يحقق ذلك لي ولكم، لأجل أن نصل إلى رضاه، وهذه نعمة عظيمة يا إخوان، نعمة ما يدركها إلا الإنسان اللي عنده تأمل.
ثم أيضًا: عند تفريغ هذا الذي أكلنا أو شربنا فيه نعم جسمية وحسية، وشرعية دينية؛ النعم الجسمية لو احتقن هذا الطعام أو الشراب في بطنك ولم يخرج؛ أيش المآل؟ الموت المحقق، لكنه يخرج.
لو احتقنت الريح التي جعلها الله تعالى كالجندي بين يدي الأمير لتفتح المجاري أمام ما يعبر منها، لو أنها انسدت ماذا يكون؟ يكون الموت، ينتفخ البطن ثم يتمزق، وكذلك البول.

إذن؛ فلله علينا نعمة في خروجه، وفي يسره، ثم نعمة كبرى -والحمد لله، نسأل الله لنا ولكم دوام النعمة- في حبسه إذا أردت، وفي فتحه إذا أردت، من يستطيع يفتح المثانة حتى ينزل البول لولا أن الله يسر ذلك، ومتى ما شئت، قد تذهب وتبول وليس في المثانة إلا ربعها، يعني ما هي المسألة إجبارية وقد تحبسها وهي مملوءة؛ ولكنك تستطيع أن تتحمل.
هذه من نعمة الله، ولا يعرف قدر هذه النعمة إلا من ابتلي بالسلس، نسأل الله السلامة، يعرف قدر هذه النعمة.
وكذلك بالنسبة إلى الخارج الآخر، فهذه نعم عظيمة، ومع ذلك هناك نعم دينية مقرونة بهذه النعمة، عند الدخول هناك ذكر مشروع يقربك إلى الله عز وجل، وعند الخروج ذكر مشروع يقربك إلى الله عز وجل، وعند الفعل عمل مشروع يقربك إلى الله.
فتأمل كيف نعم الله عليك، سابغة شاملة وواسعة دينية ودنيوية، وبهذا نعرف صدق هذه الآية الكريمة صدقًا لا شبهة فيه إطلاقًا ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: 18] يعني: يغفر لنا ويرحمنا إذا لم نقم بشكر هذه النعم ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: 34]، شوف بين حال الإنسان وحال الرب عز وجل، حال الرب عند هذه النعم العظيمة يقابل هذا الظلم والكفر بهذه النعم بماذا؟ بالمغفرة والرحمة، أما حال العبد فهي الظلم والكفر، ولكن يقابل هذا والحمد لله المغفرة من الرب العظيم والرحمة.
نرجع الآن إلى كلام المؤلف، وأنا قدمت هذه المقدمة لأن هذه المسائل ينبغي لنا أن نضعها على بالنا دائمًا حتى نعرف قدر النعم الكبيرة.
يقول المؤلف: (يستحب عند دخول الخلاء قول: باسم الله، أعوذ بالله من الخُبث والخبائث).
قال المؤلف: (يُستحب) وقد اختلف الفقهاء -رحمهم الله - هل المستحب مرادف للمسنون، أو المستحب ما ثبت بتعليل، والمسنون ما ثبت بدليل؟

يعني: هل إذا قلت: يستحب مرادف لقولي: يسن، أو لا؟ أقول: يسن إلا فيما ثبت بدليل، وأما ما ثبت بالتعليل فأقول فيه: يستحب، فيه خلاف بين الأصوليين، فقال بعضهم: إن الشيء الذي لا يثبت بدليل لا تقل فيه: يسن؛ لأنك إذا قلت: يسن معناه أثبته سنة وليس عندك دليل، أما الشيء الذي يثبت بتعليل ونظر واجتهاد فقل: إنه يستحب؛ لأن الاستحباب ليس كالسنة بالنسبة لإضافته إلى الرسول عليه الصلاة والسلام.
ولكن أكثرهم يقولون: إنه لا فرق بين يُستحب وبين يُسن؛ ولهذا يعبر بعضهم بيسن ويعبر بعضهم بيستحب.
القول الأول لا شك أنه أقرب إلى الضبط؛ لأنك لا تعبر عن شيء لم يثبت بدليل؛ لا تعبر عنه بيسن، لكن قل نستحب له ذلك، نرى هذا مطلوبًا، وما أشبه ذلك.
أما ما ذكر المؤلف هنا (قول: باسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث) فهذا سنة، أما (قول: باسم الله) فهذا قد رواه علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سَتْرُ مَا بَيْنَ الْجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إِذَا دَخَلُوا الْكَنِيفَ أَنْ يَقُولُوا: بِاسْمِ اللهِ» (2) ستر بين الجن والعورات.
وأما (أعوذ بالله من الخبث والخبائث) فقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان إذا دخل الخلاء قال: «أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الخُبثِ وَالْخَبَائِثِ» (3)، فائدة البسملة عرفناها ما هي؟ طلبة: ستر العورة.
الشيخ: ستر العورة عن الجن، فائدة هذه: الالتجاء إلى الله عز وجل من الخبث والخبائث، الخُبْث بالسكون والخبائث؛ الخبث: الشر، والخبائث: النفوس الشريرة، يعني النفوس ذوات الشر، وهو أعم من الخُبُث بالضم والخبائث؛ لأن رواية الخُبُث، الخُبُث: جمع خَبيث، والمراد به: ذُكران الشياطين، والخبائث جمع خبيثة، والمراد به: إناث الشياطين، هذا على رواية الضم، أما على رواية التسكين فالخُبْث: الشر، والخبائث: النفوس الشريرة، أيهما أعم؟ طلبة: الثاني.

الشيخ: الثاني أعم، الخبْث والخبائث، ولهذا هو أكثر روايات الشيوخ، قال الخطابي: إنه أكثر رواية الشيوخ.
الخبث والخبائث: الحكمة من الاستعاذة من الخبث والخبائث لأن هذا المكان خبيث، والخبيث مأوى الخبثاء.
الشياطين وين تنزل؟ أحب مكان إليها المكان الخبيث ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور: 26]، فلهذا لما كانت مأوى الشياطين صار من المناسب أن الإنسان إذا أراد الدخول أن يقول: أعوذ بالله من الخبث والخبائث، حتى لا يصيبه الخبث، وهو الشر، ولا الخبائث، وهي تلك النفوس الشريرة.
طالب: شيخ، الاستحباب حكم شرعي؟ الشيخ: إي نعم، الاستحباب حكم شرعي على القول بأنه لا فرق بينه وبين السنة.
طالب: (... ). الشيخ: التعليل بالقياس، تعليل الحكم بالقياس، والقياس من الأدلة الشرعية، لكنه ليس كالثابت بنص؛ إذ إن النص لا مجال للمناقشة فيه، لكن الاجتهاد فيه مناقشة.
طالب: وهل هذا يمكن حتى في العبادات ولّا نقول (... ). الشيخ: لا العبادات المشروعة، يعني اللي بيشرع عبادة من أصلها ما يمكن، لكن قد أقيس عبادة على عبادة وأرى أنه لا فرق بينها وبين هذه.
يقول: (أعوذ بالله من الخبث والخبائث) لكن يقول المؤلف: (يُستحب عند دخول الخلاء) هل العندية هنا قبل ولا بعد؟ طلبة: قبل.
الشيخ: قبل، لكن عندما تريد أن تدخل، طيب وإذا كنت لا أريد قضاء الحاجة في الخلاء، ما فيه مكان معدّ، فإني أقول ذلك إذا أردت أن أجلس، قد يكون في البر إذا أراد أن يجلس يقول ها الكلام.
والخلاء: أصله المكان الخالي، ومناسبته هنا ظاهرة؛ لأن هذا المكان لا يكون جامعًا بين اثنين، ما يجلس فيه إلا الواحد.
وقول المؤلف: (أن يقول) بلسانه ولّا بقلبه.
طلبة: بلسانه.
الشيخ: بلسانه، فالإشارة لا تكفي، اللهم إلا من أخرس، فيمكن أن تكفي الإشارة مع نية القلب.
وقوله: (أعوذ بالله)، ما معنى (أعوذ) أي: أعتصم وألتجئ بالله عز وجل من الخبث والخبائث.

قال: (وعند الخروج منه)، يعني: يسن أن يقول عند الخروج منه، والعندية هنا قبلية ولا بعدية؟ طلبة: بعدية.
الشيخ: بعدية (عند الخروج منه: غفرانك)، غفران: هذه مصدر غفر يغفر غفرًا وغفرانًا، شكر يشكر شكرًا وشكرانًا، إذن (غفرانك): مصدر منصوب بفعل محذوف تقديره: أسألك غفرانك.
والمغفرة تقدم لنا مرارًا وتكرارًا أنها: ستر الذنب والتجاوز عنه؛ لأنها مأخوذة من المِغْفَر، وفي المغفر ستر ووقاية، وليس سترًا فقط، بل ستر ووقاية، فيكون معنى: اغفر لي؛ أي: استر ذنوبي وتجاوز عني حتى أسلم من عقوبتها.
وقوله (غفرانك) مناسبة ذكره هنا قيل: إن المناسبة أن الإنسان لما تخفف من أذية الجسم تذكر أذية الإثم؛ فدعا الله أن يخفف أذية الإثم كما منّ عليه بتخفيف أذية الجسم، فكما أنه الآن سلم من آثار هذا الأذى فيسأل الله أن يسلم من آثار الذنوب، وهذا معنى مناسب من باب تذكر الشيء بالشيء.
وقال بعض العلماء: إنه يسأل الله غفرانه لأنه انحبس عن ذكره في مكان الخلاء، فيسأل الله أن يغفر له هذا الوقت الذي لم يذكر الله فيه.
وفي هذا نظر، هذا الأخير فيه نظر؛ لأنه إنما انحبس عن ذكر الله بأمر الله، وإذا كان بأمر الله فلم يعرض نفسه للإثم، بل عرض نفسه للمثوبة، ولهذا المرأة الحائض لا تصلي ولا تصوم، فهل يسن لها إذا طهرت أن تستغفر الله؛ لأنها تركت الصلاة والصيام في أيام الحيض؟ أبداً، ما أحد قاله، ولا جاءت به السنة.
فتبين بهذا أن القول الصحيح: أن المناسبة هو تذكر الإنسان حين خلا مما يؤذيه حسًّا أن يسأل الله تعالى أن يخليه مما يؤذيه شرعًا أو معنى.
طالب: ما يمكن أيضًا نقول: إن هذه نعمة من الله عز وجل أن يتخلص من هذا الأذى بأنه يستغفر الله على عدم القيام بالشكر على النعمة.
الشيخ: لا، النعمة تحتاج إلى الشكر، وإلا لقلنا: كل نعمة ينعم الله بها عليك استغفر الله، ما نقول هكذا، نقول: اشكروا الله.

بقي أن نقول: هذا الحديث صحيح «غُفْرانك» (4)، وأما «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي» (5) ففيه ضعف.
«الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي» هذا حمد لله عز وجل على هذه النعم؛ أن الله أذهب عنه الأذى المؤذي، وعافاه منين؟ طالب: من الأذى.
الشيخ: عافاه من آثاره لو بقي، فأنت تسأل الله المغفرة وتحمد الله تعالى على النعمة.
يقول: (وتقديم رجله اليسرى دخولًا، واليمنى خروجًا) يعني: يسن أن يقدم الإنسان رجله اليسرى عند الدخول، ويقدم رجله اليمنى إذا خرج، هذا نقول فيه: يُستحب ولا يُسن؟ على القول بالفرق بينهما.
طلبة: يسن.
الشيخ: فيه حديث، فيه دليل؟ طالب: نعم.
الشيخ: ما هو الدليل؟ طالب: (... ) التيامن.
الشيخ: لا، إن قلنا: وجوب التيامن قلنا: قدم اليمنى.
طالب: (... ). الشيخ: لا، في هذه قياسية، هذه مسألة قياسية، يقولون: إن اليمنى تقدم للمسجد كما جاءت به السنة، واليسرى عند الخروج منه، وهذا عكس المسجد، كذلك في النعل ثبت عن الرسول الله عليه الصلاة والسلام في الصحيح، بل في الصحيحين أنه أمر لابس النَّعل أن يبدأ باليُمنى أولًا عند اللُّبس، وباليُسرى عند الخلع (6)، فقالوا: هذا دليل على تكريم اليمنى، فإذا كانت اليمنى مكرمة يبدأ بها باللبس الذي فيه الوقاية، ويبدأ باليسرى بالخلع الذي فيه إزالة الوقاية، ولا شك أن الوقاية تكريم.
قالوا: فإذا كانت اليمنى تقدم في باب التكريم، واليسرى تقدم في عكسه، كما دلت عليه السنة في مسألة النعل، قالوا: فإنه ينبغي أن تقدم عند الدخول للخلاء اليسرى، وعند الخروج اليمنى؛ لأنه خرج إلى أكمل وأفضل من الخلاء، إن الله خفف عنه ما يجده من ألم الأذى فناسب أنه يسأل الله تعالى أن يخفف عنه ذنوبه.
طالب: شيخ (... ).

الشيخ: (واعتماده على رجله اليسرى)، يعني: يسن عند قضاء الحاجة أن يعتمد على رجله اليسرى؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر أصحابه أن يعتمدوا على الرِّجْل اليُسرى، وينصِبُوا اليُمنى (7)، هذا ما استدل به الأصحاب، ولكن هذا الحديث ضعيف.
وعللوا بعلة قالوا: إنه أسهل لخروج الخارج، أنه يعتمد على اليسرى وينصب اليمنى.
وله علة ثانية وهو: أن اعتماده في هذه الحال وعلى قضاء الحاجة على اليسرى دون اليمنى يكون هذا من باب إكرام اليمين، فأما الحديث فالحديث ضعيف، لا تقوم به الحجة، وأما أنه أسهل لخروج الخارج فهذا يرجع فيه إلى الأطباء، الفقهاء قالوا: إنه أسهل، فإن ثبت هذا طبًّا فهو يكون من باب مراعاة الصحة.
وأما كونه من باب إكرام اليمين لبعدها فهذا نعم العلة هنا ظاهرة، لكن فيه نوع من المشقة كبيرة إذا نصبت اليمنى واعتمد على اليسرى، لاسيما إذا كان الرجل كثير اللحم، أو ضعيف الجسم، أو كبير السن، يعني يتعب في اعتماده على اليسرى، ويتعب أيضا في نصب اليمنى.
ولهذا لو قال قائل: ما دامت المسألة ليس فيها سنة عن الرسول عليه الصلاة والسلام فإن كون الإنسان يبقى على طبيعته معتمدًا على الرجلين كلتيهما هو الأولى وهو الأيسر.
وعلى كل حال يرجع في هذا إلى مسألة الطب.
طالب: نعم يا شيخ أقول: إن الأمر (... ) سواء باليمنى أو باليسرى في (... ). الشيخ: يعني ما فيه.. طالب: ليس فيه تسهيل لو بالاعتماد على اليسرى أو باليمنى بس هذا يختلف من شخص لآخر.
الشيخ: طيب الاعتماد على اليسرى (وبعده في فضاء).

(بعده) الضمير يعود على من؟ على قاضي الحاجة، (في فضاء) أي في مكان ليس فيه جدران، أو أشجار ساترة، أو أَكَمَات، أو جبال، يبعد في الفضاء، إلى أي مدى؟ حتى يستتر؛ لحديث المغيرة بن شعبة، قال: إن النبي عليه الصلاة والسلام.. وهو في الصحيحين، قال: فانطلق حتى تَوَارى عنِّي فقضى حاجته (8)، هذا هو الدليل، وأيضًا: فإن فيه من المروءة والأدب ما هو ظاهر، والمراد بقوله: (وبعده في فضاء) حتى لا يرى جسمه.
وأما قول المؤلف: (واستتاره)، فاستتاره هذه معطوفة على (يستحب)، والمراد استتار بدنه كله، وأما استتاره بالنسبة للعورة فهو أمر واجب، يجب أن يستر عورته، وأما بالنسبة لجميع جسده فهو أولى وأفضل لما تقدم من حديث المغيرة.
طالب: (... ) معطوف على (يستحب) أو على قوله.
الشيخ: لا على نائب الفاعل في (يستحب).
طالب: قوي يا شيخ.
الشيخ: قوي نعم.
طالب: الاعتماد على (... ). طالب: قضاء الحاجة يا شيخ يشمل البول والغائط.
الشيخ: إي نعم يشمل البول والغائط.
طالب: (... ). الشيخ: لا، البول ثبت أنه قضى حاجته على الزبالة في حديث حذيفة وهو يراه وهو إلى جنب عقبه، لكن لعل ذلك لحاجة.
يقول: (واستتاره وارتياده لبوله مكانًا رخوًا)، ارتياد بمعنى طلب، (لبوله) يعني: دون غائطه، و (مكانًا رخوًا) يقال: رَخوًا ورُخوًا ورِخوًا، فهو مثلث الراء، والرخو معناه: المكان اللين الذي لا يُخشى منه رشاش البول إذا نزل عليه هذا الرخو.
لماذا يستحب؟

لأنه أسلم من الرشاش، ورشاش البول وإن كان الأصل عدم إصابته إياك، لكن ربما يفتح عليك باب الوسواس، فكثير من الناس يبتلى بالوسواس في هذه الحال، يقول: أخشى أن يكون قد رش علي، ثم تبدأ النفس تعمل عملها حتى يبقى شاكًّا في أمره، فكلما اختار لمكان بوله الرخو فهو أحسن وأفضل، فإن كان في أرض ليس حوله شيء رخو فماذا يصنع؟ قالوا: يُدنِي ذَكَره من الأرض حتى لا يحصل الرشاش، وهذا صحيح، كل هذا إبعادًا عن الوسواس والشكوك التي يلقيها الشيطان في نفس الإنسان.
(ومسحه بيده اليسرى إذا فرغ من بوله، من أصل ذكره إلى رأسه ثلاثًا) يعني: يستحب أيضًا أن يمسح إذا فرغ من البول من أصل الذكر - وهو عند حلقة الدبر- إلى رأسه ثلاث مرات؛ لماذا؟ قال: لأجل أن يخرج ما تبقى في القناة من البول؛ لأنه ربما يبقى بول، فإذا قام أو تحرك نزل، فمن أجل ذلك يحلبه بأن يمسح عليه من عند حلقة الدبر إلى رأسه.
وهذا الذي ذكروه رحمهم الله قول ضعيف جدًّا؛ لأنه لم يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولأنه يضر بمجاري البول، ولاسيما إذا أضيف إليه النتر ربما يحدث الإدرار، ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: إن الذكر كالضرع، إن حلبته در، وإن تركته قر، وعلى هذا فلا يستحب المسح، إنما إذا انتهى البول يغسل رأس الذكر وينتهي الموضوع.
(ونتره ثلاثًا)، ويش معنى النتر؟ يعني أن الإنسان يحرك ذكره من الداخل، ما هو بيده، فينتره لأجل إذا كان فيه شيء من البول فإنه يخرج، هذا التعليل، وفيه حديث لكنه ضعيف لا يصح: «إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهُ ثلَاثًا» (9)، ولكنه لا يصح، والتعليل هو ما ذكرت لكم، من أجل أن يخرج ما تبقى من البول، ولكن هذا أيضًا يقول شيخ الإسلام: إن النتر بدعة وليس بسنة، ولا ينبغي للإنسان أن ينتر ذكره.

وهذان الأمران اللذان ذكرهما الأصحاب رحمهم الله يشبهان ما ذكره بعض أهل العلم قال: ينبغي إذا انتهى من البول أن يتنحنح، فإذا كان فيه شيء يخرج، وبعضهم قال: ينبغي أن يقوم ويمشي خطوات لأجل أن يطلع الباقي، وبعضهم قال: ينبغي أن يصعد درجة ويجي من أعلاها بسرعة، كل هذا لأجل أن يخرج، وبعضهم لكن عاد ما هو من أقوال العلماء قال: ينبغي أن يجعل له حبلًا يتعلق فيه ثم ينهز روحه كذا بالحبل، كل هذه من الوساوس التي لا أصل لها، والحمد لله الدين يسر.
صحيح أن بعض الناس قد يُبتلى بأن يكون إذا لم يمش خطوات ويتحرك لو يتوضأ على طول خرج منه شيء بعد الوضوء، فهذا الرجل له حال خاصة، ممكن أن نقول: إذا انتهى البول قبل أن تستنجي فإذا كان من العادة أن ما بقي من البول لا يخرج إلا بحركة، ومشي، فلا حرج أن تمشي، لكن ما نجعل هذا أمرًا عامًّا لكل أحد، بل نجعل هذا كعلاج لهذا الشخص الذي يبتلى بهذه الحال، ولكن بشرط أيضًا أن يكون عنده علم اليقين بأنه يخرج شيء، أما مجرد الوهم فإنه لا عبرة به.
قال المؤلف رحمه الله: (وتحوله من موضعه ليستنجي إن خاف تلوثًا)، (تحوله) يعني: انتقاله، (من موضعه) أي موضع قضاء الحاجة ليستنجي بماذا؟ يستنجي بالماء، (إن خاف تلوثًا) يعني خاف أنه إذا استنجى في هذا المكان يتلوث بماذا؟ يتلوث بالنجاسة، مثل أن يخشى من أن يضرب الماء على الخارج النجس ثم يرش على ثوبه، أو على فخذه، أو ما أشبه ذلك، فنقول هنا: الأفضل أن تنتقل درءًا لهذه المفسدة، وكما قلت قبل قليل: إن مثل هذه الأمور قد تحدث للإنسان الوساوس والشكوك، فإذا خاف أن يتلوث فلينتقل، أما إذا كان لا يخاف كما يوجد الآن في الحمامات والحمد لله الشيء كله يمشي فإنه لا ينتقل، لا يسن أن ينتقل، بل يبقى ويستنجي في مكانه.
قال: (ويكره دخوله بشيء فيه ذكر الله إلا لحاجةٍ): (يكره دخوله) الضمير في (دخوله) يعود على من؟ على قاضي الحاجة، أو على الخلاء؟

طالب: على قاضي الحاجة.
طالب آخر: على الخلاء.
الشيخ: يحتمل أن المعنى يكره دخول الخلاء بشيء فيه ذكر الله إلا لحاجة أو دخول قاضي الحاجة الخلاء ويكون المفعول هنا محذوفاً.
(يكره دخوله بشيء فيه ذكر الله إلا لحاجةٍ) ظاهر تعليلهم أن المراد هنا بذكر الله: ليس الذكر الذي هو الجمل المعروفة التي يثاب عليها، ولكن المراد بذكر الله هو اسم الله؛ لأنهم استدلوا بحديث أنس أن النبيَّ عليه الصلاة والسلام كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه (10)؛ (11) لأنه منقوش فيه: محمد رسول الله، وهذه ما هي من الذكر المعروف، وإن كان (محمد رسول الله) إحدى الشهادتين، لكن ما هو: سبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فيقتضي هذا أن كل ما فيه اسم الله فهو يكره دخول الخلاء به، وهذا مبني على صحة الحديث، حديث أنس، فمن صححه أو حسنه قال: إن ذلك مكروه، وأما من قال: إن الحديث لا يصح فيقول: إن الدخول ليس بمكروه، دخول الإنسان بشيء فيه ذكر الله ليس بمكروه، لكن الأفضل ألا يدخل.
وهناك فرق بين قولنا: إن هذا يستحب، وبين قولنا: إن هذا يكره؛ لأنه لا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه كما هو معروف.
استثنى بعض أهل العلم في هذه المسألة قال: إلا المصحف، فيحرم أن يدخل به الخلاء؛ لأن المصحف أشرف الكلام، ودخول الخلاء فيه نوع من امتهانه، فلا يجوز أن يدخل الخلاء بمصحف، سواء كان ظاهرًا أو في جيبه خفيًّا؛ لِما في ذلك من نوع امتهان له.
وقول المؤلف (إلا لحاجةٍ) هذا مستثنى من المكروه، يعني إلا إذا احتاج إلى ذلك، مثل الدراهم، الدراهم قد يكون فيها اسم الله، أو لا؟ ومثل التابعية والجواهر والخطوط أيضا من (... )، هذه حاجة؛ لأننا لو قلنا: لا تدخل بها ثم أخرجها ووضعها عند باب الخلاء صارت عرضة؟ طالب: للنسيان.

الشيخ: للنسيان، هذا وارد في كل شيء، عرضة للنسيان، وإذا كان في محل بارح عرضة لأن تطير مثلًا، يطير بها الهواء، وإذا كان في مجمع من الناس عرضةً لأن تُسرق، فإذا كان كذلك فهي حاجة أن يدخل فيها، وكثيرًا ما يضع الإنسان شيئًا، لا سيما إذا كان فيه آيات، على أنه إذا خرج أخذها ثم يخرج وينسى، فهذه حاجة، فإذا احتاج الإنسان إلى دخول شيء فيه ذكر الله فإنه يجوز له الدخول، قلنا في المصحف: إن بعضهم قال: إنه حرام، فهل تبيح الحاجة دخوله فيه؟ أو نقول: لا بد من الضرورة؟ المعروف أن المحرم لا تبيحه إلا الضرورة، ما تبيحه الحاجة، لكن مع ذلك قالوا: إنه إذا خاف أن يسرق فلا بأس أن يدخل به، وظاهر كلامهم: وإن كان الإنسان غنيًّا لو سرق مصحفه لوجد بدله، وعلى كل حالٍ ينبغي للإنسان في المصحف خاصة أن يحاول عدم الدخول، حتى لو كان في مجمع عام يمكنه أن يعطيه أحدًا من الناس يثق به ويقول: أمسكه حتى أخرج.
طالب: يا شيخ، نزع النبي صلى الله عليه وسلم خاتمه ما يكون هو لئلا يباشر النجاسة، أنه عندما يتوضأ بيده.
الشيخ: لا؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يلبسه في اليمنى وفي اليسرى، اليمنى ما تباشر النجاسة.
طالب: اليسرى.
الشيخ: اليسرى تباشرها نعم.
طالب: (... ). الشيخ: ما ندري، لو كان الحديث مقيدًا بما إذا كان لابسه باليسرى لكان صحيح يتجه ما قلت.
طالب: ممكن أنه خلعه وأدخله بجيبه ودخل.
الشيخ: الله أعلم، ما ندري.
طالب: إذا كانت العلة هذه يكون أدخله في جيبه.
الشيخ: ممكن إذا كانت العلة خوف النجاسة فهو إذا أدخله في جيبه زالت العلة.
(... ) السؤال شيء آخر ما رأيكم في رجل جعل المسجل أو الراديو عنده في بيت الخلاء يستمع إليه قرآنا؟ طالب: هذا قطعًا فيه امتهان.
الشيخ: فيه امتهان له؟ طالب: نعم.
الشيخ: طيب لو جعله خارج الباب، عند الباب.
طلبة: لكن سماعه فقط.
الشيخ: يسمعه فقط.
طالب: نعم قد يذكر الله قد يسبح قد..

الشيخ: لا ما هو مسبح ولا شيء، بيسمع بس.
طالب: (... ). الشيخ: هذا يسأل عنه بعض الناس يقول: إنه أحياناً يوافق نور على الدرب ووده يستمع إليه، ونور على الدرب يصير فيه آيات، يستدل العلماء فيه بآيات، يقول: أنا إذا حطيته عندي قال: بقوله تعالى مثلًا كذا وكذا أسكه ولا ويش سوي.
طالب: (... ) خلف الباب.
الشيخ: مشكلة خلف الباب (... ). طالب: إذاعة القرآن.
الشيخ: إذاعة القرآن صحيح يمكن إذاعة القرآن يجيب قرآن صحيح.
طالب: (... ). الإشكال هي في الحقيقة النفس من الناحية العاطفية ما تميل إلى هذا، يعني الإنسان يستقبح إنه يخلي واحد عنده يستمع إلى القرآن وهو في بيت الخلاء، ومن ناحية ثانية من الناحية النظرية تقول: هذا كأنك تستمعه من فرجة؛ لأن اللي يقرأ ما هو في وسط (... ) القارئ الآن ولكنك تسمع صوته من هذه النافذة، إنما الذي أرى ولكن ما أقول: هذا الحكم الشرعي، أنا من الناحية النفسية ما أحب هذا، وأرى أنه إذا جاءت الآيات وأنت مثلا تستمع إليه سكه، القرآن يسمع من هذا المكان، أما إذا كان خارج الباب فلا بأس، وقد ذكروا أن المجد ابن تيمية رحمه الله جد شيخ الإسلام ابن تيمية أنه إذا دخل الخلاء أمر خادمه أو أحد أولاده أنه يقرأ عليه العلم، إما أحاديث وإلا كلام الفقهاء والعلماء؛ لئلا يغيب عن دارسة العلم في هذه المدة (... ). قوله: (ورفع ثوبه قبل دنوه من الأرض)، رفع ثوبه يعني قاضي الحاجة يكره أن يرفع ثوبه قبل أن يدنو من الأرض، وهذا على وجهين: أحدهما: أن يكون حوله من ينظره، فرفع الثوب هنا قبل الدنو من الأرض محرم؛ لأنه كشف للعورة لمن ينظر إليها، وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك: «لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ» (12).

الثاني: كشفه وهو خالٍ ليس عنده أحد، فهل يكره أو لا؟ هذا ينبني على جواز كشف العورة والإنسان خالٍ.
وفيه للعلماء ثلاثة أقوال: الجواز، والكراهة، والتحريم، والمذهب يقولون: إنه يكره أن يرفع ثوبه قبل دنوه من الأرض إذا لم يكن ناظر، فإن كان ناظر فهو حرام، ويكره إذا لم يكن ناظر؛ لأن فيه كشفًا للعورة بلا حاجة، أليس كذلك؟ طلبة: بلى.
الشيخ: تكشف عورتك بلا حاجة، الحاجة أنك إذا قربت من الأرض، أما وأنت بعيد فلا حاجة لذلك، ويقولون: إنه يحرم كشف العورة في الخلاء، لكن إنما قلنا بكراهة ذلك دون التحريم لأن كشفه هنا لسبب، وكان الخارج أو الزائد هو أن يبدأ بذلك قبل أن يباح له هذا الشيء، فلهذا يقولون: إنه على سبيل الكراهة، لا على سبيل التحريم.
وقول المؤلف: (ورفع ثوبه قبل دنوه من الأرض) إذا كان يريد أن يبول وهو قائم، فهذا سيرفع ثوبه وهو واقف، ولكن نقول: إن القائم دانٍ من قضاء الحاجة؛ لأنه سيقضيها وهو قائم.
والبول قائمًا جائز، لاسيما إذا كان لحاجة، ولكن بشرطين: أن يأمن التلويث، وأن يأمن الناظر، وقد ثبت في الصحيحين من حديث حذيفة أن الرسول عليه الصلاة والسلام أتى سُبَاطَةَ قومٍ فبالَ قائمًا (13). قال أهل العلم: فعل ذلك للجواز، وقال علماء آخرون: فعل ذلك للحاجة؛ لأن السباطة كانت عند قوم مجتمعين ينظرون إليه، فهو إن قعد في أعلاها مستدبرًا لهم ارتد بوله إليه، وإن قعد في أعلاها مستقبلًا لهم فقد كشف عورته أمامهم، فما بقي إلا أن يكون قائمًا مستدبرًا للقوم، فيكون في ذلك محتاجًا إلى البول قائمًا.
وأما حديث أن ذلك كان لأثر في مأبِضه (14) فإنه ضعيف، وكذلك القول بأنه فعل ذلك لأن العرب يتطببون بالبول قائمًا من وجع الركب (15) فهذا ضعيف.
ولكن نعم يمكن العرب إذا أوجعتهم ركبهم عند الجلوس يمكن يبولون قيامًا للحاجة.

طالب: بالنسبة للذي يرفع ثوبه وهو قائم والناس ينظرون إليه وذكرت في الحديث «لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ» فهذا الحكم في الناظر يعني ما يتعلق بالمنظور إليه.
الشيخ: إي نعم الحكم في الناظر صحيح إذا كان يحرم النظر، فلولا أن كشفها محرم ما حرم النظر، هذا وجه الدلالة، ولهذا يجوز مثلًا ينظر الإنسان إلى وجه الإنسان وإلى صدره وإلى منكبه لأنه يباح كشفه.
طالب: ذكرنا قولًا من الأقوال الثلاثة جواز كشف العورة (... ) التحريم والجواز (... ). الشيخ: الكراهة، والتحريم، والجواز، الظاهر أنه للكراهة أقرب، ولهذا كان الذي عليه جنابة إذا أراد أن يغتسل يتوضأ وهو عار، والوضوء هنا سنة وليس بواجب، ولو كان الخلوة يحرم فيها كشف العورة لقلنا: إنه لا يجوز لك أن تتوضأ إلا وأنت مستتر، ثم إذا جاء الغسل الذي لا بد فيه من خلع الثوب فاخلعه، وقد يجاب بأن هذه المسألة لما أبيح له أن يكشف ثوبه هنا للاغتسال صار كشفه للوضوء تبعًا، وهذه المسألة إن شاء الله تأتينا في العورة، ما حررتها هنا تحريرًا بالغًا، تأتينا إن شاء الله في درس العورة.
طالب: السباطة.
الشيخ: السباطة: الزبالة، كناسة، في الغالب تكون مرتفعة لأن مجمع الكنائس يكنس يعني.
يكره أيضًا (كلامه فيه) أي: كلام قاضي الحاجة (فيه) أي: في الخلاء، يكره، ما هو الدليل على الكراهة؟ استدلوا بأن رجلًا مرَّ بالنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وهو يبول؛ فسلَّم عليه فلم يردَّ عليه السَّلام (16).

ما رد عليه السلام، قالوا: ولو كان الكلام جائزًا لرد عليه السلام؛ لأن رد السلام واجب، لكن هذا الاستدلال مقتضاه التحريم، أنه يحرم أن يتكلم وهو على قضاء حاجته، ولهذا لما ذكر صاحب النكت ابن مفلح لما ذكر هذه المسألة قال: وظاهر استدلالهم يقتضي التحريم، وهو أحد القولين في المسألة.
على أن كلام الإنسان وهو على حاجته محرم لا يجوز.
أما إذا كانا اثنين ينظر أحدهما إلى الآخر ويتحدثان فهو حرام بلا شك، بل إن ظاهر الحديث الوارد فيه لولا ما فيه من المقال لكان ظاهره أنه من كبائر الذنوب؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام أخبر أن الرجلين إذا فعلا ذلك فإن الله يمقت عليه (17)، والمقت أشد البغض؛ وهذا يقتضي أن يكون من الكبائر، إنما الكلام المجرد هذا يكره، والاستدلال بالحديث كما سمعتم.
لكن لو قال قائل: إن الاستدلال بالحديث يقتضي التحريم؛ لأنه ترك واجبًا، وترك الواجب لا يباح إلا إذا كان الشيء محرمًا؛ لكن أجاب العلماء عن ذلك؛ أجابوا بجوابين: الجواب الأول قالوا: إن هذا المسلم على قاضي الحاجة لا يستحق ردًّا؛ لأنه لا ينبغي السلام على قاضي الحاجة، حطوا بالكم هذا جواب.
الجواب الثاني: أن الرسول عليه الصلاة والسلام ما ترك الواجب؛ لأنه بعد أن انتهى رد عليه السلام واعتذر منه، الرسول علم بأنه سيرد عليه، وغاية ما فيه أنه أجل الرد؛ لأنه ليس على طهر.
أما الوجه الأول فضعيف، قولهم بأنه سلم عليه وهو لا يستحق الرد في هذه الحال لأن الرسول عليه الصلاة والسلام ما علل عدم السلام بأنك سلمت في حالٍ لا تستحق الرد.

وأما الثاني فنعم، الثاني أن الرسول عليه الصلاة والسلام ما ترك الرد تركًا مطلقًا، وعرفنا بأنه أجله، وهذا لا يستلزم القول بالتحريم، ولكن مع ذلك إذا احتاج إلى أن يتكلم، كما لو انتهى الماء الذي يستنجي به، لا يقدر يستنجي، ولا يقدر يقوم، الآن إذا ما استنجى ما يقدر يقوم الإنسان، وصوت إلى أحد: أعطني ماء، فهذا حاجة ولا بأس به.
نهى أن يضرب الرجلان الغائط ثم يجلسان لقضاء الحاجة يتحدثان، قال: «فَإِنَّ اللهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ»، ولكن هذا الاستدلال فيه نظر، لماذا؟ لأن الدليل أخص من المدلول، والقاعدة في الاستدلال ألا يستدل بالأخص على الأعم، وإنما يستدل بالأعم على الأخص، فالدليل هنا في رجلين ضربا الغائط وجلسا وصارا يتحدثان، هذه حالة غير مجرد أن يتكلم الإنسان على الخلاء.
ونحن نقول في مثل هذه الحال: أقل أحوالها أن يكون مكروهًا إذا لم ينظر أحدهما إلى عورة الآخر، فإن نظر أحدهما إلى عورة الآخر فإن ذلك محرم.
وعلى كل حال، فقد نص الإمام أحمد رحمه الله على أنه يكره الكلام حال قضاء الحاجة، وقال مرة أخرى: إنه لا ينبغي، والمعروف عند أصحاب الإمام أحمد أن الإمام إذا قال: أكره كذا، أو قال: لا ينبغي، فهو للتحريم، هذا معروف عندهم.
طالب: لو قال.
الشيخ: لا ينبغي.
وعلى كل حال نحن نرى أنه لا ينبغي أن يتكلم في حال قضاء الحاجة إلا كما قال الفقهاء: لحاجة، مثل لو أراد أن يرشد أحدًا أو كلمه أحد لا بد أن يرد عليه، أو كان له حاجة في شخص وخاف أن ينصرف وقال: فلان وما أشبه ذلك.
طالب: شيخ (... ). الشيخ: (وبوله في شق ونحوه) يعني: يكره بوله في شق ونحوه، الشق: هو الفتحة تكون في الأرض، وهو الجحر، جحر الدواب والهوام، هذا الشق.
وقوله: (ونحوه)، مثل بعضهم بفم البالوعة، يعني البالوعة هي متجمع الماء الغير نظيف، وسميت بالوعة لأنها تبتلع الماء.

فيكره للإنسان أن يبول في الشق؛ السرب والجحر وما أشبه ذلك، وظاهر كلام فقهائنا رحمهم الله: ولو كان الشق معلوم السبب، كما لو كانت الأرض قيعانًا وجاءها المطر فالعادة أنه إذا يبس هذا القاع العادة أنه يتشقق ويتفطر، فظاهر كلام الفقهاء حتى في هذه الحال يكره.
ومع هذا نقول: إنه يكره، فإذا كان مكروهًا فإنه يزول بماذا؟ بالحاجة؛ لأنه أحيانًا ما يكون عندك في الفضاء مثلًا إذا كنت في روضة قيعان وقد مر بها الوادي وما أشبه ذلك لا بد يكون فيها تفطر، قد يشق عليك أن تجد مكانًا ليس فيه هذه الشقوق.
المهم الحكم هنا الكراهة، فما هو الدليل؟ وما هو التعليل؟ الدليل: ما رواه قتادة عن عبد الله بن سرجس أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم: نهى أن يُبال في الجُحر، قيل لقتادة: ما بال الجُحر؟ قال: يُقال: إِنَّها مساكن الجنّ (18). هذا الحديث منهم من صححه، ومنهم من ضعفه، ولكن أقل أحواله أن يكون حسنًا؛ لأن العلماء قبلوه، واحتجوا به، فهذا هو الدليل أن الرسول نهى أن يُبال في الجُحر.
وأما التعليل فقالوا: لأنه يخشى أن يكون في هذا الجحر شيء ساكن فتفسد عليه مسكنه، أو يخرج وأنت على بولك ثم يؤذيك، وربما تقوم بسرعة فلا تسلم من رشاش البول، فلهذا لا ينبغي.
وقد ذكر المؤرخون أن سعد بن عبادة رضي الله عنه بال في جحر في الشام، وما أن فرغ من بوله حتى استلقى ميتًا -سعد بن عبادة سيد الخزرج رضي الله عنه- فسمعوا هاتفًا يهتف في المدينة يقول: نَحْنُ قَتَلْنَا سَيِّدَ الْخَزْ رَجِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَهْ وَرَمَيْنَاهُ بِسَهْمَيْ نِ فَلَمْ نُخْطِئْ فُؤَادَهْ (19)

هكذا ذكر المؤرخون، والله أعلم بصحة القصة.
لكن على كل حال: عندنا الدليل اللي أشرنا إليه والتعليل، ولكن مع هذا إذا كان الإنسان محتاجًا بحيث لم يجد مكانًا إلا متشققًا ففي هذه الحال؟ طلبة: لا حرج.
الشيخ: لا حرج عليه.
(وبوله في شق ونحوه ومس فرجه بيمينه، واستنجاؤه واستجماره بها).
(مس فرجه بيمينه) أي الفرجين؟ نقول: كلاهما؛ لأن فرج مفرد مضاف، والمفرد المضاف يعم، فالفرج يطلق على الدبر والقبل، كلاهما فرج، فرجة منفتح يخرج منه الأذى، فيكره أن يمس فرجه بيمينه لحديث أبي قتادة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَا يَمَسَّنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ» (20). هذا الدليل «لَا يَمَسَّنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ»، وعلى هذا فالدليل هو نهي الرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن تأملوا معي الحديث يقول: «وَهُوَ يَبُولُ» والجملة هنا حال من فاعل (يمسن)، يعني في حال البول.
إذا لم يكن يبول هل يكره مس فرجه؟ نشوف، القيد هذا اختلف فيه أهل العلم: هل هو قيد مراد، بمعنى أن النهي وارد على ما إذا كان يبول فقط؛ لأنه إذا كان يبول فربما تتلوث يده بماذا؟ بالبول، وإذا كان لا يبول فإن العضو هذا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «بَضْعَةٌ مِنْكَ»، حينما سُئل عن الرَّجل يَمَسُّ ذَكَرَهُ في الصلاة عليه وضوءٌ؟ قال: «لَا، إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ» (21)، فإذا كان بضعة مني فلا فرق بين أن أمسه بيدي اليمنى أو بيدي اليسرى، بخلاف حال البول، فإن البول الآن يكون هذا العضو متأثرًا فيه وربما يصيبه منه.
وقال بعض أهل العلم: إنه إذا نهي عن مس الذكر باليمين حال البول، فالنهي عن مسه في غير حال البول من باب أولى، كيف ذلك؟ قال: لأنه حال البول ربما يحتاج إلى مسه، فإذا نهي عنه في الحال التي قد يحتاج إلى مسه فالنهي عنه في غير هذه الحال من باب أولى.

والحقيقة أن كلا الاستدلالين له وجه، والاحتمالان واردان، وعلى هذا فيكون الأحوط للمرء أيش؟ أن يتجنب مسه، ولكن الجزم بالكراهة إنما هو في حال البول؛ كما جاء في الحديث، وفي غير حال البول محل احتمال، والحمد لله إذا لم يكن هناك داعٍ ففي اليد اليسرى غنية عن اليد اليمنى.
طالب: (... ). الشيخ: يستجمر باليسرى.
الطالب: (... ). الشيخ: بقي صح.
(واستنجاؤه واستجماره بها)، طيب نحن ذكرنا الدليل على مس الفرج باليمين فما هو التعليل؟ التعليل: إكرامًا لليمين؛ لأن اليمين محل الإكرام، ولذلك يُؤكَل بها ويُشرَب بها ويؤخَذ بها ويعطَى بها.
قال (واستنجاؤه واستجماره بها).
طالب: قلنا: إن النهي (... ) التحريم (... ). الشيخ: إي نعم، الظاهر أن فيها خلافًا قليلًا، أكثر العلماء على أنه للكراهة، والذي ينبغي للإنسان أن يتجنبه إلا لحاجة.
(واستنجاؤه واستجماره بها) ويش الدليل؟ حديث أبي قتادة نفسه حين قال: «وَلَا يَتَمَسَّح مِنَ الْخَلَاءِ بِيَمِينِهِ»، والجملة الثالثة في الحديث: «وَلَا يَتَنَفَّس فِي الْإِنَاءِ» (22)، فنقول: لا تستنجِ ولا تستجمر باليمين.
ما الفرق بين الاستنجاء والاستجمار؟ الاستنجاء بالماء، والاستجمار بالحجر، ونحوه.
فهو مكروه أن يستنجي الإنسان بيمينه أو أن يستجمر بيمينه؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم، هذا الدليل، وأما التعليل فهو إكرام اليمين.
طيب أحيانًا قد يحتاج إلى الاستجمار باليمين، أو الاستنجاء باليمين، كما لو كانت اليسرى مشلولة، فما الحكم؟ طلبة: تزول الكراهة.
الشيخ: تزول الكراهة، كذا.
أحيانًا تكون اليمنى سليمة واليسرى سليمة، لكن عند الاستجمار يحتاج إلى اليمنى.

قال العلماء: إذا احتاج إلى الاستجمار، مثل ألا يجد إلا حجرًا صغيرًا قالوا: الحجر الصغير إن أمكن أن يجعله بين رجليه، يمسكه برجليه كذا ويتمسح فعل، فإن لم يمكن فإنه يأخذ الحجر باليمين ويمسح بالشمال، إلى هذا الحد، كل هذا من أجل ألا نقع فيما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الإنسان ينبغي له أن يتجنب كل ما نهى عنه الرسول عليه الصلاة والسلام، لا يقول مثلًا: هذا للكراهة، هذا للتحريم، ما دام الرسول نهى عنه اتركه.
صحيح أن بعض الأشياء تأثم لو تركته، وبعضها ما تأثم، لكن ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36].
كان بعض العلماء إذا سئل عن شيء يقال: نهى عنه الرسول قال السائل: طيب هل هو للتحريم؟ ينفض يده ويقول: أقول لك: نهى عنه رسول الله وتقول: هل هذا للتحريم! ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7] حتى لو قلنا أو كان جمهور أهل العلم على أن هذا النهي للكراهة، فالذي ينبغي لنا أن نتجنبه؛ لأن هذا هو تمام الانقياد.
طالب: شيخ، هل يخرج من التمسح باليدين (... ). الشيخ: إي نعم، لا، هو أهون.
طالب: أن يمسح بيمينه.
الشيخ: إي، لكن المسح باليسار لكن اليمنى بس ثابتة، غاية ما هنالك أنه مسك الحجر، يعني ما أمر الحجر على القضيب، بل إنما أمر القضيب عليه.
الطالب: (... ) ما يمس مس مباشر (... ). الشيخ: لا، هو أصلًا ما مسه، ما مس الذكر، لما أمسك الحجر الصغير ما مس الذكر إطلاقًا، ما فيه مس الذكر، الذكر اللي مسته اليسرى ومسحته.
طالب: أقول: فيه خطورة من البول.
الشيخ: لا، هو على كل حال هذا ما فيه خطورة للحقيقة، البول انتهى انقطع وقف (... ). ثم قال: (واستقبال النيرين) هذه (استقبال) معطوفة على أيش؟ على (يكره)؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا.
طالب: (... ) بوله.
الشيخ: لا.
طالب: الاستنجاء.
طالب آخر: يكره دخول.

الشيخ: على (دخول)، على (دخوله)، (يكره دخوله بشيء فيه ذكر الله) ثم عطف؛ لأن الصحيح أن العطف يكون على ما تسلط عليه العامل مباشرة أو لا؟ إذا قلت: قام زيد وعمرو وبكر وخالد وعلي ومحمد وعبد الله، وين عبد الله، وين يعطف عليه؟ على زيد، على الأول، يعني العطف يكون على أول معمول، سواء فاعل ولا مفعول تسلط عليه العامل، لماذا؟ لأن البقية فروع وتوابع، ما هي أصول.
طالب: ولو بغير الواو.
الشيخ: ولو بغير الواو، كل شيء.
قال: (واستقبال النيرين) ما هما النيران؟ الشمس والقمر، يكره أن يستقبلهما الإنسان حال قضاء الحاجة، الدليل لا دليل، التعليل: لما فيهما من نور الله، هذا التعليل لما فيهما: من نور الله، يكره أن تستقبلهما، والحقيقة أن ما فيهما من نور ليس هو نور الله الذي هو صفته، بل فيهما نور مخلوق، وفي النجوم نور مخلوق ولا لا؟ لو كنت في مكان ما فيه أنوار كهربائية بعض النجوم تشاهد ظلك يعني لها نور ينعكس، فإذا قلنا بهذا قلنا: إذن كل شيء يكون فيه نور وإضاءة حتى للنجوم يكره استقباله، وفي هذا نظر.
ثم نقول: إن هذا التعليل مع كونه عليلًا هو مصادم للنص؛ فإن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا، أَوْ غَرِّبُوا» (23). ومعلوم أن مَن شرّق والشمس طالعة سيستقبلها، أو غرّب والشمس عند الغروب سيستقبلها، والرسول عليه الصلاة والسلام ما قال: إلا أن تكون الشمس أو القمر بين أيديكم فلا تفعلوا.
فعلم من هذا أن القول الصحيح في هذه المسألة القول الثاني، وهو أنه لا يكره استقبال الشمس والقمر في حال قضاء الحاجة.، وذلك لعدم الدليل، بل ولثبوت الدليل الدال على الجواز.
(ويحرم استقبال القبلة واستدبارها في غير بنيان) هذا أظن أول موضع نصل إليه فيما يتعلق بالقبلة.
استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة محرم حرام، ما الدليل؟

الدليل: حديث أبي أيوب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا».
قال أبو أيُّوب رضي الله عنه: فقدِمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بُنيت نحو الكعبة، فننحرف عنها، ونستغفر الله (23). هذا هو الدليل: «لَا تَسْتَقْبِلُوا»، والأصل في النهي التحريم.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا» يفيد أن الانحراف اليسير لا يكفي؛ لأنه قال: «لَا تَسْتَقْبِلُوا»، ثم أرشد إلى أمر آخر، وهو التشريق أو التغريب، ومن المعلوم أن قوله: «شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» لقوم إذا شرقوا أو غربوا لا يستقبلون القبلة ولا يستدبرونها، مثل أهل المدينة، أهل المدينة قبلتهم الجنوب، فإذا شرقوا أو غربوا صارت القبلة إما على أيمانهم أو عن شمائلهم، لكن في مثل مكاننا هذا لو أننا شرقنا أو غربنا لاستقبلنا القبلة.
فعلى هذا نقول في قوم إذا شرقوا أو غربوا استقبلوا القبلة، نقول: ولكن أشملوا أو أجنبوا، إي نعم، كما قال الرسول هنا «شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا».
إذن الدليل هذا الحديث التعليل؛ لأن أنا ودي أن الإنسان يفهم الدليل، والدليل مسلم به، كل مؤمن يسلم به، لكن إذا حصل مع الدليل التعليل كان أكمل، وإذا يسر الله وفتح علينا به أحب إلينا.
التعليل هو احترام القبلة في الاستقبال والاستدبار، لا تستقبل ولا تستدبر.

يقول المؤلف: (في غير بنيان) استثنى، أما إذا كان في بنيان فإنه يجوز استقبالها واستدبارها، ما هو الدليل؟ الدليل: حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: رَقِيتُ يَوْمًا عَلَى بَيْتِ حَفْصَةَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ (24). ولكننا ننظر هل هذا الحديث يوافق كلام المؤلف أو لا؟ قال: (في غير بنيان) يعني في البنيان يجوز استقبالها ويجوز استدبارها.
وهذا هو المشهور من المذهب، بل قالوا رحمهم الله: يكفي الحائل، وإن لم يكن بنيانًا، كما لو اتجه إلى السيارة أو إلى كومة من رمل أقامها ثم كان وراءها أو إلى شجرة أو إلى أكمة أو إلى حجر كبير أو ما أشبه ذلك.
قالوا: يكفي ما كان حائلًا، ولكن ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يستثنى شيء أبدًا، وأنه لا يجوز استقبال القبلة ولا استدبارها؛ لا في الفضاء ولا في البنيان، وهذا أحد الروايات عن الإمام أحمد رحمه الله، الإمام أحمد عنه في هذا روايات متعددة؛ منها المذهب اللي سمعتم.
والقول الثاني، الرواية الثانية: أنه يحرم استقبالها واستدبارها مطلقًا في الفضاء والبنيان.
قالوا: وهذا الذي قلناه هو مقتضى حديث أبي أيوب استدلالًا وعملًا، أما الاستدلال فبقول الرسول صلى الله عليه وسلم، وأما العمل فبفعل أبي أيوب حين قال: قدمنا الشَّام فوجدنا مراحيض قد بُنيت نحو الكعبة، فننحرف عنها، ونستغفر الله.
فقوله: نستغفر الله يدل أنه ما رأى أن هذا كاف، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، بأنه لا يجوز استقبال القبلة واستدبارها لا في البنيان ولا في غير البنيان؛ لعموم الحديث.
ولكن بماذا نجيب عن فعل الرسول عليه الصلاة والسلام؟ شوف بعض العلماء أخذ من فعل الرسول عليه الصلاة والسلام أن النهي للكراهة، وقال: إن فعل الرسول عليه الصلاة والسلام لأجل أن يبين الجواز، وأنه ليس حرامًا، ولكن هذا فيه نظر.

بقي أن نقول: ما الجواب عن فعل الرسول عليه الصلاة والسلام الذي ذكره ابن عمر رضي الله عنه؟ بعضهم قال: إنه يحمل على ما قبل النهي، يرجح عليه النهي؛ لأن النهي ناقل عن الأصل، كيف ناقل عن الأصل؟ ويش الأصل؟ طلبة: الجواز.
الشيخ: الأصل الجواز أنك تستقبل ما شئت، هذا الأصل، إلا إذا جاء منع، فيقولون: إن حديث أبي أيوب ناقل عن الأصل، والناقل عن الأصل مقدم عليه، هذا وجه.
الجواب الثاني: أن حديث أبي أيوب قول، وحديث ابن عمر فعل، والفعل لا يمكن أن يعارض القول؛ لأن فعل الرسول عليه الصلاة والسلام يحتمل الخصوصية، يحتمل هذا خاص به، ويحتمل النسيان أنه نسي عليه الصلاة والسلام، هذا وارد ولّا غير وارد؟ طلبة: وارد.
الشيخ: نعم وارد، ولكنه الحقيقة، أما احتمال الخصوصية فمردود؛ لأن الأصل الاقتداء والتأسي به، وليس هناك معارضة تامة، نعم لو كان معارضة تامة بين القول والفعل لكان القول بأن الفعل خاص به متجهًا، لكن ليس هناك معارضة تامة، لماذا؟ لإمكان أن يحمل حديث أبي أيوب على ما إذا لم يكن في البنيان، وحديث ابن عمر على ما إذا كان في البنيان، وكلما أمكن الجمع بين قول الرسول عليه الصلاة والسلام وفعله فإنه هو الواجب.
وعلى كل حال وكونه في البنيان خاص، ولهذا نقول: القول الراجح في هذه المسألة أنه يجوز في البنيان استدبار القبلة دون استقبالها.؛ لأن النهي عن الاستقبال محفوظ، ليس فيه تخصيص، والنهي عن الاستدبار مخصوص بالفعل، هذه من جهة، ومن جهة أخرى الاستدبار أهون من الاستقبال، استدبار الإنسان للقبلة أهون من استقبالها، ولهذا جاء -والله أعلم- التخفيف فيه فيما إذا كان الإنسان في البنيان.
طالب: فيه حديث يا شيخ عن الاستقبال.
الشيخ: أولًا ضعيف الحديث.
الطالب: ضعيف؟

الشيخ: ضعيف نعم، والثاني قبل أن يكون بعام، ما هو بصريح بأنه في الفضاء والبنيان، قد يكون في البنيان ما هو بصريح، ولا ظاهره النسخ، ظاهره أن الأول قبل أن يموت بعام (... ) الاستقبال بعد النهي.
طالب: شيخ حديث ابن عمر: رَقِيتُ يومًا على بيت حفصة، هل يدل أن الرسول كان في بنيان؟ الشيخ: إي نعم؛ لأنه في البلد، البلد في البنيان.
الطالب: (... ). الشيخ: إي لا، هو رآه في نفس البيت؛ لأن حفصة أخت ابن عمر.
الطالب: ما يلزم أنه يكون بالبيت؟ الشيخ: لا، هو الظاهر هذا ظاهر الحال هو ما يلزم، لكن هذا ظاهر الحال؛ لأن بيت حفصة بيت أخته.
طالب: (... ) حسن هذا الحديث حديث جابر (... ). الشيخ: إي، لكن الصحيح أنه ضعيف، وأنه لا يمكن أن يعارض الحديث الصحيح؛ كحديث أبي أيوب، حديث أبي أيوب في الصحيحين، ولا يمكن أن يعارضه هذا، ثم إن المعنى الذي من أجله نهي عنه لا زال قائمًا، ليس هذا معنى يمكن أن يزول فينسخ، فما دام علة النهي باقية فإن النسخ لا يمكن أن يكون، كما أنه لا يمكن أن ينسخ استقبال القبلة في حال الصلاة؛ لأن المعنى احترام القبلة، هذا لا يمكن أن يزول، هذا هو ضعف هذا المذهب.
طالب: (... ). الشيخ: إي، لكن يخففه أنه في البنيان وأنه استدبار، والبنيان ما هو مثل الفضاء (... ). طالب: حديث أبي أيوب: فننحرف عنها ونستغفر الله، ما يدل على أنه فيه ذنب؟ الشيخ: نحن قلنا: إن أبا أيوب فهم أن النهي للتحريم؛ لأنه لا استغفار إلا من ذنب.

ولُبْثُه فوقَ حاجتِه، وبولُه في طَريقٍ وظِلٍّ نافعٍ وتحتَ شجرةٍ عليها ثَمَرَةٌ ويَسْتَجْمِرُ بحَجَرٍ ثم يَستنجِي بالماءِ، ويُجْزِئُه الاستجمارُ إن لم يَعْدُ الخارِجُ مَوْضِعَ العادةِ.
و (يُشْتَرَطُ) للاستجمارِ بأحجارٍ ونحوِها أن يكونَ طاهرًا مُنْقِيًا غيرَ عَظْمٍ ورَوْثٍ وطعامٍ مُحْتَرَمٍ ومُتَّصِلٍ بحَيوانٍ، ويُشْتَرَطُ ثلاثُ مَسَحاتٍ مُنْقِيَةٌ فأَكْثَرُ ولو بحَجَرٍ ذي شُعَبٍ، و (يُسَنُّ) قَطْعُه على وِتْرٍ.
و(يَجِبُ) الاستنجاءُ لكلِّ خارجٍ إلا الريحَ، ولا يَصِحُّ قَبْلَه وُضوءٌ ولا تَيَمُّمٌ.

﴿باب السواك وسنن الوضوء﴾ التَّسَوُّك بعُودٍ لَيِّنٍ مُنْقٍ غيرِ مُضِرٍّ لا يَتَفَتَّتُ مسنونٌ، إلا بأُصْبِعِه وخِرْقَةٍ (... ) الخلاصة أن الأصح في استقبال القبلة واستدبارها أنه حرام، وأما الاستدبار في البنيان جائز، ومع ذلك فالأفضل ألَّا يستدبرها جهة مكة.
طالب: شيخ، (... ) الصحابة (... )؟ الشيخ: إي، لكن يكون فيه خلاف، ذكروا فيه خلافًا على اختلافهم فيها.
الطالب: لكن عدم سماع (... )؟ الشيخ: إذا رأيت أن استدبارهم أهون من استقبالهم.
نحن ذكرنا على هذه الجملة أننا نحب أن نتعرض لحكم استقبال القبلة؛ استقبال القبلة قد يكون حرامًا كما هنا، وقد يكون واجبًا، كما في الصلاة، وقد يكون مكروهًا، كما في حال الخطبة يوم الجمعة مثلًا، فيكره أن يستقبل القبلة ويخطب الناس وقد خلفهم وراء ظهره، وقد يكون مستحبًّا، مثل الدعاء ومثل الوضوء.
فقال بعض العلماء: إن كل طاعة الأفضل أن نستقبل فيها القبلة إلا بدليل، ولكن في هذا نظر؛ لأننا إذا أخذنا هذه القاعدة (... )، العبادات الأصل فيها التوقيف


ثم قال المؤلف: (ولبثه فوق حاجته) (لبثه) هذه معطوفة على (استقبال)، (ويحرم استقبال القبلة) يعني: ويحرم لبثه فوق حاجته؛ يعني: فوق مقدار حاجته، فيحرم على الإنسان وهو في الخلاء أن يلبث فوق حاجته، بل يجب من حين ما ينتهي أن يخرج، وعللوا ذلك بعلتين: العلة الأولى: أن في ذلك كشفًا للعورة بلا حاجة.
والعلة الثانية: أن الحشوش والمراحيض هي مأوى الشياطين والنفوس الخبيثة، فلا ينبغي أن يبقى في هذا المكان الخبيث.
وقال بعض أهل العلم: إنه من الناحية الطبية أنه يدمي الكبد، يكون سببًا في أن ينصهر الكبد حتى يخرج منها الدم.
وعلى كل حال، المهم أن تحريم اللبث مبني على أيش؟ طلبة: التعليل.
الشيخ: التعليل، ما فيه دليل عن الرسول عليه الصلاة السلام؛ ولهذا فيه رواية عن الإمام أحمد: أنه يكره لبثه فوق حاجته ولا يحرم، وعلى كل حال؛ فإنه إما مكروه، وإما حرام.
وأما ما يفعله الغربيون وأشباههم؛ يجعلون هذه الكراسي التي يجلسون إليها ويدلون أرجلهم، ويأخذ الواحد منهم المجلة والصحيفة، ويخلي هذا المكان محل قراءة هذه المجلات والصحف، فلا شك أن هذا خلاف العقل وخلاف الشرع.
طالب: (... )؟ الشيخ: (... ). (في طريق) يحرم أن يبول في الطريق، وأن يتغوط من باب أولى، ولا يجوز للإنسان أن يبول أو يتغوط في طريق؛ لحديث مسلم (1) أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ»، قالوا: وما اللعانان، يا رسول الله؟ قال: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ ظِلِّهِمْ»، وفي حديث أبي داود (2): «اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَةَ: الْبُرَازَ فِي الْمَوَارِدِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ».

فلا يجوز للإنسان أن يبول في (... ) لماذا؟ لأنه يؤذي المارة، وإيذاء المؤمنين محرَّم، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 58].
فصار الحكم التحريم والدليل حديث أبي هريرة: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ»، والتعليل؟ طالب: أذية المسلمين.
الشيخ: أذية المسلمين، وأذية المسلمين محرَّمة.
وكذلك أيضًا (ظل نافع) الظل، وأيش معنى النافع؟ الذي يستظل به الناس، ليس كل ظل، لو تأتي مظلة ما يجلس فيها أحد، ما نقول: حرام عليك أن تبول أو تتغوط فيها، لكن الظل النافع الذي يستظل به الناس.
والدليل لفظ الحديث؛ يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَوْ ظِلِّهِمْ»؛ يعني: الظل الذي هو محل جلوسهم وانتفاعهم بذلك.
قال بعض العلماء: ومثله مشمس الناس في أيام الشتاء، أيش معنى مشمسه؟ يعني: يجلسون فيه؛ يجلسون في الشمس للتدفئة، وهذا قياس صحيح جليٌّ واضح.
قال بعض العلماء: إلا إذا كانوا يجلسون لغيبة أو لفعل محرم، فإنه يجوز أن يفرقهم، ولو بالبول والتغوط.
لكن هذا فيه نظر؛ لأن الحديث عام، هذا من جهة الدليل؛ ولأنه لا فائدة من ذلك، هم إذا علموا أن هذا الرجل جاء وتغوط في أماكن جلوسهم، ماذا يحدث؟ طلبة: يزيدهم شرًّا.
الشيخ: يزيدهم شرًّا، وربما يتخانقون معه ويتقاتلون، لكن الطريق السليم أن يأتي إلى هذا المجتمع ويوجه الدعوة والنصيحة لهم، هذا الطريق السليم، أما أن يفعل هذا الشيء..، فيه بعض الناس يستعمل غير البول والغائط -يعني: البول الحقيقة ينجس ويؤذي- يصب في أماكنهم زيت أو قطران، ما تقولون في هذا؛ يعني هل هذا علاج صحيح؟ طلبة: لا.
الشيخ: أظنه غير صحيح؛ لأنه حتى لو فرض أنهم جاؤوا ووجدوا المكان على هذه الصفة ذهبوا إلى مكان آخر، لكن إذا أتي إليهم ونصحوا أحسن وأبين.
طالب: يجوز لعن هنا من فعله؟

الشيخ: نعم، ظاهر الحديث جواز ذلك.
طالب: الزيت والقطران؟ الشيخ: ظاهر الحديث العموم، ما دام ظلًّا نافعًا للناس أظنه ما يبول فيه، والحيوانات ربما إذا جاءت إلى هذا الظل ربما تبرك وتربط وتتلوث، ضرورة.
طالب: ما الفرق بين الحيوان زي الكلاب وبين الأنعام؟ الشيخ: على كل حال، ظاهر هذا ما يهم هذا الشيء، حتى لو تلوثت إيه المانع؟ الطالب: أن هذه الأشياء تتلوث.
الشيخ: هذا ما يهم، أهم شيء الحيوان المحترم الذي يمكن أن يحلب أو يركب، فهذا يجب تجنبه.
طالب: نعجة لفلان نطيحة (... )؟ الشيخ: غير البول والغائط.
طالب: إنما يؤذيه هذا.
الشيخ: إي، ما دام المطر عند بيته ويتأذى به، فهذا يكون ما غرضه أن يسلم هؤلاء من الشر والمحرم، لكن غرضه أن يسلم من أذيتهم، فيجوز أن يدافع عن نفسه وعن أذيتهم بما شاء.
طالب: شيخ، يقول: إن هذا من باب معالجة الخطأ بالخطأ؟ الشيخ: لا، ما هو خطأ.
الطالب: لأن الشارع ينتفع به ليس هؤلاء الذين (... )؟ الشيخ: لا، هو في الحقيقة ما يؤذي، إذا كان زيتًا ما يؤذي المارة مطلقًا، يؤذي الجالسين فقط، يمكن الزيت هو الذي يؤذي المارة، يلصق بنعالهم ثم بثيابهم، وربما يلصق على أقدامهم، فيمنع وصول الماء، فيخل بطهارتهم.
طالب: (... ) الأرض ثلاثًا؟ الشيخ: الأسواق الغالب أن ما فيها (... ). طالب: أحيانًا (... ). الشيخ: ويش تقولون في هذا؟ طلبة: (... ). الشيخ: هو يجعلكم، لكن هذا رد لما قال، أنا عندي أنه يبول في السيارة ولا يبول في السوق؛ لأن السيارة ممكن تتنظف، ينظفها صاحبها، وأهل السوق يسلموا، إلا إذا كان يريد إذا بال فإنه يرجع على السوق ويطهره بالماء.
طالب: (... )؟ الشيخ: إي، ما يبول في السوق.


يقول: (وتحت شجرة عليها ثمرة) أفاد المؤلف تحت الشجرة لا بد أن يكون دانيًا منها ليس بعيدًا.
و(عليها ثمرة) أطلق المؤلف الثمرة، ولكن يجب أن تقيد فيقال: ثمرة مقصودة، أو ثمرة محترمة.

ثمرة مقصودة؛ يعني: يقصدها الناس وإن كانت غير مطعومة، مثلما يوجد في بعض الأكل؛ بعض الأكل يوجد هذا (... ) الذي يستعمله (... )، يأكله الناس، فإذا كانت مقصودة؛ يعني: الناس يقصدونها ويأكلونها، فإنه لا يجوز أن تبول تحتها ولا أن تتغوط، لماذا؟ لأنها ربما تسقط هذه الثمرة على هذا المكان، فتتلوث بالنجاسة؛ ولأن من قصد الشجرة ليصعد إليها لا بد أن يمر بهذه النجاسة فيتلوث.
وكذلك لو كانت الثمرة محترمة، مثل أيش؟ كثمرة النخل، مثلًا هذه نخلة في مكان ناءٍ لا يقصدها أحد، ولا يأتي إليها أحد، ولكن التمر طعام محترم، وكذلك غيره من الأشجار التي تكون ثمرتها محترمة؛ لكونها طعامًا، فإنه لا يجوز أن يتبول تحتها.
انتهى المؤلف مما يحصل من الأمثلة التي يحرم فيها البول والتغوط، لكنه رحمه الله بقي عليه أشياء، ما الذي بقي عليه؟ المساجد؛ المساجد لا يجوز البول فيها ولا التغوط؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام للأعرابي: «إِنَّ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِهَذَا؛ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْأَذَى وَالْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِلصَّلَاةِ وَقِرَاءَة الْقُرْآنِ» (3)، أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
أيضًا المدارس مثلها؟ نعم، مثلها، كل متجمعات الناس لأمر ديني أو دنيوي فإنه لا يجوز أن يتبول فيها الإنسان أو يتغوط.
والعلة فيها: القياس الجلي على ما نهى عنه الرسول عليه الصلاة والسلام عن البول في؟ طلبة: الطرقات.
الشيخ: الطرقات وظل الناس.
والثاني: الأذية التي تحصل للمسلمين في هذا العمل.
طالب: (... )؟ الشيخ: المؤدي لهذا الغرض.
طالب: المستَحَم؟ الشيخ: المستَحَم البول فيها لا بأس به؛ لأن الناس يبولون ويمشي البول، والتغوط فيها ما يجوز؛ لأن الغائط يبقى وينجس ما حوله.
الطالب: (... ) البول عليه فإنه ينجس (... )؟

الشيخ: لا بد أنه (... ) حتى يذهب؛ يعني مثلًا لو فرض أنه تبول في هذا المستَحَم ما يخرج ويدع البول لا بد أن يمشيها، وهذه أيضًا الأفضل عدمها، لكن أحيانًا يحتاج الإنسان لذلك، أحيانًا تكون الحمامات مشغولة ويحتاج إلى هذا، أو أحيانًا يريد أن (... ) عندما يخلع ثيابه يحتاج إلى البول، وعلى كل حال، كلما كانت الأماكن هذه (... ) فهو أحسن.
طالب: ما هو الدليل أنه يكره؟ الشيخ: بس ما أدري عن الحديث الذي ورد فيه: أن الرسول نهى أن يبول الرجل في مستَحَمه (4)، ما أدري عن صحته.
طالب: (... ) فيه الناس كذلك؟ الشيخ: مثله؛ يعني: إن لم يعد للبول والغائط لا ينبغي للإنسان أن يفعل (... ). طالب: (... )؟ الشيخ: (... ) لا، لكن عندي أصح؛ يعني: يستجمر ثم يستنجي، الاستجمار بالحجر وما ينوب منابه، والاستنجاء بالماء.


يقول المؤلف: (يستجمر ثم يستنجي) وجوبًا؟ لا؛ ولهذا قال: (ويجزئه الاستجمار).
فالإنسان إذا قضى حاجته لا يخلو من ثلاث حالات؛ إما أن يتطهر بالماء، أو يتطهر بالأحجار، أو يتطهر بالحجر ثم الماء، أيهما أكمل طهارة؟ طلبة: الأخير.
الشيخ: الأخير؛ أن يستجمر بحجر ثم يستنجي بالماء، ولكن لو اقتصر على الحجر اللي هو الاستجمار جاز بالشروط الآتية، إن شاء الله.
ولو استنجي بالماء جاز على القول الراجح، وإن كان وجد فيه خلاف قديم من بعض السلف؛ أنه أنكر الاستنجاء وقال: كيف ألوث يدي بهذه الأنتان والقاذورات؟ ولكن الصحيح أنه جائز، وقد انعقد الإجماع عليه بعد ذلك؛ على أنه يجوز أن يقتصر على الماء.
والدليل عليه قول أنس بن مالك رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقتضي حاجته، فأنطلق أنا وغلام نحوي بإِداوة من ماء وعنزة، فيستنجي بالماء (5)، وكذلك حديث المغيرة بن شعبة (6)، هذا دليل على جواز الاقتصار على الاستنجاء بالماء.

وأما التعليل فظاهر؛ لأن الأصل في إزالة النجاسات إنما يكون بالماء، فكما أنك تزيل النجاسة على رجلك، أو على شيء من بدنك، أو على ثيابك، أو على الأرض تزيلها بالماء، فكذلك تزيلها بالماء إذا كانت من الخارج منك، ففيه إذن دليل، وفيه تعليل.
أما الاستجمار بالأحجار فإنه مجزئ أيضًا أن يقتصر عليه؛ لثبوت ذلك من قول الرسول عليه الصلاة والسلام وفعله، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يستجمر بالأحجار دون الماء، كما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه: أن الرسول عليه الصلاة والسلام ذهب يقضي حاجته وطلب من ابن مسعود أن يأتيه بأحجار، فأتاه بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين، وترك الروثة وقال: «هَذِهِ رِجْسٌ» أو «رِكْسٌ» (7)، وفي رواية قال: «ائْتِنِي بِغَيْرِهَا» (8)، فدل هذا على جواز الاقتصار على الاستجمار.
وأما الدليل من قوله فحديث سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار (9)، فهذا دليل على أن الأحجار تكفي.
أما الجمع بينهما فلا أعلمه ورادًا عن الرسول عليه الصلاة والسلام، لكنه من حيث المعنى لا شك أنه أكمل تطهيرًا.
يقول: (يستجمر، ثم يستنجي بالماء، ويجزئه الاستجمار إن لم يَعْدُ الخارج موضع العادة) (يجزئه الاستجمار) يعني: عن الماء، فأفادنا المؤلف رحمه الله: أن الاستجمار كافٍ، ويدل لذلك فعل الرسول عليه الصلاة والسلام وقول الرسول صلى الله عليه وسلم.
أما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام فكما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى الغائط وأمره أن يأتي بثلاثة أحجار، فوجد حجرين ولم يجد الثالث، فأخذ روثة، فذهب بها إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة وقال: «إِنَّهَا رِكْسٌ» (7)، فدل ذلك على أنه يجزئ الاستجمار بالحجر.

وكذلك حديث أبي هريرة: أنه جمع للنبي عليه الصلاة والسلام أحجارًا وأتى بها في ثوبه، فوضعها عنده، ثم انصرف (10)، وهو في الصحيح، فهو دليل أيضًا على أنه يجزئ الاستجمار.
ويدل لذلك أيضًا حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه، وفيه: أن الرسول عليه الصلاة والسلام نهى أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار (9)، هذا قول، فثبت إجزاء الاستجمار بقول الرسول عليه الصلاة والسلام وبفعله، وهو مما يدل لقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن النجاسة إذا زالت بأي مزيل كان طَهُرَ المحل، وقد سبق لنا ذلك عند قول المؤلف: (لا يرفع الحدث ولا يُزيل النجس الطارئ غيرُه).
طالب: هذا الماء؟ الشيخ: إي، يقول: لا يزيل النجس الطارئ غير الماء، وذكرنا هناك قلنا لكم: إنهم يقولون في التيمم: إنه مبيحٌ لا رافع، وكذلك في الاستجمار يقولون: إنه مبيحٌ لا رافع.
طالب: لعل ذكرت يا شيخ فيه قول (... ). الشيخ: المهم على كل حال، هذا مما يؤيد قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن النجس متى زال بأي مزيل كان طَهُرَ المحل، وقوله أقرب إلى المنقول والمعقول من قول من يقول: إنه لا يزيل النجس إلا الماء الطهور.
(يجزئه الاستجمار) اشترط المؤلف للاستجمار شروطًا؛ قال: (إن لم يَعْدُ الخارج موضع العادة) يعني: الذي جرت العادة بأن البول ينتشر إليه من رأس الذكر، وبأن الغائط ينتشر إليه من داخل الفخذين؛ الصفحتين اللتين على حلقة الدبر، هذا موضع العادة، فإن انتشر وتعدى موضع العادة فإنه لا يجزئ إلا الماء، ما يجزئ الاستجمار.

جارٍ التحميل