ثم نقول: إذا قُلنا: الواجبُ المبيتُ مُعْظمَ الليلِ، فإنَّ نصف الليلِ ليس هو مُعْظم الليل؛ لأن الناس دفعوا من عرفة بعد غروب الشمس، والمسير من عرفة إلى مزدلفة يحتاج إلى ساعةٍ ونصفٍ أو ساعتين، ومن ثَمَّ كان من فِقْه أسماء بنت أبي بكرٍ رضي الله عنهما أنها تنتظر، حتى إذا غاب القمرُ دفعتْ (17)، وغروب القمر يكون بعد مُضِيِّ ثُلثي الليل تقريبًا، قد يزيد قليلًا أو ينقص قليلًا، وكأنها رضي الله عنها اعتبرتْ نصف الليل، لكن اعتبرت النصف من نزول الناس في مزدلفة، ونزولُ الناس في مزدلفة إذا اعتبرنا النصف فإنه يزيد على النصف الحقيقي الذي هو من غروب الشمس إلى طلوع الفجر يزيد بنحو هذا المقدار الذي اعتبرته أسماء، وهو غروب القمر، وهذا هو الصحيح أنَّ المعتبر غروب القمر، وإنْ شئتَ فقُل: إنَّ المعتبر البقاءُ في مزدلفة أكثرَ الليل، ولكنْ يؤخذ من الليلِ المسافةُ ما بين الدفعِ من عرفة إلى وصولِ مزدلفة، فيكون ما ذهبتْ إليه أسماءُ رضي الله عنها هو المطابق لمعْظَم الليل.
يقول: (ويبيتُ بها، وله الدفْعُ بَعْدَ نصفِ اللَّيلِ، وقَبْلَهُ) أي: قبلَ نصفِ الليلِ؛ يعني: لو دَفَعَ (فيه دمٌ) (... ) سواءٌ كان عالِمًا بالحكْمِ أو جاهلًا، عامِدًا أو ناسيًا.
إذا دَفَعَ قبلَ منتصفِ الليل فعليه دمٌ، لماذا؟ لأنه تَرَكَ واجبًا، وهذا الدمُ دمُ جُبْرانٍ يذبحه ويتصدَّق به جميعًا على الفقراء في مكة.
(وقَبْلَهُ فيه دمٌ كوصولِهِ إليها بَعْدَ الفَجْرِ لا قَبْلَهُ).
(كوصوله إليها) أي: إلى مزدلفة (بعد الفَجْر)، فإذا وصل إلى مزدلفة بعد الفَجْر ولو بلحظةٍ لَزِمَه دمٌ؛ لأنه لم يَبِتْ بها، ولكن ظاهر حديثِ عروة بن مُضَرِّس رضي الله عنه أنَّ مَن أَدْركَ صلاةَ الفجر في مزدلفة على الوقت الذي صلَّاه الرسولُ عليه الصلاة والسلام فإنه لا شيءَ عليه؛ لقوله: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ» (7)، والإشارة «هَذِهِ» تفيد أنه لا بدَّ أنْ تكون الصلاةُ في أول الوقت؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم صلَّى الفَجْر في أول وقتِها.
(كوُصُولِهِ إليها بَعْدَ الفَجْر لا قَبْلَهُ) أي: لا إنْ وَصَلَ إليها قَبْل الفجر ولو بعد نصفِ الليل فإنه لا شيء عليه.
والخلاصةُ على المذهب على ما مشى عليه المؤلف:
إذا دَفَعَ قَبْل منتصفِ الليلِ فعليه دمٌ.
إذا دَفَعَ بعد منتصفِ الليلِ فلا شيء عليه.
إذا وصل إلى مزدلفة بعد الفجر فعليه دمٌ.
إذا وصل إليها بعد منتصفِ الليلِ فلا شيء عليه.
فعليه الدمُ في حالين هما: إذا دَفَعَ قبل منتصف الليل، وإذا لم يَصِل إليها إلا بعد الفجر، عليه دمٌ في الحالين.
وليس عليه دمٌ فيما إذا دَفَعَ بعد منتصف الليل، أو وصل إليها بعد منتصف الليل.
طلبة: (... )؟
الشيخ: لا شيء عليه.
طالب: قبل الفجر.
الشيخ: طيب، لا شيء عليه إذا دَفَع بعد منتصف الليل قبل الفجر أو بعده، ولا شيء عليه إذا وصل بعد منتصف الليل لكن قبل الفَجْر؛ لأن ما بعد الفجر ذكرناه قبل، ولكنَّا قُلنا: إن ظاهر حديث عروة بن المضرِّس أنَّ مَن أَدْركَ صلاةَ الفجر في أولها فإنه يُجزئه.
بَقِي أنْ يقال: حدثت مشكلةٌ في أيامنا الأخيرة؛ أنَّ بعض الحجَّاج لا يَصِلون إلى مزدلفة إلَّا بعد طلوع الفجر وبعد صلاةِ الفجر أيضًا فما الحكْم؟
على المذهبِ يجبُ عليهم دمٌ؛ لأن القاعدة عندهم أنَّ من حُصِرَ عن واجبٍ فعليه دمٌ؛ لأن المحصور عن الواجب لا يتحلَّل؛ إذْ لا حاجةَ له إلى التحلُّل، لكن عليه دمٌ.
فنقول: هؤلاء الذين لم يَصِلوا إلى مزدلفة إلا بعد طلوع الفجر ومُضِيِّ قَدْر الصلاةِ نقول: هؤلاء حُصِروا عن هذا الواجب فيَلْزمهم دمٌ.
ولكن بعض العلماء قال: إن هؤلاء حُصِروا إكراهًا، حُصِروا ولم يُحْصَروا، حُصِروا لأنهم لم يَصِلوا في الوقت، ولم يُحْصَروا لأنهم وصلوا إلى المكان، فيكون وصولهم إلى المكان بعد زوال الوقت كقضاء الصلاةِ بعد خروج وقتِها للعُذر، وأنهم إذا حُصِروا في هذه الحال ولم يَصِلوا إلى مزدلفة إلا بعد طلوع الفجرِ وذهابِ وقت الصلاةِ فإنهم يكونون كالذين عُذِروا عن وقت الصلاة حتى خرج وقتُها.
وهذا القولُ أقربُ إلى الصواب أنْ يُقال: مَنْ حُبِس عاجزًا عن الوصول إليها، ولم يَصِل إلا بعد طلوع الفجر ومُضِيِّ قَدْرِ الصلاةِ أو بعد طلوع الشمس؛ فإنه يَقِفُ ولو قليلًا ثم يستمِرُّ؛ وذلك لأنه يُشبه الصلاةَ إذا فاتتْ لعُذرٍ فإنه يقضيها، ولو قيل أيضًا بأنه يسقطُ الوقوفُ لأنه فاتَ وقتُه لم يكن بعيدًا.
المهم أنَّ القول الراجح أنَّه لا يُلْزَم بدمٍ؛ لأنه تَرَكَ هذا الواجبَ عجزًا عنه، والله أعلم.
طالب: وله الدفْعُ بعد نصفِ الليلِ، وقَبْله فيه دمٌ كوصوله إليها بعدَ الفَجْر لا قَبْله، فإذا صلَّى الصبحَ أتى المشعر الحرامَ فرقاهُ، أو يقِفُ عنده ويحمدُ اللَّهَ ويُكبِّره ويقرأ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ... ﴾ الآيتين [البقرة: 198، 199]، ويدعو حتى يُسْفِر، فإذا بَلَغَ مُحَسِّرًا أسرعَ رَمْيَةَ حَجَرٍ وأخذَ الحصى، وعددُه سبعون بين الحمَّصِ والبُندق، فإذا وصلَ إلى مِنًى -وهي من وادي مُحَسِّرٍ- إلى جمرةِ العقبةِ رماها بسبعِ حَصَياتٍ متعاقباتٍ يرفعُ يَدَهُ اليُمنى حتى يُرَى بياضُ إِبْطِهِ، ويُكبِّر مع كلِّ حصاةٍ، ولا يُجْزئ الرميُ بغيرها ولا بها ثانيًا، ولا يَقِف ويقطع التلْبِيةَ قبلها.
الشيخ: (... ) محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سَبَقَ لنا أنَّه في اليوم التاسع يذهبُ مِن مِنًى إلى عرفة، وأنَّه ينزل أولًا بنَمِرة حتى تزول الشمسُ، ثم يركبُ ويصلِّي الظهر والعصر بباطن الوادي، ثم يذهبُ إلى موقِفه، وهذا كُلُّه إنْ تيسَّر.
وسَبَقَ لنا أيضًا أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم وقفَ في شرقِيِّ عرفة عند الصخراتِ والجبلِ وقال: «وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (1). وعرفةُ كبيرةٌ واسعةٌ.
وسَبَقَ لنا أنَّه يجب التأكد من حدودها لئلَّا يقِفَ الإنسانُ في غير الموقِف فيرجع بلا حجٍّ.
وسَبَقَ لنا أنَّه يجب أنْ يبقى في عرفة إلى غروب الشمس، وأنَّه إنْ دَفَع قبل الغروب ولم يَعُدْ قبله فعليه دمٌ، وقيل: إنْ دَفَع وإنْ عاد فعليه دمٌ، وقيل: إنْ دَفَع وعاد بعد الغروب قبل الفجر فليس عليه شيء، فالأقوال ثلاثة، ورجَّحْنا أنَّ الأقرب ثبوتُ الدم عليه بمجرَّد الدفع؛ لأنه خالفَ ما فَعَله النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وسَبَقَ لنا أنهم في الجاهلية يدفعون قبل غروب الشمس، وأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم خالَفَهم فدفَع بعد الغروب، لكنه دَفَع ولم يصلِّ إلا في المزدلفة، هذا في اليوم التاسع.
في ليلة العاشر يدفع من عرفة إلى مزدلفة فيصلي بها المغرب والعِشاء جمعًا وقَصْرًا ويبيت.
وهُنا هلْ يُشرع أنْ يُحيي تلك الليلةَ بالقراءةِ والذِّكرِ والصلاةِ، أمِ السُّنةُ النومُ؟
الثاني؛ السُّنة النومُ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم اضطجعَ حتى طلعَ الصبح (3).
وأيضًا هلْ يصلِّي الوتر في تلك الليلة أو لا؟
نقول: لم يُذكَر في حديث جابرٍ ولا غيره فيما نعلم أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أَوْتَر تلك الليلة، لكنْ على سبيل العموم أنَّه لا يَدَعُ الوتر حَضَرًا ولا سَفَرًا.
نقول: إنَّه يُوتر تلك الليلة، وعَدَمُ النَّقْلِ ليس نَقْلًا للعَدَم؛ لأننا نبقى على الأصل وهو أنَّه لا يَدَعُ الوتر سَفَرًا ولا حَضَرًا.
ثم نقول: لو تَرَكه في تلك الليلةِ لَنُقِلَ؛ لأنه لو تَرَكه لَكان شرعًا، والشرع لا بدَّ أنْ يُحفظ ويُنقَل.
وسَبَقَ لنا أنَّه يجوز على رأي الفقهاء -رحمهم الله- أنْ يدفع بعد منتصف الليل، ووجْهُهُ أنَّه إذا دَفَع بعد منتصف الليل فقد بقي في مزدلفة مُعْظم الليلِ أو أكثرَ الليلِ.
وسَبَقَ لنا أنَّ القول الراجح في هذه المسألة أنَّه لا يدفع إلا في آخِر الليل، وأنَّ أسماء بنت أبي بكرٍ رضي الله عنهما كانتْ ترتَقِبُ غروب القمر (17)، وأنَّ ما فَعَلتْهُ أسماء هو الفقه؛ لأنه لا ينبغي أن نحسب أول الليل ونحن لم نَصِل إلى مزدلفة إلا بعد دخول وقت العِشاء؛ إذْ إنَّ الناس يسيرون من عرفة إلى مزدلفة ولا يَصِلون إلا متأخرين.
وسَبَقَ لنا أنَّ السُّنة صلاة المغرب والعِشاء في مزدلفة، وأنَّه لو صلَّى في غير مزدلفة فصلاتُه صحيحةٌ خلافًا لِمَنْ؟ لابن حزم، والدليل: «جُعِلَتِ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (14)، وأنَّه لو خاف فَوْتَ الوقتِ -أي: وقت العِشاء وهو منتصف الليل- وجبَ عليه أنْ يصلِّي في أيِّ مكانٍ.
الدفع في آخِر الليل هلْ يختصُّ بأهل الأعذار أو لا؟
قال بعض العلماء: إنَّه يختصُّ بأهل الأعذار من الضعفاء والنساء ونحوهم.
وأجازه الفقهاء مُطْلَقًا لأهل الأعذارِ ولغير أهل الأعذار.
حُجَّة الأوَّلِينَ أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم أقامَ في مزدلفةَ حتى صلَّى الفجر وأَسْفَرَ جِدًّا (3)، وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (8). وعن عائشة رضي الله عنها تمنَّتْ أنها استأذنَت الرسولَ صلى الله عليه وآله وسلم أنْ تدفع قبل الفجر كما استأذنَتْ سَوْدَةُ، وقالت كلامًا يفيد أنها تودُّ أنها استأذنَتْ من الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنها لو استأذنتْ لَكان أَشَدَّ من مفروحٍ به (18)؛ يعني: تُبالغ في أنها لو فعلتْ لأحبَّتْ ذلك.
على كلِّ حالٍ الذي يترجَّح أنَّه ليس بواجبٍ أنْ يبقى إلى صلاة الفجر، ولا سِيَّما في هذه الأزمان مع كثرة الناس والزِّحام والشِّدة، لكنْ هو الأفضل؛ أنْ يبقى إلى أنْ يصلِّي الفجر ويُسْفِر جِدًّا ثم ينصرف.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى، وهو مبتدأ درس الليلة: (فإذا صلَّى الصبح)، وهُنا لم يُبَيِّن متى تكون هذه الصلاة، لكنْ قد ثبتَ بالسُّنة أنَّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم صلَّاها حين تبيَّن له الصبح ولم يتأخر؛ صلَّاها بغَلَس (19).
(فإذا صلَّى الصبحَ أتى المشْعَرَ الحرامَ) والمشعر الحرام: جبلٌ صغيرٌ معروفٌ في مزدلفة، وعليه المسجدُ المبنيُّ الآن، أتاه سواءٌ كان راكبًا أمْ راجلًا، والنبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم ركبَ ناقته ووقفَ عند المشعر الحرام، وقف راكبًا (3)، لكنه قال: «وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (1) (جَمْع) يعني مزدلفة، وسُمِّيت جَمْعًا لأن الناس يجتمعون فيها كلُّهم، وكانوا في الجاهلية يجتمعون فيها كلُّهم، وفي عرفة لا يجتمع أهلُ مكة، بلْ لا يجتمع قُريش مع غيرهم؛ لأنهم يَقِفون في مزدلفة، لا يخرجون إلى عرفة؛ لأنَّ عرفة من الحِلِّ، فمِنْ أجْل هذا سُمِّيت جمعًا لأنها تجمع الناس كلَّهم.
يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ».
وقوله: (المشعر الحرام) وُصِفَ بالحرام لأن هناك مَشْعرًا حلالًا وهو عرفات، ففي الحجِّ مَشْعرانِ: حلالٌ وحرامٌ؛ فالمشعر الحرام: مزدلفة، والمشعر الحلال: عرفة.
ولماذا وُصِف بالحرام؟ لأنه داخل حدود الحرم.
قال: (فيرقاه) يعني: يرقى هذا المشعر، وهو جبلٌ صغيرٌ كما قُلنا (أو يَقِف عنده)؛ لقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198].
(أو يَقِف عنده، ويحمد اللَّهَ ويُكبِّره) ويدعو الله عز وجل رافعًا يديه إلى أنْ يُسْفِر جِدًّا، ويكون أيضًا مستقبِلَ القِبلة.
قال المؤلف: (ويقرأ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ... ﴾ الآيتين)، وقراءة هاتَينِ الآيتَينِ لا أعلمُ فيها سُنَّةً، لكنها مناسِبة؛ لأنَّ الإنسانَ يُذَكِّر نفسه بما أَمَر اللهُ به في كتابه.
(ويدعو حتى يُسْفِر) يُسْفِر جدًّا؛ يعني: يتبيَّن السفر أو الإسفار ويرى الناسُ بعضهم بعضًا، ثم ينطلق قبل أنْ تطلع الشمس، ولهذا قال: (فإذا أَسْفَرَ سار قبل طلوع الشمسِ بسَكِينَةٍ) خلافًا لأهلِ الجاهلية، أهلُ الجاهلية لا يدفعون من مزدلفة إلا إذا طلعت الشمس، وكان من عباراتهم الموروثة: أَشْرِقْ ثَبِير، كَيْمَا نُغِير (20). ثَبير: جبلٌ معروفٌ هناك كان رفيعًا تتبيَّن به الشمسُ قبل غيره مما حوله من الجبال، وكانوا يرقبون هذا الجبل، فإذا أشرقَ دفعوا.
إذَنْ هُم -أعني في الجاهلية- يُبادرون السفر أو الإسفار في أول الليل؛ ليلة العيد، وفي آخرها، كيف ذلك؟ لأنهم يدفعون من عرفة قبل غروب الشمس، ويدفعون من مزدلفة بعد طلوع الشمس، أمَّا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فخالَفَهم في الوقتينِ.
يقول: سار بسَكِينةٍ؛ يعني: لا بإسراعٍ وإيضاعٍ للإبل، والإيضاع: الإسراع، بلْ يكون بسَكِينةٍ.
(فإذا بَلَغَ مُحَسِّرًا أسرعَ رميةَ حَجَرٍ) لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم حرَّكَ قليلًا؛ حرَّكَ ناقتَه حين بَلَغَ مُحَسِّرًا (3)، ومُحَسِّر: بطنُ وادٍ عظيم، وبهذا نعرف أنَّ بين المشاعر أودية؛ فبين المشْعرِ الحرام والمشْعرِ الحلال وادٍ وهو عُرَنة، وبين المشْعَرينِ الحرامَينِ مِنًى ومزدلفةَ وادٍ وهو وادي مُحَسِّر، أسرعَ فيه النبيُّ عليه الصلاة والسلام (3).
واختلفَ العلماءُ لماذا أسرعَ:
فقال بعضُهم: أسرعَ لأن بطن الوادي يكون دعثًا وليِّنًا يحتاج أنْ يحرِّك فيه الإنسانُ بَعيره؛ لأن مَشْي البعيرِ على الأرضِ الصلبة أسرعُ مِن مشيها على الأرض الرخوة، فحرَّك مِن أجْل أنْ يتساوى سيرُها في الأرض الصلبة وسيرُها في الأرض الرخوة، وعلى هذا فالملاحَظ هنا هو مصلحةُ السير فقط.
وقيل: أسرعَ لأن الله أهلكَ فيه أصحابَ الفيل، فينبغي أنْ يُسرع؛ لأن المشروع للإنسان إذا مرَّ بأراضي العذابِ أنْ يُسرع؛ كما فَعَل النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم حين مرَّ بديار ثمود في غزوة تبوك؛ لَمَّا مرَّ زَجَر الناقةَ عليه الصلاة والسلام وقَنَّعَ رأسه هكذا وأسرعَ، واليومَ الناسُ بعضُهم يتَّخذ هذه الديارَ سياحةً ونُزهةً والعياذ بالله، مع أنَّ الرسول أسرعَ وقال: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ؛ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ» (21).
كيف يُصِيبنا ما أصابهم ونحن لم نعمل؟
لأن الإنسان إذا دخل على هؤلاء فقلْبُه يكون غيرَ ليِّنٍ وغيرَ خاشعٍ، فيكون قاسيًا مع مشاهدته آثارَ العذابِ، وحينئذٍ يُصيبه ما أصابهم من التكذيبِ والتولِّي، هذا معنى الحديث؛ يعني ليس المراد أنْ يُصيبكم العذابُ الرِّجزُ الحِسِّي، قد يُراد به العذابُ أو الرِّجزُ المعنويُّ؛ أنْ يقسو قلب الإنسان فيُكذِّب بالخبر ويتولَّى عن الأمر -نسأل الله العافية- وبهذا نعرف أنَّ اتخاذها نُزهةً خطأٌ عظيمٌ مخالفٌ لأمر النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوهَا»، والذين يذهبون للنُّزهةِ أو للتفرُّج هلْ هُم يبكون؟
الظاهر أنهم إلى الضحك أقربُ منهم إلى البُكاء، ويُصَوِّرون ويعملون أشياء اللهُ أعلمُ بها، فنسأل اللهَ لنا ولكم العِبرة والهداية.
المهمُّ أنَّ مِن العلماء مَن علَّلَ إسراعَ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم بأنَّ هذا هو الموضع الذي أهلكَ اللهُ فيه أصحابَ الفيلِ، لكن هذا التعليل عليلٌ؛ لأن أصحابَ الفيلِ لم يُهلَكوا هُنا، بلْ في مكانٍ يُقال له: الْمُغَمَّس، حول الأبطح، وفي هذا يقول الشاعر الجاهلي:
حَبَسَ الْفِيلَ بِالْمُغَمَّسِ حَتَّى
ظَلَّ يَحْبُو كَأَنَّهُ مَكْبُولُ
فعلى هذا يكون هذا التعليلُ غيرَ صحيحٍ أو كأنه مكسور.
وقال بعض العلماء: إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم أسرعَ لأنهم كانوا في الجاهلية يَقِفون في هذا الوادي ويذكرون أمجادَ آبائهم؛ وأباؤنا فعلوا كذا وفعلوا كذا وفعلوا كذا، فأراد النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم أنْ يُخالِفهم كما خالَفَهم في الخروج من عرفة وخالَفَهم في الخروج من مزدلفة، ولعل هذا أقربُ التعاليل أنَّه فَعَل ذلك مُخالَفةً للمشركين الذين يَقِفون في هذا الوادي ليذكروا أمجادَ آبائهم، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: 200].
ثم قال المؤلف: (أسرعَ رميةَ حَجَرٍ) (رميةَ حَجَرٍ) كيف يمكن قياسها؟
وأَخَذَ الْحَصَا -وعدَدُه سَبعونَ بينَ الحِمِّصِ والْبُنْدُقِ - فإذا وَصَلَ إلى مِنًى - وهي من وادي مُحَسِّرٍ إلى جَمرةِ العَقبةِ - رَماها بسَبْعِ حَصَيَاتٍ مُتعاقباتٍ يَرْفَعُ يَدَه حتى يُرَى بياضُ إِبِطِه ويُكَبِّرُ مع كلِّ حَصاةٍ، ولا يُجْزِئُ الرميُ بغيرِها، ولا بها ثانيًا، ولا يَقِفُ، ويَقْطَعُ التلبيةَ قَبْلَها، ويَرْمِي بعدَ طُلوعِ الشمسِ ويُجْزِئُ بعدَ نِصفِ الليلِ - ثم يَنْحَرُ هَدْيًا إن كان معه، ويَحْلِقُ أو يُقَصِّرُ من جميعِ شَعْرِه، وتُقَصِّرُ منه المرأةُ أَنْمُلَةً، ثم قَدْ حَلَّ له كلُّ شيءٍ إلا النساءَ، والحِلاقُ والتقصيرُ نُسُكٌ، ولا يَلْزَمُ بتأخيرِه دَمٌ، ولا بتقديمِه على الرَّمْيِ والنَّحْرِ.
(فصلٌ)
ثم يُفيضُ إلى مَكَّةَ، ويَطوفُ القارِنُ والمُفْرِدُ بنِيَّةِ الفريضةِ طوافَ الزيارةِ، وأَوَّلُ وقتِه بعدَ نِصفِ ليلةِ النحْرِ، ويُسَنُّ في يومِه وله تَأخيرُه، ثم يَسْعَى بينَ الصَّفَا والمروةِ إن كان مُتَمَتِّعًا أو غيرَه ولم يكنْ سَعَى مع طَوافِ القُدومِ، ثم قد حَلَّ له كلُّ شيءٍ ثم يَشربُ من ماءِ زَمزمَ لِمَا أَحَبَّ، ويَتَضَلَّعُ منه ويَدعو بما وَرَدَ.
ثم يَرْجِعُ فيَبيتُ بِمِنًى ثلاثَ ليالٍ فيَرْمِي الجمرةَ الأُولَى، وتَلِيَ مَسجدَ الْخَيْفِ - بسبْعِ حَصَياتٍ ويَجعلُها عن يَسارِه ويَتأَخَّرُ قليلًا ويَدعو طَويلاً، ثم الوُسْطَى مِثْلَها، ثم جَمْرَةَ العَقَبَةِ ويَجعلُها عن يَمينِه ويَسْتَبْطِنُ الوادِيَ ولا يَقِفُ عندَها، يَفعلُ هذا في كلِّ يومٍ من أَيَّامِ التشريقِ - بعدَ الزوالِ مُستقْبِلَ القِبلةِ مُرَتِّبًا -
قال العلماء: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسرع؛ لأنهم كانوا في الجاهلية يقفون في هذا الوادي، ويذكرون أمجاد آبائهم: وآباؤنا فعلوا كذا، وفعلوا كذا، وفعلوا كذا، فأراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يُخالفهم كما خالفهم في الخروج من عرفة، وخالفهم في الخروج من مزدلفة.
ولعل هذا أقرب التعاليل؛ أنه فعل ذلك مخالفةً للمشركين الذين يقفون في هذا الوادي ليذكروا أمجاد آبائهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: 198] ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: 200].
ثم قال المؤلف: (أسرعَ رمية حجر) (رمية حجر)، كيف يمكن قياسها؟
لأن الحجر قد يكون كبيرًا، فإذا رميت به لم يذهب بعيدًا، وقد يكون الرامي ضعيفًا، فإذا رمى بالحجر الصغير لم يذهب بعيدًا، لكنهم يقولون: مقدار خمس مئة ذراع، الذراع أظن ثلثي المتر، نعم، على هذا التقريب، لكن هل هذا يمكن العمل به الآن؟
طالب: لا يمكن.
الشيخ: الظاهر أنه لا يمكن؛ لأن الإنسان محبوس بأرتال السيارات التي لا يمكن أن يتقدم ولا أن يتأخر، وربما يُحبس في نفس المكان، يعجز أن يمشي.
ولكن نقول: هذا شيء بغير اختيار الإنسان، ينوي الإنسان بقلبه أنه لو تيسر له أن يُسرع لأسرع، وإذا علم الله من نيته هذا فإنه قد يُثيبه على ما فاته من الثواب.
يقول: (وأخذ الحصاة) من أين؟
ظاهر كلام المؤلف أنه يأخذه من وادي مُحسر أو من بعده؛ لأنه قال: (فإذا بلغ محسرًا أسرع وأخذ)، فعلى هذا يأخذه بعد أن يتجاوز مُحسرًا في طريقه.
والذي يظهر لي من السنة أن الرسول عليه الصلاة والسلام أخذ الحصى من عند الجمرة؛ لأنه أمر ابن عباس أن يلقُط له الحصى وهو واقف يقول للناس: بأمثال هؤلاء فارموا، ورمى.
وأما أخذه من مزدلفة فليس بمُستحب، وإنما استحبه بعضُ المتقدمين؛ لأجل أن يبدأ بالرمي أي: رمي جمرة العقبة من حين أن يصل إلى منى؛ لأن رمي جمرة العقبة هو تحية منى، ويُفعل قبل كل شيء، حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام رمى وهو على بعيره قبل أن يذهب إلى رحله ويُنزل رحله، لكنه رمى على بعيره.
والناس لا يتيسر لهم أن يقولوا لأحد منهم: القُط لنا الحصى، ويلقط لهم الحصى وهم على إبلهم، ثم يرمون، لا يتيسر؛ فلذلك استحب بعضُ المتقدمين أن يأخذ الحصى من مزدلفة، وليس هذا بسُنَّة.
ولكن عامة الخلق يظنون أنه يجب أن يكون الحصى من مُزدلفة وجوبًا، حتى إن الواحد منهم يأخذ عددًا كبيرًا، يأخذ سبعين حصاةً؛ لأن سبعين حصاةً تكون لمن تأخر؛ واحد وعشرون، وواحد وعشرون، وواحد وعشرون، كم هذه؟ ثلاث وستون، وسبع يوم العيد، هذه سبعون حصاةً.
بعض الناس يأخذ زيادةً، لماذا؟
يخشى أن تسقط منه واحدة أو تضيع، أو يحتاج أحدُ إخوانه، ولذلك سمعتُ فيما سبق أن كل واحد منهم يستقرض من الآخر، إذا ضاع منه شيء قال لأخيه: أقرضني -جزاك الله خيرًا- حصاةً، ومتى يوفيها؟ يمكن في العام القادم، أو فيما بعده.
كل هذا؛ لأن العامة إذا رأوا العلماء يأخذون أو يقولون: يُستحب أن يأخذ من مزدلفة؛ ظنوا أن هذا واجب، والعامة يُحبون الخير لا شك، وقد تبيَّن بما قررنا أنه ليس من السنة، فضلًا عن أن يكون واجبًا.
قال المؤلف: (أخذ الحصى)، وهل يغسل الحصى ليُطهِّره؟
قال بعض العلماء: إنه يغسله تطهيرًا له إن كان قد أصابته نجاسة، أو تنظيفًا له إن لم تكن أصابته نجاسة.
والصحيح أن غسله بدعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يغْسِله.
(وعدده سبعون) هذا كلام المؤلف ما شاء الله (وعدده سبعون) يعني: سبعون حصاةً (بين الحمص والبندق)، ذكر المؤلف -رحمه الله- العدد والحجم؛ العدد سبعون؛ بناءً على أنه يتأخر، فإن لم يتأخر فأنزِل من السبعين واحدًا وعشرين تكن.
طالب: سبع وأربعون.
طالب آخر: لا، تسع وخمسون.
الشيخ: واحد وعشرون، وواحد وعشرون: اثنان وأربعون، وسبعة: تسع وأربعون.
تكن تسعة وأربعين.
والصحيح أنه لا يأخذ سبعين، ولا تسعًا وأربعين، أنه يأخذ الحصى كل يوم في يومه من طريقه وهو ذاهب إلى الجمرة؛ لأن الشيء الذي ليس عليه دليل يكون عدم فعله -لا سيما في العبادات- هو الدليل.
يقول: (وعدده سبعون).
أما الحجم، فقال: (بين الحمص والبندق) أظن العقيل يعرف الحمص، تعرفه؟ ما تعرف الحمص؟ أحد منكم ما يعرفه؟
طالب: هو دون الفول يا شيخ.
الشيخ: والفول مين يعرفه؟ ! على كل حال، الحمص معروف، ما أظن أحد يجهله.
طلبة: معروف؟
الشيخ: إي نعم، لا سيما في مكة.
طالب: البليلة يا شيخ.
الشيخ: بليلة، يمكن البليلة قريب منها، وأظن عقيل يعرفها، إي، هو هذا.
على كل حال، (بين الحمص والبندق) البندق هو الحصى الذي يُرمى به بين الإبهام والوسطى، تضعه هكذا، ثم ترمي به بالسبابة، والذي يُدرك هذه الكيفية من الرمي يكون جيدًا في حذف هذه الحصاة.
على كل حال، هي أكبر من الحمص ودون البندق، ولهذا قال: (بين الحمص والبندق).
(فإذا وصل إلى منى رمى جمرة العقبة) من الواصل؟
الطلبة: الحاج.
الشيخ: الحاج، ومِنى اسم مكان معروف، وسُميت بهذا الاسم لكثرة ما يُمنى فيها من الدماء، أي: يُراق من الدماء، وهي من حيث الإعراب مصروفة، فتقول: إلى منًى؛ لأنها تنصرف.
يقول: (فإذا وصل إلى منى) وهي من وادي مُحسِّر إلى جمرة العقبة، هذا حدها شرقًا وغربًا من وادي مُحسر -الذي ذكرنا قبل قليل أنه يُسرع فيه- إلى جمرة العقبة آخر الجمرات.
الوادي منها أو لا؟
طالب: لا.
الشيخ: ظاهر كلام المؤلف حسب دلالة (مِنْ) أنه منها، وليس كذلك، أما جمرة العقبة فليست منها؛ لأنه قال: (إلى جمرة العقبة)، والمعروف في معاني الحروف أن ابتداء الغاية داخل، لا انتهاؤها، لكن إذا كانت المسألة من باب الحد، فإن ابتداء الغاية وانتهاءها لا يدخلان.
فإذا قلت: لك من هذه الأرض مِن كذا إلى كذا، فالحد لا يدخل في المحدود، لا ابتداءً ولا انتهاءً، وبهذا يتقرر أن وادي مُحسر ليس من منى، وأن جمرة العقبة ليست من منى.
هذا من الشرق والغرب، لكن من الشمال والجنوب كيف نحدها؟
قال العلماء: كل الجبال الكبيرة كل وجوهها التي إلى منى مِن منى، كل سُفوح الجبال ووجوهها التي تتجه إلى منى كلها من منى.
وبناء على هذا تكون منى واسعة جدًّا، وتحمل الحاج، لو أنها نُظمت تنظيمًا تامًّا مبنيًّا على العدل لوسعت الناس، لكن يحصل فيها الظلم؛ تجد بعض الناس يتخذ مكانًا واسعًا يسع أكثر من حاجته عشر مرات، أو عشرين مرة.
وهنا مشكلة في الوقت الحاضر، يقول بعض الناس: أنا لا أجد أرضًا في منى إلا بأجرة، يبذلون إلى عشرين ألفًا، ثلاثين ألفًا، سبعين ألفًا، فهل يجوز أن يستأجر أرضًا في منى؟
الجواب: نعم، يجوز، والإثم على الْمُؤَجِّر الذي أخذ المال بغير حق، أما المستأجر ماذا يصنع؟
ولهذا قال فقهاءُ الحنابلة رحمهم الله: لا يجوز تأجير بيوت مكة، ولكن إذا لم يجد بيتًا إلا بأجرة بذل الأجرة، والإثم على صاحب البيت.
وهذه المسألة تُذكر في البيوع، وليس هذا موضع ذكرها، لكن ذكرتها استطرادًا.
أما بيوت منى، فلا شك أنه لا يجوز تأجيرها أبدًا، ولا أرض منى؛ لأن منى مشعر محدود، محصور، فأين يذهب الناس إذا استولى عليها من يقول: أنا لا أُنزل فيها الناس إلا بأجرة؟ !
أما مكة يمكن للإنسان أن ينزل بعيدًا، ولا يهم، لكن منى وعرفة ومزدلفة مشاعر كالمساجد، لا يجوز لأحد إطلاقًا أن يبني فيها بناء ويُؤجره، ولا أن يختط أرضًا ويُؤجرها، فإن فعل فالناس معذورون، يبذلون الأجرة، والإثم على الذي أخذها.
يقول: (فرماها بسبع حصيات متعاقبات) سبع حصيات، ولماذا اختِيرت السبع؟ اقتداءً بمن؟ برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه رماها بسبع حصيات.
أما لماذا لم تكن خمسًا، أو ثلاثًا، أو تسعًا، أو إحدى عشرة حصاة؟
فهذا ليس لنا الحق في أن نتكلم فيه، كما أنه ليس لنا الحق بأن نقول: لماذا كانت الصلوات الخمس سبع عشرة ركعة؟ لماذا لم تكن الظهر ستًّا، والعصر ستًّا، والعشاء ستًّا مثلًا؟
نقول: هذا لا تُدركه عقولنا، وليس لنا فيه إلا مجرد التعبد.
(بسبع حصيات مُتعاقبات) معنى (مُتعاقبات)؟
طالب: وراء بعض.
الشيخ: وراء بعض، يعني واحدة بعد الأخرى، صحيح.
وقول المؤلف: (رماها) يُفهم منه أنه لو وضع الحصى وضعًا فإنه لا يُجزئه، بل لا بد من الرمي، حذف، أما لو أخذ الحصاة ووضعها هكذا؛ هذا لا ينفع.
وقوله رحمه الله: (متعاقبات) لو أنه من شدة الزحام رمى السبع جميعًا، ما لا يُجزئه؟
طلبة: واحدة.
الشيخ: واحدة فقط، تجزئه واحدة.
وقول المؤلف: (بسبع حصيات متعاقبات) ظاهره أنها مُتوالية، أو أنه لا فرق بين المتوالية والمتفرقة، فيه احتمال: أنه يجوز أن تكون متوالية، ويجوز أن تكون متفرقةً، لكنها عبادة واحدة، والأصل في العبادة الواحدة المكونة من عدد أن تكون متوالية.
يقول رحمه الله: (يرفع يده اليُمنى حتى يُرى بياضُ إبطه، ويُكبر مع كل حصاة)
علل الشارح هذا بأنه أعونُ له على الرمي، هكذا، حتى يبدو بعض إبطه؛ لأنه أعون له على الرمي.
وهذا فيما إذا كان الإنسان بعيدًا واضحًا، لكن إذا كان قريبًا ويمكن يقول: هكذا، هكذا، فلا حاجة، المقصود هو الرمي، فالإنسان البعيد يحتاج إلى رفع يده حتى يصل إلى المراد.
وقول المؤلف: (فرماها بسبع حصيات) (رماها): قد يُفهم من هذا الكلام أنه لا بد أن يرمي الشاخص -العمود القائم- ولكنه غير مراد، المقصود أن تقع في الحوض، سواء ضربت العمود أم لم تضربه.
(ويُكبِّر مع كل حصاة)، كلما رمى قال: الله أكبر، مع كل حصاة، وبهذا نعرف الحكمة من الرمي؛ من رمي الجمرات، الحكمة هو تعظيم الله عز وجل، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَرَمْي الْجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ» (1)، فالحكمة إقامة ذكر الله، وتعظيم الله عز وجل، وتمام التعبد؛ لأن كون الإنسان يأخذ حصى ويضرب به هذا المكان يدل على تمام انقياده، إذ إن النفوس قد لا تنقاد للشيء إلا بعد أن تعرف المعنى الذي من أجله شُرع، لكن كونك تأتي وترمي هذه الحصيات في هذا المكان يدل على تمام الذل والتعبد لله عز وجل.
وأما ما يُذكر أن الرمي هنا إغاظة للشيطان، فإن هذا لا أصل له صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل النبي عليه الصلاة والسلام بيَّن أن الحكمة هو إقامة ذكر الله عز وجل.
وعلى المفهوم الذي ذكرنا أنه من أجل الشيطان صار بعضُ العامة إذا أقبل على الجمرة يُقبل بانفعال شديد، وغضب شديد، مُحمر العينين، مُنتفش الشعر، يخبط كأنه جمل هادر، وكيف يضرب؟ يدور أكبر حصاة حصل ويضرب بها هذا المكان، وربما يضرب هذا المكان بالنعال، والخشب، وما أشبه ذلك.
ولقد رأيتُ بعيني قبل أن تُبنى هذه الجسور رأيتُ رجلًا وامرأته جالسين على الحصى -الحصى المتجمع من رمي الناس- يضربان العمود، والحصى تُصيبهما، ولا يتأثران، لا يتحركان، فأقول في نفسي:
هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ
وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ
يعني أنهم صبروا من أجل تحصيل الأجر، يظنون أن هذا أجر لهم، كله من أجل العقائد أو التوهمات التي يرثها بعضُهم من بعض.
قال: (ولا يُجزئ الرمي بغيرها)، بغير أيش؟
طلبة: بغير الحصى.
الشيخ: بغير الحصى، حتى ولو كان ثمينًا.
عندي بالشرح يقول: (كجوهر، وذهب، ومعادن).
يعني لو رميت بدل الحصاة -الحصى- دنانير فإنه لا يُجزئ؛ لأن المسألة تعبدية، لو رميت بجوهر، لو رميت بالماس، لو رميت بالحديد، لو رميت بالخشب، بأي شيء فإنه لا يُجزئ إلا بالحجر.
لو رميت بمدر -الطين المُجبن اليابس- فإنه لا يُجزئ.
وهنا نسأل: هل يجوز أن يرمي بكسر الأسمنت؟
يوجد مثلًا عند محل صبات الأسمنت يوجد كسر من الأسمنت، هل يجوز أن يرمي بها؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأن هذه ليست أحجارًا، لكن يوجد في هذه الأمكنة يوجد حصى -أحجار مختلطة بالأسمنت- يمكن يرمي بها.
قال: (ولا يُجزئ الرمي بغيرها، ولا بها ثانيًا) يعني ولا يجزئ الرمي بها ثانيةً، يعني لا ترمي بحصاة رُمي بها، لماذا؟
قاسُوه على أصل، قالوا: لأن الماء المستعمل في الطهارة الواجبة لا يرفع الحدث.
هذه حصاة مستعملة في عبادة واجبة مرمية -وهو الرمي- فلا يجوز أن ترمي بها ثانيًا، كما لا يجوز أن تتوضأ بالماء المستعمل، هذه واحدة, وعلَّلوا بتعليل آخر: قالوا: لأن العبد إذا أُعتق في كفارةلم يجُز إعتاقُه مرةً أخرى.
ونحن نقول: كلا التعليلين عليل؛ أما الأول: فإنه قاس مختلفًا فيه على مختلف فيه؛ لأن بعض العلماء يقول: إن الحصاة المرمي بها مُجزئة، وهذا مذهب الشافعي رحمه الله.
فنقول: أنت قِست شيئًا مختلفًا فيه على شيء مُختلف فيه، والقياس لا بد فيه من أن يتفق الطرفان على حكم الأصل؛ لأجل أن يُلزم أحدُهما الآخر بما يقتضيه القياس.
أما إذا قال: أنا لا أُسلِّم أن الماء المستعمل لا يرفع الحدث.
أقول: الماء المستعمل يرفع الحدث، وحينئذٍ إذا بطل الأصل المقيس عليه.
الطلبة: بطل المقيس.
الشيخ: بطل المقيس، هذه واحدة.
وأما الرقبة: فنقول: إن العبد إذا أُعتق صار حرًّا، يعني زال عنه وصف العبودية، ولهذا لو قُدر أن هذا العبد ذهب إلى الكفار، ثم حاربنا، ثم سبيناهُ مرةً ثانيةً؛ عاد رقيقًا، وجاز أن يُعتق في الكفارة.
إذن القول الراجح أن الحصاة المرمي بها مجزئة، وهذا مع كونه هو الصحيح أرفق بالناس؛ لأنه أحيانًا تسقط منك الحصاة وأنت عند الحوض، وتتحرج أن تأخذ مما تحت قدمك، فإذا قلنا بالقول الراجح: إنها تُجزئ ولو كانت مرميًّا بها أمكن الإنسان أن يأخذ من تحت قدمه ويرمي.
لكن أُورد على هذا القول إيراد لننظر معكم كيف نتخلص من هذا الإيراد؟
قالوا: هذا القول يستلزم أن يُجزئ الحجيج كلهم حصاة واحدة!
يعني يجيء واحد يرمي بحصاة، ثم يأخذها ويرمي بها، ويأخذها ويرمي، ويأخذ ويرمي، كم هذه؟
طلبة: سبع.
الشيخ: إلى السبع، والآخر ينتظر، فبعدما ينتهي يأخذ ويرمي، والثالث ينتظر، وإذا قدَّرنا أن مليون مسلم اللي بيرمي.
طلبة: (... ).
الشيخ: على كل حال -شوف العلماء رحمهم الله- أورد هذا الإيراد: قيل: يلزم على قولكم أن يجزئ الحجيج كلهم حصاة واحدة.
قلنا: نحن نلتزم بهذا، لكن من يبغي يفعل؟ !
أحد الناس بيقعد ينتظر الثاني حتى يكمل سبع مرات يُعيد الحصاة، ثم الثالث والرابع إلى مليون نفر! هذا لا يمكن، فالإيراد الذي تنفر الطباع منه، ولا تقبله ليس بإيراد في الواقع، لكن الذي يحتاج الناس إليه في عصرنا هذا هو أنه أحيانًا تسقط منك الحصاة وأنت قريب من الحوض، وتحتاج إلى أن تأخذ من تحت قدمك وترمي به، نقول: لا بأس، افعل ولا حرج.
(ولا يجزئ الرمي بغيرها، ولا بها ثانيًا، ولا يقف) أيش معنى (لا يقف)؟
لا يقف بعد رمي الجمرة، لا يقف للدعاء، ينصرف إلى المنحر، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم (... ).
رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد، اللهم اغفر لي ولوالدي.
الإخوان يقولون: البندق نبات أو ثمر يُؤكل، قاله عبد الرحمن رستم، وحجاج بن عبد الرازق الأنصاري.
فلا ندري.
طالب: (... ).
طالب آخر: (... ).
الشيخ: على كل حال، يرجع إليه.
طلبة: (... ).
الشيخ: تأتينا -إن شاء الله- غدًا بشيء منه، للاطلاع عليه.
طالب: (... ).
الشيخ: ويش يقول؟
طالب: (... ).
الشيخ: نخليها بعدين.
طالب: (... ) والبُندق بضم الباء والدال، الذي يُرمى بها، الواحدة: بندقة، بهاء، والجمع بنادق، وثمرة شجر.
الشيخ: يعني خلاص، إذن يطلق على معنيين؛ على الحصى الذي يُرمى به، وعلى ثمر الشجر.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (ولا يقف): يعني لا يقف بعدها للدعاء، بل ينصرف إلى المنحر، وهنا نسأل: من أين يرمي هذه الجمرة؟ أمن الشرق أم من الغرب؟ يرمي من بطن الوادي.
وكانت الجمرة -وأنا أدركتها- في ظهر جبل، لاصقة بجبل، لكن جبل ليس بالرفيع، فيه عقبة، ولهذا تُسمى جمرة العقبة، يصعد الناس منه، وكان تحتها وادي شهيب يمشي، فالنبي عليه الصلاة والسلام رمى من بطن الوادي (2)، ولم يصعد على الجبل فيرمي من فوق.
إذا رمى من بطن الوادي تكون مكة عن يساره، ومنى عن يمينه، وقد فعل ذلك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وقال: هذا مقام الذي أُنزلت عليه سورة البقرة (3)، فيرمي من بطن الوادي، يجعل مكة عن يساره، ومنى عن يمينه، وهذا إن تيسر، وفي عهدنا بالوقت الحاضر قد يكون صعبًا.
وقد ذكرنا القاعدة التي تُعتبر قاعدةً نافعةً: أن مراعاة ذات العبادة أولى من مراعاة مكانها، فإذا كان إذا أتاها مثلًا من الشمال -الآن ما فيه عقبة ولا في جبل- إذا أتاها من الشمال يكون أيسر له، فليكن من الشمال.
المهم أن نقول: ارمها الآن من أي مكان يكون أيسر لك، المهم أن تؤديها بخشوع، واستحضار أنك في عبادة، وتُكبر الله عز وجل.
ثم قال المؤلف: (ويقطع التلبية قبلها)؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يُلبي حتى رمى جمرةَ العقبة.
طالب: (... ).
الشيخ: ذكرناها.
(ويقطع التلبية قبلها)، عندي بالشرح لقول الفضل بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة (4).
ومن حين أن يبدأ يقطع التلبية؛ لأنه إذا بدأ سُنَّ له ذكر آخر، وهو أيش؟
طلبة: التكبير.
الشيخ: التكبير.
قال: (ويرمي بعد طلوع الشمس) يرمي الفاعل؛ الحاج، يرمي بعد طلوع الشمس هذا هو الأفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رمى بعد طلوع الشمس (5).
(ويُجزئ بعد نصف الليل) بعد نصف الليل منين؟
طالب: من ليلة المزدلفة.
الشيخ: من ليلة النحر، وظاهر كلام المؤلف أنه يجزئ مطلقًا للقوي، والضعيف، والذكر، والأنثى، وسبق بيان ذلك، وأنه لا يدفع أحد من مُزدلفة إلا بعد أن يُصلي الفجر، ما لم يكن ضعيفًا أو صاحبًا لضعيف، ومع ذلك لو دفع فإنه لا يأثم والمسألة من باب الأفضلية.
قال المؤلف: (ويجزئ بعد نصف الليل، ثم ينحر هديًا إن كان معه) ينحر الهدي بعد الرمي.
وقوله: (إن كان معه) يعني أو ليس معه، وذهب يشتريه من السوق ونحره.
وقوله: (ينحر هديًا): عبَّر بالنحر من باب التغليب، أو من باب مراعاة لفظ الحديث، حيث قال جابر: ثم انصرف إلى المنحَر فنحر (6).
لكن من المعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم أهدى إبلًا، فمن كان أهدى إبلًا فإننا نقول له: انحر، لكن من أهدى بقرًا أو أهدى غنمًا فإنا نقول له: اذبح، فعليه يكون قول المؤلف: (ثم ينحر) إما بناءً على التغليب، وإما موافقةً للفظ الحديث.
(ويحلق، أو يُقصِّر من جميع شعره) يحلق، أو يُقصر، (أو) هنا للتخيير، ولكنه تخيير بين فاضل ومفضول، ما هو الفاضل؟
طالب: الحلق.
الشيخ: الحلق؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا للمُحلِّقين ثلاثًا وللمُقصِّرين مرة (7)، ولأن الله قدمه في الذكر، فقال: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ [الفتح: 27].
(ويحلق أو يقصر من جميع شعره) من الذي يحلق؟
طلبة: الحاج.
الشيخ: الحاج، لكن هل يحلق هو بيده، أو يُكلف من يحلقه؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، وإن شاء الأول، إن قدر على أن يحلق نفسه بنفسه فلا حرج، خلافًا لقول بعض العلماء: إنه إذا حلق نفسه بنفسه يكون فعل محظورًا، فنقول: لا، هذا لم يفعل محظورًا، حلق للنسك.
يقول: (ثم يحلق، أو يُقصر من جميع شعره) أشار المؤلف بقوله: (من جميع شعره) إلى أن التقصير لا بد أن يكون شاملًا للرأس.
من كل شعرة بعينها؟ لا، لكن لا بد أن يعم الرأس بحيث يظهر لمن رآه أنه مُقصر.
وذكر ذلك خلافًا لما قاله بعضُ أهل العلم؛ أنه يكفي أن يُقصر من ثلاث شعرات، أو من ربع الرأس، أو ما أشبه ذلك، بل الصواب ما ذكره المؤلف، أنه لا بد أن يُقصِّر من جميع الشعر.
(وتُقصر منه المرأة أنمُلة) المرأة تُقصر أنملة، كيف أنملة؟
طلبة: عندنا: (قدر).
الشيخ: عندكم (قدر)؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: (تقصر المرأة منه قدر أنملة): الأنملة: أنملة الأصبع؛ يعني أن المرأة تمسك بضفائر رأسها -إن كان لها ضفائر- أو بأطرافه -إن لم يكن لها ضفائر- وتقص بقدْر أنملة، وقدر أنملة بالتقدير الأخير هذا كم؟ من؟
طالب: 2 سم يا شيخ.
الشيخ: 2 سم؟ تقريبًا.
(ثم قد حل له كل شيء إلا النساء) (ثم) يعني بعد الحلق قد حلَّ له كل شيء إلا النساء.
الآن فعل الحاج ثلاثة أشياء، ما هي؟
الرمي، والنحر، والحلْق، أو التقصير، إذا فعل هذه حلَّ من كل شيء إلا النساء.
(كل شيء) يعني المحظورات التسعة يحل منها إلا النساء.
(إلا النساء وطئًا، ومباشرةً، وعقدًا)، هذا هو المشهور من المذهب.
وقيل: وطئًا، ومباشرةً، لا عقدًا وخطبةً، وأنه يجوز العقد وتجوز الخطبة بعد التحلل الأول.
فعلى المذهب، لو أن أحدًا من الناس رمى، ونحر، وحلق، ثم تزوج قبل أن يطوف بالبيت، فالنكاح مُحرم وغير صحيح.
وهذا ربما يقع في غير هذه الصورة التي ذكرت، ربما يطوف الإنسان طواف الإفاضة على وجه لا يُجزئه، ثم يرجع إلى بلده ويتزوج في هذه المدة قبل أن يُصحِّح خطأه في الطواف، فعلى المذهب يكون النكاح غير صحيح، وتلزمه إعادة العقد.
وعلى القول الثاني -وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو الصحيح- يجوز عقد النكاح بعد التحلل الأول ويصح.
وقوله رحمه الله: (ثم قد حل له كل شيء) ظاهره أنه لا يحل بمجرد الرمي، وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: إنه يحل بالرمي؛ أي: رمي جمرة العقبة، سواء حلق أم لم يحلق.
واستدلوا لذلك بأن الإنسان يقطع التلبية إذا شرع في الرمي، وهذا يعني أن نُسكه انتهى، وبأنه ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام تعليق الحل بالرمي فقط.
ولكن الذي يظهر لي أنه لا يمكن أن يحل إلا بعد الرمي والحلق؛ لقول عائشة رضي الله عنها: كنتُ أُطيِّب النبي صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يُحرِم، ولِحِلِّه قبل أن يطوف بالبيت (8).
ولو كان يحل بالرمي لقالت: ولحله قبل أن يحلق، فهي -رضي الله عنها- جعلت الحل ما بين الطواف والذي قبله، والذي سبقه هو الرمي والنحر والحلق، لا سيما وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ» (9). فالصواب أنه لا يحل التحلل الأول إلا بالرمي والحلق.
يقول رحمه الله: (والحلاق والتقصير نسك) يعني أن الحلق والتقصير نُسك، وإنما نص على هذا دفعًا لقول من يقول: إنه إطلاق من محظور، وليس بنسك.
وبناءً على هذا، ينوب مناب الحلق فِعل أي محظور فعله؛ لأن المقصود أن يُعلم أنه تحلَّل من إحرامه، كما قال بعضُهم في التسليم في الصلاة: إن المراد فعل ما يُنافي الصلاة، وأنه إذا فعل ما يُنافي الصلاة فإنه يُغني عن التسليم.
ويُذكر أن بعض الناس قال لبعض الملوك الذين يعتنقون مذهبًا من المذاهب، قال: أتريد أن أصلي لك صلاةً على هذا المذهب؟ قال: نعم.
قال: على أقل مجزئ؟ قال: نعم.
فكبر تكبيرة الإحرام، وقال: الله أعظم، ثم قال: مُدهامتان، ثم ركع بلا تكبير، ولا تسبيح، ولا طُمأنينة، ثم رفع كذلك، وفي النهاية عند التسليم أحدث، أحدث بريح، ليش؟ لأنه فعل ما يُنافي الصلاة، فقال: أيش هذا؟ ! قال: هذا هو مُقتضى هذا المذهب الذي أنت عليه.
فعلى كل حال، يرى بعض العلماء أن الحلق والتقصير إطلاق من محظور، وليس بنُسك، ولكنه قول ضعيف، والصواب أنه نسك، وأنه عبادة وقُربة لله، والدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا للمُحلقين وللمُقصرين، ولا يدعو إلا لشيء مطلوب شرعًا.
(ولا يلزم بتأخيره دم، ولا بتقديمه على الرمي والنحر) يعني لو أخر الحلق أو التقصير عن أيام التشريق، أو عن شهر ذي الحجة، أو أخره إلى ربيع، أو إلى رمضان، أو إلى السنة الثانية، فليس عليه شيء، لكن يبقى عليه أيش؟ التحلل الثاني؛ لأنه لا يمكن أن يتحلل التحلل الثاني حتى يحلق أو يُقصر، ولكن الذي يظهر أنه لا يجوز تأخيره عن شهر ذي الحجة؛ لأنه نسك، وقد قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197].
طلبة: (... ).
الشيخ: كيف؟
طلبة: (... ).
الشيخ: لا, ما يفعل.
طالب: شيخ، بالنسبة لهذا العصر يكون الحجاج؛ يعني يكونون منتشرين في عرفات، ولا يسعهم مكان واحد بالنسبة لصلاة الظهر والعصر، والآن يعني الخطبة وصلاة المشعر يعني بتكون في الإعلام؛ يعني من مذياع ومرئي، فهل يعني يجوز لهم أن يصلوا خلف المذياع، وهم منتشرون في عرفات خلف الإمام؟
الشيخ: ماذا تقولون؟ يقول خلاصة سؤاله: هل يجوز لنا ونحن في عرفة أن نصلي بصلاة الإمام إمام مسجد عرنة؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: نقول: لا يجوز؛ لأنه لا بد من أن يكون مكان الجماعة واحدًا، ثم إننا لا نأمن أن ينقطع الصوت.
وعلى رأي بعض العلماء، يقول: لا بد من اتصال الصفوف إذا كان خارج المكان، ولو فتحنا هذا الباب لفتحنا على أنفسنا شيئًا لا يمكن لنا دفعه، لقال الناس: نبقى في بيوتنا في يوم الجمعة، ونصلي الجمعة خلف إمام مكانه أفضل من مكان إمامنا، ما هو؟
الطلبة: الحرم.
الشيخ: الحرم، وهذه مشكل، ولهذا الذي نرى أنه يجب سد هذا الباب، ونقول: من كان متصلًا مع الناس -مثل الذي يكون حول المسجد، مسجد عُرنة- فليُصلِّ مع الناس، أما البعيد فلا.
طالب: أحسن الله إليكم، ذكرتم بأن رمي جمرة العقبة هي تحية منى، وذكرتم أيضًا بأن جمرة العقبة ليست من منى، فكيف يكون الرميُ تحيةً لها وهي ليست من منى؟
الشيخ: إي، تحيةً لها زمنًا لا مكانًا، بمعنى أنه يُبدأ به قبل كل شيء.
طالب: لكن تحية الشيء يا شيخ، أليست مكانًا أحسن الله إليك؟
الشيخ: هذه منى، إذا وصلت منى، وإن كان هذا ليس منى.
طالب: أقول: أليست العبرة بالمكان؟
الشيخ: لا، لكن تحية المسجد من المسجد، أما هذه فتحية منى، يعني تحية النزول في منى، والإنسان إذا رمى سوف ينزل بمنى، والعلماء نصوا على هذا، على أن جمرة العقبة ليست من منى.
طالب: شيخ، قلنا: إنه يجوز حتى لغير الضعفاء (... ) بمزدلفة بعد مضي ثلثي الليل، لكن شيخ، النبي صلى الله عليه وسلم، إنما رخص (... ).
الشيخ: إي نعم، لكن في وقتنا الحاضر الآن فيه مشقة على كل أحد، حتى الإنسان القوي يلحقه مشقة عظيمة، فبناء على هذا نقول: لا بأس.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، (... ).
الشيخ: كيف؟
طالب: ما يأخذ الحصاة (... )، بل إذا (... ).
الشيخ: ما به بأس، هذا أقرب إلى السنة.
طالب: من الأرض؟
الشيخ: إي، من الأرض.
طالب: عند الجمرة.
الشيخ: عند الجمرة.
طالب: رضي الله عنك يا شيخ، التلبية (... ) مشاعر، هل يلبي أو لا؟
الشيخ: إي، هذه المسألة اختلف فيها العلماء، هل يلبي الإنسان وهو نازل في عرفة، أو نازل في المزدلفة، أو التلبية إنما تكون للماشي الذي يُقبل على من دعاه؟
يرى شيخ الإسلام رحمه الله أن التلبية إنما تكون للماشي -للساعي- لأنه هو الذي يتجه إلى من دعاه، ولكن ظاهر السنة خلاف ذلك؛ لأن قوله: لم يزل يُلبي حتى رمى جمرة العقبة (10) ظاهره أنه في كل هذا الوقت.
طالب: الأبطح من الحرم ولا خارج الحرم؟
الشيخ: الأبطح من الحرم.
طالب: من خارج مكة (... ).
الشيخ: تقصد من الحرم؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: إي نعم، المزدلفة من الحرم، منى من الحرم.
طالب: شيخ، قلنا: إن المكي إذا أراد العمرة خرج إلى الحل، واستدللنا لذلك بحديث عائشة وقلنا: عائشة (... ) من غير المكي، فكيف يتم الاستدلال؟
الشيخ: أليس الآفاقي إذا أحرم بالحج يُحرم من مكة؟
طالب: بلى، ولكن المكي والآفاقي يُحرم بالحج من مكة داخلين تحت العموم.
الشيخ: زين.
الطالب: ومَن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ.
الشيخ: لكن ألا يمكن أن يكون العموم يُخصص؟
الطالب: يخصص للآفاقي، هذا جاء الدليل (... ).
الشيخ: لا، ما هو في الآفاقي، ما دام أنه قال: «حَتَّى أَهْل مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ» (11)، وقد ذكر الحج والعمرة، ثم بين في حديث عائشة أنه يُحرم من الحل (... ) واضح؟
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، قلنا في الدعاء في عرفة: يجوز أن يُؤمن الناس خلف..
الشيخ: يعني يمشي مع الناس مثلًا على واحد يدعو لهم.
الطالب: نعم.
الشيخ: إي نعم، لكن بعض الإخوة قال: نخشى أن يفتح علينا هذا الباب، التكبير الجماعي، والتلبية الجماعية.
طالب: الدعاء خلف الصلاة.
الشيخ: لا، هو أحيانًا يكون أي يكون الجماعة، ما معهم إنسان يعرف يدعو والوقت طويل، يقول: جزاك الله الخير، ادعُ لنا.
وحديث العباس أن عمر قال: ادعُ لنا، لكنه حديث العباس لا يتم الاستدلال به؛ لأنه في مكان دعاء استسقاء.
على كل حال، المسألة تحتاج إلى تأمل، وأنا أحب أن نسد الأبواب أمام أهل البدع.
وأنا أقول للإنسان: إذا كان معك عوائل لا يعرفون الدعاء، فأنت قل لهم: ادعوا باللي تعرفون، لو تقول: اللهم اغفر لي، اللهم اغفر لي، تكررها إلى الغروب، كفى.
طالب: بارك الله فيكم، لو حدث لإنسان تقدم إلى الجمرات ولقط من تحت الجمرات، فهل هذا جائز؟ أفتونا يا شيخ، أفادكم الله.
الشيخ: أيش؟
طالب: تذكرون هذا الأمر، أن لو لقط من الجمرات نفسها، أخذ من الحوض.
الشيخ: من الحوض يجزئ، ما فيها شيء.
الطالب: بدون حاجة.
الشيخ: بدون حاجة، لكن الغالب إن لم يصل إلى هذا المكان يكون في حاجة؛ لأنه لو نزل رأسه بيأخذ ممكن يُدعس.
طالب: في عرفة والمشاعر، الذين يخرجون من أهل مكة للتجارة، هل يصلون قصرًا وجمعًا في عرفات ومزدلفة؟
الشيخ: سمعتم السؤال؟
يقول: إذا خرج أهل مكة مع الحجاج للتجارة، هل يقصرون ويجمعون أو لا؟ فهذا ينبني على الخلاف، هل الجمع والقصر في منى ومزدلفة وعرفة نُسك، أو من أجل السفر؟
يرى بعض العلماء أنه نُسك، وهذا رأي من يرى أنه لا يجوز الجمع إلا في عرفة ومزدلفة، ويرى آخرون أنه للسفر، وأن السفر ما تعارف الناس عليه، وفي عهد الرسول عليه الصلاة والسلام كان الناس يتزودون للخروج إلى منى وعرفة ومزدلفة، ويتأهبون أُهبة السفر، وهذا القول اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
والدليل على هذا أنه لو كان من أجل النسك لقلنا لمن أحرم في مكة وتأخر عن الخروج، وهو من أهل مكة، فإنه يجوز له القصر.
الصحيح أنه من أجل السفر، وبناءً على ذلك نقول: هؤلاء الذين يخرجون مع الحجاج للتجارة لهم القصر.
بقي أن نقول: منى في الوقت الحاضر هل تُعتبر خارج مكة، أو تُعتبر من مكة؟
طالب: من مكة.
الشيخ: الظاهر أنها من مكة، ولهذا نحن نقول للحجاج من أهل مكة: الأحوط لكم ألا تقصروا في منى، كما هو المشهور من مذهب الحنابلة أيضًا؛ مذهب الحنابلة الآن والشافعية، ومن يشترط المسافة يرى أنه لا يجوز لأهل مكة أن يقصروا، ولا أن يجمعوا في عرفة، ولا مزدلفة، ولا منى؛ لأن كل هذه لا تبلغ المسافة.
لكن إذا قلنا: إن الصحيح أن السفر ما تأهب الناسُ له؛ فإنا نقول في الوقت الحاضر: إن منى لأهل مكة حي من أحياء هذا (... ).
نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا أن الإنسان إذا دفع من عرفة بات في المزدلفة، وله أن ينصرف منها على ما مشى عليه الفقهاء رحمهم الله بعد منتصف الليل مطلقًا؛ أي: سواء كان قويًّا أم ضعيفًا.
وسبق لنا أن القول الراجح في هذا أنه لا يدفع إلا إذا مضى أكثرُ الليل، وأن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما كانت ترقُب غروب القمر، فإذا غرب دفعت، وأن هذا هو الصحيح، وهو الذي يحصل به الْمُكث في مزدلفة أكثر الليل.
وسبق لنا أيضًا أنه إذا وصل إلى منى فإنه يبدأ برمي جمرة العقبة، ثم أيش؟
طلبة: نحر الهدي.
الشيخ: ثم نحر الهدي، ثم الحلق أو التقصير، ثم الطواف، ثم السعي.
وتُرتب هكذا على وجه الندب، فإن قدَّم بعضها على بعض فالصحيح أن ذلك جائز، سواء كان لعذر -كالجهل والنسيان- أو لغير عذر؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يُسأل في ذلك اليوم عن التقديم والتأخير فيقول: «افْعَلْ، وَلَا حَرَجَ» (12).
وتأمل قوله: «افْعَلْ، وَلَا حَرَجَ»، ولم يقل: «لَا حَرَجَ» فقط، بل قال: «افْعَلْ»، وافعل فعل أمر للمُستقبل، يعني أنك إذا فعلت في المستقبل فلا حرج.
وقد أبدى بعضُ العلماء المحققين -كابن دقيق العيد وغيره- أن هذا إنما يكون لمن كان معذورًا؛ لأن في بعض ألفاظ الحديث: لم أشعر، فظننتُ أن كذا قبل كذا، فقال: «افْعَلْ، وَلَا حَرَجَ».
ولكن لما كان النبي عليه الصلاة والسلام قال: «افْعَلْ، وَلَا حَرَجَ»، وهي للمستقبل، ولم يقتصر على قوله: «لَا حَرَجَ»؛ عُلم أنه لا فرق بين الناسي والجاهل، وبين الذاكر والعالم.
وهذا كما أنه ظاهر الأدلة؛ فهو الموافق للدين الإسلامي في مثل هذه الأزمان؛ لأن ذلك أيسر على الناس.
بقي السعي قبل الطواف، فإن من العلماء من أنكر هذا، وقال: لا يمكن السعي قبل الطواف؛ لأن الله قال: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29]، فالطواف لا يمكن أن يتقدمه السعي.
فمنهم من طعن في صحة الرواية: سعيتُ قبل أن أطوف (13).
ومنهم من قال: المراد بذلك سعي الحج لمن كان قارنًا أو مُفرِدًا، فأما الأول فالحديث صحيح، ولا مطعن فيه، وأما الثاني: فإن هذا الرجل لم يسأل عن سعي سبق منذ أيام، إنما سأل عن سعي حصل في ذلك اليوم، ولا يصح أن نقول: إن هذا السعي الذي كان بعد طواف القدوم؛ لأن ظاهر حال السائل لا تقتضي هذا.
وسبق لنا أنه يحصل التحلل الأول إذا رمى وحلق أو قصَّر، وأن النحر لا علاقة له بالتحلل، ولكن الفقهاء -رحمهم الله- توسعوا وقالوا: يحصل التحلل الأول بفعل اثنين من ثلاثة، وهي: الرمي، والحلق، والطواف، قالوا: إذا رمى وطاف حل التحلل الأول، إذا حلق وطاف حل التحلل الأول، إذا رمى وحلق حل التحلل الأول.
المهم إذا فعل اثنين من ثلاثة، والسنة إنما جاءت بالرمي وحده، أو بالرمي والحلق، ولكنهم قالوا: إذا كان الطواف مُؤثرًا في التحلل الثاني فإنه يكون مُؤثرًا في التحلل الأول، وذلك أن الإنسان إذا رمى وحلق وطاف: حل التحلل الثاني، فإن كان مُتمتعًا فيحل التحلل الثاني بعد السعي، وإن كان قارِنًا أو مُفرِدًا، ولم يكن سعى مع طواف القدوم فكذلك، فلهذا ألحقوا الطواف بالرمي والحلْق، وقالوا: إذا فعل اثنين من ثلاثة.
وسبق لنا أن القول الراجح أن الحلْق والتقصير إطلاق من محظور.
الطلبة: لا، نُسك.
الشيخ: نُسك، أنه نسك، وليس إطلاقًا من محظور.
والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا للمُحلقين والْمُقصرين، والدعاء لا يكون إلا على فعل مأمور به، وإذا كان مأمورًا به فهو نُسك.
وسبق لنا أن المذهب، يرون أنه لا بأس من تأخيره ولو سنوات، لكنه يبقى على التحلل الأول فقط، ما هو على إحرامه، يبقى على التحلل الأول فقط، فلا يحل له النساء، على القول بأنه لا بد للتحلل الأول من الحلق أو التقصير، ولكن الذي يترجح لي أنه لا يجوز تأخيره عن شهر ذي الحجة؛ لقول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197].
ثم قال المؤلف: (فصل: ثم يفيض إلى مكة) (يفيض)؟
طلبة: (... ).
الشيخ: نعم، (ولا يلزم بتأخيره دم) يعني لا يلزم بتأخير الحلق أو التقصير عن أيام منى دم، بل ولا عن شهر ذي الحجة، بل لو أخَّره إلى عشر سنوات فليس عليه شيء، ولكن هنا مسألة لو كان جاهلًا أنه يجب الحلق أو التقصير، ثم علم، فنقول: احلق وقصِّر الآن، ولا حرج عليك فيما فعلت من المحظورات قبل ذلك؛ لأنك فعلتها جاهلًا.
قال: (ولا بتقديمه على الرمي والنحر) يعني ولا يلزم بتقديم الحَلْق أو التقصير على الرمي والنحر دم، بل له أن يُقدمه على الرمي والنحر، وليس عليه شيء، وقد سبق البحث في هذه المسألة، وبينا أدلة ذلك من سُنَّة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
ثم قال: (فصل، ثم يفيض إلى مكة) (يفيض) مأخوذ من فاض الماء، يعني يفيض الحاج أو الحجيج، يفيضون إلى مكة، أي: ينزلون من منى إلى مكة، ومتى هذا؟
في ضحى يوم النحر؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أفاض إليها في الضحى.
(ويطوف القارنُ والمفردُ بنية الفريضة طواف الزيارة) يطوف المفرد والقارن بنية الفريضة طواف الزيارة.
أفادنا المؤلف رحمه الله أن هذا الطواف فرض؛ لقوله: (بنية الفريضة)، وأنه لا بد من نيته، وأنه فرض.
وسبق الخلاف في هذه المسألة، وبينا أن الطواف والسعي والرمي وما أشبهه كلها تعتبر أجزاء من عبادة واحدة، وأن النية في أولها كافية عن النية في بقية أجزائها؛ لأن هذه العبادة -الحج- عبادة مُكونة أو مركبة من هذه الأجزاء، فإذا نوى في أولها أجزأ عن الجميع، كما لو نوى الصلاة من أولها.
وأفادنا في قوله: (يطوف المفردُ والقارنُ) أن المتمتع لا يطوف، وليس كذلك، وإنما أراد -رحمه الله- بالنص على المفرِد والقارِن دفْع ما قيل: إن المفرِد والقارِن يطوفان للقدوم أولًا إذا لم يكونا دخلا مكة من قبل، ثم يطوفان للزيارة، فيلزمهما على هذا طوافان: الطواف الأول للقدوم، بشرط ألا يكونا دخلاها من قبل، والثاني للزيارة.
كيف لم يكونا دخلاها من قبل؟ هل يمكن هذا؟ هل يمكن للقارن والمفرد ألا يكونا دخلا مكة قبل طواف الإفاضة؟
نعم، يمكن؛ لأنه من الجائز لهما شرعًا أن يذهبا من الميقات رأسًا إلى منى أو إلى عرفة، بخلاف المتمتع، المتمتع لا يتأتى في حقه ذلك؛ لأن المتمتع لا بد أن يدخل مكة ويُتم عمرته.
فأراد المؤلف بالنص على المفرِد والقارِن دفع ما قيل من أنهما يطوفان للقدوم أولًا إذا لم يكونا دخلا مكة، ثم للزيارة.
وما ذهب إليه المؤلف -رحمه الله- هو الصواب، بل هو المتعين، وذلك أنه اجتمع عند المفرِد والقارن اللذين لم يدخلا مكة من قبل، اجتمعا لديهما طوافُ قدوم وطوافُ فرض، فاكتُفي بطواف الفرض عن طواف القدوم، كما لو دخل الإنسانُ المسجد، وقد أُقيمت الصلاة، أو لم تُقم، وأراد أن يصلي الفريضة، فإن ذلك يجزئ عن تحية المسجد، والقياس هنا في غاية الوضوح، قياس جلي واضح.
ثم إنه لم يُنقل عن النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه أن أحدًا منهم طاف مرتين في يوم العيد، مع أن بعض أصحابه لم يكن دخل مكة، مثل: عروة بن مُضرس، فإنه لم يدخل مكة من قبل.
وعلى هذا، فالصواب ما ذهب إليه المؤلف، أما المتمتع فلا بد أن يطوف طواف الإفاضة، ولا يطوف طواف القدوم؛ وذلك لأنه قد طافه من قبل في العمرة.
على أن المذهب أن المتمتع أيضًا يطوف للقدوم، لكن يطوف بالقدوم بلا رمل.
نقول: ولا اضطباع.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، لا نقول: ولا اضطباع؛ لأنه قد حل ولبس ثيابه -لبس قميصه- لكن بلا رمل، والصواب خلاف ذلك، وأنه لا طواف للقدوم، لا في حق المفرِد والقارِن مطلقًا، ولا في حق المتمتع كذلك.
ثم قال المؤلف: (وأول وقته) الضمير في وقته يعود على؟
طلبة: طواف (... ).
الشيخ: طواف الزيارة، أول وقته بعد نصف ليلة النحر، ولكن بشرط أن يسبقه الوقوف بعرفة وبمزدلفة، فلو طاف بعد منتصف ليلة النحر، ثم خرج إلى عرفة ومُزدلفة؛ فإنه لا يجزئه، فلو أن المؤلف -رحمه الله- قيد ذلك لكان أوضح، على أنه ربما يقال: إن هذا معلوم من قوله في أول الفصل: (ثم يفيض)، لكن لا بد من ذكره.
أول وقته بعد نصف ليلة النحر لمن وقف بعرفة ومزدلفة؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29]، ولا يمكن قضاء التفث ووفاء النذور إلا بعد الوقوف بعرفة ومزدلفة.
ثم قال المؤلف: (ويُسن في يومه) (يُسن) أي: يُسن طواف الزيارة في يومه، أي: في يوم العيد؛ اتباعًا لسنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فإنه طاف في يوم العيد.
ثم قال: (وله تأخيره) أي تأخير طواف الإفاضة عن أيام منى، وله تأخيره عن شهر ذي الحجة، وله تأخيره إلى ربيع، وله تأخيره إلى رمضان، وله تأخيره إلى سنة، وله تأخيره إلى سنتين، وله تأخيره إلى عشر سنوات وأكثر؟
طالب: وأكثر.
الشيخ: وأكثر؛ لأن المؤلف قال: (وله تأخيره)، ولم يُقيده بزمن، لم يقل: له تأخيره إلى كذا، ولكن يبقى عليه أيش؟
طالب: التحلل.
الشيخ: التحلل الثاني، يبقى على الحل الأول حتى يطوف.
وما ذهب إليه المؤلف رحمه الله من أن له تأخيره إلى ما لا نهاية له ضعيف، والصواب أنه لا يجوز تأخيره عن شهر ذي الحجة، إلا إذا كان هناك عُذر كمرض لا يستطيع معه الطواف، لا ماشيًا، ولا محمولًا، أو امرأة نفست قبل أن تطوف طواف الإفاضة أو طواف الزيارة، فهنا ستبقى لمدة شهر أو أكثر.
أما إذا كان لغير عذر، فإنه لا يحل له أن يُؤخره، بل يجب أن يبادر قبل أن ينتهي شهر ذي الحجة.
وعُلم من كلام المؤلف أنه لا يجب أن يطوف طواف الإفاضة يوم العيد؛ لقوله: (يُسن في يومه، وله تأخيره).
وعُلم منه أيضًا أنه يبقى على حله الأول إذا أخَّر طواف الإفاضة عن يوم العيد، وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء، بل حُكي إجماعًا أنه لا يعود حرامًا لو أخَّر طواف الإفاضة حتى تغرب الشمس من يوم العيد.
ولكن ذُكر في هذا خلاف عن بعض التابعين؛ لحديث ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك، لكنه حديث شاذ، وفي صحته نظر، وهذا الحديث مُقتضاه أنه لو غابت الشمس يوم العيد، ولم يطُف فإنه يعود حرامًا كما كان بالأمس، ولكنه لا يُعوَّل عليه؛ لشذوذه، وعدم عمل الأمة به، وذلك أن الأمة لا يمكن أن تُخالف مثل هذا الحديث الذي تتوافر الهمم والدواعي على نقله والعمل به؛ لأنه من المعلوم أنه ليس كل الحجيج يطوفون طواف الإفاضة في يوم العيد.
ثم إنه إذا انتهى من إحرامه فقد حل، ولا يعود للحرام إلا إذا عقد إحرامًا جديدًا، أما مجرد عدم المبادرة بطواف الإفاضة فإنه لا يمكن أن يكون سببًا لعودة التحريم بلا نية؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (14).
قال المؤلف: (ثم يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعًا) يسعى بين الصفا والمروة على صفة ما سبق، يبدأ بالصفا أولًا، ويختم؟
طالب: بالمروة.
الشيخ: بالمروة.
(إن كان مُتمتعًا)، ومن المتمتع؟
طالب: المحرم الذي أحرم بالعمرة في أشهر الحج، ثم فرغ منها، ثم أحرم بالحج في عامه.
الشيخ: يقول: هو الذي أحرم بالعمرة في أشهر الحج، ثم حل منها، وأحرم بالحج من عامه، فيلزمه أن يسعى مطلقًا؛ وذلك لأنه يلزمه طوافان وسعيان؛ طواف للعمرة، طواف للحج، سعي للعمرة، سعي للحج.
أما الْمُفرِد والقارِن قال المؤلف: (أو كان غيره) أي غير متمتِّع، وهو المفرِد والقارن، (ولم يكن سعى مع طواف القدوم)، فإن سعى فلا يُعيد السعي؛ لقول جابر رضي الله عنه: لم يطُف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بالصَّفا والمروة إلا طوافًا واحدًا، طوافه الأول (15).
لم يطف ولا أصحابه إلا طوافًا واحدًا، طوافه الأول؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه سعوا بعد طواف القدوم.
وظاهر هذا الحديث الذي سقته الآن أن المتمتع لا يسعى؛ لأن كثيرًا من الصحابة تمتعوا؛ لأنهم لم يسوقوا الهدي، وقد أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالتمتع، ولكن هذا الظاهر يجب حمله على أن المراد بـ (أصحابه) الذين بقوا على إحرامهم لسوقهم الهدي، فهو عام أُريد به الخاص.
ويدل لهذا ما رواه البخاري من حديثي عائشة وابن عباس رضي الله عنهما مما يدل على ذلك، وهذا هو الصحيح؛ أن المتمتع يلزمه سعي للحج، كما يلزمه سعي للعمرة.
يقول: (ولم يكن سعى مع طواف القدوم)
فهمنا من قول المؤلف: (ولم يكن سعى مع طواف القدوم) يعني غير المتمتع؛ أن القارِن والمفرِد يجوز لهما أن يُقدما سعي الحج بعد طواف القدوم، ويجوز أن.
طلبة: يُؤخراه.
الشيخ: يُؤخراه، كل هذا جائز، ولكن أيهما أفضل؟
الأفضل -والله أعلم- أن يُقدَّم بعد طواف القدوم؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدمه، على أنه قد يقول قائل: أنا أنازِع في هذا الدليل؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدَّمه ليعلم أصحابه، وعامة أصحابه يحتاجون إلى السعي؛ لأنهم تمتعوا، فلا يدل تقديمه إياه على وجه قطعي؛ أن الأفضل تقديم السعي للمُفرِد والقارِن بعد طواف القدوم.
لكن نحن نُجيب عن هذا الإيراد بأن الأصل أن ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام فهو سُنَّة، واحتمال أن يكون ذلك من أجل أن يُعلم أصحابه أو نحو ذلك، هذا أمر محتمل، لكن إبقاء النص على ظاهره أوْلى؛ ولأنه في الغالب إذا سعى بعد طواف القدوم يكون أسهل؛ لأن الزحام أسهل من الزحام في يوم العيد، وفي أيام التشريق.
قال: (ولم يكن سعى مع طواف القدوم، ثم قد حل له كل شيء) (حل له) أي للحاج.
(كل شيء) حتى شرب الخمر؟ !
طلبة: لا.
الشيخ: أيش كل شيء؟ هذا عام أُريد به.
الطلبة: الخاص.
الشيخ: الخاص، أي: كل شيء حرُم عليه بالإحرام فإنه يحل له إذا طاف وسعى، طواف الإفاضة، وسعى سعي الحاج، إذا كان متمتعًا، أو كان مفردًا، أو قارنًا، ولم يكن سعى مع طواف القدوم.
وفي هذا إشارة، أو في هذا دليل على أن العام ولو كان بلفظ (كل) قد يُراد به الخاص، ما الذي يُعينه أن المراد الخاص؟
طالب: السياق.
الشيخ: السياق، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: 25]، أي: ريح عاد، فهل هي دمرت السماوات والأرض؟ لا، بل ولا المساكن لم تُدمرها.
﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: 25]، فالمراد بـ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي: مما أُمرت أن تدمره، أو ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ مما يتعلق بهؤلاء القوم الذين كذبوا هودًا.
(ثم قد حل له كل شيء) حتى النساء؟
طلبة: نعم.
الشيخ: حتى النساء، إذن يمكن للرجل إذا كان أهله معه أن يستمتع بأهله في آخر يوم العيد أو لا يمكن؟
الطلبة: يمكن.
الشيخ: يمكن، يرمي، ويحلق أو يقصر، ويطوف، ويسعى.
هل يمكن أن يستمتع بأهله ليلة العيد؟
الطلبة: لا.
الشيخ: انتبهوا يا إخواني، على ما قرأتُم في كلام المؤلف.
إذا كان يجوز الدفع من مزدلفة بعد منتصف الليل، فدفع، ورمى، وذهب إلى مكة، وطاف، وسعى، قبل الفجر، يمكن؟
طلبة: (... ).
الشيخ: إي، واقع من (... )، ما فيه إشكال، خصوصًا أيامنا الآن، في أيامنا هذه المواصلات قليلة سهلة.
المهم أنه يمكن، لكن على القول الذي اخترناه، وأنه لا يدفع إلا في آخر الليل؛ قد يكون هذا مُتعذرًا، لكن على ما مشى عليه المؤلف يكون ممكنًا.
ثم قال: (حل له كل شيء).
قال: (ثم يشرب من ماء زمزم)؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حينما طاف طواف الإفاضة شرب من ماء زمزم.
وقوله: (لما أحب) أي ينويه لما أحب، إذا كان مريضًا، وشرب من أجل أن يذهب مرضُه فليفعل.
إذا كان عطشانًا شرب لأجل الري فليفعل، إذا كان كثير النسيان فشرب ليقوى حفظُه فليفعل.
وقد فعل ذلك بعضُ المحدثين؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» (16)، والحديث حسن، «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ».
إذن ينبغي أن تنوي ما تُحب أن يكون حاصلًا بهذا الماء، ولهذا قال المؤلف: (لما أحب).
قال: (ويتضلع منه) ما معنى يتضلع؟
أي: يملأ بطنه حتى يمتلئ ما بين أضلاعه؛ لأن هذا الماء خير، وقد ورد حديث، لكن فيه نظر: أن آية ما بين الإيمان والنفاق التَّضلُّع من ماء زمزم (17)؛ وذلك لأن ماء زمزم ليس عذبًا حلوًا، بل هو يميل إلى الملوحة، والإنسان المؤمن لا يشرب من هذا الماء الذي يميل إلى الملوحة إلا إيمانًا بما فيه من البركة، فيكون التضلع منه دليلًا على الإيمان.
فإن قال قائل: هل يفعل شيئًا آخر كالرش على البدن، وعلى الثوب، أو أن يغسل به أثوابًا يجعلها لكفنه، كما كان الناسُ يفعلون ذلك, نحن شاهدناهم قبل أن يكثُر الحجيج يشترون ثياب كثيرة بيضاء، ويغسلونها بماء زمزم، وينشرونها على الساحة، ويكون هذه مجالها أكفان لنا.
نقول: لا، نحن لا نتجاوز في التبرك ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا لم يرد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلا نتجاوز إليه، بل نقول: ما ثبت عن الرسول عليه الصلاة والسلام من هذه الأمور أخذنا به، وما لا فلا.
ثم قال: (ويدعو بما ورد) متى؟
يدعو إذا شرب من ماء زمزم بما ورد.
وعندنا يقول الشارح: فيقول: بسم الله، اللهم اجعله لنا علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وريًّا وشبعًا، وشفاءً من كل داء، واغسل به قلبي، واملأه من خشيتك.
هكذا قال المؤلف إنه ورد، فمن يُخرج لنا هذا الحديث؟
طالب: باقي الحديث: آية ما بين الإيمان والنفاق التضلع من ماء زمزم.
الشيخ: (... ).
طالب: (... ).
الشيخ: أيوه.
طالب: (... ).
الشيخ: نعم؟
طالب: (... ).
الشيخ: هذا أشرنا إلى أنه ضعيف، وأن وجهه لو صح أن الماء ليس بعذب، ولا يتروى به إلا من آمن بفائدته، لكن فيه أيضًا: يرش على بدنه وثوبه، ويستقبل القبلة ويتنفس ثلاثًا، هذا أيضًا يحتاج إلى إثبات.
ثم قال المؤلف: (ثم يرجع فيبيت بمنى ثلاث ليال) يرجع متى؟
ثم يرجع من مكة بعد أن يطوف ويسعى، يرجع فيبيت بمنى ثلاث ليال، هذا إن تأخَّر، وإن تعجَّل فليلتان، ما هما الليالي الثلاث؟ الحادية عشرة، والثانية عشرة، والثالثة عشرة، هذا إن تأخر، وإن تعجل فالحادية عشرة، والثانية عشرة.
(فيرمي الجمرة الأولى) متى؟
بعد الزوال، وسيذكر المؤلف.
(الجمرة الأولى -وتلي مسجد الخيف- بسبع حصيات متعاقبات، ويجعلها عن يساره، ويتأخر قليلًا، ويدعو طويلًا، ثم الوسطى مثلها، ثم جمرة العقبة):
صفة الرمي على المذهب: يقول رحمه الله: (يرمي الجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف)، وتُسمى الجمرة الصغرى.
يقول: (ويجعلها عن يساره) حال الرمي، يستقبل القبلة، وتكون الجمرة عن يساره، فمثلًا الجمرة هنا، والقبلة هنا، يستقبل القبلة، ويرمي هكذا، ما يرمي تلقاء وجهه، يرمي هكذا، نحن نتكلم على ما يدل عليه كلام المؤلف، ثم نعود -إن شاء الله- ننظر.
قال: (ويتأخر قليلًا) (يتأخر) بمعنى يبعد، إلى أي مدى؟
إلى موضع لا يناله فيه الحصا، ولا يتأذى بالزحام.
(ويدعو طويلًا) يستقبل القبلة، ويدعو دعاء طويلًا، وقد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه بقدر سورة البقرة، (18) وعلى هذا فيُطيل الدعاء، مستقبل القبلة، رافعًا يديه.
(ثم الوسطى مثلها)، لكن يجعلها عن يمينه، على كلام الأصحاب رحمهم الله، الوسطى يرمي بسبع حصيات مُتعاقبات، ويجعلها عن يمينه.
هكذا الجمرة هنا، والقبلة هنا، يجعلها عن يمينه، (... ) إذا رمي كذا، وهذا فيه صعوبة، والذي يمكن بسهولة إذا كان الرجل يعمل بيديه جميعًا، يعني بعض الناس تكون قوة يده اليسرى كقوة يده اليمنى، فهذا إن جعل الجمرة عن يساره رمى باليُمنى، وإن جعل عن يمينه رمى باليُسرى.
(ثم جمرة العقبة، ويجعلها عن يمينه، ويستبطن الوادي، ولا يقف عندها) جمرة العقبة يرميها بسبع حصيات مُتعاقبات، ويستقبل القبلة، ويرمي من بطن الوادي، ويجعلها عن يمينه، كيف يفعل؟
كالوسطى، يجعلها عن يمينه، والقبلة أمامه، ويرمي هكذا، ولكن الصحيح خلاف ما قال المؤلف.
الصحيح أنه يرمي مستقبل القبلة في الأولى والوسطى، والجمرة بين يديه، وما ذكره من الصفة فهي أولًا: لا دليل عليها، والثاني: أن فيها صعوبة، والثالث: أنها في وقتنا غير ممكنة، عسى أن يحصل للإنسان أن يرمي الجمرة تلقاء وجهه.
فالصواب أنه يرمي الجمرة -ولو كان في سعة- تلقاء وجهه، مستقبل القبلة، الأولى، والوسطى.
أما الثانية: فيرميها مستقبل الجمرة، وتكون الكعبةُ عن يساره، ومنى عن يمينه؛ لأن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه رماها كذلك، وقال: هذا مقام الذي أُنزلت عليه سورة البقرة (19)، يعني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحينئذٍ يُستثنى من استقبال القبلة في رمي الجمرات جمرة العقبة، يجعل الكعبة عن يساره، ومنى عن يمينه، ويستقبل الجمرة.
وإنما كان الأمر كذلك؛ لأنه في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن تستقبل القبلة، وترمي جمرة العقبة بحيث تكون بين يديك، لماذا؟ لأجل الجبل؛ لأنها هي ملصقة بالجبل، فلا يمكن، وفي هذا دليل واضح على أن المقصود هو استقبال أيش؟
طلبة: الجمرة.
الشيخ: الجمرة، سواء استقبلت القبلة أم لم تستقبل، لكن في الجمرة الأولى والوسطى يمكن أن تجمع بين استقبال القبلة واستقبال الجمرة، أما في العقبة فلا يمكن أن تجمع بين استقبال القبلة واستقبال الجمرة، ولذلك فُضل -أو اعتُبر- استقبال الجمرة.
قال: (ولا يقف عندها) لا يقف عند جمرة العقبة، وإنما يقف بعد الأولى، وبعد الوسطى، ولا يقف بعد العقبة، لماذا؟
قال العلماء: لأن الدعاء التابع للعبادة يكون في جوف العبادة، ولا يكون بعدها.
انتبه، يكون في جوف العبادة، ولا يكون بعدها.
وهذا على قاعدة شيخ الإسلام ابن تيمية واضح، ولهذا يرى أن الإنسان إذا أراد أن يدعو في الصلاة، فليدعُ قبل أن يُسلم، لا بعد أن يسلم، لا في الفريضة، ولا في النافلة، وقد سبق لنا بيان هذا.
وبه نعرف أيضًا أن الدعاء على الصفا والمروة يكون في أول الأشواط لا في آخرها، فيكون آخر شوط على المروة ليس فيه دعاء؛ لأنه انتهى السعي، ولا دعاء بعده، وإنما يكون الدعاء في مقدمة الشوط، كما كان التكبير أيضًا في الطواف في مقدمة الشوط.
وعليه، فإذا انتهى من السعي عند المروة ينصرف، إذا انتهى من الطواف عند الحجر ينصرف، ولا حاجة إلى التقبيل، أو الاستلام، أو الإشارة.
قال المؤلف: (يفعل هذا في كل يوم من أيام التشريق بعد الزوال، مُستقبل القبلة مُرتِّبًا)
(في كل يوم من أيام التشريق) واليوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، أو من طلوع الشمس إلى غروب الشمس، لكنه ليس كل اليوم، بل يقول المؤلف: (بعد الزوال).
وعليه يكون وقت الرمي من زوال الشمس إلى غروبها، فلا يُجزئ الرميُ قبل الزوال، ولا يجزئُ بعد الغروب؛ لأن ذلك خارج عن اليوم.
بعدَ الزوالِ مُستقْبِلَ القِبلةِ مُرَتِّبًا- فإن رَماهُ كلَّه في الثالثِ أَجْزَأَه ويُرَتِّبُه بنِيَّتِهِ، فإن أَخَّرَه عنه أو لم يَبِتْ بها فعليه دَمٌ، ومَن تَعَجَّلَ في يومينِ خَرَجَ قبلَ الغُروبِ، وإلا لَزِمَه الْمَبيتُ والرَّمْيُ من الْغَدِ، فإذا أرادَ الخروجَ من مَكَّةَ لم يَخْرُجْ حتى يَطوفَ للوداعِ، فإن أَقامَ أو اتَّجَرَ بعدَه أَعادَه، وإن تَرَكَه غيرُ حائضٍ رَجَعَ إليه فإن شَقَّ أو لم يَرْجِعْ فعليه دَمٌ، وإن أَخَّرَ طَوافَ الزيارةِ فطَافَه عندَ الخروجِ أَجْزَأَ عن الوَداعِ، ويَقِفُ غيرُ الحائضِ بينَ الركْنِ والبابِ داعيًا بما وَرَدَ، وتَقِفُ الحائضُ ببابِه وتَدْعُو بالدعاءِ، وتُسْتَحَبُّ زِيارةُ قَبْرِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ وقَبْرَيْ صَاحِبَيْهِ.
و(صِفَةُ العُمرةِ) أن يُحْرِمَ بها من الْمِيقاتِ أو من أَدْنَى الْحِلِّ من مَكِّيٍّ ونَحوِه لا من الْحَرَمِ، فإذا طافَ وسَعَى وقَصَّرَ حَلَّ، وتُباحُ كلَّ وقتٍ وتُجزئُ عن الفَرْضِ.
قال المؤلف: (مستقبل القبلة في كل يومٍ من أيام التشريق يفعل هذا)، يفعل هذا في كل يوم من أيام التشريق (بعد الزوال مستقبل القبلة مرتبًا في كل يوم من أيام التشريق) واليوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، أو من طلوع الشمس إلى غروب الشمس، لكنه ليس كل اليوم، بل يقول المؤلف: (بعد الزوال)، وعليه يكون وقت الرمي من زوال الشمس إلى غروبها، فلا يجزئ الرمي قبل الزوال، ولا يجزئ بعد الغروب؛ لأن ذلك خارج عن اليوم، ولهذا قال: في كل يومٍ من أيام التشريق بعد الزوال.
طيب لا يجزئ قبل الزوال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رمى بعد الزوال وقال: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (1)، ولأنه لو كان الرمي قبل الزوال جائزًا لفعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لما فيه من فعل العبادة في أول وقتها من وجه، ولما فيه من التيسير على العباد من وجهٍ آخر، ولما فيه من تطويل الوقت من وجهٍ ثالث، فلما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتعمد أن يؤخر حتى تزول الشمس، مع أنه أشق على الناس، دل هذا على أنه قبل الزوال لا يجزئ، ويدل لذلك أيضًا أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من حين أن تزول الشمس يبادر فيرمي قبل أن يصلي الظهر، وكأنه يترقب بفارغ الصبر زوال الشمس ليرمي ثم يصلي الظهر، وهذا هو القول الراجح، ولو كان الرمي قبل الزوال جائزًا لفعله النبي عليه الصلاة والسلام بيانًا للجواز أو ليَسر الله مَن يفعله مِن الصحابة ويقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك.
إذن الرمي قبل الزوال في الأيام الثلاثة أيام التشريق لا يصح، بعد غروب الشمس أيضًا لا يجزئ على المشهور من المذهب؛ لأنها عبادة نهارية فلا تجزئ في الليل.
وذهب بعض العلماء إلى إجزاء الرمي ليلاً وقال: إنه لا دليل على التحديد بالغروب؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حدد أوله بفعله ولم يحد آخره.