وله أيضًا مِن الأعمال -أعمال العباد القولية والفعلية- له أيش؟ الطَّيبُ، لا يَقبلُ إلا طيبًا، فإن الطَّيبَ لا يليقُ به إلا الطَّيب، ولا يقدم له إلا الطيب، وقد قال الله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور: 26]، فهذه سُنَّةُ الله عزّ وجل.
فهل أنت أيُّها المصلِّي تستحضر وأنت تقول: (الطيبات لله) تستحضر هذه المعاني، أو تقولها على أنها ذِكْرٌ وثناء؟
أغلبُ النَّاسِ على الثاني، ما يستحضر عندما يقول: (الطيبات) أن الله طيِّب في ذاتِه وصفاتِه وأفعالِه وأقوالِه، وأنه لا يليقُ به إلا الطَّيب مِن الأقوال والأفعال الصَّادرة مِن الخَلْقِ، معلوم هذا؟
ضدُّ الطَّيِّب شيئان: الخبيث، وما ليس بطيب ولا خبيث؛ لأن الله تعالى له الأوصاف العُليا، ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [الروم: 27]، فلا يُمكنُ أن يكون في أوصافه أو أفعاله ما ليس بطيب ولا خبيث، بل كُلُّ أفعالِه وأقوالِه وصفاتِه كلُّها طيبة.
أما ما يصدرُ مِن الخَلْق؛ فنعم منه ما هو طيِّبٌ، ومنه ما هو خبيثٌ، ومنه ما ليس كذلك، لكن ما الذي يَصعد إلى الله ويُرفع إلى الله؟
﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: 10]، وما ليس بطيِّبٍ فهو إلى الأرض، ما يصعدُ إلى السَّماءِ.
ثم قال: (السلام عليك أيها النبي) (السَّلام) قيل: إنَّ المراد بالسَّلامِ: اسمُ الله عزّ وجل؛ لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنَّ اللَّهَ هو السَّلامُ» (6)، كما قال عزّ وجل في كتابه: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ﴾ [الحشر: 23]، وبناءً على هذا القول ما معنى كون السلام على الرسول؟ ما معناه؟ أي: بالحِفظ والكَلاءة والعناية وغير ذلك، فكأننا نقول: اللَّهُ عليك، أي: رقيب حافظ مُعْتَنٍ بك، وما أشبه ذلك.
وقيل: السلام: اسم مصدر سَلَّمَ، بمعنى أيش؟ إذا قلنا: السلام: اسم مصدر سَلَّمَ، بمعنى أيش؟
طالب: (... ).
الشيخ: بمعنى التَّسليم يا أخي، إذا قلت: كلام اسم مصدر من كَلَّمَ، ويش يصير معنى كلام؟
طلبة: تكليم.
الشيخ: تكليم.
سلام اسم مصدر سَلَّم إذن بمعنى تسليم، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]، فما معنى التسليم على الرسول صلّى الله عليه وسلّم؟ معناه: أننا ندعو له بالسَّلامة مِن كُلِّ آفة.
إذا قال قائل: قد يكون هذا الدُّعاء في حياته عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ واضحًا، لكن بعد مماته كيف ندعو له بالسَّلامةِ وقد مات صلّى الله عليه وسلّم؟
الجواب أن نقول: ليس الموت تكون به السلامة، الموت لا تكون به السلامة، هناك أهوال يوم القيامة، ولهذا كان دعاء الرُّسل إذا عَبَرَ النَّاسُ على الصِّراط يقولون: اللَّهُمَّ سَلِّمْ؛ اللهم سَلِّمْ (7)، فلا ينتهي المرءُ مِن المخاوف والآفات بمجرد موته، هذه واحدة.
إذن ندعو للرَّسول صلّى الله عليه وسلّم بالسَّلامةِ من هول الموقف ومن خوفه.
ونقول أيضًا: قد يكون بمعنًى أعم، السَّلامَ على شرعِه وسُنَّتِهِ؛ كما قال العلماءُ: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59]، قالوا: إليه في حياته، وإلى سُنَّتِهِ بعد وفاته، فيكون دعاؤك بالسلام على محمد صلى الله عليه وسلم بعد موته دعاءً بسلامة شرعة وسنته من أن تنالها أيدي العابثين.
ثم قوله: (السَّلامُ عَلَيْك أيُّهَا النَّبيُّ) هل هو خَبَرٌ أو دعاءٌ؟ يعني: هل أنت تخبر بأن الرسولَ مُسَلَّمٌ، ولا تدعو بأن الله يُسلِّمُه؟
تدعو بأنَّ الله يُسلِّمُه، إذن هو خَبَرٌ بمعنى الطلب فكأنه من صفاتك اللازمة أو من الأمر المستقر أن تدعو للرسول صلى الله عليه وسلم بالسلامة من كل آفة، وعلى الوجه الثاني ولسنته وشريعته أيضًا بالسلامة من كل آفة.
ثم هنا يقول: (السَّلامُ عَلَيْك) فهل هذا خطاب للرَّسول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ كخطابِ النَّاسِ بعضهم بعضًا؟
الجواب: لا، لو كان كذلك لبطلت الصَّلاة به؛ لأن هذه الصلاة لا يصحُّ فيها شيء من كلام الآدميين، ولكن كما قال شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم: لقوَّة استحضارك للرسول عليه الصَّلاةُ والسَّلام حين السَّلامِ عليه، كأنه أمامك تخاطبه، ولهذا كان الصَّحابةُ يقولون: السلام عليك، وهو لا يسمعهم، ويقولون: السلام عليك، وهم في بلد وهو في بلد، ونحن نقول: السلام عليك، ونحن في بلد غير الذي توفي فيه وهو أيضًا قد توفي، فليس هذا من باب الخطاب المعتاد بين الناس، ولذلك نقول: إنه يقول السلام عليك أيها النبي في حياته وبعد وفاته.
وأما ما وَرَدَ في صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنهم كانوا يقولون بعد وفاة الرسول صلّى الله عليه وسلّم: السَّلامُ على النَّبيِّ ورحمة الله وبركاته (8) فهذا مِن اجتهاداتِه رضي الله عنه التي خالَفه فيها مَنْ هو أعلمُ منه؛ عُمرُ بن الخطَّاب رضي الله عنه، فإنه خَطَبَ النَّاسَ على مِنبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال في التشهُّدِ: السَّلامُ عليك أيُّها النبيُّ ورحمة الله (9) كما رواه مالك في الموطأ بسَنَدٍ من أصحِّ الأسانيد، قاله عُمرُ بمحضر الصَّحابة رضي الله عنهم، وأقرُّوه على ذلك.
ثم إن الرَّسولَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ علَّم أمَّته، علمها، حتى إنه كان يُعَلِّم ابنَ مسعود وكَفُّه بين كفَّيه، من أجل أن يستحضر هذا اللَّفظَ، وكان يُعلِّمُهم إيَّاه كما يُعلِّمُهم السُّورة من القرآن، وهو يعلم أنه سيموت؛ لأن الله قال له: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30]، ولم يقلْ: بعد موتي قولوا: السَّلامُ على النَّبيِّ، بل عَلَّمَهم التشهُّدَ بهذا اللفظ كما يُعلِّمُهم السُّورةَ من القرآن بلفظها، وعلى هذا فيكون ما جاء عن ابن مسعود اجتهادًا منه خالفه فيه من هو أعلم منه من الصحابة رضي الله عنهم، فلا يُعَوَّلُ عليه، بل يُقال: (السَّلامُ عليك أيُّها النبيُّ).
وقوله: (أيُّها النبيُّ) هذه مُنادى حُذفت منه ياء النداء، والأصل: يا أيها النبيُّ، وحُذفت ياء النداء لكثرة الاستعمال والتخفيف، والبداءة بالإشارة أو بالكناية لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
وقوله: (أيُّها النبيُّ) يُقال: النَّبيءُ، ويقال: النَّبيُّ، أمّا إذا قيل: النبيء فهو فعيل مِن النبأ بمعنى الخَبَر، لكنه فعيل بمعنى فاعل أو مفعول؟
بمعناهما جميعا؛ فهو منبِئ ومنبَأ، أليس كذلك؟ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: 1، 2]، فهو منبِئ منبَأ، هذا إذا كانت بالهمز.
وإن كانت بالتخفيف أو بالتسهيل: النَّبيُّ، فإما أن تكون أصلها مهموزًا وحُذفت الهمزة تخفيفًا، وإمَّا أن تكون من (النَّبْوَة) وهي الارتفاع، وسُمِّيَ بذلك لارتفاع رُتبته صلّى الله عليه وسلّم.
ألا يمكن أن نقول: إنها (النَّبيّ) بالياء، من الأمرين جميعًا؟ من النَّبْوَة وهو الارتفاع، ولّا من النبأ وهو الخبر؟ يمكن ولّا ما يمكن؟
يمكن، وقد مر علينا مثل هذه المعاني، وذكرنا قاعدة مفيدة، وهي أن اللفظ إذا احتمل معنيين لا يتنافيان حُمل عليهما جميعًا، ولا شَكَّ أن الرسولَ صلّى الله عليه وسلّم مقامُه أرفع المقامات، وأنه مُنَبَّأ ومُنْبِئ.
(أيُّهَا النَّبيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ) (رحمة) معطوفة على (السَّلام)؛ يعني: ورحمة الله عليك، إذن الخبر محذوف، ويجوز أن يكون مِن باب عطف المفرد على المفرد.
الرحمة إذا قُرنت بالمغفرة أو بالسَّلامِ صار لها معنًى، وإن أُفردت صار لها معنى آخر، إذا قُرنت بالمغفرة أو بالسلام صار المراد بها: ما يحصُل به المطلوب، والمغفرة والسلام: ما يزول به المرهوب، وإن أُفردت شملت الأمرين جميعًا، فأنت بعد أن دعوت لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالسَّلام دعوت له بالرَّحمة؛ ليحصُل له المطلوبُ ويزول عنه المرهوب.
فإن قال قائل: لماذا بدأ بالسَّلام قبل الرحمة؟
فالجواب: أنَّ التَّخلية قبل التحلية، التحلية أيش؟ ما هي تحلية الماء، التَّحلية: ذِكْرُ الأوصاف الكاملة، والتخلية: السَّلامة من النقائص، فنبدأ بطلب السلامة أولًا، ثم بطلب الرحمة.
(السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) بركاته: جمع بَرَكَة، وهي الخير الكثير الثَّابت؛ لأن أصلها من الْبِرْكة، والْبِرْكة ماؤها كثير، أو الإناء أكثر منها؟
طالب: البركة.
الشيخ: ماؤها كثير، ثابت ولّا متحرك؟
طالب: ثابت.
الشيخ: ثابت، هذا الأصل؛ لأن البركة وعاء كبير للماء، فما معنى البركات؟ البركات هي: النَّمَاءُ والزِّيادة، في أيش؟ في كلِّ شيء من الخير، فما هي البركات التي تعود على الرَّسول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بعد موته؟ ففي حياته معروف ممكن يُبارك له في طعامه، في شرابه، في كسوته، في أهله.
بعد موته البركة بكثرة أتباعه، وما يُتَّبع فيه، كثرة أتباعه إذا قَدَّرنا أن شخصًا أتباعه مليون رَجُل، وصار أتباعه مليونين هذه بَرَكَة ولّا لا؟ زيادة.
إذا قَدَّرْنا أن الأتباع يتطوَّعون بعشر ركعات، وبعضهم بعشرين ركعة، صار في الثاني زيادة، إذن فأنا أدعو للرسول عليه الصلاة والسلّام بالبَرَكَة وهذا يستلزم دعائي بكَثْرَة أتباعه، وكَثْرَة عمل أتباعه؛ لأنّ كلَّ عمل صالح يفعلهُ أتباع الرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فله مثل أجورهم إلى يوم القيامة.
وأقول استطرادًا: إن هذا أحد الأوجه التي يُرَدُّ بها على من يهدون ثواب القُرَب إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ لأن بعض المحبِّين للرَّسُول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ يهدون إليه القُرَب؛ يقول: أهدي للرسول ختمة، أهدي للرسول الفاتحة، الفاتحة على روح محمَّد، وما أشبه ذلك، نقول: هذا من البدع ومن الضلال، أسألك أيُّها المُهْدي للرسول عبادة، هل أنت أشدُّ حُبًّا للرسول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ من أبي بكر للرسول؟
إن قال: نعم، قلنا: كذبت، ثم كذبت، ثم كذبت.
وإن قال: لا، قلنا: (... ) أبو بكر، أنت الآن تنقصت أبا بكر، لماذا لم يُهْدِ أبو بكر رضي الله عنه للرسول عليه الصلاة والسلام ختمة ولّا فاتحة ولّا غيرها؟ فهذا بدعة، ثم هو من السفه، عملك الآن وإن لم تُهْدِ ثوابه سيكون للرَّسول صلّى الله عليه وسلّم مثله، فإذا أهديت الثَّوابَ، فمعناه أنك حرمت نفسك من الثواب فقط، وإلاَّ فللرسول مثل عملك، أهديت أم لم تُهْدِ.
إذن يدخل في البركات ما تتضمنه البركة من كثرة أتباعه ومن كثرة العمل الصالح من أتباعه ولّا لا؟
(السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ) نقول في السلام كما قلنا في الأول، وأما (علينا) من نحن؟ ويش تستحضر أنت إذا قلت: السلام علينا؟
طالب: المؤمنين.
الشيخ: نحن صلينا المغرب اليوم وصلينا راتبة المغرب، ما الذي استحضرتم حينما قلتم: السلام علينا؟ اصدقوني بارك الله فيكم.
طلبة: ما استحضرنا.
الشيخ: ما تستحضرون من شيء إلا أنه تشهد يقال، مفروضٌ.
(علينا) (نا) لا شَكَّ أنها لا يُراد بها الشخص نفسه فقط، وإنما يُراد بها الشَّخص ومَن معه، فمن الذي معه؟
قيل: المصلُّون، وقيل: الملائكة، وقيل: المراد جميع الأُمَّة المحمَّدية، علينا معشر الأمة، وهذا القول الأخير أصحُّ، علينا نحن معشر هذه الأمة، فكما دعونا لنبينا محمَّد عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بالسَّلامِ ندعو أيضًا لأنفسنا بالسَّلام؛ لأننا أتباعه، وهذا هو الأصح، وبعضهم قال: (علينا) أي: على المصلين، وعلى الملائكة، لكن هذا ينتقض بما إذا صلى الإنسان وحده مفردًا، فإنه ليس معه مصلٍّ، أما الملائكة فنعم، هم مع الإنسان على كل حال.
(السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) هذا تعميم بعد تخصيص؛ صح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: عباد الله الصالحين من هم؟
طلبة: كلهم.
الشيخ: كُلُّ عبدٍ صالح في السماء والأرض؛ حيّ ولّا ميِّت، من الآدميين والملائكة والجِنِّ، كل عبد صالح، إذن تعميم بعد تخصيص ولّا تخصيص بعد تعميم؟
طلبة: تعميم بعد تخصيص.
الشيخ: تعميم بعد تخصيص، والدعاء ينبغي فيه البسط.
عباد الله الصالحون هم الذين تعبَّدوا لله؛ أي: تذلَّلوا له بالطاعة امتثالًا للأمر واجتنابًا للنهي، وأفضل وَصْفٍ يتَّصف به الإنسان أن يكون عبدًا لله، ولهذا ذَكَرَ اللهُ وَصْفَ رسوله صلى الله عليه وسلم بالعبودية في أعلى مقاماته ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: 1]، الإسراء والمعراج مِن أفضل ما يكون من المقامات للرسول صلّى الله عليه وسلّم، قال في سورة النجم: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: 10]، الإسراء ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾، المعراج ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ﴾.
وقال ذلك في مقام الدِّفاع عنه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: 23]، وقال بذلك في مقام التنزيل عليه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: 1] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: 1].
فالحاصل: أن أشرف وصف للإنسان أن يكون عبدًا لله، أسأل الله أن يحقِّق ذلك لي ولكم، أن يكون عبدًا لله حقيقة لا عبدًا لهواه، يقول إذا سَمِعَ أَمْرَ رَبِّه: سمعنا وأطعنا، إذا سَمِعَ نهيه: سمعنا وَتَجَنَّبْنَا، هذا أشرف ما يكون للإنسان.
عباد الله الصالحون هم الذين صَلحتْ سرائرُهم وظواهرُهم، صَلحتْ السرائر والظواهر، السرائر: بإخلاص العبادة لله، والظَّواهر: بمتابعة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
هؤلاء هم الصَّالحون، ضِدُّ ذلك عباد الله الفاسدون، إما بالسَّرائر، وإما بالظَّواهر، فالمشركُ فاسدُ السَّريرة، والمبتدعُ فاسدُ الظَّاهر؛ لأنَّ بعض المبتدعة يريد الخيرَ، لكنه فاسدُ الظَّاهر، ما مشى على الطَّريق الذي رَسَمَهُ الرسولُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ.
والمشركُ فاسدُ الباطن، ولو عَمِلَ عملًا ظاهرُه الصِّحة والصَّلاح فهو فاسدُ الباطن، مثل المرائي، عباد الله الصالحون إذن الذين صَلُحتْ أيش؟ سرائرُهم، بماذا؟
طالب: بالإخلاص.
الشيخ: بالإخلاص لله، وظواهرُهم بمتابعة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
قلت: ضد ذلك العباد الفاسدون، هل هناك عباد فاسدون لله؟
إي نعم؛ كُلُّ مَنْ في السماوات والأرض فهو عبد لله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: 93]، ومن ذلك الكفار، الكُفَّار عبيد لله، لكن عبيد بالعبودية الكونية القدرية، لا بالعبودية الشرعية.
(أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) (أشهد) الشهادة هذه أبلغ مِن قول: أُخْبِر؛ لأن الخبر قد يكون عن سماع، والشهادة تكون عن قَطْعٍ، كأنما يشاهد الإنسانُ بعينيه.
(أَشْهَدُ أَنْ لاَ إلهَ إلاَّ اللَّهُ) جملة معترضة: يقول بعض الناس: أشهد أنَّ لا إله إلا الله، (أنَّ)، أسمعها كثيرًا، أشهد أنَّ لا إله إلا الله، هذا خطأ من حيث اللغة العربية؛ لأن (أنَّ) لا تكون بمثل هذا التركيب، الذي يكون بمثل هذا التركيب ما هو؟ (أنْ) المخفَّفة مِن الثقيلة؛ لأن (أنْ) هنا مخفَّفة مِن الثقيلة ولا يمكن أن تكون هي الثقيلة، وجملة (لا إله إلا الله) في مَحلِّ رَفْعِ خبرها، واسمُها ضمير الشأن محذوف وجوبًا.
إذن النُّطقُ الصحيحُ: أشهد أنْ لا إله إلا الله، أما (أنَّ) فليس بصحيح.
وقوله: (لا إله إلا الله) هذه كلمةُ التوحيد التي بعثَ اللهُ بها جميعَ الرُّسلِ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25]، وبها يكون تحقيق توحيد الألوهية، وإن شئت فقل: تحقيق توحيد العِبادة، وهما بمعنى واحد، لكن يُسمَّى توحيدُ الألوهية باعتبار إضافته إلى الله، توحيد العِبادة باعتبار إضافته إلى العبد، وإلا فالمعنى واحد.
(لا إله إلا الله) أي: لا معبود حقٌّ إلا الله، لماذا فَسَّرْناها بهذا التفسير؛ لأن (إله) فِعَال بمعنى مفعول، والمألوه: هو المعبود حُبًّا وتعظيمًا، وخبر (لا) محذوف تقديره: حق، لا إله حَقٌّ إلا الله، (الله) بدل مِن الخبر المحذوف، ومعنى هذه الجملة العظيمة أنه لا معبود حقٌّ سوى الله عزّ وجل.
أما المعبود وليس بحقٍّ فقد يعبد غير الله، بل قد عُبِد غير الله، عبدت الأشجار والأحجار والحيوان والشمس والقمر والنجوم والآدميون والفروج، واحد يعبد الفرج، فرج المرأة، نسأل الله العافية، وعُبِدَت البقر، البقر تُعبد، والإنسان إذا أريد أن يضرب به المثل في البلاهة ويش قال له: يا بقرة، ومع ذلك تعبد هذه البقرة، اللهم لك الحمد على كل حال، كل ما عبد من دون الله فهو باطل، وإنْ سُمِّيَ إلهًا، ولهذا قال الله عزّ وجل: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ [لقمان: 30]، وفي الآية الأخرى: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: 62]، ولا بطلان أعظم مِن بطلانه، وقال الله تعالى يخاطب الذين يَعْبُدون مِن دون الله: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: 23]، أين ذكرت هذه؟
طلبة: في النجم.
الشيخ: في سورة النجم، ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: 19 - 23]، وليست حقائق، بل هي مجرَّد أسماء، وأما (الله) فهي علم على الرب عز وجل.
(أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) أن محمدًا هو ابن عبد الله بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، بَعَثَهُ اللَّهُ عزّ وجل بمكَّة أمِّ القرى، وأحبّ البلاد إلى الله، وهاجر إلى المدينة، وتُوفِّي فيها صلّى الله عليه وسلّم.
(أشهد أن محمدًا عبده) لا شريكه في ملكه، فليس لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم شَرِكَة في مِلْكِ الله أبدًا، وهو بَشَرٌ مثلُنا تميَّز عنا بالوحي، وبما جَبَلَه الله عليه مِن العبادة والأخلاق، قال النَّبيُّ عليه الصلاة والسلام: «إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ» (10)، وقال الله له: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: 50]، ويش وظيفته؟ ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: 50]، وقال له في آية آخرى: ﴿قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ رَشَدًا﴾ [الجن: 21]، زد على ذلك: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الجن: 22]، لو أرَادَ اللَّهُ به سوءًا ما مَنَعَه أحدٌ، فهو عَبْدٌ، وهو صلّى الله عليه وسلّم أحق الناس عبودية وأشدُّهم تعبدا لله، حتى إنه كان يقوم لله عزّ وجل حتى تتورَّمَ قدماه، فيُقال له: لقد غَفَرَ الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر، فيقول: «أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا» (11)، فكان عليه الصلاة والسلام أشد الناس عبادة لله.
يقول: (ورسولُهُ) رسوله أرسله الله عزّ وجل وجعله واسطة بينه وبين الخَلْق في تبليغ شرعه فقط، فهو الواسطة بيننا وبين ربنا سبحانه وتعالى في العلم بشرع الله، إذْ لولا رسول الله ما عرفنا كيف نعبد الله عزّ وجل، فكان عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ رسولًا مِن الله إلى الخَلْقِ، ونِعْمَ الرسول، ونِعْمَ المرسِل، ونعم المرسَل به، فالنبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ هو رسولٌ مرسلٌ مِنَ الله، وهو أفضل الرُّسل، وخاتم الرُّسل، وإمام الرُّسل صلّى الله عليه وسلّم، ولهذا لما جُمِعُوا له ليلة المعراج تقدَّمهم إمامًا مع أنه آخرهم عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ.
نأخذ من هذين الوصفين لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم ضلالُ طائفتين ضَلَّتا فيهما، طائفة ظَنَّتْ أنَّ له حقًّا في الرُّبوبية، فصارت تدعو الرَّسولَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وصار تعظيمُ الرسول صلّى الله عليه وسلّم في قلوبها أشدَّ مِن تعظيم الله، نعوذ بالله، حتى إنه إذا ذُكِرَ الرَّسولُ اقشعرت جلودهم؛ ثم تلين كأنما ذكر الله، وإذا ذُكِرَ الله، وإذا هو كالماء البارد على جلودهم، لا يتحرَّكون، هؤلاء أشركوا بالرَّسولَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، بل جعلوه أعظم مِن الله عزّ وجل.
الطائفة الثانية عكس هذه الطائفة، كذبت الرسول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقالت: ليس برسول، إمَّا أنه كاذب في أصل الرِّسالة، كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [ص: 24]، وإما أنه كاذب في تعميم الرسالة، كما يقول النَّصارى الذين يداهنون المسلمين، وانخدعَ بهم بعضُ العرب، قالوا: محمدٌ رسول لكن إلى العرب فقط ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ [الجمعة: 2]، وهم يقولون: نحن لسنا بأميين، نحن مِن بني إسرائيل مِن أهل الكتاب، وما لنا وللأميين ﴿بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ﴾ عرفتم كيف التلبيس؟ فقالوا: نؤمن بأن محمدًا رسول لكن إليكم أيها الأميون، أما نحن لا.
النصارى يقولون: رسولنا عيسى، ويَغْلُون به حتى يجعلونه إلهًا مع الله، واليهود يقولون: عيسى كاذبٌ، ابن زانية -والعياذ بالله- مقتولٌ مصلوبٌ، ونبيهم موسى، وأئمة الكفر لهم أقوال شنيعة -والعياذ بالله- في الرسل.
على كُل حال نقول لمن ادعى خصوصية رسالة الرَّسول عليه الصَّلاةُ والسَّلام في العرب، نقول: هل تؤمن بأنه رسول؟ إذا قال: نعم، هل الرسول يكذب؟ إنْ قال: نعم، بطلت شهادتُه، الرَّسولُ ما يكذب، وإنْ قال: لا، قلنا: اقرأ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: 158]، أما أن تُلبِّس وتأتي بآيات متشابهة فإنك أحقُّ مَنْ يدخلُ في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: 7].
طالب: (... ) السلام عليك يا أيها (... ).
الشيخ: والله الجواز يجوز، لكن الاقتصار على الوارد أفضل بلا شك.
الطالب: ما ينكر على الإخوة..
الشيخ: لا، ينبهون.
طالب: (... ).
الشيخ: ما هو بالظاهر، الظاهر أنه بعد.
طالب: فيه رواية (... ).
الشيخ: على كل حال إذا ثبتت فلا مانع.
طالب: (... ) في قوله بدعاء الاستفتاح: لا معبود سواه (... ).
الشيخ: لا، بعض الناس يقول في الاستفتاح: ولا إله غيره ولا معبود سواه، ما حاجة؛ لأن (لا إله غيره) هي (لا معبود سواه).
طالب: (... ).
الشيخ: ويش تقولون يا جماعة؟ يقول: هل يجوز أن نسكن النون؟ يعني هل يجوز الإظهار في موضع الإدغام هذا المعنى، كذا؟
الطالب: نعم، أشهد أنْ لا إله إلا الله.
الشيخ: ما تقولون؟ نقول: يجوز ما فيه مانع؛ لأن كل علم التجويد تحسين، ما فيه شيء واجب، تحسين لفظ، وعلى هذا فيجوز أن نقول: أشهد أنْ لا إله إلا الله وأشهد ألَّا إله إلا الله، ولا نقول: أشهد أنَّ لا إله إلا الله، ترى هذا خطأ من حيث اللغة، أما العوام ما نقول: إنكم أخطأتم في التوحيد، لكن في اللغة ما يصح.
طالب: شيخ أحسن الله إليك، أقول: يصح الأذان بقول المؤذن: أشهد أنَّ لا إله إلا الله؟
الشيخ: يصح؛ لأن هذا خطأ ما يتغير به المعنى.
طالب: جزاك الله خيرًا، بعض العامة يقولون: إنه إن دخل المسجد النبوي يحس بسكينة أكثر لو دخل المسجد الـ..
الشيخ: لأنه يسكن نفسه، هو يعتقد هذا، الآن ييجي يمك واحد ويسقيك ماء على العادة تشربه، وييجي يمك يقول: هذا ماء قرأ به شخص يرجى أن الله يستجيب دعاءه ويشفيك، وهو ما قربه أحد، ولا شربك (... ) والله بحمد الله وجدت خفة، وهو ما قربه أحد، لكن النفس لها انفعال.
طالب: (... ) رحمه الله تعالى: ويقول التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، هذا التشهد الأول، ثم يقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، ويستعيذ من عذاب جهنم وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال، ويدعو بما ورد، ثم يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره كذلك.
وإن كان في ثلاثية أو رباعية نهض مكبرًا بعد التشهد الأول.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
هل هذا له مفهوم عباد الله الصالحين، أو أن الصالحين صفة كاشفة لا مفهوم لها؟
طالب: أنا أسمعها تبيانًا، وما أفهمها.
الشيخ: الصفة الكاشفة اللي ما لها مفهوم، التي تبين السبب والعلة وهي ليس لها مفهوم، والصفة التي لها مفهوم هي التي تقيد الموصوف.
طالب: مثل أيش؟
الشيخ: مثل (... )، عباد الله -هنا- الصالحين، هل هو مقيد للموصوف الذي هو (عباد)، ولّا مُبَيِّن وكاشف بأن كل عبد فهو صالح؟
طالب: مُقيِّد.
الشيخ: مُقيِّد.
الطالب: لأنه فيه عباد الله غير صالحين.
الشيخ: لأن العباد بالمعنى العام يشمل الصالح وغير الصالح، ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: 93]، فإذن الصالحين صفة.
طالب: مُبيِّنة.
الشيخ: مبينة ولّا مقيِّدة؟
طلبة: مقيدة.
الشيخ: مقيدة، يخرج بها العباد الذين هم غير صالحين، كالكفار، هم عبيد لله لكنهم غير صالحين.
الصفة الكاشفة التي ليس لها مفهوم هي التي تكون كالتعليل والسبب، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 21]، ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ هل أحد يمكن أن يقول: هناك رب لم يخلقنا؟
طلبة: لا.
الشيخ: إذن ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ صفة مبيِّنة كاشفة؛ يعني كالعلة لما سبق، اعبدوه؛ لأنه الذي خلقكم، ومثل قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: 23]، ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ هذه صفة كاشفة؛ يعني مبيِّنة للعلة؛ يعني كأن الربائب -لأنها في حجرك- كأنها ابنتك، ولكنه ليس لها مفهوم.
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1]؛ يعني: وأما ربك غير الأعلى فلا تسبحه؟ لا، هذه صفة كاشفة، وأمثلتها كثيرة موجودة.
فعلى هذا نقول: (الصالحين) هنا صفة مقيّدة، فإن قال قائل: ما الأصل، الصفة المقيدة ولّا الكاشفة؟ فالأصل المقيدة، الأصل أن الوصف قيد في الموصوف.
قوله: (أشهد أن لا إله إلا الله) ما معنى لا إله إلا الله؟
طالب: أي لا معبود بحق إلا الله.
الشيخ: لا معبود حق إلا الله، أحسنت.
هل هناك أحد يعبد من دون الله؟ كثير.
طالب: الأحجار والأشجار وغيرها.
الشيخ: ويسمون آلهة؟
طالب: لأنهم معبودون؛ يعني يعبدون، فكل معبود فهو معبود.
الشيخ: فهو إله، ولكن يسمون آلهة وهي لا حقيقة لألوهيتها، ولهذا قالوا: ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ [الزخرف: 58]، وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: 5].
(أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) (أشهد أن محمدًا عبده ورسوله) تضمنت الرد على طائفتين منحرفتين.
طالب: الطائفة الأولى قدموا النبي صلى الله عليه وسلم في الرسالة، الطائفة الثانية تعميم الرسالة.
الشيخ: خطأ.
طالب: تقديس الرسول صلى الله عليه وسلم، ثانيًا تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: إي، هذا اللي قاله الأخ، إثبات الرسالة هي رد على من أنكروا رسالته.
طالب: الطائفة الأولى اعتقدت أن النبي صلى الله عليه وسلم له حق في الربوبية، الطائفة الثانية زعمت أن النبي صلى الله عليه وسلم (... ).
الشيخ: إذن رد على طائفتين؛ طائفة أنكرت رسالته إما مطلقًا أو على سبيل العموم؛ يعني أنكروها نهائيًّا، ما هو رسول، أو أنكروا عموم رسالته، هذه مأخوذة من قوله: (ورسوله)، طائفة أخرى غالت في الرسول عليه الصلاة والسلام حتى جعلته في منزلة الربوبية، يُرَد عليهم بقوله: عبد.
هل أشرف أوصاف الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون عبدًا لله؟
طالب: نعم.
الشيخ: ما الدليل؟
طالب: قول الله سبحانه وتعالى في أثناء المدافعة عليه: وإن كنت..
الشيخ: لأن الله وصفه بالعبودية في أعلى مراتبه، اذكرها.
طالب: في سورة..
الشيخ: لا تجيب الآيات، بس اذكر المراتب اللي إحنا قلنا.
طالب: وصفه الله بمرتبة العبودية في أثناء المدافعة عليه..
الشيخ: المدافعة عنه.
- عَلَم: طالب: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: 23].
- الكتاب: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: 1].
- المؤلف: (هذا التشهد الأول) (هذا) المشار إليه ما ذُكِرَ مِن قوله: (التحيات)، إلى قوله: (وأنَّ محمدًا عبدُه ورسوله)، واعْلَمْ أن الأحاديث وَرَدَتْ في التشهُّدِ على أكثر من وَجْهٍ، فما موقفنا مِن هذه الوجوه؟
الجواب على هذا أن نقول: إنَّ العلماء رحمهم الله اختلفوا في موقفنا من هذه الوجوه، هذا بعد أن نعلم أنه لا يمكن جَمْع الذِّكْرَين في آنٍ واحدٍ، أمَّا إذا كان يُمكن أن يجمعا في آنٍ واحدٍ فجمعُهما أولى، لكن إذا لم يمكن بأن يكون هناك قرينة تدلُّ على أن كلَّ واحد منهما يُقال بمفرده كما في دعاء الاستفتاح، وكما في التشهد، فالتشهُّدُ عَلَّمَه النبيُّ عليه الصلاة والسلام عبدَ الله بن عبَّاس، وعَلَّمَه عَبدَ الله بن مسعود، حديث عبد الله بن مسعود في الصحيحين، وحديثُ ابن عبَّاس في مسلم، وكلاهما صحيح، وليس بينهما إلا اختلاف يسير، مما يدلُّنا على أن كلَّ واحد منهما يُقال بمفرده، وأن هذا الاختلاف اليسير مما جاءت به السُّنَّةُ.
موقفنا في هذا أقول: إن العلماء اختلفوا، فمنهم من رَجَّح ومنهم من جمع، أما من رجح فقال: أرجح ما اتفق عليه الشيخان البخاري ومسلم، فأختار تشهد ابن مسعود، وأما من جمع فقال: كلاهما صحيح، ولكني أقول هذا مرة وأقول هذا مرة، وهذه الطريق أحسن من الطريق الأولى، أعني الجمع بين ما يمكن جمعه، مرة هذا ومرة هذا، وهي طريقة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وفي سلوكها فائدة بل أكثر، ففي سلوكها تحقيق اتباع السنة، حيث عملت بالوجهين، ولو رجحت لتركت العمل بوجه من وجوه السنة.
ثانيًا: في سلوك هذه الطريقة إحياء السنة؛ لأنك إذا لم تعمل بها نسيتها، فماتت، وهذا مشاهد، الآن اسأل كثيرًا من طلبة العلم كيف تشهد عبد الله بن عباس؟ لا يدري؛ لأنه لم يعمل به فكونك تعمل به يكون فيه إحياء السنة، هاتان فائدتان، الفائدة الثالثة أنه أدعى لحضور القلب، كيف ذلك؟ لأن الإنسان إذا راعى عند الذكر أن يختار هذا وهذا حضر قلبه، لكن إذا أمسك بوجه واحد من وجوه الذكر صار يقوله من دون شعور، كأنه عادة، وكما يقول أهل المكاين: أوتوماتيكيًّا.
ولذلك تجده يقرأ الفاتحة في الصلاة ما يدري (... )، يمكن بدون قصد، أليس كذلك؟ فإذا كان الإنسان يحس بأنه سيفعل هذا الوجه وهذا الوجه؛ صار ذلك أدعى لحضور قلبه، فصار في سلوك هذه الطريق ثلاث فوائد.
إذن الأفضل أن نقول: ما جاءت به السنة من التشهد، أحيانًا هذا وأحيانًا هذا، حتى نحفظ السنة.
يقول: (هذا التشهد الأول ثم يقول) (ثم يقول) في أي تشهد؟ في التشهد الأخير؛ لأن المؤلف لما فصل وقال: (ثم يقول) دلّ على أن ما يُقال بعد (ثم) لا يُقال في التشهد الأول، وعلى هذا فلا يُستحب أن تصلي على النبي في التشهُّد الأوَّل، لا يستحب، وهذا هو الذي مشى عليه المؤلِّف، وهو ظاهرُ السُّنَّة؛ لأنَّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم لم يُعلِّم ابنَ مسعود وابنَ عباس إلا هذا التشهُّد فقط، وقال ابنُ مسعود: كُنَّا نقولُ قبلَ أن يُفرضَ علينا التشهُّد، وذكر التشهد الأول فقط، ولم يَذكرِ الصَّلاةَ على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم.
وعلى هذا فلا يُسَنّ أن يصلي الإنسان على النبي صلّى الله عليه وسلّم في التشهد الأول؛ لأنه لو كان سُنَّةً لكان الرسول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ يعلِّمهم إيَّاه في التشهُّدِ.
وأما قولهم: يا رسولَ الله، علِمْنَا كيف نسلم عليك، فكيف نُصَلِّي عليك إذا نحن صَلَّينا عليك في صلاتِنا؟ (14)، فهو سؤال عن الكيفيَّة وليس فيه ذِكْرُ الموضع، وفَرْقٌ بين أن يُعَيَّنَ الموضع أو تُبَيَّنَ الكيفيَّة، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد: كان من هدي النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم تخفيف هذا التشهد، ثم ذكر الحديث أنه كان كأنما يجلس على الرضف -يعني الحجارة المحماة- من شدة تعجيله (15).
وهذا الحديث وإن كان في سنده نظر، لكن هو ظاهر السنة؛ أي أنه لا يزيد على هذا، وأظنه في صحيح ابن خزيمة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتشهد في هذا الجلوس ولا يَدْعو (16)، وقوله: لا يَدْعُو يشمل الدعاء بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والدعاء بالتعوذ من عذاب جهنم وعذاب القبر.
ومع ذلك لو أن أحدًا مِن النَّاس صَلَّى على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في هذا الموضع ما أنكرنا عليه، لكن لو سألنا أيُّما أحسن؟ قلنا: الاقتصار على التشهُّدِ فقط، ولكن لو أنه صَلَّى فلا يؤمر بالإعادة أو ينْهَ عن هذا الشيء؛ لأنه زيادة خير، وفيه احتمال -وإن كان ضعيفًا- أنه يصلى عليه في هذا المكان.
ثم يقول: (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد).
قال: (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ) (اللهم) معناها: يا الله، لكن حُذفت منها ياء النداء، وعُوِّضَ عنها الميم، وجُعِلت الميم في الآخر تيمُّنًا بالبداءة باسم الله عزّ وجل، وكانت ميمًا ولم تكن جيمًا ولا حاءً ولا خاءً؛ لأن الميم أدلُّ على الجَمْعِ، ولهذا تجتمع الشفتان فيها، فكأن الدَّاعي جمع قَلْبَه على رَبِّه ودعا، فقال: اللَّهُمَّ.
وعليه فنعرب (اللهم) نقول: (الله) منادى مبني على الضم في محل نصب، ومعنى (الله): أي: ذو الألوهية، الذي يَأْلَهُهُ كل من تعبد له سبحانه وتعالى.
(صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ) قوله: (صَلِّ على محمد)، قيل: إن الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الآدميين الدعاء.
فإذا قالوا: صلت عليه الملائكة؛ يعني: استغفرت له، وإذا قال: صلى عليه الخطيب؛ يعني: دعا له، وإذا قيل: صلى عليه الله؛ يعني: رحمه.
وهذا مشهور بين أهل العلم، لكن الصحيح خلاف ذلك، وأن الصلاة أخص من الرحمة، ولذا أجمع المسلمون على جواز الدعاء بالرحمة لكل مؤمن، واختلفوا: هل يصلى على غير الأنبياء؟ ولو كانت الصلاة بمعنى الرحمة لم يكن بينهما فرق، لكان كما ندعو لفلان بالرحمة نصلي عليه.
وأيضًا فقد قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: 157]، فعطف الرحمة على الصلوات، والعطف يقتضي المغايرة، فتبين بدلالة الآية الكريمة واستعمال العلماء رحمهم الله للصلاة في موضع والرحمة في موضع على أن الصلاة ليست هي الرحمة.
إذن فما هي؟ أحسن ما قيل فيها ما ذكره أبو العالية رحمه الله: أن صلاة الله على نبيه ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، (اللهم صَلِّ عليه): أثنِ عليه في الملأ الأعلى.
فإذا قال قائل: هذا بعيد من اشتقاق اللفظ، الصلاة في اللغة الدعاء ليست الثناء.
فالجواب على هذا: أن الصلاة أيضًا من الصلة، ولا شك أن الثناء على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الملأ الأعلى من أعظم الصلات؛ لأن الثناء على الإنسان قد يكون أحيانًا أهم عند الإنسان من كل مال، فالذكرى الحسنة صلة عظيمة.
وعلى هذا؛ فالقول الراجح: أن الصلاة تعني: الثناء عليه في الملأ الأعلى، فأنت إذا قلت: اللهم صَلِّ على محمد؛ أي: أثن عليه في الملأ الأعلى، أي: عند الملائكة المقربين.
وقوله: (على محمد) قد يقول قائل: لماذا لم يقل: على النبي، أو: على نبيك محمد، وإنما ذكره باسمه العلم فقط، فكيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: 63]؟
فالجواب: أن هذا من باب الخبر، والخبر أوسع من الدعاء؛ يعني أوسع من أن تدعوه باسمه، فجاز أن يكون بلفظ محمد.
(وعلى آل محمد) يعني: وصل على آل محمد، وآل محمد قيل: إنهم أتباعه على دينه؛ لأن آل الشخص كل من ينتمي إلى الشخص، كل من ينتمي إليك فهو من آلك، سواء انتمى إليك بنسب، أو انتمى إليك بحمية ومعاهدة وموالاة، أو انتمى إليك باتباع، كما قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 46]، فيكون (آله) هم أتباعه على دينه.
وقيل: آل النبي صلى الله عليه وسلم القرابة، والقائل بذلك خَصَّ القرابة بالمؤمنين؛ يعني المؤمنين من قرابته صلى الله عليه وسلم، فخرج بذلك سائر الناس، وخرج بذلك كل من كان كافرًا من قرابة النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول هذا القائل: آله المؤمنون من قرابته، ولكن الصحيح الأول، وأن الآل هم الأتباع، نعم لو قُرِن (الآل) بغيره فقيل: على محمد وآله وأتباعه، صار المراد بالآل المؤمنين من قرابته.
(وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم) (كما صليت) الكاف هنا للتشبيه أو للتعليل، ولننظر فأكثر العلماء يقولون: إنها للتشبيه، وهؤلاء فتحوا على أنفسهم إيرادًا يحتاجون إلى الجواب عنه، وذلك لأن القاعدة أن المُشَبّه دون المُشَبّه به، وعلى هذا؛ فأنت سألت الله صلاة دون الصلاة على آل إبراهيم.
وعلى آلِ محمَّدٍ كما صَلَّيْتَ على آلِ إبراهيمَ إنك حَميدٌ مَجيدٌ، وبارِكْ على محمَّدٍ وعلى آلِ محمَّدٍ كما بارَكْتَ على آلِ ابراهيمَ إنك حَميدٌ مَجيدٌ " ويَستعيذُ من عذابِ جَهنَّمَ وعذابِ القَبْرِ وفِتنةِ الْمَحْيَا والْمَمَاتِ وفِتنةِ المسيحِ الدَّجَّالِ،
قَرابته صلى الله عليه وسلم، فخرج بذلك سائرُ الناس، وخرج بذلك كلُّ مَن كان كافرًا من قرابة النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول هذا القائل: آلُهُ: المؤمنون من قرابته.
ولكن الصحيح الأوَّل وأنَّ الآلَ هم الأتباع، نعم لو قُرن الآلُ بغيره فقيل: على محمدٍ وآلِهِ وأتباعِه، صار المراد بالآلِ المؤمنين من قرابته.
(وعلى آلِ محمدٍ كما صلَّيتَ على آلِ إبراهيم).
(كما صلَّيْتَ) الكاف هنا للتشبيه أو للتعليل؟ ولننظر، فأكثر العلماء يقولون: إنها للتشبيه، وهؤلاء فتحوا على أنفسهم إيرادًا يحتاجون إلى الجواب عنه، وذلك لأن القاعدة أنَّ المشبَّه دون المشبَّه به، وعلى هذا فأنت سألتَ اللهَ صلاةً على محمدٍ وآله دون الصلاة على آل إبراهيم، ومعلومٌ أنَّ محمدًا وآلَه أفضلُ من إبراهيم وآلِه، فلذلك حَصَل الإشكالُ؛ لأن هذا يُعارِض القاعدةَ المتَّفقَ عليها وهي أنَّ المشبَّه أدنى من المشبَّه به.
وأجابوا عن ذلك بأجوبة منها: أن آل إبراهيم يدخل فيهم محمَّدٌ عليه الصلاة والسلام لأنه من آلِه؛ فإبراهيم أبوه، فكأنه سُئل للرسول عليه الصلاة والسلام الصلاةُ مرَّتين: مرَّةً باعتبار الخصوص (اللهم صَلِّ على محمَّد)، ومرَّة باعتبار العموم (كما صَلَّيتَ على آل إبراهيم)، ولكن هذا جوابٌ فيه شيءٌ، وليس بواضح.
والقول الثاني: أنَّ الكاف للتعليل، وأنَّ هذا من باب التوسُّل بفِعْل الله السابق إلى فِعْل اللاحِقِ؛ يعني: كما أنك سبحانك سَبَقَ الفضلُ منك على آل إبراهيم فأَلْحِق الفضل منك على محمدٍ وآلِه.
وهذا لا يلزم أن يكون هناك مشبَّهٌ ومشبَّهٌ به.
فإنْ قال قائل: وهلْ تأتي الكافُ للتعليل؟
قلنا: نعم، تأتي للتعليل، استمعْ إليها من كلام العلماء واستمعْ إلى مثالها؛ قال ابن مالك:
شَبِّهْ بِكَافٍ وَبِهَا التَّعْلِيلُ قَدْ
يُعْنَى وَزَائِدًا لِتَوْكِيدٍ وَرَدْ
فأفاد بقوله: (وبها التعليلُ قد يُعنَى) أنه قد يُقصَد بها التعليل.
وأمَّا المثالُ فكقوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 151]؛ فإن الكاف هنا للتعليل، معلِّلةٌ لِمَا سَبَقَ.
مثالٌ آخر: قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: 198] أي: لهدايتكم.
وإنْ كان يجوز فيها التشبيهُ؛ يعني: واذكروه الذِّكْرَ الذي هداكم إليه.
فهذا الوجه -أعني أنَّ الكاف في قوله: (كما صَلَّيْتَ) للتعليل- من باب التوسل بالفعل السابق إلى تحقيق الفعل اللاحق، هذا هو الوجْه الأصحُّ الذي لا يَرِدُ عليه إشكال.
طالب: في التشهد الأول إذا أطالَ الإمام؟
الشيخ: إذا أطالَ الإمام في التشهد الأول فلا بأس أن تستمرَّ.
الطالب: يُعيد ولَّا يستمِرُّ؟
الشيخ: لا، يستمِرُّ، وبعض العلماء يقول: يُعيد.
ولكنْ إذا استمرَّ فلا حرج.
الطالب: ولا يسكت؟
الشيخ: لا، ما يسكت.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، والذين قالوا: إنه نصلي على النبي بعد التشهد.
أقول: بِمَ استدلُّوا، أحسن الله إليك؟
الشيخ: استدلُّوا بقولهم: يا رسول الله، علِمْنا كيف نُسَلِّم عليك، فكيف نُصَلِّي عليك إذا صَلَّينا عليك في صلاتِنا؟ قال: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ... » (1).
طالب: ما استدلُّوا بإتيان الصلاة تابعةً للشهادة، فكأنك إذا شهدتَ له بالرسالة كأنك تصلِّي عليه؟
الشيخ: لا، هذا ما هو مطَّرد.
طالب: (... ) اللهم صلِّ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم (... ).
الشيخ: كما صلَّيتَ على إبراهيم.
الطالب: وعلى آل إبراهيم.
الشيخ: إي، قلنا: نبغي نبحث إن شاء الله.
طالب: ويُستثنى منه يا شيخ (... ) حديث التشهد ابن مسعود قال: «ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الْكَلَامِ مَا شَاءَ» (2).
الشيخ: من الدعاء، هذا في الأخير.
(... ) نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.
يقول المؤلف: إنه يسجد على سبعة أعضاء، فما هي هذه الأعضاء؟
طالب: اليدان ثم الركبتان ثم (... ).
الشيخ: يداه أولًا، ثم ركبتاه..
طالب: رِجلاه ثم ركبتاه؛ أربعة، ثم يداه، ثم الجبهة معهم.
الشيخ: كيف يقول: يسجد على رِجليه، وهو لا يزال قائمًا على رِجليه؟
الطالب: يعني في حال سجوده قد يرفعهما، قال المؤلف توكيدًا على أنه يضعهما على الأرض.
الشيخ: طيب، وأيضًا السجود على القدمين ليس كالوقوف عليهما؛ الوقوفُ على بطونهما، والسجودُ على أطراف القدمينِ.
ما هو الدليل على وجوب السجود على هذه الأعضاء السبعة؟
طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ» (3).
الشيخ: كمِّل.
الطالب: الرِّجْلينِ؟
الشيخ: لا.
الطالب: الأنف؟
الشيخ: لا، لفظ الحديث.
طالب: الجبهة مع الأنف؟
الشيخ: لا.
الطالب: الكفَّينِ، والركبتينِ، والجبهة مع الأنف، وأطراف القدمينِ.
الشيخ: لا، ما هو هذا لفظ الحديث، هذا معناه، لكنْ نودُّه باللفظ أحسن.
طالب: الجبهة -وأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنفه- والكفَّينِ، والركبتينِ، وأطراف القدمينِ.
الشيخ: لماذا أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنْفه ولم يَعُدَّه عضوًا مستقلًّا؟
طالب: لأن الأنف تابعٌ للجبهةِ؛ فأشار إليه باعتبار أنه عَظْمٌ واحد.
الشيخ: فأشار إليه لئلَّا يظُنَّ الظانُّ أن المراد الجبهة فقط، ولم يعدَّه عضوًا مستقِلًّا لأنه تابعٌ للجبهة.
ما الحكمة في أن الإنسان يقول في السجود: سبحان ربي الأعلى؟
طالب: لأن السجود أذلُّ هيئةٍ يفعلها الإنسان بين يديْ ربِّه عز وجل في عبادته.
الشيخ: وهو تطامُنٌ؛ لأنه وَضَعَ أعالي البَدَن..
الطالب: أسْبَقَ ما في بدنه على الأرض، (... ) يقول: سبحان ربي الأعلى.
الشيخ: نعم، هل لهذا نظيرٌ من السُّنة؛ وهو أنَّ الإنسان إذا كان في سُفولٍ فإنه يسبِّح الله.
طالب: نعم، كان الصحابة رضي الله عنهم إذا هَبَطوا واديًا كانوا يسبِّحون الله سبحانه وتعالى، وإذا صعدوا الجبلَ يُكبِّرون.
الشيخ: طيب، (التسبيح) ما معناه أولًا؟ وعن ماذا يكون؟
طالب: التسبيح هو تنزيهُ اللهِ سبحانه وتعالى عن النقائص، فيكون في (... ) عن مماثلة المخلوقين، وعن النقص التامِّ، وعن النقص في صفاته.
الشيخ: صح، النقص في كماله.
لو قال قائلٌ: للهِ وجْهٌ كوجهِ أحسن المخلوقات.
طالب: هذا ليس صحيحًا.
الشيخ: حرام؟
الطالب: هذا قولٌ باطلٌ؛ لأنه اقتضى من قوله هذا التشبيهَ.
الشيخ: يعني هلْ مَن قال هذا يُعتبر مسبِّحًا لله؟
الطالب: لا.
الشيخ: لا؛ لأنه مَثَّله بالناقص، وتمثيل الكامل بالناقص يجعله ناقصًا.
لو قال: إن الله سبحانه وتعالى خَلَق السماواتِ والأرضَ في ستَّةِ أيامٍ ثم استراحَ، هل يكون مسبِّحًا لله؟
طالب: لا يكون مسبِّحًا لله.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأنه أوَّلًا: كذَّبَ النصَّ الواردَ في هذا في قوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: 38]؛ نفى اللهُ عز وجل عن نفْسِه التعبَ.
ثانيًا: أنه قال: إنَّ الله عز وجل ناقصٌ في هذه الصفة.
فأثبتَ النقصَ لله في هذه الصفة.
الشيخ: هذا نقص في كماله.
الطالب: في كماله، نعم.
الشيخ: لو قال قائلٌ: إن الله -سبحانه وتعالى- يمكن أن يموت؟
طالب: لا يجوز ذلك.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأن الله سبحانه وتعالى..
الشيخ: حيٌّ لا يموت.
الطالب: حيٌّ لا يموت، (... ).
الشيخ: لا، والموت نقص ولَّا لا؟
الطالب: طبعًا نقص؛ لأنه من صفات المخلوقين أولًا.
الشيخ: نعم، هو نقص، ما فيه شك.
الطالب: (... ) محدود للإنس والجن.
الشيخ: نعم، صحيح، إذَنْ هذا القسم الثالث: تنزيهه عن النقص، والثاني: نقصٌ في الكمال، والأول: نقصٌ في مماثلة المخلوقين.
لو قال لنا قائل: هل الله خَلَق نفسَه؟
طالب: يُقال: هذه أمورٌ غيبيَّة نسكت عنها، أمورٌ غيبيَّة ندركها ولا تمنع (... ).
الشيخ: كفى، كفى، لا.
الطالب: (... ).
الشيخ: ما يصير هذا.
الطالب: (... ) أن الله خلق نفسه لا شك أنه ليس (... ).
طالب: ننفي هذا يا شيخ؛ لأن هذا نقْصٌ.
الشيخ: نقْص، ما فيه شك.
طالب: نقول: استعِذْ بالله من الشيطان الرجيم، نأمره بالاستعاذة، هذا من الشيطان.
الشيخ: نقول: هذا من الشيطان، ولا يمكن أن يَرِدَ هذا؛ هو الأول الذي ليس قَبْله شيءٌ، كيف يكون خَلَق نفْسَه؟ !
طالب: (... ).
الشيخ: هو خَلَقَ كلَّ شيءٍ، وهو الأول الذي ليس قبله شيءٌ، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولُوا: مَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ » (4)، وعند ذلك يجب على الإنسان أنْ يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وأنْ يعلم أن الله هو الأوَّلُ الذي ليس قبله شيءٌ، والآخرُ الذي ليس بعده شيء.
ما تقول في رجُلٍ سَجَدَ على يَدِهِ، هل يصحُّ سجوده؟
طالب: ما يصحُّ؛ لأنه فيه استثناء؛ قال: (ليس من أعضاء السجود)، واليد من أعضاء السجود.
الشيخ: تقول: لا يصح.
الطالب: (... ) لم يسجدْ (... ) السابع (... ) «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ» (... ) على يديه فلا يُعتبر صحيحًا.
الشيخ: لأن ظاهر الحديث سبعة أعضاء، لا بد كلّ عضو وحدَه، والمؤلف استثنى هذا.
ماذا يقول بين السجدتينِ؟
طالب: اللهم اغفرْ لي، وارحمني، واهدني، واجبرني، وارحمني.
خمس.
الشيخ: أعِدْ، ربِّ اغفرْ لي.
الطالب: ربِّ اغفرْ لي، وارحمني، واهدني، واجبُرني.
الشيخ: ما معنى المغفرة؟
الطالب: المغفرة لنا أنه يغفر الذنوبَ اللهُ سبحانه وتعالى.
الشيخ: إي، ويش معنى (يغفر الذنوب)؟ أنت تقولها في كلِّ صلاة الآن.
الطالب: ربنا اغفرْ لي، يا ربِّ اغفرْ لي، يا رب.
الشيخ: إي، لكنْ ويش معنى (اغفر لي)؟ أنت تسألُ اللهَ شيئًا لا تدري ويش معناه؟
الطالب: اغفرْ لي الذنوب.
الشيخ: إي، ويش معنى (اغفر لي)؟
الطالب: يعني: امسح الذنوب.
الشيخ: واللهِ غريب، هل يُعقل واحد يدعو الله بشيءٍ لا يدري ويش معناه؟ !
الطالب: يمسح ذنوبي، ربنا يغفر لك ذنوبك.
الشيخ: معناه؟
طالب: المغفرة هي ستر الذنب (... ).
الشيخ: إي نعم، وهذه دائمًا تمرُّ علينا؛ أنَّ المغفرةَ سترُ الذنبِ عن الخَلْقِ والتجاوزُ عن العقاب، ومرَّ علينا وجْهُ مناسبةِ هذا المعنى لِلَّفْظِ؛ لأنه مأخوذٌ من المِغْفَر الذي يوضع على رأسِ الإنسانِ عند الحرب ليستتر به من السهام ويَقِيه.
يقول: (وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ).
(بَارِكْ) فِعْل دعاءٍ كما هو معروفٌ؛ لأنه موجَّهٌ من المخلوق إلى الخالق، وما وردَ بصيغة الأمر موجَّهًا من المخلوق إلى الخالق فهو دعاء؛ لأن المخلوق لا يأمر الخالق.
ومعنى (بارِكْ على محمَّدٍ) أي: أَنْزِل البَرَكة عليه، ولهذا جاءتْ متعدِّيةً بـ (على) دون اللام، (عليه)؛ أي: أَنْزِل عليه البَرَكة.
والبَرَكة: مأخوذة من البِرْكة، وهي مجتمَع الماء، ولا يكون إلَّا على وَجْهِ الكثرةِ والقرارِ والثُّبوتِ، وعليه فالبَرَكة كثرةُ الخيراتِ ودوامُها واستمرارُها، ويشمَلُ البَرَكةَ في العمل والبَرَكةَ في الأَثَر؛ أمَّا البَرَكة في العمل فأنْ يُوفِّق اللهُ الإنسانَ لعملٍ لا يُوفَّق له مَن نُزِعَتْ منه البَرَكة، وأمَّا الأَثَر بأنْ يكون لعملِه آثارٌ جليلةٌ نافعةٌ ينتفع بها الناس.
ولا شكَّ أنَّ بَرَكة النبيِّ عليه الصلاة والسلام أنه لا نظيرَ لها، وذلك لأنَّ أمَّته أكثرُ الأُمَم، ولأنَّ اجتهادهم في الخير أكثرُ من اجتهادِ غيرهم، فبُورِكَ له عليه الصلاة والسلام فيمن اتَّبعَه، وبُورِكَ له في عَمَلِ من اتَّبعَه.
وقوله: (وعلى آلِ محمَّدٍ) سَبَقَ لنا أنَّ الآل إذا أُفرِدتْ تشمَلُ جميعَ الأتباعِ، فالمرادُ بآله أتباعُه، وسَبَقَ لنا الشَّاهدُ من كون الآل بمعنى الأتباع، وهو قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 46] ﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾ يعني أتباعه.
أمَّا إذا قُرِنَت الآلُ بالأصحابِ والأتباعِ صار المرادُ بها المؤمنين من قرابتِه، ولا عَجَبَ أن يكون لِلَّفْظِ معنًى عند الانفراد ومعنًى عند الاقتران؛ فالمسكينُ -مَثَلًا- والفقيرُ بمعنى واحدٍ عند الانفراد، ولكُلِّ واحدٍ منهما معنًى عند الاقترانِ والاجتماعِ، البِرُّ والتقوى كذلك؛ لكُلِّ واحدةٍ منهما معنًى عند الاقتران ويتَّفق معناهما عند الافتراق.
الآن (الآلُ) إذا اقترنتْ بالأصحابِ والأتباعِ صار المرادُ بها المؤمنين من قَرابةِ النبي صلى الله عليه وسلم، وهُم بنو هاشمٍ ومَن تفرَّع منهم؛ لأن (الآل) يشمَلُ إلى الجَدِّ الرابع، وأمَّا إذا أُفردَتْ فهي كما قلنا هنا: إن المراد بها أتباعه على دينه.
(كما باركتَ على آلِ إبراهيم) الكاف هنا -على القول الذي رجَّحْناه فيما مضى في قوله: (كما صَلَّيتَ) - للتَّعليل، وعلى هذا فيكون ذِكْرُها من باب التوسُّلِ بفِعْلِ الله السَّابق إلى فِعْله اللاحق؛ كأنك تقول: كما أنَّك يا ربِّ قد تفضَّلتَ على آلِ إبراهيم وباركْتَ عليهم فبارِكْ على آلِ محمَّد.
وقوله: (إنك حميدٌ مجيدٌ) الجملة هذه استئنافية تفيد التعليل؛ يعني: دعوناك يا ربِّ بهذا الدعاء لأنك حميدٌ مجيدٌ.
(الحميد) فَعِيلٌ بمعنى فاعِلٍ وبمعنى مفعولٍ، فهو حامدٌ ومحمودٌ، حامد لِمَنْ؟ حامدٌ لعباده وأوليائه الذين قاموا بأمره، ومحمودٌ يُحْمَدُ عز وجل على ما له من صفاتِ الكمال وجزيلِ الإنعام، يُحمد على الأمْرينِ، فهو لكماله يُحمد ولإنعامه يُحمد أيضًا.
وأمَّا (المجيد) فهي فَعِيلٌ بمعنى فاعِلٍ؛ أي: ذو المجد، والمجدُ هو العظمةُ والقُوَّة، ويُقال: في كُلِّ شَجَرٍ نَارٌ، واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعَفَارُ.
هذا مَثَلٌ مشهورٌ عند العرب، المَرْخُ والعَفَارُ نوعانِ من الشَّجرِ في الحجاز معروفان، يعني أنها أسرعُ الشَّجَرِ انقداحًا إذا ضُرِبتْ بالزَّنْدِ، وإلَّا ففي كُلِّ الأشجار نارٌ كما قال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا﴾ [يس: 80] المهمُّ أن المجيد معناه ذو المجد، وهي العَظَمةُ وكمالُ السلْطان.
ثم قال: (ويستعيذُ بالله من عذابِ جهنَّمَ ومن عذابِ القبرِ) إلى آخره.
قال: (ويستعيذ)، فيقول: أعوذُ بالله من عذابِ جهنَّم، والعِياذُ هو الالتجاءُ مِن مكروهٍ أو الاعتصامُ مِن مكروهٍ؛ يعني: أن تعتصم بالله من المكروه.
واللِّياذ: أن تلجأ إليه لحصول المطلوب، كما قال الشاعرُ:
يَا مَنْ أَلُوذُ بِهِ فِيمَا أُؤَمِّلُهُ
وَمَنْ أَعُوذُ بِهِ مِمَّا أُحَاذِرُهُ
لَا يَجْبُرُ النَّاسُ عَظْمًا أَنْتَ كَاسِرُهُ
وَلَا يَهِيضُونَ عَظْمًا أَنْتَ جَابِرُهُ
فجعلَ اللِّياذَ فيما يُؤمَّل، والعِياذَ فيما يُحذَرُ؛ أي مِن الأشياء المكروهة.
وقوله: (من عذاب جهنم) أي: العذاب الحاصل منها، فالإضافة هنا على تقدير (مِنْ)، فهي جنسيَّة؛ كما تقول: خاتمُ حديدٍ؛ أي: خاتمٌ مِن حديدٍ.
ويحتمل أن تكون الإضافة على تقدير (في) أي: عذاب في جهنَّم؛ كما قال تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾ [سبأ: 33] أي: مكرٌ في الليل، والإضافة -كما تعرفون- تأتي على تقدير (مِن)، وعلى تقدير (في)، وعلى تقدير (اللام) وهي الأكثر.
(من عذاب جهنم).
(جهنَّم) عَلَمٌ على النَّارِ التي أعدَّها الله عز وجل للكافرين؛ ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 131]، وهذه النَّار وَرَدَ من صفاتِها وصفاتِ العذاب فيها في الكتاب والسُّنَّة ما تقْشَعِرُّ منه الجلودُ، والبحث فيها من عِدَّة وجوهٍ:
الوجه الأول: هل هي موجودةٌ الآن أو ليستْ بموجودة؟
الجواب: موجودةٌ؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم عُرِضتْ عليه النَّارُ في صلاة الكسوف وهو يُصلِّي بالنَّاسِ، وكذلك في المعراج رأى النَّارَ أيضًا، والقرآن يدلُّ على ذلك أيضًا كما قال تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 24] والإعداد بمعنى التهيئة، والفعل كما تعرفونه ماضٍ، فيقتضي أن الإعداد حاصلٌ الآن.
البحث الثاني: هلْ هي مؤبَّدةٌ أو مؤمَّدةٌ؛ يعني: هلْ تفنى أو هي دائمة أبدَ الآبدينَ؟
الثاني هو المتعيِّن قطعًا أنها مؤبَّدة، ولا يكاد يُعرف عند السَّلفِ سوى هذا القول، ولهذا جَعَله العلماء من عقائدهم؛ من العقيدة أن تؤمِنَ وتعتقد بأن النار مؤبَّدة أبدَ الآبدينَ، وهذا أمرٌ مقطوعٌ به لا شكَّ فيه؛ لأن الله تعالى ذَكَرَ التأبيد في ثلاثة مواضع من القرآن: في سورة النساء في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (169) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: 168، 169]، والثاني في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (65) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب: 64، 65]، والثالث في سورة الجن: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: 23]، ولو ذَكَرَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ التأبيد في موضعٍ واحدٍ من القرآن لكفى، فكيف وهو قد ذَكَرَه في ثلاثة مواضع.
ومن العجب أن فِئةً قليلةً من العلماء ذهبوا إلى أنها تفنى بناءً على عِلَلٍ عليلةٍ لمخالفتها لمقتضى الكتاب والسُّنَّة، وحَرَّفوا من أجْلها الكتابَ والسُّنَّةَ فقالوا: إن ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ أي: ما دامتْ موجودةً.
كيف هذا! إذا كانوا خالدين فيها أبدًا لَزِمَ أن تكون هي مؤبَّدةٌ؛ ﴿فِيهَا﴾ فهي كائنةٌ، هم كائنون فيها، وإذا كان الإنسانُ خالدًا مؤبَّدًا تخليدُهُ لَزِمَ أنْ يكون مكانُ الخُلود مؤبَّدًا؛ لأنه لو فَنِيَ مكانُ الخلود ما صَحَّ تأبيدُ الخُلود.
والآيةُ واضحةٌ جدًّا، والتعليلاتُ الباردةُ المخالفةُ للنصِّ مردودةٌ على صاحبها، ولهذا الخلافُ الذي ذُكِرَ عن فِئةٍ قليلةٍ من أهل العلم خلافٌ مُطَّرَحٌ؛ لأنه مخالفٌ للنصِّ الصَّريح الذي يجب على كُلِّ مؤمنٍ أن يعتقده، ومَنْ خالَفه لشُبْهةٍ قامت عنده فيُعْذَر عند الله، لكن مَن تأمَّل نصوصَ الكتابِ والسُّنَّةِ عَرَفَ أنها مؤبَّدةٌ، والحكمة تقتضي ذلك؛ لأن هذا الكافر أفنى عُمرَه في محاربةِ الله عزَّ وجلَّ ومعصيةِ الله والكفرِ به وتكذيبِ رُسُله، كلَّ عُمرِه، مع أنه جاءه النذيرُ، وأُعْذِرَ، وبُيِّنَ له الحقُّ، ودُعِيَ إليه، وقُوتِلَ عليه، وأصرَّ على الكفر والباطل، كيف نقول: إنَّ هذا لا يؤبَّد عذابُه! والآيات في هذا صريحةٌ، فالحكمة تقتضي هذا لأن عُمرَه كلَّه الذي أُجرِيَ فيه في الدنيا أمضاه في الكفر والتكذيب والاستكبار.
البحث الثالث: هلْ عذابها حقيقيٌّ يُؤلِم، أو أنَّ أهلَها يكونون فيها كأنهم حِجارةٌ لا يتألَّمون لأنهم يأخذون مناعةً كما يُقال؟
يتعيَّنُ الأول أيضًا، ومَنْ قال خِلافَ ذلك فقد أخطأ وأَبْعَدَ النَّجْعَة، فهُم يُعَذَّبون ويألمون ألَمًا عظيمًا شديدًا كما قال تعالى في عِدَّة آيات: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، حتى إنهم يتمنَّون الموتَ، والذي يتمنَّى الموت هل يُقال: إنه يتألَّم، أو: إنه تأقْلَمَ؟ لو تأقْلَمَ ما تألَّمَ ولا دعا اللهَ أنْ يقضيَ عليه؛ ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف: 77].
إذَنْ هم يتألَّمون بلا شَكٍّ، والحرارةُ الناريةُ تؤثِّر عليهم، تؤثِّر على أبدانهم ظاهرِها وباطنِها؛ قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 56]، وهذا واضحٌ أنَّ ظاهر أبدانهم يتألَّم وينضج، يمور، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف: 29]، والشيُّ معروف، شَيُّ الوجهِ واللَّحم وما أشْبَهَ ذلك معروفٌ، فهُم إذا استغاثوا يُغاثوا بماءٍ كالْمُهلِ بعد مُدَّةٍ طويلة، هذا الماء إذا أقْبَلَ على وجوههم شواها وتساقطتْ والعياذُ بالله، فإذا شَرِبوه قَطَّعَ أمعاءَهم؛ ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: 15]، وهذا عذابُ الباطن ولَّا الظاهر؟ هذا عذابُ الباطنِ، يُقطِّع الأمعاءَ من الداخل، وقال النبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في أهونِ أهلِ النَّارِ عذابًا: «إِنَّهُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَعَلَيْهِ نَعْلَانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ» (5). أعوذ بالله، الدِّماغ يَغْلي، فما بالك بما دونه مما هو أقرب إلى النَّعْلَينِ، وهذا دليلٌ واضحٌ على أنَّهم يتألَّمون وأنَّ هذه النارَ تؤثِّر فيهم، وكذلك قال تعالى: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: 22] الْمُحرِق، والآياتُ في هذا والأحاديثُ كثيرة.
البحث الرابع: هل هناك نارانِ: نارٌ لأهل الكُفر، ونارٌ لأهل التوحيد الذين يُعذَّبون فيها ثم يخرجون؟
زَعَمَ بعضُ العلماء ذلك وقال: إنَّ النَّارَ نارانِ: نارٌ لأهل الكُفر، ونارٌ لأهل المعاصي من المؤمنين، وبينهما فَرْقٌ.
ولكن هذا لا أعلمُ له دليلًا لا من القرآنِ ولا من السُّنَّةِ، والذي أعلمُه أنَّ النَّار واحدةٌ لا تختلف، لكن عذابها يختلفُ؛ لا شَكَّ أنَّها على عُصاةِ المؤمنينَ ليستْ هي على الكافرين؛ بلا شكٍّ أنها تختلف.
وكوننا نقول بالتقسيم بناءً على استبعادِ عقولنا أن تكون نارٌ واحدةٌ تؤثِّر تأثيرَيْنِ مختلفَيْنِ، هذا الاستبعادُ لا وَجْهَ له:
أولًا: أنَّ الله على كلِّ شيءٍ قديرٌ، والله تعالى قادرٌ على أن يجعل النَّارَ الواحدة لشخصٍ سلامًا ولآخرَ عذابًا.
وثانيًا: أن أحوال الآخرة لا تُقاس بأحوال الدنيا أبدًا لظهور الفَرْقِ العظيم بينهما، فلا يجوز أن تقيس أحوال الآخرةِ بأحوال الدُّنيا لتنفي ما لا يتَّسعُ له عقلُك، بلْ عليك بالنسبة لأحوال الآخرة أن تُسَلِّم وتقْبل وتُصدِّق.
أليستْ هذه الشمسُ تدنو من الخلائق قَدْرَ ميلٍ يوم القيامة، ولو كانت أحوالُ النَّاسِ يوم القيامة كأحوالهم في الدنيا لأحرقتْهم؛ لأنَّ هذه الشمسَ الآن في أوْجِهَا لو أنها نزلتْ ولو يسيرًا أحرقتِ الأرضَ، مَحَتْهَا عن آخرها، ونحن نحسُّ بحرارتها الآن وبيننا وبينها مسافاتٌ عظيمةٌ، ونحسُّ بحرارتها لا سيَّما في أيام الصيف حين تكون عمودية، ومع ذلك تدنو من الخلائق يوم القيامة بمقدار ميلٍ ولا يحترقون بها.
كذلك أيضًا في يوم القيامة؛ الناسُ في مقامٍ واحدٍ، المؤمنون لهم نورٌ يسعى بين أيديهم وبأيمانهمْ والكُفَّارُ في ظُلْمَةٍ، لكنْ في الدنيا لو كان جانبك واحدٌ على يمينه نورٌ وبين يديه نورٌ تنتفع ولَّا ما تنتفع؟ تنتفع، في الآخرة لا.
في الآخرة أيضًا يكون العَرَق؛ يَعرقُ النَّاسُ، فيختلف العَرَقُ اختلافًا عظيمًا بينهم وهُمْ في مكانٍ واحدٍ، مِن النَّاسِ مَن يَصِلُ العَرَقُ إلى كعبيه، ومنهم مَن يَصِلُ إلى ركبتيه، ومنهم مَن يَصِلُ إلى حَقْوَيْهِ، ومنهم مَنْ يُلْجِمُهُ العَرَقُ، وهُم في مكانٍ واحدٍ.
فالمهمُّ أنه لا يجوز أن نقيسَ أحوالَ الآخرة بأحوال الدُّنيا، ثم نذهبَ ونُحدِثَ أشياء لم تأتِ في الكتاب والسُّنَّة كتقسيم النَّارِ إلى نارَيْنِ: نارٍ للعُصَاةِ، ونارٍ للكافرين.
فالذي بَلَغَنا ووصل إليه عِلْمُنا أنها نارٌ واحدةٌ لكنها تختلف.
البحث الخامس: أين النارُ الآن؟ إحنا أثبتْنا أنها موجودةٌ، فأين هي؛ أفي السماء أمْ في الأرض؟
نقول: هي في الأرض، ولكنْ قال بعضُ أهل العِلْم: إنَّها هي البحار هذه.
وقال آخرون: بل هي في باطن الأرض.
والذي يظهر أنَّها في الأرض، ولكنْ ما ندري أين هي مِن الأرض، نؤمنُ بأنها في الأرض ليستْ في السماء، ولكنْ لا نعلم في أيِّ مكانٍ هي على وَجْهِ التعيين.
البحث السادس: هل النارُ (جهنَّم) لها أسماء متعدِّدةٌ أو اسمٌ واحد؟
الجواب: لها أسماء متعدِّدة، وهذا التعدُّد في الأسماء لاختلاف صفاتها؛ فتُسمَّى الجحيم، وتُسمَّى جهنَّم، وتُسمَّى لَظَى، وتُسمَّى السَّعير، بحسب اختلاف الصفات، والْمُسمَّى واحدٌ، فكلُّ ما صحَّ في كتابِ الله أو سُنَّةِ الرسول صلى الله عليه وسلم من أسمائها فإنه يجب على المؤمن أن يصدِّق به ويُثْبِتَه.
قول المصلي: (أعوذ بالله من عذاب جهنَّم) هل المراد أنه يتعوَّذ بالله من فِعْلِ المعاصي المؤدِّيةِ إلى جهنَّم، أو يتعوَّذ بالله من جهنَّم وإنْ عَصَى فهو يطلب المغفرةَ من الله، أو يشمَلُ الأمرينِ؟
يشمَلُ الأمرين؛ فهو يستعيذُ بالله من عذاب جهنَّم؛ أي: من فِعْلِ الأسبابِ المؤدِّية إلى عذاب جهنَّم، ومن عذاب جهنَّم؛ أي: من عقوبة جهنَّم إذا فَعَلَ الأسبابَ التي توجِبُ ذلك؛ لأن الإنسان بين أمرينِ: إمَّا عصمةٌ من الذُّنوب فهُنا أعاذه اللهُ من فِعْلِ السببِ، وإمَّا عفوٌ عن الذُّنوبِ وهُنا أعاذه اللهُ من فِعْل السببِ ولَّا من أَثَرِ السبب؟ مِن أَثَر السبب.
وقولُنا قبل قليل: العِصْمة من الذُّنوبِ.
هذا ليس معناه العصمة المطْلَقة؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» (6). وقال: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» (7).
ومنْ (عذابِ القَبْرِ).
ما هو القبر؟ أصل القبر مدفنُ الميِّت؛ قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: 21]؛ قال ابنُ عباسٍ فيها: أيْ: أَكْرَمَهُ بدفْنِهِ.
فأصلُ القبرِ مدفنُ الميِّتِ.
وقد يُراد به البرزخُ الذي بين موتِ الإنسان وقيامِ الساعة وإنْ لم يُدفَنْ؛ كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 100] يعني: مِن وراءِ الذين ماتوا، وأوَّل الآيةِ يدلُّ على هذا؛ ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 100].
فهل الدَّاعي إذا دَعَا: أعوذُ باللهِ من عذابِ القبر.
يريد من مدفن الموتى، أو من عذاب البرزخ الذي بين موته وبين قيام الساعة؟
الثاني؛ لأنَّ الإنسانَ في الحقيقة لا يدري هل يموتُ ويُدفَنُ، أو يموتُ وتأكلُهُ السِّباعُ، أو يَحترقُ ويكون رمادًا، ما يدري؛ ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: 34]، فاستحضِرْ أنك إذا قلتَ: من عذاب القبر؛ أي: مِن العذاب الذي يكون للإنسان بعد موته إلى قيام الساعة.
والبحثُ في عذابِ القبرِ من عِدَّةِ أوجُهٍ:
أولًا: هل عذابُ القبرِ ثابتٌ أو غيرُ ثابتٍ؟
الجواب: ثابتٌ بصريحِ السُّنَّةِ وظاهرِ القرآنِ وإجماعِ المسلمين؛ ثلاثة أدلَّة.
أمَّا صريحُ السُّنَّةِ فهذا الحديثُ وأمثالُه؛ قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» (8).
وأمَّا إجماعُ المسلمين فلأنَّ جميع المسلمين يقولون في صلاتهم: أعوذُ باللهِ من عذابِ جهنَّمَ، ومن عذابِ القبر.
حتى العامَّة الذين ليسوا من أهل الإجماع ولا من العلماء.
وأمَّا ظاهرُ القرآنِ فمثلُ قول الله تعالى في آلِ فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 46]؛ قال: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾، ثم قال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾، ولا شكَّ أن عَرْضهم على النارِ ليس من أجْلِ أن يتفرَّجوا عليها، بلْ من أجْلِ أن يُصيبهم من عذابها.
هذه آية.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الأنعام: 93] الله أكبر! إنهم لَشَحيحونَ بأنفسهم ما يريدونَ أن تخرج؛ ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمْ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ فقال: ﴿الْيَوْمَ﴾، أيش اليوم؟ متى؟ (أل) هنا للعهدِ الحضوريِّ، ﴿الْيَوْمَ﴾ يعني اليوم الحاضر اللِّي هو يوم وفاتِهم ﴿تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: 93].
إذَنْ فعذابُ القبرِ ثابتٌ بماذا؟
طالب: بصريحِ السُّنةِ وظاهرِ القرآنِ وإجماعِ المسلمين.
الشيخ: نعم، طيب، هذا الظَّاهرُ من القرآنِ يكاد يكون كالصَّريح؛ لأن الآيتينِ اللتينِ ذكرناهما كالصَّريح في ذلك.
البحثُ الثاني في عذابِ القبر: هلْ هو على البدنِ، أو على الرُّوح، أو عليهما؟
الجواب: الأصلُ أنه على الرُّوح؛ لأنَّ الحكْم بعد الموت للرُّوح، والبدنُ جُثَّةٌ هامدةٌ، ولهذا لا يحتاج البدنُ إلى إمدادٍ لبقائه؛ فلا يأكلُ ولا يشربُ، بلْ تأكله الهوامُّ، والأصلُ أنَّه على الرُّوح.
لكنْ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنَّ الرُّوحَ قد تتَّصلُ بالبَدَنِ فتُعذَّب.
واعتمدوا في ذلك على أنَّ هذا قد رُئِيَ حِسًّا في القبر؛ فقد فُتِحَتْ بعضُ القبور ورُئِيَ أثرُ العذابِ على الجسم، وفُتِحتْ بعضُ القبور ورُئِيَ أثرُ النَّعيمِ على الجسم.
وقد حدثني بعضُ النَّاسِ أنَّهم في هذا البلد هنا في عُنَيزة كانوا يَحفِرون للسورِ؛ سورِ البلدِ الخارجي، فمَرُّوا على قبرٍ فانفتح اللَّحْدُ، فوجدوا فيه ميتًا قد أكلتْ كَفَنَه الأرضُ وبقي جسمُه يابسًا؛ لكنْ لم تأكلْ منه شيئًا، حتى إنهم قالوا: إنهم رأوا لِحْيتَهُ وفيها الحنَّاءُ، وفاحَ عليهم رائحةٌ أطيبُ ما يكون من المسك، فتوقَّفوا، وجاؤوا إلى الشيخ -وكان ذلك الوقتَ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين- وسألوه فقال: دَعُوه على ما هو عليه وجنِّبوا عنه؛ احفِروا إمَّا يمين ولَّا يسار.
فبناءً على ذلك قال العلماء: إنَّ الرُّوح قد تتَّصل بالبدنِ فيكون العذابُ على هذا وهذا، وربما يُستأنسُ لذلك بالحديث الذي قال فيه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْقَبْرَ لَيُضَيَّقُ عَلَى الْكَافِرِ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ» (9)، فهذا يدلُّ على أن العذابَ يكون على الجسم، على البَدَن؛ لأن الأضلاع في الجسم.
(... ) بس ثلاثة؟
طلبة: (... ).
الشيخ: اثنين؟
طالب: اثنان.
الشيخ: أظن فيه وجه ثالث.
فيه وجه ثالث؟
طالب: أوَّل شيءٍ قلنا: عذاب القبر ما هو، وقلنا: (... ) الميت، قال تعالى..
الشيخ: ذَكَرْنا القبرَ ما هو، ذكرنا المراد بالقبر.
الطالب: وقلنا: (... ) الميت، قال تعالى..
الشيخ: هذا ما يدخل في وجوب عذاب القبر، ما يدخل، لكنه نَعَمْ ينبغي أنْ نعرفه أنَّ القبر في الأصل هو مدفنُ الموتى، ويُطْلَق على البرزخ الذي بين موتِ الإنسان وقيامِ الساعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 100]، وهذا له فائدةٌ عظيمةٌ؛ فائدتُه لو أنَّ الإنسان احترق وذَرَتْه الرِّياحُ هلْ يَلْحقه من عذاب القبر شيءٌ أو لا؟ ونجعل هذا هو الثالث من وجوه البحث في عذاب القبر.