الشيخ: الذي يلزم مثل الشيء، لا يلزمهم إلا قيمته فقط.
طالب: (... ).
الشيخ: العلماء يقولون: إن الواجب من اللحم فيما يجب للفقراء أقل ما يقع عليه اسم اللحم، هذا هو الواجب.
طالب: عفا الله عنك، بالنسبة لأيام التشريق إذا كان الإنسان يختار الصوم (... )؟
الشيخ: يختار الصوم؟
طالب: (... ).
الشيخ: الجمرات يكون بالليل ما فيه مانع.
طالب: (... ).
الشيخ: يعينه الله.
طالب: يعني ما فيه يعني..
الشيخ: فيه أنه يقدِّمها قبل أن يخرج إلى الحج، يقدمها من يوم يُحْرِم بالعمرة أو من حين ما ينتهي من العمرة، وإذا كان في البلد سيجد ما يخفف عنه الحر.
طالب: شيخ، الهدي الواجب لفعل محظور إذا الإنسان مثلًا ذبح خارج مكة ما فيه فقراء أو مساكين يتصدق عليهم (... )؟
الشيخ: إي نعم، يذبحه هناك وينقل اللحم إلى الفقراء.
الطالب: داخل مكة؟
الشيخ: داخل مكة، وفي المكان اللي حولها.
طالب: إن كان ما حوله مساكين يجوز (... ) على من شاء؟
الشيخ: لا، لازم فقراء.
طالب: رجل لا يستطيع الخروج من بلده مثلًا لمانع لديه وهو عنده مال يريد.. الشيخ: إذا كان يرجو زوال هذا المنع مثل إنسان ممنوع من الخروج من البلد وعنده مال، إذا كان يرجو زوال هذا المانع فلينتظر، وإذا كان لا يرجو فليقم من يحج عنه.
طالب: شيخ أحسن الله إليك، في سنة من السنوات إحدى الحملات في المخيم خارج منى والجو في الحج يا شيخ من أشد ما يكون حرارة، فمن كان بدينًا لا يستطيع يتحمل الحر ويتعب كثيرًا يا شيخ، وكان بعض الناس يؤثرون النوم في المخيم اللي هو خارج منى، مع أن الخيام مجاورة لنا، قد ذهب الناس في اليوم الثاني عشر والثالث عشر وانصرفوا، وكان بعض الإخوان يخرجون يبيتون في مكان اللي هو داخل منى، وهؤلاء داخل المخيم اللي هو خارج منى في المكيف حتى يتقووا به على ما بقي عليهم من أعمال الحج؟ الشيخ: إي نعم، يعني معناه أنهم غير قادرين على أن يذهبوا إلى منى؟ الطالب: قريب المكان.
الشيخ: أقول: غير قادرين ولَّا يقدرون؟
الطالب: يقدرون، لكن المشكلة يا شيخ في أن الجو شديد الحرارة.
الشيخ: يعني ما يتحملون المشقة؟
الطالب: ما يتحملون، وهذا يدعوهم إلى السهر في الليل، وإذا سهروا في الليل لا يستطيع يقوم بأعمال الحج الباقية عليه؟
الشيخ: الذي يظهر أن هذا لا بأس يبقون في مكانهم في المكيف؛ لأن الذي يظهر أن المبيت في منى ليس محتم الوجوب، بدليل أن الرعاة والسقاة رُخِّصَ لهم.
طالب: أحكام التعزير (... ) اختصاص الحاكم أم اختصاص (... )؟
الشيخ: لا، من اختصاص الحاكم، والحاكم يجب عليه أن ينظر ما هو الأصلح في باب التعزير، يجب أن ينظر ما هو الأصلح.
طالب: كيف أطلق على جزاء الصيد أنه من باب التعزير، والنبي صلى الله عليه وسلم (... ) للصحابة: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ» (... ) وسعد بن أبي وقاص لم يكن واليًا على المدينة، فوجد رجلًا يصيد في المدينة فسلبه (17).
الشيخ: إي، لكن فيه وال غير والي المدينة في ذلك الوقت من هو؟
طالب: طيب سعد بن أبي وقاص..
الشيخ: الرسول عليه الصلاة والسلام أعظم والٍ.
طالب: سعد بن أبي وقاص بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ووجد رجلًا يصيد في المدينة..
الشيخ: إي نعم نعم، هو يعتبر أن قول الرسول عليه الصلاة والسلام هذا إما تشريع أو أنه عليه الصلاة والسلام شرع هذا للتعزير، فإن كان للتعزير فلا، للحاكم أن يسقطه.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المصنف -رحمه الله تعالى-: في باب دخول مكة: قال: ثم يطوف مضطبعًا يبتدئ المعتمِر بطواف العمرة، والقارِن والمفرِد للقدوم، فيحاذي الحجر الأسود بكله، ويستلمه ويقبِّله، فإن شق قبَّل يده، فإن شق اللمس أشار إليه ويقول ما ورد، ويجعل البيت عن يساره ويطوف سبعًا، يرمل الأفقي في هذا الطواف ثلاثًا، ثم يمشي أربعًا يستلم الحجر والركن اليماني كل مرة.
ومن ترك شيئًا من الطواف أو لم يَنْوِه أو نسكه أو طاف على الشاذروان أو جدار الحجر أو عريان أو نجسًا لم يصح.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق أن المؤلف -رحمه الله- ذكر أنه يُسَنُّ دخول مكة من أعلاها؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخلها من أعلاها، وأن العلماء اختلفوا هل هذا الدخول مقصود أو وقع اتفاقًا؟ فمنهم من قال: إنه مقصود، وإن الإنسان لو أتى من الغرب من مكة فإنه يدور حول مكة حتى يدخل من الشرق.
ومنهم من قال: بل وقع هذا اتفاقًا؛ لأنه أيسر لدخوله عليه الصلاة والسلام، وليس هذا ببعيد، فهذا القول أقرب إلى الصواب من القول الأول.
كذلك أيضًا نقول: يدخل المسجد من باب بني شيبة، وهو معروف، ويقال فيه ما يقال في دخول مكة من أعلاها، هل هو مقصود أو وقع اتفاقًا؟
فإن قلنا: إنه مقصود، صار الإنسان يطوف على المسجد حتى يحاذي هذا الباب فيدخل من هناك، وإذا قلنا: ليس بمقصود وإنما وقع اتفاقًا، لم يشرع ذلك.
وسبق أن الإنسان إذا دخل البيت يطوف مضطبعًا، وأن الاضطباع هو أن يجعل وسط ردائه تحت كتفه الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر.
والحكمة من ذلك: إظهار القوة والنشاط؛ لأن هذا أنشط للإنسان، مما إذا التحف والتف بردائه، وقبل هذه الحكمة أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فعله (18) بالنسبة لنا، لكن لماذا فعله؟ لأنه يدل على النشاط والقوة والْجَلَد.
يطوف مضطبِعًا، آخر ما وقفنا عليه، (يبتدئ المعتمِر بطواف العمرة).
وهذا يشمل المعتمِر عمرة تمتع، والمعتمِر عمرة مفردة، فالمعتمر عمرة مفردة هو الذي يعتمر في أي شهر من شهور السنة، والمعتمِر عمرة تمتع هو الذي يعتمر في أشهر الحج ناويًا الحج من عامه، هذا هو المتمتِّع فإن اعتمر في أشهر الحج وهو لا يريد الحج، ثم طرأ له بعد أن يحج فليس بمتمتع، بل هو معتمر.
وقوله: (يبتدئ المعتمر بطواف العمرة) ظاهره أنه لا يصلي تحية المسجد، وهو كذلك، فإن مَن دخل المسجد الحرام للطواف أغناه الطواف عن تحية المسجد، ومَن دخله للصلاة أو الذِّكْر أو القراءة أو ما أشبه ذلك فإنه يصلي ركعتين، كما يصلي إذا دخل أي مسجد آخر.
قال: (والقارِن والمفرِد للقدوم) يعني: يطوف القارِن والمفرِد للقدوم، وليس هذا بواجب، أعني طواف القدوم.
ودليل ذلك حديث عروة بن مضرس: أنه أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يصلي الفجر في مزدلفة، وأخبره أنه ما ترك جبلًا إلا وقف عنده، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» (19)، ولم يذكر طواف القدوم، فدل هذا على أنه ليس بواجب.
وسُمِّيَ طواف القدوم؛ لأنه جاء عند قدوم الإنسان إلى مكة، ولهذا ينبغي أن يبتدئ الإنسان به قبل كل شيء قبل أن يحط رحله؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل مكة عمد إلى البيت وأناخ راحلته وطاف.
ولكن إذا شق على الإنسان هذا العمل، وأراد أن يذهب إلى مكان سكناه، ويحط رحله فلا حرج، المسألة مبناها على السنية فقط.
قال: (فيحاذي الحجر الأسود بكله).
(يحاذي) أي: يوازي، يكون حذوه، الحجر الأسود هو الذي في الركن الشرقي الجنوبي من الكعبة، ويوصف بالأسود لسواده، ويخطئ من يقول: الحجر الأسعد، فإن هذه تسمية بدعية، فإن اسمه الحجر الأسود.
ويُذْكَر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه نزل من الجنة أشد بياضًا من اللبن، ولكنه سوَّدَتْه خطايا بني آدم (20)، فإن كان الحديث صحيحًا فلا غرابة فيه أن يكون نازلًا من الجنة، وإن لم يكن صحيحًا -وهو الأقرب أنه ضعيف- فلا إشكال فيه.
قال: (ويحاذي الحجر الأسود بكله).
وقوله: (بكله) يعني: بكل بدنه، لا بد أن يحاذي الحجر بكل البدن، فلو وقف أمام الحجر وبعض بدنه خارج الحجر فإن طوافه ليس بصحيح، لا بد أن يحاذي الحجر الأسود بكله.
وقول المؤلف: (يحاذي الحجر الأسود بكله).
يدل على أنه لا يبنغي أن يتقدم نحو الركن اليماني فيبتدئ من قبل الحجر فإن هذا بدعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابتدأ الطواف من الحجر، فكونك تتقدم بين يدي الرسول عليه الصلاة والسلام وتبتدئ من قبل الحجر هذا من البدع ومن التنطع في دين الله، فلا ينبغي أن يخطو الإنسان خطوة واحدة قبل الحجر الأسود، بل يبتدئ من الحجر، إلا أنه لا يجب أن يلاحظ أنه لا بد من محازاته بكل البدن، ولهذا قال: (يحاذي الحجر الأسود بكله).
(ويستلمه) يعني: يمسحه بيده، هذا هو الاستلام، واستلام كل شيء بحسبه، فاستلام النقود من المشتري يعني قبضها باليد، أما استلام الحجر الأسود أو الركن اليماني فالمراد به أن يمسحه، وذلك لفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم (21).
وقد ورد حديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ يَمِينُ اللهِ فِي الْأَرْضِ، وَإِنَّ مَنْ صَافَحَهُ فَكَأَنَّمَا صَافَحَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ» (22)، وهذا الحديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لكنه ذكر عن ابن عباس من قوله، وابن عباس -رضي الله عنهما- ممن عرف بالأخذ عن الإسرائيليات، فلا يعول على قوله في مثل هذا؛ لأن العلماء ذكروا من شرط كون الخبر مرفوعًا حكمًا إذا أخبر به صحابي ألا يكون الصحابي معروفًا عنه الأخذ من بني إسرائيل.
قال: (ويقبله)؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقبِّله، لكن يقبِّله محبة له لكونه حجرًا، أو تعظيمًا لله عز وجل؟
الثاني بلا شك، لا محبة له من حيث كونه حجرًا، ولا للتبرك به أيضًا، كما يصنعه بعض الجهال يمسح يده بالحجر الأسود، ثم يفيضها على بدنه، أو يمسح بالحجر الأسود، ثم يمسح به صبيانه الصغار تبركًا به، فإن هذا من البدع، وهو نوع من الشرك.
ولهذا قبَّل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الحجر الأسود وقال: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، حجر من الأحجار، ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقبِّلك ما قبَّلتك (23)، فأفاد رضي الله عنه بهذا أنه مجرد تعبُّد واتباع للرسول صلى الله عليه وسلم، أنَّا رأينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقبِّله فقبَّلناه، لكننا نعلم أننا نقبِّله تعظيمًا لله عز وجل ومحبة له، وقد قال مجنون ليلى:
أَمُرُّ عَلَى الدِّيَارِ دِيَارِ لَيْلَى
أُقَبِّلُ ذَا الْجِدَارَ وَذَا الْجِدَارَا
وَمَا حُبُّ الدِّيَارِ شَغَفْنَ قَلْبِي
وَلَكِنْ حُبُّ مَنْ سَكَنَ الدِّيَارَا
فهذا المجنون وهو مجنون جنون عشق يمر على ديارها فيأتي إلى بيتها ويقبِّله جدارًا جدارًا، يقول: ما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب مَن سكن الديار.
فالإنسان إذا أحب شخصًا أحب مسكنه وأحب القرب منه، فلذلك كان تقبيلنا للحجر الأسود محبة لله عز وجل وتعظيمًا له ومحبة للقرب منه سبحانه وتعالى.
يقول: (يحاذي الحجر الأسود بكله ويستلمه ويقبِّله، فإن شق قبَّل يده) يعني: بعد استلامه (إن شق) أي: شق الاستلام والتقبيل فإنه يستلمه بيده ويقبِّل يده، ولهذا قال: (قبَّل يده) يعني: بعد أن يستلمه ويمسحه لا أنه يقبِّل يده بدون مسح وبدون استلام، فإن شق اللمس أشار إليه، وإذا أشار إليه فإنه لا يقبّله.
كل هذه الصفات وردت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهي مُرَتَّبَة حسب الأسهل، فأعلاها استلام وتقبيل، ثم استلام بلا تقبيل، إذا شق التقبيل ولكن يقبِّل يده الثنتين، ثم إشارة، إذا لم يمكن استلامه بيده يشير، وفي هذه الحال لا تقبيل، فالمراتب ثلاث.
أعلاها: استلام وتقبيل، ثم استلام بلا تقبيل ولكن يقبِّل اليد، ثم إشارة بلا تقبيل؛ لأنه لا تقبيل مع الإشارة؛ إذ إن يدك لم تمس الحجر حتى تقبِّلها فإن شق أشار إليه.
(ويقول ما ورد) يعني: ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومنه في ابتداء الطواف: بسم الله والله أكبر، اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم (24)، كما كان ابن عمر يقول ذلك.
أما في الدورات الأخرى فإنه يكبِّر، كلما حاذى الحجر كَبَّر اقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
بقي أن يقال: كيف الإشارة؟ هل الإشارة كما يفعل العامة أن تشير إليه كأنما تشير في الصلاة، أي: ترفع اليدين هكذا: الله أكبر؟
لا، الإشارة باليد اليمنى، كما أن المسح يكون باليد اليمنى، تشير، ولكن هل تشير وأنت ماشٍ والحجر على يسارك، أم تستقبله؟
روي عن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: «إِنَّكَ رَجُلٌ قَوِيٌّ، فَلَا تُزَاحِمْ فَتُؤْذِيَ الضَّعِيفَ إِنْ وَجَدْتَ فُرْجَةً فَاسْتَلِمْ وَإِلَّا فَاسْتَقْبِلْهُ وَهَلِّلْ وَكَبِّرْ» (25)
قال: «وَإِلَّا فَاسْتَقْبِلْهُ»، وهذا هو الظاهر أنه عند الإشارة يستقبله؛ لأن هذه الإشارة تقوم مقام الاستلام والتقبيل، والاستلام والتقبيل يكون الإنسان مستقبِلًا له بالضرورة، فالظاهر أنه يستقبله.
لكن إن شق أيضًا مع كثرة الزحام فلا حرج أن يشير وهو ماشٍ.
(ويقول ما ورد) إذن الحجر له سُنَّتَان: سنة فعلية وسنة قولية.
قال: (ويجعل البيت عن يساره)، إذا طاف يجعل البيت عن يساره؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم طاف هكذا، أي جعل البيت عن يساره، وقال: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (26)، هذا هو الدليل.
التعليل: لأن الإنسان إذا وقف أمام الحجر فسوف ينصرف، وقد حث النبي عليه الصلاة والسلام على تقديم الأيمن، وهو إذا انصرف الآن ينصرف إلى اليمين، أو لليسار؟
طلبة: إلى اليمين.
الشيخ: إلى اليمين، وإذا انصرف إلى اليمين لزم أن تكون الكعبة عن يساره.
وأيضًا باب الكعبة من المشرق، شرقًا، والباب هو وجه الكعبة وخلفه دبر الكعبة، فإذا انصرف عن يمينه وجعل الكعبة عن يساره فقد قدَّم وجه الكعبة على أيش؟ على دبرها.
هذا وجه ثان، وهي حكمة مناسبة لا شك.
فيه وجه ثالث: أن الحركة إذا جعل البيت عن يساره يعتمد فيها الأيمن على الأيسر، إن لف هكذا يعتمد الأيمن على الأيسر، فيكون هذا أولى؛ أن يعتمد الأيمن على الأيسر فيعلو على الأيسر، بخلاف ما لو اعتمد الأيسر على الأيمن فإن الأيسر يكون هو الأعلى.
فيه حكمة رابعة ذكرها بعض العلماء قال: إن القلب باليسار، وهو بيت تعظيم الله عز وجل، محل تعظيم الله عز وجل ومحبته، فصار من المناسب أن يجعل البيت عن يساره؛ ليقرب محل ذكر الله وعبادته وتعظيمه من البيت المعظم، فيكون القلب مواليًا للبيت إذا جعل الكعبة عن يساره، فهذه أربعة أمور، أعلاها بالنسبة لنا ما هو؟ اتباع السنة، هذا أعلاها، لكن لماذا فعل الرسول هكذا؟
نقول له: هذه الأوجه الأربعة.
يقول: (ويطوف سبعًا) (يطوف) يعني: يتردد بدوران على الكعبة، كما فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
يَرْمُلُ الأُفُقِيُّ في هذا الطوافِ ثَلاثًا ثم يَمْشِي أربعًا يَستلِمُ الحَجَرَ والركْنَ اليَمَانِيَّ كلَّ مَرَّةٍ، ومَن تَرَكَ شيئًا من الطوافِ أو لم يَنْوِهِ أو نَكَسَه أو طافَ على الشاذروانِ أو جِدارِ الْحَجَرِ أو عُريانًا أو نَجِسًا لم يَصِحَّ،
إن الحركة إذا جعل البيت عن يساره يعتمد فيها الأيمن على الأيسر، إن لَفَّ هكذا يعتمد الأيمن على الأيسر، فيكون هذا أولى؛ أن يعتمد الأيمن على الأيسر فيعلو على الأيسر، بخلاف ما لو اعتمد الأيسر على الأيمن فإن الأيسر يكون هو الأعلى.
فيه حكمة رابعة ذكرها بعض العلماء، قال: إن القلب باليسار، وهو بيت تعظيم الله عز وجل، محل تعظيم الله عز وجل ومحبته، فصار من المناسب أن يجعل البيت عن يساره؛ ليقرب محل ذكر الله وعبادته وتعظيمه من البيت المعظم، فيكون القلب مواليًا للبيت إذا جعل الكعبة عن يساره.
فهذه أربعة أمور، أعلاها بالنسبة لنا ما هو؟
طلبة: الاتباع.
الشيخ: اتباع السنة، هذا أعلاها، لكن لماذا فعل الرسول هكذا؟ نقول له هذه الأوجه الأربعة.
يقول: (وَيَطُوفُ سَبْعًا) يطوف يعني يتردد بدوران على الكعبة، كما فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وسبعًا كاملة لا تقل، فلو نقص خطوة واحدة من أوله أو آخره لم يصح، كما لو نقص شيئًا من الصلاة الرباعية، أو الثلاثية، أو الثنائية، فإنها لا تصح لا بد أن يطوف سبعًا.
يقول: (يَرْمُلُ الأفُقِي فِي هَذا الطَّوَافِ ثَلاَثًا ثُمَّ يَمْشِي أَرْبَعًا) يرمل الأفقي، الأفقي قال العلماء: هو الذي أحرم من بعيد عن مكة، من الميقات أو ما دونه إذا كان بعيدًا.
فمثلًا: مَن أَحْرَمَ مِن قَرْن المنازل، أو يَلَمْلَم، أو ذات عرق، أو الجحفة، فإنه يرمل.
ومَن أَحْرَمَ مِن ذي الحُلَيْفَة فإنه يرمُل من باب أولى لأنه أبعد، ومَن أَحْرَم دون ذلك ولكنه يعتبر بعيدًا عن مكة فإنه يرمُل، حتى لو كان من أهل مكة ودخل مكة وأحرم من مكان بعيد فإنه يرمل في هذا الطواف؛ طواف القدوم، ثلاثًا، أي في ثلاثة أشواط، ثم يمشي أربعًا.
وذلك لفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وسبب هذا الفعل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة في عمرة القضاء في السنة السابعة من الهجرة قالت قريش: إنه يقدم عليكم قوم وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يثرب، وَهَنَتْهُم يعني: أَضْعَفَتْهُم، ويثرب هي المدينة، والحمى مرض معروف، وكانت الحمى في المدينة شديدة حتى دعا النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل أن ينقل حُمَّاهَا إلى الْجُحْفَة، ففعل سبحانه وتعالى.
لكن قريش أعداء، والعدو يحب الشماتة بعدوه، فقالوا: اجلسوا ننظر هؤلاء الذين قدموا عليكم وقد أضعفتهم الحمى، وجلسوا نحو الْحِجْر، أي في الجهة الشمالية من الكعبة، لأجل أن يَطَّلِعُوا على ما زعموه من ضعف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه لذلك أن يرملوا في الأشواط الثلاثة.
والرمل ليس هزيز الكتفين كما يفعله بعض الْجُهَّال، الرمَل المشي بقوة ونشاط، بحيث يسرع، لكن لا يمد خطوه، والغالب أن الإنسان اللي يسرع يمد خطوه لأجل أن يتقدم بعيدًا، لكن في الطواف لا نقول: أسرِع بدون أن تمد الخطو بل تقارب الخطى.
فلما رأت قريشٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يرملون هذا الرمَل قالوا: إنهم أشد جريًا ومشيًا من الغزلان، يعني الظباء، فغاظهم ذلك وحزنوا، حيث كانوا يتوقَّعُون في الأول أنهم ضعفاء، فتبين أنهم أقوياء (1).
ولكن كان الرمَل في عمرة القضاء من الْحِجْر إلى الركن اليماني، ثم يمشون ما بين الركنين؛ لأنهم إذا انحرفوا من عند الركن اليماني غابوا عن أنظار قريش، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يُبْقِي على قوتهم، وأن يمشوا مشيًا فيما بين الركنين، فلطف بهم النبي عليه الصلاة والسلام من وجهين؛ الوجه الأول: أنه خص الرمَل بالأشواط الثلاثة الأولى فقط، والثاني: أمرهم أن يمشوا ما بين الركنين؛ الركن اليماني والحجر الأسود.
فهذا أصل مشروعية الرمَل، هذا هو أصله، ولكن هل يقال: إنه بعد فتح مكة وعز الإسلام يرتفع هذا الحكم لارتفاع سببه، أو نقول: إن هذا الحكم باقٍ؟
فالجواب: الثاني، فإن عمر رضي الله عنه أَوْرَدَ على نفسه هذا الإيراد، وقال: فيمَ الرمَل الآن وقد أَعَزَّنَا الله؟ ثم أجاب على نفسه: شيء فعله النبي صلى الله عليه وسلم لا بد أن نفعله (2).
مع أنَّا نقول في حجة الوداع: قد زال السبب، وهو إغاظة المشركين؛ لأنه ليس هناك مشرك حتى يُغَاظَ، ومع هذا أبقاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم إنه أبقاه بزيادة على الرمَل في عمرة القضاء، حيث كان الرمَل في حجة الوداع من الركن إلى الركن، أي في كل الأشواط الثلاثة، حتى ما بين الركنين رمَل فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وفي عمرة القضاء من الركن إلى الركن اليماني فقط، فدل ذلك على بقاء المشروعية.
فإن قال قائل: كيف تبقى المشروعية وقد زال السبب؟ والحكمة تقتضي أنه بزوال السبب يزول المسبَّب، أي بزوال العلة يزول المعلول؟
فالجواب: أن العلة وإن كانت إغاظة المشركين، ولا مشركين الآن، لكن ليتذكر الإنسان أن المسلم يُطْلَب منه أن يغيظ المشركين، فحينئذ ينبغي لك أن تشعر عند الرمَل في الطواف وكأن أمامك المشركين لأجل أن تغيظهم؛ لأن غيظ المشركين مما يقرِّب إلى الله عز وجل: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: 120].
إذن يرمل في الأشواط الثلاثة الأولى كلها، ويمشي في الباقي، فإن لم يتيسر له الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى لزحام المكان، ولكن تيسر له في الثلاثة الباقية الأخيرة لخفة الزحام، فهل يقضي الرمل الذي كان في الأشواط الثلاثة الأولى؟ لا يقضي؛ لأن الرمل سُنَّة في الثلاثة الأشواط الأولى، وقد فات محلها، ولأنه لو رمل في الأشواط الثلاثة الأخيرة لخالف السنة؛ إذ السنة في الأخيرة المشي دون الرمل.
فإن قال قائل: لماذا لم يكن الرمل في الأشواط الأربعة؟
قلنا: الحكمة من ذلك؛ أولًا: التخفيف على الناس، على الطائفين.
وثانيًا: من أجل أن ينقطع على وِتْر؛ لأن الطواف كله مبني على وِتْر، فلو قلنا: في الأربعة الأولى، لانقطع على شفع، ولو قلنا: في الخمسة، لكان فيه مشقة، فلهذا كانت الحكمة تقتضي أن يكون في الأشواط الثلاثة الأولى، كما فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فإن قال قائل: إذا دار الأمر بين أن أرمل مع البعد عن الكعبة، وبين أن أمشي مع القرب، فأيهما نقدِّم؟
نقول: قَدِّم الأول، ارمل، ولو بعدت عن الكعبة؛ لأن مراعاة الفضيلة المتعلقة بذات العبادة أولى من المراعاة المتعلقة بزمانها أو مكانها، قاعدة.
طالب: نكتبها؟
الشيخ: لأن.. قُلْهَا.
الطالب: لأن..
الشيخ: مراعاة..
الطالب: مراعاة الفضيلة المتعلقة..
الشيخ: لأن مراعاة الفضيلة المتعلقة بذات العبادة.
الطالب: أولى من مراعاة الفضيلة المتعلقة بالمكان أو بالزمان.
الشيخ: تمام، وهذه القاعدة لها أمثلة:
لو أن رجلًا حين دخل عليه وقت الصلاة كان حاقنًا أو بحضرة الطعام، فهل الأولى أن يقضي حاجته ويأكل طعامه ولو أدى ذلك إلى تأخير الصلاة عن أول وقتها، أو العكس؟
طلبة: الأول.
الشيخ: الأول، فهنا راعينا نفس العبادة، وألغينا مراعاة أول الوقت؛ لأنه إذا صلى فارغ القلب مقبِلًا على صلاته فهنا كانت الصلاة أكمل.
في المكان؛ لو أن شخصًا أراد أن يصلي في مكان لكن المكان حوله ضوضاء وتشويش، إلا أنه فاضل، المكان فاضل لكن حوله تشويش، أو حوله رجل له رائحة كريهة؛ في الصف الأول مثلًا، ما وجدت مكانًا إلا عند باب المسجد الذي يُشَوِّش عليك مَن في السوق، أو لم تجد إلَّا مكانًا إلى جنب شخص ذي رائحة كريهة، وأردت أن تصُفَّ في الثاني، أو أن تَصُفَّ في الأول مع التشويش أو مع الرائحة الكريهة؟
طلبة: الأول.
الشيخ: الأول، يعني أَصُفُّ في الصف الثاني وأدع الأول؛ لأنه يتعلق بذات العبادة.
الرمَل قال العلماء: أولى من الدنو من البيت؛ لأنه يتعلق بذات العبادة، والدنو من البيت يتعلق بمكان العبادة.
قال المؤلف رحمه الله: (يَسْتَلِمُ الحَجَرَ والرُّكْنَ اليَمَانِيَّ كُلَّ مَرَّةٍ)؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يستلمهما في كل مرة من طوافه (3).
في آخر مرة هل يستلمهما في آخر طوفة؟
طالب: لا.
الشيخ: إن قلتم: لا، أخطأتم، وإن قلتم: نعم، أخطأتم، يستلم الركن اليماني، ولا يستلم الحجر الأسود؛ لأنه إذا مَرَّ بالركن اليماني مَرَّ وهو في طوافه، وإذا انتهى إلى الحجر الأسود انتهى طوافه، ولهذا لا يستلم الحجر الأسود.
ولا يُكَبِّر أيضًا في آخر شوط؛ لأن التكبير تابع للاستلام، ولا استلام الآن، والتكبير في أول الشوط، وليس في آخر الشوط، وعلى هذا فإذا انتهى آخر شوط انصرف بدون أن تستلم أو تقبِّل أو تشير أو تكبِّر.
يقول: (يَسْتَلِمُ الحَجَرَ والرُّكْنَ اليَمَانِيَ كُلَّ مَرَّةٍ)، الحجر معروف، الركن اليماني لماذا سُمِّيَ يمانيًا؟ لأنه من جهة اليمن، ويُطْلَق عليه هو والحجر اسم الركنين اليمانِيَيْن، والكعبة ذات أركان أربعة، الحجر، والركن اليماني، الشمالي، الغربي، فيستلم الحجر والركن اليماني، ولا يستلم الشمالي والغربي.
وقد طاف أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه ذات يوم، فجعل يستلم الأركان الأربعة، فأنكر عليه ابن عباس، ابن عباس ينكر على الخليفة، نعم ينكر، فقال له معاوية: إنه ليس شيء من البيت مهجورًا، فعلَّل بعلة عقلية، والعلة العقلية قد تكون ساقطة.
فقال له ابن عباس: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، ولم يستلم النبي صلى الله عليه وسلم من البيت إلَّا الركنين اليمانيين، فقال: صدقت (4)، وكفَّ عن استلام الركن الشمالي والغربي؛ لأن الصحابة يريدون الحق أينما كان، فكفَّ وصار يستلم الحجر الأسود والركن اليماني؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يستلم إلا هذين الركنين.
فإن قال قائل: ما الحكمة في أنه لم يستلم الأركان الأربعة؟
فالجواب: أن الركن الشمالي والغربي ليسَا على قواعد إبراهيم، فلذلك لم يستلمهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إذ إن البيت كان ممتدًّا نحو الشمال من قبل، لكن لما عمرته قريش قصرت بهم النفقة، فرأوا -وهو رأي سديد- أن يحطِّموا الجزء الشمالي من الكعبة؛ لأنه لا سبيل لهم إلى حطم الجزء الجنوبي، لماذا؟ لأن فيه الحجر الأسود، ولا إلى الركن اليماني والركن الغربي، ليش؟ لأنهما لو حطمَا الكعبة من هناك لصارت الكعبة مستطيلة طولًا لا يتناسب مع العرض.
وإلَّا فالركن اليماني سيبقى ركنًا يمانيًا، حتى لو حطم من الجهة الغربية فسيبقى الركن هو الركن، لكن تبقى غير كعبة في الواقع؛ لأن الكعبة هي البناء المربع، أو القريب من التربيع، فإذا صارت مستطيلة ما صارت كعبة، فهذا هو الحكمة في أنه لم يستلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا الركنين اليمانِيَيْنِ.
لم يذكر المؤلف رحمه الله ماذا يقول في طوافه بعد أن ذكر التكبير عند الحجر، لم يذكر رحمه الله ماذا يقول عند استلام الركن اليماني، فماذا يقول؟
نقول: إنه لا يقول شيئًا، يستلم بلا قول لا تكبيرًا ولا غيره؛ لأن ذلك لم يَرِد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
والقاعدة الفقهية الأصولية الشرعية أن كل ما وُجِدَ سببه في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يفعله فالسنة تركه، وهذا قد وُجِدَ سببُه، الركن اليماني كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يستلمه، ولكنه لا يكبِّر، وعلى هذا فلا يُسَنُّ التكبير عند استلامه.
في بقية الطواف ماذا يقول؟
يقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201].
قال شيخ الإسلام رحمه الله: والمناسبة في ذلك أن هذا الجانب من الكعبة هو آخر الشوط، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يختم دعاءه غالبًا بهذا الدعاء.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
وما تسمعون من المطوفين: (وأدخلنا الجنة مع الأبرار يا عزيز يا غفار)، فهذا لم يَرِد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ينبغي للإنسان أن يتخذه تعبُّدًا لله، لكن لو دعا ما ينكَر عليه؛ لأن هذا محل دعاء، لكن كونه يجعله مربوطًا بهذه الجملة: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، غلط، فالعامة يظنون أن هذا مستحب، وليس كذلك.
رُوِيَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه يقول أيضًا: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ» (5)، ولكنه حديث ضعيف.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، (... ) باب السلام (... )؟
الشيخ: باب السلام يقولون: إنه كان يحاذي باب بني شيبة، ولّا ما له أصل، لكن من أجل المحاذاة فيكون أسهل.
طالب: أحسن الله إليك، السجود على الحجر ورد عن ابن عباس؟
الشيخ: إي نعم، ورد عن ابن عباس أنه يسجد عليه، لكنني لا أحفظه مرفوعًا إلى الرسول على وجه صحيح.
الطالب: لكن يا شيخ هل يُعْمَل به؟
الشيخ: والله هو فعل صحابي، وابن عباس رضي الله عنهما ما يتعبد بشيء إلا وهو مشروع.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، بالنسبة لحديث ابن عمر رضي الله عنه لما خرج من الكعبة مُلَطَّخًا بالطيب، ما يكون الناس الذين يستلمون الحجر الأسود مرخَّصًا لهم فيه؟
الشيخ: ما صح عن ابن عمر.
طالب: ما صح.
الشيخ: لا، فيه ضعف، ما صح إلا عن عطاء، وقوله رحمه الله لا شك أنه أرفق بالناس من أن يقال: إنك تلزم بأن تغسله، خصوصًا إذا كنت جاهلًا، أما العالم بأن فيه طيبًا يعلق بالإنسان فإنه لا يُعْذَر.
طالب: (... ).
الشيخ: يقول: هل إذا لم يستطع استلام الركن اليماني هل يشير إليه أم لا؟
الجواب أنه لا يشير إليه؛ لأن ذلك لم يَرِد.
طالب: ما ورد عن عمر أنه كان يسجد على الحجر؟
الشيخ: عمر لا، عن ابن عباس هذا المعروف.
الطالب: ورد عن عمر يا شيخ.
الشيخ: أقول اللي نعرف عن ابن عباس.
الطالب: وقوله: إنك حجر لا تضر ولا تنفع (2).
الشيخ: إذا صح عنه يكون مشروع السجود.
طالب: شيخ، إنهم وضعوا الطيب في الْحَجَر، فهل (... )؟
الشيخ: لا.
الطالب: الإشارة في كل طواف؟
الشيخ: الإشارة في كل شوط.
طالب: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «وَلَا يُحَشُّ حَشِيشُهَا» (6)، والحشيش في اللغة هو العشب اليابس، إحنا قلنا: إن اليابس الميت لا عبرة به، كيف الجمع؟
الشيخ: ما هو الجمع، هذا من يقول اليابس فقط، من قاله؟
الطالب: إذا عم ما الذي يخص..
الشيخ: لأنه لا ينمو؛ لأنه ليس بنام.
طالب: لا (... ) من عموم الحديث.
الشيخ: هذا نخرجه؛ لأنه ليس بنامٍ، ما له حرمة، هذا يذهب ترابًا.
طالب: (... ).
الشيخ: يقول: إن الْحَمَام يعيش في البيت ويتنامى، فأين التوحُّش؟
طالب: أصله.
الشيخ: نقول: الأصل، ولذلك قلنا لكم: إذا استأنس متوحِّش فهو متوحِّش، وإذا توحَّش مستأنس فهو أهلي، العبرة بالأصل.
طالب: وجه تخصيص أن غير الآفاقي لا يرمُل؟
الشيخ: نعم، التخصيص لأن أهل مكة يطوفون في الكعبة ولا يرمُلون.
طالب: (... ).
الشيخ: إي نعم.
طالب: إذا كان معتمر (... )؟
الشيخ: إذا كانوا معتمِرين وأحرموا من التنعيم فإنهم لا يرمُلون.
طالب: شيخ، ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كلما أتى الْحَجَر استلمه، أو يشير إليه إذا لم يستطع، أو يستلمه بالمحجن (7)، فما التخصيص (... ) الستة دون السابع، النبي صلى الله عليه وسلم كلما جاء الحجر كان يستلمه.
الشيخ: هو كم استلمه؟
طالب: لم يَرِد، كان صلى الله عليه وسلم إذا جاء الحجر استلمه.
الشيخ: إي، كم يستلمه؟ سبع مرات.
طالب: أيش التخصيص يا شيخ بالسبع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان كلما جاء (... ).
الشيخ: إي نعم هو سبعة، سبعة أشواط، كل شوط له استلام، بدأ بالأول، ثم بالثاني، ثم بالثالث، ثم بالرابع، ثم بالخامس، ثم بالسادس، ثم بالسابع.
الطالب: هي عبادة مستقلة، استلام الْحَجَر.
الشيخ: لا.
الطالب: ثم إنه يا شيخ ثبت في البخاري أنه بعد أن يشرب من زمزم إذا طلع يستلم الْحَجَر.
(8)
الشيخ: نعم صحيح، هذا بعد صلاة الركعتين تقدم إلى الركن فاستلمه.
الطالب: بعد أن يشرب يا شيخ.
الشيخ: بعد أن صلى ركعتين وشرب من زمزم.
الطالب: إي نعم، هذا يا شيخ يرد قياسنا أنه سبع الطواف.
الشيخ: هو سبع، بارك الله فيك.
طالب: هذا غير..
الشيخ: الآن لو استلمه في آخر واحدة لاستلمه ثمانِ مرات.
طالب: وليكن..
الشيخ: لا، ما هو وليكن، راح يصير، هو لا يمكن؛ لأنه حين محاذاة الحجر انقطع طوافه، انتهى طوافه، ما فيه طواف.
طالب: أليست عبادة مستقلة هذه؟
الشيخ: ما هي بعبادة مستقلة، ولا ورد أن الرسول يستلمه في كل شوط، والشوط السابع انتهى قبل الْحَجَر.
طالب: (... ).
الشيخ: إي نعم، ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يستلمه بِمِحْجَن ويُقَبِّل الْمِحْجَن، ويستلمه بيده ويُقَبِّل يده (9)، فالذي يمس الحجر يُقَبَّل.
طالب: (... ) ثم نقول في الْحَجَر من الاستقبال أو تقبيل اليد؟
الشيخ: هو ما يمكن يستلمه الإنسان، لا، التقبيل الركن اليماني ما فيه التقبيل، لا تقبيل اليد التي مَسَّتْه، ولا تقبيل الركن نفسه، ولا فيه إشارة أيضًا، إن استطعت أن تستلمه استلمه، وإلا فَامْشِ ولا..
طالب: الاستقبال.
الشيخ: ما تستقبله.
طالب: الطائف يا شيخ، حينما يكون في الْمَطَاف يرى بعض المنكَرات، فهل يشتغل في الإنكار على أصحاب المنكَرات على اختلاف أنواعها أم يشتغل بذكر الله عز وجل الذي من أجله شُرِعَ الطواف.
الشيخ: أما الشيء المنكَر الظاهر فالإنكار من ذكر الله لا شك، لكن إذا شغله الإنكار عن طوافه فلا بأس أن يسكت، وإذا انتهى من طوافه ينكِر على هؤلاء؛ لأنه بإمكانه إذا انتهى من الطواف.
طالب: زحمة يا شيخ ما يقدر.
الشيخ: إذا أمكن حتى في الزحمة وقوفه مع هؤلاء يتحدث مع هذا صعب.
طالب: وهم يمشون.
الشيخ: يمشون، ينكِر عليهم، مثل لو امرأة متبرِّجة أو متطيِّبة ينكِر عليها.
طالب: شيخ، حفظكم الله، ذكرتم في القاعدة أن مراعاة الفضيلة المتعلِّقة بذات العبادة أولى من مراعاة الفضيلة المتعلقة في مكانها وزمانها، مثال اللي ذكرتموه الصف، لو كان إنسان مثلًا فيه واحد رائحته غير طيبة، فلو تركته سوف يأتي إنسان آخر.
الشيخ: إحنا نقول: كريهة، ما قلنا: طيبة.
طالب: غير طيبة يا شيخ، أنا قلت: غير طيبة.
الشيخ: كريهة، قل؛ لأن غير طيبة أيضًا تشمل ما ليس طيبًا ولا غير طيب.
الطالب: كريهة جدًّا، سوف يأتي آخر يا شيخ ثم يتأذى بها، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (10)، فلماذا لا أتحمل أذاه؟
الشيخ: سبحان الله! حتى الثاني نقول له: رُوح، إذا كنت تتأذى انصرف عنه.
الطالب: لا بد يأتي آخر.
الشيخ: إي، لو جاء آخر ثالث، رابع، عاشر، إلى تمام المئة والألف.
طالب: في الصف الأول مثلًا لا بد يُغْلَق.
الشيخ: كيف؟
طالب: لا بد الصف الأول يكمل.
الشيخ: ما هو بلازم، إذا صار أني إذا جلست جنب هذا الرجل ما أدري ما أقول في صلاتي من شدة الرائحة الكريهة أذهب إلى مكان آخر، ولهذا قلنا لكم فيما سبق: إن ذا الرائحة الكريهة لا يَحِلُّ له أن يأتي المسجد أصلًا، ولنا أن نخرجه كما كان الصحابة يُخْرِجون مَن أكل البصل أو الثوم.
طالب: يصلي منفرِدًا يا شيخ؟
الشيخ: من؟
طالب: هو منفرِد خلف الصف.
الشيخ: مَن اللي منفرد.
طالب: هو اللي جاء.
طالب آخر: صاحب الرائحة.
الشيخ: صاحب الرائحة الكريهة؟
طالب: لا، الذي جاء وأراد يصف الصف الثاني مثلًا.
الشيخ: نعم، هذا إن قلنا بأن صلاته لا تصح مع إمكان الصف الأول فنقول: لا، إذا كان منفردًا لا يصُفّ، لا بد يبقى، ولو تَحَمَّل الرائحة الكريهة، وفي هذه الحال يمكن يتلثَّم، إذا تَلَثَّم يخف عليه الأمر.
طالب: شيخ، عفا الله عنك، قد ذكرت في الفروق بين حرم مكة وحرم المدينة بأن حرم مكة متَّفَق عليه، وحرم المدينة مختلَف فيه، ما بَيَّنْتَ وجه الاختلاف، هل تحديد الحرم أو التحريم أصلًا؟
الشيخ: لا، في التحريم أصلًا.
الطالب: والأحاديث الصريحة في ذلك؟
الشيخ: إي نعم، لكن فيه الخلاف.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، الحديث الوارد في بداية الطواف الذي رواه ابن عمر، وما يفعله العامة الآن يكبِّرُون ثلاث مرات، هل لذلك أصل؟
الشيخ: ما له أصل، لا أعلم له أصلًا، إنما يكبِّر مرة واحدة.
يقول السؤال: ثبت أن استلام الحجر يحط الخطايا حَطًّا، هل استلامه بالْمِحْجَن يحط الخطايا حطًّا؟ هذا أيش.
طالب: هذا ما يساعد على أنها عبادة مستقلة أنها تَحُطُّ الخطايا.
الشيخ: إي، يحط الخطايا حيث شُرِع.
طالب: وأيضًا إذا استلمه أول مرة يحط الخطايا لأول مرة، المرة الأخرى..
الشيخ: رفعة الدرجات، مثل غيره من الأشياء اللي يكون فيها تكفير الذنوب، ومع ذلك يُسَنُّ للإنسان أن يزيد منها، ثم إننا نقول: أحيانًا يأتي مثلًا مَن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه، ومَن صامه غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه، ومَن قام ليلة القدر غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه، فمثلًا إذا قال: أنا لا أقوم؛ لأني أصوم فيُغْفَر لي ما تقدم من ذنبي، فما الذي يبقى من الذنوب؟
طالب: لا يوافَق.
الشيخ: لا يوافَق؛ لأننا نقول: ترتيب الثواب على الأعمال قد يتحقق وقد لا يتحقق، قد لا يتحقق من أجل فعل العبد لا من أجل وعد الله، سوف يتحقق حسب وعد الله، لكن قد يكون في فعلك خلل لا يستطيع هذا الفعل أن يترتب عليه الثواب المرتَّب عليه، فإن قيل: إذا فرضنا أنه كان كاملًا بحيث يترتب عليه الثواب المرتَّب عليه؟ فالجواب أن نقول: يبقى الآخر زيادة في الحسنات.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، بالنسبة للمتمتِّعين بما أن الحملات تتأخر إلى اليوم الثامن، فبعضهم يتمتَّع في نفس اليوم الثامن، ثم يُهِلُّ بالحج، هل نقول: الأفضل له أن يفرِد؟
الشيخ: إذا قَدِم إنسان في اليوم الثامن فالأفضل القِرَان أو الإفراد؛ لأن الله قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196]، والحج يبدأ في اليوم الثامن، فلا مكان للعمرة الآن، ثم إن الحج أفضل من العمرة، فاشتغالك بالعمرة في وقت يُسَنُّ أن تكون فيه متلبِّسًا بالحج يعني أنك قَدَّمْتَ المفضول على الأفضل، فالزمن الآن منذ ضُحَى يوم الثامن الزمن للحج، فكيف تشغله بالعمرة؟ ثم أين التمتع الذي سيكون إنسان أتى بالعمرة وطاف وسعى وقصَّر ثم أحرم بالحج؟
فلذلك نرى وإن كنت ما رأيت أحدًا تكلم في هذا، لكن أرى أن الإنسان إذا جاء في اليوم الثامن في الوقت الذي خرج فيه الحجاج إلى مِنى ألَّا يتمتع، أن يُحْرِم بالعمرة والحج جميعًا، أو بالحج وحده.
طالب: التمتع هذا صحيح.
الشيخ: والله ربما نقول: صحيح؛ لأنه ما فيه دليل على بطلان العمرة أو بطلان الحج.
طالب: لأنه ما حصل التمتع يا شيخ.
الشيخ: ما حصل، لكن على كل حال حصل الحل.
طالب: لو وكل بالتمتع يا شيخ.
الشيخ: هذا يقول عند..
الطالب: عند الاستلام لمن شرب، يقول: باسم الله، ولّا يقول: باسم الله والله أكبر، وفي الشوط الثاني يقول: الله أكبر فقط، ولا (... ).
الشيخ: إي، هذا هو أصل البسملة، عند أوله، إنما هو مِن فعل ابن عمر، والباقي تكبير فقط.
طالب: حديث عمر كَبَّر وهَلَّل (... ).
الشيخ: بس الحديث هذا ضعَّفَه أهل العلم، ولا يدل على أنك تقول: الله أكبر، لا إله إلا الله، تُكَبِّر وتُهَلِّل.
طالب: من ناحية أكل البصل والثوم، إذا كان يعرف أنه لن تكون منه رائحة، هل النهي مُنْصَبٌّ على الرائحة نفسها؟
الشيخ: إي، الرائحة، ولهذا قال في الحديث: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَهُمَا فَلْيُمِتْهُمَا طَبْخًا» (11)، يعني يطبخهما حتى تذهب الرائحة.
طالب: إذا تمكَّن من موضع الرائحة (... ) تمنع رائحة البصل والثوم رائحة طيبة (... )؟
الشيخ: تغطيها يعني؟
طالب: نعم.
الشيخ: ماذا تقولون؟
طلبة: نثبت العلة.
الشيخ: هو على كل حال، ظاهريًّا، ينفع إذا صارت الرائحة قوية جدًّا تغطي رائحة البصل والثوم، لكن قد يتجشَّأ الإنسان في أثناء صلاته وتغلب الرائحة الكريهة على الطَّيِّب.
طالب: ما دليل التصدق (... )؟
الشيخ: دليل التصدق قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: 28] هذا عامٌّ في كل ما يُذْبَح تقرُّبًا إلى الله.
طالب: شيخ (... ) أشار بيده (... ) ما يعتبر دليلًا؟
الشيخ: لا، إذا قيل: الركن، عند الإطلاق فهو الذي فيه الْحَجَر.
طالب: شيخ، بالنسبة للاضطباع والرمَل من خصوصيات طواف القدوم، أو يشترك مع طواف الإفاضة.. ؟
الشيخ: لا، هو في طواف القدوم فقط، لكن إذا قدرنا أن الرجل خرج إلى منى أو قصد منى من الأول ولم يدخل مكة ويطوف للقدوم، ثم عاد بعد عرفة ومزدلفة إلى مكة، فالاضطباع في حقه ليس بمشروع؛ لأنه قد حَلَّ، يبقى الرمل هل يُسَنُّ الرمَل؟ قال بعض العلماء: يُسَنُّ الرمَل؛ لأن هذا الطواف يُعْتَبَر بالنسبة له طواف قدوم؛ إذ إن هذا أول مرة يطوف بالبيت في هذا الحج.
طالب: شيخ بارك الله فيك، مسألة ذكرها صاحب الروض ولم تتكلم فيها.
الشيخ: وهي؟
الطالب: قول المؤلف: صاحب الروض يقول: بالنسبة لنقل تراب مكة يُكْرَه إلَّا ماء زمزم، الدرس الماضي ما تكلمت..
الشيخ: إي نعم.
طالب: ما ذكروا لا دليلًا ولا..
الشيخ: نحن لسنا ندرس الروض، نحن ندرس زاد المستقنع في اختصار المقنع.
طالب: ما تقول في هذه المسألة؟
الشيخ: إي، إذن لا بأس، هذا السؤال صحيح الآن، نقول فيها: الصحيح أنه لا يُكْرَه إخراج تراب الحرم؛ لأن التراب شيء جامد لا ينمو، ولا يضر وجوده بالحرَم أو غير الحرم.
طالب: سد الذريعة، الناس تبركًا فيها.
الشيخ: لا، دعنا من مسألة التبرك، التبرك شيء آخر، حتى لو تَبَرَّك به في نفس مكة قلنا: هذا بدعة.
طالب: قلت: إن الركن اليماني سُمِّي يمانيًا؛ لأنه من جهة اليمن (... )، لماذا لا نقول: لأنه يمين الكعبة نفسها، والدليل على ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الْإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ» (12)، أي: يمين الكعبة؟
الشيخ: وين يمين الكعبة؟ يمين الكعبة هو الركن الشامي.
طالب: ما تصلح؟
الشيخ: لا، ما تصلح.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، كان واحد بيطوف وتلفَّت يتفقد أهله، ما صارت الكعبة عن يساره أثناء الطواف، يضره يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم، يقول: أحيانًا الإنسان يطوف، فيُكَلِّمُه أحد من الناس، يلتفت ويولي ظهره الكعبة، أو يكون مثلًا أهله خلفه، فيلتفت حتى يولي ظهره الكعبة، فهل طوافه صحيح أو لا؟
طالب: صحيح.
الشيخ: ظاهر كلام الفقهاء أن طوافه لا يصح، الشوط هذا ما يصح؛ لأنه لم يجعل الكعبة عن يساره في كل الشوط، ولهذا يجب التنبه لهذه المسألة، لكن مع هذا في نفسي من هذا شيء؛ لأن الآن يعتبر هذا الطائف قد جعل الكعبة عن يساره، والالتفات اليسير ما يُخْرِجُه عن كونه جعل الكعبة عن يساره.
طالب: ولو رجع؟
الشيخ: لا، إذا رجع ما فيه إشكال، لو رجع وجعل الكعبة عن يساره من المكان الذي انصرف فيه ما فيه شيء.
طالب: في الزحام ما يمكن الرجوع.
الشيخ: على كل حال، ينبغي أن يتحرز، يقف على الأقل وقوفًا ويلتفت برأسه إلى أهله.
طالب: الصلاة خلف الإمام في الصف العاشر أفضل أم في الصف الأول لكن في (... ) الأسفل؟
الشيخ: ما تقولون في هذا السؤال؟ يقول: هل الأفضل أن يكون الإنسان في الصف العاشر لكنه بحذاء الإمام، أو في الصف الأول في طرفه بعيدًا عن الإمام؟
طلبة: في الأول.
الطالب: في الصف الأول في الخلوة أسفل.
الشيخ: يعني أيش؟ إذا لم يجد مكانًا في مكان الإمام ينزل.
الطالب: يعني أحيانًا أُخَيَّر بين أن أنزل في الصف الأول أو أكون..
الشيخ: لا، وجودك في المكان الذي فيه الإمام أفضل.
الطالب: حتى لو..
الشيخ: ولو في الصف العاشر.
طالب: شيخ، إن كان في الطواف حامل لطفل، والطفل لا شك عند الحمل يستدير، يكون يمينه إلى الكعبة، فهل يصح الطواف؟
الشيخ: أما التكرونيات فيسارها يسار لولدها.
الطالب: من الخلف.
الشيخ: لأنها تعمل من الخلف، ويساره يسار أمه، وأما اللي يحمله كما يحمله أكثر الناس الآن على اليد هو قد يكون يولي الكعبة ظهره إن كان على اليد اليسرى، وقد يولي الكعبة وجهه إذا كان على اليد اليمنى، وقد يمشي حسب الحمل القهقرى.
فمثل هذه يجب أيضًا مراعاتها، ولا يمكن يتخلص منها إلا إذا حمل الولد على كتفه أو على كتفيه، بحيث يكون رجله اليمنى على الكتف الأيمن، ورجله اليسرى على الكتف الأيسر، ولهذا نقول في مثل هذه المواسم الحج أو العمرة لا ينبغي أن تكلف نفسك تخلي الأولاد يُحْرِمون، دعهم.
طالب: قلنا: إن مَن قصر الطواف خطوة واحدة لا يصح طوافه، قلنا: من بدأ الطواف بعد الخط الأسود الموازي للحجر الأسود بخطوة واحدة ساهيًا هل نقول: إن الطواف غير..
الشيخ: الشوط الأول يُلْغَى، إذا بدأ من وراء الخط الأسود البني ولو بخطوة واحدة فإن الشوط الأول يُلْغَى.
الطالب: نقول له: الآن أَعِدْهُ؟
الشيخ: متى؟ الآن؟
الطالب: بعدما انتهى من العمرة.
الشيخ: بعدما انتهى من العمرة، إي نعم، نقول: أَعِدْهُ ثم أَعِد السعي.
طالب: قلنا: إن الركنين الشاميين ما يشرع استلامهما؛ لأنهما ليسَا على قواعد إبراهيم، لو فرض يا شيخ أنه بُنِيَت الكعبة على قواعد إبراهيم يُشْرَع استلامهما.
الشيخ: نعم، لو بُنِيَت لسُنَّ استلامهما.
طالب: شخص يا شيخ حج عن أبيه الذي مات تطوعًا، حجه مشروع؟
الشيخ: إي، لا بأس، ما فيه مانع، كما لو تصدق عنه، لكن لو قال: أيما أفضل؛ أن أحج عنه أو أن أدعو له؟ قلنا: الدعاء له أفضل.
طالب: ما الأفضل في الطواف، هل قراءة القرآن، أم الدعاء، أم التسبيح؟
الشيخ: ما تراه أنفع لقلبك فافعله؛ لأن الطواف مكان ذِكْر، فما تراه أنه أنفع لقلبك من الخشوع والخضوع فافعله، إلا ما ورد مثل: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، في محلها أفضل.
طالب: باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، قال المصنف رحمنا الله وإياه: وَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الطَّوافِ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ، أَوْ نُسُكَهُ، أَوْ طَافَ عَلَى الشَّاذَرْوَان، أَوْ جِدَارِ الحِجْرِ، أَوْ عُرْيَان، أَوْ نَجِسٌ، لَمْ يَصِحَّ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَينِ خَلْفَ المَقَامِ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومَن تَبِعَهُم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا الكلام على طواف القدوم، وأنه يُسَنُّ فيه للرجل شيئان؛ الأول: الاضطباع في جميع الطواف، والثاني: الرمَل في الأشواط الثلاثة الأولى فقط، ولا يُسَنُّ الاضطباع في غير الطواف، وما نشاهده من عامة الحجيج اليوم حيث يضطبعون من حين الإحرام إلى أن يحلوا فإنه ليس مبنيًّا على سُنَّة، ولا على كلام أحد من أهل العلم.
نعم، بعض العلماء قال: يكون الاضطباع في الطواف، ويكون الاضطباع كذلك في السعي بعده، ولكن الصحيح أنه في الطواف فقط، أما كونه من أول أن يُحْرِم حتى يحل فهذا لا أصل له.
وسبق لنا الحكمة من الرمَل، وأن أصله إغاظة المشركين، وسبق أن عمر رضي الله عنه قال: إننا قد أعزَّنَا الله، ففيمَ الرمَل إذن؟ ثم إنه رضي الله عنه استدرك فقال: شيء فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا بد أن نفعله.
وهذا لا شك فيه، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام رَمَل في حجة الوداع، ورمل جميع الأشواط الثلاثة، بخلاف الرمَل في عمرة القضاء، فإنه رمَل من أين؟ من الْحَجَر إلى الركن اليماني، لكن في حجة الوداع رَمَلَ من الْحَجَر إلى الْحَجَر، وهذا هو الصحيح.
ولا مانع أن يكون الشيء مشروعًا لسبب قد زال، كما شُرِعَ السعي في الوادي في المسعى مع أنه شيء قد زال، كما سيأتينا إن شاء الله.
قال المؤلف رحمه الله: (وَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الطَّوافِ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ، أَوْ نُسُكَهُ، أَوْ طَافَ عَلَى الشَّاذَرْوَان أَوْ جِدَارِ الحِجْرِ، أَوْ عُرْيَانٌ، أَوْ نَجِسٌ، لَمْ يَصِحَّ)، هذه مسائل بَيَّنَ فيها المؤلف أنها كلها تُفْسِد الطواف، الأولى: مَن ترك شيئًا من الطواف، (شيئًا) نكرة في سياق؟
طلبة: الشرط.
الشيخ: الشرط، مَن تَرَكَ، فتعم، فتشمل لو ترك خطوة واحدة أو شبرًا واحدًا من الطواف فإنه لا يصح.
لكن إذا تركه من شوط، وذكر المتروك في أثناء الطواف، فإنه يُلْغَى الشوط الذي ترك منه ذلك، ويقع ما بعده بدلًا عنه.
وقوله: (وَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الطَّوافِ) يعني مَنْ تيقَّنَ الترك، أما مَن شك فإنه يُنْظَر؛ إما أن يشك بعد الفراغ والانصراف عن محل الطواف، وإما أن يشك في أثناء الطواف؛ إن شك في أثناء الطواف فهل يبني على اليقين أو على غلبة الظن؟
في ذلك خلاف، كالخلاف فيمن شك في عدد الركعات في الصلاة، فمن العلماء مَن قال: يبني على غلبة الظن، ومنهم من قال: يبني على اليقين.
مثال ذلك: في أثناء الطواف شك هل طاف خمسة أشواط، أو ستة أشواط، فإن كان الشك متساوي الأطراف جعلها خمسة؛ لأنها المتيقَّن، وإن ترجَّح أنها خمسة جعلها خمسة، وإن ترجَّح أنها ستة؛ فمن العلماء من يقول: يَعْمَل بذلك ويجعلها ستة، ومنهم من قال: يبني على اليقين ويجعلها خمسة.
والصحيح أنه يجوز أن يعمل بغلبة الظن كالصلاة، وعلى هذا فيجعلها ستة، ويأتي بالسابع، هذا ما دام متلبِّسًا بالعبادة.
أما بعد أن ينصرف عن مكان الطواف فإن الشك لا يؤثِّر، ولا يُلْتَفَتُ إليه، ما لم يتيقن الأمر.
مثال ذلك: رجل انصرف من الطواف على أنه أتمَّ طوافه، ثم شك هل طاف سبعًا أو ستًّا، نقول له: لا تلتفت لهذا الشك؛ لأن الشيطان ربما يأتي الإنسان بعد فراغه من العبادة ليُلَبِّس عليه دينه، فيُشَكِّكَه، ولو أن الإنسان التفت إلى مثل هذا الشك لفسدت عليه عباداته، وصار دائمًا في قلق، وانفتح عليه باب الوسواس.
أقول: إن الإنسان لا يلتفت إلى الشك بعد الفراغ من العبادة؛ لأن ذلك يفتح عليه باب الوسواس والقلق، والشيطان يحرص على أن يكون الإنسان دائمًا في قلق، دائمًا في حزن، ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يُدْخِل عليهم الحزن، ﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [المجادلة: 10].
فإن تيقَّنَ أنه ناقص شوطًا، فحينئذ يعمل باليقين، ويرجع ويأتي بالشوط، لكن في الغالب أن هذا لا يقع، الغالب أن الإنسان بعد أن يُتِمَّ الطواف وينصرف ويصلي ركعتين، الغالب أنه لا يتيقن أنه نقص، لكن إذا فرضنا ذلك وجب عليه أن يرجع ويأتي بالشوط السابع.
قال المؤلف: (أَوْ لَمْ يَنْوِهِ)، يعني: لم يَنْوِ الطواف، وإنما جعل يدور حول الكعبة ليتابع مَدِينًا له يطلبه دينًا، أو لأي غرض من الأغراض، فإنه لا يصح طوافه، لماذا؟ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (13)، وهذا لم يَنْوِ الطواف، بل نوى متابعة غريم، أو متابعة إنسان يريد أن يتكلم معه، ويمشي معه حتى ينتهي من طوافه، أو ما أشبه ذلك، نقول هذا لا يصح طوافه؛ لأنه لم يَنْوِهِ.
ولكن لو نوى الطواف مطلقًا دون أن ينويه للعمرة مثلًا، فهل يجزئ؟ في ذلك خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: لا يجزئ، بل يجب أن ينوي الطواف للعمرة، أو الطواف للحج، أو الطواف للوداع، أو الطواف تطوعًا؛ كطواف القدوم، وأما مجرد الطواف فلا يجزئ، وهذا هو المشهور من المذهب؛ أنه لا بد أن يعيِّن الطواف.
وقال بعض العلماء: إنه لا يُشْتَرَطُ التعيين، تُشْتَرَطُ نية الطواف، لكن لا يُشْتَرَطُ التعيين؛ لأن الطواف جزء من العبادة، فكانت النية الأولى محيطة بالعبادة بجميع أجزائها، وقاسَ ذلك على الصلاة، قال: الصلاة فيها ركوع، فيها سجود، فيها قيام، فيها قعود، فهل يجب أن يَنْوِيَ لكل ركن من أركانها نية مستقلة، أو تكفي النية الأولى؟ النية الأولى تكفي، وعلى هذا فإذا نوى العمرة كانت هذه النية شاملة للعمرة من حين أن يُحْرِم إلى أن يَحِلَّ منها.
فإذا جاء إلى البيت الحرام وطاف، وغاب عن قلبه أنه للعمرة أو لغير العمرة، فعلى هذا القول يكون الطواف صحيحًا، وهذا القول هو الراجح؛ أنه لا يُشْتَرَطُ تعيين الطواف ما دام متلبِّسًا بنُسُك؛ لأن هذا الطواف جزء من العبادة، فدخل في بقيتها.
وهذا في الحقيقة مع كونه الراجح نظرًا هو الأيسر بالناس؛ لأن الإنسان مع الزحام والضنك ربما يغيب عن ذهنه أنه نوى أن يطوف للعمرة مثلًا، فلو قلنا بالقول الأول الذي هو لا بد من تعيين الطواف للنسك المعيَّن لكان في هذا مشقة على الناس، أما إذا قلنا بالقول الراجح؛ أن نية العبادة تنسحب على جميع العبادة بجميع أجزائها، فلا شك أن هذا أيسر للناس.
وهذا نظير مسألة مرت علينا في الصلاة، وهي؟ اذكروها.
طالب: إذا دخل الإنسان في صلاة الظهر ولم يعيِّن هذه الصلاة، فعلى المذهب أنه لا بد التعيين وإلا صلاته تكون باطلة، وأما على القول الثاني فإنها تصح.
الشيخ: يعني لو دخل في صلاة الظهر بنية أنها فرض الوقت، وغاب عن ذهنه تعيين الظهر، فإن القول الراجح أنها تجزئ وتصح؛ لأنك لو سألت هذا الرجل: ماذا أردت بهذه الصلاة؟ لكان الجواب: الظهر، والإنسان قد يَذْهَلُ عن التعيين، وقد يأتي والإمام راكع مثلًا، فيدخل في الصلاة بسرعة، ولا يتمكن من تعيين النية.
قال: (أَوْ نُسُكَهُ)، يعني: أو لم يَنْوِ نسكه لم يصح، كيف نسكه؟ وهل هناك نسك بلا نية؟ نقول: نعم، الحج ينفرد عن العبادات الأخرى بأشياء كثيرة، منها: جواز تغيير النية، ومنها لزوم إتمامه ولو كان نفلًا، وله عدة أشياء يخالف غيره.
يجوز للإنسان أن يُحْرِمَ إحرامًا مطلقًا، فيقول: (لبيك) ولا يعيِّن لا عمرة ولا حجًّا، يقول: لبيك، مع الناس، لكن لا يجوز أن يطوف حتى يعيِّن؛ لأن الإحرام المطلَق صالح للعمرة وحدها، وللحج وحده، ولهما جميعًا، أفهمتم الإحرام المطلَق؟
الإحرام المطلق يقول: لبيك اللهم لبيك، قلنا: ماذا نويت؟ عمرة، حج، حج وعمرة؟ قال: ما نويت شيئًا، نويت الإحرام فقط، فهل إحرامه صحيح وينعقد؟ نعم ينعقد، إحرامه صحيح، وينعقد، يبقى يُلَبِّي، لكن إذا وصل إلى مكة وأراد الطواف فلا بد أن يعيِّن، يعين أيش؟ عمرة، حج، حج وعمرة.
ومن ذلك -أي من الإحرام المطلق- وإن كان فيه شيء من التعيين أن يقول: أحرمت بما أحرم به فلان، أو لبيك بما أحرم به فلان، يعني يكون هذا الرجل عنده شيء من الجهل، ويعرف أن فلانًا من أهل العلم والمعرفة قد حج، فيقول: لبيك بما أحرم به فلان، فهذا يصح، بماذا أحرم فلان؟ لا يدري، قد يكون أحرم بعمرة، أو بحج، أو بحج وعمرة، فنقول: إحرامك هذا صحيح، لكن لا بد أن تعلم بماذا أحرم قبل أن تطوف؛ ليقع طوافك بعد تعيين النسك الذي أردت.
ويدل لهذه المسألة الأخيرة حديث علي بن أبي طالب بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، وكذلك بعث أبا موسى فقدِمَا مكة والرسول عليه الصلاة والسلام قد قدم قبلهما للحج، كلاهما قال: أحرمت بما أحرم به رسولك، فلبوا بما أحرم به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أما علي فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام: «بِمَ أَهْلَلْتَ؟ »، قال: بما أَهَلَّ به رسول الله، قال: «فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلَا تَحِلَّ» (14)، فأشركه في هديه، وقال: لا تحل، ليش لا يحل؟ لأن معه الهدي، قد ساق الهدي، ومَن ساق الهدي لا يمكن أن يَحِلَّ.
أما أبو موسى فقال له: اجعلها عمرة، مع أن إحرامه حين أَهَلَّ بما أَهَلَّ به رسول الله ينعقد قِرَانًا، لكن قال: اجعلها عمرة؛ لأن أبا موسى لم يكن معه هَدْي.
فنأخذ من هذا أن الإنسان يجوز أن يُحْرِم بما أَحْرَم به غيره، ولكن لا بد أن يعيِّن قبل أن يطوف، ليقع طوافه في نسك معلوم، ولهذا قال المؤلف هنا: (أو نسكه)، هذه العبارة الصحيحة.
ولذلك قال المؤلف في الشرح: (بأن أحرم مطلقًا)، رجل أحرم مطلقًا ودخل وطاف على أنه طواف مطلَق، كما أنه إحرام مطلَق، فهل يصح طوافه؟ لا؛ لأنه لم يَنْوِ هذا النسك بعينه، فعلى أي شيء يبني؟ ! إذن لا بد من تعيين النسك قبل الشروع في الطواف، فإن لم يَنْوِ نسكه لم يصح.
(أَوْ طَافَ عَلَى الشَّاذَرْوَان) الشاذروان هو السوار المحيط بالكعبة، سوار من أحجار من رخام محيط بالكعبة، وكان من قبل مسطَّحًا يمكن أن يطوف عليه الناس، فإذا طاف عليه الإنسان فإنه لا يصح طوافه؛ لأن الشاذروان من البيت من الكعبة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29]، ﴿بِالْبَيْتِ﴾ لم يقل: في البيت، لو قال: في البيت، صح الطواف من دون الْحَجَر وعلى الشاذروان، لكن قال: بالبيت، والباء للاستيعاب، وعلى هذا فإذا طاف على الشاذروان فإن طوافه لا يصح، لماذا؟ لأن الشاذروان من الكعبة، والطواف واجب بجميع الكعبة.
لكن بعض الخلفاء جزاه الله خيرًا جعله مُسَنَّمًا كما تشاهدون الآن، لا يمكن الطواف عليه، من صعد عليه ليطوف زلق؛ لأنه مَزَلَّة، فكفى الله المؤمنين القتال.
لكن لو فُرِضَ أن رجلًا أحمق قال لصاحبه: امش معي وأنا بأعتمد على كتفك، وأطوف على الشاذروان، هل يصح؟ لا يصح؛ لأنه من البيت، وهذا ربما يقع في أيام الزحام، فيطوف الإنسان على الشاذروان ويتكئ على أكتاف الناس، لكنه -والحمد لله- لم يحصل، فيما نعلم أنه لم يحصل؛ لأنه ربما يكون هناك جنود يمنعون من مثل هذه الصورة.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: بل يصح الطواف على الشاذروان؛ لأن الشاذروان ليس من الكعبة، بل هو كالعتبة تكون على سور البيت، وقد جُعِلَ عمادًا للبيت، فليس منه، وعلى هذا يجوز الطواف عليه.
ولكن في الوقت الحاضر لا يمكن الطواف عليه لما علمتم من صفة بنائه.
(أَوْ طَافَ عَلَى جِدَارِ الحِجْرِ) جدار الحِجْر أو الْحَجَر؟ الْحِجْر.
طالب: (... ).
الشيخ: الآن الطواف عليه غير ممكن.
طالب: (... ).
الشيخ: لو أمكن فإذا طاف عليه إنسان وجاء يسأل فيسفتح الله علينا ونرجِّح.
قال: (أَوْ طَافَ عَلَى جِدَارِ الحِجْرِ)، الْحِجْر معروف؛ هذا البناء المقوَّس من شمالي الكعبة، ويسمى عند العامة حِجْر إسماعيل، وسبحان الله أن يكون حجر إسماعيل وإسماعيل لم يعلم به! وقد بُنِيَ بعده بأزمان كثيرة؛ لأن سبب بنائه كما ثبت في الصحيح أن قريشًا لما بنت الكعبة قصَّرت بهم النفقة، وقد أجمعوا على أن يكون البناء من كسب طيِّب، فقصَّرت بهم النفقة، فقالوا: لا بد أن نبني البعض وندع البعض، فأي شيء يَدَعُونه؟ رأوا أن أنسب شيء يَدَعُونه أن يكون من الناحية الشمالية، ففعلوا، وجعلوا هذا الجدار، وسُمِّيَ الْحِجْر لأنه مُحَجَّر.
وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعائشة: «لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ لَبَنَيْتُ الْكَعْبَةَ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ، وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ؛ بابًا يَخْرُجُ مِنْهُ النَّاسُ، وَبَابًا يَدْخُلُونَ مِنْهُ» (15)، ولكن ترك ذلك خَوْفًا من الفتنة، إلَّا أن الله سبحانه وتعالى حقَّق ما أراد الرسول عليه الصلاة والسلام بدون مَضَرَّة، لو أنها بُنِيَت على قواعد إبراهيم، وجُعِلَ لها بابٌ يدخل منه الناس، وبابٌ يخرج منه، لهلك الناس، ولا سيما في الأزمنة الأخيرة، حيث يتقاتلون على ما هو دون الكعبة بكثير، ما ظنكم لو دخل الناس من هذا الباب، والكعبة مسقوفة وضَيِّقَة، ماذا يكون؟ الناس يُهْلِك بعضهم بعضًا، لكن حصل مراد الرسول عليه الصلاة والسلام بهذا الْحِجْر، فجُعِلَ للحِجْر، وهو من الكعبة، جُعِلَ له بابان؛ باب يدخل منه الناس، وباب يخرجون منه، مع كونه مكشوفًا فضاء لا يضر، وهذا من حكمة الله عز وجل ورحمته.
لما تولى خلافة الحجاز عبد الله بن الزبير رضي الله عنه هدم الكعبة، وبناها على قواعد إبراهيم؛ لأن السبب الذي منع الرسول عليه الصلاة والسلام من بنائه على قواعد إبراهيم قد زال، وتوطَّد الإيمان في القلوب، فهدمها رضي الله عنه، وجعل يأتي بالناس ويُشْهِدُهم على الأساسات الأولى التي هي على قواعد إبراهيم، وبناها على قواعد إبراهيم، وجعل لها بابين؛ بابًا يدخل منه الناس، وبابًا يخرجون منه.
ثم إنها هُدِمَت في عهد عبد الملك بن مروان، وأعيدت على ما كانت عليه في الجاهلية، بعد أن استُشْهِدَ عبدُ الله بن الزبير رضي الله عنه، ولما تولى الرشيد أظن أراد أن يعيدها على قواعد إبراهيم، فاستشار بذلك العلماء، فقالوا: لا تجعل بيت الله مَلْعَبَةً للملوك، كلما مَلَك مالك قال: أُغَيِّر إلى كذا، فتركه وبقي على ما هو عليه إلى الآن، والحمد لله.
إذا طاف على جدار الْحِجْر لم يصح، وإن طاف من دون جِدَار الْحِجْر من الداخل من باب أولى.
وظاهر كلام المؤلف أنه لو طاف على جِدَارِ الْحِجْر الذي ليس من الكعبة فإنه لا يصح، هذا ظاهره؛ لأن الْحِجْر ليس كله من الكعبة، ليس من الكعبة إلا مقدار ستة أذرع وشيء، وقرَّبَه بعضهم فقال: إذا ابتدأ الانحناء في الْحِجْر، فمن بداية الانحناء يكون خارج الكعبة، ومن المستوي يكون داخل الكعبة.
وعليه فنقول: إنه لا يصح الطواف على جدار الْحِجْر حتى في الجانب الخارج من الكعبة؛ لأنه يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا، فيكون هذا الزائد تابعًا للأصل.
يقول: (أو طاف عريانٌ) يعني طاف وهو عريان فإنه لا يصح طوافه؛ لأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن ينادَى في الناس «أَلَّا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ -يعني العام التاسع- وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» (16).
وكان الناس في الجاهلية إن حصلوا على ثياب من قريش أخذوها عارية أو شراء أو هدية فطافوا بها، وإلا فلا، على أن بعض العرب أيضًا، وإن كانوا من قريش، يقول: لا نطوف بثيابنا؛ لأنها ثياب عصينا الله فيها، فلا نطوف، نقول: إذا طفتم عراةً فهي ثياب عصيتم الله بها، أي: بخلعها.
وكانت المرأة تأتي تطوف عارية، وتضع يدها على فرجها، وترتجز في الطواف تقول:
الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ
..................................
تُشِيرُ إِلَى الْفَرْجِ
..................................
وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ
صقيعة، يعني: ما بَدَا منه فلا أُحِلُّ لأحد أن ينظر إليه، لا أُحِلُّه، الناس بيطيعونها، الله أعلم، على كل حال هذا من الجهل.
أما الإسلام -ولله الحمد- لا يطوف بالبيت عريان، ومن المعلوم أنه لا أحد يطوف خالعًا ثيابه.
لكن قد يطوف وهو لم يُسْتَر الستر الواجب، ولنفرض أن عليه ثيابًا رقيقة، وعليه سراويل لا تصل إلى الركبة، فيطوف، نقول: هذا الرجل لا يصح طوافه، لماذا؟ لأنه لم يستر عورته؛ إذ لا بد في الستر من السرة إلى الركبة.
يقول: (أو نجس) كيف نجس؟ يعني أصابته نجاسة في ثوبه أو بدنه، فإن الطواف لا يصح؛ لأن الطواف بالبيت صلاة، وكما لا تصح الصلاة مع النجاسة فكذلك الطواف.
ولأن الله تعالى أمر بتطهير بيته للطائفين، والقائمين، أو العاكفين، والركع السجود، فإذا أمر بتطهير المكان، أي مكان الطائف الذي هو منفصل عنه، فتطهير ملابسه المتصلة به من باب أولى، وعلى هذا فلا يحل أن يطوف بثوب نجس، أو يطوف وهو متنجِّس البدن، بل لا بد أن يغسل النجاسة من ثوبه وبدنه.
قال في الشرح: أو محدِث، يعني: وكذلك لا يجوز أن يطوف وهو مُحْدِث حدَثًا أصغر أو أكبر، وما هو الدليل؟ الدليل حديث ابن عباس المشهور: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، إِلَّا أَنَّ اللهَ أَبَاحَ فِيهِ الْكَلَامَ» (17).
لكن جزم شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أن هذا الحديث لا يصح مرفوعًا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما هو موقوف عن ابن عباس من قوله.
فإذا قال قائل: وقول ابن عباس ألَّا يكون حجة؟ لأنه إما مرفوعًا وإما موقوفًا؛ إن كان مرفوعًا فهو حجة لرفعه، وإن كان موقوفًا فهو حجة؛ لأنه قول صحابي؟
فالجواب: أن قول الصحابي يكون في حكم الرفع إذا كان ليس فيه مجال للاجتهاد.
طالب: أحسن الله إليك، استدل (... ) بقصة عبد الرحمن بن أبي بكر مع عائشة بأنه بالقياس إذا أرادوا أن يخرجوا أيضًا يخرجون من الحل، مع أن ظاهر القصة أنه للحاجة، فلماذا يا شيخ لا نقول بجواز للقارِن أن يشتري الْهَدْي من مكة، ولا يلزمه أن يسوقه بقصة علي بن أبي طالب لما رجع من اليمن وهو لم يَسُق الهدي، الهدي وُجِدَ مع النبي صلى الله عليه وسلم؟
الشيخ: لا، هو معه هدي.
طالب آخر: السؤال يا شيخ.
الشيخ: السؤال يقول: إن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لم يَسُق الهدي، فلماذا أمره النبي صلى الله عليه وسلم ألَّا يحل، قال: إن معي الهدي، فلا تحل؟ نقول: هو قد أتى ببعض الهدي من اليمن.
طالب: عَلِيّ؟
الشيخ: عَلِيّ، نعم.
طالب: بالنسبة للذي نوى الطواف في أثناء الطواف أحد الأشواط، يعني ما نوى أنه يكون الطواف هذا إلا يتبع غريمًا مثلًا أو شخصًا، أثناء الطواف عرضت له نية أخرى.
الشيخ: ويش النية الأخرى؟
طالب: مثلًا يتبع غريمًا أو يكلِّم شخصًا.
الشيخ: إي، لكن النية الأولى باقية لا بأس، حتى لو نوى الطواف ومتابعة الغريم فلا بأس إذا نواهما جميعًا.
طالب: شيخ، قلنا في أثناء الشرح: إن الحكمة من الاضطباع في الطواف بالبيت أن الإنسان يُظْهِر الجلَد يا شيخ، يعني إظهار الجلد في السعي من باب أولى؛ لأنه أطول وأكثر مشقة، نحن قلنا: لا يضطبع فيه، أليس (... )؟
الشيخ: أنا ما أدري هل نحن نُدَرِّس طلبة علم ولا عوَامّ، كانت قريش شمالي الكعبة ليست إلى المسعى، والمقصود من الاضطباع في الطواف هو إظهار الجلَد أمامهم والقوة والنشاط، لما رأوا الأمر هكذا لعلهم غادروا المكان، يمكن غادروا المكان، أو أنهم لا يَطَّلِعُون على أهل المسعى.
طالب: شيخ، الشاذروان ما نقول فيه (... )؟
الشيخ: لا، ما نقول فيه على رأي شيخ الإسلام: إذا كان أنه جُعِلَ عمادًا للبيت فقط وليس منه ما يدخل.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، لو نسي شوطًا ولم يتيقن إلا بعد أن سعى وحلَّ من العمرة؟
الشيخ: تريد المعتمِر؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما تقولون؟ يقول: إذا لم يعلم أنه ترك الشوط إلا بعد أن سعى وحَلَّ نقول: ارجع البس ثياب الإحرام وأَعِد الطواف من الأول، وأعد السعي وقَصِّر مرة ثانية؛ لأن ما وقع بعد الطواف مبني عليه، وقد تَبَيَّن أن الطواف لم يصح، والمبني على الفاسد فاسد.
طالب: ما نقول يعيد شوطًا واحدًا فقط؟
الشيخ: لا، نقول هذا لفوات الموالاة وتداخل العبادات.
الطالب: ولو كان قريبًا يا شيخ تذكِّره بعد السعي مباشرة؟
الشيخ: كيف يكون قريبًا وهو سعى السعي، كم مدته؟ سبعة أشواط طويلة، ثم كما قلت لك الآن: لفوات الموالاة وتداخل العبادات لا يمكن.
طالب: شيخ، قلنا في مسألة مَن لم يَنْوِ نُسُكَه عند الإحرام ما يرجع إلى ما كان في ذهنه قبل أن يصل إلى الميقات.
الشيخ: لا، هو الرجل ما نوى شيئًا أبدًا.
طالب: لا، إذا كان لديه نية قبل الميقات.
الشيخ: إذا كان لديه نية قبل الميقات ولم يفسخها.
الطالب: بس ما استحضرها.
الشيخ: أقول: ولم يفسخها.
الطالب: كيف ولم يفسخها؟
الشيخ: إي نعم (... ) على النية الأولى.
الطالب: لا ما (... ).
الشيخ: فيبنى على النية الأولى؛ لأن الأصل استصحاب الحكم.
الطالب: أقول يا شيخ: ما يقال إعادة الطواف؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: يعني هو طاف ما استحضر النية.
الشيخ: لكن بنى على أصل لم يثبت زواله.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، كثير من الناس اليوم إذا ما (... ) يعني يدخل في الحج ولا ينوي أي شيء، يعني العوام ما يدري هل هو مُفْرِد أو متمتِّع أو..
الشيخ: هذا أشبه ما له الذي يقول: أحرمت بما أحرم به فلان؛ لأنه يتبع إخوانه اللي مشوا.
الطالب: لا يكون، ما يدري مثلًا (... ).
الشيخ: الذي نرى أن هذا يُفْتَى بأن إحرامه صحيح؛ لأنه عيَّن ما أراد إخوانه أصحابه اللي معه.
طالب: الطواف أو السعي راكبًا هل لا بد أن يكون من عذر؟
الشيخ: إي نعم، هذا فيه خلاف بين العلماء.
الطالب: الراجح؟
الشيخ: السؤال يقول: هل يجوز الطواف راكبًا أو السعي راكبًا، الركوب متعذر اليوم، لكن يمكن يكون محمولًا أو على عربية، فهذه فيها خلاف بين العلماء.
ثم يُصَلِّي رَكعتينِ خَلْفَ الْمَقامِ.
(فصلٌ) ثم يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ، ويَخْرُجُ إلى الصفا من بابِه فيَرْقَاه حتى يَرَى البيتَ ويُكَبِّرُ ثلاثًا ويَقولُ ما وَرَدَ، ثم يَنْزِلُ ماشيًا إلى العَلَمِ الأَوَّلِ، ثم يَسْعَى شديدًا إلى الآخَرِ، ثم يَمْشِي ويَرْقَى الْمَروةَ ويَقولُ ما قالَه على الصَّفَا، ثم يَنزِلُ فيَمْشِي في مَوْضِعِ مَشْيِه ويَسْعَى في مَوْضِعِ سَعْيِه إلى الصفا يَفعلُ ذلك سبعًا: ذهابُه سَعيةٌ ورُجوعُه سَعيةٌ، فإن بَدَأَ بالْمَروةِ سَقَطَ الشوطُ الأَوَّلُ، وتُسَنُّ فيهُ الطهارة والستارةُ والْمُوالاةُ، ثم إن كان مُتَمَتِّعًا لا هَدْيَ معه قَصَّرَ من شَعْرِه وتَحَلَّلَ، وإلا حَلَّ إذا حَجَّ والْمُتَمَتِّعُ إذا شَرَعَ في الطوافِ قَطَعَ التَّلبيةَ.
(بابُ صِفةِ الْحَجِّ والعُمرةِ)
يُسَنُّ للمُحِلِّينَ بِمَكَّةَ الإحرامُ بالْحَجِّ يومَ الترويةِ قبلَ الزوالِ منها ويُجْزِئُ من بَقِيَّةِ الْحَرَمِ، ويَبيتُ بِمِنًى، فإذا طَلَعَت الشمسُ سارَ إلى عَرفةَ، وكُلُّها مَوْقِفٌ إلا بَطْنَ عُرَنَةَ، طالب: بسم الله الرحمن الرحيم
ومن ترك شيئًا من الطواف، أو لم ينوه، أو نسكه، أو طاف على الشاذروان، أو جدار الحجر، أو عريان، أو نجسًا؛ لم يصح، ثم يصلي ركعتين خلف المقام.
فصل
ثم يستلم الْحَجَر، ويخرج إلى الصفا من بابه، فيرقاه حتى يرى البيت، ويكبر ثلاثًا ويقول ما ورد، ثم ينزل ماشيًا إلى العلم الأول، ثم يسعى شديدًا إلى الآخر، ثم يمشي ويرقى المروة ويقول ما قاله على الصفا، ثم ينزل فيمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه إلى الصفا، يفعل ذلك سبعًا: ذهابه سعيه، ورجوعه سعيه، فإذا بدأ بالمروة سقط الشوط الأول، وتُسن فيه الطهارة والستارة والموالاة.
ثم إن كان متمتعًا لا هدي معه قصَّر من شعره وتحلل، وإلا حل إذا حج، والمتمتع إذا شرع في الطواف قطع التلبية.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا أنه يشترط للطواف أن ينويه، وأن يُعيِّن النسك قبله، وأنه يُشترط أن يستر عورته، وأن يكون مُتطهِّرًا من النجاسة، وأن يستوعب جميع الكعبة، ومنها الحجر، وأن يجعل البيت عن يساره.
ولم يذكر المؤلف -رحمه الله- ما إذا طاف مُحدِثًا اكتفاءً بما سبق في نواقض الوضوء، حيث قال: (ويحرم على المحدث مس المصحف، والصلاة، والطواف).
وعلى هذا فيشترط في الطواف أن يكون متطهرًا من الحدث الأصغر والأكبر.
ودليل ذلك: حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ فِيهِ الْكَلَامَ» (1).
وقول الله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: 26].
وهذا هو الذي عليه جمهور أهل العلم: أنه لا بد أن يكون متطهرًا من الحدث الأصغر والأكبر، واستدلوا أيضًا بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعائشة: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَلَّا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» (2).
وبقوله حين أراد أن ينفر، فقيل له: إن صفية قد حاضتْ، قال: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ »، قالوا: إنها قد أفاضت، قال: «فَانْفِرُوا» (3).
وذهب شيخ الإسلام -رحمه الله- إلى أنه لا يُشترط الوضوء للطواف.
وأجاب عن هذه الأدلة بأن قوله: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ فِيهِ الْكَلَامَ» لا يصح مرفوعًا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن معناه لا يصح، إذ إنه قال فيه: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ فِيهِ الْكَلَامَ»، والاستثناء عند الأصوليين معيار العموم؛ يعني أنه إذا جاء شيءٌ واستُثني منه شيءٌ دلَّ ذلك على أن بقية الصور غير المستثنى داخلة في المستثنى منه، فيكون عامًّا إلا في الصورة المستثناة.
وهذا لا يصح أن يقال: إن الطواف بالبيت صلاة في كل شيء إلا في الكلام؛ وذلك لأنه يُخالف الصلاة في أشياء كثيرة سوى الكلام، فمن ذلك أنه لا يُشترط فيه القيام، والصلاة يُشترط فيها القيام؛ يعني لو طاف يزحف فإن طوافه صحيح.
ومن ذلك أنه لا يُشترط له تكبير، والصلاة يُشترط لها تكبيرة الإحرام، ومن ذلك أنه لا يشترط له استقبال القِبلة، بل لا بد أن يكون البيت عن يساره.
وإن كان هذا قد يقول قائل: إن كونه عن يساره كاستقبال القبلة في أنه لا بد أن يكون البيت عن جهة من بدنه.
ومنها: أنه لا تشترط فيه القراءة لا الفاتحة ولا غيرها، بل لا يسن فيه أن يقرأ الفاتحة بعينها وسورةً معها.
ومنها: أنه ليس فيه ركوع ولا سجود، ولا يجب فيه تسبيحٌ بالله العظيم، أو بالله الأعلى.
ومنها: أنه يجوز فيه الأكل والشرب، والصلاة لا يجوز فيها الأكل والشرب.
ومنها: أنه لا يبطله التبسُّم (الضحك)، والصلاة يبطلها الضحك.
ومنها: أنها لا تشترط فيه الموالاة على رأي كثير من العلماء، والصلاة يشترط فيها.
ولو أنك تأملت لوجدت أنه يخالف الصلاة في أكثر الأحكام، وكلام الرسول عليه الصلاة والسلام لا بد أن يكون منضبطًا، لا ينتقض بصورة من الصور.
وأما الاستدلال بقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: 26] فنقول: إنه لا يلزم من تطهير المسجد من الخبث أن يكون الإنسان الذي يطوف بالبيت طاهرًا من الحدث؛ لأنه لو لزم من ذلك لقلنا: يجب على الإنسان أن يتطهر لدخول المسجد الحرام، وإن لم يُرد الطواف، ولو كان كذلك أيضًا لكان مناقضًا لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ» (4).
وأما حديث عائشة وحديث صفية، فليس العلة عدم الطهارة، إنما العلة عدم جواز المكث في المسجد من الحائض، وهذا لا يستلزم وجوب الطهارة في الطواف؛ ولهذا كان القول الراجح أن المرأة الحائض إذا اضطرت إلى طواف الإفاضة في حال حيضها كان ذلك جائزًا، لكنها تتوقى ما يخشى منه تنجيس المسجد بأن تستثفر؛ أي: تجعل الحفاضة -كما يسمونها- على فرجها؛ لئلا يسيل الدم فيلوث المسجد.
وعليه، فالقول الراجح الذي تطمئن إليه النفس أنه لا يشترط في الطواف الطهارة من الحدث الأصغر، لكنها -بلا شك- أفضل وأكمل، وأتبع للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا ينبغي أن يخل بها الإنسان لمخالفة جمهور العلماء في ذلك، لكن أحيانًا يضطر الإنسان إلى القول بما ذهب إليه شيخ الإسلام.
مثل: لو أحدث في أثناء طوافه في زحام شديد، فإن القول بأنه يلزمه أن يذهب ويتوضأ، ثم يأتي في هذا الزحام الشديد -ولا سيما إذا كان لم يبقَ عليه إلا بعض شوط- فيه مشقة شديدة، وما كان فيه مشقة شديدة، ولم يظهر فيه النص ظهورًا بيِّنًا، فإنه لا ينبغي أن نلزم الناس به، بل نتبع ما هو الأسهل والأيسر؛ لأن إلزام الناس بما فيه مشقة بغير دليل واضح منافٍ لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185].