الشيخ: هذا كلام الفقهاء كما علمت، وهو مقتضى من فسَّر قول الله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: 7] أي: صلب الرجل وترائب المرأة؛ لأنه قال: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: 6، 7]، فإذا فُسِّرت الآية بأن المراد بالماء ماء الرجل والمرأة فهذا هو المني، ولا بد أن يُنْظَر هل هذا الذي قرر الأطباء هل هو حقيقة أو لا؟ قد يكون أن المرأة تُنْزِل ويختلط ماؤها بماء الرجل كما جاء في الحديث، وكما في حديث أم سليم قال: «نَعَمْ، إِذَا هِيَ رَأَتِ الْمَاءَ» (5)، فينظر في كلام الأطباء، ويمكن أن يجمع بينه وبين الأدلة بوجه غير مستقر.
الطالب: ما يحمل على الغالب يا شيخ؟
الشيخ: لا، على كل حال يُنْظَر فيه.
طالب: لو قال ولي الصغير: أنا أتصدق بماله لما يلحق -مثلًا- هذا الصغير أو اليتيم من الأجر، وما في الآخرة خير مما في الدنيا، فهل يضمن؟
الشيخ: يضمن نعم، ليس له الحق أن يتصدق به؛ لأنه إلى الآن لم يتم عقله، صغير، أو لم يتم التصرف إذا كان بالغًا لكنه سفيه، فيُحْفَظ له ماله.
الطالب: شيخ، هذا تأويله يعني..
الشيخ: أبدًا، إلا في الواجب، في الواجب نعم، لو لزمه كفارة؛ مثل لو قتل خطأً وقلنا بوجوب الكفارة عليه، فحينئذٍ يشتري رقبة من ماله.
طالب: في مسألة الراشد؛ أعطيناه مالًا لنختبره، فوجدناه يحسن التصرف في البيع والشراء، لكنه يستحيي أن يطالب بحقه؟
الشيخ: لكن هل إذا استحيا أن يطالب بحقه هل يأتي لوليه ويقول: إن فلانًا في ذمته لي كذا وكذا؟
الطالب: لا، ما يقول يا شيخ، يسكت.
الشيخ: ما يحسن التصرف، هذا لا يحسن التصرف، ما طالب بحقه.
الطالب: وقع عندي إشكال -يا شيخ- في الحديث في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم مَرَّ برجل وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دَعْهُ؛ فَإِنَّ الْحَيَاءَ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ» (6)، فلو كان يقرض الناس ويستحيي أن يطلب ماله، فكيف الجواب على هذا الإشكال؟
الشيخ: ما أدري، يعظ أخاه في الحياء ما بُيِّن، إلا إذا كانت فيه روايات أخرى تبينه.
الطالب: في الشروح يا شيخ.
الشيخ: رواية أخرى تبين أنه يبيع على الناس ولا يأخذ منهم، لازم نشوفه.
في الدرس الماضي ذكرنا أن حديث ابن عمر عُرِضَ على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ولكن تبين أن الصواب أربع عشرة سنة (1)، وفيه إشكال.
وكذلك أيضًا: ولم يرني بلغت، وفي الثاني يقول: ورأني بلغت، ذكرنا أنه أخرجه الدارقطني والحاكم، والصواب أن الذي أخرجه البيهقي وابن حبان بإسنادٍ صحيح (2)، فتُعَدَّل هذه في الأوراق وكذلك في أشرطة التسجيل، لا بد من هذا.
الإشكال في حديث ابن عمر يقول: إنه عُرِضَ على النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد وهو ابن أربع عشرة سنة، وعُرِضَ عليه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة، فالفرق سنة، ومن المعلوم أنَّ أُحُدًا في السنة الثالثة والخندق في السنة الخامسة، فكيف يُخرَّج هذا الحديث؟
يمكن أن يخرَّج على وجهين:
الوجه الأول: أنه كان في أحد في أول السنة الرابعة عشرة، وفي الخندق في آخرها؛ يعني في أول هذا وآخر هذا.
أو يقال: إن ابن خمس عشرة سنة؛ يعني: قد بلغها ولا يمنع أن يكون قد تجاوزها، كما تقول للرجل الذي له ست عشرة سنة: هذا له خمس عشرة سنة؛ يعني: فأكثر.
فالجواب من أحد الوحهين: إما أن يكون في أول الرابعة عشرة يوم أحد، وفي آخر الخامسة عشرة في غزوة الخندق، وهذا يمكن أن يكون بينهما سنتان، قد تكون هذه في أول شوال وهذه في آخر شوال، وإلا فالغزوتان كلتاهما في شوال.
والثاني أن يقال: ابن خمس عشرة سنة؛ يعني: أنه قد بلغها، ولا يلزم أن يكون لم يتجاوزها بشيء يسير.
طالب: على اعتبار الثاني فيه دليل على تحديد.. ؟
الشيخ: إي نعم، يكون فيه دليل؛ لأن اعتبار الخمسة عشرة يدل على أنه دليل ولو زاد بعض الشيء.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسَلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب الحَجْر: ولا يتصرف لأحدهم وليُّه إلا بالأحوط، ويَتَّجِر له مجانًا، وله دفع ماله مُضاربةً بجُزءٍ من الربح، ويأكل الوليُّ الفقيرُ من مال مَوْلِيِّه الأقل من كفايته أو أجرته مجانًا، ويُقْبَل قولُ الوليِّ والحاكمِ بعد فكِّ الحجر في النفقة والضرورة والغبطة والتلف ودفع المال.
وما استدان العبدُ لزمَ سيِّدَه إن أذن له، وإلا ففي رقبته كاستيداعه وأَرْش جنايتِه وقيمة متلفه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسَلَّم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
نسأل: بماذا يحصل البلوغ؟
طالب: إذا بلغ خمس عشرة سنة، والثاني: إذا أنبت.
الشيخ: تمام خمس عشرة سنة، والثاني؟
الطالب: إذا أنبت شعر العانة وكان خشنًا.
الشيخ: إذا أنبت شعر العانة؛ وهو الشعر الخشن اللي يكون حول القبل.
الطالب: والشرط الثالث: الإنزال.
الشيخ: لا، ما هو شرط ثالث، الأمر الثالث.
الطالب: الأمر الثالث: الإنزال؛ أن ينزل، والمرأة يُشْتَرط شرط رابع.
الشيخ: ما هو شرط يا أخي!
الطالب: عفوًا، أمر رابع وهو الحيض.
الشيخ: طيب، صحيح.
هل يحصل البلوغ بنبات اللحية؟
طالب: نعم يا شيخ، إذا كان الشعر خشنًا.
الشيخ: اللحية؟
الطالب: إلا إذا كان نباته معالجًا.
الشيخ: لا، نبات طبيعي.
ويَتَّجِرُ له مَجَّانًا، وله دَفْعُ مالِه مُضارَبَةً بجُزْءٍ من الربْحِ، ويَأكلُ الوَلِيُّ الفقيرُ من مالِ مُوَلِّيهِ الأقلَّ من كِفايتِه أو أُجْرَتِه مَجَّانًا, ويُقبلُ قولُ الوليِّ والحاكمِ بعدَ فكِّ الحَجْرِ في النفَقَةِ والضرورةِ والغِبطةِ والتلَفِ ودَفعِ المالِ، وما استدانَ العبدُ لَزِمَ سَيِّدَه إن أَذِنَ له، وإلا ففي رَقبتِه كاستيداعِه وأَرْشِ جِنايتِه وقِيمةِ مُتْلَفِه.
(باب الوكالة):
تَصِحُّ بكلِّ قولٍ يَدُلُّ على الإِذْنِ، ويَصِحُّ القَبولُ على الفَوْرِ والتراخِي بكلِّ قولٍ أو فِعْلٍ دال عليه، ومَن له التَّصَرُّفُ في شيءٍ فله التَّوكيلُ والتوكُّلُ فيه، ويَصِحُّ التوكيلُ في كلِّ حقِّ آدَمِيٍّ من العُقودِ والفُسوخِ، والعِتْقِ والطلاقِ، والرَّجعةِ وتَمَلُّكِ الْمُباحاتِ من الصيدِ والحشيشِ ونحوِه، لا الظِّهارِ واللعانِ والأَيْمَانِ
نسأل: بماذا يحصل البلوغ؟
طالب: إذا بلغ خمس عشرة سنة، والثاني: إذا أنبت.
الشيخ: تمام خمس عشرة سنة، والثاني؟
الطالب: إذا أنبت شعر العانة وكان خشنًا.
الشيخ: إذا أنبت شعر العانة، وهو الشعر الخشن اللي يكون حول القُبُل.
الطالب: الشرط الثالث: الإنزال.
الشيخ: لا، ما هو شرط ثالث، الأمر الثالث.
الطالب: الأمر الثالث: الإنزال، أن يُنزل، وفي المرأة يُشترط شرط رابع.
الشيخ: ما هو شرط يا أخي!
الطالب: أمر رابع، وهو الحيض.
الشيخ: طيب، صحيح؟ هل يحصل البلوغ بنبات اللحية؟
طالب: نعم يا شيخ، إذا كان الشعر خشنًا.
الشيخ: اللحية؟
الطالب: إلا إذا كان يعني نباته معالجًا.
الشيخ: لا، نبات طبيعي، إنسان نبتت لحيته ولم يحصل به علامة من العلامات الثلاثة.
الطالب: لا، إذا ما حصل العلامة ما يحصل البلوغ.
الشيخ: يعني ولو كان له لحية؟
الطالب: إي نعم.
طالب آخر: شيخ، هذا من باب أوْلى؛ لأنه لا يمكن أن تنبت اللحية حتى يبلغ.
الشيخ: الآن اختلف الشيخان!
طالب: شيخ، إذا كان حمل، المرأة إذا حملت (... ).
الشيخ: لا، ما يلزم، يعني لا يلزم من نبات اللحية نبات العانة مثلًا.
طالب: لا يحصل البلوغ بنبات اللحية.
الشيخ: إي، الصحيح نعم، لا يحصل؛ لأن العلماء لم يقولوا إلا هذا: ثلاث علامات فقط، حتى لو نبت له لحية وشارب فإنه لا يكون بالغًا، لا يبلغ إلا بإنبات العانة فقط.
طيب، مَنْ وَلِيُّ هؤلاء حال الحجر؟
طالب: الأب.
الشيخ: الأب؛ هذا واحد.
الطالب: ثم وصي الأب.
الشيخ: ثم وصي الأب.
الطالب: ثم الحاكم.
الشيخ: ثم الحاكم.
طيب، هل هناك أولياء سواهم؛ سوى هؤلاء الثلاثة: الأب، ثم وصيه، ثم الحاكم؟
طالب: لو كان (... ).
الشيخ: يعني ما الذي تفهمه من كلام المؤلف أن هناك أولياء سواهم أو لا؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، كذا؟
طالب: وكيله.
الشيخ: الوكيل يُعتبر من الأب؛ لأنه وكيل في حال حياته، فهو داخل في قوله: الأب.
على كل حال المذهب: ليس هناك إلا هؤلاء الثلاثة.
والقول الثاني: أن أولياءه هم أقاربه؛ العصَبة: كالجد، والأخ الشقيق، والعم وما أشبه ذلك، وهذا هو الأقرب.
طيب، تصرُّف الولي في مال موليه له ثلاث حالات؟
طالب: له أن يكون الأحظ له.
الشيخ: أن يكون بالأحظ، والثاني؟
الطالب: وعدم الأحظ (... ).
الشيخ: لا، قبل علشان نخليه.
الطالب: أحظ آخر يعني.
الشيخ: الأضر.
الطالب: نعم.
الشيخ: بالأضر، والثالث؟ ألا يكون أحظ ولا أضر.
الطالب: نعم.
الشيخ: طيب، ما هو الواجب؟
طالب: الواجب أن يقدم الأحظ.
الشيخ: الواجب أن يتصرف بالأحظ، ما الدليل؟
الطالب: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152].
الشيخ: طيب، إذا قدرنا أنه يتصرف يظن أنه أحظ وأحسن، ثم أخلفت الأمور؟
طالب: يظن أنه هو الأحظ، فالواجب أن (... )، وإذا استقبل أمرًا خلاف ما توقع فلا يمنع هذا.
الشيخ: هل يضمن أو لا؟ يعني رجل اشترى مثلًا أراضي بمئة ألف ظنًّا منه أنها سوف تزداد القيمة، ولكن صار الأمر بالعكس؟
الطالب: إذا كان يظن أنه يعرف أحوال السوق وكذا أنه هو الأحظ له، ثم تبين خلافه؛ هذا لا يضمن.
الشيخ: كذا؟ ما تقولون؟
طلبة: نعم، لا يضمن.
الشيخ: صحيح، هذا ربما نأخذه من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» (1)، هذا مثل الحاكم مُتصرِّف في غيره بما يرى أنه أنفع، لكن حصل شيء بغير اختياره.
طيب، لو تصرف في شيء يظنه الأحظ، وتبين أنه ليس الأحظ، وهذا غير المسألة التي ذكرناها أولًا، إحنا ذكرنا: تصرَّف يظنه الأحظ، وهو الأحظ، لكن نزلت القِيم، لكن تصرف يظن أنه الأحظ، وتبين أنه ليس الأحظ؟
طالب: إن كان مُفرِّطًا ضمن، ومع عدم التفريط لا يضمن.
الشيخ: سمعتم؟ يقول: إن كان مُفرطًا في عدم البحث والتحري والنظر فهذا يضمن؛ لأن الواجب ألا يقدم على شيء حتى يتحرى وينظر، وإن لم يكن مُفرِّطًا فهو أمين ولا شيء عليه.
قال المؤلف رحمه الله: (ويتَّجِر له مجانًا) يعني أن ولي الصغير والمجنون والسفيه (يتجر له)، أي: لمولِيِّه، (مجانًا)؛ يعني لا يأخذ شيئًا، فيبيع ويشتري بماله، ولكن لا يأخذ شيئًا؛ لأنه أمين يتصرف لحظ هذا الذي ولَّاه الله عليه، ولكن إذا قال: أنا لن أشغل نفسي بالاتِّجار له، إلا أن يُجعل لي سهم من الربح كالمضارب؟
فيقال: نعم؛ إذا كان يصده عن أشغاله لو اتجر له ويقول: أنا لن أشتغل به عن أشغالي الخاصة إلا إذا كان لي سهم من الربح، فحينئذٍ نقول: لا بد أن نرجع إلى المحكمة، إلى القاضي، وهو الذي يفرض له ما يراه مناسبًا.
وعلى هذا فقول المؤلف: (يتجر له مجانًا)، ظاهره مطلق سواء شغله عن أشغاله الخاصة أو لا، ولكن ينبغي أن يُقيَّد؛ ما يشغله عن أشغاله الخاصة، ويأبى أن يتجر إلا بسهم، فحينئذٍ نقول: لا بأس، لكن تُرفع المسألة إلى القاضي ليقرر ما يراه مناسبًا.
(وله دفع ماله مضاربة بجزء من الربح) (له) أي: لولي المحجور عليه.
(دفع ماله) أي: مال المحجور.
(مضاربة بجزء من الربح)، (مضاربة) مأخوذة من الضرب؛ لقول الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: 20]؛ لأن الغالب أن التجار يسافرون إلى البلاد ويأتون بالأموال ويبيعونها، ويسافرون إلى البلدان بأموالهم ليبيعوها هناك.
ومعنى المضارَبة: أن يدفع مالًا إلى شخص عامل معروف بالحذق والجودة، ويقول: هذه عشرة آلاف اتَّجر به، ولك نصف الربح مثلًا.
نقول: هذه مضارَبة اشتملت على عقْد بين شخصين من أحدهما مال ومن أحدهما عمل.
وهذه من سعة الشريعة الإسلامية؛ لأنه يوجد من الناس من عنده مال، لكنه لا يُحسِن التصرف، ومن الناس من هو قادر على التصرف، لكن ليس عنده مال، فيُكمَّل هذا بهذا بأن يعطي صاحب المال من يحسن التصرف المال مضارَبًا.
(بجزء من الربح) وهنا يجب على الولي أن يختار أقل العروض في الربح، إذا تساووا في الحذق والأمانة.
يعني مثلًا: عرض عشرة آلاف، قال: هذه عشرة آلاف أريد أن أجعلها مضاربة، تقدم إليه رجلان؛ أحدهما قال: يكفيني السدس من الربح، والثاني قال: لا يكفيني إلا الربع، من يعطي؟ الذي طلب السدس، لكن بشرط أن يتساوى الشخصان في الأمانة والحذق، فإن كان من طلب الربع أقوى أمانة وأشد حذقًا، فإنه يُقدَّم؛ لأن هذا أقرب إلى أن يحصل على ربح كثير، وإن كان الله تعالى قد يسوق الربح لرجل أبله ما يعرف، لكن الإنسان ليس له إلا الظاهر.
هل له أن يأخذ هو بنفسه المال مضاربة؟ يعني يعمل بمال المحجور عليه مضاربة؛ يعني يفرض لنفسه سهمًا ويتجر؟
الجواب: لا؛ لأنه قال: (يتجر له مجانًا، ويدفعه لغيره مضاربة)، أما هو بنفسه لو قال: أنا أريد أن أتجر بمال المحجور عليه ولي نصف الربح، ربع الربح، حسب ما يرى في السوق، فإنه ليس له ذلك؛ لأنه متهم، فلا يجوز أن يفعل.
لكن -كما قلت لكم قبل قليل- إذا كان يقول: أنا لن أتجر؛ لأنه يصدني عن اتجاري بمالي إلا بسهم، نقول: حينئذٍ تُحوَّل المسألة إلى مَنْ؟ إلى القاضي ليفرض له من السهم ما يرى أنه مناسب.
(بجزء من الربح)، جزء مُشاع ولَّا مُعين؟
طلبة: مشاع.
الشيخ: مشاع ولَّا معين؟
طالب: لا، معين.
طالب آخر: مضاربة.
طالب آخر: مشاع.
الشيخ: مضاربة بجزء من الربح.
طالب: مشاع يا شيخ.
الشيخ: مُعيَّن ولا مشاع؟
طلبة: مشاع.
الشيخ: مشاع.
طالب: معين.
طالب آخر: مضاربة.
الشيخ: لا تصح المضاربة مع سهم معين أبدًا، لا بد أن يكون مشاعًا.
ويكون معلومًا ولَّا يقول: بجزء من الربح؟
طلبة: لا، معلوم.
الشيخ: لا بد أن يكون معلومًا، فقول المؤلف: (بجزء من الربح) يعني معناه أنه يُعطيه مضاربة بجزء، لكن نرجع إلى شروط المضارَبة وهو لا بد أن يكون الجزء معلومًا، مشاعًا معلومًا.
طيب، إنسان أعطى ماله مضاربة لشخص، وقال: لك ربح شهر محرم ولي ربح شهر صفر، يجوز أو لا يجوز؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: هذا مُعيَّن، ما يجوز.
لو قال: لك ربح المال الفلاني كالسكر مثلًا، ولي ربح المال الفلاني كالأرز، يجوز أو لا يجوز؟ لا يجوز؛ لأن هذا معين.
لو قال: لك من الربح مئة ريال والباقي لي؛ لا يجوز أيضًا؛ لأنه معين، لا بد أن يكون مشاعًا، النصف، الربع، الثلث، السدس.
لو قال: خذ هذا المال مضاربة بسهم، يجوز؟ لا يجوز؛ لأنه غير معلوم، فلا بد أن يكون معلومًا.
قال: (ويأكل الولي الفقير من مال موليه الأقل من كفايته أو أجرته مجانًا).
لما ذكر أن الولي يتجر مجانًا، وأن له أن يُعطي غيره المال مضاربة، ذكر مسألة أخرى: هل يجوز للوكيل أن يفرض لنفسه أجرة على النظر في مال المحجور عليه؟
الجواب: لا.
هل له أن يأكل؟ فيه تفصيل، قال: (يأكل الولي الفقير) وهو الذي ليس عنده ما يكفيه من كسب يده، أو غلَّة، أو راتب، أو مكافأة، إنسان فقير ما عنده شيء، ليس عنده إلا مال هذا اليتيم يتَّجر به.
يقول: (يأكل الولي الفقير من مال موليه الأقل من كفايته أو أجرته مجانًا).
إذا قدرنا أن أجرته -يعني أُجرة مثله- ألف ريال في الشهر، وأن كفايته خمس مئة ريال، يكفيه خمس مئة ريال، ما نعطيه؟ خمس مئة ريال؛ لأننا إذا أعطيناه خمس مئة ريال صار غنيًّا؛ إذ إنها هي كفايته، وإذا كان غنيًّا فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء: 6].
طيب، إذا كانت كفايته ألفًا وأجرته خمس مئة، ما الذي نعطيه؟
طالب: نعطيه خمس مئة.
طالب آخر: الألف يا شيخ ما يكفيه.
طالب: خمس مئة وزيادة.
الشيخ: اسمع، يقول: (الأقل من كفايته أو أجرته مجانًا).
طلبة: خمس مئة يا شيخ.
الشيخ: الأقل منه، نعطيه خمس مئة.
المثال مرة ثانية: كفايته ألف وأُجرته خمس مئة، ماذا نعطيه؟ خمس مئة؛ لأنها الأقل.
قال: يا ناس، ما تكفيني، أنا إلى الآن فقير، نقول: ليس لك إلا الأجرة فقط.
بالعكس: أجرته ألف ريال وكفايته خمس مئة، كم نعطيه؟ خمس مئة، وهذه ما فيها إشكال، الإشكال في المسألة الأولى: إذا كانت الأجرة أقل من الكفاية، فإنه سوف يبقى فقيرًا، وظاهر الآية الكريمة أنه يأكل بالمعروف، وأنه إذا كانت الأجرة أقل تُكمَّل له الكفاية.
وعلى هذا فنقول: يأكل كفايته سواء صار بقدْر الأجرة أو أقل أو أكثر؛ لأن هذا هو ظاهِر القرآن: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 6].
إذا قال هذا الولي: أنا إذا أكلت من مال اليتيم أو المحجور عليه، هل يعتبر أكل أغنياء الناس أو أكل فقراء الناس أو أكل متوسطي الناس؟
طالب: فقراء الناس.
الشيخ: يقول الله عز وجل: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾، وإذا كان بالمعروف فإننا نعرف أن الفقراء لهم أكل، والأغنياء لهم أكل، والمتوسطون لهم أكل.
هذا هو المعروف منذ خلقت الدنيا.
جَارِيَةٌ لَمْ تَأْكُلْ الْمُرَقَّقَا وَلَمْ تَذُقْ مِنَ الْبُقُولِ الْفُسْتُقَا
لماذا؟ لأنها فقيرة، ما تأكل إلا خبزًا مكسرًا يابسًا، فلكل مقام مقال، فالذي يظهر أنه يُعطى المعروف، وإذا كان هو عديم المال فإنه يُعطَى كفاية مَنْ؟ الفقير.
يقول: (ويُقبَل قول الولي والحاكم بعد فك الحجَر في النفقة والضرورة والغِبطة والتلف ودفع المال).
مسائل هذه.
أولًا: يُقبَل قول الولي، ويُقبل قول الحاكم، لكنهم فرَّقوا في قبول قول الولي وقول الحاكم، بأن الولي يُقبَل بيمين، والحاكم بلا يمين؛ لأن الحاكم يقول بمقتضى السلطة، فقوله كأنه حُكم لا يحتاج إلى يمين، وأما الولي فإنه لا يقول قوله على أنه محل سلطة، ولكن على أنه محل مدعي.
إذن يُقبل قول الولي، قيِّد؟
طلبة: باليمين.
الشيخ: بيمينه، والحاكم؟ بغير يمين، في هذه الأمور الآتية: (بعد فك الحجر)؛ لأنه قبل فك الحجر لن يُخاصمه أحد، لكن بعد فك الحجر سيخاصمه المحجور عليه.
(في النفقة) قدرها أو أصْلها؟
قدرِها وأصلها، فإذا فُكَّ الحجر، وقال المحجور عليه: أنا مالي عشرة آلاف، والآن ما فيه إلا ثمانية آلاف، وين الألفين؟ قال: أنفقتها عليك، وقوله محتمل؛ يعني محتمل أنه أنفق في هذه المدة ألفي ريال، يقبل أو لا يقبل؟ يُقبَل بيمينه.
كذلك إذا قال: إني أنفقتُ، وقال المحجور عليه: لم تُنفق إطلاقًا، أنا تأتيني النفقة من زيد وعبيد، وأنت لم تُنفِق عليَّ، من يقبل قوله؟ الولي.
إذن يُقبَل قول الولي في أصل النفقة، وفي قدرها؛ في قدر النفقة.
الْحُجَّة أنه أمين، والأمين يُقبَل قوله فيما أنفقه على ما اؤتمن فيه.
الثاني: (الضرورة والغبطة) وهذه تتعلق فيما إذا باع عقاره، إذا كان المحجور عليه عقارًا من حيطان أو بيوت، فإنها لا تُباع إلا للضرورة أو الغِبطة.
الضرورة بألا يكون لديه -للمحجور عليه- دراهم إطلاقًا، والمحجور عليه يحتاج إلى أكْل وشُرب، فيبيع البستان مثلًا للضرورة.
الغبطة: أن يُبذل فيه مال كثير أكثر من قيمته المعتادة، فيأتي إنسان يقول: أنا أريد أن أشتري هذا البستان، أو هذا البيت بمئة ألف، وهو لا يساوي في السوق إلا خمسين ألفًا؛ هذه غبطة.
إذن الضرورة أيش معناها؟ أن يضطر المحجور عليه إلى نفقة مِنْ أَكْل وشُرْب وكِساء وما أشبه ذلك، الغبطة: أن يُبذل فيه مال كثير خارج عن العادة.
فإذا قال قائل: كيف يُبذل مالٌ كثير خارج عن العادة؟
نقول: نعم؛ لأنه ربما يكون واحد جار له محتاج إلى هذه الفيلا مثلًا أو هذا البستان، ولضرورته إليه بذل فيه مالًا كثيرًا، فهذا يُقبَل قوله.
فإذا قال المحجور عليه: ليش تبيع عقاري؟ تقول: والله؛ بعتُه لأنك اضطررت للإنفاق، فبعته لأنفق عليك، قال: أبدًا ما عندي ضرورة.
مَنْ يُقْبل قوله؟
طالب: الولي بيمينه.
الشيخ: الولي بيمينه.
طيب، الغِبْطة، قال له: ليش تبيع عقاري؟ قال: لأنه أُعطيت فيه غبطة، مال كثير.
قال: أبدًا، عقاري في ذلك الوقت يسوى ما بعت به عند عامة الناس.
فالقول قول مَنْ؟ قول الولي؛ لأنه مؤتمن.
كذلك (التلف)، لو ادعى الولي أن مال اليتيم تلف، وقال اليتيم، قال المحجور عليه -نقول: المحجور عليه أحسن- قال المحجور عليه: إنه لم يتلف.
مَنِ القول قوله؟ القول قول الولي؛ لأنه مؤتمن.
لكن لو ادعى الولي أنه تلف بأمر ظاهر، ما يخفى على الناس بأن قال: تلف في أمطار أتتنا كثيرة وتلف.
يحتاج أولًا إلى إثبات هذا الشيء الظاهر، ثم يُقبل قول الولي بأن المال تلف به.
أيضًا لو قال: المال تلف بالحريق الذي شب في بيته.
الحريق ظاهر ولَّا غير ظاهر؟ ظاهر، نقول: أثبِتْ الحريق أولًا، ثم نقبل قولك بأنه تلف به، وهكذا كل أمين إذا ادَّعى التلف، فإنه يُقبَل قوله بيمينه ما لم يدعه بأمر ظاهر، فإذا ادعاه بأمر ظاهر كالحريق والغرق والجنود التي احتلت البلاد، وما أشبه ذلك، فلا بد من أن يقيم البينة على وجود هذا الحادث الظاهر، ثم يُقبل قوله في التلف، وهذه قاعدة أظن ذكرناها في القواعد..
يقول: (التلف، ودفع المال).
انتبه (دفْع المال) لما بلغ الصبي ورشد قال للولي: أعطني المال، قال: دفعته إليك، قال: ما دفعت.
فلدينا الآن دعوى وإنكار؛ من المنكِر؟ المنكر المحجور عليه، والمدَّعِي الرد مَن؟ الولي، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (2).
على كلام المؤلف: يُقبَل قوْل الولي في دفع المال، وحينئذٍ يحتاج إلى إخراجه من الحديث: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»، ولهذا قال بعض أهل العلم: إنه لا يُقبل قول الولي في دفع المال إلى المحجور عليه إلا ببيِّنة.
المثال مرة ثانية: قال المحجور عليه بعد أن بلغ ورشد، قال لوليه: أعطني مالي.
قال: رددته عليك.
يقول المؤلف: إنه يُقبل قول الولي في رَدِّه إليه.
الدليل أنه أمين وأنه مُحسِن، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: 91].
ولو قلنا: إن قوله لا يقبل لكان عليه سبيل، نضمنه ما ذمته بريئة منه؛ لأنه الآن يدَّعي أنه رده، وأن ذمته برئت، ولهذا قال الفقهاء رحمهم الله: يُقبل قوله في الرد ما لم يكن له أُجرة، بأن كان فقيرًا وأعطيناه أجرة أو نفقة فإنه لا يُقبل قوله؛ لأن المال بيده لحظ نفسه، وكل إنسان المال بيده لحظ نفسه فإنه لا يُقبل قوله في الرد.
القول الثاني: أن الولي لا يُقبل قوله في الرد؛ لأنه مُدَّعٍ، والمحجور عليه منكر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»؛ هذا دليل.
الدليل الثاني: أن الله تعالى قال: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: 6]، فأمر بالإشهاد، وأنت إذا لم تُشْهِد فقد خالفت أمر الله، فتكون بين معتدٍ أو مُفرَّط، والمعتدي أو المفرط ليس بأمين، نقول: لماذا لم تُشهِد؟ إن ربك أمرك بأن تُشهِد؛ لماذا لم تُشهِد؟ !
هذه أدلة من يرى أنه لا يُقبَل قوله في الرد، وكما أسلفنا لكم كثيرًا: أن من رجَّح قولًا على قول فلا بد من أمرين، وهما: بيان دليل الرجحان، والإجابة عن أدلة الخصوم.
ولا يكفي أن تذكر أدلتك حتى ترد عن أدلة الخصوم.
أجابوا عن قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ بأن هذا الرجل لم يُحسِن؛ لأنه فرَّط أو تعدى حيث لم يُشهد.
ولماذا لم يُشهِد؟ !
ولو قال قائل: أنا أريد أن أتوسَّط بين القولين؛ فإذا كان الولي معروفًا بالورع والتقوى والصدق فالقول قوله، وإن كان الأمر بالعكس فلا يُقبل قوله، مع أننا لا نقبل قوله إلا بيمين، لا بد من يمين.
أقول: لو قال قائل بهذا القول الوسط لكان وسطًا، ولأخذ بقول بعض هؤلاء وقول بعض هؤلاء، ودائمًا العلماء يسلكون هذا المسلك: إذا اختلف الناس على قولين جاء إنسان بقول ثالث يأخذ بأحد القولين في حال، وبأحد القولين في حال أخرى.
ومن ذلك تقعيدًا للقاعدة: أن العلماء اختلفوا في وجوب الوِتْر، منهم من قال: إنه واجب، ومنهم من قال: إنه ليس بواجب، ونحن نذكر الخلاف بقطع النظر عن الدليل، وإلا فالدليل يدل على أنه ليس بواجب، لكن مِن العلماء من قال: يجب على مَنْ له وِرْد من الليل دون من ليس له ورد، يعني من كان من عادته أن يقوم يتهجَّد وجب عليه أن يوتر، ومن لا فلا.
هذا القول الآن أخذ بقول البعض في حال والبعض في حال أخرى، ولهذا يقول قائله: وهو بعض قول من يُوجِبه مطلقًا، وهذه العبارة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ولا يعد هذا خروجًا عن الإجماع، ما خرج عن الإجماع، ولكنه جعله بدلًا من أن يقول: واجب بكل حال، إنه واجب في حال دون حال.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- إذا كان الولي هو وصي الأب ولي المحجور عليه هو وصي الأب، ثم عُرِف بعد الممارسة والتجارة، وكذا عُرِف في السوق بكذبه مثلًا وقلة يعني بفسقه مثلًا، فهل نقول: كذلك يقبل قوله و.. ؟
الشيخ: لا، إذا عُرف الوصي بأنه فاسِق وجب أن يُضم إليه أمين.
الطالب: معه؟
الشيخ: معه.
الطالب: لكن لا يؤخذ منه الولاية؟
الشيخ: هذا كلام الفقهاء أنه يُضم إليه أمين؛ لأن الأب عيَّنه، ولكن لو قال للحاكم: أنا لا أريد أن يتولَّى إطلاقًا، هذا أوصى إليه الأب؛ لأنه في حياته مستقيم، والآن صار غير مستقيم، فلسان حال الأب: ألا وصية لهذا.
طالب: بارك الله فيك، إذا كان المحجور عليه له قطعة أرض، وانتقلت إلى عمه بعد موت أبيه، ولما بلغ..
الشيخ: إذا كان المحجور عليه؟
الطالب: له قطعة أرض.
الشيخ: كيف تنتقل إلى عمه بعد موت أبيه؟ أبوه ما له حق فيها.
الطالب: بالميراث، يعني هو تلقائيًّا انتقلت قطعة الأرض لـ..
الشيخ: يعني إذا كان للمحجور عليه قطعة أرض ورثها من أبيه؟
الطالب: ورثها من أبيه، وانتقلت إلى العم.
الشيخ: ليش تنتقل إلى العم؟
الطالب: العرف أن الأرض تنتقل إلى العم بعد موت الأب.
الشيخ: تنتقل إلى العم ميراثًا ولا أيش؟
الطالب: هذا العرف يا شيخ.
الشيخ: ويش العرف هذا؟ (... )
الطالب: ورث من أبيه قطعة أرض، وعرف هذه البلد أن المال ينتقل إلى العم دون تدخُّل قضاء؛ يعني هذا الميراث الذي للمحجور عليه ينتقل مع ميراث العم، الذي يقوم عليه هو العم مباشرةً.
الشيخ: يعني معناه أن العم يكون وليًّا عليه؟
الطالب: نعم.
الشيخ: والملك لـ.. ؟
الطالب: والملك للمحجور عليه.
الشيخ: زين.
الطالب: فكانت قيمة الأرض حين تولَّى عليها العم عشرة آلاف ريال، وبعد بُلوغ المحجور عليه كانت قيمتها مثلًا ثلاثين ألفًا، فحينما بلغ طلب الأرض من عمه قال له: أعطِني الفرق بين يوم أن توليت عليها إلى هذا اليوم، هذا يحصل يا شيخ يعني مشهور جدًّا في البلاد عندنا.
الشيخ: أي بلاد؟
الطالب: عندنا في مصر.
الشيخ: سبحان الله!
الطالب: ولا يتدخل القضاء، ولا أحد (... ).
الشيخ: يعني معناه ما يعطيه إلا عشرة آلاف فقط؟
الطالب: إما أن يأخذ عشرة آلاف وإما يدفع له عشرين ألفًا، وتظل الأرض تحت يده لا يأخذ منها أي شيء، حتى لو تدخل القضاء؛ القضاء لا يحكم له.
الشيخ: لا، أعوذ بالله، حرام هذا، يجب على طلبة العلم أن يبينوا للناس أن هذا حرام، ما دامت الأرض لليتيم فله غنمها وغرمها.
طالب: جزاك الله خيرًا، ثم إن العم يستنفع بهذه الأرض يعني فلاحة باستمرار، يعني يكاد اليتيم لا يأخذ منها إلا شيئًا قليلًا.
الشيخ: وهذا أيضًا من البلاء.
الطالب: حتى إن اليتيم هذا يعمل عند العم كالأجير في الأرض، ولا ينفق عليه إلا أقل القليل.
الشيخ: لا حول ولا قوة إله بالله! وهذا يحتاج أن يصحح، أقول: يجب أن يُصحِّح هذا الوضع، يعني لو يتصل بالعلماء هناك الذين لهم شأن.
طالب: ما عندنا علماء يا شيخ! !
طالب آخر: لا يا شيخ، فيه علماء، بس ما حد يتصل بهم.
الشيخ: نُوكِّلك أنت!
طالب: شيخ، مسألة إذا ادعى الولي رد المال وأنكر المحجور عليه، قلنا: من أدلة من قال: إنه لا يُقبل قوْل الولي لحديث: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»، والولي هنا مُدَّعٍ، فلماذا لا نجعل هذه القاعدة مطردة ونقول: إن قول الولي لا يُقبل أيضًا في التلف أو في النفقة؟
الشيخ: لا؛ لأن هذا لمصلحة الْمُولَّى عليه.
الطالب: أيهما؟
الشيخ: الإنفاق، من مصلحته، من ضرورته، لا بد أن يصرف عليه.
الطالب: أليس مدعيًا يا شيخ؟
الشيخ: لا، مدعيًا فيما اؤتمن عليه؛ لأننا لو نقول: لا يُقبل قوله في الإنفاق ما أحد يتولى (... )، الإنفاق هنا لمصلحة المحجور عليه.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: وما استدان العبد لزم سيده إن أذن له، وإلا ففي رقبته كاستيداعه وأرْش جنايته وقيمة متلفه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا ما ذكره المؤلف رحمه الله من اختلاف الولي ومَوْلِيه في التلف، ورد المال وما أشبه ذلك، فهل يُقبَل قول الولي في التلف إذا ادَّعاه بحادث ظاهر؟
طالب: لا بد أن يُقيم بَيِّنة على هذا الحادث الظاهر، ثم يُقبل قوله بيمينه.
الشيخ: أحسنت، يعني يُقيم بينة على الأمر الظاهر، ثم يُقبل قوله في أن المال تلف بهذا الحادث.
هل يُقبَل قوله في الرد؟
طالب: نعم، يا شيخ، على كلام المؤلف يُقبل قوله.
الشيخ: يُقبل قوله في الرد، لماذا؟
الطالب: لأنه أمين.
الشيخ: لأنه أمين مُحسِن؟
الطالب: نعم.
الشيخ: وقولك: على رأي المؤلف، كأن هناك قولًا آخر؟
الطالب: نعم، القول الثاني: لا يقبل قوله إلا ببينة.. في مسألة الرد لا يُقبل قوله إلا ببينة في حديث ابن عباس.
الشيخ: وهو؟
الطالب: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ».
الشيخ: لكن هذا ليس على عمومه في أشياء كثيرة.
طالب: يا شيخ، قالوا: إنه لا يُقبل إلا ببينة؛ لأن هذا الولي أصلًا قد خالف النص الشرعي بعدم إشهاده على الرد؛ لقوله: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: 6]، واليمين هنا واجبة في هذه الحال.
الشيخ: طيب؛ لأنه خالَف قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾.
هل يُقبل قول الولي في الإنفاق إذا قال: أنفقتُ عليك ألفَ ريال، وقال: بل مئة؟
طالب: يقبل قوله.
الشيخ: قول مَنْ؟
الطالب: قول الولي.
الشيخ: قول الولي، مُطلقًا؟
الطالب: إلا إذا ادَّعى نفقة خرجت عن العادة.
الشيخ: يعني ما لم يدَّعِ ما يخالف العُرف، فإن ادعى ما يخالف العرف فإنه لا يُقبل، لو كان العادة أن ينفق في مثل شهر الواحد خمس مئة، وادَّعى ألفًا فإننا لا نقبله إلا إذا أقام بينة على سبب الزيادة.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (وما استدان العبد لزم سيده إن أذِنَ له).
(ما استدانَ العبد) من قرْض أو ثمن مبيع أو غير ذلك، فإن كان بإذن سيده لزمه، أي: لزم السيد؛ بأن قال له سيده: اذهب إلى فلان، واستَقْرِض منه ألف ريال مثلًا، فذهب واستقرض فهنا يلزم سيده؛ لأنه استدان بإذنه، وسواء استدان بإذنه لمصلحة السيد أو لمصلحة العبد، قد يأتي العبد ويقول مثلًا: أنا أريد أن أتزوج وأحتاج إلى ألف ريال أو أكثر أو أقل، فيقول: اذهب إلى فلان واستدِنْ منه، فيلزم السيد، وقد يكون السيد عليه حاجة، فيقول: اذهب يا فلان إلى الرجل الفلاني واستقرِض منه كذا وكذا.
فالمهم أن ما استدانه بإذن سيده فهو على سيده.
(وإلا) يعني وإن لم يأذن له، (ففي رقبته) يتعلَّق برقبته، أي: رقبة العبد.
وإذا تعلق برقبته، فماذا يكون الحكم؟ نقول: يُخيَّر السيد بين أمور ثلاثة:
إما أن يبيع، ويعطي ثمنه من استدان منه العبد، وإما أن يعطيه من استدان منه عِوضًا عن الدَّيْن، وإما أن يفديه السيد بما استدانَ.
مثال ذلك: استدان العبد دَيْنًا بغير إذْن السيد؛ استدان ألف ريال بغير إذْن سيده، أين يتعلق؟ برقبته، نقول للسيد: الآن أنت مُخيَّر؛ إن شئت فأعطِ صاحب الدَّيْن العبد، وقل: لك العبد بالدَّيْن الذي استدان منك؛ هذه واحدة.
أو يبيع العبد ويأخذ قيمته ويعطيها صاحب الدَّيْن.
أو يفديه بقدْر دَيْنِه، فيقول: الدَّيْن كذا وكذا، وأنا لا أريد أن أبيع العبد ولا أريد أن أعطيك إياه، ولكن هذا دَيْنك الذي دينتني.
أيهما الذي يختار؟ سوف يختار الأقل بلا شك؛ السيد سيختار الأقل؛ لأنه من مصلحته.
فإذا قال صاحب الدَّيْن: أنت الآن لك الخيار بين أن تعطيني إياه أو تبيعه، أو تفديه، ويكون عندك العبد، لكن ما دُمت الآن قد طابت نفسك بأن يخرج عن ملكك فأنا أريده، فقال سيد العبد: أنا أريد أن أبيعه وأعطيك ثمنه.
فالآن عندنا نزاع بين من؟ بين السيد وصاحب الدَّيْن، صاحب الدَّيْن يقول: ما دمت ستخرج العبد من ملكك فأعطني إياه؛ لأنه هو الذي استدان مني، والسيد يقول: لا، أبيعه وأعطيك ثمنه، فمن القول قوله؟
القول قول السيد، ولكن قد يقول قائل: لماذا يُنازِع السيد في هذا؟ أليس كله سواء؛ لأنه سيخرج من ملكه؟
قلنا: قد يرى السيد أن صاحب الدَّيْن ليس أهلًا أن يكون عنده هذا العبد، إما لسوء أخلاقه، وإما لاتهامه في خُلقه، أو لغير ذلك؛ يعني يقول: هذا العبد غالٍ عندي، لا أملكه صاحب الدَّيْن؛ لأن صاحب الدين أعرف أنه سيئ المعاملة، أو أعرف أنه رجل سفلة، أخشى على العبد منه، خصوصًا إذا كان العبد شابًّا مثلًا، فأنا أريد أن أبيعه وأعطيه الثمن.
طيب، لو قال مَنْ له الدَّيْن: إذا بعته فأنا قد ديَّنْته عشرة آلاف ريال، وإذا بعته لا يساوي إلا خمسة آلاف ريال فيكون عليَّ نقص.
نقول: أنت الْمُفرِّط ولو حصل عليك النقص، لماذا تعطيه دينًا يبلغ عشرة آلاف ريال وأنت تعرف أنه عبد؟ لماذا لم تمتنع حتى تستأذن السيد؟
طيب، قال: (كاستيداعه وأرْش جنايته وقيمة متلفه) هذه ثلاث مسائل:
(استيداعه) يعني أن يأخذ وديعة فيتلفها، فيتعلق برقبته.
و(أرْش جنايته) يعني إذا جنى على أحد فإنه يُخيَّر سيده بما ذكرنا.
والثالثة: (قيمة مُتلَفِه) أي قيمة ما أتلف.
فعندنا الآن أربع مسائل: إذا استدان، أو استوْدع، أو جنى، أو أتلف.
كل هذه تتعلق برقبته، وكل شيء يتعلق برقبته فإن سيده يُخيَّر بين الأمور الثلاثة التي سمعتم:
الأمر الأول: أن يعطيه صاحب الحق، ويقول: هو لك بدينك أو بجنايتك أو قيمة متلفك.
الثاني: أن يبيعه ويعطي صاحب الحق قيمته؛ أي: قيمة العبد.
والثالث: أن يفديه بجنايته ويبقى العبد عنده.
باب الوكالة
ثم قال المؤلف: (باب الوكالة).
(الوكالة) هي التفويض، يُقال: وَكلت الأمر إليه، أي: فَوَّضْته إليه، وهي في الاصطلاح: استِنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة.
استنابة جائز التصرف مثله -أي: جائز التصرف- فيما تدخله النيابة، هذه الوكالة.
طيب، جائز التصرف مَنْ هو؟ الْحُرُّ، البالغ، العاقل، الرشيد.
يعني مَنْ جمع أربعة أوصاف، يستنيب مثله -أي: جائز التصرف- فيما تدخله النيابة، أي: يستنيب حُرًّا بالغًا عاقلًا رشيدًا.
وقولنا: (فيما تدخله النيابة) احترازًا مما لا تدخله النيابة، فلو وكَّل إنسانًا أن يتوضأ عنه وقال: وكَّلتك تتوضأ عني وأنا أصلي، يجوز؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ لا تدخله النيابة، ولو وكَّله أن يصوم عنه، كان عليه قضاء من رمضان، فقال: وكَّلتك أن تقضي عني؛ لا يصح، لا بد أن تدخله النيابة، وسيأتي إن شاء الله بيان ما تدخله وما لا تدخله.
حكمها التكليفي: أنها جائزة بالنسبة للمُوكِّل، سُنَّة بالنسبة للوكيل؛ لما فيها من الإحسان إلى أخيه وقضاء حاجته، أما بالنسبة للمُوكِّل فهي جائزة؛ لأنها من التصرف الذي أباحه الله.
ويدل على جوازها كتاب الله وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
أما كتاب الله فقد قال الله تعالى عن أصحاب الكهف لما استيقظوا من نومهم، قالوا: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: 19]، هذا توكيل، وكلوا واحدًا منهم أن يذهب إلى المدينة ويأتي بطعام، ويكون في ذهابه متلطفًا؛ يعني مستترًا ما أمكنه، ولا يخبر عنهم؛ لأنهم قالوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: 19].
وكانوا قد أووا إلى الغار خوفًا من ظُلم رجل مشرك هربوا منه، لكن تغيَّرت الأحوال؛ لأنهم بقوا ثلاث مئة سنين وتسع سنين، فتغيرت الأحوال، هم أوصوه بهذه الوصايا بناءً على بقاء الملك الأول؛ هذا دليل من الكتاب.
أما من السنة: فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وكَّل في العبادات، ووكَّل في المعاملات، فوكَّل علي بن أبي طالب أن ينحر ما تبقى من هديه وأن يقسم جلودها ولحومها (3)، ووكل رجلًا على أن يشتري له أضحية بدينار، فاشترى الرجل اثنتين بدينار، وباع واحدة بدينار، ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشاة ودينار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: «بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي بَيْعِكَ»، فكان لا يبيع شيئًا أو يشتريه إلا ربح فيه حتى ولو كان ترابًا؛ ببركة دعوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (4).
كذلك أيضًا النظر يدل على جواز الوكالة؛ لأنها من مصلحة العباد، فكم من إنسان لا يستطيع أن يعمل أعماله بنفسه، فمن رحمة الله عز وجل وحكمته أن أباح لهم الوكالة، أليس كذلك؟ إذا كان الإنسان مثلًا مشتغلًا بطلب العلم أو بغير ذلك من الأعمال، وهو يريد أن يشتري لأهله خبزًا، ولا يستطيع أن يترك عمله ليشتري الخبز، ماذا يصنع؟ يُوكِّل.
إذن المصلحة تقتضي أن تكون الوكالة جائزة، هذا من حيث الشرع.
إذن دل عليها الكتاب والسنة والنظر الصحيح، والمصالح العامة.
أما حكمها الوضعي فيقول رحمه الله: (تصح بكل قوْل يدل على الإذن).
(تصح) الصحة، والفساد، والبطلان، والسبب، والشرط، والمانع، كل هذه أحكام وضعية.
(تصح بكل قول يدل على الإذن)، كل قول يدل على الإذن فإن الوكالة تصح به، فلو قال رجل: يا فلان، خُذ هذه السيارة بِعْها مثلًا، تصح الوكالة، وإن لم يقل: وكَّلتك في بيعها؛ لأن قوله: خُذْها بِعْها؛ يدل على هذا، وإن لم يكن فيه لفظ الوكالة.
أما القبول فهو أوسع.
يقول: (يصح بكل قول أو فعل يدل على الإذن)، الإيجاب وهو التوكيل لا بد فيه من قول.
طيب، فإذا قال: هل يصح أن يكون بالفعل؟ وهل يصح أن يكون بالكتابة؟
قلنا: ظاهر كلام المؤلف لا، والصحيح أنه يصح؛ يصح التوكيل بالفعل، ويصح التوكيل بالكتابة.
فلو كتب إلى آخر وقال: وكَّلتك في بيع بيتي، وهو في بلد آخر؛ يصح، ما المانع؟
ولو كان إنسان معروفًا بأنه يبيع الأطعمة، فجاء إنسان بكيس من الطعام من مزرعته ووضعه في دكان هذا الذي يبيع، ماذا يكون هذا؟ هذا توكيل، لكن بأيش؟ بالفعل، ما دام قد عُرف أن هذا الرجل أعد نفسه للبيع، وأتيت إليه بشيء ووضعته في مكان المبيعات، فهذا يعني أنك وكلته في بيعه، وهذه وكالة بالفعل.
لا يقول قائل: ربما وضع الكيس على أنه وديعة، أو على أنه هدية، أو ما أشبه ذلك.
هذا فيه احتمال، لكن ظاهر الحال أنه وضعه للبيع.
إذن القول الراجح أن الوكالة تصح بالقول والكتابة والفعل.
طيب (ويصح القبول) يعني قَبول الوَكالة (على الفور والتراخي بكل قوْل أو فِعْل دال عليه).
القبول هو اللفظ الصادر من الوكيل، والإيجاب هو اللفظ الصادر من الموَكِّل.
يعني الوكيل يصح أن يقبل الوكالة.
(على الفور) بمعنى أنه من حين أن يقول له الموكِّل: وكَّلتك في بيع بيتي، يقول: طيب، الآن أعطِني المفتاح ونمشي، يبيعه.
(وعلى التراخي) بأن يقول: وكَّلتك، ثم يسكت، وبعد ساعة أو ساعتين، أو يوم أو يومين يقول: قبلت، أو يبيع البيت مثلًا؛ يصح.
لكن لو وكَّله وقال: لا والله، أنا ما أستطيع، أنا مشغول، ثم ذهب الموكِّل، وبعد ذلك ندم الوكيل وقال: كيف أرُدُّه؟ ! رجل طيب وحبيب وله فضل عليَّ، ثم قبل وتصرف، أيصح؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: ليش؟
طالب: لأنه رفض.
الشيخ: لأنه ردها، وإذا ردها معناه بطل الإيجاب الأول الصادر من الموكل، فلا بد من توكيل ثانٍ.
طيب، (بكل قول أو فعل دال عليه).
كل قول، أن يقول: قبلت، لكن لو قال: أبشِر، يصح؟
طالب: يصح.
الشيخ: هذا قول ولَّا لا؟
طالب: قول.
الشيخ: قول.
لو أخذها منه -السلعة اللي قال له: خُذْ وكَّلتك في بيع هذه، أخذها منه- ولم ينطق بكلمة، ثم باعها؛ يصح، وهذا قبول بالفعل.
هذه القاعدة في الوكالة ليست مطردة عند الفقهاء رحمهم الله؛ فإن بعض العقود يشددون فيها، ولكن الصحيح أن العقود بابها واحد، وأن كل عقد يصح بكل قوْل أو فعل يدل عليه، وأما ما شدد فيه بعض الفقهاء رحمهم الله في بعض العقود فلا دليل عليه، الأصل أن هذا يرجع إلى العُرْف، فما عرفه الناس عقدًا فهو عقد، ولو كان بقول أو فِعْل.
إلا أنه يُستثنى من هذا ما لا بد من الإشهاد عليه، فهذا لا بد أن يكون بقول واضح مثل النكاح، لو أن رجلًا قال لشخص: زوَّجتك بنتي هذه، فأخذ البنت ومشى، ينعقد النكاح؟ الظاهر أنه لا ينعقد هذا، ليش؟ لأن هذا يحتاج إلى إشْهاد، ومجرد الفعل لا يدل على القبول.
لو قال: وهبتك هذه الساعة، فأخذها وسكت، قبول هذا ولا غير قبول؟ هذا قبول.
نقول: الوكالة ليس لها صيغة معينة، تنعقد بكل قول أو فعل يدل عليها، وقلنا: إن هذا ينبغي أن يكون عامًّا لجميع العقود.
(ومن له التصرف في شيء فله التوكيل، والتوكل فيه) هذه القاعدة: كل من له التصرف في شيء فله أن يوكل وله أن يتوكل، ومن ليس له التصرف فيه فليس له أن يُوكِّل، وليس له أن يتوكَّل.
مثال ذلك: رجل بالغ عاقل حُر رشيد، وكَّل مثله في شراء سيارة؛ يجوز هذا أو لا يجوز؟ يجوز.
لماذا؟ لأن من له التصرف في شيء فله التوكيل والتوكل فيه.
ومفهومه: من ليس له التصرف في الشيء فليس له أن يوكل فيه، فلو أن صبيًّا لم يبلغ قال لشخص: وكلتك في بيع بيتي.
أيصح؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: ليش؟ لأنه هو نفسه لا يصلح التصرف، لا يصلح أن يتصرف فيه، فكيف يُوكِّل؟ !
طيب، لو كان الأمر بالعكس: رجل بالغ عاقل حر رشيد وَكَّل صبيًّا في بيع بيته؟ لا يصح أيضًا؛ لأن الوكيل الآن لا يتصرف في مثل هذا التصرف، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: 5].
وَكَّل شخصًا أن يعقد له النكاح، قال: وكَّلتك أن تقبل النكاح لي من فلان، وهذا الوكيل بالِغ عاقل حُر رشيد.
يصح؟ يصح؛ لأن الوكالة في عقد النكاح جائزة.
يقول: (ويصح التوكيل في كل حق آدمي) كل حق آدمي يصح أن يُوكِّل فيه.
(من العقود والفسوخ والعِتق، والطلاق، والرجعة، وتملُّك المباحات من الصيد والحشيش ونحوه، لا الظهار واللعان والأيمان.. ) إلى آخره.
حق الآدمي من العقود؛ نبدأ بالبيع، هل يجوز أن يُوكِّل في بيع أو شراء؟ نعم.
الإجارة، هل يجوز أن يُوكِّل شخصًا يستأجر له بيتًا؟ نعم، أو يؤجر بيته؟ نعم.
الرهن، يصح أن يُوكِّل شخصًا يرتهن له شيئًا أو يرهن له شيئًا.
الوقْف؟ يصح؛ يقول: وكَّلتك أن تُوقف بيتي الفلاني وتثبته عند المحكمة.
(الفسوخ) أيضًا في كل عقد، الفسخ يرد على كل عقد.
فسوخ البيع: إنسان اشترى شيئًا معيبًا، ووكَّل إنسانًا أن يفسخ البيع مع البائع، قال: أنا اشتريت السيارة الفلانية من فلان ووجدت بها عيبًا، وأنا ما أنا برايح أنازعه؛ لأنه رجل صاحب قوة وبيان، وأنا وكَّلتك أن تفسخ البيع معه، يجوز؟ يجوز، هذا فسْخ.
وَكَّلَ زوجٌ رجلًا أن يخالع زوجته، يجوز؟ ما معنى المخالعة؟
طلبة: الطلاق على عِوض.
الشيخ: الفراق، ما هو الطلاق، الفراق على عِوض؛ لأن الطلاق على عِوض شيء، والخلع شيء آخر؛ يعني الطلاق على عِوض يعتبر يحسب من الطلاق، فلو كانت هذه آخر طلقة على عِوض حرمت عليه، لكن إذا كان خلعًا وقد طلَّق قبل ذلك مرتين فإنها لا تحرم عليه؛ لأن الخلع فسخ وليس طلاقًا.
على كل حال؛ وكَّل إنسانًا في مخالعة زوجته، يجوز هذا أو لا يجوز؟ يجوز، لكن لا بد مثلًا من أن يذكر مقدار الخلع؛ يعني العِوض؛ لأنه ربما يُوكِّله في خلع زوجته، ثم تكون غالية في قلْب الزوج، ولا يمكن أن يخلعها بأقل من عشرة آلاف، فيأتي هذا الوكيل ويخلعها بألف ريال.
فلا بد من التعيين، هذا شيء آخر.
(العتق) يصح أن يُوكِّل شخْصًا في إعتاق العبد أو لا؟ يصح؛ لأن هذا يصح التوكيل في عقده، فيصح التوكيل في عتقه والتخلي منه.
(والطلاق) الطلاق يصح أن يُوكِّل فيه، يقول: يا فلان، وكَّلتك أن تطلق زوجتي.
يجوز هذا، ويكون الفائدة مثلًا أنه يثبت طلاقها عند المحكمة.
هل يصح أن يُوكِّل زوجته في طلاق نفسها؟
طالب: نعم.
الشيخ: يصح؟
طالب: لا يا شيخ لا يصح.
طالب آخر: يصح.
الشيخ: ألسنا قلنا: من له التصرف في شيء فله التوكيل والتوكُّل فيه؟
طلبة: بلى.
الشيخ: طيب، هل للزوجة أن تتصرف في الطلاق وتُطلِّق زوجها؟ !
طالب: لا، ليس لها.
الشيخ: لا، لكن هذه مستثناة؛ يعني يجوز أن يُوكِّل زوجته في طلاق نفسها.
ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خيَّر نساءه بين أن يُردْن الله ورسوله أو يُردن الحياة الدنيا (5). وهذا مثل الطلاق؛ فعلى هذا تكون هذه المسألة مستثناة، كما يستثنى مسائل أخرى نعرض لها إن شاء الله فيما بعد.
(الرجعة) أيضًا يصح التوكيل فيها، بأن يقول لشخص حين طلق زوجته قال لشخص آخر: وكَّلتك في مراجعتها، يصح.
فإذا قال قائل: ليش إنه يوكل في مراجعتها؟ لماذا لم يُراجِع هو بنفسه؟
نقول: قد يكون غائبًا ويقول للزوج: راقِبها، لا تنقضي عدتها حتى تراجعها، وهو -أي: الزوج- لا يريد أن يراجعها بنفسه، ربما يريد أن يهينها بعض الشيء حتى تستقيم، وربما لا يخبرها بأنه راجعها حتى تستقيم أيضًا، فالمهم أنه يجوز التوكيل في الرجعة.
هل يجوز أن يُوكِّل أبا الزوجة في رجعتها؟
طالب: نعم.
الشيخ: يجوز؟
الطالب: جائز التصرف.
الشيخ: يقول: وكَّلتك في مراجعة ابنتك؟
طالب: نعم.
الشيخ: يجوز نعم، ما فيه مانع، ويش المانع؟ ! لكن لو خاف ألا يراجع، إذا كان أبو الزوجة لا يحب أن يرجع الزوج إلى زوجته ربما لا يراجع، ففي هذه الحال يجب أن يحتاط لنفسه وألا يُوكِّله؛ لئلا يُفوِّت عليه الرجعة.
وقوله: (وتملُّك المباحات من الصيد والحشيش ونحوه).
يعني له أن يُوكِّله في تملك المباحات، فيقول: وكَّلتك تصيد لي طيرًا وأرنبًا وغزالًا، فيقول: قبلتُ، ويأخذ البندقية ويذهب ويصيد، يجوز؟ على كلام المؤلف يجوز.
وقيل: إنه لا يجوز في تملُّك المباحات؛ لأن الموكِّل حين التوكيل لا يملكها، فلا يملك التصرف فيها.
وبناءً على هذا القول: لو أن الوكيل تصرف وأتى بالصيد، فلمن يكون الصيد؟ يكون للوكيل؛ لأن الوكالة لم تصح، ويكون الوكيل إذا أراد أن يُعطِيه الموكل، يكون هذا هبة؛ لأنه حين صاده صار في ملكه، فإذا أعطاه الموكل فهو هِبة، وليس عن طريق الوكالة.
وكذلك أيضًا (الحشيش)، إذا وكَّله قال: يا فلان، وكَّلتك تحش لي هذه المنطقة، قال: نعم، لا بأس، فحشها، فهل يصح هذا التوكيل؟ المؤلف يرى أنه يصح، وأنه إذا حشَّها فإنما تكون على ملك الموكِّل.
والقول الثاني لا يصح؛ لأن الموَكِّل لم يملك هذا الحشيش حتى يملك التصرف فيه.
وعلى هذا فإذا حشَّه الوكيل وأتى به إلى الموكِّل وقال: خُذ الحشيش؛ لأنك وكلتني بحشيشه، فيكون على سبيل الهبة، يعني يُخبر فيُقال له: إن الوكالة لم تصح، وأن هذا هبة.
ويُقال: إن امرأة جاءت إلى شخص وقالت: إن الأمير حبس ابني في حشيش، وأنا ما يمكن أبقى بدونه، اشفع لي.
فذهب الرجل إلى الأمير وقال له: جزاك خيرًا، هذا (... ) يحش، يترزق الله وأمه، أطلقه، هذا ظلم، ظنًّا منه أن الحشيش هو ما يؤخذ من الأرض.
فقال له الأمير، قال: الحشيش هذا شيء مُسكِر مثل الخمر أو أشد، قال: عليك به، عليك به! !
مثل هذه المسائل يعني يجب؛ أنا قصدي أن الإنسان يجب أن يُبيِّن ما يريد في الألفاظ المشتركة، الآن الحشيش مُشترَك بين ما تنبته الأرض كما في الحديث: «لَا يُحَشُّ حَشِيشُهَا» (6)، وبين ما يُستعمل في التخدير، فيجب في مثل هذه المسائل المشتركة -لا سيما إذا كان يتبادر إلى أذهان العامة الشيء المباح- أن تُبين الأمور وتوضح حتى يكون الإنسان على بصيرة.
فقول المؤلف رحمه الله: (من الصيد والحشيش)، أي الحشيشات؟ طبعًا المباح، ما تُنبته الأرض.
وقوله: (ونحوه) أي: من الأشياء المباحة كأخذ الكمأة، فإن الكمأة لا تُعد من الحشيش؛ ولهذا يجوز أن يَستخرج الإنسان الكمأة ولو في أرض مكة؛ لأنها ليست من الحشيش.
(لا الظهار واللعان والأيْمان) هذا لا تجوز فيها الوكالة؛ لأنها متعلقة بنفس الفاعل، فلو وَكَّل شخصًا في الظهار من امرأته وذهب الرجل إلى المرأة، وقال لها: أنتِ على زوجك كظهْر أُمِّه عليه، يثبت الظهار ولَّا لا؟
طلبة: لا، لا يثبت.
الشيخ: ليش؟ لماذا لا يثبت؟ لأن هذا عقد يتعلق بالفاعل نفسه، فلا يصح.
طيب، إذا وكَّله في الطلاق، وقال: أنتِ طالق بناءً على الوكالة، يصح أو لا يصح؟ يصح؛ لأنه فسْخ، لكن الظِّهار يتعلق بهذا، ولذلك لو فرضنا أنه صح التوكيل في الظهار، وأراد الزوج الرجوع، مَنِ الذي يتحمل الكفارة، الزوج ولَّا الوكيل؟ الزوج؛ إذن ما دام الكفارة تتعلق بالموكِّل فإنه لا يصح التوكيل فيه.
(اللعان) أيضًا لا يصح، اللعان: مُشتق من الملَاعنة، وهي ما يكون بين الزوج وزوجته إذا رماها بالزنا، إذا رماها بالزنا -والعياذ بالله- قال: إن امرأته زنت، فهنا نطالبه أولًا: إن أقرت الزوجة بذلك ارتفعت عنه العقوبة، ووجبت العقوبة على مَنْ؟ على الزوجة.
إن أنكرت وأتى ببينة ارتفعت عنه العقوبة، ووجب الحد على الزوجة.
إن أنكرت ولم يجد بينة، فحينئذٍ نجري اللعان، فيشهد الزوج أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، ويقول في الخامسة: وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.
فإن رَدَّت عليه اللعان فله حكم، وإن لم تَرُدَّ اللعان فهل يثبت عليها الحد أو لا؟
من العلماء من يقول: إن الزوج إذا لاعن، ثم نكلت الزوجة وجب عليها الحد.
ومنهم من يقول: إذا لاعن الزوج ونكلت الزوجة، فإنها تُحبس حتى تقر أو تُلاعِن أو تموت.
والقول الأول هو الصحيح، وهو المتعيِّن: أن الزوج إذا شهِد أربع مرات ودعا على نفسه باللعنة إن كان من الكاذبين فإن الحد يثبت عليها، يكون كإقامة البينة، فقول الله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: 8]، العذاب يعني؟
طالب: الرجم.
الشيخ: الحد، ليس الرجم، الحد، بدليل أن الله تعالى قال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2]، فسمى الله الحد عذابًا.
إذن ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ يعني الحد، ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ فإن لم تشهد وجب الحد عليها، هذا القول الراجح وهو المتعين.
المهم اللعان: أراد الزوج أن يُلاعِن الزوجة؛ لإثبات ما ادعاه عليها، ولكنه قال: يا فلان، أنا لا أريد الذهاب إلى الحاكم، ولا أريد أن ألعن زوجتي مواجهة، لكن وكَّلتك أن تُلاعِن عني، قال: أهلًا وسهلًا، اللي يريحك كله خير، فذهب إلى القاضي وقال: أنا وكيل فلان في اللعان، هل يُقبل هذا أو لا؟ لا؛ لأن اللعان يتعلق بنفس الزوج، إذ إنه إذا لم يلاعن وجب عليه الحد؛ حد القذف، وإن لاعن ونكلت هي وجب عليها حد الزنا.
طيب، وكذلك المرأة لا تُوكَّل.
الثالث: (الأيمان) لا تدخل فيها النيابة؛ فلا تصح فيها الوكالة.
لو أن شخصًا ادَّعى على زيد بمئة ريال، وليس عنده بينة، فما الحكم؟ أن يحلف زيد المدعى عليه يمينًا بأنه لا حق لفلان عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» (2).
فلما توجهت اليمين على المنكِر قال: أُوكل فلانًا يحلف عني، يصح أو لا؟ لا يصح؛ لأن هذه مما تتعلق بنفس الإنسان، وهو الذي يكون آثمًا أو بارًّا، فلا يصح فيها الوكالة.
طالب: شيخ -عفا الله عنك- ما ذكرنا الراجح في التوكيل بالصيد والحشيش؛ يعني الصحيح في توكيل الصيد والحشيش؟
الشيخ: الراجح أنه لا تصح الوكالة فيه.
طالب: قلنا: في الصيد والحشيش لا تصح، ما وجه ذلك إذا كان الإنسان يعني الموكل يقول للوكيل: وكَّلتك أن تصيد لي؛ يعني مثلًا يقول: أعطيتُك البندقية لكي تصيد لي، وهذا يذهب ويصيد.
الظاهر أنه للمُوكِّل، ونحن ذكرنا أنه يكون (... ).
الشيخ: إي نعم؛ لأن الموكِّل لم يملك هذا الشيء، هذا الشيء ما يملك إلا بعد أخذه.
الطالب: لكن هو لم يوكله على اعتبار أنه إذا ملك شيئًا فيكون على (... ) على ملكه.
الشيخ: على ملك مَنْ؟
الطالب: الموكِّل.
الشيخ: هو على ملك الآخِذ الذي ملكه، ثم له أن يهبه لذلك، (... ) لكن جرى العرف الآن عندنا أنه إذا كان الإنسان مثلًا أتى بعمال وأعطاهم الآلة وقال: حشوا هذا الحشيش الذي في مزرعتي، وليس هو الزرع الذي هو أنبته، لكنه من عند الله، نبت من عند الله، جرت العادة عندنا أن كُلًّا من الطرفين يعرف أنه لمن؟ للمُوكِّل، فإذا كان اطَّرد العرف بذلك فعلى ما يطَّرد عليه العرف.
طالب: مسألة الصيد والحشيش أنه لا يجوز ذلك؛ لأن الموكل لم يملك بعد (... ).
الشيخ: نعم، هذا تعليل القول بأنه لا يصح.
الطالب: نعم، في قضية البيع وكذا، هل الأمور دخلت في ملكه؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: في قضية البيع مثلًا والشراء الأمور التي يشتريها لم تدخل في ملكه بعد الموكِّل؟
الشيخ: لا، دخل في ملكه الثمن.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، في مسألة الفصل الذي قبله يا شيخ، قال: (وما استدان العبد لزم سيده)، يعني لزم الغُرم، كذلك يا شيخ قال: (وإلا ففي رقبته إذا استدان بغير إذن سيده) إذا جعلنا في الأحوال الثلاثة التي ذكرتم يا شيخ، كذلك لزم السيد الغرم؟
الشيخ: لا، بينهما فرْق؛ لأنه إذا كان بإذنه لزمه أن يوفي الدَّيْن بالغًا ما بلغ، لو استدان مثلًا خمس مئة ألف، والعبد ما يساوي إلا مئتي ريال، يلزم السيد خمس مئة ألف مهما كان.
الطالب: إن كان بإذنه.
الشيخ: إذا كان بإذنه، أما أن نقول: لزم السيد، يلزمه مهما كان، إذا قلنا: يتعلق برقبته لا يلزم السيد أكثر من ثمنه.
طالب: شيخ، (... ).
الشيخ: ما يمكن، لو يتواطأ، ما يمكن؛ لأن من جملة ما يعمله السيد أن يفديه، أن يقول للمجني عليه مثلًا أو لمن دَيَّنه، يقول: خذ ها الدَّيْن والعبد لي.
الطالب: (... ).
الشيخ: لا، هذا ينظر الأول فالأول.
طالب: شيخ، إذا (... ) وكَّله أن يشتري بُرًّا مثلًا في جزء منه، أيصح؟
الشيخ: يعني معناه أنه كان بأجره.
الطالب: إي.
الشيخ: ما فيه شيء إذا كان معلومًا، يعني مثلًا مئة صاع، مئتين صاع، ما فيه مانع.
طالب: بارك الله فيك، قلنا: إن السيد يخير بين بيع العبد (... )، طيب لو باعه السيد، وكان ثمن العبد أكثر من الدَّيْن، هل يعطيه (... )؟
الشيخ: لا، ليس لصاحب الدَّيْن إلا الدَّيْن فقط.
الطالب: لو كانت المسألة بالعكس لو كانت أقل، أليس له إلا (... ).
الشيخ: إي معلوم؛ لأنه ما له إلا رقبة العبد.
الطالب: لماذا ما نعطيه (... )؟
الشيخ: ما نعطيه إياه، الخيار للسيد؛ والسيد إذا كان الخيار له سيختار ما في مصلحته، فإذا عرف أن قيمة العبد أكثر من الدَّيْن سوف يبيعه ويأخذ الزيادة.
(... )
الفقهاء الصلح؟
طالب: إي، نوعين، صلح على إقرار، وصلح على إنكار.
الشيخ: طيب، مَثِّل لكل واحد؟
الطالب: الصلح على إقرار: أن يقر زيد لعمرو بهذه العين أنها له؛ هذه السيارة، هذه العين أنها له، فيهب له بعضها.
الشيخ: فيُصالحه على بعضها إما بيعًا أو هبة.
الطالب: نعم، فهذا الصلح على إقرار، أما الصلح على الإنكار.
الشيخ: هل هذا صحيح أو له شروط؟
الطالب: نعم، صحيح ولكن بشروط: أن يكون ممن يصح تبرعه، وألا يكونا شَرَطَا هذا الأمر هذا الصلح.
الشيخ: ألا يكون الصلح مشروطًا، وأن يكون ممن يصح تبرعه.
الطالب: نعم، وهناك شرْط ثالث فيه خلاف: وهو ألا يكون بلفظ الصلح، والصحيح أنه لا يُشترط.
الشيخ: والصحيح أنه ليس بشرط.
طيب الصلح على إنكار؟
طالب: مثل أن يقول أن يدعي رجل على آخر أن هذه السيارة له فيُنكر أو يسكت.
الشيخ: يدَّعي على شخص يقول: هذه السيارة لي، فيقول: ليست لك، أو يقول: لي عليك مئة ريال فيُنكر، كيف يكون الصُّلح؟
الطالب: يصالحه على بعض المال، ويكون من جهته المدعي (... ).
الشيخ: لا، كيف؟ خلينا بالسيارة، قال: هذه السيارة لي، قال: ليست لك، تنازعوا فقال: إذن نصالحك على هذه الدعوة.
الطالب: على ألف ريال (... ).
الشيخ: من الذي يُسلِّمه ألف ريال؟
الطالب: الذي يُسلِّمه ألف ريال المدعى عليه.
الشيخ: طيب، وتكون السيارة له؟
الطالب: نعم.
الشيخ: طيب، هذا الصلح، هل هو بَيْع أو إبراء أو ماذا؟
الطالب: من جهة المدعي بيع؛ لأنه يعتقد أنه باعها، ومن جهة المدعى عليه إبراء.
الشيخ: هو إبْراء من أحدهما، وبيْع من الآخر.
يُجبر الجار على أن يضع جاره خشبَهُ على جداره أو لا؟
طالب: يجبر.
الشيخ: يُجبر، بشرط؟
الطالب: بشرط إذا كان لضرورة، وليس هناك ضرر على الجار الآخر.
الشيخ: أحسنت، ألَّا يكون ضرر على الجدار، وأن يكون مُضطرًّا إلى وضعها على الجدار.
وهل يلزم أن يُسلِّم صاحب الجدار نصف ما قام به الجدار أو لا؟ يعني هل يقول صاحب الجدار أنا بنيته بألف ريال أعطني خمس مئة، وحط خشبك عليه؟
طالب: لا يلزم.
الشيخ: لا يُوافِق على هذا؟
الطالب: لا يوافق.
الشيخ: ما تقولون؟
طلبة: نعم.
الشيخ: صحيح، رجل له جار، وكان نخله على أرض جاره؛ النخل له عسفان، عسفانه على أرض جاره؟
طالب: يُلزَم الجار هذا بأن يكف العسفان لئلا تؤذي الجار.
الشيخ: يلوي العسفان.
طيب، فإن أبى؟
الطالب: لواها.
الشيخ: فإن أبى؟ قال: والله ما أنا ملوِّي العسفان، أيش نعمل؟
الطالب: يقوم نفس الجار المتضرر بقص هذا العسفان أو ليِّه.
الشيخ: يلويه إن أمكن وإلا قطعه، علل؟
طالب: لأن الهواء تابع للقرار.
الشيخ: لأن الهواء تابع للقرار؛ فالإنسان إذا ملك شيئًا من الأرض ملك ما فوقها إلى السماء، وملك ما تحتها إلى تخوم الأرض.
طيب، ما الفرق بين الدرب المشترك والنافذ؟
طالب: أولًا: من جهة الشكل فإن الدرب النافذ ينفذ بحيث يمر معه من أوله إلى آخره.
الشيخ: يعني ليس مسدودًا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: والمشترك؟
الطالب: والمشترك فإنه مسدود من طرف.
الشيخ: إذن الفرق بينهما أن النافذ مفتوح والمشترَك مسدود.
طيب، هل يجوز في المشترك فتح أبواب؟
طالب: لو كان من جهة السد فنعم.
الشيخ: السد؟ ! من أسفل السور يعني، فله ذلك، وإن كان من أعلى فليس له ذلك.
الطالب: إلا أن يأذن له الجار.
الشيخ: إلا أن يأذن الجار.
طالب: له مطلقًا.
الشيخ: له مطلقًا طيب، هذان قولان.
طالب: عكس ما قاله.
الشيخ: عكس ما قاله.
الطالب: إن كان من جهة بابه إلى فم السوق فله ذلك، وأما من جهة السد فلا، إلا إذا أذن الجار.
الشيخ: إذن ثلاثة أقوال: قول أنه إذا أراد نقل الباب، أو فتح باب آخر من أسفل فله ذلك بدون إذْن شريك، وإذا كان من فم السوق فلا، والثاني بالعكس، وأيهما الصواب العكس ولَّا الأول؟
طالب: الأول، بآخر الدرب.
الشيخ: لا، العكس، يعني مثلًا إذا كان بابه في أعلى السوق فليس له أن ينقله إلى أسفل السوق، ولا أن يفتح بابًا آخر أسفل منه؛ لأنه لا يملك من السوق إلا إلى بابه فقط، وأما إذا كان من وراء الباب مما يلي فم السوق فلا بأس.
طالب: النافذ (... ).
الشيخ: هذا المشترك، نحن سألنا عن المشترك.
طيب، النافذ له أن يفتح ما شاء، إلا أنه لا يفتح أمام باب جاره للإيذاء.
قال رجل لآخر: أقر بديني وأعطيك منه مئة، يجوز؟
طالب: نعم.
الشيخ: طيب، أقر، هل يلزمه كل الدين أو يُسقط منه المئة؟
الطالب: لا، إن أقر المدَّعَى عليه بالدَّيْن لزمه كل الدَّيْن، لكن إن صالحه.
الشيخ: إي، هو كان يماطل يقول: ما عندي لك شيء مرة، ومرة يقول: اصبر عليَّ، ومرة.. قال: تعالَ، أقر بدَيْني وأعطيك منه مئة، قال: أقْررت؟
طالب: يصح الإقرار ولا يصح الصلح.
الشيخ: يصح الإقرار ولا يصح الصُّلح؛ لأنه مكره عليه، صحيح.
وفي كلِّ حقٍّ للهِ تَدْخُلُه النيابةُ من العِباداتِ والحدودِ في إثباتِها واستيفائِها، وليس للوَكيلِ أن يُوَكَّلِ فيما وُكِّلَ فيه إلا أن يُجْعَلَ إليه.
والوَكالةُ عَقْدٌ جائزٌ، وتَبْطُلُ بفَسْخِ أحدِهما ومَوْتِه وعَزْلِ الوَكيلِ وحَجْرِ السفيهِ،
منه مئة، يجوز؟
طالب: نعم.
الشيخ: طيب، أقر هل يلزمه كل الدَّيْن أو يسقط منه المئة؟
طالب: لا، إن أقر المدَّعَى عليه بالدَّيْن لزمه كل الدَّيْن، لكن إن صالحه..
الشيخ: إي، هو كان يماطل يقول: ما عندي لك شيء مرة، ومرة يقول: اصبر عليَّ، ومرة.. قال: تعالَ، أقر بديني وأعطيك منه مئة، قال: أقررت؟
طالب: يصح الإقرار، ولا يصح الصلح.
الشيخ: يصح الإقرار، ولا يصح الصلح؛ لأنه مُكرَه عليه (... ).
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المصنف رحمه الله تعالى في باب الوكالة:
ويصح التوكيل في كل حق آدمي من العقود والفسوخ والعِتْق والطلاق والرجعة، وتملك المُباحات من الصيد والحشيش ونحوه، لا الظِّهار واللعان والأيمان، وفي كل حق لله تعالى تدخله النيابة من العبادات والحدود في إثباتها واستيفائها، وليس للوكيل أن يُوكِّل فيما وُكِّل فيه إلا أن يجعل إليه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين.
ما معنى الوكالة في اللغة وفي الاصطلاح؟
طالب: في اللغة: التفويض.
الشيخ: في اللغة: التفويض، نعم.
الطالب: في الاصطلاح: استنابة جائز التصرف مِثلَه فيما تدخله النيابة.
الشيخ: أحسنت، في الاصطلاح استنابة جائز التصرف مثله -أي: جائز التصرف- فيما تدخله النيابة.
مَثِّل لما تدخله النيابة؟
طالب: تدخل في النيابة البيع والنكاح..
الشيخ: البيع والنكاح والطلاق والعتق والرجعة وغير ذلك.. أشياء كثيرة.
طيب، لو وَكَّله أن يصلي له ركعتين؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأنه؟
الطالب: حق لله، لا تدخله النيابة.
الشيخ: حق لله لا تدخله النيابة.
طيب، لو وَكَّله أن يحج عنه؟
طالب: لا يصح.
طالب آخر: فيه تفصيل، إن كان قادرًا وحج فريضة فهو لا يصح.
الشيخ: لأنه مُطالَب به ببدنه، وإن كان نفلًا؟
الطالب: ففيه خلاف.
الشيخ: ففيه خلاف، إذن المسألة ما فيها جواب قاطع.
الوكالة يدل على جوازها الأثر والنظر؛ الأثر من القرآن والسنة، والنظر من المعنى المعقود.
من القرآن؟
طالب: قوله تعالى في قصة أصحاب الكهف: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: 19].
الشيخ: تمام، وقال يعقوب لأبنائه: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ﴾ [يوسف: 87]، فوكلهم في البحث عن أخيهم يوسف.
طيب، من السُّنَّة؟
طالب: أمر النبي صلى الله عليه وسلم للرجل أن يشتري له شاة بدينار.
الشيخ: أحسنت، الرسول وكَّل عروة بن الجعد أن يشتري له أضحية بدينار (1)، أحسنت.
ونمتلك كثيرًا من السُّنَّة.
طيب، من النظر؟
طالب: بالنظر أن هذا مما تقوم عليه مصالح الناس ويحتاجون إليه، قد يكون الإنسان إلى شيء ولا يستطيع..
الشيخ: أن هذا مما تكون الحاجة إليه، وتقوم به مصالح الناس؛ لأن الإنسان قد يحتاج إلى شيء، ولا يستطيع أن يباشره بنفسه، فكان من حِكمة الله ورحمته أن أذن لهم بالتوكيل.
أحسنت، ما هي القاعدة أو الضابط في مَنْ له التوكيل والتوكُّل، الذي ذكره المؤلف؟
طالب: كل من له التصرُّف في شيء بنفسه فله التوكُّل والتوكيل فيه.
الشيخ: أحسنت، هذا ضابط: كل من له التصرف في شيء فله أن يَتوكَّل ويُوكِّل فيه.
طيب، وَكَّل شخصًا أن يصطاد له صيدًا، فقال له: انظر إلى الأرنب الرابض في ظل تلك الشجرة وقد وكَّلتك أن تصيدها لي، يصح؟
طالب: (... ).
الشيخ: إي، هذا من باب تملك المباحات، ومثله لو وكَّله أن يحش له حشيشًا في مكان فإنه يكون وكيلًا له.
طيب، إذا صادها، فلمن تكون؟
الطالب: تكون للمُوكِّل.
الشيخ: تكون للمُوكِّل؛ لأن ذلك صادها نيابة عنه.
هل يصح التوكيل في إثبات الحدود أو لا؟
طالب: لا يصح يا شيخ.
الشيخ: اصبر يا شيخ، لا تستعجل، تعرف بعد الحدود؟
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وفي كل حق) يعني وتصح الوكالة في كل حق لله لا تدخله النيابة.
اعلم أولًا أن الأصل في حقوق الله أنه لا يجوز فيها الوكالة، هذا الأصل؛ لأن حقوق الله المقصود بها إقامة التعبُّد لله عز وجل، وهذه لا تصح إلا من الإنسان نفسه؛ لأنك لو وَكَّلت غيرك، فهل فعله تحس بأن إيمانك زاد به؟ لا؛ ولذلك كان الأصل في حقوق الله ألا تصح الوكالة فيها.
خذوا هذا الضابط: الأصل في حقوق الله ألا تصح الوكالة فيها، وذلك لأن المقصود بها التعبد لله، وهذا لا يصح فيما إذا قام به غير المكلف.
إذن، لا نجيز الوكالة في شيء من العبادات إلا فيما ورد به الشرع؛ هذا هو الأصل، ولننظر أولًا: الصلاة؛ هل ورد التوكيل فيها؟ لا، أبدًا، لا فرضها ولا نفلها.
هل ورد قضاؤها عمن مات وعليه صلاة؟ لا، لم يرد، لا في الفرض ولا في النفل.
إذن الصلاة لا تصح الوكالة فيها، لا في حال العجز، ولا في حال القدْرة، ولا في الفرض، ولا في النفل.
الزكاة، تصح الوكالة فيها؟ نعم، تصح الوكالة فيها للعاجز والقادر، يعني يصح أن يُوكِّل القادر شخصًا يؤدي زكاته إلى الفقراء، حتى لو قال له: خُذ زكاتي من مالي وهو لا يعلم عنها، قال: أحصِ مالي، وخُذْ زكاته، وتصدَّق به على الفقراء، فإن ذلك جائز؛ لأن الوكالة في الزكاة لها صورتان:
الصورة الأولى: أن يُحصي الإنسان مالَه ويعرف زكاته، ويأخذها، ثم يُسلِّمها إلى الوكيل، وهذا لا إشكال فيه، والثمرة التي تحصل بأداء الزكاة تحصل في هذه الحال أو لا؟ تحصل؛ لأن الإنسان يشعر الآن بأنه أخرج من محبوباته ما يكره أن يخرج منها، لكن الله يحب ذلك، فأخرجها لله.
الصورة الثانية: أن يُوكِّل شخصًا في إحصاء ماله ويقول: أحصِ مالي وأخرِجْ زكاته.
هذا لا شك أنه لن يكون في قلبه ما كان في قلب الأول؛ لأنه لا يحس بأنه أخرج شيئًا معينًا تتعلق به النفس من ماله المحبوب إليه، لكن مع ذلك تصح الوكالة أو لا؟ تصح الوكالة.
وهذا ثابت بالسُّنَّة، وإذا ثبت بالسُّنَّة فهي الفاصل، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُوكِّل في إخراج الزكاة، ويُوكِّل في حفظها، ويُوكِّل في قبضها صلوات الله وسلامه عليه.
طيب، وإذا صحت الوكالة في الزكاة فلا فرْق بين أن يُعيِّن المدفوع له أو لا يُعيِّن، بأن يقول: ادفعْ زكاتي لفلان، أو يقول: ادفعها لمستحق.
لا فرق، لكنه إذا عيَّن الجهة فإن الوكيل لا يصرف الزكاة في غيرها إلا بعد مراجعة الموكِّل، لو قال: أعطها فلانًا، لا يمكن أن يصرفها لغيره إلا بإذن موكله؛ لأن الوكيل محدود تصرفه بما وُكِّل فيه.
لو فُرض أن صاحب المال قال: أعطِ زكاتي فلانًا، وهو يعلم أن فلانًا لا يستحق، لكنه لم يعلم إلا بعد أن فارقه الموكِّل؛ لأنه إذا قال: أعطِ زكاتي فلانًا وهو يعلم أنه ليس بأهل، سيقول له فورًا: إنه لا يستحق، ولا حرج عليه أن يقول ذلك، بل يجب عليه أن يقول؛ لأن بعض العوام المساكين يقولون: لا تقطع رزقه، قال لك: أعطِ زكاتي فلانًا أعطه إياها سواء يستحق أو لا، وهذا غلط، هذه خيانة ولا تجوز، إذا كنت تعلم أنه لا يستحق قل: يا أخي، هذا ما يستحق، فإذا قال: أعطها إياه وإن لم يستحق، أنا المسؤول، ماذا تقول؟ أقول: لا؛ لأني لو فعلت لأعنته على الإثم، حيث وضع الزكاة في غير محلها.
أما إذا كنت لم أعلم إلا بعد أن فارقني الموكِّل، يعني: أعطاني مثلًا مئة ريال، قال: خُذْ هذه الزكاة أعطها فلانًا، وبعد أن فارقني عرفت أن فلانًا لا يستحق، فهنا أُوقِف العطاء حتى أُراجعه وأقول: إن فلانًا لا يستحق، فإذا قال: أعطه ولو كان لا يستحق، أقول: لا، لا أعينك على الإثم، فإن قال: أعطه إياه تطوعًا، يصح؟ ويعطيها إياه؟
إذن الزكاة يجوز التوكيل في قبْضها وإخراجها للعاجز والقادر؛ لأن السنة وردت به؛ ولأنها في الحقيقة يتعلق بها حق ثالث: وهو المستحِق، فمتى وصلت إلى مستحقها من أي جهة كانت فهي في محلها.
نأتي إلى الصوم، الصوم هل يجوز أن يُوكِّل أحدًا يصوم عنه؟ لا، لا فرض ولا نفل، حتى لو كان عاجزًا، عليه كفارة مثلًا وهو شيخ كبير وله أولاد، وعليه كفارة صيام ثلاثة أيام.
كفارة ويش صيام ثلاثة أيام؟ كفارة أيش؟ كفارة يمين، فيه أيضًا كفارة أخرى: فدية الأذى.
على كل حال هو عليه ثلاثة أيام، فقال لأبنائه: صوموا عني ثلاثة أيام، أيُجزئ ذلك؟ لا يجزئ، هو عاجز ما يقدر.
طالب: (... ).
الشيخ: لا يجزئ؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا لم يرد فقد قلنا: إن الأصل في العبادات؟
طالب: التوقيف.
الشيخ: لا، الأصل في العبادات أنه لا يجوز التوكيل فيها، ما هو التوقيف، التوقيف معروف، لكن الأصل أنه لا يجوز التوكيل فيها؛ لأنه -أي التوكيل- يُفوِّت المقصود من التعبُّد لله عز وجل.
إذن لو أن العاجز وَكَّل في الصوم ما أجزأ.
إذا كان عجزه لا يُرجى زواله، ووكَّل في الإطعام عنه، يُجزئ أو لا؟ يُجزئ؛ لأن الإطعام يُشبه الزكاة، فيجزئ.
طيب، إذا مات فهل يُقضى عنه أو لا يقضى؟ أما النفل فلا يُقضى؛ لأنه لم يرد؛ وما دام لم يرد فالأصل عدم القضاء، فلو أن إنسانًا كان من عادته أن يصوم ثلاثة أيام البيض، ولكنه لم يصمها، ثم تُوفِّي قبل استكمال الشهر فإنه لا يُصام عنه.
إذا كان واجبًا، فمن العلماء من قال: إنه لا يُصام عنه؛ لأنه إذا مات وهو لم يصُمْ صار كالشيخ الكبير والمريض الميؤوس منه، فيُطعم من تركته عن كل يوم مسكين، ولا يُصام عنه.
وقال بعض العلماء: يُصام عنه صيام الفرض، سواء كان واجبًا بأصل الشرع كرمضان والفدية والكفارة، أو كان واجبًا بالنذر.
واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة في الصحيحين: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ؛ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» (2)، فقوله: «وَعَلَيْهِ صِيَامٌ»، يشمل الفرض بأصل الشرع أو الفرض بالنذر، هو عام.
وفصَّل بعض العلماء فقال: إن كان واجبًا بالنذر قُضِيَ عنه، وإن كان واجبًا بأصل الشرع فإنه لا يُقضَى عنه.
واستدلوا بأن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمها نذرت أن تصوم شهرًا فلم تصم، فقال: «صُومِي عَنْهَا» (3)، فأذن لها أن تصوم عنها، والصيام نذر.
ولا يقاس عليه الواجب بأصل الشرع؛ لأن الأصل في العبادات عدم جواز الوكالة، لكن هذا القول ضعيف، والصواب القول الثاني: أنه يجوز أن يُصام عن الميت ما وجب عليه من فرْض بأصل الشرع أو فرض بالنذر، الدليل عموم حديث عائشة: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ؛ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ».
وما قصة المرأة التي سألت عن النذر إلا فرد من أفراد هذا العموم، لا يخالفه ولا يقيده، هي قضية عيْن وقع فيها أن الميت مات وعليه صوم مفروض، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام أو أذِن بالصيام عنها، فهو فرْد من أفراد العموم، ولا يمكن أن نُخصِّصه.
ثم نقول أيضًا: أيهما أكثر أن يموت الإنسان وعليه صيام من رمضان أو عليه صيام نذر؟
الأول لا شك.
متى يأتي إنسان نذر أن يصوم ومات قبل أن يصوم؟ ! فكيف يمكن أن نحمل الحديث العام على الصورة النادرة دون الصورة الشائعة؟ هذا في الحقيقة خلل في الاستدلال.
فالصواب إذن أنه يُصام عنه، إذا مات وعليه صيام فإنه يُصام عنه.
لكن متى يكون عليه الصيام؟
يكون عليه الصيام إذا أمكنه أن يصوم، ولكنه فرَّط، ثم مات، وأما من لم يُفرِّط فإنه لا صيام عليه، لا عليه هو ولا على نفسه؛ لأنه إن كان مريضًا مرضًا لا يرجى برؤه ففرضه الإطعام، وإن كان مرضًا يُرجى برؤه واستمر به المرض حتى مات فلا قضاء عليه؛ لأنه لم يُدرِك أن يقضي.
ومثل ذلك: إذا حصل حادث ومات الإنسان المخطئ في نفس الحادث في الحال، المخطئ إذا قتل نفسًا خطأ ماذا عليه؟ إما عِتق رقبة، وإما صيام شهرين متتابعين، فإن ذا مال يتسع لعتق الرقبة، أُعتق من ماله؛ لأنه دَيْن عليه، وإن كان لا يستطيع، ليس عنده مال أو لا تُوجد الرقبة فلا صِيام عليه، لماذا؟ لعدم التمكُّن من الأداء، الرجل ما تمكن من الأداء، مات في الحال، كيف نُلزمه أن يصوم أيامًا لم يعشها؟ ! ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، وهذا أبلغ، هذا غير ممكن إطلاقًا.
ففهمنا الآن الصيام، ماذا حُكمه؟ التوكيل في الصيام في حال الحياة لا يصح مُطلقًا، لا فرضه ولا نفله، لا عاجز ولا قادر.
فإن صام الوكيل؛ الأبناء رقوا لأبيهم الشيخ الكبير فصاموا عنه، صاموا عنه، قالوا: هذا من البر، خلوه يستريح الوالد يأكل ويشرب ويستأنس، وإحنا نقوم بهذا، من يكون الصيام له؟ لمن صام؛ لأنه لا يصح التوكل فيه.
بقينا في الحج، الحج كغيره من العبادات؛ الأصل فيه عدم جواز التوكيل، الأصل في الحج عدم جواز التوكيل؛ لأنه عبادة، والأصل في العبادة أنها مطلوبة من العابِد، ولا يقوم غيره مقامه فيها، وحينئذٍ نقول: الحج وردت النيابة فيه عن صنفين من الناس؛ عن من مات قبل الفريضة، ومن كان عاجزًا عن الفريضة عجزًا لا يُرجى زواله، فهذا جاءت السنة بالحج عنه.
وعليه، فإذا عجز الإنسان عن الحج بعد وجوبه عليه لقدرته عليه ماليًّا، والعجز لا يُرجى زواله كالكِبْر، والمرض الذي لا يُرجى بُرؤه، قلنا: ينوب عنه مَنْ؟ من يحج عنه، يُوكِّل إنسانًا يحج عنه؛ لأن ذلك ثبت بالسُّنَّة.
أو مات فإنه أيضًا يُقضَى عنه؛ لأنه ثبت ذلك بالسنة.
بقينا؛ لو وَكَّلَ في حج الفريضة وهو قادر، أيصح؟ لا يصح.
طيب، إذا حج الوكيل، فلِمن الحج؟ الحج له، للوكيل؛ لأن هذه الوكالة فاسِدة، والفاسد وجوده كالعدم.
النافلة إذا وَكَّل فيها شخص مريض بمرض لا يرجى برؤه، فحج عنه هذا الوكيل، أيجزئ أو لا؟ لا إله إلا الله! والله ما أظنكم طلبة علم، أيش اللي قلنا بالقاعدة؟
طلبة: (... ).
الشيخ: ويش الأصل في العبادات؟ عدم جواز التوكيد يا إخواني، القواعد هي المهمة.
نقول: لا يجوز أن يُوكِّل بحج النافلة؛ لأن ذلك إنما ورد في حج الفريضة، وما دمنا قلنا: إن الأصل في العبادات عدم جواز التوكيل فإنه لا يُوكِّل؛ لأن النافلة لم يرد فيها التوكيل.