الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 7024-7063

طيب، لو فُرض أنها حُوِّلت قهرًا إلى بلد، بأن قالت الدولة: هذا بيتكم بيمر الشارع، ولكن شوفوا البيت هذا لكم بدله، ما تقولون في هذه؟ هل يلزمها أن تتحول إلى البيت الجديد؟ طالب: نعم.
طالب آخر: (... ). الشيخ: شوفوا الكلام.
طلبة: يلزمها.
الشيخ: ها الحين؛ يعني البيت الأول بيروح، لكن قالوا: لكم هذا البيت بدله؟ طالب: مخيرة.
طالب آخر: يلزمها.
طالب: (... ). الشيخ: والله في ظني أن هذا يجب عليها أن تنتقل للبيت التي (... ) فيه أو بدلًا عنه، هذا ليس كالأول؛ الأول ما له دخل البيت الثاني باللي قريب من بيتهم، لكن هذا جُعل بدلًا عن هذا، فهذه لو قيل: بأنه يجب أن تتحول إليه، لكان له وجه.
كذلك يقول المؤلف: (أو بحق)، تحولت بحق كيف؟ البيت مستأجر لمدة سنة، تمت السنة في أثناء العدة، وقد مضى منها شهران، كم بقي؟ شهران وعشرة أيام، قال صاحب البيت: الإجارة تمت، اطلعوا عن البيت، تحولت الآن بحق؟ طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، يقول: (انتقلت حيث شاءت)، كما سبق؛ وذلك لأن الوجوب يتعلق بعين المكان، وقد تعذرت سكناه، فتعتد حيث شاءت.
طالب: إذا كان، يعني فيه بعض.. الشيخ: طيب، أضيفوا هذا إلى الأمور الأربعة السابقة، فيكون الأمر الخامس مما يلزمها: لزوم المنزل.
طالب: بعض الناس إذا تزوجوا خرجوا (... ). الشيخ: تنتقل إلى بيت زوجها.
الطالب: هذا (... ). الشيخ: إي، ولو كان؛ لأن البيت هذا مستقل، اللهم إلا لو يستأجر بيتًا للمنام فقط وهو عند أهله مثلًا ساكن، لكنه بس في المنام يذهب هو وزوجته ينام في بيت آخر، هذا صحيح.
طالب: إذا كانت لوحدها، تُوفي عنها زوجها، يعني تلزم بأن (... ) أحد معها في البيت (... )؟ الشيخ: لا، ما يلزم أحد أن يأتي معها، إن جاؤوا تطوعًا، فجزاهم الله خيرًا.
الطالب: طيب، وإن وجد متطوعين؟ الشيخ: إذا وجدت متطوعين تبقى بالبيت؛ لأنها كانت تخاف أو تستوحش وقد زال هذا السبب.

قال: (ولها الخروج لحاجتها نهارًا لا ليلًا)، الآن الانتقال من المنزل فهمنا أنه لا يجوز الانتقال، لكن الخروج مع البقاء في المنزل، هل يجوز أو لا؟ نقول: هذا لا يخلو من ثلاث حالات: إما أن يكون لضرورة، أو لحاجة، أو لغير ضرورة ولا حاجة، أما إذا كان لغير ضرورة ولا حاجة، فإنه لا يجوز أن تخرج، مثل لو قالت: أريد أن أخرج للنزهة، جماعة (... )، بيجوز؟ طالب: لا يجوز.
الشيخ: طيب، للعمرة، يجوز؟ لا؛ لأنه ليس لضرورة (... ) بدون حاجة ولا ضرورة فهو حرام.
الحال الثانية: أن يكون لضرورة، أن يكون الخروج من البيت للضرورة، فهذا جائز ليلًا ونهارًا.
كيف الضرورة؟ مثلًا حصل مطر، وبدأ البيت يخر، وخشِيت على نفسها أن يسقط البيت، ضرورة؟ طالب: لا بد لها.
الشيخ: تخرج، لكن إذا وقف المطر وصُلِّح البيت ترجع.
طيب شبَّت نار في البيت، ضرورة؟ طالب: نعم، يجب الخروج.
الشيخ: طيب، تخرج.
الحال الثالثة: أن يكون لحاجة لا لضرورة، لحاجة مثل: ذهبت اشتهت أن تشتري مثلًا ميرندا؛ أو تشتري شاهيًا أو شيئًا.
طالب: أو طعامًا.
الشيخ: أو طعامًا، الطعام قد يكون ضرورة في بعض الأحيان.
الطالب: تخرج له نهارًا أيضًا؟ الشيخ: إي نعم، ولو ليلًا، وعلى كل حال ضرورة، قد يكون ضرورة.
المهم شيء لحاجة، ما هو لضرورة، فإنها لها أن تخرج نهارًا لا ليلًا؛ لأن النهار الناس طالعين والأمن عليها أكثر، وفي الليل الناس مختفين والخوف عليها أشد، والله أعلم (... ) طالب: (... ).


الشيخ: قال: (وإن تركت الإحداد أثمت وتمت عدتها بمضي زمانها).
(إن تركت الإحداد)، يعني إن تركت ما يلزمها من الإحداد، مثل أن تتطيب، أو تتحسن، أو تلبس الحلي، أو الزينة، فإنها تأثم، لماذا؟ لأنها تركت الواجب.

وقول المؤلف: (أثمت)، وكذلك تعبير بعضهم: الواجب ما أُثِيب فاعله وعُوقب تاركه، يريدون بذلك -رحمهم الله- أنها استحقت ذلك، أن تارك الواجب استحق أن يُعاقب، ولكن ليس بلازم؛ لجواز أن يعفو الله عنه؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]، فقول المؤلف هنا: (أثِمت) يعني استحقت الإثم، ولا يُلزم أن يصيبها الإثم، كيف؟ لأن الله قد يعفو عنها؛ لعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
وهل لهذا الإثم من دواء؟ نعم، دواؤه التوبة إلى الله عز وجل، أن تندم على ما مضى، وأن تعزم على ألا تعود في المستقبل.
وقوله: (وتمت عدتها بمضي زمانها)، لماذا لا نقول: إن العدة لا تتم؟ لأن الإحداد ليس بشرط لها، وإنما هو واجب، فليس بشرط لها، ولهذا لو أنها تركت الإحداد فإنها تنتهي العدة إذا مضى زمانها.
وزمان العدة ما هو؟ أربعة أشهر وعشرة أيام، إلا أن تكون حاملًا فإلى وضع الحمل.
[باب الاستبراء] ثم قال المؤلف: (باب الاستبراء).
(الاستبراء) فيه حروف زوائد، وحروف أصول، الحروف الزوائد: الهمزة، والسين، والتاء، والأصول: الباء، والراء، والهمزة.
مأخوذ من البراءة، الاستبراء مأخوذ من البراءة، البراءة يعني التخلي من الشيء، ومنه قولهم: (برئ من دينه)، يعني تخلى منه ولم يبقَ عليه له شيء.
وأما شرعًا فإنه تربصٌ يُقصد منه العلم ببراءة رحم ملك يمين، هكذا قالوا، والصواب أن يقال: تربصٌ يُقصد منه العلم ببراءة الرحم، ما هو ببراءة رحم ملك اليمين؛ لأن الاستبراء قد يكون لغير المملوكة، وقد سبق أن من وُطئت بشبهة -على القول الراجح- فإنها استبراء، والمزني بها استبراء، والموطوءة بعقد باطل استبراء، وهكذا؛ فإذن التعريف الصحيح أن نقول: تربُّص يُقصد به العلم ببراءة الرحم.

وقولنا: (العلم)، ليس أمرًا لازمًا أنها إذا حاضت فإنها بريئة الرحم؛ لأن الحامل قد تحيض، ولكنه هنا لما تعذر العلم عُمل بالظاهر (... )، المرأة قد تحيض وهي حامل، لكننا نقول: إنه لما تعذر العلم اليقيني عملنا بماذا؟ بالظاهر؛ إذ إن الظاهر أن الحامل لا تحيض، هذا الظاهر، فيكون الحيض هنا علامة ظاهرة، ما هي علامة يقينية أو برهان قاطع، ولكنها علامة ظاهرة.
ومن القواعد المقررة في الشرع أنه إذا تعذَّر اليقين عُمل بغلبة الظن، هذه قاعدة مفيدة؛ إذا تعذر اليقين عُمِل بغلبة الظن، فهنا ما يمكن أن نتيقن أن رحمها خالٍ إلا بشق بطنها، وشق البطن أمر مستحيل؛ إذا شققنا بطنها ربما تموت، لكن يُكتفى بماذا؟ بغلبة الظن، بالظاهر.
وقولنا: إنه ما يمكن العِلم ببراءة رحمها إلا بشق البطن، هذا بناءً على ما سبق، وإلا فالآن توفرت الأسباب والوسائل التي يُعلم بها براءة الرحم بدون شق البطن.
أنا قلت: إننا نقول: العلم ببراءة الرحم أحسن من تقييدنا إياه بالعلم ببراءة رحم ملك اليمين، لماذا؟ لأجل أن يشمل ما إذا أوجبنا الاستبراء في حق الحرة، كما سبق بالموطوءة بشُبهة على القول الراجح والموطوءة بالزنا على القول الصحيح.
وفيه أيضًا مسألة: يجب الاستبراء، يجب على الزوج أن يستبرئ زوجته بدون أن تُوطأ، مثل أن يموت شخص عن حمل امرأة يرثه وهي تحت زوج، فيجب على زوجها أن يستبرئها، مفهوم هذا؟ طالب: نعم.
الشيخ: ولَّا؟ طالب: ما هو مفهوم.

الشيخ: ما هو مفهوم، طيب، هذا رجل مات أبوه، وتزوجت أمه بعد أبيه بزوج، أولادها من هذا الزوج ويش يكونون بالنسبة له؟ إخوة له من الأم، هذا الأخ مات وله أخ شقيق، له أخ شقيق والأخ من الأم الذي تحمل به هذه المرأة، في هذه الحال نقول لزوجها: يجب عليك أن تستبرئها، ما تجامعها حتى تحيض، لماذا؟ لأجل أن نعرف هل كان الحمل موجودًا حين موت أخيه فيرث منه، أو ليس موجودًا فلا يرث، وهنا ما نعلم إلا إذا امتنع الرجل عن الجماع؛ لأنه لو جامع لاحتُمل أن يعلق الولد من جماعه الذي بعد موت أخيه، ولَّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: وحينئذٍ يكون عندنا إشكال، فمِثل هذه الحال يجب الاستبراء، مع أنه لا هو في ملك يمين، ولا في وطء شبهة، ولا في زنا، لكن لأجل الوصول إلى معرفة هل يرث هذا الحمل، أو لا يرث؟ طالب: لكن لو نشأ حمل يا شيخ يرث؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: طيب، إذا كان في نفس الوقت، يعني مثلًا الأخ مات بالليل.
الشيخ: مَنْ؟ الطالب: الأخ من الأم ذاك الكبير مات بالليل، وهو يجامعها في نفس الـ.. الشيخ: الله أكبر، تفرض صورة واحدة قد تكون نادرة، المهم أنه يمكن يرد، ما هو معناه لزوم، يعني لو أن هذا الزوج جامع زوجته في الضحى، وعلقت بالولد، ومات أخوه بالليل، ورث منه، يرث منه.
يقول: (من ملك أمة يُوطأ مثلها).
انتبه إلى كلمة: (يُوطأ مثلها)، من التي يوطأ مثلها؟ هي التي تم لها تسعون سنة؟ ! طالب: تسع سنوات.
الشيخ: تسع سنين؟ طلبة: نعم.
الشيخ: إي، طيب، هذه ما (... ) راحت عنا، هي التي تم لها تسع سنين.
(من ملك أمة يُوطأ مثلها).
وقوله: (من ملك)، (مَنْ) شرطية تعم جميع أنواع الْمُلك، سواء ملكها بشراء، أو بهبة، أو ملكها باسترقاق في حرب، أو غير ذلك، المهم أنه عام.
(من ملك من صغير وذكر وضدهما).
قوله: (من صغير) أخبروني بماذا هي متعلقة؟ الجار والمجرور متعلق بأيش؟ طلبة: (... ). الشيخ: (... ) أيش؟ ولَّا بـ (ملك)؟ طالب: بـ (ملك).

الشيخ: (من ملك أمة يُوطأ مثلها من صغير)؟ طالب: (... ). الشيخ: بـ (ملك)، وإلا المحذوف بيان لمن؟ طلبة: (... ). الشيخ: طيب، الصواب أنه من ملكها من صغير وذكر وضدهما متعلق بـ (ملك)، بمحذوف حال بيان لـ (مَنْ)؛ لأن الكلام الآن: المالك هو اللي يحرم عليه الوطء، ومعلوم أنه لو كان أنثى ما نقول: يحرم عليك الوطء، أو لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لأنه ويش قال بعد ذلك؟ قال: (حرم عليه الوطء)، أي: حرم على المالك وطؤها، فإذا كان أنثى هل نقول: يحرم عليك تطؤها؟ أنثى ملكت أنثى نقول للأنثى المالكة: لا تطئين هذه؟ ! لا، إذن يكون قوله: (من صغير وذكر) متعلقًا بقوله: (مَلَك)، يعني ملكها من صغير، بأن اشتراها من صغير، رجل اشترى أمة يوطأ مثلها من صغير.
يمكن هذا ولَّا ما يمكن؟ طلبة: نعم.
الشيخ: يمكن، يكون هذا الصغير الذي لم يبلغ له إمام خلَّفهن والده له، فاشترى رجل من إمائه، من إماء هذا الصغير، جائز ولَّا لا؟ طالب: نعم.
الشيخ: طيب، يجب على المشتري أن يستبرئها، مع أن الصغير هنا ما يطأ مثله، ولكن يجب أن يستبرئها.
(وَذَكر) معروف.
(وضدهما)، من ضد الصغير؟ الكبير، وضد الذكر الأنثى، يعني إذا ملكها من صغير أو كبير، من ذكر أو أنثى.
يقول: (حرم عليه وطؤها ومقدماته قبل استبرائها).
(حرم عليه)، على مَنْ؟ طلبة: على (... ). الشيخ: المالك، أحسن أن نقول: المالك؛ لأنه قد يُوهب له هبة.
(حرم عليه) أي على المالك (وطؤها).
(ومقدماته)، ما هي مقدمات الوطء؟ التقبيل، واللمس، والجماع بدون الفرج، وما أشبه ذلك.
(قبل استبرائها)، ويأتي إن شاء الله بماذا يكون الاستبراء.
ويش الدليل؟ الدليل قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ» (5)، هذا الدليل، طيب، إذا كان له جار عنده زرع عطشان يحتاج إلى ماء، يجوز أني أسقيه؟ ! طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، والحديث؟

طالب: كناية عن الزوج.
الشيخ: نعم، المراد يعني معناه أن الإنسان ما يجوز أن يسقي ماءه من كانت مشغولة، أو يمكن أن تكون مشغولة بماء غيره؛ ولهذا يحرم على الإنسان أن يطأ المعتدة، ولو تزوجها لم يصح.
كذلك أيضًا في غزوة أوطاس، غزوة أوطاس نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن تُوطأ حامل حتى تضع، ولا ذات حيض حتى تحيض بحيضة (6)، هذا هو الدليل.
تأملوا الآن الدليل، هل هو أخص من الحكم الذي جعله المؤلف المدلول أو أعم؟ طالب: أعم.
الشيخ: انتبهوا.
طالب: (... ). الشيخ: المؤلف يقول: (حرم عليه وطؤها ومقدماته)، والدليل ويش اللي فيه؟ الوطء، فهنا صار الدليل أخص من المدلول، ومعلوم أنه لا يمكن أن يُستدل بالأخص على الأعم، واضح.
نحن نقول: الدليل دل على تحريم الوطء، فأين الدليل على تحريم مقدماته من اللمس وغيره؟ طيب، وحينئذٍ نقول: الاستدلال بهذا الحديث على الحكم صحيح من وجه، غير صحيح من وجه، صحيح من أي وجه؟ من جهة الوطء، غير صحيح من جهة مقدماته، وهذه أيضًا قاعدة نافعة للمُناظِر: أنه إذا استدل خصمه بشيء يكون أخص من المدلول، فإنه له الحق في رفضه؟ طالب: نعم.
الشيخ: في رفضه بالنسبة للعموم، لما هو أعم، ولكن ليس له الحق أن يرفض ما دل عليه الحديث أو الدليل.
إذن يبقى النظر في قول المؤلف: (ومقدماته) هل هو صحيح ولا سيما باعتبار استدلاله بالحديث؟ الجواب: غير صحيح؛ فالحديث لا يدل على تحريم مقدمات الوطء.
طيب، إذن هل يجوز أن يفعل مقدمات الوطء من التقبيل وشبهها؟ أو نقول: لما كانت هذه ذرائع للوطء؛ لأن الإنسان قد لا يملك نفسه ولا سيما إن كانت هذه الأمة شابة وجميلة، ما يملك نفسه إذا قبلها أن يجامعها، فهل نقول: إنه يحرم من باب سد الذرائع أو لا؟

نقول: سد الذرائع لا شك أنه أمر مقصود، لكن عندنا عموم يخالف هذا الحكم، أن نأخذ بالذرائع، العموم هو قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون 6]، فإذا كان على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم، فنقول: الأصل في ملك اليمين أن يجوز لك أن تتمتع بها بما شئت، حُرِّم الوطء لدلالة الحديث عليه، فيبقى ما عداه داخلًا في المباح.
فإن قلت: ألا يمكن أن نقيس ذلك على الجماع في الإحرام، حيث حَرُم على الْمُحْرِم أن يجامع، وحرم عليه مقدمات الجماع؟ طالب: فارق.
الشيخ: نقول: لا نقيس؛ لأن مقدمات الجماع في الإحرام محرمة لذاتها، بدليل أن المحرِم لا يجوز أن يُعقد له النكاح، ولَّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: وأنه لا يخطب، ففرق بين هذا وهذا، ولا يصح القياس، ولو أردنا القياس لقلنا: نقيس على الحائض، لو أردنا القياس قلنا: يُقاس على الحائض أولى، وأجلى، وأبين، والحائض يجوز للإنسان أن يستمتع فيها بما دون الفرج.
فعلى هذا نقول: الصواب أن مقدمات الوطء بالنسبة للمملوكة جائز، ولو قبل الاستبراء، والدليل قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾، خُصَّ منه الجماع بالدليل المانع فيبقى ما عداه على الأصل.
طيب، لاحظوا: (من صغير وذكر وضدهما حرم عليه وطؤها قبل استبرائها) أولًا: ما هي العلة في أنه يحرم عليه الوطء؟ العلة لئلا يكون سيدها الأول قد جامعها وعلقت منه بولد، فحينئذٍ يكون هذا الرجل قد سقى ماءه زرع غيره.
طيب، إذا ملكها من امرأة، يجب الاستبراء؟ طالب: نعم.
طالب آخر: لا، ما يجب.
الشيخ: على كلام المؤلف يجب، ولكن القول الصحيح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا يجب الاستبراء، قال: لأن المرأة ما تطؤها.
طيب، يحتمل أن أحدًا اعتدى عليها ووطئها عند سيدتها.
ويش الأصل؟

الأصل عدم ذلك، ولو قلنا بهذا الاحتمال لقلنا: لا يمكن أن تطأ زوجتك ولا أمتك؛ لأنه فيه احتمال أن أحدًا اعتدى عليها وهي عندك ولَّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: وهذا لا يقول به أحد؛ وعلى هذا فالقول الراجح في هذه المسألة أنه لو ملكها من امرأة فإنه لا يجب الاستبراء.
طيب، لو ملكها من رجل، ولكنها بِكر، بكارتها لم تزل موجودة، هل يجب عليه الاستبراء؟ طالب: نعم.
الشيخ: من كلام المؤلف؟ طالب: لا يجب.
طالب آخر: لا يجب.
الشيخ: على كلام المؤلف يجب الاستبراء؛ لأنه قال: (من ملك أمة يوطأ مثلها)، ولم يقل: من ملك أمة ثيبًا، قال: (من ملك أمة يُوطأ مثلها)، وقلت لكم: (أمة يوطأ مثلها) هي بنت تسع فأكثر.
إذن لو ملك أمة بكرًا وجب عليه الاستبراء، مع أن البِكر لم توطأ؛ إذ لو وُطئت لزالت البكارة، وقال شيخ الإسلام: إنه لا يجب الاستبراء فيما إذا كانت بكرًا؛ لأن العلة التي وجب الاستبراء لها غير موجودة فيها، فهي بكر.
طيب، ملك أمةً من رجل صدوق أمين، قال له: إنه لم يطأها، ثقة، وقال: ما وطئتها، ما تقولون؟ طالب: يجب استبراؤها.
الشيخ: نعم، على المذهب يجب الاستبراء، وعند شيخ الإسلام لا يجب الاستبراء؛ لأن هذا الرجل أخبره بأنه لم يجامعها.
وكذلك لو أخبره بأنه قد استبرأها قبل بيعها؛ فالمذهب يجب الاستبراء، وإن كان ذاك قد استبرأها اللي باعها، وعند الشيخ: إذا وثِق به فإنه لا يجب.
لكن رأي الشيخ في هاتين المسألتين الأخيرتين ليس كرأيه فيما إذا كانت بكرًا، أو إذا ملكها من امرأة؛ لأن قوله فيما إذا ملكها بكرًا أو من امرأة، قوله -لا شك- أنه هو الصواب، أما هذه فقد يقول قائل: إنه وإن أخبره أنه قد استبرأها، أو أنه لم يجامعها، فقد يكون متهمًا في ذلك، من أجل أن يُرغِّب في شرائها أو لا؟ طلبة: نعم.

الشيخ: لأنه إذا قلنا: إنها لا تحتاج إلى استبراء، أرغب مما إذا قلنا: تحتاج إلى استبراء، ويش السبب أنها أرغب؟ لأنه يستمتع بها من يوم يشتريها، لا سيما على المذهب إذا قلنا: لا يحل له المقدمات، أما إذا قلنا بأنه يحتاج إلى استبراء فسيمكث إلى أن يستبرئها.
طيب، استبراء الحامل، الاستبراء كيف هو؟ يقول المؤلف: (استبراء الحامل بوضعها)، صحيح؟ نعم، إذا وضعت فقد استبرأت.
طيب، لو وضعت بعد الشراء بساعة؟ طالب: (... ). الشيخ: بقي في بطنها خمس سنين.
طالب: المذهب أربع سنين.
الشيخ: أربع سنين، ما يخالف، خليها ثلاث سنين؟ الطالب: ينتظر.
الشيخ: ينتظر.
طيب، (ومن تحيض) استبراؤها (بحيضة)؛ لأن هذه ليست عدة، وإنما الغرض العلم ببراءة الرحم، فإذا حاضت مرة واحدة حلَّت.
طيب، إذا كانت قد ارتفع حيضها ولم تدرِ سببه؟ تنتظر سنة، أو أحد عشر شهرًا؟ أحد عشر شهرًا؛ لأن تسعة أشهر للحمل وشهرًا للاستبراء.
طالب: عشرة أشهر.
الشيخ: عشرة أشهر، نعم، صح..

﴿كتاب الرضاع﴾: يَحْرُمُ من الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ من النَّسَبِ، والْمُحَرِّمُ خمسُ رَضاعاتٍ في الْحَوْلَيْنِ، والسَّعُوطُ والوَجورُ ولَبَنُ الْمَيْتَةِ والموطوءةِ بشُبْهَةٍ أو بعَقْدٍ فاسدٍ أو باطلٍ أو زِنًا مُحَرَّمٌ، وعكسُه البهيمةُ وغيرُ حُبْلَى ولا مَوطوءةٍ.
فمَتَى أَرضَعَت امرأةٌ طفلاً صارَ وَلَدَها في النكاحِ والنظَرِ والْخَلوةِ والْمَحْرَمِيَّةِ، ووَلَدَ مَن نُسِبَ لبنُها إليه بِحَمْلٍ أو وَطْءٍ، ومَحارِمُه مَحارِمُه

مدخل

والصلاة والسلام علي نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف: (كتاب الرضاع) الرضاع مصدر رَضَعَ يَرْضَعُ رَضَاعًا، وهو لغةً: مص الثدي.
هذا الرضاع في اللغة؛ مص الثدي، فإذا مص الثدي ونزل لبن فهو رضاع.
وأما شرعًا فهو مَصُّ طفل صغير لبن امرأة أو شربه ونحوه، يعني ما يختص بالمص حتى لو مثلًا وُضِعَ في فنجال وشَرِبَه كان ذلك رضاعًا في الشرع، بخلاف اللغة.
وهذا من المواضع التي كان الشرع فيها أوسع من اللغة؛ لأن الغالب في التعريفات أن اللغة أوسع من الشرع، وأن الشرع يضيف قيودات أخرى، لكن في هذا الموضع الشرع أوسع من اللغة؛ لأن اللغة مص، وهذا مص أو شُرْب.
الرضاع من رحمة الله عز وجل وحكمته، فالطفل في بطن أمه يتغذى بالدم عن طريق السُّرَّة، ثم إذا انفصل فإنه لا يستطيع أن يأكل ولا يشرب، فجعل الله له وعاءين معلَّقَين في صدر الأم.
واختار الله عز وجل أن يكون في الصدر؛ لأن ذلك أقرب إلى القلب، ولأنه أقرب إلى كون الأم تحتضن الولد، لو كان مثلًا في الجنب معناه أنها ترضعه وهو على الأرض، لكن كان على هذا لأجل أن تحتضنه وتجعله في حضنها وترق له وتحنّ عليه.
ثم جعل الله هذا الوعاء وعاءً لا يجتمع فيه اللبن كما يجتمع في القارورة، لكنه يجتمع بين عصب ولحم وشحم متفرِّقًا؛ ليكون أسهل للأم مما لو كان (... ) كما لو كان في قارورة.

ثم من رحمة الله عز وجل أنه جعله يخرج مع هذه الحلمة، وليس في شق واحد، هذه مُخَرَّقة عدة خروق لأجل ألَّا ينزل بسرعة فيشرق الطفل فيموت، ولكنها خروق عدة وصغيرة جدًّا، وبهذا كله يتبين حكمة الله عز وجل، وأنه لا ينبغي العدول عن هذه الحكمة العظيمة لإسقائه لبنًا أجنبيًّا، كما فعل بعض الناس، مع أن الأطباء متفقون على أن لبن الأم خير للطفل من أي لبن آخر، وهذا هو الذي يليق بحكمة الله تعالى الكونية والشرعية، ولهذا ينبغي للمرأة ألَّا تدع إرضاع ولدها لمدة سنتين، كما قال الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: 233]. الرضاع في الحقيقة يشارك النسب في بعض الأمور، ويفارقه في أكثر الأمور، مما يشارك النسب فيه قوله: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»، وهذا لفظ الحديث: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»، هكذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يحرُم من الرضاع ما يحرُم من النسب، يعني بالنسبة للمحرَّمات في النكاح، فكل مَن تحرُم بالنسب فهي حرام بالرضاع.
وقد أشار الله عز وجل إلى ذلك في قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: 23].
هذا إشارة إلى الأصول: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، وإشارة إلى الحواشي: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾، ويش بقي ما دخل في الآية؟ الفروع، لكن يقال: إذا كان الأصول والواشي يحرُم فالفروع من باب أولى؛ لأن الفرع بعض من الأصل، ولكن جاء الحديث فأَجْمَلَ وَعَمَّ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ».

بِدّنا نشوف اللي يحرُم من النسب: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء: 23] هذه حرام من النسب، فنظيرها من الرضاع حرام؛ أمك من الرضاع حرام، وبنتك حرام، وأختك حرام، وعمتك حرام، وخالتك حرام، وبنت أخيك حرام، وبنت أختك حرام، فانظر مَن يحرُم من النسب وقابِل بهن مَن يحرُم من الرضاع.
وهل يحرُم من الرضاع ما يحرُم بالصهر؟ اختلف في ذلك أهل العلم؛ فذهب الأئمة الأربعة وجمهور أهل العلم إلى أنه يحرُم من الرضاع ما يحرُم بالصهر، وعلى هذا فأُمّ زوجتك من الرضاع حرام عليك كأم زوجتك من النسب؛ لأن أم زوجتك من النسب حرام بالنص والإجماع، كما قال الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 23].
بنت زوجتِك من الرضاع، يعني لو كان لك زوجة قد أرضعت بنتًا من زوجٍ سابق، فهل تحرُم عليك تلك البنت؟ على رأي الجمهور: نعم؛ لأنها بنت زوجتك من الرضاع، فهي كبنت زوجتك من النسب، كذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لو كان لزوج المرأة أبٌ من الرضاع، هل يحرُم عليها؟ طالب: نعم.
الشيخ: على رأي الجمهور يحرُم كأبي زوجها من النسب، ولو كان لزوجها ابنٌ الرضاع، يعني ما رضع منها، رضع من زوجته الأخرى، فهو على رأي الجمهور يحرُم كابن زوجها من النسب.
ولكن ظواهر الأدلة تدل على خلاف هذا القول، يعنى على خلاف رأي الجمهور؛ لأن الله تعالى ذَكَرَ المحرَّمات ثم قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24]، فيكون الأصل الحِلّ أو التحريم؟ الأصل الحِلّ، وعلى هذا فإذا لم يكن هناك تحريم بَيِّنٌ فإن الأصل الحِلّ حتى يقوم دليل بَيِّن على التحريم.
ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»، ولم يقل: (... )، ومعلوم أن أُمّ الزوجة وبنت الزوجة وأبا الزوج وابن الزوج تحريمهم؟ طالب: بالمصاهرة.

الشيخ: بالمصاهرة لا بالنسب، بالإجماع.
وعلى هذا فيكون الحديث مُخْرِجًا لذلك، (... ) من الرضاع ما يحرُم من النسب، وأيضًا فإن الله تعالى يقول: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: 23]، فخرج به الابن الذي من الرضاع، زوجته ما تحرم عليه؛ لأنه ليس ابنًا للصُّلب.
لكن هذه الآية أجاب الجمهور عنها بأنها احتراز من ابن التبني، والجواب عن جوابهم أن يقال: إن ابن التبني ليس ابنًا شرعيًّا حتى يحتاط إلى الاحتراز عنه، أصلًا ما دخل في قوله: ﴿أَبْنَائِكُمُ﴾؛ لأن بنوته باطلة.
وثانيًا: على فرض أنه داخل في البنوة فإن قوله: ﴿مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾، لماذا لا نجعله احترازًا من ابن الصلب وابن الرضاع، فيكون مُخْرِجًا للجنسين؛ ابن الصلب وابن الرضاع.
فإن قلت: إن عموم قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ يشمل أمها من النسب، وأمها من الرضاع؟ فالجواب أن الأم عند الإطلاق لا تدخل فيها أم الرضاع، بدليل قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، ولو كانت الأم عند الإطلاق يدخل فيها أم الرضاع ما ذكرها مرة ثانية.
والحاصل أن هذا القول هو القول الراجح، وإن كان خلاف رأي الجمهور؛ لأنه ما دام المسألة ليست إجماعًا فلا ضَيْرَ على الإنسان أن يأخذ بقولٍ يراه أصح.
شيخ الإسلام رحمه الله نقل عنه ابن رجب أنه يرى هذا الرأي؛ أن الرضاع لا يُؤَثِّر في (... )، وذَكَرَ عنه ابن القيم أنه توقَّف فى ذلك، ولا يمنع أن يكون توقَّف ثم تَبَيَّن له بعد ذلك الأمر، كما يوجد في كثير من آرائه رحمه الله، في أن يرى، يعنى يُصَرِّح بأنه رجع عن رأيه أو يَتَبَيَّن واضحًا أنه رجع عن رأيه، وأحيانًا يكون فيه توقف.
فالحاصل أن المسألة هذه فيها خلاف، والراجح أنه لا تأثير للرضاع في المصاهرة؛ للأدلة التي شرحناها.

لكن لو قال قائل: أنا أتهيَّب من خلاف الجمهور، وأريد أن أسلك الاحتياط من الوجهين، فأقول: إن أُمّ الزوجة من الرضاع ليست حرامًا على الزوج، لكن لا أُحِلّ لها أن تكشف الوجه، يعنى: لا أُحِلّ له أن يتزوج بها موافقةً لمن للجمهور، ولا أُحِلّ لها أن تكشف وجهها، موافقةً لقول شيخ الإسلام فأعمل بالاحتياط، لو أردت أن أسلك هذا المسلك فهل لذلك أصل؟ الجواب: نعم، لذلك أصل، والأصل في ذلك قصة سودة بنت زمعة حين تنازَع عَبْد بن زمعة وسعد بن أبي وقاص، تنازعا في ماذا؟ في وَلِيد، عبد بن زمعة تنازع فيه هو وسعد بن أبي وقاص، فقال: يا رسول الله، إن هذا وُلِدَ من أخي عتبة بن أبي وقاص، وأنه عهد به إلَيَّ، وقال أخو سودة بنت زمعة: يا رسول الله، إنه أخي، وُلِدَ على فراش أبي من وليدته، فقال له سعد: يا رسول الله، انظر إلى شبهه، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم إلى شبهه رأى شبهًا بَيِّنًا بعتبة، ولكنه قال: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ».
الآن حكم بأن هذا الولد أخٌ لسودة، وأَمَرَهَا بأن تحتجب منه، لماذا أمرها أن تحتجب؟ احتياطًا؛ لأنه رأى شبهًا بَيِّنًا بعتبة، فأمرها بالاحتجاب، فهل هذا من باب إعمال الدَّلِيلَيْنِ، أو من باب الاحتياط؟ طلبة: من باب الاحتياط.
الشيخ: قال بعض منهم: من باب إعمال الدليلين، وقال بعضهم: إنه من باب الاحتياط، والأقرب أنه من باب الاحتياط؛ لأن هذين الدليلين أحكامهما متنافية ما يمكن تجتمع، فإما هذا وإما هذا، ولكن هذا من باب الاحتياط، فلو ذهب ذاهب في هذه المسألة -يعني المسألة اللي كنا نتكلم عليها- وقال: إن الرضاع لا يؤثر في التحريم بالنسبة للمصاهرة، لكني آمُرُه ألَّا يتزوج بهنّ احتياطًا، لو ذهب ذاهب إلى ذلك لم يكن هذا بعيدًا من الصواب.
طالب: (... ) الدليل؟

الشيخ: دليله من الحديث: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» أبدًا، يقولون: كما أن أم زوجك من النسب حرام عليك فأمها من الرضاع حرام عليك؛ لأنه كما أن نسب هذه المرأة المتصل بزوجتك محرِّم فرضاعُها أيضًا مُحَرِّم، ولكن يقال: إن الحكم يتعلق بالمخاطب، الذي يتعلق به التحريم، فهي نعم أُمّ زوجتي من الرضاع، لكن تحريمها عَلَيَّ ليس بسبب أن أُمّ زوجتي أمي مثلًا، هي نسيبتي، ولكنها من أصهاري، والرسول عليه الصلاة والسلام عَلَّق الحكم بالصهر، قصدي النسب.
طالب: (... ). الشيخ: الجواب: الاحتياط نوعان: احتياط لاشتباه الدليل الشرعي، وهذا لا يمكن في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، واضح؟ لأن الرسول ما يخفى عليه الحكم الشرعي، هذا يكون بعده.
واحتياط لاشتباه الحكم الكوني، وهذا يمكن يشتبه عليه، يخفى على الرسول عليه الصلاة والسلام، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام لما رأى شبهًا بَيِّنًا بعتبة، مشكلة هذا.
فعندنا تعارَض الآن حكم كوني قدري وهو الشبه، وحكم شرعي وهو الفراش، فغُلِّبَ جانب الفراش.
طالب: (... ). الشيخ: إي، ولكنه قال لما جاءت به على هذا الوصف قال: «لَوْلَا مَا سَبَقَ مِنْ كِتَابِ اللهِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ»، فكأنه لَمَّا حكم باللعان انقضى عذابه، ومع هذا صار يُدْعَى لأمه، وقالت: هذا الذي حصل ما (... ) يدعى لأمه.

[شروط الرضاع المحرِّم]

يحرُم من الرضاع ما يحرُم من النسب، ثم بَيَّنَ المؤلف شروط الرضاع، قال: (ونُحَرِّم) يعني نُحَرِّم من الرضاع خمس رضعات، أيش الدليل؟ الدليل حديث عائشة رضي الله عنها الذي رواه مسلم في صحيحه وغيره أيضًا، لكنه لم يروه البخاري أنه كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات يُحَرِّمْنَ، ثم نُسِخْنَ بخمس معلومات، فتُوُفِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي فيما يُقْرَأ من القرآن.

وكذلك رُوِيَ أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر امرأة أبي حذيفة أن تُرْضِعَ سالِمًا مولى أبي حذيفة خمس رضعات، فهذا هو دليل الخمس، وهو الصحيح.
وقال بعض أهل العلم: إن الرضاع مُحَرِّمٌ قليله وكثيرة، حتى ادعى بعضهم أنه قول الجمهور، واستدلوا لذلك بإطلاق الآية الكريمة ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، فالآية مُطْلَقَة، والفعل يصدُق على القليل والكثير، فإذا حصل الإرضاع ثبت الحكم.
وقال بعض أهل العلم: إن الْمُحَرِّم ثلاث رضعات فقط، الثنتان لا تُحَرِّم، والثلاث تُحَرِّم، واستدلوا بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَلَا الرَّضْعَتَانِ، وَلَا الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ، وَلَا الْإِمْلَاجَةُ وَلَا الْإِمْلَاجَتَانِ»، كله رُوِيَ هكذا، قالوا: فمفهوم العدد أن ما زاد عليهما مُحَرِّم، ونحن نرى أن الشارع اعتبر العدد الثلاث في مواضع كثيرة، أو لا؟ العدد الثلاث مُعْتَبَر في مواضع كثيرة، مثل الطلاق، و «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا»، والوضوء ثلاثًا، والصيام ثلاثة أيام من كل شهر.
طالب: الاستئذان.
الشيخ: والاستئذان ثلاثًا، وإعادة السلام ثلاثًا، وأشياء كثيرة، فاعتبار الثلاث في الشرع كثيرة، فليلحق بها الرَّضاع.
وهذا الحديث يَرُدّ على الذين قالوا: إنه يحرُم قليلُ الرضاع وكثيرُه؛ لأنه صريح، بل في صحيح مسلم أن رجلًا كان معه امرأة، فتزوج امرأة أخرى، فقالت زوجته الأولى: يا رسول الله، إني قد أرضعتها رضعة أو رضعتين، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَلَا الرَّضْعَتَانِ»، هي رضعت من لبنها، ومع ذلك أجاز الرسول له أن يتزوجها؛ لأن الرضعة والرضعتين ما تؤثر.
فإن قلت: كيف نُقَيِّد القرآن بالسنة؟

الجواب: إن الكل من عند الله، ولا مانع من أن نقيِّد مطلق هذا بِمُقَيَّد هذا، ثم إننا نقول أيضًا: إن المطلَق فيه نوع من الإجمال، ﴿أَرْضَعْنَكُمْ﴾ فيه شيء من الإجمال، والسنة بَيَّنَتْه كما بَيَّنَتْ شيئًا كثيرًا من القرآن، ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: 43] أيش اللي بَيَّنَ الإقامة؟ طلبة: السنة.
الشيخ: فالطبيعي الآن ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أنك تقوم وترفع يديك بتكبيرة الإحرام، وتستفتح وتقرأ، وتركع وتسجد، على حسب الصفة المشهورة من كلمة ﴿أَقِيمُوا﴾ ما تستطيع.
كذلك ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196] الصيام هنا مطلق، لو صام يومًا واحدًا يكفيه؟ علي الْمُطْلَق يكفيه، لكن السُّنَّة بَيَّنَت أن الصيام كم؟ طلبة: ثلاثة أيام.
الشيخ: ثلاثة أيام، وكذلك الصدقة، لو تصدَّق الإنسان بربع صاع يكفي على ظاهر الآية؟ طلبة: نعم.
الشيخ: ومع ذلك ما يكفي إلا إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، فليس هذا بغريب أن السنة تُبَيِّن وتُقَيِّد الْمُطْلَق في القرآن، واضح؟ بقينا الآن المعترَك بين قول من يقول: إنها خمس رضعات وثلاث رضعات، ذكرنا قبل قليل أن خمس رضعات اللي عليه الحديث الذي رواه مسلم وغيره من أصحاب السنن، أن عائشة قالت: كان فيما أُنْزِلَ من القرآن عشر رضعات، ثم نُسِخْنَ بخمس معلومات، فهذا صريح بأن الخمس هي المحرِّمة، ولهذا قال: خمس رضعات معلومات يُحَرِّمْنَ، وعائشة رضي الله عنها بَيَّنَت أنها نُسِخَت بخمسٍ معلومات، وهذا يدل على التحريم.
فإن قلت: إن حديث عائشة ليس فيه حصر، ما قال الرسول: لا يُحَرِّم إلا خمس، ونحن نقول: تُحَرِّم الخمس، وتُحَرِّم الأربع، وتُحَرِّم الثلاث، أفهمتم؟ ترى هذا إيراد قوي جدًّا، هذا إيراد من أقوى الإيرادات.

يعني لو قال قائل: حديث عائشة ما فيه دليل على الحصر بخمس، فيه دليل على أن الخمس تُحَرِّم، ومن قال: إن الثلاث تُحَرِّم قال: إن الخمس تُحَرِّم أيضًا، فنحن نقول بهذا، الخمس يحرمن والأربع يحرِّمن والثلاث يحرِّمن؛ لأنه يقول الرسول: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ، وَلَا الرَّضْعَةُ وَلَا الرَّضْعَتَانِ»، واضح، فهذا إيراد قوي جدًّا.
قلنا: الجواب على ذلك من وجهين، أنتم فاهمون الإيراد ولَّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: الجواب على ذلك من وجهين: الوجه الأول: أنه قد رُوِيَ أن الرسول قال في حديث عائشة: «لَا يُحَرِّمُ إِلَّا خَمْسُ رَضَعَاتٍ»، بهذا اللفظ، فتُوُفِّيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك، وهذا حصرٌ طريقُه النفي والإثبات.
الوجه الثاني: أن نقول: إن عائشة رضي الله عنها ذكرت عددًا أعلى وعددًا أدنى؛ العدد الأعلى ما هو؟ عشر، والأدنى خمس، ولو كان هناك عدد أدنى من الخمس لبَيَّنَتْه.
فيه وجه ثالث: أن الأصل عدم التحريم، والثلاث والأربع مشكوك فيهما باعتبار حديث عائشة، أليس كذلك؟ إذا كان مشكوكًا فيهما فما الأصل؟ الحِلّ وعدم التحريم حتى يثبت التحريم، وعلى هذا فيكون الصواب أنها خمس.
لكن أَوْرَدَ الذين يقولون بالثلاث بأن الخمس ليس لها أصل معتبر في الشرع، بخلاف الثلاث فلها أصل، ويش الأصل اللي بالثلاث؟ ما ذكرناه قبل قليل: الاستئذان، والسلام، والصيام ثلاثة أيام، وما أشبهها، ولكن الجواب: أن الخمس لها أصل مُعْتَبَر في الشرع، الصلوات كم؟ خمس صلوات، والزكاة النِّصَاب خمس في الإبل، وخمس في الفضة.
طالب: أركان الإسلام خمس.
الشيخ: إي، ما يخالف، وكذلك أيضًا في الأوسق خمسة أوسق، وأركان الإسلام كم؟ خمسة، والإيمان الذي ذَكَرَهُ الله في البِرّ خمسة؛ ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: 177].

طالب: (... ) خمسة.
الشيخ: (... ) عشرة، المهم على كل حال أن هناك أصلًا معتبرًا في الشرع للخمسة، فالرِّكَاز الْخُمُس أيضًا واحد من خمسة، على كل حال هذه مسائل (... ) المحرِّم كما قال المؤلف.
طالب: ما يقال عن (... ). الشيخ: لا، بس على اعتبار يعني شهادة الشريعة بأن الخمس لها أصل معتبر.
فهمنا أنها خمس رضعات، يبقى النظر ما هي الرضعة، وهذه بعد مشكلة، هل هي المصة؟ إذا مص وبلعها هذه واحدة، إذا مص وبلعها هذه واحدة، وهكذا.
أو إن الرضعة هي التقام الثدي، فإذا أطلقه باختياره أو بغير اختياره، لسبب أو لغير سبب فهي رضعة.
أو أن الرضعة هي أن يفقد الرضيع الثدي باختياره.
أو أن الرضعة هي ما انفصل عن الرضعة الأخرى، إذا انفصل يعني بمعنى يُوَقِّف، يتبين أن هذه غير الأولى، في هذا خلاف أيضًا بين أهل العلم.
شوف سبحان الله العظيم فَهْم العلماء وكل الخلافات الواردة في مسألة الرضاع يمكن أن نجعل كل مسألة اختلفوا فيها نجعل النكاح فيها من باب النكاح الفاسد، كنا بالأول قد يعسر علينا تصوير النكاح الفاسد، لكن لما رأينا خلاف العلماء في مثل هذه الأمور ترى أي مسألة من مسائل الرضاع مختلف فيها تجعل النكاح فاسدًا إذا تزوج هذه المرأة المختلف فيها.
وأقرب الأقوال في ذلك -والله أعلم- أن الرضعة ما انفصلت عن أختها بفاصل يُعَدّ فصلًا عُرْفًا، ولا فرق بين أن يشبع أو لا يشبع، ما هو شرط أن يشبع، خلافًا للعوام الذين يظنون أن الرضعة لا بد أن يشبع فيها، ما هو شرط.
طالب: قولنا: المصة والمصتان، ما يدل على إذا صارت خمس رضعات (... )؟ الشيخ: لا، ما يدل هذا، والسبب لأن قول: «الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ» في لفظ آخر صحيح أيضًا: «الرَّضْعَةُ وَالرَّضْعَتَانِ».
الطالب: نظن هذا بَيَّنَ الحد الأدنى.

الشيخ: لا، هو الرضعة عند العرب مثل الأكلة والغدوة والعشوة، وما أشبه ذلك، الظاهر أن هذا أقرب شيء، ثم إن عندنا أصل.. قلنا قبل قليل، وهو أن الأصل الحِلّ حتى يتبين؛ لأن المشكل الآن إذا راعيت الاحتياط في جانب أتاك الاحتياج في جانب آخر، يعني إذا قلت: إنه يثبت الرضاع بمثل المصة أو بخمس مصات معنى ذلك أنك سوف تُحِل لهذا الرجل أن المرأة لا تحتجب عنه وأن يراها، مع أن الأصل هو الحِلّ.
طالب: (... ). الشيخ: إي نعم، قول عائشة رضي الله عنها: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي فيما يُقْرَأُ من القرآن، هذه الجملة أَعَلَّ بها بعض أهل العلم هذا الحديث، وقال: هذا الحديث كَذِبٌ، ومما يدل على كذبه قولها: توفي وهي فيما يُقْرَأُ من القرآن، ولو كانت فيما يُقْرَأُ من القرآن بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام لزم أن تكون باقية؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]، كيف تبقى بعد وفاة الرسول تُقْرَأُ ثم لا نجدها، وهل هذا إلا يفتح لنا أبوابًا كثيرة من الإشكالات، ولهذا أَعَلَّ بعض أهل العلم هذا الحديث بهذه الجملة، وقال: إن هذه الجملة تدل على أن هذا الحديث مُنْكَرٌ باطل، ويش رأيك؟ طالب: (... ). الشيخ: كذا أجابوا، قالوا: إن قولها: توفي وهي فيما يُقْرَأُ من القرآن، يعني أن بعض الصحابة ما علموا بأنه منسوخ، منسوخ لفظًا، ما علموا بذلك، ولهذا ترى بعضهم يقرؤها، كما أن بعض آيات القرآن ما هي مشهورة عند الصحابة كلهم، ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: 128] مين وقف عنده؟ طالب: زينب.

الشيخ: زينب، فهي قد يكون بعض الآيات ما يحفظها إلا واحد من الصحابة، لكن لاحِظُوا أن إجماع الصحابة على أنها قرآن يعتبر هذا تواترًا، فلا يقول قائل: إن هذا فيه شك في القرآن، فالحاصل أن هذا الذي أجاب به الجمهور يقولون: إن فيما يُقْرَأ، يعني أنهم لم يعلموا بأنها نُسِخَت.
وفي حديث عائشة مثالٌ لنفس اللفظ والحكم، ولنفس اللفظ دون الحكم.
العشر؟ اللفظ والحكم، والخمس اللفظ دون الحكم.
طالب: (... ) أربعة تثبت الرضاع، ولكن المستثنى عن هذه.. الشيخ: هذا أيضًا مما استدل به القائلون بأن الرضاع قَلَّ أو كَثُر، ولكن الجواب عليه من وجهين؛ أولًا: أنه ليس فيه معارضة للتقييد؛ لأنه مبهم، والثاني: أن الرسول عليه الصلاة والسلام حَمَلَهَا على رضاع قد عُلِمَ؛ لأنهم علموا أن الرضاع لا يُحَرِّم إلا ما كان بهذا العدد.
طالب: (... ) بالنسبة لخمس (... ). الشيخ: لا، هو قرآن نُسِخَ لفظه.
طالب: العشر يا شيخ.
الشيخ: العشر نُسِخَ لفظها وحكمها؛ لأن ما هي موجودة في القرآن، ولا حكمها باقٍ.
الطالب: (... ). الشيخ: إلَّا، كانت موجودة لكن نُسِخَت.
الطالب: الخمس.
الشيخ: إي نعم، كانت موجودة في القرآن، كان فيما أُنْزِلَ من القرآن عشر رضعات، فنُسِخْنَ بخمس معلومات.
فكانت موجودة في القرآن ثم نُسِخَت.
طالب: (... ). الشيخ: والله أقرب شيء أن الرضعة هي التي تنفصل، كل رضعة عن الأخرى.
الطالب: في الوقت يعني؟ الشيخ: في الوقت.
الطالب: (... ). الشيخ: إي نعم، (... ) ما يمكن تكون واحدة مبنية على الأخرى، وهذا هو الذي اختاره شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله، وهو الأقرب، وأنا أختاره؛ لأن الأصل الحِلّ، وإلا كان يجب علينا أن نختار ما هو أحوط، ولكن مشكلة المسألة دي ما فيها احتياط؛ لأنك إن احتط من جهة وقعتَ في مشتبه من جهة أخري، ما هو باحتياط، لو فيها احتاط كامل أخذنا به، لكن الفروج، لكن مشكلة.

وفي بعض الأحيان ما يمكن كذا الأخذ بالأشد على وجه الاحتياط، مثلًا المعروف عند أكثر العلم أن وقت العصر ينتهي إذا صار ظل كل شيء مثليه، وأبو حنيفة يقول: يدخل وقت صلاة العصر إذا صار ظل كل شيء مثليه، الاحتياط هنا ممكن؟ طالب: لا.
الشيخ: ما يمكن الاحتياط، الآن ما لك إلا تختار أحد القولين؛ لأنك إن أخَّرْت إلى أن يصير ظِلُّ كل شيء مثليه قال لك الجمهور: حرام عليك أن تتأخر، وإن صلَّيْت قبل يصير ظِلُّ كل شيء مثليه قال أبو حنيفة: حرام عليك، صليت قبل يدخل الوقت، فماذا أفعل؟ بعض الأحيان ما يمكن الاحتياط، لازم تختار.
طالب: (... ). الشيخ: لا أبدًا؛ لأنها منه، من لبنه.
الطالب: (... ). الشيخ: من لبنه، ولهذا عَلَّلَ بأن الرضعة والرضعتين ما يأثر.
الطالب: الأصل الْحُرْمة في الرضاع ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، الأصل الْحُرْمة، ما هي مُطْلَقَة يعني.
الشيخ: لا، الأصل أن ما أضافت السنة من القيود لا بد أن يحسم به؛ لأن قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، يعني: بالشروط التي بَيَّنَت السنة، ثم يقول: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، يكون هذا إحلالًا لكل ما لم تنطبق عليه شروط التحريم.
الطالب: (... ). الشيخ: حتى هذه، ما دام مختلفين، ما ندري هل الرضعة هذه بحيث تكون رضعة بمجرد انفصال الطفل عن الثدي أم لا؟ الطالب: الأصل (... ). الشيخ: لا، الأصل الحل؛ لأن الْمُحَرَّم معدود، محفوظ، قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، هذا الأصل، لكن الأصل (... ) الأصل في الفروج الحرمة، يعني: في بيان سبب حِلِّها، ولهذا الآن لو واحد يقول: ما يمكن تزوج ها المرأة حتى تعلم أنها لا تَحْرُم عليك، ما هو بشرط هذا، إنما العقد يعني: ما تستباح بالعقد إلا إذا علمنا أن العقد منطبق على ما جاءت به الشريعة.


قال: (وَالمُحَرِّمُ خَمْسُ رَضَعَاتٍ).

الشرط الثاني: (فِي الْحَوْلَيْنِ)، وهذه -سبحان الله العظيم! ! - محل اختلاف بين العلماء.. قوله: (في الحولين) يعني: معناه لو أرضعته أربع رضعات في الحولين، والخامسة بعد الحولين، يكون ابنًا لها؟ لا، لا بد أن تكون الرضعات الخمس كلها في الحولَيْن، ويش الدليل؟ الدليل قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾، وأما الآثار عن الصحابة ومَن بعدهم فمختلفة، لكن الذي استدلوا به هو هذه الآية: ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾، قالوا: فهذا دليل على أن ما بعد الحولين ليس من تمام الرضاعة فلا يكون مُعْتَبَرًا، وما دونهما ناقص عن تمام الرضاعة، فيكون الحد الحولَيْنِ.
قالوا: ولأن هذا حد فاصل بَيِّنٌ قاطع، فكان أولى بالاعتبار من سواه.
وقال بعض أهل العلم: إن المعتبَر ما كان قبل الفطام، وما كان بعده فليس بمحرِّم، وعلى هذا فلو بقي الطفل يرضع بعد الحولين وما بعدُ فُطِم يُعْتَبَر ولَّا لا؟ يعتبر، ولو فُطِمَ قبل الحولين لم يُعْتَبَر ما بعد الفطام ولو بعد الحولين.
واستدل هؤلاء بقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ»، وهذا دليل أثري.
واستدلوا أيضًا بالدليل النظري، قالوا: لأن الرضاع بعد الفطام لا أثر له، كرضاع الكبير، بخلاف الرضاع قبل الفطام فإنه ينبُت منه اللحم، وينمو به الجسم، فصار هو المتبع، وهذا القول اختيار شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله؛ أن المعتبر الفطام.
لكن هذا القول فيه شيء من العُسْر في التطبيق، ويشلون في التطبيق؟ يعني ما ندري هو فُطِم ولا ما فُطِم، هل معنى الفطام أنه ما يشرب اللبن أبدًا؛ لأن الأطفال كما تعرفون هم يُفْطَمُون على طول، في الصباح يشرب لبن وفي انتهاء النهار يأكل مقاديد؟ طالب: بالتدريج.

الشيخ: لا، بالتدريج، لا بد يشرب لبنًا ويُعْطَى شيئًا ويشرب لبنًا، إي نعم، (... ). والفروع وإن نزلوا، وفروع الأب الأدنى وإن نَزَلُوا، وفروع الأعلى لصلبهم خاصة، هذا واحدة، يعني هذا أخصر لكن ذاك يكاد يكون أوضح لكثير من الناس.
طالب: (... ). الشيخ: زيادة، قد قيل به، قد قال بها أناس، حتى إن بعضهم قال: إنه قول الجمهور، ولكن الصحيح بلا شك تقييد الآية.
الخمس الرضعات، ما هي الرضعة؟ هي الْمَصَّة، فما دام إن الصبي ما بعد ابتلعها فهي واحدة، فإذا ابتلعها ثم مص ثانية فهي رضعة، وإذا مص ثالثة فهي رضعة، وعلى هذا فيمكن أن يكون خمس رضعات وهو ما أطلق الثدي، يعني مثلًا يكون (... )، هذا قول بعض العلماء.
وبعضهم يقول: إذا أطلق الثدي بأي سبب من الأسباب ثم عاد فالعودة ثانية.
طالب: ولو للتنفس يا شيخ؟ الشيخ: إي نعم ولو للتنفس، في أي حال من الأحوال، طالما هو الذي أطلقه للتنفس أو لضَجَر، أو أحد قرقش عنده بشيء وأطلقه يلتفت، أو مرضعه أخرجه فهو رضعة.
وبعضهم قال: إن كان أطلقه لسبب، ثم زال السبب وعاد فهي رضعة، ولو طال الزمن، ما دام إلى الآن باقي ما بعد انفصل عن الأم المرأة، يعني بِدُّه يقرقشوا له؛ لأنه إن أطلقه، وبعضهم يقول: لا، إنه أقرب شيء يقال: إن طال الفصل، إن طال الفصل بحيث ما يَنْبَي واحدة على الأخرى فهو رضعة، وإن لم يطل يقول: لو (... ) عشر مرات أو خمس مرات لسبب أو لغير سبب فإنه ليس برضعة، هذا أقرب شيء، وقلت لكم: إني أرجح هذا؛ لأن الأصل الحِلّ وعدم التحريم حتى يوجد شيء تطمئن إليه النفس.
طالب: (... ). الشيخ: ما هو بشرط.
الطالب: (... ). الشيخ: يمكن، ما أدري والله.
طالب: شيخ هل لنا أن نقول: إن هذه المسألة، مسألة تحديد الرضعة أطلقها الشارع ولم يحدد، إذا قلنا: تعود إلى عرف الناس واقتناعهم لما تعارفوا عليه في تحديد الرضعة؟ الشيخ: إي نعم، ما يخالف، ولكن نقول ما هو عرف الناس؟ (... ).

المسألة أن المعتَبَر أن الرضاع مؤثِّر ولو بعد الحولين ولو للكبير، يعني ليس (... ) الحولين أو قبل الفطام هو أن الرضاع مؤثر مطلقًا.
واستدل هؤلاء بإطلاق قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، ﴿أَرْضَعْنَكُمْ﴾ ما قال: في زمن الصغر، أطلق، فمتى أرضعت المرأة الإنسان صار ولدًا لها وحرامًا عليها، كذا؟ أقول: بعضهم يقول: إنه حتى رضاع الكبير يؤثِّر؛ لأن الله أطلق؛ ولأن سالمًا مولى أبي حذيفة كان أبو حذيفة قد تَبَنَّاهُ، وكان يعد ابنًا لهم، فلما أبطل الله التبني جاءت سهلة زوجة أبي حذيفة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام تشكو إليه أن هذا الولد الآن يطلع عليهم، ويجلس إليهما جميعًا هي وزوجها، وأنه يشق عليها أن تحتجب منه، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ»، وهو كبير الولد، حتى إنه في بعض الأحاديث أنه قد نبت له لحية فقال: «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ»، وهذا دليل على أن رضاع الكبير مؤثِّر؛ لأنه قال: «تَحْرُمِي عَلَيْهِ»، ومعلوم أنها إذا حرُمت عليه صار مَحْرَمًا لها، وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم، خصوصًا بعض علماء أهل الظاهر أخذوا بظاهر الحديث.
ولكن الصواب خلاف هذا القول، ويدل على أن هذا ضعيف أنه لا تقوم الأدلة على الوجه الذي يستدل بها عليه؛ أما قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، فإن الله تعالى يقول: ﴿أُمَّهَاتُكُمُ﴾، ما قال: والنساء اللاتي أرضعنكم، قال: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، فمتى تكون أُمًّا لا بد أن لكونها أُمًّا من أن يكون الإرضاع لزمنه حتى تكون أُمًّا، وعلى هذا فليس في الآية دليل لهم.
وأما حديث سالم مولى أبي حذيفة فالحديث صحيح ما فيه مطعن، وثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكن اختلفوا في الجواب عنه؛ فقال بعضهم: إنه منسوخ، وقال بعضهم: إنه خاص بسالم مولى أبي حذيفة.

ثم اختلف القائلون بأنه خاص: هل هي خصوصية وصف، أو خصوصية عين؟ والفرق بينهما إذا قلنا: إنها خصوصية عين، فمعنى ذلك أنها خاصة بعينِ سالم فقط لا تتعداه إلى غيره، وإذا قلنا: إنها خصوصية وصف صارت متعدية إلى غيره ممن تشبه حاله حال سالم، وقد مر علينا كثيرًا بأن الرسول عليه الصلاة والسلام، بل بأن الشرع كله ليس فيه خصوصية عين أبدًا، حتى خصائص النبي عليه الصلاة والسلام لم يُخَصَّ بها لأنه محمد بن عبد الله، لكن لأنه رسول الله، خُصَّ بذلك لأنه رسول الله، والرسالة ما أحد يشاركه فيها؛ لأنه لا نبي بعده صلى الله عليه وسلم.
الآن اختلف العلماء في الجواب عن حديث سالم مولى أبي حذيفة على ثلاثة أقوال في البسط، وعلى قولين في الاختصار، ما هما القولان؟ طالب: أنه منسوخ.
الشيخ: أنه منسوخ، والثاني؟ طلبة: أنه خاص.
الشيخ: أنه خاص.
أما دعوى النسخ فإنها لا تصح، لماذا؟ لأن من شرط النسخ أن نعلم التاريخ، وهنا لا نعلم، ولو ادَّعَيْنَا النسخ لكان خصومنا أيضًا يَدَّعُون علينا النسخ، ويقولون: إن الأحاديث التي تدل على أنه لا رضاع إلا في الحولين منسوخة لحديث سالم، أرأيتم هذا وهمهم، يعني ليست دعوانا عليهم بأقوى من دعواهم عليها.
وأما التخصيص فالتخصيص بالعين لا نراه، والأصل عدم التخصيص، ثم لو كان هذا من باب الخصوصية العينية لكان الرسول عليه الصلاة والسلام يُبَيِّن ذلك كما بَيَّنَ لأبي بردة حين قال: «إِنَّهَا لَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ»، ما يترك الناس هكذا.
أما خصوصية وصف فالأمر فيها قريب، وقد اختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقال: إنه إذا كان المقصود بالإرضاع التغذية فإنه لا يكون إلا في زمن الرضاعة، وإذا كان المقصود بالرضاع دفع الحاجة جاز ولو للكبير.

وعندي أن هذا أيضًا ضعيف، وأن رضاع الكبير لا يؤثر مطلقًا إلا إذا وجدنا حالًا تشبه حال سالم مولى أبي حذيفة من كل وجه، وهذا في وقتنا متعذِّر، لأنه متى نجد شخصًا تَرَبَّى عند قوم على أنه ابن لهم بحسب الادعاء السابق، ومعلوم أن من كان عندك على أنه ابن لا يكون مثل مَن كان عندك على أنه خادم، أليس كذلك؟ طلبة: بلى.
الشيخ: في عدم الاحتشام منه، فإذا وُجِدَ أحد قد صار عنده شخص قد تبناه، وهذا شيء ممتنع، لا بأس أن نقول: على سبيل الفرض، ثم أُبْطِل التبني، وصار يتعذر أو يتعسر الاحتشام من هذا الإنسان، فحينئذ يُبَاح، فالخصوصية الوصفية.. طالب: صارت متعينة.
الشيخ: صارت متعذِّرة.
الطالب: متعذرة، قصدت متعيِّنة في سالم فقط.
الشيخ: إي نعم، لكن متعذِّرة في وقتنا الحاضر، فكلام شيخ الإسلام رحمه الله قوي جدًّا، لكن إذا أردنا أن نضيِّق النطاق بحيث يكون مطابقًا لهذه الخصوصية من كل وجه وجدنا أن هذا في زمننا ممتنع، ولَّا لا؟ ممتنع، وحينئذ نرجع إلى قول الجمهور، وأنه بعد تلك الحادثة لم نعلم أنها وقعت في عهد الرسول مثلها، وأما بعد عهده فالأمر متعذِّر.
ويدل لذلك -أنه لا يمكن- أن الرسول عليه الصلاة والسلام دخل على عائشة وعندها رجل كبير، فتغيَّر وجهه وغضب، وقال: «انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ»، و (إنما) هذه أداة حصر، ومعنى الرضاعة من المجاعة أن الرضاعة لا تنفع إلا إذا كانت هي التي يندفع بها جوع المرتضع، وهذا لا يكون إلا إذا كان قبل الفطام، هو اللي يتعين ألَّا يندفع جوعه إلا باللبن، أما الكبير فيندفع جوعه بماذا؟ بالأكل والشرب، الطعام والشراب، هذا واحد.

الدليل الثاني: أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما قال: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ»، قالوا: يا رسول الله، أرأيت الحمو؟ قال: «الْحَمُو الْمَوْتُ»، ومعلوم أن بعض الأحماء يكونون ساكنين عند إخوانهم وزوجات إخوانهم، ويلحق الزوجات من المشقة في الاحتشام عن هؤلاء ما هو معلوم، ولو كان هناك حاجة يمكن أن يتخلص بها الناس من هذه المشقة في مسألة الْحَمُو لكان الرسول لَمَّا قال: الحمو، قال: الحمو يُرْضَع، من أجل أن يفك هذه المشكلة، والنبي عليه الصلاة والسلام ما خُيِّرَ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا.
فلما لم يُبَيِّن للأمة أن هذا يمكن عُلِمَ أن لا يؤثر، لا تأثير لرضاع الكبير، ثم إننا نقول: الأصل عدم التأثير، حتى يتبن لنا أنه حصل ما يؤثر، وبهذه الأدلة الأثرية والنظرية يتبين لنا أن القول الراجح ما ذهب إليه الجمهور، وإن كنا نُسَلِّم أنه لو وُجِدَت حال كحال سالم مولى أبي حذيفة لكان الصواب بلا شك أن نتبع ما أرشد إليه الرسول عليه الصلاة والسلام؛ أنه قال «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ»، لكن الحال بعد ذلك الوقت نرى أنها متعذِّرة، ولهذا ما نعلم أنها وقعت لأحد في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام غير سالم مولى أبي حذيفة.
طالب: أقول (... ) القول متعذرة (... ). الشيخ: والله ما أرى هذا؛ لأن حتى على اختيار شيخ الإسلام، حتى شيخ الإسلام أشار إلى هذه القضية، أشار إليها في بعض كلامه في الفتاوى، هذا إن سالمًا مولى أبي حذيفة رجل مُتَبَنًّى، (... ) كأنه ابن.
طالب: (... ). الشيخ: لا أبدًا، لأن ما هي مشقة هذا كهذا، حتى وهو عندهم لا يشعرون بأنه ابن لهم، وشعور الإنسان بأنه ابن يُعْطِي يعني اندفاعًا في عدم الاحتشام أكثر، ما أرى هذا، كما ذكرت لكم الآن، يعني حديث الحمُو واضح جدًّا.
طالب: (... ). الشيخ: بسيطة، هذه الجواب عليها أن عائشة خالفها كل زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام.
الطالب: (... ).

الشيخ: لا، ما وُجِد قصة مثل قصة سالم مولى أبي حذيفة.
الطالب: (... ). الشيخ: نعم لكن ما وُجِدَ ابن إنسان مُتَبَنًّى.
الطالب: لا، أقصد يعني لما أمرت بهذا (... ). الشيخ: إي، عائشة رضي الله عنها كانت تأمر أخواتها أنهن يرضعن أحدًا يبغي يكون يدخل عليها.
طالب: (... ). الشيخ: (... ) نقلوا عنها أنها تفعل هذا (... ). طالب: (... ). الشيخ: إي، هذه من الشروط.
(... ) الخلاصة: وَعِنْدَهُمْ مِنْ جُمْلَةِ الْمَرْدُودِ أَنْ تُدْخَلَ الْأَحْكَامُ فِي الْحُدُودِ


(... ) (وَالسَّعُوطُ، وَالْوَجُورُ)، (السَّعُوط) بالفتح، أو (السُّعُوط)، بالضم صح، (وَالْوُجُورُ) إلى آخره.
طالب: الوَجُور)، الواو مفتوحة.
الشيخ: ما يخالف، (الفَعُول) ما يحصل به الشيء، و (الفُعُول) نفس فعل الشيء.
فلنا أن نقول: السَّعوط إن قُصِدَ به اللبن فهو بالفتح، وإن قُصِدَ تسعيط الطفل فهو بالضم، كما نقول في الوَضوء ووُضوء، وَضوء: الماء، والوُضوء: الفعل، وطَهور وطُهور، طَهور: الماء، وطُهور: الفعل، وسَحور وسُحور، السَّحور: ما يتسحر به؛ الطعام، سُحور: الفعل.
فهنا السَّعوط يجوز أن يراد به اللبن الذي يُسْعَط، ويجوز أن يراد به الفعل، وعلى هذا مَن قرأ بالضم أو بالفتح فهو صواب، لكن السَّعُوط يكون في الأنف، والوَجُورُ يكون في الفم، يعني لو سُعِطَ الصبي باللبن قُطِّر في أنفه، فإنه مُؤَثِّر، يكون مؤثِّرًا مُحَرِّمًا، ولو وُجِرَ بفمه، ما هو اللي طلب الثدي، نحن أخذنا مثلًا أنبوبة وفرَّغناه في فمه، يكون كشربه، أو كرضاعه هو، فصار السَّعُوط والوَجُور كالرضاع، عرفتم؟

أيش الدليل؟ الدليل حديث لقيط بن صبرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له: «بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا»، ليش ما بال إذا كان صائمًا؟ لأن الماء ينزل إلى معدته، فإن الأنف مَنْفَذ يصل إلى المعدة، أما الوَجُور فواضح؛ لأنه ينزل إلى المعدة من الفم، غاية ما هنالك أن الصبي لم يكن هو الذي ارتضع بنفسه ولكن رُضِّع.
بقي علينا شيء رابع: السُّعوط والوُجُور والرضاع، هذه ثلاثة، بقي علينا شيء رابع: حقنُ اللبن من الدُّبُر، يؤثر ولَّا لا؟ طالب: لا يؤثر.
الشيخ: المذهب لا يؤثر، مع أنهم يقولون: إنه يفطر الصائم، وهذا شبه تناقض؛ لأنه إن كان يغذِّي فلا فرق بين ما يكون للصائم، وما يكون للطفل، وإن كان لا يغذي فلا فرق أيضًا، فلا يفطر الصائم، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الحقنة لا تفطر الصائم، والمذهب يوافقونه في مسألة؟ في مسألة الرضاع، يقولون: إن الحقنة لا تؤثر، ولا تكون رضاعًا، ولا بمعنى الرضاع.
وهو يقول: إن الحقنة بالنسبة للصائم لا تؤثر وليست أكلًا، ولا بمعنى الأكل والشرب، والمسألة هذه فيها مسألة الحقنة؛ لأن المتأخرين من العلماء يقولون: إن الطب أثبت بأن الأمعاء هي التي تمتص الطعام وأن الحقنة مُفَطِّرَة؛ لأنها تغذي البدن تمامًا كما يغذي الذي يصل إلى المعدة.
طالب: (... ). الشيخ: إن الرضاع نص الشرع عليه، فيُسْقَط على ما يسمى رضاع اللغة، بقطع النظر عن التغذية وعدم التغذية، لكن المسألة فيها خلاف هذه.
يقول المؤلف: (ولبن الميتة) لبن الميتة محرِّم، يعني: لو رضع الطفل من ميتة صار محرِّمًا، وثبت به التحريم بالميتة، كيف الميتة؟ نعم يمكن يرضع من ميتة، خمس رضعات؟ يمكن، يرضع أربع منها وهي حية، ولَمَّا ماتت ترى ما بقي إلا واحدة خليه يصير ولدًا لها، أرضعوه الخامسة وهي ميتة، يحرِّم؟ نعم يحرِّم؛ لأنه رضاع.

كذلك لبن الموطوءة بشبهة، شبهة أيش؟ عقد أو اعتقاد؟ كلاهما، الموطوءة بشبهة لبنها محرِّم، ويكون الرضيع ولدًا لها ولمن وطئها، كما أن ولدها من هذا يكون ولدًا لهما.
الموطوءة بشبهة مثل رجل عقد على امرأة عقد زواج، ودخل عليها، وولدت له أولادًا، وصارت هذه المرأة تُرْضِع، ثم تَبَيَّنَ أنها أخته من الرضاع، هذه المرأة، النكاح باطل بالإجماع، ووطؤه إياها شبهة، أولاده له ولَّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: والأولاد الذين رضعوا من هذا اللبن يكونون أيضًا أولادًا له.
كذلك: (المَوْطُوءَة بِشُبْهَةٍ، أَوْ بِعَقْد فَاسِد، أَوْ بَاطِلٍ، أَوْ زِنًا) (بِعَقْدٍ فَاسِدٍ) ما هو العقد الفاسد؟ هو الذي اختلف العلماء في فساده، كالنكاح بلا وَلِيّ، والنكاح بلا شهود، وكالنكاح إذا كان أحد الشاهِدَيْنِ من الأصول أو الفروع، وما أشبه ذلك، فالموطوءة بعقد فاسد لبنها كلبن الموطوءة بعقد صحيح، تمام؟ يعني بالنسبة لها وبالنسبة لواطئها أيضًا.
الموطوءة بعقد باطل ما هو العقد الباطل؟ هو الذي أجمع العلماء على فساده، كأن يتزوج بنت امرأته، هذه بالإجماع إذا كان قد دخل بالأم، إذا كان قد دخل بالأم وهي في حَجْرِه فهي بالإجماع، فإذا تزوَّجها فالعقد باطل، تزوج أُمَّ زوجته بعد أن ماتت زوجته، شوف لاحظ بعد أن ماتت زوجته، تزوج أُمَّ زوجته، فالنكاح؟ طلبة: باطل.
الشيخ: باطل؟ طلبة: نعم.
الشيخ: ماتت الزوجة؟ طلبة: (... ). الشيخ: لأن أمها محرَّمة عليه تأبيدًا، بعقد باطل أيضًا يكون الرضاع مؤثِّرًا، كالنكاح بعقد صحيح.
(أو زنا) الموطوءة بزنا يعني مثل رجل زنى بامرأة وولدت منه وأرضعت طفلًا، يؤثر هذا اللبن ولَّا لا؟ طلبة: نعم.

الشيخ: يؤثِّر، لكنه في المسألتين الأخيرتين في النكاح الباطل وفي الزنا تثبت الأمومة دون الأبوة، يعني تكون المرأة التي أرضعته أُمًّا، ولا يكون الزاني أو الواطئ بعقد باطل أبًا، وحينئذ يكون له أُمّ من الرضاع وليس له أبٌ من الرضاع، فهمتم؟ فعندنا الآن كم مسألة؟ عندنا السُّعوط، والوُجُور، ولبن الميتة، والموطوءة بشبهة، والموطوءة بعقد فاسد، والموطوءة بعقد باطل، والموطوءة بزنا، كل هذه السبعة أمور لبنها؟ طلبة: محرِّم.
الشيخ: محرِّم، وينتشر التحريم بالنسبة لها وبالنسبة لمن له اللبن، إلا في مسألتين وهما: الزنا والنكاح الباطل، وذلك لأن الولد بالزنا والنكاح الباطل لا يلحق الواطئ، فإذا كان ولده الذي خُلِقَ من مائه لا يلحقه فالذي رضع مِن لبنٍ مِن حَمْلِهِ من باب أولى، واضح؟ فإن قلنا بصحة استلحاق الزاني ولده من الزنا، إذا لم يكن هناك (... ) فاستلحقه صار اللبن مؤثِّرًا بالنسبة للمرأة، وبالنسبة للزاني؛ للرجل.
طالب: لو كانت المرأة ليست أُمًّا له بالمرة، ولا زوجة لأبيه، لا بعقد فاسد ولا بغيره، ولا بشبهة، لو أرضعته لحرَّم الرضاع.
الشيخ: لا، على كل حال؛ لأن بيجينا أنه لازم من وطء، لازم من حَمْل أو وطء.
طالب: إذا خُلِطَ لبن الأم باللبن الصناعي هل.. الشيخ: إذا كان يظهر له أثر فهو يُحَرِّم، أما إذا كان جزءًا بسيطًَا لا يظهر له أثر فلا يُحَرِّم، كل شيء مخلوط بغيره إذا لم يظهر له أثر فإنه لا عبرة به، وهذه قاعدة ذكرناها لكم عند قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ، إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَى لَوْنِهِ، أَوْ طَعْمِهِ، أَوْ رِيحِهِ»، كل شيء مخلوط بغيره ولم يظهر له أثر فلا يؤثر، حتى إن العلماء قالوا: لو حلف ألَّا يأكل شيئًا فأكله مستهلكًا في غيره فإنه لا يحنث، وهذا أمر معلوم.
طالب: شيخ، إحنا قلنا: إن الرضاع المحرِّم ليس بشرط أن تكون زوجة.
الشيخ: ما هو شرط.

الطالب: طيب، لماذا نقول: الموطوءة بشبهة أو بعقد فاسد بالنسبة للرضيع يعني، هي تَحْرُم مطلقًا عليه؟ الشيخ: على من؟ طالب: على الرضيع الذي رضع؟ الشيخ: إي، لكن هل لبنها مؤثِّر ولَّا لا؟ بعض العلماء يقول: ترى ما هو بالرضيع ولدها اللي خُلِقَ منها، المراد لو أرضعت طفلًا.
الطالب: أرضعت طفلًا ولَّا ولدها اللي وُلِدَ منها.
الشيخ: لا، ما وُلِدَ منها ولدها ما فيه إشكال، لكن لو أرضعت طفلًا، هذه الموطوءة بشبهة جاءت بولد، ثم أرضعت ولد فلان، هل يؤثر لبنها أم لا؟ الطالب: يؤثِّر (... ). الشيخ: إذا قلنا: هذا للحاجة لا بأس به.
الطالب: هو النبي قبل.. الشيخ: نعم صحيح، لكن نظر الإنسان إلى عورة المرأة للحاجة جائز، أو نقول: إذا كانت هي تستحي تحلب له وتسقيه.
الطالب: أقول: الحاجة يمكن (... ). الشيخ: نعم يمكن إذا أمكنت تلبي هذا فلا حرج، على كل حال أن الأصل أنه إذا دعت الحاجة إلى أن يلتقم الثدي فلا حرج، وإذا لم تَدْعُ الحاجة فإنه يُحْلَبُ له في إناء ويشرب.
الطالب: لا يجوز له التقام الثدي إلا عند الضرورة، وليس عند الحاجة.
الشيخ: لا، الحاجة يجوز، النظر إلى العورة يجوز لمجرد الحاجة، حتى إن الفقهاء يقولون: لو أن أحدًا لا يحسن حلق عانته جاز لغيره أن يحلقها، ودي ما هي ضرورة، على كل حال (... )؛ لأن الأصل النظر للعورة خوف الفتنة، وكل ما حرُم لغيره فإنه تجيزه الحاجة، ما مرت علينا القاعدة هذه؟ المحرَّم لا تبيحه إلا الضرورة، إلا إذا كان محرَّمًا لغيره؛ لكونه وسيلة تبيحه الحاجة.
يقول المؤلف: (وعكسه محرِّم) ويش إعراب محرِّم؟ طالب: خبر.
الشيخ: خبر أيش؟ طالب: (ولبنها).
الشيخ: لا.
طالب: (والسعوط).
الشيخ: خبر (السعوط) وما عُطِفَ عليه، إذا ثبت التحريم ثبت ما يتفرع عليك من مسائل إن شاء الله تعالى.

(وَعَكْسُهُ الْبَهِيمَةُ، وَغَيْرُ حُبْلَى، وَلَا مَوْطُوءَةٍ)، (عكسُه البهيمة) يعني: لبن البهيمة لا يُحَرِّم، فلو ارتضع طفلان من شاة خمس رضعات، أيش نقول؟ يكونان أخوين؟ طالب: لا (... ). الشيخ: طفلان ارتضعَا، على كل حال شوف الكتاب، يقول: (عكسه البهيمة)، البهيمة لا يؤثر لبنها، ليس محرِّمًا؛ لأن الله يقول: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾، والشاة ما هي بتلد الرجال، ولَّا لا؟ ويقول: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، وهذه ما تسمى أُمًّا؛ الشاة.
نستفيد من هذا أنه يُشْتَرَط أن يكون اللبن من آدمية، وكلمة (من آدمية) يخرج به الحيوان الآخر البهائم، ويخرج به أيضًا الرجل، لو ارتضع طفلان من رجل لم يصيرَا أَخَوَيْنِ، إي نعم، يتَصَوَّر، ذكر العلماء أنه يتَصَوَّر، ما أنا بطبيب لكن ذكر العلماء أنه يتَصَوَّر.
طالب: ما يخالف هذا.
الشيخ: موجود؟ طالب: إي نعم.
الشيخ: طيب، لو أن هذا الرجل أرضع أطفالًا يكونون أولادًا له؟ لا؛ لأن الله يقول: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾، هذا ما هو بوالدة، المهم إني الآن أضيف هذا الشرط إلى الشروط السابقة؛ أن يكون خمس رضعات فأكثر، وأن يكون؟ طالب: في الحولين.
الشيخ: في زمن الرضاع.
والثالث: أن يكون من آدمية، ليخرج بذلك البهائم والرجال.
طالب: والخنثى.
الشيخ: والخنثى أيضًا.
والثاني قال: (وغيرُ حُبْلَى ولا موطوءة)، (حُبْلَى) بمعنى: حامل، وقوله: (ولا موطؤءة) هذه عَبَّرَ بها بعض الفقهاء، وبعضهم لم يُعَبِّر بها، وهو الأصح، يعني: يُشْتَرَط أن يكون هذا اللبن ناشئًا عن حمل، انتبه فإن كان ناشئًا عن غير حمل مثل أن تَدُرّ هذه البكر على هذا الطفل ويصل منها لبن ويرضع، فإن ذلك لا يؤثر؛ لأن الله قال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾، وهذه الآن ليست بوالدة، فلا يكون رضاعها مؤثِّرًا، ولا مُعْتَبَرًا شرعًا، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد.

وذهب الأئمة الثلاثة، وهو رواية عن أحمد، أنه لا يُشْتَرَط أن يكون ناشئًا عن حمل، وأنه متى وُجِدَ اللبن من امرأة فأرضعت طفلًا فهو ولدها، حتى لو كانت بكرًا، وهذا القول هو الأرجح؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، أما الآية: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾، فإنما سيقت لبيان ما يجب على الأم من إتمام الرضاعة.
فالصواب أن اللبن الذي ينشأ عن غير حمل يكون مؤثِّرًا، وهذا يقع كثيرًا الآن، تجد امرأة مثلًا بكر تعطي ثديها هذا الصبي إذا صاح لأجل أن يسكت، فيجعل الصبي يرضعه ويرضعه، ثم يَدِرّ عليه، ما يمكن إذا أرضعته خمس رضعات ما فتق أمعاءه ولا انتفع به؟ ما يمكن نقول هذا، فالصواب أنه مُحَرِّم، لبن غير الحبلى كلبن الحبلى.
لبن الحبلى هل يُشْتَرَط أن يكون بعد الوطء، أو لو أرضعت وهي حبلى أَثَّرَ؟ نعم لو أرضعت وهي حبلى لأثَّر، ما دامت حملت فلو تُرْضِع هذا الطفل في الشهور الأولى من الحمل صار ولدًا لها، وصار اللبن مؤثِّرًا.
طالب: لو صار جُبْنًا هذا اللبن؟ الشيخ: نعم يؤثر، ولكن كيف خمس رضعات، أيش نقول؟ طالب: خمس أكلات.
الشيخ: خمس أكلات.
طالب: شيخ، الإرضاع اللي في الآية (... ) المرضعة، والميتة لا يطلب منها هذا الفعل، كيف (... )؟ الشيخ: ما تدري هذا؛ لأن الميتة ما تخاطَب، ما يقال: أرضعيه، وهذه حية تخاطَب، وما دام علمنا أن المرجع والمدار كله ومناط الحكم هو في اللبن، وهذا اللبن قطعًا قد حصل لها قبل أن تموت، يعني بعد الموت ما يمكن أن يجتمع لها شيء.
طالب: شيخ، الميتة ما تَدِرّ لبنًا.
الشيخ: ما هي دارَّة لكن في الثدي، الثدي فيه متجمع.
طالب: ولو منعدم؟ الشيخ: إي نعم، ولو منعدم.
لكن فيه مسألة، لو فُرِضَ أن امرأة قد مات زوجها من قديم، وهي كبيرة، ثم دَرَّت على ولد ونشأ اللبن وأرضعته، هو يكون ولدًا لها لا شك، لكن هل يكون ولدًا لمن مات؟ طلبة: نعم.

الشيخ: ظاهر كلام أكثر أهل العلم أنه يكون ولدًا لمن مات؛ لأن هذه المرأة زوجة للميت وإن كان قد مات، ولكن قد يقال: إنه لا يُنْسَب لهذا الميت؛ لأنها الآن انفصلت منه، فكما أن ولدها لو ولدت لا يُنْسَب إليه، فكذلك لو أرضعته؛ لأن انقطعت علائقها منه.
طالب: شيخ، على القول بلبن غير الحبلى على المذهب أنه لا بد أن يكون حبلى.. الشيخ: نعم.
الطالب: يحتاج ضابطًا في الوقت.
الشيخ: إي، هي لأجل ينشأ الحمل.
الطالب: يمتد اللبن لسنوات ممكن؟ الشيخ: إي، يمكن ما يخالف.
الطالب: وهي ليست حبلى؟ الشيخ: إي، ولو كان، ما دام أنها قد حملت.
الطالب: يعني بداءةً من الحمل؟ الشيخ: نعم.
طالب: شيخ، (... ). الشيخ: والله، ظاهر النصوص الإطلاق، متى حصل الرضاع وتغذى به الطفل فهو مؤثِّر.


[من يُحَرَّم بالرضاع]

قال: (فمتى أرضعت امرأة طفلًا صار ولدها)، انتبهوا، (مَتَى أَرْضَعَتِ امْرَأَةٌ طِفْلًا)، مقيَّد هذا الطفل، يعني في زمن الرضاع، وهو على المذهب الحولان.
(صَارَ وَلَدَهَا) في الأمور الأربعة، بس ما هو بكل شيء؟ في أمور أربعة: (فِي النِّكَاحِ، وَالنَّظَرِ، وَالْخَلْوَةِ، وَالْمَحْرَمِيَّةِ) أربعة أشياء فقط، ما يكون ولدًا لها في وجوب النفقة، ووجوب البِرّ، ومن الميراث، وغير ذلك؟ لا، والولاية، وعدم دفع الزكاة.
المهم ما يثبت من أحكام النسب إلا أربعة فقط، وهذه الأربعة هي التي تثبت في المصاهرة، المصاهرة ما يثبت لها من أحكام النسب إلا أربعة، يعني أُمّ زوجك ما هي مثل أمك بكل شيء، مثل أمك في هذه الأمور الأربعة فقط: فِي النِّكَاحِ، وَالنَّظَرِ، وَالْخَلْوَةِ، وَالْمَحْرَمِيَّةِ.
كلمة (فِي النِّكَاحِ) أي: في تحريمه أو جوازه؟ طلبة: في تحريمه.
الشيخ: في تحريمه، صح؟ طلبة: نعم.
الشيخ: إي نعم، إذن (في النكاح) يعني: في حكم النكاح وهو التحريم.
(وَالنَّظَرِ) جوازه ولَّا تحريمه؟ طلبة: في جوازه.
الشيخ: جواز النظر.

(وَالْخَلْوَةِ): جواز الخلوة، (وَالْمَحْرَمِيَّةِ)؟ طلبة: (... ). الشيخ: لا، ثبوت الْمَحْرَمِيَّة، فيكون ولدها في تحريم النكاح، وفي جواز الخلوة، وفي جواز النظر، وفي ثبوت الْمَحْرَمِيَّة، واضح؟ كل مَن حَرُمت على التأبيد بنسب أو سبب مباح فهي مَحْرَم، أو لا؟ كل مَن حَرُمَت على الإنسان على التأبيد بنسب أو سبب مباح فهي من محارمه، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ».
طالب: إلا البائن؟ الشيخ: البائن؟ طالب: المفرَّق بينها وبين زوجها لِلِعَانٍ.. الشيخ: إي، هذا ما هو سبب مباح، السبب المباح هو الرضاع والمصاهرة.
رجلان ارتضعَا من بهيمة (... ) بعقد باطل، فإنه على المذهب وعلى القول الصحيح أيضًا لا يلحق الواطئ الولد، فلا يكون الرضاع بهذا اللبن مُؤَثِّرًا بالنسبة لمن؟ للواطئ.
(... ) إليه بِحَمْل أو وطء، يعني: ويصير هذا الطفل ولدًا للأم التي أرضعته، وهذا بالاتفاق ولا إشكال فيه؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾.
(وَوَلَدَ مَنْ نُسِبَ لَبَنُهَا إِلَيْهِ بِحَمْلٍ أَوْ وَطْءٍ)، يعني ولد مَن نُسِبَ لبنها إليه بسبب حمل منه، أو بسبب وطء.
بسبب حمل، مثل: لو أنها تَحَمَّلَت بمائه وهو زوجها، بدون أن يطأها فإن هذا الجنين الذي خُلِقَ من هذا الماء يكون ولدًا لزوجها، وهو ما جامعها، يمكن هذا ولَّا ما يمكن؟ يمكن، يمكن أن تأخذ من ماء الزوج، أي: من مَنِيِّه ثم تضعه في الفرج، وقد يكون بإذن الله عز وجل يصعد إلى الرحم، ويتكون منه الجنين وتلد، هذه امرأة حملت من دون وطء، ولهذا قال: (بِحَمْلٍ).
وقوله: (أَوْ وَطْءٍ) يعني بأن وطئها الزوج، أو وطئها السيد، فأتت بولد، وهذا واضح، وهو الأكثر.

لو أنه وطئها وصار لها لبن بدون حمل، فظاهر كلام المؤلف قوله: (أَوْ وَطْءٍ) أن هذا اللبن يثبت له أحكامُ ما نشأ عن حمل، وهذا أحد القولين في المذهب، ولكن المشهور من المذهب أنه إذا وطئها وصار فيها لبن من الوطء فإن هذا اللبن لا يُؤَثِّر؛ لأنه على المذهب لا يُؤَثِّر إلا ما كان ناشئًا عن حمل.
وعلى هذا فنقول: قوله: (أَوْ وَطْءٍ) الشارح رحمه الله صرفها، قال: أو وطء نكاح أو شبهة، ولكن هذا صرف من الشارح؛ لأن التي وُطِئت بشبهة أو بنكاح فاسد مثلًا إذا وُطِئَت ستحمل، لو وُطِئت ولم تحمل وجاء اللبن فهو على المذهب لا يُؤَثِّر؛ لأنه يُشْتَرَط أن يكون اللبن ناشئًا عن حمل، لكن أقول الآن: إن المسألة فيها قول ثانٍ، خلاف المذهب، بأنه إذا نشأ اللبن عن وطء فهو مُؤَثِّر كما لو نشأ عن حمل.
هل هناك قول ثالث؟ نعم، هناك قول ثالث، وهو أن اللبن مُؤَثِّر، سواء كان فيه وطء أو حمل، حتى من البكر اللي ما تزوجت إذا صار لها لبن فإنه يؤثر، فتكون الأقوال إذن كم من قول؟ ثلاثة: المذهب: لا بد أن يكون ناشئًا عن حمل.
والقول الثاني: أن يكون ناشئًا عن حمل أو وطء.
والقول الثالث: لا يُشْتَرَط هذا ولا هذا، لا أن يكون ناشئًا عن حمل، ولا أن يكون ناشئًا عن وطء، وهو مذهب الأئمة الثلاثة، ورواية عن أحمد، وهي الصحيحة.
وقوله: (وَوَلَدَ مَنْ نُسِبَ لَبَنُهَا إليه)، هذه المسألة فيها خلاف قديم، ولكن الصواب بلا شك الذي عليه الجمهور أنه يكون ولدًا لمن نُسِبَ لبنها إليه، ويسمى هذا لبنَ الفحل، ويُعَبَّر عنه عند أهل العلم هل لبن الفحل ينشر الْحُرْمَة أو لا؟ والصواب أنه ينشر؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ».

وصورة المسألة لو أن رجلًا له زوجتان، فأرضعت إحداهما ولدًا رضاعًا كاملًا، صار هذا الولد ولدًا له، أو لا؟ وصار أخًا لأولاده من هذه المرأة التي أرضعته، ولكن هل يكون أخًا لأولاد زوجها من غيرها؟ هذا، جمهور أهل العلم على أنه نعم، يكون أخًا لأولاد زوجها من غيرها؛ لأن لبن الفحل مؤثِّر، والأولاد؛ أولاد الزوج من غير هذه المرأة اشتركوا مع الرضيع في أبٍ واحد، ولَّا لا؟ أبوهم واحد، فيكون اللبن مؤثِّرًا، لبن الفحل، وهذا هو الصواب؛ لعموم الحديث الذي ذكرت لكم.
والقول الثاني: أن لبن الفحل لا يؤثِّر، وعلى هذا فلو أن رجلًا له زوجتان أرضعت إحداهما بنتًا والأخرى أرضعت ولدًا، هل يصيرَانِ أَخَوَيْنِ؟ طلبة: (... ). الشيخ: لا، على القول بأن لبن الفحل ما يؤثِّر ما يصيرَا أَخَوَيْنِ، فيجوز لأحدهما أن يتزوج بالآخر؛ لأن اجتماعهما في الأب لا يؤثِّر.
ولكن القول الصحيح بلا شك أنه مؤثِّر لبنُ الفحل، وعلى هذا فنقول في رجل أرضعت إحدى امرأتيه طفلًا رضاعًا مُحَرِّمًا، وله أولاد من زوجة أخرى، نقول: إن أولاده من الزوجة الأخرى يكونون إخوة لهذا الطفل منين؟ من الأب، إخوة له بالرضاع من الأب؛ لعموم الحديث، ولهذا قال: (وَوَلَدَ مَنْ نُسِبَ لَبَنُهَا إِلَيْهِ بِحَمْلٍ أَوْ وَطْءٍ)، وصارت (مَحَارِمُهُ مَحَارِمَهُ) هذا ضميران كلاهما مُذَكَّر مفرد، فعلى مَن يعود الأول والثاني؟ طالب: على الاسم الموصول، على مَن نُسِب إليه.
طالب آخر: (... ). طالب آخر: محارم الأب.. الشيخ: (مَحَارِمُهُ) أي: محارم مَن نسب لبنها إليه؛ لأنه هو أقرب مذكور، فيكون الضمير الأول يعود إليه.
(مَحَارِمَهُ) أي: محارم المرتضِع، نقول: صار ولدَها وولدَ مَن نُسِبَ لبنها إليه، وصار ولدَ مَن نُسِبَ لبنُها إليه ومَحَارِمُهُ مَحَارِمَهُ، يعني: محارم مَن نُسِبَ لبنها..

جارٍ التحميل