فإذا قال قائل: أنتم الآن صححتم أنها إحدى عشرة، فما رأيكم لو صلينا خلف إمام يصليها ثلاثًا وعشرين، هل إذا قام إلى التسليمة السادسة نجلس وندعه، أو الأفضل أن نُكْمِل معه؟
نقول: الأفضل أن نكمل معه، ودليل ذلك من وجهين:
الوجه الأول قول النبي صلى الله عليه وسلم في قيام رمضان: «إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ» (8) ومن جلس ينتظر حتى يصليَ الإمام إلى الوتر ثم أوتر معه، فإنه لم يصلِّ مع الإمام حتى ينصرف؛ لماذا؟ لأنه ترك جزءًا كبيرًا من صلاته.
الوجه الثاني عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» (22) وهذا يشمل كل فعل فعله الإمام ما لم يكن منهيًّا عنه، والزيادة على إحدى عشرة منهيٌّ عنها أو لا؟ أبدًا، ليس منهيًّا عنها، وحينئذٍ نتابع الإمام.
أما لو كانت الزيادة منهيًّا عنها مثل أن يصلي الإنسان صلاة الظهر خمسًا فإننا لا نتابعه.
إذن نقول: الأفضل لمن صلى خلف إمام يصلي ثلاثًا وعشرين أو أكثر الأفضل أن يصلي معه جميع ما يصلي، والدليل هذان الحديثان اللذان أشرت إليهما، ثم إنه ينبغي أن نعلم أيها الإخوة أن اتفاق الأمة مقصود قصدًا أوليًّا بالنسبة للشريعة الإسلامية؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون: 52]، والتنازع بين الأمة أمر مرفوض، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: 105]، وقال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: 13]، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: 159]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُم» (23)، يقوله في تساوي الناس في الصف.
ولما صلى عثمان رضي الله عنه في مِنى في الحج صلى الرباعية أربعًا ولم يُقْصِر (24) بعد أن مضى من خلافته ثماني سنوات، وأنكر الناس عليه، وقالوا: قصر النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وأنت في أول خلافتك، لكنه رضي الله عنه تأوَّل، فكان الصحابة الذين ينكرون عليه يصلُّون خلفه أربعًا وهم ينكرون عليه، مع أن هذه زيادة متصلة في الصلاة مُنْكَرَةٌ عندهم، ولكن تابعوا الإمام فيها.
فما بالك بزيادة منفصلة، لا تُؤَثِّر لو تعمدها الإنسان، ما أثرت على بطلان الصلاة، ونحن نقول: إننا متمسكون بالسنة ومتَّبِعون لآثار الصحابة ثم نخالف في هذه المسألة.
إني أقول: إن كل إنسان يقول: إنه متبع للسنة ومتبع لهدي السلف؛ فإنه لا يسعه أن يدع الإمام إذا صلى ثلاثًا وعشرين ويقول: أنا سأتبع السُّنَّة إحدى عشرة؛ لأنك مأمور بمتابعة إمامك مَنْهِيٌّ عن المخالفة، ولست منهيًّا عن الزيادة عن إحدى عشرة.
فالمهم أنه يجب على طلبة العلم خاصة، وعلى الناس عامة أن يحرصوا على الاتفاق مهما أمكن؛ لأنه مُنْيَة أهل الفسق وأهل الإلحاد، منيتهم أن يختلف أصحاب الخير؛ لأنه لا يوجد سلاح أشدُّ فتكًا من الاختلاف أبدًا، لما قال موسى للسحرة: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه: 61] اللي حصل أنهم تنازعوا أمرهم بينهم، لما تنازعوا خلاص فشلوا وذهبت ريحهم.
فهذا الخلاف الذي نجده من بعض الإخوة الحريصين على اتباع السنة في هذه المسألة وفي غيرها أيضًا، أنا أرى أنه خلاف السنة، وخلاف ما تقصده الشريعة من تَوَحُّد الكلمة واجتماع الكلمة، لأن هذا أمر سائغ ولله الحمد، ليس أمرًا محرمًا ولا منكرًا، أمر يسوغ فيه الاجتهاد، فكوننا نُوَلِّد الخلاف ونشحن القلوب من العداوة والبغضاء والهزء بهؤلاء الذين يخالفوننا في الرأي مع أنه سائغ لا شك أنه خلاف السنة، فالواجب على الإنسان أن يحرص على اجتماع الكلمة مهما أمكن.
طالب: المتابعة في الختمة يا شيخ.
الشيخ: حتى المتابعة في الختمة لا بأس أيضًا؛ لأن الختمة نص الإمام أحمد رحمه الله وغيره من أهل العلم: على أنها سُنَّة، على أنه يستحب أن يَخْتِمَ بعد انتهاء القرآن قبل الركوع، وهي وإن كانت من ناحية السُّنَّة ليس لها دليل لكن ما دام أئمة المسلمين قالوا بها ولها مساغ أو اجتهاد، وليكن مخطئًا: لكن ما دام ليس فيه حرام؛ فلماذا نخرج أو نُسَفِّه أو نخطئ أو نبدِّع مَنْ فعل؟ أنت لا تفعلها إذا كان الأمر إليك، ولكن إذا كان إمامك يفعلها فلا مانع.
انظروا إلى الأئمة الذين يعرفون مقدار الاتفاق، كان الإمام أحمد رحمه الله يرى أن القنوت في صلاة الفجر بدعة، ويقول: إذا كنتَ خلف إمام يقنت فتابعه على قنوته، وأَمِّن على دعائه، أكثر من هذا! كل ذلك من أجل اتحاد الكلمة، واتفاق القلوب، وعدم الكراهة بعضنا لبعض.
يقول المؤلف: (ويوتر المتهَجِّد بعده) أي: بعد تهجده، يعني: إذا كان الإنسان يحب أن يتهجد بعد التراويح، والتراويح تفعل متى؟ بعد العشاء في أول الليل، وهذا رجل يحب أن يتهجد في آخر الليل، فهل يوتر مع الإمام أو يوتر بعده؟
يقول المؤلف: (يوتر بعده)؛ يعني ولا يوتر مع الإمام؛ لأنه لو أوتر مع الإمام خالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» (25) لكن لا يوتر مع الإمام، ويوتر بعد تهجده، إذن إذا قام الإمام ليوتر ينصرف هو ولا يوتر معه، هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله.
وقال بعض العلماء: بل يوتر مع الإمام ولا يتهجَّد بعده؛ لأن الصحابة لما طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يُنْفِلَهم بقيةَ ليلتهم قال: «مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيامُ لَيْلَةٍ» (8)، وفي هذا إشارة إلى أن الأولى الاقتصار على الصلاة مع الإمام؛ لأنه لم يرشدهم إلى أن يَدَعُوا الوتر مع الإمام ويصلوا في آخر الليل؛ فدلَّ هذا على أنه يَحْصُل له قيام الليل كأنه قامه فعلًا، فيكتب له أجر العمل مع راحته، وهذه نعمة.
هناك أيضًا طريق أخرى وهو قوله: (فإن تبع إمامه شفعه بركعة) إن تبع إمامه شفعه؛ أي: شفع وتر إمامه بركعة من أجل أن يكون آخر صلاته وترًا.
إذن يتابع الإمام، فإذا سَلَّم الإمام من الوتر قام فأتى بركعة وسلَّم، فيكون صلى ركعتين، أي: لم يوتر، فإذا تهجد في آخر الليل أوتر بعد التهجد، فيحصل له في هذا العمل متابعة الإمام حتى ينصرف، ويحصل معه أيضًا أن يجعل آخر صلاته بالليل وترًا، وهذا عمل طيب.
فإن قال قائل: من أين لكم أنه يجوز أن يخالف المأموم إمامه بالزيادة على ما صلى إمامه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» (22)؟
قلنا: الدليل لنا على هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان يصلي في أهل مكَّة في غزوة الفتح كان يصلي بهم ركعتين، ويقول: «يَا أَهْلَ مَكَّةَ، أَتِّمُوا، فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ» (26) فكانوا يَنْوُون الأربع وهو ينوي ركعتين، فإذا سلَّم من الركعتين قاموا فأكملوا، هذا الذي دخل مع إمامه في الوتر لم يَنْوِ الوتر وإنما نوى الشفع، يعني: نوى ركعتين، فإذا سلم إمامه قام فأتى بالركعة، وهذا قياس جَلِيٌّ، واضح ليس فيه إشكال.
فإن قال قائل: ألا يخالف هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ»؟
قلنا: لا يخالفه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: من قام مع الإمام فانصرف معه كتب له قيام ليلة، بل جعل غاية القيام حتى ينصرف الإمام، وهذا لا ينافي الزيادة، أَمَّا لو قال: من قام مع الإمام وانصرف معه كُتِبَ له قيام ليلة فهذا يحتمل أن يقال: إن مَنْ زاد على الإمام لا يعد منصرفًا معه؛ لأن الإمام انصرف قبله والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ» فأنا قمت مع الإمام حتى انصرف وزدت ركعة وهذا لا ينافي قوله: «مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ».
قال: (ويُكْرَه التَّنَفُّلُ بينها) التنفل بين التراويح مكروه، وهذا يقع على وجهين:
الوجه الأول: أن يتنفل والناس يصلون، وهذا لا شك في كراهته؛ لماذا؟ لخروجه عن جماعة الناس، الناس يصلون تراويح، وأنت تقوم تصلي وحدك؟
قال: والله أنا عَجِل، الإمام يقرأ نصف صفحة بالركعة وأنا عجل، بأقرأ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: 1] و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]، وأؤدي عشرة ركعات وأوتر وأمشي قبل أن يصلي الإمام تسليمتين معلوم هذا ولّا لا؟ نقول: هذا مكروه، كيف تُصَلِّى وحدك والمسلمون يُصَلِّون جماعة؟ هذا لا شك في كراهته.
فإن قال: أنا الآن قد فاتتني الصلاة فصليت الفريضة، وأريد أن أصلي راتبة العشاء؟
نقول: لا مانع، ادخل مع الإمام في التراويح بنِيَّة الفريضة، يعني: بنية العشاء، فإذا سلَّم فقم وائت بكم ركعة؟ بركعتين تكمل الفريضة، ثم ادخل معه في التراويح بنية راتبة العشاء، فإذا صليت راتبة العشاء ادخل معه في التراويح، ولا يضر اختلاف نية الإمام والمأموم، يعني: يجوز أن الإمام ينوي النافلة والمأموم ينوي فريضة، والغريب أن هذا منصوص الإمام أحمد نص عليه الإمام أحمد نفسه بأنه يجوز أن يصلي الإنسان صلاة العشاء خلف من يصلي التراويح، وهذا هو الصحيح هذا وجه.
الوجه الثاني أن يصلي بين التراويح إذا جلسوا للاستراحة، لأننا مر علينا أنها سميت تراويح؛ لأنهم يصلون أربعًا ثم يستريحون في هذه الاستراحة.
قام رجل يتنفل، نقول: لا تتنفل، قال: يا جماعة تمنعونني من فضل الله، نقول: لكننا نمنعك بما اختار الله أن توافق من الجماعة والمسلمين لا تتنفل؛ ولهذا قال: (يُكْرَه التَّنَفُّل بينها).
(لا التعقيب في جماعة) ويش معنى التعقيب؟ التعقيب قالوا: معناه أن يصلِّي بعدها، وبعد الوتر في جماعة، وظاهر كلامهم: ولو في المسجد.
مثال ذلك: صلوا التراويح في المسجد، وقالوا: يا جماعة في آخر الليل احضروا لنقيم جماعة، يقول المؤلف: إن هذا لا يُكْرَه، ولكن هذا القول ضعيف، لأنه مستند إلى أثر عن أنس بن مالك رضي الله عنه -والله أعلم بصحته عنه- أنه قال: لا ترجعوا إلا لخير ترجونه (27) يعني: لا ترجعوا إلى الصلاة إلَّا لخير ترجونه، لكن هذا الأثر إن صح عن أنس معارض لقوله صلى الله عليه وسلم: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلَ وِتْرًا» (25) وهؤلاء الجماعة صلوا التراويح والوتر ثم عادوا جماعة بعد التراويح والوتر.
إذن نسأل الآن: ما هو التعقيب؟ صلاة الجماعة بعد التراويح والوتر، وليس بمكروه للأثر المروي عن أنس، والصحيح أنه مكروه أقل أحواله أن يكون مكروهًا لأنه مخالف لقول النبي صلى الله عليه وسلم «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» وهذا القول إحدى الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله، وأطلق الروايتين في المقنع والفروع والفائق وغيرها؛ يعني أن الروايتين متقابلتين بالنسبة للإمام أحمد، لا يرجح إحداهما على الأخرى فالصحيح أنه مكروه.
نعم، لو أن هذا التعقيب جاء بعد التراويح وقبل الوتر، لكان القول بعدم الكراهة صحيحًا، وهو عمل الناس الآن في العشر الأواخر من رمضان؛ يصلي الناس صلاة التراويح في أول الليل، ثم يرجعون في آخر الليل، ويقومون يتهجدون فهذا صحيح، يعني أنه غير مكروه فصار التعقيب حسبما قال الفقهاء: إنه بعد صلاة التراويح والوتر، وقالوا: إنه غير مكروه، نقول: الصحيح أنه مكروه، أما إذا كان بعد التراويح وقبل الوتر فهذا ليس بمكروه.
قال: (التعقيب في جماعة)، ثم قال المؤلف: (ثم السنن الراتبة) ثم بعد أيش؟ بعد التراويح، يعني: يلي التراويح السنن الراتبة، ولكن في هذا شيء من النظر؛ لأنه مر علينا في أول كتاب التطوع، ويش يقول المؤلف: (آكدها كسوف، ثم استسقاء، ثم تراويح، ثم وتر) فينبغي أن نقول: ثم السنن، يعني: ثم يلى الوترَ، ما هو التراويح، ثم يلى الوترَ السننُ الرواتب، فتكون السنن الرواتب على كلام المؤلف في المرتبة؟
طالب: الخامسة.
طالب آخر: السادسة.
الشيخ: الخامسة، السادسة، السابعة؟
طالب: الخامسة.
الشيخ: كسوف، ثم استسقاء، ثم تراويح، ثم وتر، ثم رواتب خامسة، طيب الخامسة.
(ثم السنن الراتبة) الراتبة يعني الدائمة المستمرة، وهي تابعة للفرائض، سنن راتبة يعني: مستمرة ثابتة تابعة للفرائض.
قال المؤلف: (ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر) هذه عشر ركعات، عُدَّها؟
طالب: ركعتان قبل الصبح، وركعتان قبل الظهر.
الشيخ: بعد الظهر ولّا قبل؟
طالب: قبل.
الشيخ: قبل الظهر.
طالب: ركعتان قبل الظهر وبعد الظهر.
الشيخ: وبعد الظهر ركعتان.
طالب: وركعتان قبل المغرب.
الشيخ: ركعتان قبل المغرب.
طالب: وركعتان قبل العشاء.
الشيخ: قبل العشاء! إذن معناه لست تصلي الرواتب، هذه ما تحتاج إلى فقه؛ لأن الناس كلهم يصلونها.
طالب: ركعتان قبل الفجر وركعتان قبل الظهر وركعتان بعد الظهر وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء.
الشيخ: كم هذه؟
طالب: هذه عشرة.
الشيخ: هذه عشر ركعات؛ ركعتان قبل الفجر وركعتان قبل الظهر وركعتان بعده وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء، عشر.
إذن صلاة العصر ليس لها سنة راتبة، ولّا لا؟ وهو كذلك، ليس لها سنة راتبة، لكن لها سنة مطلقة، وهي السنة الداخلة في قوله صلى الله عليه وسلم: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ» (28).
وقول المؤلف: إن الرواتب عشر، استند في ذلك إلى حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ركعات (29) وذكرها.
ولكن القول الثاني في المسألة أن السنن الرواتب اثنتا عشرة ركعة؛ استنادًا إلى ما ثبت في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يَدَعُ أربعًا قبل الظهر (30) وكذلك صح عنه أن «مَنْ صَلَّى اثْنَتَي عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» (31) وذكر منها أربعًا قبل الظهر، والباقي كما سمعتم.
وعلى هذا فالقول الصحيح أن الرواتب اثنتا عشرة ركعة؛ ركعتان قبل الفجر، وأربع قبل الظهر وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء.
والأحاديث في هذا مشهورة يعني: أدلة هذه الرواتب مشهورة، وفائدتها أي هذه الرواتب أنها ترقع الخلل الذي يحصل في هذه الصلوات المفروضة.
قال: (وركعتان قبل الفجر وهما) أي: الركعتان قبل الفجر (آكدها) أي: آكد هذه الرواتب.
ودليل آكديتهما: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» (32) سبحان الله ركعتان خفيفتان تصليهما قبل الفجر خير من الدنيا وما فيها، اللهم لك الحمد، الدنيا ما هي؟ الدنيا اللي أنت فيها فقط؟ الدنيا منذ خلقت إلى قيام الساعة بما فيها من كل الزخارف من ذهب وفضة ومتاع وقصور ومراكب وغير ذلك، هاتان الركعتان خير من الدنيا وما فيها؛ لأن هاتين الركعتين باقيتان والدنيا زائلة، فهاتان الركعتان خير من الدنيا وما فيها.
ودليل آخر على آكديتهما أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان لا يَدَعُهُما حَضَرًا وَلَا سَفَرًا (33) وهذا يدل على تأكدهما.
تختص هاتان الركعتان بأمور:
أولًا: أنه يُسَنُّ تخفيفهما، خَفِّفْهُما بقدر ما تستطيع، لكن بشرط ألَّا تُخِلَّ بواجب؛ لأن عائشة رضي الله عنها قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم يخففهما حتى إني أقول: أَقَرَأَ بأمِّ الكتاب؟ (34) من شدة تخفيفه إياهما.
ثانيًا: أن لهما قراءة خاصة يقرأ في الركعة الأولى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1]، وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]، أو في الأولى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: 136] الآية في سورة البقرة و ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا﴾ [آل عمران: 64] الآية في سورة آل عمران، فتقرأ أحيانًا بسورتي الإخلاص، وأحيانا بآيتي البقرة وآل عمران، وإن كنت لا تحفظ آيتي البقرة وآل عمران، فاقرأ بسورتي الإخلاص.
ثالثًا: أنه يُسَنُّ بعدهما الاضطجاع على الجنب الأيمن، وهذا الاضطجاع اختلف العلماء فيه؛ فمنهم من قال: إنه ليس بسُنَّةٍ مطلقًا.
ومنهم من قال: إنه سنة مطلقًا.
ومنهم من قال: إنه سُنَّةٌ لمن يقوم الليل؛ لأنه يحتاج إلى راحة حتى ينشط لصلاة الفجر.
ومنهم من قال: إنه شرط لصحة صلاة الفجر، وأن من لم يضطجع بعد الركعتين فصلاة الفجر باطلة.
فالأقوال إذن أربعة: سنة مطلقًا، الثاني ليس بسنة مطلقًا، تفصيل؛ سنة لمن قام الليل دون غيره، شرط لصحة صلاة الفجر وإلى هذا ذهب ابن حزم رحمه الله، أنه شرط لصحة صلاة الفجر وقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فَلْيَضْطَجِعْ بَعْدَهُمَا» (35)، فأمر بالاضطجاع.
ولكن أولًا: هذا الحديث ضعيف، بل يكاد يكون موضوعًا؛ لأنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم من أمره، بل صح من فعله.
وثانيًا: ما علاقة هذا بصلاة الفجر؟ ! ولكن هذا يُدِلُّك على أن الإنسان مهما بلغ في العلم فلن يَسْلَم من الخطأ، الإنسان معرض للخطأ، كل إنسان معرض للخطأ.
وأصحُّ ما قيل في هذا ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وهو التفصيل؛ سُنَّة لمن يقوم الليل؛ لأنه يحتاج إلى أن يتريح، ولكن ماذا ترون بارك الله فيكم لو كان من الناس الذين إذا وضع جنبه على الأرض نام ولم يستيقظ إلا بعد ثلاث ساعات؛ هل يُسَنُّ له ذلك؟
طالب: حرام.
الشيخ: ليش؟
طالب: يفضي إلى ترك واجب.
الشيخ: هذا يفضي إلى ترك واجب، هذا ربما نقول: حرام عليك، ولا سيما إذا قلنا: إنه مشروع لمن يقوم الليل، فيكون النوم عنده ألذ من كل شيء فإذا نام ما قام، هذا نقول: لا تنم أبدًا ولا تفكر في النوم، من حين ما تصلي السنة اخرج إلى المسجد.
طالب: إذا دخل مع الإمام والإمام في التراويح، هل يحصل على أجر الجماعة؟
الشيخ: إي نعم، يحصل، لكنه ليس كأجر الجماعة الأولى.
طالب: الإمام أحمد نصَّ على أن يُصَلِّي خلف من يصلي التراويح، والمذهب يقولون: إن المفترض ما يصلي خلف..
الشيخ: إي نعم؛ لأن المذهب مذهبان مذهب شخصي ومذهب اصطلاحي، فما في كتب المتأخرين هذا مذهب اصطلاحي، أحيانًا يكون نصُّ الإمام أحمد على خلاف هذا الشيء لا في العبادات ولا في المعاملات.
طالب: جزاك الله خيرًا يا، شيخ في رمضان بعض المصلين الذين يصلون التراويح يجلسون حتى يقترب الإمام من الركوع ثم يقومون يبدأون الركوع مع الإمام تكاد تفوتهم..
الشيخ: ويش يزينون دولا؟
طالب: يستريحون استراحة.
الشيخ: إذا كان لحاجة لا بأس، أما إذا كان لغير حاجة فأخشى ألا يكونوا قاموا مع الإمام حتى ينصرف لأنهم تأخروا عن الإمام.
طالب: سنة ما بين الأذانين هل يدوام الإنسان عليها دائمًا؟
الشيخ: لا، لأنه لو داوم عليها صارت راتبة.
طالب: أحسن الله إليك، ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الوتر ركعتين هل يدل هذا على عدم كراهية التعقيب؟
الشيخ: لا، أولًا أن أكثر فعله أنه ما يصلي عليه الصلاة والسلام ركعتين، هذا أكثر فعله، وكان يصلي أحيانًا ركعتين جالسًا، ما هو قائم.
فالعلماء اختلفوا في هذا؛ فمنهم من قال: إن هذا فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يمكن أن يعارض فعلُه قولَه، فإذا كان «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» (25) فهذا قول صريح، وإذا فعل هو -صلى ركعتين جالسًا بعد الوتر- ولم يكن يداوم عليها؛ فهذا لا يمكن أن نجعله تاركًا لهذا الحديث؛ لأن فيه تعارضًا، وفعله لا يعارض قولَه، وهذا جواب سديد بلا شك.
وقال ابن القيم في توجيه هاتين الركعتين: إن هاتين الركعتين بمنزلة الراتبة لصلاة الفريضة؛ يعني أنها تابعة للوتر، فلا تنافي أن يكون جعل آخر صلاته بالليل وترًا، قال: ودليل ذلك أنه جلعها في مرتبة أقل من الوتر، كان يصليها وهو جالس، ما أدري هل هو قال هذا أو إنها من عندي؟ لكن إنما هو قال: إنها بمنزلة الراتبة التابعة للفريضة.
الطالب: (... ) أجمعين، قال المؤلف رحمه الله تعالى: السنن الراتبة: ركعتان قبل الظهر وركعتان بعدها وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء وركعتان قبل الفجر وهما آكدها، ومن فاته شيء منها سُنَّ له قضاؤه.
وصلاة الليل أفضل من صلاة النهار، وأفضلها ثلث الليل بعد نصفه، وصلاة ليل ونهار مثنى مثنى، وإن تَطَوَّع في النهار بأربع كالظهر فلا بأس، وأجر صلاة قاعدًا على نصف أجر صلاة قائمًا، وتُسَنُّ صلاة الضحى، وأقلُّها ركعتان وأكثرها ثمان، ووقتها من خروج وقت النهي إلى قُبَيْل الزوال.
وسجود التلاوة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
التعقيب في التراويح ما حكمه؟
طالب: على المذهب لا يجوز، وعلى قول المؤلف لا يُكْرَه.
الشيخ: نعم لا يكره عند المؤلف، وما هو التعقيب؟
طالب: التعقيب هو بعد أن يصلوا التراويح ويوتروا يصلون في جماعة.
الشيخ: بعد أن يصلوا بعد التراويح والوتر يصلون جماعة.
القول الثاني؟
طالب: قول إنه يكره.
الشيخ: يكره، ما هو دليل القول الأول ودليل القول الثاني؟
طالب: دليل القول الأول: استندوا إلى أثر عن أنس قال: فارجعوا إلا لخير ترجونه، ودليل القول الثاني: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» (36).
الشيخ: لا.
طالب: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ مِنَ اللَّيْلِ وِتْرًا».
الشيخ: أحسنت، وهذا هو الصحيح.
السنن الرواتب لماذا سميت رواتب؟
طالب: لأنه يداوم عليها.
الشيخ: لأنه يداوم عليها، هل هي مستقلة أو تابعة؟
طالب: تابعة للصلوات.
الشيخ: للصلوات الخمس ولّا الأربع؟
طالب: الأربع، العصر..
الشيخ: العصر ليس لها سُنَّة راتبة، اذكرها؟
طالب: ركعتان قبل الفجر، وأربع ركعات قبل الظهر..
الشيخ: لا، امش على ما قال المؤلف.
طالب: ركعتان قبل الظهر وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر.
الشيخ: نعم أحسنت، هذه عشر، القول الثاني: أن الرواتب؟
طالب: اثنتا عشر ركعة.
الشيخ: اثنتا عشرة ركعة، والدليل؟
طالب: الدليل حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدع أربعًا قبل الظهر.
الشيخ: «كَانَ لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ» (30)، وحديث أم حبيبة أيضًا: «مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» (31)، تتميز راتبة الفجر عن غيرها بأمور قلها.
طالب: يُسَنُّ فيها التخفيف؛ لقول عائشة رضي الله عنها.
الشيخ: اصبر ما بعد طلبنا الدليل، الأمر أنه يُسَنُّ تخفيفهما والثاني؟
طالب: لها قراءة خاصة.
الشيخ: أنها يقرأ فيها بسور خاصة، والثالث؟
طالب: يُسَنُّ الاضطجاعُ بعدها.
الشيخ: هذا ما هو متفق عليه، الثالث؟
طالب: ما تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: أنها تُسَنُّ حضرًا وسفرًا، هذه ثلاثة أشياء.
طالب: أنها تُفْعَل، ولا (... ) يعني بعد الصلاة.
الشيخ: لا، ما هي بخاصة، إذن ثلاثة أشياء؛ تخفيف، تعيين قراءة، أنها يُحافَظ عليها في الحضر والسفر، ما هي القراءة المعينة فيها؟
طالب: القراءة المعينة هي سورة (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ)، وسورة الإخلاص، وآية من سورة البقرة.
الشيخ: أو يجمع بين الأربع يعني تقرأ: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وآية البقرة والإخلاص وآية آل عمران؟
طالب: لا، بعض الأحيان هذا، وبعض الأحيان هذا.
الشيخ: يعني: بعض الأحيان (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وآية البقرة؟
طالب: لا مع الإخلاص.
الشيخ: وآية البقرة مع؟
طالب: مع الإخلاص.
الشيخ: وآية البقرة مع الإخلاص! ويش تقول؟ !
طالب: لا، تقرأ (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) والإخلاص.
الشيخ: هذه مرة يعني أحيانًا.
طالب: أحيانًا وأحيانًا يقرأ: ﴿قُولُوا آمَنَّا﴾ [البقرة: 136] البقرة، وتقرأ؟
الشيخ: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا﴾ من آل عمران، التخفيف ما دليله؟
طالب: دليله حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُخَفِّف حتى يقال.
الشيخ: «كَانَ يُخَفِّفُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ حَتَّى أَقُولَ أَقَرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ الْكِتَابِ»، الخصيصة الثالثة؟
طالب: تُفْعَل في السفر والحضر.
الشيخ: الدليل؟
طالب: الدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يتركها، فَعْل النبي في السفر ولا في الحضر.
الشيخ: وحديث عائشة: «مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ» (37) وفيه أيضًا: «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» (32).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومن فاته شيء منها سُنَّ له قضاؤه) (مَنْ) اسم شرط، فعل الشرط (فاته)، وجوابه (سُنَّ له قضاؤه)، من فاته شيء من هذه الرواتب فإنه يُسَنُّ له قضاؤه، بشرط أن يكون الفوات لعذر.
ودليل ذلك ما ثبت من حديث أبي هريرة وأبي قتادة في قصة نوم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم في السفر عن صلاة الفجر (38)؛ حيث صلى النبي صلى الله عليه وسلم راتبة الفجر أولًا، ثم الفريضة ثانيًا.
وكذلك أيضًا حديث أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم شُغِلَ عن الركعتين بعد صلاة الظهر، وقضاهما بعد صلاة العصر (39)، وهذا نص في قضاء الرواتب.
دليل ثالث عام: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَها فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَها» (40) وهذا يَعُمُّ الفريضة والنافلة، هذا إذا تركها لعذر كالنسيان والنوم والانشغال بما هو أهم.
أما إذا تركها عمدًا حتى فات وقتها فإنه لا يقضيها، ولو قضاها لم تصح منه راتبة؛ وذلك لأن الرواتب عبادات موقتة، والعبادات الموقتة إذا تعمد الإنسان إخراجها عن وقتها لم تُقْبَل منه.
ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (41)، والعبادة الموقتة إذا أخرتها عن وقتها عمدًا فقد عملت عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله؛ لأن أمر الله ورسوله يقول لك: صلِّها في هذا الوقت، فإذا تعمدت إخراجها فقد فعلتها على غير أمر الله ورسوله فلا تكون مقبولة.
وأيضًا فكما أنها لا تصح قبل الوقت فلا تصح كذلك بعده؛ لعدم وجود الفرق الصحيح بين أن تفعلها قبل دخول وقتها أو بعد خروج وقتها إذا كان لغير عذر.
إذن كلام المؤلف في قوله: (من فاته شيء منها سُنَّ له قضاؤه) يجب أن يقيد بماذا؟ بما إذا فاته لعذر، وربما يشعر به قوله: (من فاته شيء) لأن الفوات سَبْقٌ لا يُدْرَك، والمؤلف لم يقل: ومن لم يصلها فليقضها، قال: (من فاته)، والفوات -كما قلت لكم- سبق لا يدرك، ومنه قولهم: من فاته الوقوف بعرفة فاته الحج.
ثم قال المؤلف رحمه الله فصل: (وصلاة الليل أفضل من صلاة النهار).
الصلاة نوعان؛ نوع مطلق ونعني بذلك النوافل، ونوع مقيد؛ أما المقيد فهو أفضل في الوقت الذي قُيَّد به، أو في الحال التي قيد بها.
فمثلًا سنة المسجد إذا دخلت أفضل من صلاة الليل، ولو كانت في النهار؛ لماذا؟ لأنها مقيدة بحال من الأحوال وهي دخول المسجد، سنة الوضوء إذا توضأت فإنه يُسَنُّ لك أن تصلي ركعتين أفضل من صلاة الليل، ولو كانت في النهار؛ لأنها مقيدة بسبب من الأسباب.
لكن النفل المطلق الذي يريد المصلي أن يقوم فيصلي: لأن الصلاة يُسَنُّ الإكثار منها كل وقت كما قال النبي عليه الصلاة والسلام للرجل الذي قال: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: «أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ؟ » قال: هو ذاك، قال: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكِ بِكَثْرَةِ السِّجُودِ» (42).
المهم أن الصلاة المطلقة هي في الليل أفضل منها في النهار؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ» (43).
فإذا قال قائل: أيهما أفضل أن أصلي ركعتين في الليل نفلًا مطلقًا أو ركعتين في النهار؟
قلنا: في الليل، والليل يدخل من غروب الشمس، فالصلاة مثلًا بين المغرب والعشاء أفضل من الصلاة بين الظهر والعصر؛ لأنها صلاة ليل فهي أفضل.
قال المؤلف: (وأفضلها) أي: صلاة الليل (ثُلُثُ الليل بعد نصفه)؛ يعني: أنك تُقَسِّم الليل أنصافًا، ثم تقوم في الثلث من النصف الثاني، تقوم ثلث الليل من النصف الثاني، وفي آخر الليل تنام.
ودليل ذلك: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ دَاوُدَ؛ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ» (44)، وفي صحيح البخاري (45) عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما أَلْفَاهُ يعني: النبي صلى الله عليه وسلم السَّحَرَ عِنْدِي إِلَّا نَائِمًا، يعني معناه: أنه كان النبي عليه الصلاة والسلام ينام في السحر في آخر الليل، فهذان دليلان.
وهناك تعليل: وهو أن نوم الإنسان بعد القيام يُكسِب البدن قوة ونشاطًا، فيقوم لصلاة الفجر وهو نشيط.
تعليل آخر أنه إذا نام سدس الليل نقضت هذه النومة سهره، وأصبح أمام الناس وكأنه لم يقم الليل، فيكون في هذا إبعاد له عن الرياء، بخلاف ما لو قام إلى الفجر فإنه تجده في أول النهار ينعس فيقول الناس: هذا الرجل لم يبت الليل إلا قائمًا.
وأَفْضَلُها ثُلُثُ الليلِ بعدَ نِصفِه، وصلاةُ ليلٍ ونهارٍ مَثْنَى مَثْنَى وإن تَطَوَّعَ في النهارِ بأربعٍ كالظُّهْرِ فلا بَأْسَ، وأَجْرُ صلاةِ قاعدٍ على نصفِ أجْرِ صلاةِ قائمٍ.
وتُسَنُّ (صلاةُ الضُّحَى)، وأَقَلُّها رَكعَتانِ وأَكثرُها ثَمَانٌ، ووَقْتُها من خروجِ وقتِ النَّهْيِ إلى قُبَيْلِ الزوالِ.
و(سُجودُ التِّلاوةِ) صلاةٌ يُسَنُّ للقَارئِ والْمُسْتَمِعِ دونَ السامعِ، وإن لم يَسْجُد القارئُ لم يَسْجُدْ، وهو أربعَ عشرةَ سَجدةً في الْحِجِّ منها اثنتان،
تعليل آخر أنه إذا نام سدسَ الليل نقضت هذه النومةُ سهرَه وأصبح أمام الناس وكأنه لم يقم الليل؛ فيكون في هذا إبعاد له عن الرياء، بخلاف ما لو قام إلى الفجر فإنه تجده في أول النهار ينعس فيقول الناس: هذا الرجل لم يبت الليل إلا قائمًا.
إذن الأفضل ثلث الليل بعد النصف لينام في آخر الليل.
فإن قال قائل: لماذا لا تجعلون الأفضل ثلث الليل الآخر؛ لأن ذلك وقت النزول الإلهي؟
فنقول جوابًا عليه: إن الذي يقوم ثلث الليل بعد نصفه سوف يدرك نصف النزول الإلهي؛ لأنه سيأخذ السدس الأول من الثلث الأخير فيحصل المقصود.
والنبي عليه الصلاة والسلام هو الذي قال: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ دَاوُدَ» (1) وفصَّلها صلى الله عليه وسلم فهذا الرجل الذي يقوم الثلث بعد النصف لا يفوته النزول الإلهي؛ ولهذا قال: (أفضلها ثلث الليل بعد نصفه).
يبقى النظر من أين يتقيَّد النصف؟ أو من أين يبتدئ وإلى أين ينتهي؟
الظاهر أنه من غروب الشمس إلى طلوع الفجر فيكون في الشتاء بعد مُضِيِّ ست ساعات من الغروب؛ لأن الشتاء ليله اثنتا عشْرة ساعة، ويكون في مثل هذا الوقت بعد خمس ساعات من الغروب؛ لأن هذه الأيام الليل حوالي عشر ساعات، المهم أنه يختلف، فقس من غروب الشمس إلى طلوع الفجر والنصف نصف ما بينهما هذا هو نصف الليل.
قال: (وأفضلها ثلث الليل بعد نصفه، وصلاة ليل ونهار مثنى مثنى).
صلاة الليل والنهار مثنى مثنى يعني اثنتين اثنتين فلا يصلي أربعًا جميعًا وإنما يصلي اثنتين اثنتين؛ لما ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما تقول أو ما ترى في صلاة الليل؟ قال: «مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً فََأَوْتَرَتْ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى» (2)، وهذا ثابت في الصحيحين وغيرهما أن صلاة الليل مثنى مثنى.
وأما النهار فقد رواها أهل السنن واختلف العلماء في تصحيحها، والصحيح أنها ثابتة كما صحح ذلك البخاري رحمه الله، وعلى هذا فتكون صلاة الليل وصلاة النهار كلتاهما مثنى مثنى يسلِّم من كل اثنتين.
ويُبنى على هذه القاعدة كل حديث ورد بلفظ الأربع من غير أن يُصرَّح فيه بنفي التسليم؛ يعني أنه إذا جاءك حديث فيه أربع ولم يُصرَّح بنفي التسليم فإنه يجب أن يحمل على أنه يسلم من كل ركعتين؛ لأن هذه هي القاعدة، والقاعدة تُحمَل الجزئيات عليها.
فقول عائشة رضي الله عنها لما سُئِلت عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان، قالت: مَا كَانَ يَزيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً؛ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ (3)، فإن ظاهر الحديث أن الأربع بسلام واحد، ولكن يحمل هذا الظاهر على القاعدة العامة؛ وهي: أن صلاة الليل مثنى مثنى كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويقال: إنها ذكرت أربعًا وحدها ثم أربعًا وحدها؛ لأنه صلى أربعًا ثم استراح بدليل (ثم) التي للترتيب والمهلة.
إذا كانت صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، فما الحكم لو قام الإنسان في صلاة الليل إلى ثالثة ورابعة؟
الحكم أن صلاته تَبْطُل إذا تعمد؛ لأنه إذا تعمد الزيادة على اثنتين فقد خالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدالَّ على أن صلاة الليل مثنى مثنى، وإذا خالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (4)؛ ولهذا قال الإمام أحمد: إذا قام إلى ثالثة في صلاة الليل فكأنما قام إلى ثالثة في صلاة الفجر، ومن المعلوم أنه إذا قام إلى ثالثة في صلاة الفجر متعمِّدًا بطلت صلاته بالإجماع، فكذلك إذا قام إلى ثالثة في التطوع في صلاة الليل، فإن صلاته تبطُل إن كان متعمدًا، وإن كان ناسيًا وجب عليه الرجوع متى ذكر ويسجد للسهو متى؟
طلبة: بعد السلام.
الشيخ: بعد السلام؛ من أجل الزيادة.
وبه نفهم جهل من يتعمَّد في التراويح في رمضان إذا قام إلى ثالثة، ثم ذُكِّر يتعمد أن يستمر ثم يفتي نفسه ويقول: إن استتم قائمًا كره الرجوع وإن شرع في القراءة حَرُم الرجوع، فيكون جاهلًا مركَّبًا؛ لأن هذا الحكم فيمن قام عن التشهد الأول، أما من قام إلى زائدة فحكمه وجوب الرجوع على كل حال، لكن مشكلتنا أن من الناس من يتكلم بما لا يدري وهذا خطير جدا؛ لأن الجهل المركب ضرره عظيم، فإن الجاهل المركب يرى أنه على حق، فهو يمد يدًا طويلة، وربما يعتقد أنه أعلم من الإمام أحمد وابن تيمية.
وهو كما قال حمارُ توما يقول:
قَالَ حِمَارُ الْحَكِيمِ تُومَا
لَوْ أَنْصَفَ الدَّهْرُ كُنْتُ أَرْكَبْ
توما رجل حكيم يدعي الحكمة ويركب على الحمار، وقال الحمار: .................................. لَوْ أَنْصَفَ الدَّهْرُ كُنْتُ أَرْكَبْ
ما هو اللي يركبني أنا اللي أركبه وعلل ذلك يعني جاء بالحكم والعلة، قال: لِأَنَّنِي جَاهِلٌ بَسِيطٌ وَصَاحِبِي جَاهِلٌ مُرَكَّبْ
والجاهل البسيط حاله أكمل من الجاهل المركب.
المهم على كل حال أن بعض الأئمة يذكر لي أنهم في رمضان إذا قاموا إلى ثالثة في التراويح ونُبِّهوا استمروا وجادلوا وقالوا: إن الإنسان إذا قام حتى شرع في القراءة حَرُم الرجوع.
وذكر لي أن بعض الناس يطرد هذه القاعدة فيما إذا قام إلى خامسة في الظهر يقول: إذا شرع في القراءة حَرُم الرجوع وهذه مشكلة.
إذا قام إلى ثالثة في النهار فمقتضى الحديث أن يكون كما لو قام إلى ثالثة في الليل وأنه حرام؛ يعني قصدي حرام أنها لو استمر لبطلت صلاته، لكن المؤلف يقول: (إن تطوع في النهار بأربع كالظهر فلا بأس) إن تطوع المصلي في النهار بأربع كالظهر فلا بأس.
وقوله: (كالظهر) يعني: بتشهدين تشهد أول وتشهد ثان، واستدل في الشرح بحديث أبي أيوب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل الظهر أربعًا لا يفصل بينهن بتسليم، ولكن الحديث ليس فيه أن الأربع تكون بتشهدين؛ ولهذا نرى أنه إذا صلى أربعًا بتشهُّدَين فهو إلى الكراهة أقرب بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تُوتِرُوا بِثَلَاثٍ؛ لَا تَشَبَّهُوا بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ» (5) وهذا يدل على أن الشارع يريد ألا تلحق النوافل بالفرائض.
والرجل إذا تطوَّع بأربع وجعلها كالظهر بتشهُّدَين فقد ألحق النافلة بالفريضة، فالصحيح أنه يُكْرَه أن يصلي أربعًا بتشهدين، وحديث أبي أيوب اللي ذكره المؤلف ما فيه أنه كان يجلس بعد الثانية وتشهَّد، ولكن مع ذلك إن صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه فعل هذا فمن المعلوم أن الواجب قبوله، وأن يكون هذا مستثنى من الحديث الذي هو قاعدة عامة في أن صلاة الليل والنهار مثنى مثنى.
ثم قال المؤلف: (وأجر صلاة قاعد على نصف أجر صلاة قائم) يعنى وتصح أو لا؟
طلبة: نعم، تصح.
الشيخ: تصح صلاة القاعد لكنه على النصف من أجر صلاة القائم، والمراد هنا في النفل؛ ولهذا ساقها المؤلف رحمه الله في صلاة التطوع، أما الفريضة فصلاة القاعد القادر على القيام ليس فيها أجر؛ لأنها صلاة باطلة إذ من أركان الصلاة في الفريضة القيام مع القدرة.
وقول المؤلف رحمه الله: (أجرُ صلاة القاعد) مراده إذا كان قاعدًا بلا عذر، أما إذا كان قاعدًا لعذر وكان من عادته أن يصلي قائمًا فإن له الأجر كاملًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» (6) وهذه من نعمة الله وتوجب للإنسان العاقل أن يُكثِر من النوافل ما دام في حال الصحة؛ لأن جميع النوافل التي يعملها في صحته إذا مرض وعجز عنها كُتِبَت له كاملة يعني: كأنه يفعلها، فعلى هذا نقول: أجر صلاة القاعد إذا كان لعذر وكان من عادته أن يصلِّيَ قائِمًا في حال القدرة كامل؛ للحديث الذي أشرت إليه أو الذي ذكرته: «مَنْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» أما إذا كان لغير عذر فهو على النصف من أجر صلاة القائم، فإذا كان أجر صلاة القائم عشر حسنات كان لهذا القاعد خمس حسنات.
وورد في الحديث: «وَأَجْرُ صَلَاةِ الْمُضْطَجِعِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ أَجْرِ صَلَاةِ الْقَاعِدِ (7)، لكن هذا الشطر من الحديث لم يأخذ به جمهور العلماء، ولم يروا صحة صلاة المضطجع إلا إذا كان معذورًا.
وذهب بعض العلماء إلى الأخذ بالحديث وقالوا: يجوز أن يتنفل وهو مضطجع، لكن أجره على النصف من أجر صلاة القاعد، فيكون بالنسبة للقائم على الربع من أجر صلاة القائم.
والحقيقة أن هذه الجملة من الحديث لو عُمِلَ بها لكان العمل بها صحيحًا وسديدًا؛ وذلك لأنها وردت في الحديث، وأيضا فيها تنشيط على صلاة النفل؛ لأن الإنسان أحيانًا يكون كسلان هو قادر أن يصلي قاعدًا لكن معه شيء من الكسل فيُحب أن يصلي وهو مضطجع، فمن أجل أن ننشطه على العمل الصالح نفلًا نقول صلِّ مضطجعًا، وليس لك إلا ربع صلاة القائم ونصف صلاة القاعد؛ ولهذا رَخَّص العلماء في صلاة النفل أن يشرب الماء اليسير من أجل تسهيل التطوع عليه، والتطوع أوسع من الفرض.
طالب: شيخ، قلنا: ينبغي في وقت السحر أن ينام الإنسان، والله سبحانه أثنى على عباده المؤمنين، ومن أوصافهم قال: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: 18]
الشيخ: إي نعم.
الطالب: (... )
الشيخ: ما يمنع؛ لأن السحر من آخر الليل، ما هو بآخر الليل مرة، ما هو بسدس الليل السحر، كل آخر ليل سحر.
الطالب: بارك الله فيكم النفل المطلق إذا الإنسان قيده واستمر على تقييده، فهل ينقلب النفل إلى أمر مُبْتَدَع؟
الشيخ: ما أظن هذا؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ».
(8)
الطالب: (... )؟
الشيخ: الظاهر أنه ما فيه مانع ما دام أنه مشروع في الجملة، لكن لا يعتقد أن هذا العدد نفسه مشروع.
طالب: شيخ، هو يعتقد أن هذا العدد هو أفضل من غيره.
الشيخ: لا، ما يجوز هذا إلا بدليل، لكن هو يتنفَّل نفلًا مطلقًا ويحافظ عليه.
الطالب: إذا فاتت الإنسان راتبة قبلية فكيف قضاؤها إذا كان لها راتبة بعدية؟
الشيخ: إذا فاتت القبلية ولها راتبة بعدية، فليصلِّ البعديَّة أولًا ثم القبلِيَّة كراتبة الظهر، فيصلي الراتبة البعديَّة ثم يصلي القبليَّة التي فاتته.
طالب: شيخ، المضطجِع كيف يُصَلِّي؟ إيماء ولَّا.. ؟
الشيخ: إي نعم، بالإيماء كالقاعد أيضًا، القاعد بيصلي بالإيماء.
الطالب: القاعد يمكن..
الشيخ: السجود فقط، أما الركوع فبالإيماء
الطالب: والمضطجع كله بالإيماء.
الشيخ: إي نعم، كله بالإيماء.
الطالب: أقول: أيش الأفضل للإنسان، وهو جالس يصلي أكثر، وإذا قام يصلي أقل، أيش الأكمل من هذا؛ القيام أو الجلوس؟
الشيخ: يقول: رجل إذا صلى قاعدًا أكثرَ من الصلاة، وإن صلى قائمًا قلَّل، فأيهما أفضل؟ الأفضل الثاني أن يصلي قائمًا، ويصلي نشاطه.
الطالب: حتى وإن صلى أضعاف قيامه؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: إذا صلى ركعة قاعدًا وركعة قائمًا، هل يُلْحَق بالقائم أو القاعد أو يكون بينهما؟
الشيخ: الظاهر إن كان لعذر فالأمر واضح، إن كان لغير عذر فله أجر ما عمل.
طالب: واحد يا شيخ بيسأل يقول: والله جاء الإمام وصلى بهم ست ركعات جمع سرد (... ) يجلس ويسلم، بعض الناس فارقوه (... ) سلم من الست (... ) ما يجوز وصلى أربعًا جميعًا بعد زيادة ومن بعد صلى وحده، وقال: هذه السنة، وأنه تابعة لحديث في البخاري ومسلم، حرام عليكم.
الشيخ: هذا سنده متصل.
الطالب: قال: حرام عليكم.
الشيخ: لا، هذا غلطان، هذا جاهل مركب معتدٍ بعد.
الطالب: إذا تطوع بالنهار نسي؛ نوى ركعتين ثم قام إلى ثالثة قال: أجعلها أربعًا (... )؟
الشيخ: الأفضل إنه يجلس ويتشهد ويسجد للسهو بعد السلام كالليل، الصحيح أن النهار كالليل إلا إذا ثبت أن الرسول تطوع بأربع، فما ثبت فهو أفضل، نعم.
طالب: أحسن الله إليكم، لم لا يحمل حديث أبي أيوب على حديث مثنى مثنى ويكون حديث أبي أيوب (... )؟
الشيخ: لا يقول: يفصل بينهن بتسليم؛ حديث أبي أيوب.
الطالب: حديث (... ) مثنى مثنى صلاة الليل، وصلاة النهار مثنى مثنى يكون معنى هذا أنه تشهد ويسلم، يُحْمَل هذا الحديث على هذا.
الشيخ: لكن يقول: ليس بينهم تسليم، أربع ليس بينهم تسليم.
الطالب: مريض تفوته صلاة الوتر، فهل يمكن أن يأتي بها بعد الظهر مثلًا أو يجب أن يبادر إليها؟ يشرع بها في النهار؟
الشيخ: نقول: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها، فوقتها عند ذكرها (... ).
بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (التراويح عشرون ركعة).
ما هو دليل كونها عشرين ركعة؟
طالب: أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأُبَيِّ بن كعب أن يقيم بالناس عشرين ركعة.
الشيخ: من أين لك هذا؟
طالب: أقول: هذا الأثر فيه نظر، ولحديث ابن عباس.
الشيخ: حديث ابن عباس مرفوعًا ولَّا موقوفًا؟
الطالب: حديث ابن عباس مرفوعًا لكنه ضعيف.
الشيخ: أحسنت، حديث ابن عباس مرفوعًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في رمضان عشرين ركعة (9)، لكنه ضعيف، ما هو العدد الصحيح؟
الطالب: إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة.
الشيخ: إحدى عشرة أو ثلاث عشرة، ما هو الدليل؟
الطالب: الدليل حديث عائشة في الصحيح قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي لا يزيد في رمضان ولا غيرِه على إحدى عشرة ركعة؛ يصلي أربعًا فلا تسأل عن حُسْنِهِنَّ وطولهن، ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يُصلِّي ثلاثًا (3).
الشيخ: وصحَّ عنها أنها قالت: كان يصلِّي ثلاث عشرة ركعة (10)، أحسنت.
هل في ذلك أثرٌ عن عمر؟
طالب: في عهد عمر بن الخطاب كانت تُصَلَّى عشرين.
الشيخ: لا لا، أنا أريد أثرًا على أنها إحدى عشر.
طالب: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر أُبيَّ بن كعب وتميمًا الداريَّ أن يُصلِّيا بالناس إحدى عشرة ركعة.
الشيخ: إحدى عشرة ركعة، أن يقوما بالناس بإحدى عشرة ركعة، أحسنت.
يقول المؤلف رحمه الله: إنها تُفْعَل جماعة، ما هو الدليل على أنها تُفْعَل جماعة؟
طالب: عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: بعد؟
الطالب: وفي عهد عمر بعد النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: وأما الرسول فلم يفعلها.
الطالب: فعلها الرسول صلى الله عليه وسلم، تركها خَشيةَ أن تُفْرَض عليه.
الشيخ: إذن، ليش تستدل بأثر عمر وعندك فعل الرسول صلى الله عليه وسلم؟
الطالب: فَعَل الرسول صلى الله عليه وسلم، وجدَّدها عمر مِن بعده.
الشيخ: المهم الآن لو سألك سائل: هل هناك دليل على أن التراويح تُفْعَل جماعة، فماذا تقول؟
الطالب: أقول: فَعَلَها النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: تقول: نعم، عندي دليل؛ وهو أن الرسول؟
الطالب: فعلها صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: كم ليلة؟
الطالب: ثلاث ليال.
الشيخ: ثلاث ليال ثم تخلَّف، وقال: «خَشِيتُ»؟
الطالب: «خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ» (11)
الشيخ: أحسنت، ومتى أقيمت بعده؟ أي: متى جُمِعَ الناس على إمام واحد بعده؟
الطالب: على وقت عمر رضي الله عنه.
الشيخ: في وقت عمر رضي الله عنه، أحسنت.
إذن اجتمع فيها سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وسنة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أحسنت.
هل هناك دليل خاص على قضاء الراتبة؟
طالب: حديث النبي صلى الله عليه وسلم (... ) الركعتين بعد الظهر فقضاهما بعد العصر (... ).
الشيخ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى الركعتين بعد العصر؛ لأنه شُغِلَ عنهما، فيه دليل آخر؟
طالب: حديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما نام عن صلاة الفجر هو والصحابة ثم قاموا عندما طلعت الشمس، فأمر بالأذان ثم صلى سنة الفجر قبلُ ثم صلى (... ).
الشيخ: أحسنت.
يعني حديث (... ) هذا، وكذلك روى أبو هريرة نحوه.
يقول المؤلف: إن صلاة الليل أفضل من صلاة النهار، هل هذا على إطلاقه؟
طالب: لا، فيه تفصيل.
الشيخ: فَصِّل.
الطالب: الصلاة إما مطلقة أومقيدة؛ فإذا كانت مقيدة في النهار مثل تحية المسجد فهي أفضل من صلاة الليل.
الشيخ: يعني: إذن الصلاة مطلق ومقيد؛ فالمقيد في وقته أفضل من المطلق، إذن صلاة الليل في حال الإطلاق؛ يعني: إنسان مثلًا (... ) صلي، يقول: صلاة الليل أفضل من صلاة النهار، هل لك دليل في هذا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ» (12).
الشيخ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ»، أحسنت، نقرأ الآن، انتهت المناقشة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وتُسَنُّ صلاةُ الضحى) (صلاة الضحى) من باب إضافة الشيء إلى وقته، ولك أن تقول: إنها من باب إضافة الشيء إلى سببه، كما تقول: صلاة الظهر نسبة للوقت والوقت سبب، هكذا أيضًا صلاة الضحى نسبة للوقت والوقت سبب.
وقول المؤلف: (تُسَنُّ) من المعلوم أن السُّنَّة ما أُمِرَ به لا على وجه الإلزام، وأن حكم السنة أن يثاب فاعلُها ولا يُعاقَب تاركها، فأفادنا المؤلف أنها سنة وليست بواجبة؛ ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي علَّمه الصلوات الخمس حين سأله الرجل: هل عليَّ غيرُها؟ قال: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» (13)، ودليل آخر حديث معاذ بن جبل لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حياته إلى اليمن قال: «أَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ» (14) ولم يذكر صلاة الضحى، ولو كانت واجبة لذكرها النبي صلى الله عليه وسلم.
وقول المؤلف: (تُسَنُّ صلاةُ الضحى) ظاهره أنها سُنَّة مطلقة؛ ودليل ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأبي الدرداء وأبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصاهم بصلاة ركعتين للضحى؛ قال أبو هريرة رضي الله عنه: أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: ركعتي الضحى، وأن أُوتر قبلَ أن أنام، وصيامِ ثلاثة أيام من كل شهر (15)، وظاهر هذا أنها سنة مطلقة في كل يوم.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنها ليست بسنة؛ لأن أحاديث كثيرة وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يصلِّيها.
وفصَّل بعضهم فقال: أما مَنْ كان من عادته قيام الليل فإنه لا يُسَنُّ له أن يصلي الضحى، وأما من لم تكن له عادة بصلاة الليل فإنها سُنَّة في حقه مطلقًا كل يوم، هذه ثلاثة أقوال.
القول الرابع: أنها سنَّةٌ غير راتبة؛ يعني: يفعلها أحيانًا وأحيانًا لا يفعلها.
وظاهر الأدلة من حيث العمل أنها سُنَّة مطلقًا دائمًا إلا لمن كان له صلاة من الليل، ولكن قد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ» (16) «عَلَى كُلِّ سُلَامَى -السُّلَامى العضو- مِنَ النَّاسِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ».
وقد ذكر العلماء رحمهم الله أن السلامى ثلاث مئة وستون مفصلًا في الجسم، فيكون على كل واحد من الناس كل يوم ثلاث مئة وستون صدقة، ولكن هذه الصدقة ليست صدقة مال، بل كل ما يُقَرِّب إلى الله لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فَفَي كُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٍ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ وَنَهْيٍ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَتُعِينَ.. » إلى أن قال: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ» (17).
قال: «وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ» أو قال عن ذلك: «رَكْعَتانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى» (18)؛ وبناء على هذا الحديث نقول: إنه يُسَنُّ أن يصليَهما دائمًا لأن أكثر الناس لا يستطيعون أن يأتوا بهذه الصدقات التي تبلغ ثلاث مئة وستين صدقة، وعلى هذا فيُسَنُّ أن يصليها كل يوم بناء على هذا الحديث.
يقول: (وأقلها ركعتان وأكثرها ثمان) أقلُّها ركعتان؛ لحديث أبي هريرة «رَكْعَتَيِ الضُّحَى»، ولأنه لا يُسَنُّ التطوع بأقل من ركعتين إلا في الوتر.
(وأكثرها ثمان)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة دخل بيت أم هانئ فصلى فيه ثماني ركعات، ولكن هل هذا يدل على أنه لا زيادة؟
الذين قالوا بأن أكثرها ثمان قالوا: يدل على أنه لا زيادة، ولكن الصحيح أنه لا حدَّ لأكثرها لقول عائشة رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي كل يوم من الضحى ركعتين، ويزيد ما شاء الله (19) فقولها: (يزيد ما شاء الله) هذا يدل على عدم التحديد.
وأما حديث أم هانئ أنه صلى في بيت أم هانئ ثماني ركعات فلا يدل على التحديد؛ لماذا؟ لأنها قضية عَين، صلى ثماني ركعات؛ لأنه يريد أن يشتغل بشغل آخر، ولم يقل لها: لا تزيدوا على هذا.
فالصحيح أنه لا حدَّ لأكثرها، وأن الإنسان لو بقي يصلي من خروج وقت النهي بعد طلوع الشمس إلى وقت النهي عند الزوال وصلى أربعين ركعة فهذه من الضحى؛ إذن الصحيح أن أكثرها لا حدَّ له.
(أكثرها ثمان) (أكثر) مبتدأ (وثمان) خبر، لكن كيف نعرب (ثمان)؟
نعربها إعراب المنقوص، كيف إعراب المنقوص؟
أنها بياء مفتوحة في النصب منوَّنة؛ فتقول: اشتريت من الغنم ثمانيًا، كما تقول: رأيت قاضيًا؛ في حال الرفع والجر نحذف الياء وتبقى الكسرة دليل عليها، لكنها منونة، وهذا التنوين عوض عن الياء المحذوفة، فتقول: عندي من الضأن ثمانٍ ولَّا ثمانٌ؟
طلبة: ثمانٍ.
الشيخ: ثمانٍ، وعليه فنقول: (ثمان) مرفوعة بضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، والتنوين عوض عن الياء المحذوفة، هذا إذا لم تُرَكَّب؛ يعني: إذا لم تركَّب مع عشر فإنها تعرب أيش؟
طلبة: إعراب المنقوص.
الشيخ: إعراب المنقوص.
وفيها لغة رديئة قليلة أن تُعْرَب بالحركات على النون؛ فتقول: اشتريت من الضأن ثمانًا، وعندي من الضأن ثمانٌ، ونظرت في الضأن إلى ثمانٍ، وهذه اللغة تناست الياء نهائيًّا كأنها لم تكن موجودة، وصار الإعراب على النون.
إذن لنا في إعرابها وجهان إذا لم تُرَكَّب، ما هما؟
طلبة: إعراب المنقوص.
الشيخ: تُعْرَب إعراب المنقوص وهذا هو المشهور، وأن تُعْرَب بحركات على النون على حسب العوامل.
أما إذا رُكِّبت مع عشر أو عشرة -مع عشر لأنها ما تركب مع عشرة- فإنها تُبْنى على الفتح، فيقال: ثمانيَ عشرة امرأة، ويجوز إسكان الياء فتقول: ثماني عشرة.
إذن فيها وجهان ثماني عشرة، والثاني.
طلبة: ثمانيَ عشرة.
الشيخ: ثمانيَ عشرة تبنى على الفتح.
(أكثرها ثمان)، ويش اللي أفصح فيها؟ (أكثرها ثمانٌ) ولَّا (ثمانٍ)؟
طلبة: ثمانٍ
الشيخ: ثمانٍ بالكسر، على أنها معربة إعراب؟
طلبة: المنقوص.
الشيخ: المنقوص، نعم.
الطالب: حديث عائشة بيكون نصًّا (... ) من الضحى؟
الشيخ: لا، يصلي من الضحى ما (... ).
طالب: إذا قلنا: صلاة الضحى، وقلنا بالقول الآخر إنه يصلي أكثر من ثماني ركعات فإنها تخرج عن كونها صلاة الضحى، ثم إن الصحابة يوم الجمعة كانوا يصلون حتى يأتي الإمام.
الشيخ: يصلون كم؟
الطالب: يصلون حتى يأتي الإمام يوم الجمعة، ولوكان هذا يفعلونه في غير الجمعة، مما يدل على أنها قُيِّدَت بثمان.
الشيخ: ما هو صحيح؛ لأنه (... ) تصلي ثمانين ركعة قبل زوال الشمس، ما هو ثمان ركعات.
الطالب: خرجنا عن الضحى إذن.
الشيخ: لا، أصل الضحى بيجيك وقتها الآن من ارتفاع الشمس قيد رمح إلى قبيل الزوال، وقتها واسع؛ ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الفِصَالُ» (20) أخرجه مسلم.
طالب: أحسن الله إليكم، بالنسبة للقول اللي يقول: إن صلاة الضحى لمن كان له ورد بالليل تركه أو نام عنه، كيف يكون هذا القول مع قول عائشة: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فاته شيء من الليل..
الشيخ: لا يقول للذي له صلاة من الليل: لا يصليها.
الطالب: (... ) النبي صلى الله عليه وسلم، أما كان إذا فاته شيء من الليل كان يقضيه بالنهار اثنا عشرة ركعة؟
الشيخ: نعم.
الطالب: (... ) صلَّى ثمانيًا؟
الشيخ: صلَّى ثمانيًا في عام الفتح.
الطالب: هذا عامٌّ (... ) الفتح.
الشيخ: ولهذا بعض العلماء يقول: إنَّ ثمانيًا هذه سنة الفتح، وإنه ينبغي للإمام إذا فتح بلدًا أن يصلي فيه ثماني ركعات.
طالب: (... )؟
الشيخ: لا، الله أعلم.
طالب: شيخ، حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ» (20) أنَّ هذا أفضل وقت لأداء الضحى؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: يعني: أفضلها.
الشيخ: آخر وقتها أفضل من أولها.
الطالب: آخر وقتها؟
الشيخ: أفضل من أولها، وبيجينا إن شاء الله.
الطالب: شيخ، هل تصلى في جماعة؟
الشيخ: (... )
طالب: فعل الصحابة أنهم تطوعوا يوم الجمعة حين يدخل الإمام على أنهم لم يعرفوا النهي في هذا أو أنه خاص (... )؟
الشيخ: بعض العلماء يرى أن يوم الجمعة ما فيه نهي، وهذه أيضًا تأتينا إن شاء الله.
طالب: شيخ، (... ) ما ليس براتب (... ).
الشيخ: أيش؟
الطالب: يعني: غير السنن الراتبة (... ).
الشيخ: لا.
الطالب: الصلاة قبل المغرب؟
الشيخ: إي نعم، هذه يقال: (... ) راتبة؛ لأن السنن الرواتب تابعات للصلاة، أما السنن غير الرواتب غير التابعة للصلاة فهذا وتر، سنة راتبة.
طالب: هم يتركوها (... ).
الشيخ: أيهم؟
الطالب: النوافل المطلقة.
الشيخ: لا، ما هو لازم.
طالب: أحسن الله إليك، قضاء النبي صلى الله عليه وسلم الراتبة للظهر بعد العصر، هل يدل هذا على جواز القضاء بعد العصر، يعني إذا فاتته؟
الشيخ: تجينا إن شاء الله في وقت النهي في آخر الباب.
طالب: شيخ، حديث أبي هريرة المتفق عليه قال: أوصاني خليلي أن أوتر قبل أن أنام، ثم قال: ركعتي الضحى، ألا يدل هذا على أنه إذا أوتر قبل أن ينام فإنه لا يقوم من الليل، فما يدل على أنه ما قام من الليل فيأتي بركعتي الضحى؟
الشيخ: هذا استدل به من قال بهذا؛ على أن من يقوم الليل لا يأتي بصلاة الضحى، لكن أنا ذكرت لكم أننا نرجحها من جهة الصدقة.
طالب: شيخ بالنسبة (... ) السنن الراتبة عشر ركعات وثماني ركعات، لماذا لا نقول بقول شيخ الإسلام في الجمع بينهما هذا نفعله مرة بعشر، ونفعله مرة بثمان، جميعًا جاء في السنة؟
الشيخ: لا، لأن ابن عمر شهد ما رأى، وهذه زيادة.
الطالب: شيخ، ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم نام عن أربعة فروض؟
الشيخ: أربعة فروض كل اليوم (... ) ما أذكر.
طالب: (... ).
الشيخ: (... ) بس ما أعلم معناه.
طالب: ما ورد أنه صلى (... ).
الشيخ: المسافر.
طالب: (... )؟
الشيخ: نعم.
طالب: شيخ -أحسن الله إليكم- في صلاة الليل ذكرنا أن داود عليه الصلاة والسلام كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام السدس، أقول: كيف يتأتى هذا -أحسن الله إليكم- مع أن الآن الليل يبدأ من غروب الشمس؟ لأن الإنسان الآن في وقتنا هذا إذا قلنا مثلًا: إن الليل مثلًا الساعة الحادية عشر واثنين وعشرين دقيقة، وصلاة العشاء مثلًا يفرغ منها الساعة ثمان ونصف تقريبًا كيف ينام النصف ويقوم الثلث ويقوم السدس؟
الشيخ: ما (... )؟
الطالب: الآن نصف الليل سيكون الساعة إحدى عشر واثنين وعشرين دقيقة، الآن نحن..
الشيخ: من إحدى عشر واثنين وعشرين يبدأ نصف الليل.
الطالب: يبدأ النصف الثاني.
الشيخ: خذ من إحدى عشر واثنين وعشرين ثلث الليل.
الطالب: لكن إحنا كلامنا عن داود عليه الصلاة والسلام أنه كان ينام نصف الليل، مع أنه الآن إحنا قلنا: إن الليل يبدأ من المغرب، كيف ينام نصف الليل؟
الشيخ: (... ) بعد صلاة العشاء.
الطالب: العشاء والمغرب إذا قلنا..
الشيخ: إي ما يخالف، العشاء والمغرب نقول: أما داود عليه الصلاة والسلام ما نعرف أن العشاء عندهم هو وقت العشاء في هذه الملة أو في هذه الشريعة أو يختلف، فإن كان لا يختلف فيقال: إنه ينام بعد العشاء إلى أن ينتصف الليل، العشاء الآن كم؟
طالب: ثمانية.
طالب آخر: إلا خمس.
الشيخ: ثمانية إلا خمس، من ثمانية إلا خمس إلى إحدى عشر واثنين وعشرين ينام.
الطالب: ما صرنا إلى النصف.
الشيخ: إي، يعني: يُحْمَل على أنه إلى نصف الليل، هذا إذا قلنا: إنه مثلنا، يعني: شريعته مثلنا، يعني: صلاة المغرب والعشاء تستوعب هذا، مع أن فيه احتمالًا؛ أن صلاة العشاء عندهم مع صلاة المغرب يكون الوقت متسعًا.
الطالب: لكن فِعْل النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال: (... ) في السَّحَر إلا نائمًا، هذا يدل على أنه كان يفعل كما يفعل داود عليه الصلاة والسلام.
الشيخ: إي نعم، ينام قليلًا ثم يقوم.
الطالب: يعني: يكون المعنى إلى نصف الليل؟
الشيخ: نعم.
طالب: جزاك الله خيرًا، إذا نوى الشخص أن يقوم من الليل وخشي ألا يقوم فأوتر، ثم وفقه الله سبحانه وتعالى إذ استيقظ، فهل يكتفي بهذا الوتر الذي أوتره قبل أن ينام أم يوتر مرة ثانية أم كيف؟
الشيخ: لا يوتر مرة ثانية يكتفي بالأول ويصلي ركعتين ركعتي إلى الفجر.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى:
وتُسنُّ صلاةُ الضحى وأقلُّها ركعتان وأكثرها ثمان، ووقتها من خروج وقت النهي إلى قبيل الزوال.
وسجود التلاوة صلاة، ويُسَنُّ للقارئ والمستمع دون السامع، وإن لم يسجد القارئ لم يسجد، وهو أربع عشرة سجدة؛ في الحج منها اثنتان، ويكبر إذا سجد وإذا رفع، ويجلس ويسلم ولا يتشهد، ويُكْرَه للإمام قراءة سجدة في صلاة سر وسجوده فيها، ويلزم المأموم متابعته في غيرها، ويستحب سجود الشكر عند تجدد النعم.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
من صلاة التطوع صلاة الضحى، وإضافة الصلاة هنا من باب إضافة؟
طالب: من باب إضافة الشيء إلى سببه أو إلى وقته.
الشيخ: من باب إضافة الشيء إلى سببه أو إلى وقته.
وأفادنا المؤلف أن صلاة الضحى؟
طالب: (... ).
الشيخ: سنة؟ عندك كتاب أيش يقول؟ (تُسَنُّ صلاة الضحى) (... ).
طالب: سُنَّةٌ.
الشيخ: سنة، ما هو الدليل عليها على سُنِّيتها؟
الطالب: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما علم الرجل أن..
الشيخ: ما الدليل على سُنِّيَّتها، ما هو على أنها ليست بواجبة؟
الطالب: حديث أبي هريرة أنه قال: أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بركعتي.
الشيخ: بثلاث.
الطالب: بثلاث؛ ركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أنام (15).
الشيخ: ما هو الدليل على أنها ليست بواجبة؟
طالب: الدليل على أنها ليست واجبة عندما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل إلى اليمن وقال: فُرِضَت عليهم خمس صلوات..
الشيخ: «أَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّه افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ» (21) ولو كانت الضحى واجبة لكانت الصلوات كم؟
الطالب: لكانت الصلوات ستة.
الشيخ: هل هي سنة على كل حال، أو في ذلك تفصيل، أو في ذلك خلاف؟
طالب: فيها خلاف، وفيها تفصيل.
الشيخ: اذكر الخلاف.
الطالب: منهم من قال: إنها سُنَّة مطلقًا، ومنهم من قال: إنها ليست بسُنَّة مطلقًا، ومنهم من فصَّل.
الشيخ: فماذا قال؟
الطالب: قال: مَنْ كان له صلاة من الليل فهي ليست في حقه سُنَّة أو ليست له بسنة، ومن ليس له صلاة من الليل فهي في حقه سُنَّة، هناك قول آخر: أنها سنة لمن ليس له صلاة من الليل لعل هذا هو الأصوب.
الشيخ: (... ).
طالب: سنة في بعض الأحيان (... ) غبا (... ).
الشيخ: يعني تُسَنُّ غِبًّا أحيانًا وأحيانًا، اخترنا رأيًا آخر، ما هو؟
طالب: اخترنا -يا شيخ- رأي أنها سُنَّة مطلقة؛ وذلك لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم صدقة..
الشيخ: أخبر بأن على كل سُلامى من الناس صدقة.
الطالب: ويكفي ذلك..
الشيخ: «وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى» (18).
قلنا: هذا فيه فائدة أن الإنسان يكون أدى ما عليه من هذه الصدقات.
قال المؤلف رحمه الله: (وأقلها ركعتان)؛ لأن هذا أقل ما يُشْرَع في الصلوات غير الوتر، فلا يُسَنُّ للإنسان أن يتطوع بركعة ولا يُشْرَع له ذلك إلَّا في الوتر، فأقل ما يمكن من الصلاة ركعتان؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام للرجل الذي دخل وهو يخطب يوم الجمعة قال: «قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» (22) ولو كان يُشْرَع شيء أقل من ركعتين لأمره به من أجل أن يستمع لأيش؟
طالب: للخطبة.
الشيخ: للخطبة، إذن فأقلها ركعتان؛ ودليل ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه حيث قال: «وَرَكْعَتِي الضُّحَى» (15) ولأنه لا يشرع شيء من صلاة التطوع أقل من ركعتين إلَّا؟
طلبة: الوتر.
الشيخ: إلا الوتر فقط، فالصحيح أن التطوع بركعة لا يصح، وإن كان بعض أهل العلم قال: إنه يصح، نقول: لا، لا يصح، أقل ما يمكن ركعتان، فلا يمكن أن يتطوع الإنسان بركعة إلا في الوتر.
قال: (وأكثرها ثمان) ثمان ركعات بأربع تسليمات، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بيت أم هانئ في غزوة الفتح حين دخل مكة فصلى فيه ثماني ركعات قالوا: وهذا أعلى ما ورد.
وعلى هذا فلو صلى الإنسان عشر ركعات بخمس تسليمات صارت التاسعة والعاشرة تطوعًا مطلقًا لا صلاة ضحى، ليش، لأي شيء؟
طلبة: (... ).
الشيخ: لأن أكثرها ثمان، فمن زاد عن ثمان فليس من صلاة الضحى، ولكن الصحيح أنه لا حدَّ لأكثرها؛ لأن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتين ويزيد ما شاء الله (19)، ولم تُقَيِّد فالصواب أنه لا حدَّ لها، لو صلى من ارتفاع الشمس قيد رمح إلى قبيل الزوال أربعين ركعة مثلًا لكان هذا كله داخلًا في صلاة الضحى.
ويجاب عن حديث أم هانئ بجوابين:
الجواب الأول أن كثيرًا من أهل العلم قال: إن هذه الصلاة ليست صلاة ضحى، وإنما هي صلاة فتح واستُحِبَّ للقائد إذا فتح بلدًا أن يصلي فيه ثماني ركعات شكرًا لله عز وجل على فتح البلد؛ لأن الإنسان، بل لأن القائد من نعمة الله عليه أن يفتح الله عليه البلد، وهذه النعمة تقتضي الخشوع والذلة لله والقيام بطاعته؛ ولهذا لا نعلم أن أحدًا فتح بلدًا أعظم من مكة، ولا نعلم فاتحًا أعظم من محمد صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك دخل مكة حين فتحها وهو مطأطئ رأسه حتى إنه ليصيب مَوْرِكَ رحله عليه الصلاة السلام لشدة خفضه رأسه، وهو يقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: 1] ويرددها يرجع فيها يعني: 4 يرجع يعني كأنه يردد الحرف مرتين، وهذا من كمال تواضعه عليه الصلاة والسلام؛ لأنه رأى أن هذا أكبر نعمة أن الله يفتح بلد أعدائك على يديك ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: 14، 15] ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة: 52]، وما أحلى العذاب إذا كان بأيدينا لأعدائنا.
إذن نقول: هذا أحد الوجهين في الجواب عن حديث أم هانئ أن هذه الثماني ركعات ليست صلاة ضحى، وإنما هي شكر لله على هذا الفتح؛ ولهذا استحب بعض العلماء للقائد إذا فتح البلد أن يصلي ثماني ركعات.
الوجه الثاني أن نقول: إن الاقتصار على الثماني لا يستلزم ألا يزيد، لأن هذه قضية عين أرأيت لو لم يصلِّ إلا ركعتين، هل تقول: لا تزِد على ركعتين؟ لا، لأن قضاء العين وما وقع مصادفة فإنه لا يعتبر تشريعًا وهذه قاعدة مفيدة جدًّا أن ما وقع مصادفة لا يعتبر تشريعًا.
ولهذا لا يُسْتَحب للإنسان إذا دفع من عرفة وأتى الشِّعْب الذي حول مزدلفة لا يُستحَب له أن ينزل فيبول ويتوضأ وضوءا خفيفًا كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما دفع من عرفة في الحج ووصل إلى الشِّعْب نزل فبال وتوضأ وضوءًا خفيفًا (23). فهل نقول: إن هذا مشروع؟
الجواب لا، لأن هذا وقع مصادفة احتاج النبي صلى الله عليه وسلم أن يبول فنزل فبال وتوضأ، توضأ لأجل أن يكون فعله للمناسك على طهارة.
على كل حال ما فُعِلَ على وجه المصادفة دون القصد فإنه لا يُعْتَبر تشريعًا، فكون الرسول صلى الله عليه وسلم اقتصر على ثمان دون أن ينبه على أن هذا أكثر صلاة الضحى لا يدل على أن هذا هو الأكثر.
ثم قال المؤلف: (ووقتها من خروج وقت النهي إلى قُبَيل الزوال) (وقتها) أي وقت صلاة الضحى من خروج وقت النهي والمؤلف -رحمه الله- لم يبين وقت النهي لكن سيبينه إن شاء الله في آخر الباب.
وقت النهي من طلوع الشمس إلى أن ترتفع قيد رمح يعني بعين الرائي، وإلا هذا الارتفاع قيد رمح بحسب الواقع أكثر من مساحة الأرض مئات المرات، لكن نحن نرى في الأفق قيد رمح يعني: نحو متر وهذا بالزمن أو بالدقائق والساعات المعروفة حوالي اثني عشرة دقيقة، ولنجعله ربع ساعة خمس عشرة دقيقة؛ لأنه أحوط فإذا مضى خمس عشرة دقيقة من طلوع الشمس فإنه يزول وقت النهي ويدخل وقت الضحى فمن ذلك الوقت يدخل وقت صلاة الضحى إلى قبيل الزوال، قُبيل تصغير أيش؟
طلبة: (... ).
الشيخ: تصغير قبل، يعني: زمن قليل، قبل زوال الشمس بزمن قليل كم؟ حوالي عشر دقائق بعد، يعني: إذا أكثرنا قلنا: قبل الزوال بعشر دقائق؛ لأن ما قبيل الزوال وقت نهي ينهى عن الصلاة فيه فإنه الوقت الذي تُسْجَر فيه جهنم فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يُصَلَّى فيه.
قال عقبة بن عامر رضي الله عنه: ثلاث ساعات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن وأن نقبُر فيهنَّ موتانا؛ حين تخرج الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب (24)، قائم الظهيرة يكون قبيل الزوال بنحو عشر دقائق، فإذا كان قبيل الزوال بنحو عشر دقائق وقف الإنسان ما يصلي، إذن الوقت من زوال النهي في أول النهار إلى وجود النهي في وسط النهار.
وفعلها في آخر الوقت أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ» (20) وهذا في صحيح مسلم: «صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ»، ما معنى تَرْمَض؟ يعني: تقوم من شدة حَرِّ الرمضاء، وهذا يكون قبيل الزوال بنحو عشر دقائق فهذا وقتها.
قال: (ووقتها من خروج وقت النهي إلى قبيل الزوال).
ثم قال المؤلف: (وسجود التلاوة صلاة) (سجود) مبتدأ و (صلاة) خبرها، والخبر هنا مفرد ولَّا جملة؟
طلبة: (... ).
الشيخ: تأملوا (سجود التلاوة صلاة).
طلبة: مفرد.
الشيخ: مفرد؛ لأنه ليس جملة ولا شبه جملة.
طالب: (... )؟
الشيخ: (سجود التلاوة صلاة) (صلاة) خبر، يعني أن سجود التلاوة حكمه حكم الصلاة، بل هو صلاة، والإضافة هنا سجود التلاوة من باب إضافة الشيء إلى سببه لكنه سبب غير تام؛ لأن التلاوة نفسها ليست سببًا للسجود، بل السبب للسجود المرور بآية سجدة، إذن فليست التلاوة سببًا أيش؟ تامًّا، بل السبب للسجود هو المرور بآية سجدة، يعني قراءة آية سجدة، إذا قرأ الإنسان آية سجدة سُنَّ له أن يسجد.
حكمه؛ يقول المؤلف: إنه صلاة، ووجه ذلك أن تعريف الصلاة ينطبق عليه فهو عبادة ذات أقوال وأفعال مُفْتَتَحَة بالتكبير مختتمة بالتسليم.
إذن هي صلاة يُعْتَبَر له ما يعتبر لصلاة النافلة؛ لأنه سنة، يعتبر له ما يعتبر لصلاة النافلة، وانتبهوا لقولي: صلاة النافلة من أجل أن تستحضروا الفرق بين صلاة الفرض وصلاة النفل، وقد عددناه فيما سبق فبلغ نحو ثلاثين فرقًا.
إي نعم تقريبًا ثلاثين فرقًا.
هذا ما مشى عليه المؤلف على أنه صلاة، وعلى هذا فتُعْتَبر له الطهارة من الحدث والطهارة من النجاسة في البدن والثوب والمكان واستقبال القبلة وستر العورة، وكل ما يشترط لصلاة النافلة.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه ليس بصلاة، وقال: لأنه لا ينطبق عليه تعريف الصلاة؛ إذ لم يثبت في السُّنَّة أن له تكبيرًا أو تسليمًا، فالأحاديث الواردة في سجود التلاوة ما فيها إلا مجرد السجود فقط؛ سجد فسجدنا معه (25)، وما أشبه ذلك، ليس فيها حديث واحد يدل على التكبير إلا حديثًا أخرجه أبو داود في إسناده نظر؛ أنه كبَّر عند السجود (26)، ولكن ما فيه التسليم، لم يرد لا بحديث ضعيف ولا صحيح أنه سلَّم من سجدة التلاوة، وإذا لم يصح فيها تسليم لم تكن صلاة؛ لأن الصلاة يجب أن تكون مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، وعلى هذا فليست بصلاة، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ وبناء على ذلك لا يُشتَرط لها طهارة ولا ستر عورة ولا استقبال قبلة فيجوز أن يسجد ولو كان محدثًا حدثًا أصغر، بل ولو كان محدثًا حدثًا أكبر، إن قلنا بجواز القراءة للجنب، والصحيح أنه لا يجوز.
ومن طالع كلام شيخ الإسلام رحمه الله في هذه المسألة تبين له أن القول الصواب ما ذهب إليه أن سجود التلاوة ليس بصلاة ولا يشترط له ما يشترط للصلاة، فلو كنت تقرأ القرآن عن ظهر قلب وأنت غير متوضئ ومررت بآية سجدة فعلى هذا القول تسجد ولا حرج، وكان ابن عمر رضي الله عنهما مع تشدده كان يسجد على غير طهارة.
يقول: (سجود التلاوة صلاة يُسَنُّ للقارئ) (يسن) كلمة (يسن) تفيد أن سجود التلاوة ليس بواجب وإنما هو سنة؛ لأنه قال: (يسن للقارئ)، وهذه المسألة -أعني سجود التلاوة- محل خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: إن سجود التلاوة واجب؛ لأن الله أمر به وذم من تركه فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: 77] اركعوا واسجدوا وهذه آية سجدة ولَّا لا؟ آية سجدة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ فأمر بالسجود، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: 21] فذمهم لعدم السجود، وامتدح الساجدين فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: 206] قالوا: هذا يدل على أن السجود واجب لمدح فاعله وذم تاركه والثالث؟
طلبة: (... )
الشيخ: ألا ليت شعري!
طلبة: والأمر به.
الشيخ: والأمر به، صح، إذن الأمر به والحث على فاعله وذم من لم يفعله وهذا يدل على الوجوب.
وقال آخرون: بل إنه سنة، وليس بواجب واستدلوا لذلك بأن زيد بن ثابت رضي الله عنه قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم سورة النجم ولم يسجد فيها (27) ولو كان السجود واجبًا لم يقره النبي صلى الله عليه وسلم على ترك السجود.
فإن قال قائل: أفلا يحتمل أن زيدًا ليس على وضوء؟
فالجواب: هذا احتمال لكنه ليس بمتعين، بل الظاهر أنه على وضوء؛ لأنه يبعد أن يقرأ القرآن على غير وضوء.
ثانيًا: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثبت عنه في صحيح البخاري وغيره أنه قرأ على المنبر سورة النحل، فلما أتى على السجدة سجد، نزل من المنبر وسجد فسجد الناس، ثم قرأها في الجمعة الثانية ولم يسجد ثم قال -إزالة للشبهة- إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء (28).
وهذا قول عمر، وناهيك به عمر الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِنْ يَكُنْ فِيكُمْ مُحَدَّثُونَ فَعُمَرُ» (29) محدَّثون يعني: ملهمون للصواب يوحى إليهم فعمر، ومع هذا فَعَلَه بمحضر الصحابة علنًا على المنبر، ولم ينكر عليه أحد، وهذا يدل على أن السجود ليس بواجب، إذن الصحيح بلا شك أن سجود التلاوة ليس بواجب، لكنه سُنَّة.
بقي علينا الشطر الثاني في باب المناظرة لأن باب المناظرة لابد أن تثبت دليل قولك وتجيب عن دليل خصمك، فما هو الجواب عن الآيات التي استدل بها مَن قال: إنها واجبة؟
الجواب بسيط؛ نقول: إذا استدللت بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ فقل: يجب الركوع أيضًا، أما أن تقول: يجب السجود ولا تقول: يجب الركوع فهذا تناقض؛ لأن الدليل واحد وبه نعرف أن قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ أمر بالصلاة التي ذات ركوع وسجود.
وأما قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: 21] فنقول له: أنت لا تقول بهذه الآية، لا تقول: إن كل من قرأ القرآن وجب عليه أن يسجد مع أن ظاهر الآية أن كل مَنْ قُرئ عليه القرآن يجب أن يسجد، والسجود هنا بمعنى التذلل ليس هو السجود الحركة المعروفة، أي إذا قرئ عليهم القرآن لا يَذِلُّون له، وهذا ثابت لكل القرآن، كل القرآن يجب أن تذل له، وأما مدح الملائكة بالسجود فالمراد بالسجود سجود الصلاة؛ لأنه ما من أربع أصابع في السماء إلا وفيه ملك قائم لله أو راكع أو ساجد، وهذا مما خالفنا فيه شيخ الإسلام ابن تيمية؛ شيخ الإسلام يرى أن سجود التلاوة واجب، والصحيح أنه ليس بواجب (... ).
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
المناقشة في صلاة الضحى أظن؟
طالب: نعم.
الشيخ: كم عدد صلاة الضحى؟