طيب، قوله: (باعه الحاكم) هذا مقيد بما إذا لم يكن المال الذي عنده من جنس الدَّيْن، فإن كان من جنس الدَّيْن فلا حاجة لبيعه، مثاله: رجل يُطلب مئة صاع بُرٍّ، وعنده مئة صاع بُرِّ، إذن ماله الآن قدْر دينه؛ فلا يُحجَر عليه، ومن جنس دينه فلا يُباع.
اللهم إلا أن يكون ما في ذمته موصوفًا بصفات لا توجد في هذا البر الذي عنده، فحينئذٍ لا بد من بيعه، سواء كان الذي عنده أطيب أو أردأ؛ إن كان أردأ فإن صاحب الحق لا يرضى، وإن رضي فلا حرج، وإن كان أطيب فإن المدِين لا يرضى وإن رضي فلا حرج.
انتهينا الآن من كم قسم؟ انتهينا من قسمين: من ليس عنده شيء، والثاني: من ماله قدْر دينه أو أكثر.
قال: (وقضاه، ولا يُطالب)، عندكم (يطالَب) ولَّا (يطلب)؟
طالب: (يطالب).
الشيخ: (ولا يطالب بمؤجل) نعم هو كلها، نعم.
(لا يُطلب بمؤجل)، يعني أن المدِين لا يُطلَب، ولا يُطالَب أيضًا بمؤجَّل حتى يحل أجله.
دليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (3)، وصاحب الدَّيْن قد رضي بتأجيله، فيجب عليه الانتظار حتى يحل الأجل، فإذا حل الأجل عملنا ما سبق، يعني صار كالحال.
القسم الثالث: (من ماله لا يفي بما عليه حالًّا)، فهذا يجب الحجر عليه بسؤال الغرماء أو بعضهم، مثاله: رجل عليه ألف ريال وهو مطلوب بألفين، المال هنا اللي عنده لا يفي بما عليه حالًّا، فماذا نصنع؟
يقول المؤلف: (وجب الحجْر عليه)، وجب على مَنْ؟ الحاكم الذي يتولى هذه الأمور، (الحجْر عليه)، أي على من ماله لا يفي بما عليه.
(بسؤال غرمائه أو بعضهم) يعني إذا سأل الغرماء الحجر عليه، أو سأل بعضهم الحجر عليه وجَبَت إجابته، دليل ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم حجر على معاذ، وباع ماله في دَيْن عليه (4)، هذا من جهة الأثر، وإن كان فيه مقال.
من جهة النظر؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل مطل الغني ظُلْمًا (5)، وهذا وإن لم يكن غنيًّا الغناء التام الذي يوفي، فعنده بعض الشيء، فيكون ظالِمًا بمنع الحقوق، والظلم يجب رفعه، ولا سبيل لنا إلى رفعه في هذه الحال إلا بأيش؟ إلا بالحجْر عليه؛ لأنه لو قال قائل: احبسوه كما في القسم الثاني، قلنا: لو حبسناه ما فيه فائدة؛ لأن المال الذي عنده لا يفي، بخلاف الأول؛ القسم الثاني المال يفي، لكن أما هنا فلا حاجة، والظلم تجب إزالته، فلهذا وجب الحجر.
الحجر، معنى الحجر أن نمنعه من التصرف في ماله، لا ببيع، ولا شراء، ولا هِبة، ولا غير ذلك، نمنعه من التصرف.
إذا كان صاحب متجر قفَّلنا المتجر بحيث لا يتصرف فيه بشيء، صاحب زراعة، منعناه من التصرف في زراعته، المهم أن نمنعه من التصرف في أعيان ماله حفظًا لذمته ولحقِّ الغرماء.
قال المؤلف: (ويُستحب إظهاره)، إظهار أيش؟ إظهار الحَجْر، بوسائل الإعلام: فلان محجور عليه؛ لئلا يغتر الناس فيعاملوه بعد الحجْر.
ومعلوم أن معاملته بعد الحجر باطلة، يعني لو أن أحدًا اشترى منه شيئًا بعد الحجر، فإن الشراء لا يصح ولا ينفذ، فيُعلم الناس حتى لا يغتروا بمعاملته؛ لأنه إذا لم يُعلم فإنه ربما يغتر الناس ويعاملونه، (يستحب إظهاره).
ثم قال: (ولا ينفذ تصرفه في ماله بعد الحجر ولا إقراره عليه)، يعني بعد أن نحجر عليه لا ينفذ تصرفه في ماله، لا ببيع ولا شراء، ولا تأجير، ولا هبة، ولا رهن، ولا وقف، أي تصرف في المال لا ينفذ؛ لأن هذا فائدة الحجر، فائدة الحجر أن نمنعه من التصرف في ماله، لحق مَنْ؟ لحق الغرماء، فهذا محجور عليه لحق غيره.
مثال ذلك: رجل حجرنا عليه وعنده سيارة في المعرض، قد وضعها في المعرض قبل الحجر عليه، هل يمكن أن يبيعها؟ لا يمكن أن يبيعها؛ لأنه إذا حُجِر عليه لا يمكن يتصرف.
طيب، وظاهر كلام المؤلف أنه يصح تصرفه في ذمته، بأن يشتري شيئًا بثمن مؤجل، وهو كذلك، لو اشترى المحجور عليه بذمته ما نمنعه، ولكن البائع لا يدخل مع الغرماء فيما حُجِر عليه فيه.
طيب، هذا رجل حجرنا عليه، قلنا: لا تتصرف في مالك الآن، لكنه اشترى من شخص سيارة.
نقول: الشراء الآن صحيح، لكن لا ينقد ثمنها من المال الذي عنده، وتكون السيارة له، أي للمحجور عليه.
وصاحب السيارة هل يدخل مع الغرماء في ماله السابق؟ لا يدخل مع الغرماء في ماله السابق؛ وذلك لأنه حُجِر عليه قبل هذا التصرف.
طيب، لو كان عنده هو سيارة بعد الحجر عليه وباعها، فإن البيع لا يصح.
وظاهر كلام المؤلف: أن تصرفه قبل الحجر صحيح، ولو أضر بالغرماء، فلو كان عليه دَيْن وماله أقل من دَيْنه، وتصرَّف فيه بالهبة، صار من وجد من الناس تبرع، أهدى عليه، فظاهر كلام المؤلف أن ذلك صحيح، مع أنه سوف يضر بغرمائه، إنسان عليه عشرة آلاف ولا عنده إلا ثمانية آلاف، فذهب يتبرع للناس، كل من وجد تبرع له، نقول: هذا لا يصح التبرع، مع أنه بالغ عاقل رشيد؛ لأن المال الآن تعلَّق به حق مَنْ؟ حق الغرماء، فلا يصح.
نحن ذكرنا الآن العكس، هذا قبل الحجْر: فظاهر كلام المؤلف أن تصرفه صحيح ولو أضر بالغرماء، والصواب أنه ليس بصحيح، وأنه حرام وباطل، ولهذا سئل الإمام أحمد رحمه الله عن المدِين هل يتصدق أو لا؟ قال: بالشيء اليسير كالخبز وشبهها، وأما ما يُضر بالغرماء فلا يجوز.
على أننا نرى أنه لا يجوز أن يتصدق ولو بالقليل، ما دام عليه دَيْن أكثر مما عنده من المال فإنه لا يجوز أن يتصدق ولو بالقليل؛ لأن القليل مع القليل كثير، إذا قلنا: تصدَّقْ مثلًا بدرهم على هذا الفقير، جاء فقير آخر تصدَّق بدرهم، وهلُمَّ جرًّا، صار القليل كثيرًا، فالمنع أولى؛ ولأننا إذا منعناه من الصدقة وقلنا: لا يمكن أن تتصدق، صار ذلك أشحذ لهمته في وفاء دينه؛ لأن الإنسان قد لا يتحمل أو قد لا يحتمل أن يبقى لا يتصدق.
طيب، لو قال: إنه يريد أن يعتمر، وعليه دَيْن أكثر من ماله، هو معه مال الآن يستطيع أن يعتمر به، وعليه دَيْن أكثر من ماله.
نقول: لا تعتمِر، هذا حرام عليك، قال: ما أفرضت، ما أدَّيت الفريضة، قلنا: لا فريضة عليك؛ لأن من شرط وجوب الحج ألا يكون على الإنسان دين، فليس عليك فريضة الآن، قال: زملائي يحجون، قلنا: ولو كان، ما يمكن حتى توفي الدَّيْن، ولو كان فريضة؟ ليست فريضة، أصلًا نقول: هذا غير فريضة، أنت الآن ليس عليك حج، إذا كان الفقير ليس عليه زكاة أنت ليس عليك حج، فلا تحج.
إذا قال: يريدون أن أذهب معهم مجانًا، نمنعه؟
فيه تفصيل: إن كان يمنعه من عمل يكسب به فلا يجوز، وإن كان لا يمنعه وهو إنسان عاطل ما عنده شغل، أو جاءت الإجازة مثلًا فلا حرج؛ لأنه هنا لا يضر بالغريم شيئًا.
والعجب أن بعض الناس -نسأل الله لنا ولهم الهداية- تكون عليهم الديون، ويفعلون بإكرام الناس ودعوتهم فعل الغني، يتعرض للناس، كل ما جاء إنسان: تفضَّل، حيَّاك الله، ومع ذلك يذبح له خروفًا، كل يوم يذبح خروفًا للناس وهو ما عنده شيء! هذا غلط، وهو آثِم بذلك؛ لأن قضاء الدَّيْن واجب، ومثل هذه الأمور مستحبَّة ليست بواجبة، لكن أكثر الناس لا يعقلون هذا الأمر، ويستهينون بأمور الدَّيْن، مع أن أمر الدَّيْن عظيم جدًّا، حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم قبل أن يفتح الله عليه كان إذا قُدِّمت إليه الجنازة، وعليها دَيْن يمتنع من الصلاة عليه، يقول: ما أصلي عليه (6)، وهذا أمر عظيم، الرسول عليه الصلاة والسلام ما يشفع له؟ الجواب: نعم، ما يشفع له.
كذلك أيضًا الرجل يُقتل في سبيل الله، تُكفِّر الشهادة كل شيء إلا الدَّيْن، ولهذا لما سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن الشهادة قال: «إِنَّهَا تُكَفِّرُ كُلَّ شَيْءٍ»، فانصرف الرجل فناداه فقال: «إِلَّا الدَّيْنَ أَخْبَرَنِي بِذَلِكَ جِبْرِيلُ آنِفًا» (7). فالتهاون بالدَّيْن ليس من العقل ولا من الشرع أيضًا.
أوفِ دَيْنَك ثُمَّ نَمْ، ولهذا قال في المثل العامي: مَنْ قضى دَيْنَه نامت عينُه.
المثل هذا صحيح، الإنسان الحي العاقل لا شك أنه لا يطمئن في النوم وعليه دَيْن.
الخلاصة الآن: متى يكون الحجر على المدِين؟ إذا كان ماله أقل من دينه، فإنه يُحجَر عليه، لكن بشرط: سؤال الغرماء أو بعضهم، فإن لم يسألوا فلا حرج.
طيب، إذا لم يحجر عليه، لكن ماله أقل من دَيْنه، فالصحيح أنه محجُور عليه شرعًا، لا حكمًا، إذا حُجر عليه حكمًا ما فيه منة، لكن إذا لم يُحجَر عليه حُكمًا من قِبل القاضي فهو محجور عليه شرعًا، الدليل: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» (5). والتبرع بماله يؤدي إلى عدم الوفاء، إلى المطل، فيكون ذلك ظُلمًا، لكن يفترق عن المحجور عليه حُكمًا بأن هذا يصح أن يتصرف في ماله بغير تبرع، يعني يجوز أن يتصرف، لكن لا يتبرع، يعني يجوز يبيع ويشتري مثلًا ولا حرج، فهذا هو الفرق.
فالمحجور عليه شرْعًا هو الممنوع من التبرع، أما التصرف فلا بأس، ولهذا نقول للمدِين الذي ماله أقل من دينه ولم يُحجَر عليه، نقول: بِعْ واشترِ ما فيه مانع، لكن لا تتصدق ولا تتبرع.
طيب، إذا جاءه صاحب له وأراد أن يبيع عليه ما يساوي عشرة بثمانية، يجوز أو لا؟ على قولنا: لا يجوز؛ لأن هذا تبرع في الواقع.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولا إقراره عليه) أيش معناها؟ يعني لا يصح بعد الحجر أن يُقِرَّ على شيء من ماله الذي بيده.
ويصح إقراره في ذمته؟ نعم.
مثال ذلك: الإقرار عليه لَمَّا حجرنا عليه، قال: يا جماعة، اصبروا، ترى هذه السيارة لفلان.
يُقبل إقراره؟ لا يُقبل إقراره على المال، لكن يُقبل في ذمته.
كيف ذلك؟ نقول: أما السيارة الآن فإنها تُباع ويُوفَى منها الدَّيْن، وأما الذي أقر له بالسيارة فيُطالبُه بعد فك الحجْر عنه، ويقول: أعطني قيمة السيارة، إقراره على عيْن ماله لا يُقبل، وفي ذمته يُقبل.
والحكمة من أنه لا يُقبل: لئلا يتواطأ الغريم وآخر على الإقرار بأن هذا الشيء للآخر من أجل ألا يباع في دَيْنه.
واضح، هذا قريب.
مثلًا: إنسان حجرنا عليه وعنده سيارة تساوي خمسين ألفًا، فجاءه صاحب له، قال له: يا فلان، أقر بأن السيارة لي؛ من أجل أن آخذها، وهي ليست له.
هذا وارد ولَّا غير وارد؟ وارد لا شك، ولهذا يُسدُّ الباب، يقال: الآن إذا أقررت بأن السيارة لفلان، إقرارك بالذمة لازم، وأما السيارة فإنها داخلة في المال فتُباع ويُقضى منها الدَّيْن.
كذلك لو قال لشخص: إن له عليَّ ألف درهم بعد أن حجرنا عليه.
هنا لم يُقر بعين، إنما أقر بدَيْن، بعد ما حجرنا عليه قال: في ذمتي لفلان ألف درهم.
يقول: لا يُقبل.
لا يُقبل بمعنى لا يدخل مع الغرماء، ولكن يُطالِب متى؟ بعد فك الحجر عنه؛ لأن التهمة حاصلة، قد يأتي إنسان صاحب له ويقول: تعالَ، أنت الآن عليك دراهم للناس، أقرَّ لي بشيء حتى أشاركهم، وإذا أخذته أعطيتك إياه.
هذا وارد، فنقول: لا يُقبل إقراره بالنسبة لمشاركة الغرماء، أما بالنسبة لبقاء الدَّيْن في ذمته فهو باقٍ؛ ولهذا قال: (ولا إقراره عليه) أي على ماله، يعني على أعيان ماله لا يُقبل.
قال: (ومَنْ باعه أو أقرضه شيئًا بعده) أي: بعد الحجْر، (رجع فيه) أي: فيما باعه أو أقرضه، (إن جهل حجْره وإلا فلا).
يعني: إنسان باع على المحجور عليه شيئًا وهو لا يعلم، ثم علم أنه محجور عليه، ماذا يصنع الآن؟ مشكلة! لأن التصرف معه بعد الحجر غير نافذ.
نقول: ارجع بمالك ولا ضرر؛ حتى لو فُرض أن هذا المحجور عليه استعمله يومين أو ثلاثة أو أكثر، فيكفيك أن ترجع إليك عين مالك.
مثال هذا: رجل باع على هذا المحجور عليه سيارة بخمسين ألفًا، وهو لا يدري أنه محجور عليه، فعلِم، فماذا يصنع؟ سيارته الآن سقطت في الهوة، فماذا يصنع؟ نقول: خذ السيارة، ما دمت لم تعلم فخُذ السيارة، فإن كان عالِمًا، فإنه لا يرجع وتُدْخل السيارة في دَيْنه، تُباع وتُوزَّع على الغرماء.
طالب: إذا هلك المبيع قبل أن يعلم (... )؟
الشيخ: يبقى في ذمته.
الطالب: لا يدخل مع الشركاء؟
الشيخ: لا، ما يدخل مع الشركاء.
هذا يسأل يقول: إذا قدَّرْنا أن هذا الشيء الذي اشتراه هلك، فهل يدخل مع الغرماء؟ نقول: لا، يبقى في ذمته.
طالب: إذا هذا الرجل المحجور عليه له بيت (... )، وله سيارة للعائلة، له.
الشيخ: بيجينا إن شاء الله.
طالب: قلنا: إنه لا يجوز من كان عليه دَيْن أن يتصدق، حتى إذا لم يكن مطالبًا (... )؟
الشيخ: أما لو قال له صاحب الدَّيْن: كلما تصدقت به فأنا مُسقِطه عنك، فلا بأس؛ لأنه ما يضره الآن.
الطالب: لازم الشرط.
الشيخ: أما إذا لم يقل هذا فقد يكون سكوته حياءً أو خجلًا أو ما أشبه ذلك.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، ما يُخالف، هذا صحيح.
مرادهم فيما سبق أن الدَّيْن الحال لا يمكن تأجيله، لكن هذا مُؤجَّل من الأصل.
طالب: المؤلف رحمه الله يقول: (من لم يقدر على وفاء شيء من دَيْنه لم يطالب به وحرم حبسه)، فإن كان يعلم أن صاحب (... ).
الشيخ: سمعتم كلامه؟ يقول: لو فرضنا أنه إذا حُبس عطف عليه أقاربه وأصحابه وأوفوا عنه، هل نحبسه؟
طالب: لا.
الشيخ: إن رضي فلا بأس، إذا رضي هذا المدِين وقال: احبسوني لعل الله يسهل أحدًا يعطف عليَّ! إي نعم، هذا شيء واقع وكثير، فلا بأس يُحبس؛ لأن حبسه الآن من مصلحة الغرماء.
طالب: برضاهم.
الشيخ: برضاهم إي نعم.
الطالب: بإلزام (... ).
الشيخ: لا، ما فيه إلزام، لكن لا شك أني إذا رأيت هذا الرجل محبوسًا عن أهله وعائلته سوف أرق له أكثر مما إذا كان يمشي في السوق.
طالب: شخص لا يقدر على الوفاء، هل هناك فرق بين أن يكون ضامنًا أو يكون هو صاحب (... )؟
الشيخ: إي نعم، لا فرْق بين أن يكون فرعًا أو أصلًا؛ يعني كالضامن والكفيل إذا لم يحضر البدن سواء.
الطالب: يا شيخ، ما (... ) كفالة غرامية ويوقِّع عليها، فهل يطالَب؟
الشيخ: إي، يطالب، ويش الفائدة من هذا؟
الطالب: يقول: ما عندي شيء.
الشيخ: مَنْ؟
الطالب: هو (... ).
الشيخ: نقول: إذا ما عندك شيء ادخل بالحبس، وسهَّل الله أمرك.
الطالب: يقول يا شيخ: أعرف أنه ما يجوز.
الشيخ: لا، أقول: إذا كان ما عنده شيء عرفت أنه ما يطالَب ولا يحبس، لكن إذا صار عنده شيء وقال: يا جماعة، أنا ما موف، يقول: روحوا للأول، للمضمون.
نقول: ويش الفائدة من الضمان؟ إذا كنت تحيلني على المضمون الفائدة من الضمان فُقِدت الآن، نحبسه ونقول: أنج نفسك.
أما إذا كان ما عنده شيء معلوم لا يُطالب، لا الأصيل ولا الضمين.
الطالب: إن كان قد وقع (... ).
الشيخ: إي، ما عنده شيء، لو كان أصيلًا هل يُحبس ويطالَب؟
الطالب: لا.
الشيخ: طيب.
طالب: يا شيخ، لو وكَّل يا شيخ، المدِين، وكَّل شخصًا ليبيع السيارة، ثم حُجِر عليه وباع الوكيل بعد الحجر؟
الشيخ: هذا ينبني على انعزال الوكيل قبل العلم، إن قلنا بأنه ينعزل قبل العلم لم يصح البيع، وإن قلنا: لا ينعزل إلا بعلمه؛ صح البيع، فالصحيح أن فيه التفصيل: إن طالت المدة بين عزله وتصرفه لم نقبل منه أنه لم يعلم، وإن قصرت أو كان متباعدًا يعني في المكان ولا فيها هاتف يتصل به فيصح.
طالب: ما حجة المذهب في قول أن الدَّيْن الحال لا يُؤجَّل؟
الشيخ: نعم، حُجَّتهم أن التأجيل وصْف زائد على الأصل، والأوصاف الزائدة على الأصل لا بد أن تكون في نفس العقد.
الطالب: ولو قبِل الدائن؟
الشيخ: ولو قبِل، لكن الصحيح أنه يتأجل، الصحيح أن القرْض يتأجل، والدَّيْن إذا حل وطلب تأجيله بدون زيادة فلا بأس؛ لأن المذهب مشكلة، يعني لو تقرض هذا الرجل مئة ألف ليشتري بيتًا، واشترى بيتًا بمئة ألف، وجئت إليه من الغد وقلت: يلَّا أوفني وإلا الحبس، هذا خلاف المشروع والمعقول.
الطالب: إذا وقعت هذه الحالة، ماذا يقولون؟
الشيخ: من اللي ماذا يقولون؟
الطالب: إذا قال يعني أوفِني، قال: ليس معي الآن شيء، ويؤجَّل.
الشيخ: يُباع، يُحجر عليه إذا كان ما عنده إلا البيت هذا.
طالب: الأصل يا شيخ أن يكون جاهلًا أو عالِمًا؟
الشيخ: ما هو؟
الطالب: الذي باعه، ثم قيل: إنه محجور عليه.
الشيخ: لا، فيه التفصيل؛ إذا كان عالِمًا بأنه محجور عليه ما له حق يرجع في ماله، وإن كان جاهلًا فله أن يرجع بماله.
هذا كلام المؤلف صريح.
الطالب: الأصل يا شيخ أنه عالم وجاهل؛ يعني يُطالَب بإيفاء الدَّيْن على (... ).
الشيخ: ويش الأصل العلم ولَّا الجهل؟ أسألك أنت؟
الطالب: الجهل.
الشيخ: أنت؟
طالب: ذكرنا أنه لا يصح إقراره على ماله، فإذا قال لشخص أنا لن..
الشيخ: لا يصح إقراره على ماله، لكن يكون في ذمته.
الطالب: نعم، يكون في ذمته، لكن قال لشخص: أنا لن أقر لك بدَيْن من مالي، ولكن تعالَ أنت، فقل: إني غريم لم أعلم بأنه قد حُجر عليَّ إلا بعد الحجر لكي يشارك (... ).
الشيخ: ما يُقْبل.
الطالب: ما الفرْق بينه وبين الغريم الذي (... )؟
الشيخ: هذا في بينة ما هو بإقرار، هذا بإقرار، المحجُور عليه لا يُقبَل إقراره بأي شيء، لا بِدَيْن سابق ولا لاحق، إلا إذا صدَّقه الغرماء.
الطالب: كيف تكون البينة يا شيخ؟
الشيخ: يشهد عليه أنه معاه من قبل الإحجار عليه.
طالب: رجل عليه ديْن لشخصين غني وفقير (... ) كل واحد يوفي في نفس الموعد، فهل نقول؟
الشيخ: يعني رجل عليه دَيْن مؤجَّل لغني وفقير والأجل واحد.
الطالب: فهل نقول: ليس للغني (... ) كلاهما.. ؟
الشيخ: كُلٌّ له حق، ما دام عنده مال، أما إن كان ما عنده مال أبدًا فهو لا يُطالَب، سواء كان صاحب الطلب غنيًّا أو فقيرًا.
الطالب: لكن من أحق يا شيخ؟
الشيخ: كل واحد، كلهم حق ثابت.
ما هو بالغني والفقير، هو الطالب ولَّا المطلوب؟
الطالب: هو الطالب.
الشيخ: إي، لا فرْق.
طالب: إنسان لو باع على أحد سيارة (... )، ثم صار عليه حادث فانعدمت السيارة، فماذا؟
الشيخ: تبقى في ذمة المحجور عليه، إذا كان مفرطًا، وإن كان غير مفرط تجلب على صاحبها، إلا على المشهور من المذهب الذين يقولون: إن العقد الفاسد كالغصب، فيقولون: إن عليه الضمان مطلقًا، على المحجور عليه.
طالب: إذا كان أحد الغرماء موجودًا في البلد ساعة إشهار الحجر على شخص، وبعدين رجع بعد الإشهار، هل من حقه أنه يرجع على المحجور عليه؟
الشيخ: ظاهر كلام العلماء أنه ما يرجع؛ لأنه مفرط؛ لأن الواجب (... ) أو وكَّل إنسانًا، قال: شوف فلان الآن مدِين، وماله أقل من دينه وأخشى أن يكون يحجر عليه فأنت إن حجر عليه فأخبرني.
(... )
طالب: إنسان يا شيخ عليه مئة ألف، وله عند رجل ثمانون ألفًا مؤجَّلة (... ).
الشيخ: ما هو ماله أقل من دَيْنه؟
الطالب: (... ).
الشيخ: ما يخالف، أو يقال: هذا ما دام ما حل الأجل فهو كالمعدم، ما يُحجب عليه حتى يحل ويقبض.
طالب: (... ).
الشيخ: كيف حال؟
الطالب: يعني حال، ولكن داعٍ للذي يطلبه المحجور عليه لم (... ).
الشيخ: طيب، ولا ينظر؟
الطالب: لا، ما ينظر.
الشيخ: خلاص، هذا كالمعدوم.
طالب: الذي ليس عنده مال يستطيع يمشي به، ولكن (... )، لكن إن علم من حال هذا الرجل أنه يقترض المال ويُوعد بالسداد وهو مستأمن.
الشيخ: هذا عادةً يرجع إلى ولي الأمر، وهو ما يُسمى عند الناس بالمدعي العام، إذا رأى مثل هذا اللي يلعب بالناس أنه يجب تأديبه يؤدبه.
الطالب: لكن تجوز مطالبته على هذه الحال، ولو لم يكن عنده شيء؟
الشيخ: لا، إذا علمت ما عنده شيء، أن الرجل أخرق، استقرض منك مثلًا مئة ريال، ولكن أخرق، إذا لقي أناسًا بالسوق نازلين توًّا مسافرين وجايين، قال: تفضلوا الله يحييكم.
فهذا ما..
الطالب: لكن حاله يا شيخ، إذا (... ) جميع الناس (... ).
الشيخ: ما يخالف، بس نعلم ما عنده شيء، لكن إذا رأى ولي الأمر، ولهذا يُذكر (... ) ولو تأكد، الحق للغرماء.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى في باب الحجر: وإن تصرَّف في ذمته أو أقرَّ بديْن أو جناية توجب قودًا أو مالًا صحَّ، ويطالب به بعد فكِّ الحجْر عنه، ويبيع الحاكم ماله.
ويقسم ثمنه بقدْر ديون غرمائه، ولا يحلُّ مؤجَّل بفلس ولا بموت إن وثق الورثة برهن أو كفيل مليء، وإن ظهر غريم بعد القسمة رجع على الغرماء بقسطه، ولا يفك حجره إلا حاكم.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا الكلام على أول باب الحجر، وبيَّنا أن الحجر هو منْع الإنسان من التصرف في ماله، ويكون لحظ نفسه، ويكون لحظ غيره، فالحجْر على السفيه والصغير والمجنون لحظِّ نفسه، أي لحظ المحجور عليه، والحجْر على الْمُفَلَّس الذي عليه ديْن لا يستطيع وفاءه حجْر لحق الغير.
ونحن الآن في هذا القسم من الحجْر.
قال المؤلف فيما يترتب على هذا الحجْر: (ولا ينفذ تصرُّفه في ماله بعد الحجْر ولا إقراره عليه).
طالب: (وإن تصرَّف في ذمته).
الشيخ: نعم، قال: (وإن تصرَّف في ذمته) المحجور عليه لا يصح تصرفه في عين ماله، فإذا حجرنا على الرجل لوجود ديْن عليه أكثر مما معه، فإنه لا يُمكن أن يبيع شيئًا من ماله ولو قلَّ، لا يمكن أن يبيع قلمًا ولا ساعة ولا غيرهما؛ لأن أعيان ماله تعلق بها حق الغرماء، لكن إن تصرف في ذمته فلا بأس.
ومعنى (تصرَّف في ذمته) يعني استقرض من شخص شيئًا، فلا حرج، فهذا الرجل الذي حجرنا عليه لو احتاج إلى شيء، مال، واستقرض من غيره فلا حرج.
لعل الصورة واضحة لكم إن شاء الله، أو ما هي واضحة؟
طيب، هذا رجل عليه ديَنْ يبلغ عشرة آلاف، والمال الذي عنده يساوي ثمانية آلاف، الآن نحجر عليه أو لا؟ نحجر عليه؛ حجرنا عليه وقلنا: الآن لا تتصرف في مالك، الرجل استقرض من شخص مالًا، فالقرض هنا صحيح؛ لأنه لم يتصرف في المال الذي حجرنا عليه فيه، وإنما تصرف في ذمته.
كذلك أيضًا لو اشترى شيئًا، لكن لم يشترِ بعين ماله، اشترى من شخص بيتًا أو سيارة فلا بأس؛ لأن الحجر عليه إنما هو في أعيان المال فقط، أما الذمة فليس عليها حجر.
ولهذا قال: (إن تصرَّف في ذمَّته أو أقرَّ بدين) حال الحجر أقرَّ بدَيْن؛ يعني أن هذا الرجل الذي كان الدَّيْن الذي عليه عشرة آلاف، والذي عنده ثمانية، حجرنا عليه، بعد الحجر قال: في ذمتي لفلان أربعة آلاف ريال، فإننا لا نقبله على المال الموجود، لكن نقبله في ذمته، نقول: الآن ثبت في ذمتك للذي أقررت له كم؟ أربعة آلاف، لكن لا تؤخذ الأربعة من المال؛ لأن هذا التصرف بعد الحجر.
وإن تَصَرَّفَ في ذِمَّتِه أو أَقَرَّ بدَيْنٍ أو جِنايةٍ تُوجِبُ قَوَدًا أو مالًا صَحَّ ويُطالَبُ به بعدَ فكِّ الْحَجْرِ عنه، ويَبيعُ الحاكمُ مالَه ويَقْسِمُ ثَمَنَه بقَدْرِ دُيونِ غُرمائِه، ولا يَحِلُّ مُؤَجَّلٌ بفَلَسٍ ولا بموتٍ إن وَثِقَ وَرَثَتُه برَهْنٍ أو كَفيلٍ مَلِيءٍ، وإن ظَهَرَ غَريمٌ بعدَ القِسمةِ رَجَعَ على الغُرماءِ بقِسطِه، ولا يَفُكُّ حَجْرَه إلا حاكمٌ.
(فصلٌ)
ويُحْجَرُ على السفيهِ والصغيرِ والمجنونِ لِحَظِّهم، ومَن أعطاهم مالَه بَيْعًا أو قَرْضًا رَجَعَ بعينِه وإن أَتْلَفُوه لم يَضْمَنُوا، ويَلْزَمُهم أَرْشُ الجِنايةِ وضَمانُ مالِ مَن لم يَدْفَعْهُ إليهم، وإن تَمَّ لصغيرٍ خمسَ عشرةَ سنةً أو نَبَتَ حولَ قُبُلِه شَعْرٌ خَشِنٌ أو أَنْزَلَ، أو عَقَلَ مجنونٌ ورَشَدَا، أو رَشَدَ سفيهٌ، زالَ حَجْرُهم بلا قَضاءٍ، وتَزيدُ الجاريةُ في البلوغَ بالحيضِ، وإن حَمَلَتْ حُكِمَ ببُلُوغِها، ولا يَنْفَكُّ الحجْرُ قبلَ شُروطِه، والرُّشْدُ الصلاحُ في المالِ بأن يَتَصَرَّفَ مِرارًا فَلا يُغْبَنُ غالبًا, ولا يَبْذُلُ مالَه في حرامٍ أو في غيرِ فائدةٍ، ولا يُدْفَعُ إليه حتى يُختَبَرَ قبلَ بُلوغِه بما يَليقُ به، ووَلِيُّهُم حالَ الْحَجْرِ الأبُ ثم وَصِيُّه ثم الحاكمُ، ولا يَتَصَرَّفُ لأحدِهم وَلِيُّه إلا بالأَحَظِ,
هذا رجل عليه دين يبلغ عشرة آلاف، والمال الذي عنده يساوي ثمانية آلاف، الآن نحجر عليه أو لا؟ نحجر عليه، حجرنا عليه وقلنا: الآن لا تتصرف في مالك.
لرجل استقرض من شخص مالًا، فالقرض هنا صحيح؛ لأنه لم يتصرف في المال الذي حجرنا عليه فيه، وإنما تصرف في ذمته.
كذلك أيضًا لو اشترى شيئًا لكن لم يشترِ بعين ماله، اشترى من شخص بيتًا أو سيارةً فلا بأس؛ لأن الحجر عليه إنما هو في أيش؟ في أعيان المال فقط، أما الذمة فليس عليها حجر، ولهذا قال: (إن تصرف في ذمته).
(أو أقر بدين) حال الحَجْر أقر بدَين؛ يعني أن هذا الرجل الذي كان الدين الذي عليه عشرة آلاف، والذي عنده ثمانية، حجرنا عليه، بعد الحجر قال: في ذمتي لفلان أربعة آلاف ريال، فإننا لا نقبله على المال الموجود، لكن نقبله في ذمته، نقول: الآن ثبت في ذمتك للذي أقررت له كم؟ أربعة آلاف، لكن لا تؤخذ الأربعة من المال؛ لأن هذا التصرف بعد الحجر، فيبقى في ذمته.
(أو أقر بدين أو جناية توجب قودًا أو مالًا؛ صَحَّ) أقر بجناية توجب قودًا، فقال: إنه قطع يد إنسان، أو إن عبده قطع يد إنسان، وهذا هو الأقرب؛ لأن كونه يُقِرُّ بجناية عليه توجب قودًا ليس فيها فائدة، إلا إذا قيل: ربما يختار من له القود الدية.
فكلمة (توجب قودًا) نقول: تشمل ما إذا أقر على نفسه بجناية توجب قودًا فإنه يصح، لكن لا يُطَالَب به إلا بعد فك الحجر.
كيف الجناية التي توجب قودًا؟ أقرَّ بأنه قطع يد إنسانٍ عمدًا، هذه جناية توجب القصاص، والقود هو القصاص.
نقول: الإقرار صحيح، لكن المُقَرَّ له لا يطالبه إلا بعد فك الحجر ما لم يُطالِب بالقود، فإن طالب بالقود فلا بأس أن يُقَاد؛ يعني إن قال المقر له: أنا أريد أن يقتص منه وتقطع يده، قلنا: لا بأس؛ لأن هذا لا يتعلق أيش؟ لا يتعلق بماله، لكن لو قال المقَرُّ له: أنا أريد دية اليد التي أقر بقطعها، قلنا: لا يمكن؛ لأن الدية تتعلق بالمال.
وكذلك لو كان له عبد وأقر بأن عبده جنى -والعبد من جملة المال يُبَاع في الدين- فإننا لا نقبله إلا بعد فك الحجر، أما الآن فلا.
يقول: (ويُطَالَب به بعد فك الحجر عنه) (يُطَالَب به) أي: بما أقر به، (بعد فك الحجر) ومتى يُفَك الحجر؟ يُفَك إذا أعطينا الغرماء ما وجدوه من ماله، انتهى الحجر، فإذا قُسِمَ ما وجدنا من ماله على الغرماء فقد انتهى الحجر، فيطالب بما أَقَرَّ به، ويُطَالَب بما ثبت في ذمته، فإن حجرنا عليه مرة ثانية شارك من أقر لهم غرماءه الأولين.
طيب، كم حكمًا ترتب على الحجر؟
الحكم الأول: لا ينفذ تصرفه في ماله.
الحكم الثاني: أن إقراره حال الحجر لا يصح على ماله، ولكن يصح في ذمته ويُطَالَب به بعد فك الحجر.
الثالث قال: (ويبيع الحاكمُ مالَه) (الحاكم) أي: القاضي، (ماله) وهل المراد أن الحاكم نفسه يتولى بيعه فيقف في السوق ويقول: من يشتري هذا، أو يأمر من يبيع؟ الثاني؛ لأن الحاكم عادة -الذي هو القاضي- لا يقف في الأسواق يقول: من يشتري هذا المال؟ لكن يأمر من يبيع ماله؛ أي: مال المحجور عليه.
(ويقسم ثمنه بقدر ديون غرمائه) ثمن المبيع يُقْسَم بقدر أيش؟ ديون الغرماء، بالتساوي أو بقدر الدين؟ الثاني؛ يعني: بقدر الدين، وكُلُّ إنسان يُعْطَى بقسطه.
وكيفية ذلك أن تَنْسِبَ الموجود للدين، فما حصل من النسبة فهو لكُلِّ واحدٍ من دينه.
مثال ذلك: قلنا: إن دَيْنه عشرة آلاف ريال، والموجود ثمانية، انْسُب الثمانية إلى العشرة تكن أربعة أخماس، فلكُلِّ واحد من الغرماء أربعةُ أخماس ماله، مَنْ له ألف كم نعطيه؟ ثمان مئة، ومن له مئة؟ ثمانين، وهلم جرًّا.
فالمهم أن كيفية التقدير أن تنسب الموجود للدين، فتعطي كُلَّ مدين بمثل تلك النسبة، فإذا كان الموجود أربعة أخماس أعطِ كُلَّ واحد أربعة أخماس من نصيبه.
إذا كان دين أحدهم خمسة ريالات، كم نعطيه؟ أربعة ريالات.
شوف واحد منهم أعطيناه ثمان مئة وهذا أعطيناه أربعة ريالات؛ لأن النسبة هكذا تكون.
قال: (ولا يحل مؤجل بِفَلَسٍ) يعني: إذا كان على الإنسان دين وحُجِرَ عليه، فهل يحل الدين أو يبقى على أجله؟ يقول المؤلف: إنه لا يحل، فيبقى على أجله ويُطَالَب إذا حلَّ الأجل.
مثال هذا: إنسان استدان من شخص دينًا لمدة سنة، في أثناء السنة حُجِرَ على المدين، فجاء صاحب الدين ليطالب مع الغرماء، فنقول: لا حق لك، ليش؟ لأنه لم يحل دينه؛ مؤجل.
إذا قال صاحب الدين المؤجل: أنتم لما حجرتم عليه سوف تبيعون ماله ولا يبقى لي شيء، نقول: لأنه لا حق لك، فإذا حل دينك شاركت الغرماء إن وُجِدَ له مال، وإلا فلا يحل.
كذلك لا يحل المؤجل بموت؛ موت المدين إلا أن المؤلف استثنى فقال: (إن وَثَّق ورثته برهن أو كفيل ملي) فإن لم يوثقوا حلَّ.
مثال هذا: رجل عليه عشرة آلاف ريال تحل بعد سنة، ثم مات الرجل، فهل يحل الدين؟
الجواب: لا يحل؛ لأن المال انتقل إلى الورثة بأعيانه وأوصافه، ومن أوصافه أنه مؤجل، فالحق للورثة الآن، إذا قالوا: لن نوفيك؛ لأن دينك لم يحل، فالقول قولهم.
ولكن اشترط المؤلف: (إن وَثَّق ورثته برهن أو كفيل ملي) يعني مثلًا إذا قالوا: حقك الآن لم يحل ولا تطالبنا بشيء، فإذا قال: أخشى أن تقتسموا المال ويضيع حقي، قالوا: لك هذا البيت رهنًا، البيت يساوي عشرين ألفًا، والدين كم؟ عشرة آلاف، الآن هذا الرهن يكفي للدين، إذا لم يرهنوه شيئًا، وقال: قدموا لي كفيلًا، قالوا: هذا فلان يكفل دينك، نظرنا: إذا كان مليئًا لم يحل الدين، وإن كان غير ملي حلَّ الدين.
فمن هو الملي؟ الملي هو القادر على الوفاء؛ بماله وقوله وبدنه، هذا هو الملي: القادر على الوفاء بماله، والثاني: قوله، والثالث: بدنه.
فالملي بماله: أن يكون عنده أموال تكفي لهذا الدين، والقادر ببدنه: أن يكون ممن يمكن إحضاره لمجلس الحكم عند التحاكم، والقادر بقوله: ألَّا يكون مماطلًا، فيقول: غدًا ائت، بعد غد، ويماطل، فإذا أتوا بكفيل غني وَفيٍّ لو أبى أن يُوفِي حُوكِمَ، فالدين لا يحل.
وعلم من قوله: (أو كفيل ملي) أنهم لو جاؤوا بكفيل غير ملي فإن الدين يحل؛ لئلا يضيع حق الدائن، جاؤوا إليه بكفيل، الكفيل لا يملك إلا ألف ريال، والدين كم قلنا في المثال؟ عشرة، هل يكفي؟ لا؛ لأنه ليس مليًّا بماله.
أتوا بكفيل عنده أموال كثيرة، لكنه مماطل لا يكاد يخرج الحق منه؛ كل من جاء وقال: أبغي حقي، قال: طيب بكره إن شاء الله، ائت وعلى العين والرأس، فإذا جاء من بكرة قال: واللهِ ما تيسر اليوم، ائتني بعد أسبوع، أجَّل أمس بيوم واليوم بأسبوع، جاء بعد أسبوع قال: واللهِ أموالي تعرف أنها متبددة في البلاد رايحه يمينًا ويسارًا ولا أظني أقدر على هذا إلا بعد شهر، هل يكفي في إحرازه أو لا يكفي؟ لا يكفي، معلوم أنه مماطل.
أتوا بإنسان غني عنده مال وليس معروفًا بالمماطلة، لكن لو ماطل لم نتمكن من إحضاره إلى القضاء؛ إما لأنه ذو سلطان لا يمكن أن يُؤْتَى به إلى القضاء، وإما لأنه قريب من الإنسان يخجل أن يجر قريبه إلى القضاء؛ كأبيه مثلًا، فهنا نقول: هذا الكفيل لا يكفي، فيحل الدين أو لا يحل؟ يحل الدين؛ لئلا يضيع حق الدائن.
وعلى هذا: فإذا توفي رجل وعليه دين لآخر يحل بعد سنة، وجاء صاحب الدين يُطَالَب الورثة فلهم أن يدفعوه، كذا، أو فيه التفصيل؟ ففيه تفصيل: إن أعطوه رهنًا فلهم الدفع، لكن رهنًا يكفي، إن أقاموا كفيلًا مليئًا فلهم أن يدفعوه، وإلا فإن الدين يحل ويطالب صاحبُ الدين الورثةَ بدينه.
بقي أن يقال: إذا كان هذا الدين ثمن مبيع، فالغالب أن الدين إذا كان ثمن مبيع سوف يزيد عن الثمن الحاضر، إذا كنت أبيع هذه السيارة بعشرة آلاف اليوم سأبيعها إذا كان مؤجل الثمن بكم؟ باثني عشر ألفًا مثلًا.
هذا الرجل استدان من الدائن ومات في أسبوعه مثلًا، رجل اشترى سيارة من شخص باثني عشر إلى سنة، ثم مات اليوم؛ يوم شرائه، ولم يكن عند الورثة رهن يحرز ولم يأتوا بكفيل حلَّ الدين.
هل للدائن أن يأخذ جميع الدين، أو لا يأخذ إلا ثمنه الحاضر؟
طالب: ثمنه الحاضر.
طالب آخر: الثاني.
الشيخ: انتبهوا، الحق واجب الآن اثنا عشر ألفًا، المذهب أنه يحل بقدره ولا ينزل منه شيء؛ لأنه ثبت في ذمة الميت كم؟ اثنا عشر ألفًا، والميت لو كان حيًّا لم يوف إلا بعد سنة.
لكن لو قيل: بأنه إذا مات في مثل هذه السرعة في يومه، فينبغي أن يثبت له قيمة السيارة في اليوم الحاضر؛ لأن السعر لم يتغير، أو يقال له: خذ سيارتك ما (... ) شيء، لكن المذهب يقولون: إنه إذا حل المؤجل فإنه يحل بكامله ولا يُنْقَص منه شيء.
الخلاصة الآن: إذا أفلس الرجل المدين هل يحل دينه؟ يعني: الدين اللي عليه هل يحل أو لا؟
طالب: إذا لم يكن هناك رهن.
الشيخ: لا ما فيه رهن، الرجل ما مات حُجِرَ عليه، هل يحل الدين المؤجل أو لا يحل؟
طالب: لا يحل.
الشيخ: لا يحل، يبقى مؤجلًا، طيب.
إذا مات المدين هل يحل الدين المؤجل الذي عليه؟
طالب: فيه تفصيل يا شيخ.
الشيخ: فيه تفصيل، ما هو؟
الطالب: هو إذا كان عندهم رهن الورثة محرز أو عندهم كفيل ملي فحينئذٍ لا يحل الدين، وإذا لم يكن لهم رهن محرز أو لم يكن لهم كفيل ملي فحينئذٍ يحل الدين.
الشيخ: تمام، إذن إذا مات المدين هو الذي فيه التفصيل الذي أردت، إذا مات المدين؛ فإن وثَّق الورثة من له الدين برهنٍ يكفي أو أتوا بكفيل ملي فالدين باقٍ لا يحل؛ لأنه لا ضرر على صاحب الدين، وأما إذا لم يأتوا برهن أو لم يأتوا بكفيل ملي فإنه يحل الدين؛ لئلا يضيع حقه.
بقي علينا الإشكال الذي أوردناه: هل يحل الدين بكامله أو يُخْصَم منه ما كان زائدًا على الثمن الحاضر؟
قلنا: المذهب أنه يحل الدين بكامله؛ لأنه دينٌ ثبت في ذمة الميت فيبقى على ما هو عليه، والذي ينبغي أن يقال: إنه لا يحل الدين بكامله؛ لئلا نظلم الورثة.
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن ظهر غريم بعد القسمة رجع على الغرماء بقسطه) (إن ظهر غريم بعد القسمة) أي: بعد قسمة ماله؛ يعني: حجرنا على الرجل وقسمنا ماله، لم يبق عنده شيء، ظهر بعد ذلك غريم لم يعلموا به من قبل، يقول: (رجع على الغرماء بقسطه).
وكيف قسطه؟ ننظر نسبة دينه إلى ما أخذه الغرماء، فإذا نظرنا إليه ووجدناه نصف ما أخذه الغرماء؛ يرجع على كل واحد بنصف ما أخذ، ربعه؛ يرجع على كُلِّ واحد بربع ما أخذ.
مثال ذلك -المثال الأول-: الدين عشرة آلاف، والموجود ثمانية آلاف، قسمنا الثمانية بين الغرماء، ظهر غريم دينُه أربعة آلاف، أربعة آلاف نسبةً إلى الثمانية النصف، يرجع على كل واحد بنصف نصيبه.
إذا رجع بنصف نصيبه كم يكون له من الموجود؟
طالب: أربعة.
الشيخ: أربعة، لا.
طالب: الثلث.
الشيخ: الثلث، يرجع على كل واحد بثلث نصيبه؛ لأنك تضيف نصيبه إلى الموجود -وهي ثمانية- يبلغ اثني عشر، ونسبة الثمانية إلى اثني عشر كم؟ الثلثان، فيرجع على كل واحد بثلث نصيبه.
ثم قال المؤلف: (ولا يفك حجره إلا حاكم) (لا يفك حجره) أي: حجر المحجور عليه لفلس لا يفكه إلا حاكم، التعليل: لأنه ثبت بحكم الحاكم، وما ثبت بحكم الحاكم لا يرتفع إلا بحكمه؛ يعني لا نقول: إننا إذا قسمنا ماله بين غرمائه انفك الحجر، لا، لا بد من أن يفكه الحاكم، وعلى الحاكم أن يبادر بفك الحجر عنه، لا يماطل.
مثلًا نحن قسمنا ماله الموجود بين الغرماء اليوم؛ السبت، لا يجوز للقاضي أن يؤخر فك الحجر إلى يوم الجمعة مثلًا؛ لأن في ذلك ضررًا عليه، بل نقول: يجب أن يفكه فور قسمته.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (فصلٌ ويُحْجَر على السفيه والصغير والمجنون لحظهم).
هؤلاء ثلاثة؛ السفيه وهو الذي لا يحسن التصرف في المال، هو بالغ عاقل لكن لا يحسن التصرف في المال؛ يذهب يشتري به حلويات ومفرقعات وما أشبه ذلك، هذا أيش يكون؟ سفيهًا.
الصغير: هو الذي لم يبلغ.
المجنون: فاقد العقل.
هؤلاء الثلاثة يُحْجَر عليهم، فلا يُمَكَّنون من التصرف في مالهم، لكن (لحظهم) لا لحظ غيرهم، فإذا كان السفيه مراهقًا حجرنا عليه من وجهين؛ هما: السفه، والصغر.
ولكن لا بأس أن نعطيه ما يتصرف به مما جرت به العادة لنختبره؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6]، هذا مَنْ؟ السفيه الذي لم يبلغ؛ يعني بمعنى أننا لا نحجر عليه حجرًا تامًّا، بل نعطيه ما يتصرف به بقدره حتى نعرف أنه يحسن التصرف، فإذا بلغ أعطيناه ماله.
ويش قلنا في السفيه؟ قلنا: السفيه يُحْجَر عليه إذا كان مراهقًا، فهل نمنعه من التصرف في ماله مطلقًا أم ماذا؟
طالب: يُعْطَى بعض شيء (... ).
الشيخ: نعم، يُعْطَى الشيء اليسير حتى يُعْرَف حسنُ تصرفه، فإذا بلغ أعطيناه ماله كُلَّه.
المجنون هل نعطيه شيئًا للاختبار؟
طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟
طلبة: لأنه لا يحسن التصرف.
الشيخ: لأنه لا يمكن، المجنون مجنون، لو أعطيناه أيَّ شيء سوف يخربه.
السفيه البالغ كالمراهق؛ بمعنى أننا لا نمكنه من التصرف في ماله كما يريد، ولكن نعطيه شيئًا مما جرت به العادة؛ يعني نعطيه -مثلًا- البيض يبيعه، دجاجة، وما أشبه ذلك من الأشياء اليسيرة.
ثم قال المؤلف: (ومن أعطاهم ماله بيعًا أو قرضًا رجع بعينه، وإن أتلفوه لم يضمنوا).
قوله: (من أعطاهم) (من) هذه اسم شرط، واسم الشرط يدل على العموم؛ يعني: أيُّ إنسان أعطاهم ماله بيعًا أو قرضًا رجع بعينه، وإن أتلفوه لم يضمنوا.
مثال ذلك: رجل باع على السفيه ساعة، ثم إن السفيه أتلفها، فهل يصح البيع؟ وهل يضمن السفيه؟
الجواب: البيع لا يصح، فإن كان أخذ ثمنها من السفيه وجب عليه رده، وهل يضمنها هذا السفيه؟ أجيبوا.
طلبة: لا.
الشيخ: لا يضمنها؛ لأن الرجل هو الذي سلطه على ماله فلا يضمن، لا يضمن السفيه الذي أتلف هذه الساعة.
كذلك (قرضًا) هذا إنسان سفيه جاء لشخص قال: أقرضني -جزاك الله خيرًا- مئة ريال، وهو يعرفه من بني فلان، من أهل الشرف والسؤدد، فقال: أبرك ساعة، هذه مئة ريال.
فهل لو أتلفها هذا السفيه -أتلف المئة- هل يضمنها؟ لا، لكن إن بقيت المئة في يده فلمن أقرضه إياها أن يأخذها منه؛ لأن هذا التصرف غير صحيح.
إذا قُدِّر أن هذا السفيه اشترى بها حاجة، هل يرجع عليه بها؟
الجواب: نعم يرجع؛ لأن البدل له حكم المبدَل، فإذا جاء هذا السفيه إلى شخص وقال: أقرضني مئة ريال، قال: طيب، اتفضل، فذهب واشترى بها ساعة، فهل يرجع الذي أعطاه مئة ريال بالساعة أو لا؟ يرجع؛ لأنها بدل ماله، وهو لو وجد ماله عند السفيه لأخذه، فكذلك إذا وجد بدله.
أما لو اشترى هذا السفيه بالمئة ريال؛ اشترى بها حلويات وأكلها، بطيخًا وأكله، صلح بها وليمة وعزم عليها أصحابه وأكلها، هل يضمن؟ لا يضمن، ليش؟ لأنه هو الذي سلطه على ماله، وهذا سفيه، كيف تعطي مالك للسفهاء؟ !
ومثل ذلك الصغير؛ لو جاء الصغير وقال لشخص صاحب لأبيه يعرفه، قال: سلفني عشرة ريالات، اللي يقوله مَنْ؟ الصغير، والرجل صاحب لأبيه يعرفه، قال: خذ، فأخذها الصغير واشترى بها أشياء وأتلفها، هل يضمن الصغير؟ لا، لكن لو وجد عشرة بيده أخذها منه؛ لأنها عينُ ماله.
لو جاء الصغير وقال: إن أبي يقول: من فضلك سلفني مئة ريال، لا يريدها لنفسه، لكن ادعى أن أباه أوصاه، قال للصبي: روح إلى فلان وقل له: يقول أبي أقرضني مئة ريال، فأقرضه، ثم إن الصبي أتلفها، هل يضمن؟
طلبة: لا يضمن.
طلبة آخرون: يضمن.
الشيخ: لا، فيه تفصيل؛ إن صَدَّق الوالد ابنه يضمن؛ يضمن الأب؛ لأن الولد قبضها وكيلًا عن أبيه، فإذا تلفت بيد الولد كأنما تلفت بيد أبيه، وإن قال: لم أرسله ولا علمت بذلك فلا ضمان عليه، لا ضمان على مَنْ؟ على الصبي.
طيب، لماذا؟ نقول: لأن هذا الرجل هو الذي سلَّط الصغير على ماله.
لكن هذه المسألة فيها إشكال في الواقع، يعني الذي قررنا الآن هو مقتضى كلام الفقهاء رحمهم الله، لكن فيه إشكال؛ لأنها جرت العادة في مثل هذا أن الإنسان يقول لابنه الذي لم يبلغ، مثلًا مراهق أو له اثنا عشرة سنة أو ما أشبه ذلك: يا بني روح لجارنا -مثلًا- قل له: يقول الوالد: سلفني مئة ريال مثلًا، جرت به العادة، أليس كذلك؟ فهنا لا شك أن الرجل لم يعطه مئة ريال إلا وهو واثقٌ من أن أباه قد أوصاه، وإلا لم يعطه.
فهذه المسألة عندي فيها توقف، وهو أنه إذا كان جرت العادة بأن صاحبه يرسل إليه ولده ليستقرض منه، فينبغي أن يقال: إنه يضمن، لكن في هذه الحال مَنِ الذي يضمن؟ الذي يضمن الوالد؛ لأن الرجل إنما أقرضه بناءً على أن أباه أرسله.
هذا إذا كانت العادة بينهما جارية مطردة، أما إذا لم تكن العادة جارية مطردة فإن هذا الصغير لا يضمن، ووالده أيضًا لا يضمن إذا كذَّبه.
كلمة (من أعطاهم) ذكرنا أنها عامة، فإذا كان الذي أعطاهم مثلهم، انتبهوا يا جماعة: إذا كان الذي أعطاهم مثلهم؛ يعني صغيرًا أعطى صغيرًا، وتلف المال عند الصغير، فهل يضمن أو لا؟ انتبهوا الآن، إحنا قلنا بالأول: إذا أعطاهم الكبير ماله فلا ضمان؛ لأنه هو الذي سلَّطهم، لكن هذا الذي أعطاهم المال صغير، وتصرف الصغير غير صحيح، فهل نقول: عليهم الضمان؛ لأن عطية الصغير هنا غير معتبرة، فكأن الصغير الذي أُعْطِيَ المال كأنه أتلفه بدون إعطاء؛ لأن هذا الإعطاء غير معتبر لكونه ممن لا يصح تصرفه؟ أو نقول: إن هذا الصغير لما سلَّط الصغير على المال فإنه لا ضمان؟ نقول: الأقرب الضمان؛ لأن حق الآدمي مضمونٌ بكل حال، وإعطاء الصغار لمثلهم لا عبرة به.
أنت فاهم زين؟ قل لي.
طالب: إذا أقرض الصغير صغيرًا مالًا (... ).
الشيخ: فأتلفه الصغير المعطى، هل يضمنه أو لا؟
الطالب: لا يضمنه؛ لأن الصغير كأنه أتلف مالًا لم يعطه.
الشيخ: هذا الذي قلنا: إنه أقرب؟
طالب: أن الأقرب أنه يضمنه.
الشيخ: أنه يضمنه؛ لأن إعطاء الصغير غير معتبر، فكأن الصغير الذي أتلفه كأنه هو الذي جنى على المال فأتلفه.
طيب، إذا أعطاه كبيرٌ؛ أعطى الكبير صغيرًا مالًا فأتلفه، هل يضمن؟
طالب: المذهب على أنه إن صدَّقه؛ الوالد إن صدَّقه.
الشيخ: لا، شوف السؤال: رجل كبير أعطى هذا الصغير مالًا فأتلفه.
الطالب: لا يضمن؛ لأن الصغير..، دون أن يرسله والده؟
الشيخ: إي، دون أن يرسله.
الطالب: لا يضمن الصغير.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأن الصغير لا تصرف له.
الشيخ: قال: هذا مالي أتلفه، لازم يضمنه.
الطالب: لكنه صغير.
الشيخ: هو الصغير ما يضمن؟ أرأيت لو أن الصغير –مثلًا- دخل على بيت إنسان وأكل الخبز والفطور، يضمن أو لا يضمن؟
طالب: لا يضمن؛ لأنه هو الذي سلَّطه على ماله.
الشيخ: صحيح لا يضمن؛ لأنه هو الذي سلَّط الصغير على ماله، وقال: أنت الذي فرطت، ليش تبيع على هذا الصغير؟ ليش تقرض هذا الصغير؟
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- قد قررنا أن المذهب أن الدين لا يتأجل؟
الشيخ: لا، الدين الحال لا يتأجل.
الطالب: لا، الدين أصلًا لا يتأجل، دين حال.
الشيخ: الدين الحال لا يتأجل، أما الدين المؤجل من أصل العقد فلا مانع منه.
الطالب: شيخ، نحن كنا قد قررنا أن الدين أصلًا لا يتأجل على مذهب الحنابلة.
الشيخ: لا ما قررنا هذا، قررنا أن الدين الحال لا يتأجل.
الطالب: إذا أجله صاحبه بالاتفاق؟
الشيخ: من حين العقد ولَّا بعد العقد؟
الطالب: سواء.
الشيخ: لا، ليس سواء، إذا بعت عليك هذه السيارة بعشرة آلاف إلى سنة، هذا يصح، وهذا دينٌ مؤجل بأصل العقد، وإذا بعت عليك هذه السيارة بعشرة آلاف نقدًا لم نذكر الأجل، ثم أجلناه، لا يتأجل.
الطالب: شيخ، لو أنا اقترضت من رجل عشرة آلاف على ألَّا يسددها بعد ستة أشهر، يقولون في المذهب: لي الحق أن أطالبه من الغد.
الشيخ: إي نعم، ليش؟ لأن القرض لا يصح إلا حالًّا، القرض عندهم لا يثبت في الذمة إلا حالًّا.
الطالب: طيب، والدين أليس هو قرضًا؟
الشيخ: بلى، لكن ما يصلح أن نقول: كُلُّ دينٍ لا يتأجل، ما يصح هذا.
الطالب: إنما الدين الذي أصله في..
الشيخ: الدين الحال أو الذي لا يمكن فيه التأجيل لا يمكن تأجيله، والصواب أنه جائز، هذا وهذا.
الطالب: هذا الصواب الذي..
الشيخ: نعم.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- الصغير والسفيه والمجنون هل لا بد من حجر أم أنهم يعني مجرد.. ؟
الشيخ: لا، ما يحتاج إلى الحجر، ما يحتاج إلى الحجر إلا من سفِه بعد رشد فلا بد من حجره.
الطالب: طيب يا شيخ، على هذا كُلُّ واحد يتصرف مع الصغير أو السفيه حتى لو ما علم إن..
الشيخ: فهو على خطر في الواقع، إلا إذا كان مما جرت به العادة -كما أشرنا إليه- في الأشياء اليسيرة، هذا جرت به العادة؛ ولهذا ذكر العلماء في البيع، ولا بد أنه مر عليك.
الطالب: شيخ، لكن السفيه فيه إشكال، قد يكون رجلًا كبيرًا لكن ما يعرف أنه محجور عليه، يتكلم كلامًا طيبًا -مثلًا- ويتصرف معه ثم لا يعلم أنه محجور عليه؟
الشيخ: ولو لم يعلم.
الطالب: أقول: لا بد أن يسأل ويتحرى؟
الشيخ: إي يتحرى، نعم.
طالب: أثابك الله يا شيخ، رجل عنده دكان فجاءه مجموعة من الصبيان واشترى كل منهم لعبة، فأخذ الصبيان الألعاب وأتلفوها، لا يكون يعني البائع..، هل لهم أن يردوا هذه المتلفات على صاحب الدكان أم لا؟
الشيخ: هذه المتلفات تالفات، لكن هل تؤخذ قيمتها من صاحب الدكان أو لا؟ وإلا التالفات تالفات؛ يعني هل تؤخذ قيمتها من صاحب الدكان إذا كانوا قد سلموا القيمة أو لا؟ هذا السؤال؟
الطالب: نعم يا شيخ.
الشيخ: نقول: أما ما جرت به العادة فإن تصرفهم صحيح، وهذا جرت به العادة الآن؛ يعني اللعب الصغيرة بنصف ريال بريال هذه جرت به العادة، لكن لو يأخذ لعبة بخمسين ريالًا -مثلًا-ما جرت به العادة.
الطالب: يا شيخ، تكون مصيبة على صاحب الدكان لا سيما في أيام العيد، لو كل واحد قال: أنا لا أريد لعبتي وأريد مالي؛ يعني خلاص يغلق دكانه؟
الشيخ: إحنا ما قلنا: اليسير لا بأس به؟
الطالب: لا، لعبة كبيرة يا شيخ.
الشيخ: (... ) إذا قال: أبغي اللعبة الكبيرة بخمسين ريالًا، أقول: (... ) اذهب إلى أبيك وائت به.
طالب: (... ) لأنه أكثر ما يأتيه أطفال.
الشيخ: لكن ما هي بخمسين، ما فيه لعبة بخمسين ريالًا.
طالب: فيه بخمس مئة وبألف!
الشيخ: اللهم اهدنا فيمن هديت! أنا ما أظن الألعاب هذه السيارات الصغيرة هذه أنها بخمسين ريالًا.
طالب: بخمسة وعشرين ريالًا.
الشيخ: الصغيرة يا ناس اللي كفرها زي الزرار، هذه بخمسين ريالًا؟ !
طالب: يمكن بريالين.
طالب آخر: الآن العرف الصغير عشر سنوات يتصرف بمئتين وثلاث مئة.
الشيخ: خلاص، إذن إذا جرى العرف، أنا قلت لكم من قبل: ما جرى به العرف فهو تصرف صحيح؛ بمعنى أنها لو تلفت هذه بأيديهم ما نرجع على صاحب الدكان الذي أخذ قيمتها؛ لأن هذا مما جرى به العرف.
طالب: إقرار المدين بدين وظهور غريم..
الشيخ: إقرار المفلس.
الطالب: إقرار المفلس بدين وظهور غريم آخر، هذا الآخر من مال الغرماء؟
الشيخ: إقرار المفلس بدين
الطالب: نعم.
الشيخ: بعد الحجر ولَّا قبل؟
الطالب: بعد الحجر.
الشيخ: بعد الحجر، لا يُقْبَل إقراره على ما في يده من المال.
الطالب: وظهور غريم جديد.
الشيخ: وظهور غريم جديد قبل القسمة يشارك.
الطالب: (... ) بعد القسمة (... )؟
الشيخ: يرجع على الغرماء بقسطه.
الطالب: مفيش تشابه بين الحالتين يعني؟
الشيخ: لا، بينهما فرق عظيم.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المصنف رحمه الله تعالى في باب الحَجْر:
ويلزمهم أرش الجناية، وضمان مال من لم يدفعه إليهم، وإن تم لصغيرٍ خمس عشرة سنة، أو نبت حولَ قُبُله شعرٌ خشنٌ أو أنزل، أو عَقَلَ مجنونٌ ورشدا، أو رَشَدَ سفيهٌ زال حجرهم بلا قضاء.
وتزيد الجاريةُ في البلوغ بالحيض، وإن حملت حُكِمَ ببلوغها.
ولا ينفك الحجرُ قبل شروطه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق أن الحجر قسمان: حجر لحظ الغير، وحجر لحظ النفس.
فمتى يكون الحجر لحظ الغير؟
طالب: يكون الحجر لحظ الغير إذا كان الرجل مفلسًا -مثلًا- وعليه ديون للناس.
الشيخ: ومتى يثبت؟
الطالب: ويثبت إذا قال به الحاكم..
الشيخ: لا، يعني ما سببه؟
الطالب: سببه عدم (... ).
الشيخ: إذا كانت الديون أكثر من ماله.
هل من الحجر لحظ الغير أن يُحْجَر على المريض مرض الموت فيما زاد على الثلث؟
طالب: نعم، من الحجر لحظ الغير، والحظ هنا للورثة.
الشيخ: نعم، المريض مرض الموت لا يتبرع بأكثر من الثلث، لكن لحظ الورثة.
مَنِ الذي يُحْجَر عليه لحظ نفسه؟ كم؟
طالب: السفيه.
الشيخ: السفيه.
الطالب: والمجنون.
الشيخ: والمجنون.
الطالب: والصغير.
الشيخ: والصغير.
الشيخ: ما الفرق بين الثلاثة؟
الطالب: المجنون هو الذي زال عقله.
الشيخ: الذي زال عقله أو من لا عقل له؟
الطالب: لا عقل له.
الشيخ: أو الذي زال عقله؟
الطالب: الذي زال عقله.
الشيخ: أو الذي لا عقل له؟
الطالب: كله واحد.
الشيخ: لا، ما هو كله واحد.
الطالب: زال عقله، كان عنده عقل في الأول.
طالب آخر: إذا زال عقله من لا عقل له.
الشيخ: لا، فرق بين هو من زال عقله، أو من لا عقل له.
الطالب: الذي لا عقل له هو الذي (... ) وهو لا عقل له.
الشيخ: إي، طيب، أحسنت.
الطالب: ولكن من زال عقله (... ) إذا زال عقله خلاص، انتهى الحال.
الشيخ: إذن نقول: العبارة المحررة: هو من لا عقل له؛ لأنه لو قلنا: من زال عقله معناه أنه كان عاقلًا ثم زال، أليس كذلك يا جماعة؟
طلبة: بلى.
الشيخ: أما إذا قلنا: من لا عقل له، شمل من كان له عقل فزال ومن لم يكن له عقل من الأصل.
من السفيه هنا؟
طالب: السفيه هو غير كامل الأهلية.
الشيخ: ما تبين؟
الطالب: لا يحسن التصرف في أمواله.
الشيخ: لا يحسن التصرف في ماله، أحسنت، بارك الله فيك.
رجلٌ بالِغٌ عاقل أعطى ماله صغيرًا فأتلفه الصغير؟
طالب: لا ضمان على الصغير.
الشيخ: لا ضمان، أليس هو المتلِف؟
الطالب: بلى، لكن الصغير لا عقل له، (... ) لم يُكَلَّف، فلا يُطَالب..
الشيخ: أليس الصغير إذا أتلف شيئًا يضمنه؟
الطالب: لكن هذا الرجل هو الذي سلط الصغير على ماله.
الشيخ: أحسنت، نقول: لا يضمن؛ لأن هذا البالغ الرجل هو اللي سلط ماله عليه؛ ولهذا لو أن الصغير -وإن لم يميز- دَبَّ إلى مال شخص وأتلفه لضمنه، تمام.
جنى صغير على إنسان، ما تقول؛ هل يضمن أو لا؟
طالب: يضمن.
الشيخ: وأيش معنى جنى عليه؟
الطالب: جنى عليه؛ يعني: اعتدى عليه.
الشيخ: يعني؟
الطالب: أضره في نفسه أو ماله.
الشيخ: إي، يضمن؟
الطالب: نعم.
الشيخ: طيب؛ لأن حق الآدمي لا فرق فيه بين المكلف وغير المكلف.
قال المؤلف رحمه الله: (ويلزمهم) أي: هؤلاء الثلاثة، (أرش الجناية) يعني: إذا جنوا فإن أرش الجناية -أي: ما تُقَدَّر به الجناية- لازمٌ لهم، سواءٌ كانت الجناية على النفس أو على المال، فلو أن هؤلاء الثلاثة اعتدوا على شاة إنسان وكسروها يلزمهم أرش الجناية، ولو اعتدوا عليه نفسه وكسروا يده لزمهم أرش الجناية؛ لأن حق الآدمي لا يُفَرَّق فيه بين المكلف وغير المكلف؛ إذ إنه مبني على المُشاحة، ولا يمكن أن يضيع حق مكلف بعمل مكلف أو غير مكلف أيضًا، لا بد أن يُضْمَن.
ويلزمهم أيضًا (ضمان مال من لم يدفعه إليهم) حتى وإن كان ليس لهم تمييز؟ نعم؛ فلو أن المجنون اعتدى على مال إنسان وأحرقه فإنه يضمنه.
فإذا قال قائل: أليس قد رفع القلم عن ثلاثة؟
قلنا: نعم، رفع القلم عن ثلاثة باعتبار حق الله؛ ولهذا لا يأثم هذا المجنون، ولا يأثم هذا السفيه، ولا يأثم هذا الصغير.
لا، السفيه يأثم إذا كان بالغًا، لكن الصغير لا يأثم، والمجنون لا يأثم، ولكن الضمان لازمٌ لهم؛ لأن هذا حق للآدمي.
ثم قال: (وإن تَمَّ لصغيرٍ خمسَ عشرة سنةً) قارؤنا تلكَّأ بعض الشيء في (خَمْس) وأراد أن يقول: (خمسُ عشرة)؛ لأنها فاعل، ثم عدل وقال: (خمسَ عشرة)، فهل الصواب بالضم أو بالفتح؟ الصواب بالفتح؛ لأنها مبنية على الفتح، وكُلُّ الأعداد المركبة ما عدا اثني عشر كلها مبنية على الفتح، كُلُّ الأعداد المركبة: ثلاثَ عشرةَ، أربعَ عشرةَ، خمسَ عشرةَ، ستَّ عشرةَ، سبعَ عشرةَ، ثمانيَ عشرةَ، تسعَ عشرةَ، وأحدَ عشرَ أيضًا، أو إحدى عشرةَ، أما اثنا عشر فإنها بحسب العوامل؛ فتقول: جاءني اثنا عشر رجلًا، وأكرمت اثني عشر رجلًا، حسب العوامل.
(إن تمَّ لصغيرٍ خَمْسَ عَشْرةَ سنةً، أو نبت حَولَ قُبُلِهِ شعرٌ خشنٌ، أو أنزل).
هذه ثلاثة أشياء بها يحصل البلوغ، فيحصل البلوغ بواحد من الأشياء الثلاثة: إذا تم له خمسَ عشرة سنة فقد بلغ، والدليل على ذلك حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: عُرِضْت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أُحُد وأنا ابن ثلاثَ عشرةَ سنة فلم يجزني (1)، أخرجه البخاري.
وفي رواية للدارقطني والحاكم صحيحة: ولم يرنِي بلغت (2).
طالب: أربعَ عشرة سنة.
الشيخ: وأنا ابن؟
الطالب: أربع عشرة.
الشيخ: إي، ثلاث عشرة.
الطالب: أربع عشرة.
الشيخ: لا، ثلاث عشرة، راجعها.
طالب: (... ) أربع عشرة.
الشيخ: أربع عشرة؟ لا، ثلاث عشرة.
ولم يرنِي بلغت، وعُرِضْت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمسَ عشرةَ سنة فأجازني ورآني بلغت (1)، الشاهد قوله: ورآني بلغتُ؛ لأننا لو اقتصرنا على الرواية الأولى -رواية البخاري- لو اقتصرنا عليها لنازع منازع وقال: إنه أجازه ولم يجزه لا لأنه لم يبلغ أو قد بلغ، ولكن لأنه ليس أهلًا للقتال؛ إما لضعف جسمه، أو لغير ذلك من الأسباب، لكن رواية الحاكم والدارقطني تدل على أنه لعدم البلوغ لم يجزه، وللبلوغ أجازه.
قال نافع: فقدمت على عمر بن عبد العزيز وهو خليفة فحدثته بهذا الحديث، فقال: هذا هو حد البلوغ، وكتب إلى عماله بذلك.
وعلى هذا فنقول: إذا تم للإنسان خمسَ عشرةَ سنة فهو بالغ، وإن كان صغيرًا في جسمه، وإن كان لم يحتلم، وإن كان لم تنبت عانته، حدٌّ فاصل، فيمكن أن يكون الإنسان في أول النهار غير مكلف وفي آخر النهار مكلفًا، إذا وُلِدَ عند أذان الظهر؛ عند زوال الشمس، وتم له خمس عشرة سنة عند زوال الشمس، ماذا يقال؟ بلغ.
فإذا قال قائل: كيف يمكن البلوغ بين دقيقة ودقيقة؟
قلنا: لا بد من حدٍّ، إذا اعتبرنا البلوغ بالسنين فلا بد من حد، حتى لو جعلناها ثماني عشرة سنة سوف يبلغ في آخر النهار وفي أول النهار ليس ببالغ، حتى -مثلًا- في الإنزال إذا احتلم في نصف النهار صار أول النهار غير بالغ وآخره بالغًا، لا بد من حد، هذه (خمسَ عشرةَ سنةً).
الثاني: (أو نبت حَوْلَ قُبُلِهِ شعرٌ خشنٌ) (نبت حول قُبُله) سواءٌ كان ذكرًا أم أنثى، (شعرٌ خشنٌ) أي: قويٌّ صلب، احترازًا من الشعر الخفيف، فهذا يحصل حتى لابن عشر أو أقل، لكن الشعر الخشن القوي الصلب هذا علامة البلوغ.
وقوله: (نبت) ظاهره أنه نبت بدون علاج، أما لو كان هناك علاج بأن ادَّهن هذا الصبي بدهنٍ ينبت به الشعر فإنه لا يحصل البلوغ بذلك؛ لأن هذه معالجة، لكن إذا نبت بالطبيعة فهذا يحصل به البلوغ.
الثالث: (أو أنزل) أي: أنزل منيًّا سواءٌ في اليقظة أو في المنام فإنه يحكم ببلوغه.
فهذه علامات البلوغ.
دليل المسألة الثانية والثالثة حديث عطية القرظي: أنهم عُرِضُوا على النبي صلى الله عليه وسلم يوم بني قريظة؛ فكان من أنبت أو احتلم قُتِلَ، ومن لا فلا (3)، وهذا يكون قرينة على أن هذا هو البلوغ.
ولقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: 59].
(أو عَقَلَ مجنونٌ) مجنون بالغ أو غير بالغ؟ مجنون بالغ؛ لأن البلوغ الذي سبق يكون للعاقل والمجنون، لكن لو عَقَلَ مجنونٌ كان بالغًا وهو على جنونه أو حدث له جنون بعد ذلك.
(ورَشُدَا) الفاعل يعود على الصغير والمجنون، فعلى هذا يكون قوله: (ورَشُدَا) شاملًا للصغير والمجنون، (إن تمَّ لصغيرٍ.. أو عَقَلَ مجنونٌ ورَشُدَا) معطوف على ما سبق.
ومعنى الرشد في كُلِّ موضع بحسبه، وهنا الرشد هو الصلاح في المال وإحسان التصرف فيه، بينما نجعل الرشد -مثلًا- في باب النكاح في ولاية النكاح هو الذي يعرف الكفء ومصالح النكاح، فالرشد في كُلِّ موضع بحسبه.
(أو رَشَدَ سفيهٌ) بالغ ولَّا غير بالغ؟ بالغ، عاقل ولَّا غير عاقل؟ عاقل، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الأصل في العطف المغايَرة، فيكون السفيه هنا من كان عاقلًا بالغًا، لكنه لا يُحسن التصرف في ماله، ثم رشد.
(زال حجرهم بلا قضاء) أي: بلا قضاء حاكم، بمجرد ما يحصل البلوغ مع الرشد أو العقل مع الرشد أو الرشد بعد السفه ينفك الحجر عنه، ولا حاجة نروح للقاضي.
فلو أن يتيمًا بلغ بالسن مع رشده في نصف النهار فله أن يطالب وليَّهُ بماله الذي عند وليِّهِ في آخر النهار، فلو قال الولي: لا أعطيك حتى نذهب إلى القاضي ويحكم بأن الحجر زال فإنه لا يطاع؛ لأن الحجر يزول بزوال سببه، ودائمًا يمر علينا الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
فإن قال قائل: ما الفرق بين هذا وبين من حُجِرَ عليه لفلس؛ لأنه هناك قال: لا بد من قضاء (لا يفك حجره إلا حاكم)؟
قلنا: لأن ذاك حجر لحظ الغير، فلا يمكن أن نطلق سراحه ونقول: تصرف في مالك كما شئت إلا بحكم الحاكم.
وإن كان بعض العلماء يقول هناك: إنه إذا وُزع ماله وقُسِم انفك الحجر.
لكن المذهب أقرب إلى الصواب؛ أنه من حُجِرَ عليه لحظِّ الغير فلا بد من حاكمٍ ينقض الحجر، أما من حُجِرَ عليه لحظِّ نفسه -وهم هؤلاء الثلاثة: الصغير والمجنون والسفيه- فإنه بمجرد زوال العلة التي أوجبت الحجر ينفك الحجر.
قال: (وتزيد الجارية في البلوغ بالحيض) (الجارية) يعني: الأنثى، تزيد في البلوغ بالحيض، فيكون علامات البلوغ عندها أربعة: تمام خمس عشرة سنة، إنبات الشعر الخشن حول القُبُل، الإنزال، الحيض.
دليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ» (4)، والمراد بالحائض التي أصابها الحيض أو التي قد حاضت؟ التي أصابها الحيض؛ لأن الحائض التي هي حائض بالفعل لا يمكن أن تصلي، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ».
(وإن حملت حُكِمَ ببلوغها) إن حملت الجارية حُكِمَ ببلوغها، كيف تحمل الجارية قبل أن يتم لها خمس عشرة سنة؟ يمكن؟ نعم يمكن، قال أهل العلم: يمكن لبنت تسع سنين أن تحمل، ويمكن لابن عشر أن يُولَد له، فهذه -مثلًا- جارية لها اثنتا عشرة سنة تزوجت وليس لها عانة، ثم ولدت، فهل حصل البلوغ بالحمل أو حُكِمَ ببلوغها بالحمل؟
قال العلماء: يُحْكَم ببلوغها بالحمل عن طريق اللزوم؛ لأنه لا حمل بلا إنزال، وإذا أنزلت بلغت بإنزالها؛ ولهذا قال المؤلف: (حُكِمَ ببلوغها) ولم يقل: وإن حملت بلغت، قال: (حُكِمَ ببلوغها).
والحكم بالبلوغ هل هو بالحمل أو بالإنزال السابق له؟
الجواب: الثاني؛ بالإنزال السابق له، وعلى هذا فإذا ولدت امرأة ولها اثنتا عشرة سنة، ولم ترَ الحيض ولم ترَ الإنبات، وهي لم يتم لها خمس عشرة سنة، نقول: إنها الآن بالغة، بماذا؟ بالإنزال السابق للحمل.
قال: (ولا ينفك قبل شروطه) يعني: لا ينفك الحجر على هؤلاء الثلاثة قبل شروطه، فما شرطه في الصغير؟ البلوغ والرشد، في المجنون: العقل والرشد، في السفيه: الرشد، فلا بد إذن من تمام الشروط، فإذا تمت الشروط انفك ولا حاجة للحاكم.
ثم قال: (والرشد: الصلاح في المال بأن يتصرف مرارًا فلا يُغْبَن غالبًا ولا يبذل ماله في حرامٍ أو في غير فائدةٍ) هذا الرشد؛ والرشد في كُلِّ موضعٍ بحسبه.
(الصلاح في المال) يقول: (بأن يتصرف مرارًا فلا يُغْبَن)، فإن كان كُلَّما باع أو اشترى غُبن؛ يشتري ما يساوي عشرة بعشرين، ويبيع ما يساوي عشرين بعشرة، فهل هذا رشيد؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ويعطي بلا شيء تبرعًا؛ إذا صادفه أحد قال: يا فلان والله هذه طيبة أعطني إياها، قال: تفضل، هذا سفيه.
وكذلك أيضًا لو كان يبذل ماله في غير فائدة فإنه لا يجوز؛ كإنسان معه أوراق من الدراهم، فوضع ورقة بيده وطار بها الهواء فأعجبه هذا، وجعل يخرج من الكيس وينصبها في الهواء وتطير، هذا سفيه ولَّا رشيد؟ سفيه لا شك؛ لأنه بذل ماله في غير فائدة.
إذا بذل ماله في حرام، صار إنسانًا -والعياذ بالله- ينفق ماله بالسكر فإنه سفيه، لكن هل يُحْجَر عليه؟ ظاهر كلام المؤلف أنه يُحْجَر عليه؛ لأنه يبذل أمواله فيما يضره، وفي هذا نظر؛ وذلك لأن الناس يعتبرون هذا رشيدًا في ماله، ولو كان يشتري به الدخان ويشرب، يشتري به الخمر ويشرب، يشتري به المخدرات ويأكلها، يرون أنه رشيد، لكن لنا أن نحجر عليه بطريقٍ آخر؛ يعني بأن نحبسه ونجلده، وإذا كان يشرب الخمر جلدناه ثلاث مرات، ففي الرابعة نقتله؛ يعني: إذا لم ينته بغير ذلك، وكذلك في المخدرات نجري عليه العقوبة.
أما أن نقول: إنه محجور عليه، ويأتي هذا الرجل الجيد في البيع والشراء، لكنه يشرب الدخان، نقول: هذا لا يصح أن يبيع بيته! لا يصح أن يبيع سيارته! لا يصح أن يشتري خبزة لأولاده! لا أحد يقول بهذا.
ولذلك نجد الناس كثيرًا منهم الآن يشرب الدخان، فيصرف ماله في حرام، ومع ذلك لم يقل أحدٌ من القضاة: إن بيعه لبيته أو سيارته أو ما أشبه ذلك إنه بيعٌ باطل؛ لأن هذا في الواقع يحسن التصرف في المال، لكنه ضلَّ في دينه وصار لا يبالي أن يبذله فيما حرم الله عليه.
إذن الأوْلى أن نقول: السفيه هو الذي لا يحسن التصرف في ماله؛ بأن يُغْبَن ويُغَر ويُخْدَع، أو يبذله في غير شيء ينتفع به، كما ذكرنا في مسألة الذي يُطَيِّرُ أوراق النقود ويتفرج عليها.
مثل ذلك لو فرضنا أنه رجل له عشرون سنة، وابْتُلِي بشراء المفرقعات، صار يشتري مفرقعات ويفرقعها، هذا سفيه أو غير سفيه؟ هذا سفيه لا شك؛ يُحْجَر عليه.
قال: (ولا يُدْفَع إليه حتى يُخْتَبر قبل بلوغه بما يليق به) إذا كان ولدَ تاجرٍ، فالذي يليق به ما هو؟ البيع والشراء، إذا كان ولدَ فلاحٍ فالذي يليق به إحسان التصرف في الزرع، إذا كانت امرأة فالذي يليق بها أن تحسن ما يتعلق بشؤون البيت، المهم أنه يُخْتَبر كُلُّ إنسان بما يليق به.
وينبغي أن يُقَال: إنه لا يتعين هذا الذي قاله المؤلف؛ لأنه ربما تكون المرأة جيدة في شؤون البيت، لكنها خرقاء في مسألة المال، فهل نقول: هذه رشيدة؟ لا.
ولو قيل: (حتى يُخْتَبر بما يدل على رشده في ماله) لكان أحسن؛ لأننا الآن نتكلم عن أيش؟ عن المال، ما هو عن الأعمال، فيكون الصواب أن يُقَال: ولا يُدْفَع إليه حتى يُخْتَبر قبل بلوغه فيما يتعلق بتصرف المال، هل يكون رشيدًا فيه أو لا؟ أو فيما يُعْلَم به رشده في التصرف بماله.
ثم قال: (ووليهم حال الحجر الأبُ، ثم وصيُّه، ثم الحاكم) تنحصر ولاية هؤلاء في ثلاثة؛ الأب، والمراد به الأب الأدنى الذين خرجوا من صلبه، ثم وصي الأب؛ وهو من أوصى إليه بعد الموت في النظر على هؤلاء الأولاد الصغار، ثم الحاكم؛ أي: القاضي.
وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه لا ولاية للجد ولو مع فَقْدِ الأب، فأبناء الابن يتولى مالَهم والنظرَ فيه إذا لم يكن لأبيهم وصي يتولاه الحاكمُ، مع وجود الجد، حتى لو كان الجد حانيًا عليهم قد ضمَّهم إلى عياله، وهو من أنصح الناس لهم، وأحسن الناس تصرفًا في مالهم، فالمؤلف يقول: إن الجد ليس وليًّا.
والأخ الكبير ليس وليًّا، والعم ليس وليًّا، والأم ليست وليًّا، تنتقل الولاية من الأب مباشرة إذا لم يكن له وصي إلى الحاكم، وهذا لا شك أن فيه نظرًا؛ لأن أوْلى الناس بهم جدُّهم، أخوهم الكبير، عمهم، وهو أرفق الناس بهم، كيف نجعل الولاية لإنسانٍ بعيد؟ !
ولكن طريق هذا على المذهب أن يذهب الجد إلى الحاكم ويطلب أن يكون وليًّا عليهم، والحاكم إذا رأى أن هذا أهلٌ للولاية ولَّاه، حتى الحاكم يتمنى أن يأتي أحد يكفيه مؤونتهم.
قال: (أو وصيه) مَن وصيه؟ وصي مَنْ؟ الأب، وهو الذي أحال النظر إليه بعد موته؛ بأن أوصى قال: أوصي إلى فلانٍ بالنظر في مال أولادي الصغار.
طيب، لهم جد أيهما أوْلى الوصي أو الجد؟ الوصي.
لهم أخ شقيق كبير، الوصي، وهذا قد يكون مُسلَّمًا؛ لأن الأب يبعد جدًّا أن يوصي إلى أحدٍ أجنبيٍّ من أولاده مع وجود أهلٍ من أقاربه، هذا بعيد جدًّا؛ فلذلك نرى أن كلام المؤلف هذا صواب، حتى لو قال الجد للوصي: أنا جدهم وهو أبناء ابني، يقول الوصي: أنا وصي أبيهم.
طيب، وكيل الأب؟ وكيل الأب من باب أوْلى؛ لأن الوكالة أمرٌ بالتصرف في الحياة، والوصية أمرٌ بالتصرف بعد الموت، وإذا كان حيًّا ينظر ما يصنع الوكيل فهو من باب أوْلى أن تُسْتَفاد بالوكالة.
قال: (ولا يتصرف لأحدهم وليُّه إلا بالأحظ) لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أْحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152].
وقوله: (بالأحظ) يُخْرِج ما لا حظَّ فيه إطلاقًا وما فيه حظٌّ لكن غيره أحظ.
فالأقسام إذن ثلاثة:
الأول: أن يكون فيه حظ، لكن غيره أحظ.
والثاني: ألَّا يكون فيه حظ إطلاقًا.
والثالث: أن يكون التصرف هو الأحظ.
والذي يجب اتباعه هو الأحظ؛ لما ذكرناه من الآية الكريمة: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152].
ولنضرب لكُلِّ واحد منهم مثالًا:
ما لا حظ فيه؛ اشترى لهم أرضًا يعلم أنها لن تزيد قيمتها، وليس في شرائه فائدة، لكن عُرِضَت عليه واستحيا من الذي عرضها أن يرده، واشتراها لليتيم من مال اليتيم، هذا فيه حظ أو لا؟ ما فيه حظ، وربما يكون فيه خسران.
ثانيًا: الحظ دون الأحظ؛ عُرِضَ عليه سلعتان، إحداهما يُؤمِّل أن تربح عشرين في المئة، والثانية يُؤمِّل أن تربح أربعين في المئة، هل له أن يشتري السلعة التي تربح عشرين في المئة؟
طالب: ليس له.
الشيخ: لماذا؟ لأنها ليست أحظ، فيشتري السلعة التي يُؤمِّل أن تربح أربعين في المئة.
كذلك أيضًا لو دار الأمر بين أن يتَّجِرَ بمالٍ آفاتُهُ كثيرةٌ ومالٍ قليل الآفات، فالواجب أن يتَّجر بالمال القليل الآفات.
هل له أن يتبرع من ماله؟ لا.
هل له أن يتصدق؟ لا؛ لأن هذا ليس من حظ الصغير.
هل له أن يكسوه ثوبًا جديدًا في العيد أو نقول: يُغْسَل ثوبه القديم؟ أيهما أحظ؟
الطلبة: الأول.
الشيخ: الأول أحظ؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: يشتري ثوبًا بمئتي ريال وهو يمكن أن يغسل القديم بعشرين ريالًا، نقول: نعم، الأول أحظ؛ لأنه من مصلحة الصبي أن يفرح مع الناس ويكون عليه ثوب جديد.
جاء عيد الأضحى، هل يشتري من ماله أضحية له أو لا؟
أما في عُرفنا: لا؛ لأن اليتيم لا يهمه سواء ضُحِيَ له أم لا، لكن شيخ الإسلام رحمه الله ذكر أنه يُضَحَّى لليتيم من ماله؛ لأن هذا هو الذي جرت به العادة، وهذا عندهم فيما سبق أن اليتيم يفتخر إذا ضحى، فيكون هذا من باب الإنفاق عليه بالمعروف، أما في عهدنا الآن فنرى أن اليتيم لا يهمه أن يُضَحَّى له أو لا.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- بالنسبة لاختبار (... ) السفيه أو المجنون أو الصبي بمجرد أن يبلغ أو يرشد أو يعقل يُدْفَع إليهم مالهم ويزول الحجر؟
الشيخ: نعم، بشرط الرشد.
الطالب: نعم، لكن كيف نعلم الرشد؟
الشيخ: الرشيد مثلما قال الله عز وجل: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6].
الطالب: شيخ، هؤلاء اليتامى، فما حال السفيه؛ كيف نعرف رشده؟ (... ) يدعي أنه راشد؟
الشيخ: لا ما نقبل، نعطيه شيئًا يسيرًا وننظر، مثلًا نعطيه شيئًا -مثلًا- عشرة ريالات على أن يشتري -مثلًا- شيئًا يفيد، فذهب واشترى شيئًا لا يفيد، أعرف أنه ما رشد.
الطالب: مَنِ الذي يعطيه يا شيخ؟
الشيخ: وليه، إذا كان الأب موجودًا فهو الولي، إذا لم يكن موجودًا فوصيه، إذا لم يكن وصيٌّ فالحاكم.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- ما فهمت مسألة تَحْمِلُ المرأة قبل البلوغ، كيف هذا؟
الشيخ: لا، ما تحمل قبل البلوغ، لكن حملها دليلٌ على بلوغها.
الطالب: بدون حيض ولا.. ؟
الشيخ: بدون حيض نعم، يمكن تحمل قبل أن تحيض، لكن هل نقول: إذا حملت بلغت بالحيض أو بالإنزال؟
الطالب: بالإنزال.
الشيخ: بالإنزال، نعم.
طالب: أحسن الله إليك، بالنسبة للبلوغ بخمسة عشر عامًا، لكن هنالك من يبلغ الرشد أكثر مما.. يعني في سن العشرين ولم يبلغ، فهل هذا يعني.. ؟
الشيخ: إي، هو إذا بلغ خمس عشرة سنة سواء بلغ أو لم يبلغ بالإنبات أو بالإنزال ما علينا منه، يُحْكَم عليه بالبلوغ بواحدٍ من هذه الثلاثة.
الطالب: أنا سؤالي: من له -مثلًا- عشر سنين أو نحوه..
الشيخ: أيش؟
الطالب: إنسان أقل من خمسة عشر عامًا مع أنه رشيد، فهل هذا إذا فعل ذنبًا أو هكذا يعني..
الشيخ: إذا فعل أيش؟
الطالب: إذا فعل شيئًا يوجب الحكم أو أي ذنب آخر، يعني هل يعاقبه الله أو يُكْتَب عليه.. ؟
الشيخ: هل أنبت أو لم ينبت؟
الطالب: لم ينبت ولم..
الشيخ: ولم يحتلم.
الطالب: ولم يحتلم ولم يظهر فيه من علامات البلوغ أي شيء.
الشيخ: زين طيب.
الطالب: لكنه رشيد ويعلم المنكرات فهل يكتب عليه؟
الشيخ: لا يأثم، لا يُكْتَب عليه، لكن يجب على وليه أن يمنعه من المعاصي.
طالب: إذا أنبت صبي وهو ابن سبع سنين (... ) هل يعتبر هذا بلوغًا؟
الشيخ: لا، يعني الإنبات لا بد أن يكون بمقتضى الطبيعة، لا بسبب.
طالب: قلنا: إذا البنت حملت وهي..، حُكِمَ ببلوغها، طيب إذا كانت على القول الراجح -مثلًا- لا تميز، التمييز ليس له حد، حملت وهي لا تميز؟
الشيخ: ما يصير، يعني حملت ولها خمس سنين؟ !
الطالب: بتحصل.
الشيخ: تحمل وهي لها خمس سنين؟
الطالب: حصلت.
الشيخ: ما تحمل إلا الزلع كأن تشيلها على رأسها.
الطالب: حصلت يا شيخ.
الشيخ: لا، ما تحصل.
الطالب: سجلت في الوقائع.
الشيخ: عجيب! سمعتم بهذا؟
الطالب: قرأتها يا شيخ.
الشيخ: أخبار الصحف ما هي مضبوطة.
طالب: توسعات علمية.
الشيخ: لا، أبدًا.
طالب: (... ).
الشيخ: إي نعم، لا ما يمكن يا رجال، ما يمكن أبدًا، إذا حصل جاب الله حكمها.
طالب: إذا تصرف بغير حظ هل نقول: لا ينفذ تصرفه أو ينفذ مع الإثم؟
الشيخ: ينفذ مع الإثم والضمان.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، بعض الناس (... ) والأعمام وبعض الإخوة منزوعين البركة ومنزوعين الرحمة من قلوبهم، هل يمكن للقاضي (... ) وولاهم، لكن ما شاف لهم (... ) بعض الناس غير الأعمام والجد (... )؟
الشيخ: ما فيها شك؛ ولهذا العلماء رحمهم الله قالوا: إن وصي الأب مقدم على القاضي؛ لأن الأب لا يمكن أن يوصي على أولاده إلا من يرى أنه خير، والقاضي إذا لم يكن وصيًّا قلنا في الشرح: ينبغي للقاضي أن يولي من فيه الكفاية من الأقارب؛ لأن القريب لا شك أنه أشد عطفًا على قريبه من الأجنبي.
طالب: عفا الله عنك، الرجل الذي اشترى شيئًا بغير فائدة هل يُحْجَر عليه من أول مرة أو لا بد من تكرار ذلك؟
الشيخ: الظاهر أنه لا بد من التكرار، كما أننا لا نحكم برشده إلا إذا تكرر التصرف ولم يُغْبَن.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- الأم هل تكون وصية لهؤلاء؟
الشيخ: إي نعم، نعم الأم تكون وصية بوصاية الزوج.
الطالب: لا يا شيخ، قصدي ولية.
الشيخ: لا، ما تكون ولية.
الطالب: لماذا؟
الشيخ: (... )، لكن فيه قولٌ ثانٍ أن جميع العصبات لهم ولاية، أما الأم فليس لها ولاية، لكن كما قلنا قبل قليل: المسألة حلها ما فيه إشكال؛ تذهب إلى القاضي وتثبت أنها جديرة بالتصرف بمالهم وتأخذ الأولاد.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- إذا كان الإنسان يحسن التعامل مع الغير كالبيع وغيره، ولكن مع نفسه لا يحسن التصرف في ماله؛ بحيث يصرفه فيما لا فائدة فيه، هل يعتبر هذا..
الشيخ: يحسن التصرف مع الغير؟
الطالب: نعم.
الشيخ: في أيش؟
الطالب: في البيع.
الشيخ: في البيع والشراء، إي.
الطالب: أما مع نفسه فلا يحسن.
الشيخ: هذا لا يكون رشيدًا، إلا كما قلت لكم في مسألة الذين يبذلون أموالهم في محرم يرون أنهم ينتفعون به؛ بالنشوة والسَّكَر، وكما يزعمون في الدخان أنه يوجب إزالة الهم والغم وهم كاذبون في ذلك.
طالب: يا شيخ، أثبت الطب الحديث الآن أنه لا علاقة بإنزال المرأة في الحمل؛ يعني ما يختلف طبيبان الآن في هذه المسألة، كيف -يا شيخ- نعلق المسألة بهذا.. ؟