الشيخ: لا يجبر، لكن يدفع الأجرة.
قال المؤلف: (ونحوه) يعني نحو برء الضرس وقلعه، يعني كل شيء استؤجِر له بعينه، ثم زال الشيء المعقود عليه فإن الإجارة تنفسخ.
قال المؤلف: (لا بموت المتعاقدين أو أحدهما)، يعني لا تنفسخ الإجارة بموت المتعاقِدَيْن أو أحدهما، مثل رجل استأجر مني بيتًا، وفي أثناء المدة تُوفِّي، هل تنفسخ الإجارة؟ لا تنفسخ، ويكون حق الاستيفاء لمن؟
الطلبة: لورثته.
الشيخ: لورثته.
كذلك بالعكس، لو أن المؤْجِر مات، فإن الإجارة لا تنفسخ، ويكون بقية الأجرة لمن؟
الطلبة: للورثة.
الشيخ: للورثة.
فإن قلت: هل يتعارض هذا مع ما سبق من قوله: (تنفسخ بموت الراكب إلى أن يخلف بدلًا)؛ لأنه هناك اشترط، قال: (تنفسخ بموت الراكب) مع أن الراكب عاقد، (إن لم يُخلِّف بدلًا)؟
فالجواب: لا تناقض؛ لأنه هناك عُقِد الإجارة على عيْن الراكب، ولهذا قد لا يكون الراكب هو المستأجِر، قد أستأجر الناقة أنا، لفلان يركبها، أنا المستأجِر وهو الذي يركبها، فقد يكون هكذا.
على كل حال لا تعارُض؛ لأنه هناك فاتت المنفعة بفوات المعقود عليه بعينِه، أما المتعاقدان فقد عقدا على شيء، عقدا على هذا البيت، لا على شخص معين، فهذا هو الفرق بينهما.
قال: (أو أحدهما، ولا بضياع نفقة المستأجر ونحوه) (بضياع نفقة المستأجر) رجل استأجر مني بعيرًا ليحج عليه فهو مؤجِر، ولَّا مستأجر؟
الطلبة: مستأجر.
الشيخ: مستأجر، كان معه فلوس قد هيأها للحج، وجمعها للحج، جاء واستأجر مني البعير، ثم إن الفلوس التي معه سُرقت أو احترقت أو ضاعت، جاءني قال: والله الفلوس اللي أنا هيأتها للحج ضاعت، الآن، ما أنا بحاج، ما أستطيع، تنفسخ الإجارة ولَّا لا؟
طلبة: لا تنفسخ.
الشيخ: لا تنفسخ الإجارة؛ لأن هذا أمر خارج عن العقد، لا يتعلق بالمعقود عليه ولا بالعاقِد، يتعلق بأمر خارجي، إذا قال: ما أنا بحج الآن، ولا أستطيع أن أحج، أقول: روح تسلف، وإلا تؤجر البعير على حسابك، وما نقص من الأجرة يكون عليك؛ لأن هذا أمر خارجي.
قوله: (ونحوه) كاحتراق متاع، استأجر الدكان لبيعه فيه، مثل الرجل عنده ثياب أقمشة، جاء بها من بلد، ووضعها عنده في البيت، واستأجر مني الدكان من أجل أن يبيع هذه البضاعة فيه، ولكن هذه الأقمشة احترقت، وجاءني قال: أنا استأجرت منك الدكان لأبيع فيه الأقمشة، والأقمشة احترقت، فأريد أن تقيلني، فقال صاحب الدكان: لا، فهل تنفسخ الإجارة هنا ولَّا لا؟
الطلبة: لا تنفسخ.
الشيخ: لا تنفسخ، أنا ما استأجرتها منك إلا لبيع هذه الأقمشة، قال: هذا أمر خارج عن العقد، ليس هو المعقود عليه، فلا تنفسخ الإجارة في هذا.
هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله.
وفي المسألة قول آخر: أنها تنفسخ إذا عُلم أنه إنما استأجرها لهذا الغرض، فإنها تنفسخ، وجعل صاحب هذا القول هذه المسألة من باب الجوائح، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟ » (1).
فيقول: إن المؤجر عنده علم بأن المستأجر، إنما استأجر هذا المكان لهذا الغرض، هذا الغرض، فات بغير سبب منه من الله عز وجل، فيكون كالثمرة التي اشتراها صاحبها للأكل، ثم أصابتها جائحة من الله، فلا يحل للبائع أن يقول: والله هذا شيء ما هو منه، هذا من الله، لازم تعطيني قيمة الثمرة، نقول: لا، ليس لك ثمرة، إذن نقول لهذا: ليس لك إجارة؛ لأنك تعلم أنه إنما استأجرها لهذا الغرض، وقد تلف بفعل من الله.
لكن لو جاء المستأجر وقال: والله أنا استأجرت منكَ الدكان لأبيع البضاعة فيه، والآن تبين لي أنا البضاعة غالية في بلد آخر، وتركت البيع هنا، أبغي أروح أبيع في البلد الثاني، تنفسخ الإجارة ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا تنفسخ، لماذا؟ لأن هذا أمر بفعل المستأجر، وباختياره يقول: أعطني أجرتي، وروح بِعْ في البلد اللي تبغي أنت، أما شيء بغير فعلي، بل ومِن الله، وأنا أيها المؤجر أعلم بأنه ما استأجره لهذا الغرض، فكوني آخذ منك الأجرة هو في الحقيقة أخذ للمال بغير حق، بل نقول: تنفسخ الإجارة، ويرجع الدكان إلى مَنْ؟ إلى صاحبه، إلى المالك، وهذاك يسلم من الأجرة، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو الحق.
ولا يسوغ -فيما أرى- القضاء بغيره، أو الحكم بغيره، لا سيما أن هذا يدري أنه مما استأجره لهذا الغرض، أما لو جاء يستأجر مني الدكان، ونيته لهذا الغرض، وأنا ما أدري، فهنا نقول: إن الإجارة لا تنفسخ؛ لأن المؤجر لم يدخل على هذه النية، وبينهما فرق بين رجل استأجر مني دكانه من غير أن أعلم ما مقصوده، وبين رجل أعلم أنه استأجره لبيع هذه البضاعة المعينة، فتلفت بفعل الله، فهذا لا أستحق شيئًا منه.
قال المؤلف: (وإن اكترى دارًا فانهدمت، أو أرضًا لزرع، فانقطع ماؤها أو غرقت انفسخت الإجارة في الباقي) رجل استأجر بيتًا للسُّكنى في أثناء المدة انهدم البيت، نقول: تنفسخ الإجارة من أصلها أو في الباقي؟
الطلبة: في الباقي.
الشيخ: في الباقي، وأما ما مضى فعليه قِسْطه من الأجرة؛ لأنه استوفاه كاملًا.
كذلك استأجر أرضًا لزرع، فانقطع ماؤها، أو غرقت، كيف يتصور هذا؟ يتصور، استأجرها للزرع على أن النهر يسقيها، النهر توقَّف، انقطع ماؤه ولَّا لا؟ طيب استأجر الأرض على أن فيها بئرًا يخرج منه الماء، ثم غار البئر، ماذا نقول؟
الطلبة: تنفسخ الإجارة.
الشيخ: تنفسخ الإجارة؛ لأن هذا أمر بغير اختيارهما، فتنقطع الإجارة لتعذُّر استيفاء المنفعة.
كذلك لو غرِقت، كيف تغرق؟ يعني جاء فيضان، غرقت الأرض، ما تصلح للزراعة، فإن الإجارة تنفسخ لأنني استأجرتها للزرع، وتعذَّر الانتفاع.
فإن قال قائل: ألا يؤيد هذا ما سبق إن قلنا: إنه الصحيح فيمن استأجرها لبيع سلعة لتعذر الانتفاع؟
نقول: هذا يؤيد من بعض الوجوه، لكن الفرق أن هذا لخلل في المعقود عليه، لا في المعقود له.
في المسألة الأولى فيما إذا استأجر الدكان ليبيع فيه المتاع، هذا تعذر الانتفاع للمعقود له، أما هنا فتعذَّر الانتفاع للمعقود عليه، وهي الأرض أو الدار، ولكن مع ذلك هذا الفرْق قد نقول: إنه غير مؤثر؛ لأن الانتفاع تعذَّر في هذا وفي هذا بغير إرادة الإنسان (... ).
والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
وقفنا على قوله: (وإن وجد العين معيبة) وسبق لنا ما تنفسخ به الإجارة، والسؤال الآن هل تنفسخ الإجارة بموت الراكب؟
طالب: (... ).
الشيخ: نعم، (... ) لا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا.
وسبق لنا أنه استأجره لقلع الضرس فانقلع الضرس، فإن الإجارة تنفسخ، لا يُقال: إنها لا تنفسخ، وأنه يلزمه أن يخلع ضرسه الثاني كذا؟ أقول: لا نقول بهذا، ولَّا نقول؟ لا نقول بهذا.
لا نقول للمستأجر: دوِّر إنسان يوجع ضرسه على (... ) المستأجر؟ لا؛ لأن العقد على عين الضرس، والضرس انقلع أو برئ.
لو عدل المستأجر عن قلع ضرسه مع بقائه؟
الطلبة: (... ).
الشيخ: فإنه تلزمه الأجرة؛ لأنه ترك الاستيفاء باختياره.
لو ضاعت نفقة المستأجر؟
طالب: لا تنفسخ.
الشيخ: لم تنفسخ؛ لأن العذر من جانب واحد، فإذا استأجر هذه البعير ليحُجَّ عليها، ثم سُرقت النفقة أو ضاعت فإنه يلزمه الأجرة.
وهذا أيضًا ينبغي أن يُقال فيه ما قلنا بموت الراكب، وأنها إذا ضاعت أُجرة المستأجِر، ولم يتمكن من استيفاء المنفعة، فلا شيء عليه، تنفسخ الإجارة؛ لأن هذا بغير اختياره.
لو احترق متاعه، استأجر دكانًا للبضائع، فاحترقت البضائع، فهل تنفسخ الأجرة أو لا؟
المذهب أنها لا تنفسخ، والصحيح أنها تنفسخ إلا إذا كان الاحتراق بسبب منه؛ يعني هو الذي فرَّط بأن أبقى السراج في الدكان، وأغلقه، فسقط السراج، واحترق الدكان، أو كان لم يضبط تسليك الدكان، فحصل التماس فاحترق، فهذا لا تنفسخ؛ لأنه منه.
وسبق لنا أنه يجوز للمستأجِر أن يؤْجِر المكان الذي استأجره بشرط ألا يكون الثاني أكثر منه ضررًا، وشرط آخر عند بعض العلماء ألا يؤجره بأكثر مما استأجره.
لو استُؤْجر لعمل شيء، ثم مرض، هل يلزمه أن يقيم غيره مقامه؟
طالب: (... ).
الشيخ: ما هو؟
الطالب: (... ).
الشيخ: أو بالعكس؟ بالعكس إن كان العقد على عينه، وتعذَّر الانتفاع، فإنه ما يلزم، وإن كان على العمل فإنه يلزم، لكن المذهَب أنه يلزم مطلقًا إلا إذا اشتراه مباشرة بنفسه، فلا يلزمه.
هل لمن استُؤجر لعمل أن يؤجر غيره للقيام به؟ يعني مثلًا استأجرتني لأخيط لك هذا الثوب، فدفعتُه لغيري ليخيطه، فهل يجوز؟
نقول: في هذا أيضًا تفصيل؛ إن دفعته إلى مَنْ هو أحسن مني، فهذا لا بأس به وجائز، وإن دفعته إلى من هو أقل، فلا يجوز.
لو أعطاني أحد مالًا لأحج عنه، فهل يجوز أن أدفعه لغيري؟
الطلبة: (... ).
الشيخ: الغالب أنه لا يمكن تحقيق هذا الشرط؛ لأن هذا الذي دفع المال إليَّ ربما لا يرضيه إلا أنا؛ لأني في نظره عندي مثلًا عِلْم، وعندي دين، وغيري قد لا يكون عنده عِلْم ولا دين.
فالمهم أنه إذا كان الشيء يختلف فيه القصد، فإنه لا يجوز أن تُقيم غيرك مقامك، وإن كان لا يختلف فيه القصد، فإنه يجوز بشرط ألا تسلمه إلى أحد أقلَّ منك معرفة بهذا العمل.
يقول المؤلف رحمه الله: (وإن وجد العين معيبة، أو حدث بها عيب فله الفسخ، وعليه أجرة ما مضى) إن وجد العين معيبة فله الفسخ، ولكن ما هو ضابط العيب هنا؟
ضابط العيب هنا ما تختلف به الأجرة؛ بمعنى أننا لو قدَّرنا هذه خالية من العيب لكانت أجرتها مئة، ومعيبة لكانت أجرتها ثمانين، فإن هذا هو العَيْب، أما ما لا تختلف فيه الأجرة فليس بعيب، على ظاهِر كلام المؤلف.
مثال ذلك: استأجر الإنسان بيتًا، ثم وجد فيه عيبًا، وجد فيه تشققًا في الجدران، أو تكسرًا في الخشب، أو في الزجاج، أو ما أشبه ذلك، وهو لم يعلم به حين العقد، فهنا نقول: له الخيار، إن شاء فسخ، وعليه أجرة ما مضى، وإن شاء بقي، ولكن هل له الأرش؟
المذهب أنه ليس له الأرش، فيقال: إما أن تأخذها، تبقى فيها بالأجرة التي تسمى العقد عليها، وإما أن تدعها.
استأجر بيتًا ووجد فيه عيبًا، لكنه شق يسير لا تختلف به الأجرة، أو مثلًا يعني لون مخالف للون البيت كجص مثلًا في جانب منه، فاختلف فيه لون البيت، أو ما أشبه هذا من العيوب التي لا تختلف فيها الأجرة، فإن هذا لا يوجب الفسخ، بل لا يُجيز الفسخ إلا برضا المؤْجِر.
إذن نقول في المسألة الأولى التي وَجَدَ فيها عيبًا تنقُص به الأجرة: أنتَ بالخيار، إن شئتَ فافسخ، وإن شئتَ تبقى بلا أرْش، إذا فسخ فعليه أجرة ما مضى؛ لأنه استوفى المنفعة، فإذا استوفاها لزمه عِوضُها، وكيف ذلك؟
نقدر هذا البيت إجارته سنة، اثنا عشر ألفًا، وقد مضى من السنة شهران، نقول: عليه من الأجرة ألفان، إي نعم، عليه ألفان من الأجرة إلا إذا كان آخر السنة، تزيد الأجرة لكونه موسمًا، فيُنقص من الألفين بقسطها.
وإن شاء بقي بالبيت على عيبه، وليس له أرش، وهذا فيما إذا كان المؤجر غير مدلس، فإن كان مدلسًا فإنه -على الصحيح- لا شيء له من الأجرة؛ لأنه غاش، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا» (2). وهو ظالم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (3).
فإذا كان المؤجِر يعلم العيب، وكتَمَه عن المستأجر فإنه لا شيء له؛ لأنه ظالم.
يقول: (أو حدث بها عيب) أيش معنى حدث بها عيب؟
يعني بعد أن استأجرها، استأجر هذا البيت وهو سليم، حصل به عيب، فله الفسخ، وعليه أجْرة ما مضى، وهذا واضح؛ لأنه لم يكن من المؤجر تدليس ولا غرر، فيقال له: إما أن تبقى فيها معيبة، وإما أن تفسخ.
ومثل ذلك لو استأجر سيارة للركوب، فحصل فيها خلل، فيُنظر إذا كان هذا الخلل مما تنقص به الأجرة فهو عيب، وإن كان مما لا تنقُص به الأجرة فليس بعيب، ويش مثال الذي تُنقص به الأجرة؟
لو فُرِض أنها صارت لا تقوم بسرعة، يشغلها، ولكن لا تقوم بسرعة، هذا عيب تنقص به الأجرة ولَّا لا؟
الطلبة: ما تنقص.
الشيخ: الظاهر أنه لا تنقص، لكن لو كانت لا تقوم إلا بدفع هذا تنقص به الأجرة، عيب تُنقص به الأجرة، فإذا حدث في السيارة هذا العيب، فله فسْخ الأُجرة؛ لأن هذا عيب تنقُص به الأجرة، فله الفسْخ.
خلاصة المسألة هذه: أنه إذا وجد العين معيبة فله فسْخ الأجرة، وله الإمضاء مجانًا على المذهب، وبالأرْش على القول الراجح، وهو قياس ما قالوه في عيب النبيذ، فإنهم قالوا في عيب النبيذ: له الفسخ أو الأرْش، الإمساك مع الأرْش، وهنا قالوا: له الفسخ أو الإمساك مجانًا ولا فرق؛ لأن الإجارة بيع منافع، والبيع بيع أعيان، أو بيع منفعة؟
ومن العجب أن شيخ الإسلام رحمه الله في مسألة البيع يقول: له الإمساك بدون أرش، أو الفسخ فقط، فوافقوا هم شيخ الإسلام في باب الإجارة، وأما في البيع فخالفوه.
ذكرنا أن له الفسخ، وهل يلزمه أُجْرة ما مضى؟
المذهب: نعم، يلزمه أُجْرة ما مضى بدون تفصيل، والصحيح التفصيل، وهو إن كان مُدلِّسًا فلا شيء له، وإن كان غير مُدلِّس فله الأجرة؛ لأن المستأجر استوفى المنفعة، إن حدث بها عيب فالحكم كذلك في أنه يجوز له الإمضاء، ويجوز له الفسخ، لكن هل عليه أجرة ما مضى؟
الجواب: نعم، عليه الأجرة، يحتاج أن يكون بشرط ألا يكون مدلسًا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأنه أعطاها له على حالها.
الشيخ: لأنه أعطاها إياه سليمة، ما فيه تدليس.
قال المؤلف: (ولا يضمن أجير خاص ما جنت يده خطأ) ثم قال: (ويضمن المشترك ما تلف بفعله).
الفرق بين الأجير الخاص والأجير المشترك أن الأجير الخاص منفعته مُقدَّرة بالزمن، والأجير المشتَرك منفعته مُقدَّرة بالعمل، هذا الفرق بينهما.
فرق آخر: الأجير الخاص يكون مملوكًا للمستأجر مدة الأجرة؛ يعني منفعته، والمشترك لا يكون مملوكًا، فالخياط مثلًا من باب الأجير المشترك، لماذا؟ لأن منفعته غير مُقدَّرة بالزمن، بل بالعمل، ولأن المستأجِر لم يختصه لنفسه، وإنما أعطاه ثوبًا يخيطه سواء خاطه اليوم أو بكرة أو غدًا، ما دام في المدة المحددة.
الأجير الخاص: هذا وهو الذي قُدِّرت منفعته بالزمن، يقول المؤلف: (لا يضمن أجير خاص ما جنت يدُهُ خطأ) لماذا؟ لأنه نائب عن المالك في التصرف بماله، فإذا أخطأ، فإنه لا ضمان عليه.
مثاله: استأجرته أجرة خاصة ليقوم بحرث هذه الأرض، فأخطأ في حرثها، وتجاوز إلى أرض أخرى بجانبها، فهل يضمن حرثه في الأرض الأخرى التي (... ) في الحرث؟
الجواب: لا، لماذا؟ لأنه لم يتعدَّ ولم يُفرِّط، فلا يضمن.
كذلك أيضًا لو أنني استأجرت هذا الرجل، أو آجرته البعير، فحصل منه جناية على هذا البعير خطأ، فإنه لا ضمان عليه؛ لأنه لم يتعدَّ ولم يُفرِّط.
وكذلك مما يشوب هذا، لو أن الإنسان المستأجر للبيت أخطأ بدون قصد، فحصل فيه تلف باب، أو تلف رف، أو ما أشبه ذلك، فلا ضمان عليه؛ لأنه غير مُفرِّط ولا مُتعدٍّ.
يقول المؤلف رحمه الله: (ولا يضمن حجام، وطبيب، وبيطار لم تجن أيديهم إن عُرف حذقهم).
أيضًا الحجام والطبيب والبيطار؛ الحجام: هو الذي يحجم، والطبيب: هو الذي يُداوي، والبيطار: هو الذي يداوي، لكنه خاص بالبهائم بالحيوانات، هذا لا يضمن ما جنت يده خطأ، لكن بشرط يقول: (لم تجنِ أيديهم إن عرف حذقهم) فاشترط المؤلف رحمه الله شرطين:
الشرط الأول: ألا تجني أيديهم.
والشرط الثاني: أن يُعرف حذقهم؛ أي تُجرَّب إصابتهم ومعرفتهم، مثال ذلك: حجَّام حجم شخصًا على الوجه المعتاد، ولم يأخذ أكثر من الدم الذي ينبغي أخذه، ولكن هذا المحجوم ضعُف وتزايد به المرض حتى مات (... ).
مثل أن يُقال: هذا الرجل يكفي لحجامته أن يؤخذ منه ثلاث قارورات، فأخذ هو أربعًا خطأ، افرض أنه نسي العدد، فأخذ أربعًا، فعليه الضمان، لماذا؟ لأن يدَهُ جَنَتْ بالزيادة على المطلوب.
لو أخذ ثلاثًا، وكان هذا هو المعتاد، ولكن المريض لم ترجع إليه قوته، وبقي ضعيفًا ضعيفًا ضعيفًا حتى مات، فهنا ليس عليه شيء؛ لأن يده لم تجن.
طبيب، ولنجعله صرف دواء معتادًا كحبتين لهذا المريض، ثم إن المريض تناول الحبتين على الوجه المعتاد، ولكن المرض استمر به ومات، فليس عليه ضمان، أما لو أخطأ فصرف له حبوبًا غير الحبوب المطلوبة، أو صرف له حبوبًا أكثر من المطلوب، فعليه الضمان، وإن كان خطأ؛ لأن الإتلاف في حق الآدمي يستوي فيه العامد والمخطئ، وهذا الرجل أخطأ، أراد أن يكتب مثلًا حبوبًا من نوع معين، فكتبها من نوع آخر، فتناولها المريض فمات، أراد أن يكتُب حبتين لكل يوم، فكتب ثلاث حبات، فتناولها المريض، فمات فعليه الضمان.
وكذلك أيضًا في الختَّان: ختن صبيًّا خِتانًا معتادًا، ثم تعفن الجرح، وفسد اللحم، وتآكل حتى مات الطفل المختون، فعليه الضمان ولَّا لا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ليس عليه ضمان؛ لأنه لم تجنِ يده، وإنما ختن في الموضع المعتاد.
فإن جنت يده بأن تجاوز فقطع أكثر مما يكفي، أو قطع رأس الحشفة، فتعفَّن الجرح، ومات فعليه الضمان؛ لأن يده جنت، ولكن الضمان هنا بالدية، وليس بالقصاص؛ لأن هذا ليس عمدًا.
وقول المؤلف: (إن عرف حذقهم)، فإن لم يُعرف حذقهم بأن كانوا أُناسًا يتخرصون، ويتعلمون فعليهم الضمان مطلقًا، وجه ذلك أن هؤلاء معتدون في كونهم يباشرون هذه الأعمال بدون حذق.
فإذا قال قائل: إذن متى يتعلمون، إذا كان لا بد أن يكونوا حاذقين، فمتى يتعلمون؟ لا بد للإنسان اللي يبغي يتعلم يجري تجارب على بني آدم، ويش الجواب؟
نقول: نعم، هو إذا أجرى تجارب فهو على خطر، إن سلِم المريض، نعم، سلِم، وإن لم يسلم.
فإن قال: لو أنه أخبر المريض، قال: أنا والله ما عندي عِلْم، ولكن بجرب، وأنا وإياك تحت الله، عليه الضمان ولَّا لا؟
طلبة: لا.
طلبة آخرون: إي، عليه.
الشيخ: هذه قد نقول: ليس عليه شيء؛ لأن المريض رضي بما عنده من العلم، وليس هذا خطأ محققًا لاحتمال أن ينجح، وقد نقول: عليه الضمان؛ لأنه لو أذِن لك رجل أن تقطع يده فقطعتها؛ وجب عليك الضمان؛ يعني رجل قال لك: تعالَ، خذِ اقطع إصبعي، كيف أقطع إصبعك؟ ! قال: نعم، أقطع، ما أبغي إلا أربعة، يكفيني، فقطعه هل عليه الضمان ولَّا لا؟
طالب: عليه.
الشيخ: عليه الضمان؛ لأنه آثِم في الاعتداء عليه حتى لو أذن له؛ ولهذا قال العلماء: إنه لا يجوز لأحد أن يأذن لغيره في قطع عضو منه، ولا أن يوصي به بعد وفاته أيضًا.
إذا قال قائل: هذا المريض مُشفِق على الشِّفا، وقال بالخاطر، فجاءه رجل وقال: ما أعرف، ولا جرَّبت، ولا أعلم عن شيء، فهل يجوز أن يُمكِّنه من مداواته؟
الجواب: لا يجوز أن يمكنه من مداواته؛ لأن نفس المريض لا يجوز له أن يأذن لشخص غير حاذق بمداواته؛ لأنه قد ألقى بنفسه إلى التهلكة، لكن لو فُرض أنه فعل، فهل يجوز لهذا الطبيب الذي ليس بحاذق أن يباشر العمل، وهو يعلم أنه تحت الخطر؟ الجواب: لا يجوز بلا شك، لكن لو أقدم وفعل، وهلك المريض، فهل يضمن؟ نقول: يحتمل أن يضمن؛ لأن فعله فعل مُحرَّم، ويحتمل ألا يضمن؛ لأنه فعل ذلك برضا المريض، والمسألة فيها احتمال للنجاح بخلاف الشيء المحقَّق (... ).
طالب: صلاة وسلامًا على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولا راعٍ لم (... ).
الشيخ: حكم ما إذا وجد المستأجر العين معيبة، ونأتي بأسئلة على هذا الحكم.
استأجر رجل من شخص سيارة، ووجد العين معيبة، إذا وجد العين معِيبة، فله الخيار بين الفسْخ والإمضاء مجانًا على المذهب.
والقول الثاني: والإمضاء بالأرْش.
والقول الثالث: التفريق بين المدلِّس وغيره، فالمدلس يُؤخذ منه الأرش، وغير المدلس لا يُؤخذ منه.
ما هو الأرْش؟ الأرش: فرْق ما بين الأجرتين، أجرتها سليمة، وأجرتها معيبة، فإذا قُدِّر أن هذه السيارة إذا كانت سليمة تؤجر بألفي ريال، وإذا كانت غير سليمة تؤجر بألف وخمس مئة، كم ينقص من الأجرة؟
طالب: (... ).
الشيخ: لا، لا تقل خمس مئة.
الطالب: الربع.
الشيخ: نقول: الربع؛ لأنه جائز أن يكون استأجرها بألف، فينقص.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، هي تُؤجَّر سليمة بألفين، ومعيبة بألف وخمس مئة، كم النقص الربع؟
الطلبة: الربع.
الشيخ: الربع، ما نقول: خمس مئة؛ لأنه لو كان قد استأجرها بألف، يمكن تؤجر بألفين، ويستأجرها بألف، إما محاباة، وإما أن تكون الأجرة ارتفعت بعد، فإذا كان قد استأجرها بألف، كم يكون الأرْش؟
الطلبة: مئتين وخمسين.
الشيخ: مئتين وخمسين، ما هي خمس مئة، لو جعلتها خمس مئة لكانت النصف، لكن نقول: مئتان وخمسون؛ لأنه الربع، وهذه المسألة قد نبهناكم عليها سابقًا، وقلنا: إن الأرش يُنسب بماذا؟ بالقسط ما هو بالعدد؛ لأن القيمة قد تكون أكثر من الثمن أو أقل.
افرض أن هذا الرجل استأجرها بأربعة آلاف، وعند وجود العيب قدرناها، تؤجر بألفين إن كانت سليمة، وبألف وخمس مئة إن كانت معيبة، كم يكون الأرش؟ لأنه استأجرها بأربعة آلاف، كم يكون الأرش؟
الطلبة: الربع.
الشيخ: نعم، الربع.
كم هو بالنسبة لأربعة آلاف؟ ألف يكون ألفًا، بينما عند الأجرة المعتادة يكون كم؟ خمس مئة، واضح؟ هذا خلاصة العين إذا كانت معيبة.
إذا حدث بها العيب فإنه لا يلزم المؤجر إصلاحها، ويخيَّر المستأجر بين الإمضاء مجانًا وبين الفسخ إلا إذا كان هناك تدليس، إذا كان هناك تدليس فإن له أن يمضي مع الأرش.
وسبق لنا أيضًا أن الأجراء قسمان: خاص ومشترك.
نعم، ما هو الخاص؟ (... ).
الخاص إذا أخطأ، هل يضمن أو لا؟ يقول المؤلف: (لا يضمن الأجير الخاص ما جنت يده خطأ) لا يضمن، فهذا الخادم الذي عندي، افرض أنه أخطأ في الطبخ، وجعل بدل الملح؟
طلبة: سكر.
الشيخ: لا، السكر، يمكن يكون زيتًا.
طالب: تايت.
الشيخ: تايت إي نعم، جعل بدل الملح تايت، هل يُؤكل الطعام ولَّا لا؟ هل يُضمَّن ولَّا ما يضمن؟ لا يُضمن، لماذا؟ لأنه نائب عن المالك، أخطأ، فكأنه المالِك، لا يَضْمن، واضح؟
في الحرْث كان يسقي الزرع، فأخطأ، وسقى مرتين هذا الحوض مِن الزرع، سقاه مرتين في اليوم، وهو لا يتحمَّل السقي مرتين فتلف الزرع، يضمن ولَّا لا؟
الطلبة: لا يضمن.
الشيخ: لا يضمن.
يقول المؤلف أيضًا: الحجام، والطبيب، والبيطار، هل هم أجراء خاصين أو عامين؟
الطلبة: عامين.
الشيخ: هم من الأجراء العامين؛ عامي من وجه، وخاصي من وجه آخر، إن أتيتَ بهم إلى البيت فإنهم يُشبهون الخاصين، ولكن مع ذلك هم مُشترَكون، هؤلاء لا يضمنون بشرط أيش؟ أن يُعرف حذقهم، وألا تجني أيدهم، وأن يكونَ عملهم بإذن مكلَّف يعني بالِغ عاقِل، فلو أن الصبي ذهب إلى الختَّان وقال: اختني، وتُوفِّي، ختنه ختانًا عاديًّا، ولكن تعفن الجرح ومات يضمن ولَّا لا؟ يضمن، إذن الشروط كم؟ ثلاثة، المؤلف ما ذكر إلا شرطين، لكن نكمل بالثالث، نقول: الشروط ثلاثة؛ أن يكون عمله بإذن مكلف، أو ولي غير مكلف.
والثاني: ألا تجني أيديهم.
والثالث: أن يُعرف حذقهم.
قال المؤلف رحمه الله قال: (ولا راعٍ لم يتعدَّ) يعني ولا يضمن راعٍ لم يتعد، الراعي من الأجراء المشتركين ولَّا من الخاصين؟
طالب: خاصين.
الشيخ: قد يكون خاصًّا، وقد يكون مشتركًا إن كان مقدر نفعه بالزمن بأن كان عندك يشتغل لك لمدة شهر يرعى غنمك فهو خاص، وإن كان يرعى لنفسه، ويأخذ غنمي وغنم زيد وعمرو إلى آخره فهو مشترك.
الراعي لا يضمن إذا لم يتعدَّ يعني، أو يُفرِّط، فلا يضمن الراعي إذا لم يتعدَّ، أو يفرط؛ لأنه مُؤتمن على أموال الناس، على إبلهم، على غنمهم، على بقرهم، ونحو ذلك، فإن تعدَّى أو فرط ضمِن، مثال التفريط: أن يترك ما يجب، التفريط هو أن يترك ما يجب، والتعدي أن يفعل ما لا يجوز، فإذا عبَر بالغنم في أرض مسبغة، وأُكلت، يضمن ولَّا لا؟
الطلبة: يضمن.
الشيخ: يضمن؛ لأنه؟
الطلبة: مُفرِّط.
الشيخ: لا.
الطلبة: متعدٍّ.
الشيخ: لأنه مُتعدٍّ، فعل ما لا يجوز، وإن أرسلها ترعى، وجعل يلعب كرة مع راعٍ آخر، وتركوا الغنم، ثم نُهِبت أو أُكِلت، فهو ضامن لماذا؟
الطلبة: مُفرِّط.
الشيخ: لأنه مُفرِّط.
وكذلك لو خرج بها المرعى ومعه فراش ونام إلى العصر، وفي أثناء النهار أُخذت الغنم، أو أكلتها الذئاب، فإنه يضمن لأنه مُفرِّط.
والخلاصة أن الرعاة ينقسمون إلى قسمين: خاص ومشترك، وكل منهم سواء كان خاصًّا أو مشتركًا، لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرَّط.
هل من التعدي أن يأخذ ماشية شخص بلا إذنه؟ لو دخل على غنم هذا الرجل في حظيرتها، وأخذها يرعاها بدون إذن صاحب الغنم، فهو متعدٍّ، ليس له أن يتصرف في ملك غيره، اللهم إلا إذا كان يعلم من صاحب هذه الغنم أنه يرضى بذلك، ويحب ذلك فهو كما لو أذن له.
ثم قال المؤلف: (ويضمن المشترك ما تلف بفعله) المشترك مَنْ؟ الذي قُدِّر نفعه بالعمل، وسُمِّي مشتركًا؛ لأنه يتقبَّل العمل من كل أحد لا يختص نفعه بشخص معين، مثل مَن؟ مثل: الغسَّالين، والخيَّاطين، والحطَّابين، وغيرهم، كل هؤلاء مشترك.
يقول: (ما تلف بفعله)، ولو خطأ، والخاص سبق أنه لا يضمن إذا كان خطأ غير متعمد، المشترك: يضمن ما تلف بفعله ولو خطأ، لماذا؟ قالوا: لأن ذلك ورد عن بعض الصحابة رضي الله عنهم أنهم ضمَّنوه مطلقًا.
ثانيًا: لأن العمل مضمون عليه؛ لأنه قُدِّر نفعه بماذا؟ بالعمل، فالعمل مضمون عليه، فإذا أخطأ لم يُؤدِّ العمل الذي هو مضمون عليه، فلزمه الضمان.
مثال ذلك: جئت إلى هذا الخياط، قلت: خُذ هذه الخِرقة، فصِّلها لي ثوبًا، فصَّلها سراويل لا ثوبًا، يضمن ولَّا ما يضمن؟ يضمن حتى لو قال: إنني أخطأت، أو نسيت، أو ما أشبه ذلك، للآثار الواردة في هذا عن الصحابة؛ ولأن العمل مضمون عليه، ولم يُسلمه، فلزمه ضمانه.
وقال بعض أهل العلم: إنه لا يضمن ما تلف بفعله خطأ؛ لأنه مؤتمن، فلا فرق بينه وبين الأجير الخاص، فكما أن الأجير الخاص لا يضمن ما تلف بفعله خطأ، فكذلك هذا، إذ لا فرق، كل منهما مؤتَمن، لكن العمل على ما مشى عليه المؤلف أنهم يضمنون ولو أخطؤوا.
ومن ذلك: إذا سلَّم الثوب مثلًا إلى غير صاحبه خطأ، أعطيت الغسَّال ثوبي فغسله، ثم سلَّمه رجلًا آخر خطأ، إما أنه يظن أن الرجل أنا، أو يظن أن ثوبي هو ثوب الرجل، ففي كلا الحالين يكون ضامنًا؛ لأن هذا بفعله ولا بغير فعله؟
الطلبة: بفعله.
الشيخ: بفعله، أما ما تلف بغير فعله، فقال المؤلف: (ولا يضمن ما تلف من حرزه أو بغير فعله) ما تلف من حرزه، لا يضمنه مثل أن يكون هذا الخياط قد أغلق الدكان، وقفله، فجاء سارق في الليل، فكسر القفل، وأخذ الثياب التي في الدكان، فهنا لا يضمن؛ لأن التلف بغير فِعْله وهو لم يتعدَّ، ولم يُفرِّط.
فإن أعطيته ثوبي يبيعه هو دلَّال عام مشترك، ثم علَّق الثوب على ظاهِر الدكان، فاختُطف، هل يضمن أو لا يضمن؟
الطلبة: لا يضمن.
الشيخ: إن أطلقتم، نقول: إن كان في الليل يضمن؟
طلبة: يضمن.
طلبة آخرون: لا يضمن.
الشيخ: في الليل؟ ! يضمن؛ لأن هذا تفريط يبقي الثياب مُعلَّقة في ظاهر الدكان في الليل، هذا تفريط، اللهم إلا أن تكون هناك قوة قوية في السلطان، فربما يقال: إن هذا حِرْز، ولهذا المؤلف يقول: (لا يضمن ما تلف من حرزه).
فربما يُقال: إذا كان السلطان قويًّا جدًّا بحيث يهابه الناس من أن يتحركوا أي حركة في السرقات وشبهها، فهنا قد يكون تعليقه حرزًا، ونحن نشاهد في مكة وفي غيرها من البلاد، نجد أصحاب الدكاكين الصغار هذه، يضعون قماشًا على البسطات، حتى في الليل، ويدَعونها، فهل نقول: إن هؤلاء مفرطون، أو نقول: غير مفرطين؟ هذا يرجع إلى قوة السلطان، إذا كان الأمن قويًّا فهم غير مفرطين، وإن كان الأمن ضعيفًا فهم مفرطون، مخاطرون، هم على خطر.
على كل حال: (ما تلف من حرزه) فلا ضمان.
وكذلك ما تلف بغير فعله، مثل: لو احترق الدكان، دكان الخياط احترق، فإنه لا ضمان عليه؛ لأن هذا أيش؟
طالب: بغير فعله.
الشيخ: بغير فِعْله، فصار الفرْق بين الخاص والمشترَك أن ما تلف بفعل الخاص خطأً لا يضمن، وما تلف بفعل المشترك خطأ يُضمَن، ما تلف من حرزه في الخاص والمشترك لا يضمن، ما تلف بغير فعله لا يضمن أيضًا.
إذن يشتركان في هاتين المسألتين، ويختلفان فيما إذا كان التلف بفعل الأجير.
يختلفان أيضًا في قوله: (ولا أُجرة له)، يعني ما تلف بفعله فإنه يضمنه، ولا أجرة له، إذا كان تلف بفعله يضمن ولا أجرة له، إذا تلف بغير فعله، أو من حرزه، فلا يضمنه، ولا أجرةَ له؛ يعني لا أُجرة له في المسألتين.
الأجرة في المشترك إذا تلف المستأجَر عليه، لا يستحقها المؤجَر أو الأجير، أما الضمان فعرفتم أن في ذلك تفصيلًا إن تلِف بفعله فهو ضامِن، وبغير فعله أو من حرزه فليس بضامِن، المهم أنه لا أُجرة له مطلقًا.
مثال ذلك: رجل خاط لي الثوب خاطه، وأتمه، جئت إليه بعد العصر، فقلت له: أنت خيطتَ الثوب؟ قال: نعم، خيطته.
هات الثوب، ما بقي إلا تركيب الأزرار، ولكن الآن كما ترى غابت الشمس، وغلَّق السوق، وإن شاء الله في الصباح تأتيني مبادرًا.
أقفل الباب، وأحرز ما فيه، ولكن جاء السارق، فكسر الباب وسرق الثوب، ماذا نقول؟ ليس عليه ضمان، وليس له أجرة مع أني أنا شاهدته، كمَّل الثوب، ما بقي إلا تركيب الأزرار، نقول: لا أُجرة له، لماذا؟ قالوا: لأنه لم يُسلِّم العمل الذي استؤجِر عليه، ما أعطاني ثوبي الآن، كيف أعطيه أجرة وأنا خسرت الثوب؟ !
وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، وهو المذهب، والقول الثاني: أن له الأجرة مطلقًا؛ وذلك لأن الرجل فعل ما عليه، وإذا فعل ما عليه فإنه يستحق العمل، وما دام الرجل لا يضمن في هذه الحالة لك الثوب؛ فإنه لا يضمن لك العمل في الثوب؛ لأننا إذا قلنا: ليس له أجرة، فمعناه أننا ضمناه العمل في الثوب، وراح عليه الخسارة.
فالصحيح أن له الأجرة في هذه الحال؛ لأنه غير متعدٍ ولا مفرط، وقد قام بالعمل الذي عليه، لكن يستثنى منها الأجرة، يسقط منها؟
الطلبة: تركيب الأزرار.
الشيخ: تركيب الأزرار في المثال الذي قلنا.
قال: يُخاط الثوب مثلًا بعشرة، ويركِّب أزراره بنصف ريال، كم؟
الطلبة: تسعة ونصف.
الشيخ: تسعة ونصف، يستحق تسعة ونصف، إي نعم.
طالب: شيخ (... ).
الشيخ: تقدم لنا أنا الأُجراء ينقسمون إلى قسمين: خاص ومشترك، وأن الخاص: من قُدِّر نفعه بالزمن، والعام أو المشترك من قُدِّر نفعه بالعمل، وأنه سُمِّي خاصًّا لاختصاص المستأجِر به؛ لأنه لا يشركه فيه أحد، ومثَّلنا لذلك بالخادم يكون أيش؟ في البيت، والسائق يكون في السيارة، استأجرته يسوق السيارة، نقول: هذا حكمه -هذا الخاص- حكمه؟ أنه لا يضمن إلا إن تعدى أو فرط، فالسائق مثلًا لو حصل خلل في السيارة من فِعله، لكن بدون تعدٍّ ولا تفريط فليس عليه ضمان؛ لأنه قائم مقام المالِك، ومؤتَمَن على عمله.
أما المشترك فهو من قُدِّر نفعه بالعمل، وسُمِّي مشتركًا لاشتراك الناس في نفعه كالخياط، ولهذا يأتي زيد إلى الخياط يستأجره ليخيط ثوبه، وفي نفس الوقت يأتي عمرو إلى الخياط يستأجره ليخيط ثوبه، ويأتي ثالث ورابع، وهكذا في آنٍ واحد، إذن فهو مشترَك.
وسبق أن المشترك يضمن ما تلف بفعله ولو خطأ، لكن لا يضمن ما تلف من حرزه، أو بغير فعله.
لو أن هذا المشترَك حمل لك متاعك إلى البيت، وزلق وتكسَّر المتاع، المتاع كان زجاجات فيها شراب طاح، ولَّا بيض، خلُّوها بيض أحسن، حمل لك ثلاثة أطباق بيض إلى البيت، ثم زلق وطاح وتكسر البيض يضمن ولَّا لا؟
الطلبة: لا يضمن.
الشيخ: لا، يضمن؛ لأن هذا بفعله لولا أنه زلق، ما ينكسر البيض، ولكن سبق لنا أن الصواب فيه أنه لا يضمن كالأجير الخاص؛ لأنه وإن كان مشتركًا لكنه مؤتمَن، والأمين إذا لم يتعدَّ أو يفرط فلا ضمان عليه، هذا القول هو الصحيح.
وفيه قول وسط، يقول: ما تلف بفعله الذي يفعله هو بنفسه هو اختيار فهو ضامِن، وأما ما كان بغير إرادة كالزلق وشبهه فليس بضامن، لكن الصحيح أنه لا ضمان مطلقًا إذا لم يتعدَّ أو يفرط.
بقي علينا الأُجرة، يفترق الخاص والمشترك في أن الخاص تجب له الأجرة بكل حال، والمشترَك إذا تلف الشيء ولو بغير فعله فليس له أجرة.
وسبق لنا أن الصحيح أن له الأجرة؛ لأنه أدى ما استؤجر عليه، والتلف ليس منه، فله الأجرة.
أما لو كان التلف بفعله فإنه يضمنه مصنوعًا أو مغسولًا أو مخيطًا، وإذا ضمنه هكذا فاتت عليه الأجرة ولَّا لا؟ المشترك خاط لي الثوب، وسُرق الثوب من الحرز، سؤال: هل يضمن الثوب؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا يضمنه، هل له الأُجرة؟ المذهب: لا أجرة له، والصحيح أن له الأجرة.
تعمد إتلاف الثوب يضمن ولَّا ما يضمن؟
الطلبة: يضمن.
الشيخ: يضمن، هل يضمنه مخيطًا أو لا؟
طالب: نعم، مخيطًا.
الشيخ: إذا ضمنه مخيطًا، فالحقيقة أنه لا أجرة له، الواقع أنه إذا ضمنه مخيطًا فلا أُجرة له؛ لأنه قدر الثوب غير مخيط بعشرة ومخيطًا باثني عشر، إذن أُضيفت الأجرة إلى هذا الرجل، فإذا ضمَّناه قيمة الخياطة، فمعناه أنه لا أجرة له، ربما يكون هناك فرق بما إذا خاطه بأجرة قليلة مراعاة لي، فهنا نُضمِّنه إياه بأكثر من أجرته، مثل: خاطه لي بريال، وقدرنا قيمته مخيطًا باثني عشر، وهو أصله بعشرة كم ضمناه الآن؟
طالب: ضمناه العشرة.
الشيخ: لا، ضمناه ريالين مع أنه إنما خاطه بريال واحد، فضمناه أكثر من أجرته؛ لأننا نضمنه الثوب مخيطًا، فصار الفرق بينهما -أي الخاص والمشترك-: أولًا: من حيث التعريف، وثانيًا: من حيث الضمان، وثالثًا: من حيث الأجرة، هل تُستحق أو لا؟
ثم قال المؤلف رحمه الله: (وتجب الأجرة بالعقد إن لم تؤجل) يقول: (تجب الأجرة بالعقد) أي: بمجرد العقد تجب الأجرة لمن؟ للأجير، إلا إذا أُجِّلت، فلا تجب حتى يحل الأجل، وذلك؛ لأنه كما أن المستأجر ملك المنفعة بالعقد، فالمؤجر يملك عِوَضها بماذا؟ بالعقد.
يتفرع على ذلك لو استأجرتك لعمل، بهذه الشاة، فالشاة تكون ملكًا لمن؟ تكون ملكًا للمستأجر من حين العقد، لبنها لمن؟ للمستأجر، لبنها للمستأجر؛ لأنه ملكها من حين العقد؛ حيث إنها معينة، فيكون دَرُّها له، وصوفها له -أي للمستأجر- وولدها الذي نشأ بعد عقد الأجرة لمن؟ للمستأجر؛ لأن الأجرة تجب بمجرد العقد.
وعرفتم التعليل؛ نقول: كما أن المستأجر ملك منافع المستأجَر بالعقد، فكذلك عِوض هذه المنافع -وهو الأجرة- يُملَك بالعقد.
وقوله: (إن لم تؤجل) يعني فإن أُجِّلت فإنه لا يملكها ملكًا تامًّا حتى يحضر الأجل، إذا تم الأجل ملكها؛ لأنها مؤجَّلة.
قال: (وتُستحق بتسليم العمل الذي في الذمة) تُستحق الأجرة إذا كانت غير معينة، أو معينة بتسليم العمل الذي في الذمة، ولا يجب تسليمها قبله.
مثال ذلك: استأجرت هذا الرجل على أن يخدمني لمدة سنة بهذه الشاة، الشاة تكون لمن؟
طلبة: للخادم.
الشيخ: لهذا الخادم المستأجَر، تكون لهذا الخادم بمجرد العقد، لكن هل يطالبني بتسليمها له؟
الجواب: لا يطالبني بذلك؛ لأنه من الجائز ألا يتمم العقد الذي بيني وبينه، فلا يملك المطالبة حتى يُسلِّم العمل الذي في الذمة، يعني حتى تنتهي المدة إذا كان في المدة.
إذا كانت على عمل بأن استأجرته ليبني هذا البيت في هذا القطيع من الغنم، الإجارة صحيحة ولَّا غير صحيحة؟ صحيحة، ملك القطيع لمن؟
طالب: للمستأجر.
الشيخ: لا، للأجير ولَّا نقول للباني؟ للباني اللي بيبني البيت، لكن هل يطالبني بتسليم القطيع له قبل أن ينتهي البيت؟
الجواب: لا يستحق ذلك حتى ينتهي بناء البيت.
يبقى هذا القطيع أمانة عندي حتى يتم بناء البيت، ثم أسلمه له.
قال المؤلف: (ومن تسلم عينًا بإجارة فاسدة، وفرغت المدة لزمه أجرة المثل) فإن لم تبتدئ المدة لم يلزمه شيء ولزمه ردها إلى صاحبها، فإن مضى شيء من المدة لزم ردها إلى صاحبها، وأجرة ما استعملها فيه بقسطها من أجرة المثل.
الأحوال ثلاثة: تسلم عينًا بإجارة فاسدة، لكن لم تبتدئ المدة، نقول: يردها إلى صاحبها مجانًا، انتهت المدة، يُسلِّم أجرة المثل كاملة، في أثناء المدة يُسلِّم القسط من أجرة المثل.
قوله: (بإجارة فاسد) بماذا تفسد الإجارة؟ نقول: تفسد الإجارة، إما بفوات الشرط، وإما بوجود مانع، فلنمثِّل لما فسدت بفوات شرط.
سبق لنا أنه من شروط الإجارة في العين المؤجرة أن تكون معلومة برؤية أو صفة، بما يمكن فيه الوصف، ومن شروطها أن تكون من مالِك، أو مَن يقوم مقامك.
فهذا رجل استأجر بيتًا من غير مالكه، ولا قائم مقام المالك، الإجارة؟
طالب: الإجارة فاسدة.
الشيخ: فاسدة، مضت المدة، يثبت لصاحب البيت أُجرة المثل سواء كانت مثل ما اتفق عليه، أو أقل أو أكثر، واضح؟ هذا رجل تسلَّط على بيت زيد، وصار يُؤجِّره، أجَّره شخصًا، الإجارة؟
طالب: فاسدة.
الشيخ: فاسدة، لماذا؟ لفوات الشرط؛ لأنها ليست من مالك، ولا من يقوم مقامك، فالإجارة إذن فاسدة.
مضت المدة، يلزم المستأجر أجرة المثل، هذا المستأجر قد استأجر البيت بعشرة آلاف ريال، وهو يساوي عشرين ألف ريال، كم يلزم المستأجر؟
الطلبة: عشرين.
الشيخ: يلزمه عشرون ألفًا.
هو استأجره بعشرة، على مَنْ يرجع بالعشرة الزائدة؟ يرجع بها على الذي غرَّر، وهو الظالم المعتدي الذي آجر بيت غيره بغير رضا منه.
كان قد استأجره بعشرين ألفًا، وانتهت المدة، ولكنه قُدِّرت أجرته بعشرة آلاف، كم يلزمه؟
طلبة: عشرة آلاف.
الشيخ: يلزمه عشرة آلاف ريال فقط، والعشرة الثانية تسقط عنه، ولا يستحقها المؤجِر؛ لأن المؤجر ظالم، واضح؟
وجود مانع: عَقَدا الإجارة في المسجد، اتفق زيد وعمرو على استئجار البيت، والبيت ملك للمؤجِر، لكن كانت الإجارة في المسجد، الإجارة في المسجد لا تصح؛ لأنها حرام: «إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا: لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ؛ فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا» (3)، فالإجارة إذن لا تصح، لماذا؟ لوجود مانع.
تمت المدة، فنقول: للمؤجر أُجرة المثل، البيت قد استؤجر بعشرين ألفًا، ولما تمت المدة صار لا يساوي إلا عشرة آلاف ريال، صارت الأجرة الحقيقية عشرة آلاف ريال، كم يجب على المستأجر؟ عشرة آلاف ريال، كذا؟
وهذا واضح فيما إذا كان جاهلًا، إذا كان المستأجر والأجير جاهلين بذلك، فإن كانا عالِمَين فينبغي أن نُعاملهما بما يقتضيه العقْد، والزائد نجعله في بيت المال، لئلا يحصل التلاعب، ليش؟ لأنه ربما يأتي واحد لشخص من الناس غريب، يقول له: أجِّرني بيتك بعشرة آلاف ريال، والأُجرة عشرة آلاف ريال، قال: والله أنا بيتي غالٍ عندي ولن أؤجره بعشرة آلاف، قال: خلِّ واحد يعرضه للناس، قال: أنا أعرف أنه لو عُرض للناس لا يزيد على عشرة آلاف ريال، ولكني ما أنا مؤجره، قال الرجل: تفضل نروح نصلي، ذهبا يصليان وفي المسجد قال له: ما دام البيت غاليًا عندك آخذه منك بعشرين ألف ريال، صاحب البيت وافق، لماذا؟ لزيادة الأجرة بدل العشرة بيعطي عشرين، وافق على هذا، وتم العقد في المسجد.
لَمَّا انتهت المدة قال المستأجر: والله يا أخي، نحن قوم نخاف الله عز وجل، ولا نحب أننا نمضي إجارة فاسدة، وقد وقع عقد الإجارة بيني وبينك في المسجد؛ فالإجارة إذن فاسدة، والواجب عليَّ وعليك أن نرجع إلى أُجرة الْمِثل، نذهب إلى مكتب عقاري، ونقول: ويش يسوَى هذا البيت؟ قال: يسوى عشرة آلاف ريال.
على كلام المؤلف لا يلزم المستأجر إلا عشرة آلاف ريال؛ لأن المؤلف أطلق ولا فصَّل، لكن الذي نرى أنه لا يلزمه إلا عشرة آلاف ريال لصاحب البيت، لا شك، أما العشرة الثانية فنلزمه بها، ونجعلها في بيت المال إن كان صاحب البيت عالمًا، وإن كان جاهلًا غريرًا، فإننا نعطيه كل الأجرة؛ لأنه لم يرضَ بتأجير بيته إلا بعشرين ألفًا وهو غير آثِم، ولا معتدٍ؛ لأنه جاهل، فحينئذٍ نقول: إذا كان عالمًا أخذنا العشرة الزائدة هذه الزائدة عن أجرة المثل، وجعلناها في بيت المال، وإن كان جاهلًا فله جميع الأجرة؛ لأنه معذُور غير آثِم، ولم يُسلِّم بيته إلا على هذا الشرط.
لو قال قائل: إذا تسلَّم عينًا بإجارة فاسدة، فلماذا لا نلغي العقد والأجرة؟ نقول: ما له لا أجرة المثل ولا الأجرة المتفق عليها؟
نقول: هذا لا يمكن؛ لأنه ظلم.
كيف كان ظلمًا؛ لأن المالك فُوِّتت عليه منفعة ملكه مدة الإجارة، فلو قلنا: لا أُجرة لك، فإننا نظلمه بذلك، والمستأجِر قد استوفى المنفعة، فلو قلنا: لا أُجرة عليك، لكنا أبحنا له أن يأكل أموال الناس بالباطل.
وحينئذٍ نقول: يلزم أجرة الْمِثل، هذا إذا تمت المدة، فإن كانت المدة لم تبتدئ فلا عمل على هذا العقد، ويرجع كل على ملكه.
مثاله: آجَرَ بيتَه سنة عشر في سنة تسع إجارة فاسدة، واطُّلِع على فساد الأجرة قبل أن تدخل سنة عشر، ماذا نقول؟
طلبة: يلغى العقد.
الشيخ: يُلغى العقد، ولا يكون شيء؛ لأن المستأجر ما استوفى شيئًا من المنافع، والمؤجر ما استوفى شيئًا من الأجرة، فنقول: يلغى العقد، ولا شيء لأحد على أحد.
في أثناء المدة آجَرَهُ البيت سنة تسع إجارة فاسدة، ولم يعلموا إلا بعد مُضِيِّ ستة أشهر من الأجرة؟ نقول له: قسط ذلك نصف الأجرة، هذا إذا كان البيت لا تختلف فيه الإجارة بين أول السنة وآخرها، أما إذا كانت تختلف، فربما لا يستحق في أولها إلا الثلث له ستة أشهر، أو يستحق الثلثين، ولو كان باقي ستة أشهر، واضح الكلام هذا ولَّا لا؟
طالب: واضح.
الشيخ: واضح؛ يعني قد يكون هذا الدكان له موسم في أول السنة؛ ربما تكون ثلاثة أشهر تقابل تسعة أشهر، وإذا كان الموسم في آخر السنة، فإنه قد يمضي ستة أشهر لا يساوي نصف الأجرة (... ).
باب السبق
الطالب: والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
باب السبق
يصح على الأقدام وسائر الحيوانات والسفن والمزاريق، ولا تصح بِعوض إلا في إبل وخيل وسهام، ولا بد من تعيين المركوبين واتحادهما والرماة والمسافة بقدر معتاد، وهي جعالة لكل واحد فسخها، وتصح المناضلة على معينين يُحسنون الرمي.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم..
(باب السَّبْق)
يَصِحُّ على الأقدامِ وسائرِ الحيواناتِ والسفُنِ والْمَزَارِيقِ، ولا تَصِحُّ بعِوَضٍ إلا في إِبِلٍ وَخَيْلٍ وسِهامٍ، ولا بُدَّ من تَعيينِ الْمَرْكُوبَيْنِ واتِّحادِهما والرماةِ والمسافةِ بقَدْرٍ مُعتادٍ، وهي جِعالةٌ لكلِّ واحدٍ فَسْخُها، وتَصِحُّ الْمُناضَلَةُ على مُعَيَّنَيْنِ يُحْسِنون الرَّمْيَ.
(بابُ العَارِيَّةِ)
وهي إباحةُ نفْعِ عينٍ تَبْقَى بعدَ استيفائِه، وتُباحُ إعارةُ كلِّ ذي نَفْعٍ مُباحٍ، إلا البُضْعَ وَعَبدًا مسلِمًا لكافرٍ وصَيدًا ونحوَه لِمُحْرِمٍ, وأَمَةً شابَّةً لغيرِ امرأةٍ أو مَحْرَمٍ، ولا أُجرةَ لِمَن أَعارَ حائطًا حتى يَسْقُطَ، ولا يُرَدُّ إن سَقَطَ إلا بإذْنِه، وتُضْمَنُ العَاريَّةُ بقِيمتِها يومَ تلفت - ولو شَرَطَ نَفْيَ ضَمَانِها - وعليه مؤونة رَدِّها، لا الْمُؤَجَّرَةُ،
إذا استأجر شيئًا بأجرة معينة، فهل يستحق الأجرة (... )؟
يقال: السبْق، ويقال: السبَق؛ أما السبَق بالفتح فهو العوض الذي جعل على السبْق، وأما السبْق فهو الغلبة؛ أن يغلب غيرَه فيما جرى فيه التسابق.
الباب هنا الأنسب أن نقول: السبْق، ولَّا السبَق؟ الأنسب أن نقول: السبْق -باب السبْق- لأن السبْق يشمل ما فيه سبَق؛ أي: معاوضة وما ليس فيه سبَق.
والأصل في المسابقة: الأصل فيها أنها حلال، ومع ذلك قسمها العلماء إلى ثلاثة أقسام؛ قسم يجوز بعوض وبغير عوض، وقسم لا يجوز لا بعوض ولا بغير عوض، وقسم يجوز بلا عوض ولا يجوز بعوض؛ فالأقسام ثلاثة:
القسم الأول: ما يجوز بعوض وبغيره.
والقسم الثاني: ما لا يجوز بعوض ولا بغيره.
والقسم الثالث: وسط يجوز بغير عوض، ولا يجوز بعوض.
وكل هذا ذكره المؤلف أو أشار إليها؛ قال: (يصح على الأقدام، وسائر الحيوانات، والسفن، والمزاريق، ولا تصح بعوض) إلى آخره، هذا القسم الذي يجوز بغير عوض.
(على الأقدام) يعني: يجوز أن يتسابق اثنان على أقدامهما؛ لأن في ذلك ترويحًا للنفس، وتنشيطًا للجسد، وتحريضًا على المغالبة؛ إن الإنسان يحب أن يغالب غيره حتى يغلبه، هذا من حيث التعليل، فالتعليل إذن يتضمن ثلاثة أمور؛ عُدَّها.
طالب: من حيث التعليل؟
الشيخ: نعم، يعني: يجوز المسابقة على الأقدام ذكرنا لها ثلاث علل.
الطالب: الترويح على النفس.
الشيخ: إي نعم، ترويح عن النفس.
الطالب: التقوية.
الشيخ: تقوية البدن.
الطالب: حب المغالبة.
الشيخ: نعم، تعويد الإنسان على المغالبة وأن يغالب غيره، وإن كان المغالبة قد تكون في خير أو في شر، لكن كون الإنسان راكدًا لا يحب أن يَغْلِب ولا يُغْلَب هذا لا شك أنه ما هو من مصلحته.
أما الدليل: فهو أن النبي صلى الله عليه وسلم سابق عائشة رضي الله عنها (1)، ومسابقته لعائشة تدل على الجواز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا فعل فعلًا كان ذلك دليلًا على جوازه.
ولا بد من تعيين المسافة ابتداءً وانتهاءً، ولا بد أن تكون المسافة مما يمكن إدراكه؛ فإن قال: أسابقك من هنا إلى مكة، من عنيزة إلى مكة على الأقدام، يصح؟
ما يصح؛ لا بد أن تكون مقيَّدة بمسافة معتادة.
كذلك على (سائر الحيوانات)؛ سائر الحيوانات: الحُمُر، البغال، وغيرها؟
طالب: الخيل.
طالب آخر: والإبل.
الشيخ: لا، دعونا من الخيل والإبل هذه لها حكم خاص.
البقر! ما يمكن تركب البقرة؟ !
طلبة: لا.
الشيخ: لا، يمكن في بعض البلاد يركبونها.
طالب: هل يجوز أو لا يجوز؟
طالب آخر: الجاموس.
الشيخ: إي، الجاموس، الفيل.
المهم: سائر الحيوانات.
طالب: والنعام والزراف.
الشيخ: اللي يمكن المسابقة فيها.
(السفن) معروفة، يجوز المسابقة في السفن، في الماء، في البحر، وكذلك في السفن البرية وهي: السيارات، وفي السفن الجوية وهي: الطائرات، كذا ولَّا لا؟ تجوز المسابقة فيها.
لكن كيف تكون المسابقة في السيارات؛ في الجري ولا في أيش؟
طالب: في الجري.
الشيخ: الظاهر في الجري.
الطائرات: في الطيران –يعني: سرعة الطيران- ولا في تمكن التصرف في الطائرة يمينًا وشمالًا وغير ذلك؟
طلبة: في الأمرين.
الشيخ: في الأمرين جميعًا.
(المزاريق) يقول: هو الرمح القصير، هذا المزاريق؛ الرماح القصيرة، يعني: يحذفونها هكذا أو يضربون بها، يصح.
من ذلك مثل المزاريق؛ فيه بندق صغيرة تسمى أيش؟
طلبة: (... ).
الشيخ: لا، تُسَمَّى الظاهر أم حبة، هذه نجعلها مما سيأتي ولَّا نجعلها من جنس المزاريق؟
الظاهر أنها لا تقتل العدو ولا يقاتل بها في العدو، فتكون من جنس المزاريق.
طالب: الحذف بالحصى؟
الشيخ: الحذف بالحصى أيضًا مثله يجوز، أيهما أطول؟ أبعد؟ أو أيهما أصوب؟ يعني يضعون هدفًا يترامَوْن عليه، هذا أيضًا لا بأس به.
المصارعة؛ تجوز المسابقة فيها ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: تجوز المسابقة فيها، أيهما يصرع.
طالب: الملاكمة؟
الشيخ: لا، الملاكمة الظاهر لا تجوز؛ لأنها خطيرة، حسب ما سمعنا أنها خطيرة، وفيها ضرب على الوجه.
طالب: (... ) في الملاكمة (... ).
الشيخ: لا، الظاهر أنه ما يتكلف الوجه.
طالب: الأصل فيها الوجه.
الشيخ: الأصل فيها الوجه؟
الطالب: حتى يدوخ ويطيح.
الشيخ: إذن نقول: هذه ما تجوز؛ لما فيها من الخطر، ولما فيها من الوقوع فيما نهى عنه الرسول عليه الصلاة والسلام من الضرب على الوجه (2)، هذا القسم الأول الذي يجوز بلا عوض.
ولكن يجب أن نعلم أن المباح إذا تضمن ضررًا صار محرمًا، فلو أُجريت المسابقة في هذه الأمور في وقت تمنع من صلاة الجماعة مثلًا؛ كانت المسابقة حرامًا، ولو أدى ذلك إلى العداوة والبغضاء والتحيز والتعصب كان ذلك حرامًا.
الكرة القدمية من هذا النوع؟
طلبة: نعم.
الشيخ: من هذا النوع؛ يعني: تجوز بلا عوض؛ لأن فيها تقوية للبدن، وفيها ترويح عن النفس، وفيها تعويد على المغالبة، لكن بشرط ألا يدخل التحزب المشين كما يوجد الآن من بعض الناس؛ يتحزبون إلى نادٍ معيَّن، ويحصل بهذا فتنة، أحيانًا تصل إلى حد الضرب بالأيدي أو بالعصيان أو الحذف بالحجارة.
قال: (ولا تصح بعوض إلا في إبل وخيل وسهام)
(لا تصح) يعني: المسابقة (بعوض) إلا في هذه الثلاثة: (الخيل، والإبل، والسهام)؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا سَبَقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ» (3).
«لَا سَبَقَ» أي: لا عوض إلا في هذه الثلاثة.
وإنما جاز في هذه الثلاثة؛ لما في المسابقة عليها من المصلحة العامة في الجهاد في سبيل الله؛ لأن الإبل فيها مصلحة عامة في الجهاد في سبيل الله، وهي نقل الأمتعة والمجاهدين وغير ذلك.
الخيل كذلك فيها الكرُّ والفر، السهام: فيها الرمي أيضًا، فهذه الثلاثة تجوز فيها المسابقة بعوض وبغير عوض.
لو أننا وجدنا في عصرنا الحاضر شيئًا يشبه هذه الأشياء؛ كسيارات نقل الجيش مثلًا، وسيارة الجيب التي يُكَرُّ عليها ويُفر والطائرات الحربية، هل تجوز المسابقة عليها بعوض؟
الجواب: نعم؛ لأن القياس هنا واضح؛ إذ إن العلة فيها التنشيط على الجهاد في سبيل الله، والتعويد عليه، وهذا موجودٌ في السيارات الخاصة بالحرب، أما السيارات المدنية فهي من القسم الأول.
لكن اشترط المؤلف لهذا شروطًا: قال: (ولا بد من تعيين المركوبين) (تعيين المركوبين)؛ لأنه إذا قال: أسابقك على فرس وفرس، ولم يُعَيَّن لا يُعْلَم هل هذا الفرس جيد أو ردئ، وهل هو من نوع غير النوع الذي عندي؛ فلا بد من تعيين المركوبين.
الراكبان، هل يُشْتَرط تعينهما؟
المذهب: لا يُشْتَرط تعيين الراكبين، والصحيح: أنه يُشترط، وهو مذهب الشافعي، وتعيين الراكبين أمرٌ مهم؛ لأنه قد يركب هذا الفرس من لا يجيد ركوب الخيل، والفرس جيد، ثم يُغلَب لأن راكبه لا يعرف، وقد يركبه راكب جيد، وهو رديء -أي: الفرس- فيسبق بناء على حذق راكبه.
ولا أحد يشتبه عليه الأمر في أن للراكبين تأثيرًا على سبق الفرس، فالصواب: أنه لا بد من تعيين المركوبين وتعيين الراكبين، بل إن تعيين الراكبين أشد ضرورةً من تعيين المركوبين.
ولا بد أيضًا من: (اتحادهما) اتحاد المركوبين، في أي شيء؟ في النوع؛ يعني: أن يكونا من نوع واحد، فلا تصح بين فرس هجين وفرس عربي؛ لأن النوع يختلف، وكذلك في الإبل لا يصح بين العراب والبخاتي؛ لاختلاف النوع.
قال: (والرماة) يعني: فيما إذا كانت المسابقة بالسهام فلا بد من تعيين الرماة؛ لأن القصد معرفة حذقهم وهذا لا يحصل إلا بالتعيين، كما قال المؤلف.
ولا بد أيضًا من اتحاد النوع في القوسين، وفي عصرنا الآن نقول: لا بد من اتحاد النوع في السلاح، فلا يصح مثلًا المسابقة في بندقيتين مختلفتين، بل لا بد أن تكونا متحدتي النوع.
شوف الشروط الآن؛ تعيين المركوبين، اتحادهما، والصحيح في الشرط الثالث: تعيين الراكبين.
في باب المسابقة في السهام لا بد من تعيين الرماة، أما القوسان فلا يحتاج إلى تعيينهما، لكن لا بد أن يكونا من نوع واحد.
قال: ولا بد أيضًا من تحديد (المسافة)؛ المسافة سواء كانت في الخيل والإبل أو السهام؛ من تحديد المسافة ابتداء وانتهاء، ولَّا انتهاء؟ ابتداءً وانتهاءً؛ لئلا تختلف.
كم المسافة المقدرة في السهام؟
يقول العلماء رحمهم الله: لا تصح على أكثر من ثلاث مئة ذراع في السهام.
ثلاث مئة ذراع الآن ليست بشيء، الآن يجعلونها تعبر القارات؛ السهام.
فنقول: إذن المثال اللي ذكروه أنها لا تصح على أكثر من ثلاث مئة ذراع بناء على عُرْفِهم وأن هذه بحسب قوة الرامي نفسه، أما الآن فصارت القذيفة بحسب قوة السلاح، أما الرامي يمكن يجيء واحد يعمل حركة بأصبعه ويغمز الزند ثم تنطلق القذيفة إلى مدى بعيد جدًّا.
فنقول: المدار على العرف وعلى إمكان وصول القذيفة.
طالب: (... ).
الشيخ: لا أكثر من عشرة متر، وأيش عشرة متر؟ !
طالب: تعبر القارات.
الشيخ: تعبر القارات الآن.
طالب: بالنسبة للصواريخ؟
الشيخ: إي نعم، الصواريخ سهام، الصاروخ سهم من السهام.
على كل حال هذا يرجع إلى العرف.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (والمسافةِ بقدرٍ معتاد).
ثم قال: (وهي جعالة)؛ (وهي) أي: المسابقة، (جعالة، لكل واحد منهما فسخُها)؛ يعني: لو اتفقنا على المسابقة في سهام؛ كل واحد منا معه بندق نبغي نترامى، وبعد أن اتفقنا وكتبنا الاتفاقية يجوز لكل واحد منا أن يفسخ؛ لأنها عقدٌ جائز، ليس فيها ضرر على أحد، إلا إذا تبين الفضل لأحدهما، فإنها تكون لازمة في حق المفضول، جائزة في حق الفاضل، لماذا؟
لأننا لو قلنا: إنها جائزة في هذه الصورة، لأمكن كل إنسان يُغْلَب أو يتبين أنه يُغْلَب يقول: فسختها، وحينئذٍ يفوت المقصود من المسابقة.
لو أننا جعلنا الرمي عشر مرات، والإصابة ستة من عشرة، فصار لأحدهما الآن خمسة، وللثاني ثلاثة، من الذي له الحق أن يفسخ؟ الذي له الخمسة، وأما الذي له الثلاثة فليس له أن يفسخ.
لكن لو قال قائل: أفلا يجوز أن يكون الذي له الثلاثة يتقدم على الآخر؟
قلنا: هذا ممكن، لكن العبرة بما حصل.
ولو أصاب واحد ستةً من العشرة، والثالث لم يصب شيئًا، أيهما الذي يجوز له؟ الذي أصاب ستة؛ لأن الثاني لا يمكن أن يغلبه الآن، أبدًا ما فيه احتمال، ما دام وصل العدد إلى أكثر من النصف والثاني لم يحرز شيئًا، فإنه لا يمكن تقدمه أبدًا.
إذن هي جعالة لكل واحد فصلها إلا إذا تبين الفضل لأحدهما، فالحق للفاضل دون المفضول.
قال: (وتصحُّ المناضَلَةُ على مُعَيَّنِينَ يُحْسنون الرميَ) يعني معناه: المناضلة هي المسابقة بالسهام، فيصح بشرطين:
الشرط الأول: تعيين الرماة، والثاني: أنهم يحسنون الرمي.
فلو كانوا لا يحسنون الرمي فإنه لا فائدة من المسابقة، ولو كان أحدهما يحسن والثاني لا يحسن فلا فائدة من المسابقة، لماذا؟ لظهور الفضل للذي يحسن دون الآخر.
لم يذكر المؤلف رحمه الله القسم الثالث؛ وهو الذي لا يجوز لا بعِوَض ولا بغير عوض؛ نقول: كل ما فيه لهو ويصد كثيرًا عن النافع فهو حرام.
كل شيء فيه اللهو؛ يعني معناه أنه يُلْهِي الإنسان، ويجذب القلب، ويصد كثيرًا عما هو نافع، فإنه حرام بعوض وبغير عوض؛ مثل: الشِّطْرَنْج، والنَّرد، والوَرَقة، وغير ذلك مما يلهي كثيرًا، مما يشغل القلب ويلهي كثيرًا عما هو نافع.
أما ما لا يشغل القلب، ولا يتعلق به القلب حين فعله، ولا يشغل كثيرًا عما هو نافع، فهذا يدخل في القسم الأول.
القسم الأول: إذا كان يستلزم ترك واجب، أو وقوع المحرم، فهو حرام.
فيه ألعاب للقسم الثالث معينة؟
طالب: الـ (ميني بُول).
الشيخ: ويش هو الـ (ميني بُول)؟
الطالب: هذه لعبة تجارية لكنها تطول يا شيخ، وليس فيها فائدة.
الشيخ: تجارية هي؟
الطالب: إي نعم، هي عبارة عن لوح، وعليه مربعات، وفنادق، وشقق، وكذا، يلعب فيها بالحظ، هذه تطول (... ).
الشيخ: طيب، هذه حرام، ويش الفائدة؟
طالب: تعلِّم شيئًا من التجارة.
الشيخ: التجارة ليست مما يُنتفع به في الدين، قد تنفع وقد تضر.
فيه أيضًا عدد في مربعات، يدخِّل بعضه في بعض.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، غير، يعني: كبرى اليدين، كبرى اليد، ويقولك: طلع هذا لأن يتسكن اللي من نوع واحد في صف واحد، هذه من جنس اللي قاله الأخ؛ يعني: يمكن الواحد يقف فيها ساعة وساعتين ما وصل إلى الغاية مع أن الفائدة لا فائدة في الواقع (... ).
إذن معناه أنها ضارة ومضيعةُ وقتٍ، وهذه توجد كثيرًا مع الصبيان، من جنس الآلات الحاسبة، وفيها أرقام أو ألوان، يقول: حط كل واحد جنب الثاني، يمكث الواحد له ساعتين ثلاث، ما زين شيئًا، وإذا زيَّن صفًّا ما زيَّن الصف الثاني.
طالب: الورقة؟
الشيخ: الورقة، والله الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله يُحَرِّمها، والشيخ ابن باز كان يحرمها، وقال لي واحد: إنه يقول: ما فيها بأس إذا لم تله عن واجب، لكنه رجع، ما أدري عنها.
طالب: (... ).
الشيخ: لا؛ لأنها تلهي، الإنسان يقضي الليل كله ما شعر به، تلهي كثيرًا، ثم فيها أيضًا إلقاء العداوة والبغضاء.
طالب: الكرة (... ).
الشيخ: إي لكن الكرة -بارك الله فيك- فيها منفعة للجسم؛ حركة وجري ومشي.
طالب: (... ) حركة ذهنية؟
الشيخ: أبدًا.
الطالب: الشطرنج فيها حركة ذهنية.
الشيخ: أنا قال لي بعض الإخوة اللي درسوا في أمريكا، يقول: تبين أن هذا الشطرنج وشبهه أنها من أكبر ما يكون ضررًا على العقل والتفكير؛ لأن التفكير ينحصر في مثل هذا النوع من الفكر، ينحصر في مثل هذا النوع مما يفكَّر فيه؛ مثل اللي يقرأ مثلًا علم الفرائض ما يجيد علم فقه الصلاة مثلًا، يقول: يبدأ العقل ما يعرف إلا ما كان مثل هذا النوع، ولا يستريح إلا لِمَا كان مثل هذا النوع، وحينئذ يتضرر، وهذا صحيح؛ يعني تعويد الفكر على شيء معين يركز عليه معناه أنه يضيع الشيء الآخر.
طالب: فيمن قال: (... ) يجيز العوض على كل شيء (... ) لعب كرة، أو على.. ؟
الشيخ: لا، يجوز، العوض من جانب آخر ما هو من باب التسابق؛ يعني مثلًا أنا قلت لاثنين: تسابقا على الأقدام، أو في المصارعة، واللي يغلب أعطيه كذا وكذا، هذا مرادي، أما من الجانبين..
المذهب أيضًا يشترطون أنه لا بد من المحلل؛ يعني واحد ثالث مع الاثنين يدخل معهم في المسابقة، ولا يجعل عوضًا، قالوا: لأجل أن تخرج عن شبه القمار؛ لأن المحلل الثالث إذا سبق أخذ العوض، وليس عليه غرم، ولكن هذا القول ليس بصحيح، الصواب: أنه يجوز بدون محلل.
طالب: (... ).
الشيخ: والله ما أعرف الـ (دومنا)، وأيش هي الـ (دومنا)؟
الطالب: قطع (... ).
طالب آخر: تشبه الورقة.
الطالب: ما فيها فائدة.
الشيخ: ما فيها فائدة، لكن تلهي كثيرًا؟
الطالب: تلهي.
الشيخ: تلهي كثيرًا، إذن معَنا هذه القاعدة؛ شيخ الإسلام جعل قاعدة يقول: ما ألهى كثيرًا عن الأمور النافعة وليس فيه نفع هو حرام.
لكن لاحظوا أنه يُرخَّص للصغار ما لا يرخَّص للكبار؛ يعني مثل هذا لو أن الصغار ما لهم وقت؛ لأن وقتهم ما هم منتفعين به، ولا بد أن ينشغلوا بشيء، هذا قد يرخص للصغار اللي دون البلوغ، أما الكبار فلا.
طالب: الكاراتيه؟
الشيخ: الكاراتيه؟ والله، الكاراتيه قال لي بعض الناس: إنها طيبة ومفيدة.
الطالب: فيها ضرر كبير.
الشيخ: لا، ما فيها ضرر.
الطالب: فيها ضرر؛ أنا أعرف واحدًا يطلع الأول على المملكة فنكسر ذراعه ورجله.
الشيخ: لا يا أخي يقولون: إنها جيدة مفيدة، وفيها حذق تام يمكن تقتل عشرين واحدًا من أعدائك وتسلم أنت.
طالب: التدريب عليها (... ) قدر من التدريب (... ) ولا تتعلم إلا إذا كنت..
الشيخ: لا بد من التدريب، حتى التعلم على السهام وغيرها لا بد فيها من أول ما تعلم يحصل عليك آداب وربما يحصل عليك ضرر.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم (... ).
الشيخ: كل سيئة بحسنة، نعم.
هل يجوز الرهان في مسائل العلم؟
نقول: العلم نوعان: أحدهما علمٌ لا يُستفاد منه في الدين، ولا يقوى به الدين، فالرهان فيه لا يجوز بعوض؛ مثل علم الجغرافيا، وعلم الفلك، وعلم الحساب.
وعلم النحو؟ وسيلة، حتى الحساب قد يكون وسيلة، حتى الجغرافيا يكون وسيلة، حتى الفلك يكون وسيلة أيضًا، فالظاهر أن الوسائل هذه لا تعتبر، لكن بعضها وسائل مهمة، وبعضها وسائل بعيدة.
المسائل الشرعية بذاتها، هذا النوع الثاني؛ وهو ما يستفاد منه في الدين بذاته، كعلم التوحيد والفقه، ومنه الفرائض.
فقد اختلف العلماء في هذا هل تجوز المسابقة فيه بعوض أو لا؟
فالمشهور من المذهب: أنها لا تجوز؛ لأن الحديث حاصر: «لَا سَبَقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ، أَوْ خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ» (3).
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: إن المسابقة فيه بعوض جائزة؛ لأن الدين يقوم بالجهاد بالسلاح وبالجهاد بالعلم، وإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام جعل وسائل الجهاد بالسلاح جعل العوض فيها جائزًا، فكذلك العلم؛ لأن العلم وسيلة الجهاد في بيان الحق وهداية الخلق، ولأن أبا بكر رضي الله عنه راهن قريشًا حين نزل قوله تعالى: ﴿الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: 1 - 4]، فإنه راهنهم على أن الروم ستغلب، وقريش يقولون: إن الروم لن تغلب، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك (4).
وما ذهب إليه الشيخ رحمه الله قوي جدًّا وله وجه، لكن يبقى النظر؛ إذا كان القصد من المسابقة المغالبة، لا الوصول إلى الحق بعد البحث والمناقشة، فهل نقول: إن عموم كلام الشيخ رحمه الله يشمل هذه الصورة، أو نقول: إن هذه الصورة لا تحل؛ لأن المقصود بها المال دون العلم؟
الظاهر لي الثاني، وإن كان الأول فيه احتمال، لكن الظاهر الثاني؛ لأن هذين المتسابقين بالعوض لم يقصدا في الواقع العلم الشرعي، وإنما قصدا الوصول إلى الغلبة وأخذ المال الذي جُعِلَ.
مثال ذلك: تراهنا في مسألة أمرها بسيط وسهل، والوصول إليها يحصل بأدنى مطالعة، وأدنى مناقشة وجعلا العوض فيها عشرات الآلاف، هذه نعلم أن المقصود المال.
مثلًا: قال أحدهما: النية واجبة في الوضوء، قال الثاني: إنها غير واجبة، هذه المسألة سهلة وبسيطة، العوض إن غلبتني فعلي عشرة آلاف ريال، وإن غلبتك فعليك عشرة آلاف ريال.
طالب: قصد المال.
الشيخ: هذا واضح أنه قصد المال، لكن إذا كان المقصود من المغالبة الوصول إلى الحق، وجعل المال كالوسيلة ينشط، فهذا هو الذي أراده شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو جائز.
[باب العارية] ثم ننتقل الآن إلى (باب العاريَّة)
يقال: العاريَة، ويقال: العاريَّة؛ سميت بذلك لعروها عن العوض.
وهي إباحة نفع عينٍ تبقى بعد استيفائِه.
هذا تعريفها شرعًا: (إباحة نفع عين تبقى بعد استيفائه).
لم يقل المؤلف: تمليك نفع عين، بل قال: (إباحة نفع عين) هذه العارية، وهذا باعتبار المعير، وباعتبار المستعير استباحة نفع عين.
فهي باعتبار المعير إباحة، وباعتبار المستعير استباحة نفع عين تبقى بعد استيفائه.
مثال ذلك: أعرتك سيارتي لتذهب بها إلى بُريدة مثلًا، الآن أبحتك نفع هذه السيارة حتى تصل إلى المكان الذي عينته، ولم أملِّكْك النفع؛ وعلى هذا فالمستعير لا يملك تأجير العين المستعارة، لا يملك تأجيرها، ولا يملك إعارتها لغيره، ولا يملك نفعًا سوى ما استعارها له؛ لأنه إنما أبيح له فقط الانتفاع ولم يملكه.
وقوله: (تبقى بعد استيفائه) خرج بذلك ما لو أباحه نفع عين لا يمكن الانتفاع بها إلا بإتلافها؛ مثل أن أقول: هذه دراهم أعرتك إياها، أعرتك هذه الدراهم لتقضي بها حاجتك، هذا لا يُسَمَّى إعارة، ليش؟ إذ لا يمكن الانتفاع بهذه الدراهم إلا بعد إتلافها وشراء شيء فيها بخلاف ما إذا قلت: أعرتك سيارة، فإنك تنتفع بالسيارة مع بقائها.
الفرق بينها وبين الإجارة؛ أن الإجارة ملكٌ للمنفعة، والاستعارة إباحة للمنفعة؛ ولهذا سبق لنا أن المؤجر يجوز أن يؤجر غيره، ويجوز أن يعير غيره، ويجوز أن يستوفي المنفعة بنفسه، وبخادمه، وغلامه، وما أشبه ذلك.
قال: (وتباح إعارة كل ذي نفع مباح) قوله: (تباح) يعني: معناه أنه يجوز، ولا ينفي ذلك الاستحباب مثلًا.
فإذا قال قائل: كيف قال المؤلف: (تباح)؟ نقول: هذا بيان لما تباح إعارته، لا بيان لحكم العاريَّة، انتبه! شوف العبارة: (وتباح إعارة كل ذي نفع مباح)؛ إذن فالعبارة يراد بها بيان ما الذي يعار، وليس المراد بيان حكم العاريَّة.
إذن فما حكم العارية؟
حكم العارية بالنسبة للمُعِير سُنة مستحبَّة، وبالنسبة للمستعير جائزة.
أما الأول؛ فلأن العارية من الإحسان، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]، والإحسان عام يشمل كل إحسان ﴿أَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
أما بالنسبة للمستعير فهي مباحة؛ لأن القرض أشد منها وأعظم منَّة، ومع ذلك فقد أباحه الشارع.
وقد وقعت العارية أيضًا في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، فإنه استعار من صفوان بن أمية استعار منه دروعًا (5)؛ إذن هي بالنسبة للمعير سنة، وبالنسبة للمستعير جائزة مباحة.
وقال بعض العلماء: إن العارية واجبة في كل ما لا يحتاجه الإنسان، يعني: لو طلب منك أحدٌ أن تعيره شيئًا وأنت لا تحتاج إليه وجب عليك أن تعيره، لكن بشرط أن تأمن هذا الذي طلب العاريَّة، أن تأمنه من إتلاف العاريَّة أو إفسادها، فإن لم تأمن لم يلزمك.
وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، قال لأن الله تعالى قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 4 - 7] يعني يمنعون إعارة الماعون، وهذا وعيد لهؤلاء الذين لا يقومون بهذا، وما ذهب إليه رحمه الله قوي جدًّا؛ لأن العارية فيها دفع حاجة أخيك المسلم بدون ضرر، أما إذا كان صاحبُك إذا كنت تخشى من الضرر بإفساد هذه العاريَّة، أو تخشى أن يُتلِفها، أو تخشى أن يهرب، أو أن يجحدها؛ فإنه لا يجب عليك أن تُعيرَه، لكن إذا كان محتاجًا وأنت مستغنٍ عنها، فإن الواجب الإعارة على رأي شيخ الإسلام ابن تيمية، ولكن جمهور أهل العلم على أن ذلك مستحب، وليس بواجب.
وما ذهب إليه شيخ الإسلام قوي جدًّا؛ لظهور دليله.
وقد يقال: إنها لا تجب العاريَّة إلا حيث اضطرَّ الطالب إليها، وأظن أن هذا -حتى على المذهب- يجب إذا كان الإنسان مضطرًّا إلى ذلك أن يعيره إياها، لكن المذهب كما مر علينا يقيدون ذلك بالأجرة، على خلافهم في ذلك.
فالحاصل أن العارية بالنسبة للمعير سنة وقد تجب، بالنسبة للمستعير مباحة.
ما الذي يباح بإعارته؟
قال: (كل ذي نفع مباح) مثل: كتاب، قلم، ساعة، بيت، سيارة، مسجِّل، أي شيء له نفع مباح.
وعُلم منه أن ما لا نفع فيه فلا تُباح إعارته.
ولكن قد يقال: إن ما لا نفع فيه تباح إعارته لأنه ما فيه عوض، مثل أيش؟ كالمناظر الطبيعية مثلًا؛ لو جاء إنسان إليك وقال: أنا والله عازم جماعة يحبون الفخفخة، وأحب أن تعطيني هذه المناظر الطبيعية، عنده مثلًا لوحات فيها مناظر طبيعية أبغي أعلقها بالجدار، هذا نفع ولَّا لا؟ ما فيه نفع، وأيش النفع؟
نعم هذا (... ) شيء.
فنقول: هذا لا بأس به؛ لأنه وإن لم يكن نفعًا مقصودًا ولا فائدة فيه، فإنه لا عوض فيه حتى نقول: إن الإنسان أتلف ماله في غير فائدة.
فالمباح احترازًا من ذي النفع المحرم؛ كرجل جاء إلى شخص يطلب منه أن يعيره آلة لهو؛ كالعود مثلًا، تجوز إعارته؟ لا تجوز، ولكن بقاؤه عند المعير أيضًا لا يجوز؛ لأن الواجب تكسيره.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، ليس شيئًا، لا، هذا ما يرغب لأنه جرت العادة بأنه لا منة فيه في الغالب كالقرض، القرض يجوز الرجل يستقرض ولا بأس به، إنما إحنا ما نقول: لا يجوز، لكن صحيح أن الإنسان ينبغي له أن -بالنسبة للمستعير- ينبغي ألا يستعير إلا ما هو محتاج إليه؛ أولًا: لئلا يوقع نفسه في المذلة.
وثانيًا: لئلا يعرض نفسه لضمان شيء، وإلا العارية قد تتلف فيضمن.
فنقول: نعم، الأحسن، الأولى ألا تستعير إلا للحاجة.
طالب: بالنسبة للسيارات إذا واحد يعلم يسوق، وما عنده رخصة، جاء استلف منك سيارة (... )، أو كذا، وفيه منع من المرور، هل إذا ما أعطيته في هذا (... )؟
الشيخ: أيش يقول هذا؟
الطلبة: يريد يعطيه لكن ما عنده رخصة.
الشيخ: لكن هل يجوز أني أمنع العارية هنا ولَّا لا؟
الطلبة: خطأ، يجب منعها.
الشيخ: يجب هنا، الظاهر أنه يجب؛ لأنه لا يجوز أن تعطيه، نعم لأنك إذا أعطيته مكنته من السياقة وهو ما عنده رخصة، وهذا تعاون على الإثم والعدوان، أفهمت؟ ولكن إذا عرفت أن الرجل محتاج فأنت بنفسك اذهب بسيارتك، أنت والسيارة.
طالب: ماذا لو تبين أنه يريد بها احتمال منفعة لبعض الناس؛ يعني بالنسبة (... ) الأشجار والبحار وكأنه مثلًا على البحر (... )؟
الشيخ: عجيب.
الطالب: (... ) يعني فيه بيوت كثيرة الإخوان لا يضعون الصور، ووضعوا مكانها مناظر طبيعية للزينة أساسًا كمان (... ).
الشيخ: إذن معناها أنها نسبيًّا.
الطالب: نعم.
الشيخ: نسبيًّا ما هي دائمًا.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، الظاهر أنه الشيء العظيم اللي يُخْشَى منه؛ يعني مثلًا أن خسارته كثيرة، قد نقول: إنه ما يدخل في الآية الكريمة، وإن الماعون غالب الناس يحتاجونه دائمًا ولا يكون عندهم، فما كان مثل الماعون والدلو وما أشبه ذلك فهو يجب مع الاستغناء عنه، وأما الشيء الذي قلت: مثل البيت، جاء يستعير مني بيتي مثلًا ليقيم فيه حفلًا، فهذا لا يلزم لي فيما يظهر.
وقد يقال: إنه يفرق أيضًا بين الشيء الذي يتضرر كثيرًا كالسيارة وشبهها يتضرر بالمشي، بخلاف البيت فإن الغالب إذا كان الساكن فيه عاقلًا ما يتضرر.
على كل حال الشيخ رحمه الله إنما يقول بالوجوب بشرط ألا يكون هناك ضرر (... ).
أن تستعين بها على أمر مباح، فليس على بر وتقوى، واضح؟
لكن الاستدلال بالآية الأخرى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]، هذا واضح.
الاستعارة حكمها (... ).
(تباح إعارة كل ذي نفع مباح إلا البُضْعَ) البضع يعني الفرج فإنه لا يعار، فلو كان عند شخص أمة ورأى شابًّا أعزب فقال له: أعرتك أمتي تجامعها، فإن هذا حرام ولا يجوز؛ لماذا؟ لأن الفرج لا يباح إلا بأمرين؛ إما نكاح وإما ملك؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: 5 - 7] هذا البضع.
قال: (وإلا عبدًا مسلمًا لكافر) لا يجوز؛ يعني: عندك عبدٌ مسلم أعرته لكافر ليخدمه، فإن هذا لا يجوز؛ لأن فيه إذلالًا للمسلم، فهذا الكافر سوف يتسلط على هذا المسلم، ويؤذيه بالاستخدام؛ ربما يقول مثلًا: مَحِّشِ النجاسة اللي عليَّ، احمل نعلي على رأسك، وما أشبه ذلك، فلا يجوز أن يعير الإنسان عبدًا مسلمًا لكافر.
وإن أعار عبدًا كافرًا لكافر، فهذا جائز بشرط أن يكون هذا الكافر ممن يجوز بِرُّه، فإن كان مما لا يجوز بره، فإنه لا يحسن إليه، كالكافر المحارب فإنه لا يحسن إليه؛ لأنه ليس أهلًا للبر.
إن أعار عبدًا كافرًا لمسلم فلا بأس، كذا؟ إن أعار عبدًا مسلمًا لمسلم؟ جائز.
إذن الصور أربعة: أن يعير عبدًا مسلمًا لمسلم، وعبدًا كافرًا لكافر، وعبدًا كافرًا لمسلم، وفي هذه الصور الثلاث يجوز.
أن يعير عبدًا مسلمًا لكافر هذه الصورة الرابعة لا تجوز.
قال: (وإلا صيدًا ونحوه لِمُحْرِمٍ) أعار صيدًا لمحرم؛ عنده غزال ونعامة وأرنب، فقال له المحرم: إني عازم فلانًا، داعيه ليأتي إلى البيت، أبغيك تعيرني الغزال والنعامة والأرنب، أحطهن عندي في الحوش؛ من أجل إذا دخل يُسَرُّ؛ لأن بعض الناس يُسَرُّ بمثل هذه الأمور، هل يجوز أن يعيرها هذه الثلاثة للمحرم؟ لا يجوز؛ لأن المحرم لا يمكن أن يتسلط على الصيد، بل إن الإنسان لو أحرم وفي يده صيد وجب عليه إطلاقه، فكيف نسلطه على الصيد.
وقول المؤلف: (ونحوه لِمَحرِم) كالقميص مثلًا، طلب مني المحرم أن أعيره قميصًا ليلبسه، يجوز ولَّا لا؟ لا يجوز، ودليل هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
مثله أيضًا لو جاءني رجل وقال: إني أريد أن تعيرني هذا السلاح ليقتل به صيدًا وهو مُحرِم، أو ليقتل به صيدًا في الحرم، يجوز ولَّا لا؟ لا يجوز؛ لدخوله في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
قال: (وأمة شابة لغير امرأة أو مَحْرَمٍ) يعني: لا يجوز أيضًا أن يعير أَمة شابَّة لغير امرأة أو محرم.
قال: (أمةً شابَّة لغير امرأة أو محرم) مثل أن يعير هذه الأمة الشابة لأجنبي منها، رجل أجنبي منها، فهذا لا يجوز، لماذا؟ لخوف الفتنة؛ لأنه إن كان هذا الرجل المستعير ليس في بيته غيره فالمفسدة حاصلة على كل حال، ما هي؟
الخلوة، وهذا حرام، وإن كان في البيت غيره فالخلوة قد تنتفي لكن الفتنة لا تنتفي؛ لأنه ربما مع كون هذه المرأة الشابة، ولا سيما إن كانت جميلة أيضًا ربما تدعوه نفسه إلى فعل الفاحشة بها لأنها معارة عنده، فهي فيما تسول له نفسه كالمملوكة، فيعتدي على عرضها.
وظاهر كلام المؤلف: أنه لو أعار أمة غير شابة، أنه يجوز، وفي هذا نظر؛ لأنه يحتاج إلى تفصيل.
فنقول: غير الشابة إن أعارها لشخص ينفرد بها في البيت فهو حرام؛ أي: فإعارتها حرام؛ لأن ذلك يستلزم الخلوة بها، والخلوة بها حرام.
أيضًا: لو كانت غير شابة لكنها جميلة فإنها فتنة، فالمحظور في الشابة كالمحظور في الجميلة، وكم من امرأة غير شابة لكنها جميلة وضيئة يحصل من الفتنة بها ما لا يحصل من الفتنة بشابة غير جميلة.
وعلى هذا فنقول: المدار كله على الفتنة أو الوقوع في المحرم، فإذا كان إعارة الأمة تُخشى منه الفتنة، أو فيه وقوع في محرم كالخلوة، فإن إعارتها حرام.
قوله: (أمة شابة) لو أعار حرَّة شابة؟
طلبة: (... ).
الشيخ: لا، نقول: إعارة الحرة أصلًا لا تجوز؛ ولهذا ما قالها المؤلف لأنها غير مملوكة؛ الحرة.
والعارية لا تكون إلا من مالك.
فهذا الإنسان لو جاءه شخص، وقال: أريد أن تعيرني زوجتك لأن عندي اليوم مأدبة، أبغيك تعيرني إياها (... )، نقول: بدل من أن يقول: أبغيك تعيرني إياها، يقول: إن عندنا حاجة خليها تجيء وتساعدونا، هذا جائز الأخير ولَّا لا؟
طلبة: نعم جائز.
الشيخ: والأول؟
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: غير جائز؛ ما يمكن الإعارة تقع عليها.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (ولا أجرة لمن أعار حائطًا حتى يسقط) يعني: أنه لو أعار شخصٌ حائطًا له لشخص آخر يضع عليه خشبه، ثم لما وضع الخشب وبنى قال له: رجعت في عاريتي، فأعطني أجرة على بقاء الخشب على الجدار، هل يجوز هذا أو لا؟
يقول: لا، لا يملك هذا، حتى لو رجع في العارية، فإن رجوعه لا يُقبل؛ لأن الرجوع في العارية على وجه يتضرر به المستعير لا يجوز؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (6)، فهذا الرجل الذي أعارني حائطه أبني عليه بعد أن بنيت وانتهى البناء رجع.