فإن مس ثوبه شيئًا نجسًا؛ لكن بدون اعتماد عليه، قال أهل العلم: فإن ذلك لا يضر؛ لأن هذا ليس بثابت.
فإذا قُدر أن إنسانًا يصلي ولما ركع، والعادة أن الإنسان إذا ركع ابتعد ثوبه من ورائه، والآن ما هو على الجدار، ليس مستندًا عليه، لكنه إذا ركع مس ثوبه الجدار، فإن هذا لا يؤثر، ليش لأي شيء؟ لأنه لم يعتمد عليه، فلا يعد ذلك ملاقاة.
عندي بالشرح: وإن مس ثوبه ثوبًا أو حائطًا نجسًا لم يستند إليه، هذا رجل يصلي على بساط فيه بقعة نجسة، فإذا سجد صارت البقعة بين ركبتيه ويديه، ما تقولون؟ واحد يصلي على سجادة معه فيها بقعة نجسة، هذه البقعة إذا سجد تكون بين ركبتيه ويديه تصح صلاته ولّا لا؟
طلبة: إي نعم، تصح.
الشيخ: يقولون: تصح صلاته نعم؛ لأنه لم يحملها ولم يلاقها فصلاته إذن صحيحة.
وبالأولى أيضًا: لو كانت النجاسة على جانب من زواياها زوايا السجادة فإنها تصح صلاته؛ لأنه لم يلاقها ولم يمسها.
قال المؤلف: (وإن طين أرضًا نجسةً أو فرشها طاهرًا كره وصحت)، هذان حكمان: إذا طين أرضًا نجسة، أي: كساها بالطين، ما هو صب عليها ماء، إذا صب عليها ماء طهرت، لكن هذه أرض نجسة فأتى بطين وكساها به.
وإن سمت.
طالب: (... ).
الشيخ: مثلها، إذا سمت أرضًا نجسة، وإن زفلت مثلها أيضًا، هذا طين أرضًا نجسة، أي: كساها بالطين وصلى على هذا الطين الذي كسيت به هذه الأرض، ذكر المؤلف حكمين:
الحكم الأول قال: كره.
والحكم الثاني قال: صحت.
فالصلاة إذن صحيحة، والفعل مكروه، والمكروه معناه: أنه لا يعاقب فاعله، ويثاب تاركه امتثالًا، هذا حكم المكروه، لا يعاقب فاعله ويثاب؟
طلبة: تاركه امتثالًا.
الشيخ: ويثاب تاركه امتثالًا.
الحكم الثاني: صحت الصلاة، لماذا صحت؟ نقول: لأن هذا الرجل لم يحمل النجاسة، ولم يلاق النجاسة، فأتى بالشرط، وإذا أتى بالشرط فصلاته صحيحة؛ لأنه لم يلاقها ولم يحملها فتصح صلاته، بقينا بمكروه ما هو السبب؟ لماذا يكره؟ الكراهة، كما هو معروف لنا حكم شرعي، والحكم الشرعي يحتاج إلى دليل شرعي، فما هو الدليل؟
قال: الدليل في الشرح تعليل؛ لأنه اعتمد على ما لا تصح الصلاة عليه، هكذا عللوا، ولكن هذا التعليل عليل في الواقع؛ لأننا نقول: هذا الذي لا تصح صلاته عليه حال بينه وبينه حائل صفيق، لا يمكن أن يمس من ورائه النجس أو يلاقي النجس، ولو أننا أخذنا بهذا لقلنا: لا تسلم صلاة أحد من الكراهة، لاسيما في البيوت التي يكثر فيها الصبيان والبول، وما أشبه ذلك، الآن البيوت التي يكثر فيها الصبيان والبول كلهم يفرشون مصلياتهم ويصلون عليها، فهل نقول: إن هؤلاء صلاتهم مكروهة، هذا فيه نظر ظاهر.
والصواب: أنها تصح ولا تكره.
كذلك قال: (أو فرشها طاهرًا)، (فرشها) أي: فرش عليها، (طاهرًا) أي: شيئًا طاهرًا، مثل: ثوب سجادة، خصاف أيش؟
طالب: تراب.
الشيخ: التراب يمكن يصل إليها؛ لأن التراب إذا سجد عليه ربما أنه يتمايز.
المهم أنه فرش شيئًا طاهرًا، إذا فرشها شيئًا طاهرًا فإن الصلاة تصح؛ لعدم مباشرته النجاسة؛ فليس بحامل لها، ولا ملاق لها، ولكن لماذا تكره؟ يقول المؤلف: لاعتماده على ما لا تصح الصلاة عليه.
ولكن الصحيح أنها لا تكره؛ لأنه صلى على شيء طاهر يحول بينه وبين النجاسة.
طالب: (... ).
الشيخ: شاهدته أنت؟
طالب: القمر نعم.
الشيخ: شاهدت القمر؟ شاهدته كاسفًا.
طالب: (... ).
الشيخ: يشوفه واحد منكم.
طالب: ما نعرف.
الشيخ: الطرف هذا متصل بالذي يصلي عليه، ولكنه هو لا يباشر النجاسة ولا يلاقيها، فنقول: إن صلاته صحيحة، وإن كان بعض العامة يرون أن السجادة إذا تنجست ولو كانت النجاسة بطرف منها بعيد فإنها لا تصح.
(... ) (أو فرشها طاهرًا كره وصحت) قال: (وإن كانت بطرف مصلى متصل به صحت) ثم قال: (إن لم ينجر بمشيه)، هذه العبارة فيها ركاكة عظيمة.
(... ) بسم الله الرحمن الرحيم من شروط الصلاة اجتناب النجاسة.
المؤلف يقول رحمه الله: (إن كانت بطرف مصلى متصل صحت) وأتينا بمثال لها مثل لو كان على سجادة.
لكن قال: (إن لم ينجر بمشيه) انتبه لهذه العبارة، هذه العبارة ما تتفق مع الأول إلا على تقدير؛ لأن قوله: (إن كان بطرف مصلى) المصلى ما ينجر بالمشي، لو مشيت وين يروح المصلى؟ يبقى في مكانه، لكن يشير المؤلف إلى مسألة أخرى، إذا كانت النجاسة متصلة بشيء متعلقة بهذا الرجل، فإن كانت تنجر بمشيه لم تصح صلاته، وإن كانت لا تنجر صحت صلاته.
مثال ذلك: رجل معه حبل، وليكن زمام، أعني مقودًا على رأس حمار، وهو قد أمسك بالمقود أو ربط المقود على بطنه، فهنا صلاته لا تصح أو تصح؟
طلبة: تصح.
الشيخ: تصح؛ لماذا؟ لأن الحمار لو استعصى عليه لم ينجر إذا مشى، معلوم ولّا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب.
طالب: حسب (... ).
الشيخ: ما يخالف.
يقول: إن لم ينجر بمشيه يعني إن لم يكن الشيء النجس أو المتنجس متعلقًا بالمصلي بحيث ينجر بمشيه.
كيف تتصور المسألة هذه؟
نقول: هذا إنسان ربط على بطنه حبلًا، وهذا الحبل ربطه برقبة حمار، الحمار الآن متعلق بالحبل كذا ولَّا لا؟ يعني: مربوط به، لو أن هذا الرجل مشى واستعصى الحمار عليه ما ينجر بمشيه، هذا الغالب، ممكن يجيب واحدًا قويًّا ربما يكون، لكن الغالب أنه لا ينجر، ولنقل: إنه بالنسبة لهذا المصلي لا ينجر بمشيه عرفتم؟ الصلاة هنا صحيحة؛ لأن الرجل غير حامل للنجاسة، صح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ولا النجاسة تتبعه واضح؟
طالب: فين النجاسة يا شيخ؟
الشيخ: الحمار نجس.
الطالب: نجس الحمار؟
الشيخ: إي نعم، الحمار نجس وسبق الكلام عليه، لكن إحنا بنقدر على أن الحمار نجس بوله وغوطه لا شك في نجاسته.
المهم نقول: هذا الرجل صلاته أيش؟ صحيحة؛ لأنه ليس مباشرًا لنجاسة ولا حاملًا لها ولا مستتبعًا لها، يعني ما تتبعه النجاسة، إذن فصلاته صحيحة.
رجل آخر ربط حبلًا بيده أو ببطنه وربطه في رقبة جرو كلب صغير.
طلبة: (... ).
الشيخ: الكلب الصغير جرو صغير (... ) الحبل هذا (... ) الكلب فنقول: هذا الرجل صلاته لا تصح، ليش؟ لأنه لو مشى انجر الكلب بمشيه، واضح؟ لماذا لا تصح صلاته؟ قال: لأنه مستتبع للنجاسة، الآن النجاسة صحيح لا حملها ولا باشرها لكن لو مشى تبعته، إذن الصلاة لا تصح.
مثال ثالث: رجل ربط حبلًا بحجر كبير متلوث بالنجاسة، وربط به حبلًا، وربط الحبل بيده، أو على بطنه؛ ما تقولون في صلاته؟
طلبة: صحيحة.
الشيخ: صحيحة؛ لأن الحصاة الكبيرة لا تنجر بمشيه، هو اللي يمكن ينجر به.
رجل آخر ربط حبلًا بحجر صغير متنجس.
طلبة: لا تصح.
الشيخ: ما تصح، لماذا؟ لأنه ينجر بمشيه، فهو مستتبع له، فيكون كالحامل للنجاسة، لما كانت النجاسة تتبعه صار كالحامل لها.
وهذا قد يلغز به، فيقال: رجل اتصل بنجاسة كبيرة عظيمة، وقلنا: صلاته صحيحة، ورجل اتصل بنجاسة صغيرة قليلة قلنا: صلاته؟
طلبة: باطلة.
الشيخ: باطلة، كذا ولّا لا؟ حقيقة يأخذ بها، لكن عند التأمل الفرق ظاهر؛ لأنها إذا كانت صغيرة تتبعه، فهو كالحامل لها لتبعيتها له، وإذا كانت كبيرة لا تتبعه فهي منفصلة عنه، فلا تؤثر، هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله.
والصحيح أنها لا تبطل الصلاة في كلتا الصورتين؛ الصحيح أن الصلاة صحيحة في كلتا الصورتين؛ لأن النجاسة هنا لم يباشرها، ولم يباشرها ثوبه الذي هو سترة صلاته، وليست بقعة صلاته، والحاجة تدعو إلى ذلك، لا سيما في الزمن السابق، الإنسان في البر معه حماره؛ يخشى إن أطلقه أن يهرب ولا يجيء، وليس حوله شجرة يربطه بها، فأمسكه بيده وصار يصلي، ما المانع؟ ما الذي يجعل الصلاة باطلة؟ وهذا لم يباشر النجاسة ولم يباشرها ثوبه ولا مصلاه، فالصحيح في هذه المسألة أن صلاته تصح للعلة التي ذكرناها.
وقولهم: لأنه مستتبع للنجاسة، نقول: لكنها منفصلة عنه في الواقع، وبينه وبينها فاصل، وهو هذا الحبل ما اتصل بها، فهذا هو القول الراجح في هذه المسألة.
يقول المؤلف: (ومن رأى عليه نجاسةً بعد صلاته، وجهل كونها فيها لم يعد، وإن علم أنها كانت فيها، لكن جهلها أو نسيها أعاد)، هذه المسألة مهمة وكثيرة الوقوع، رجل رأى عليه نجاسة، ونقيد النجاسة هنا بأنها لا يعفى عنها، لماذا قيدناها بذلك؟ لأن التي يعفى عنها لا تضر، لكنها نجاسة لا يعفى عنها، رآها بعد صلاته وجهل كونها فيها، أي لا يدري أصابته وهو في الصلاة أو بعد أن صلى، نقول: لا إعادة عليه؛ لوجهين، نعلل ذلك بوجهين:
الوجه الأول: أن صلاته قد انقضت من غير تيقن مفسد، والأصل؟
طالب: عدمه.
الشيخ: عدمه، وصحة الصلاة، ولهذا لو شك الإنسان بعد صلاته هل صلى ثلاثًا أم أربعًا، يضره ولّا لا؟ لا يضره؛ لأنه فرغ من الصلاة وانتهى منها فلا يضر.
الوجه الثاني: أن نقول: هو الآن لا يدري أحصلت تلك النجاسة قبل سلامه أو بعد سلامه، والأصل الحصول أو عدم الحصول؟
طلبة: عدم الحصول.
الشيخ: الأصل عدم الحصول، ولهذا نقول: لا إعادة عليك.
إن غلب على ظنه أنها كانت قبل الصلاة فلا إعادة عليه؛ لأن غلبة الظن هنا كالشك، والشك كالعدم، ولهذا لما سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الرجل يشكل عليه -وهو في صلاته- أخرج منه شيء؟ قال: «لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا؛ أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (18)، ولأن القاعدة: أن اليقين لا يزول إلا بيقين، فلا يمكن أن يزول الشيء المتيقَّن بشيء مظنون أو المشكوك فيه.
إذن الصورة هذه فهمتوها الآن مفهومة؟ بعد أن صلى وبقي برهة من الزمن رأى في ثوبه نجاسة، ولكن يقول: أنا لا أدري هل أصابتني تلك النجاسة قبل أن أتمم صلاتي أو بعد؟ نقول له: صلاتك صحيحة ولا إعادة عليك.
الصورة الثانية: قال: وإن علم أنها كانت فيها لكن نسيها أو جهلها أعاد، علم أنها كانت فيها وتيقن أنها أصابته قبل الصلاة لكن ما علم، جهلها، قال المؤلف: إنه يعيد.
مثال ذلك: رجل كان قد حمل صبيًّا قبل أن يصلي، ثم حان وقت الصلاة، فذهب وصلى، ولما رجع من صلاته وجد على ثوبه أثر العذرة، وهو لم يحمل صبيًّا بعد صلاته، هنا علم أنها قبل الصلاة، وأنها كانت فيها، كانت النجاسة في الصلاة، لكنه أيش؟
طالب: نسيها.
الشيخ: جهلها، يعني لم يعلم أنها أصابته، يقول المؤلف: يجب عليه أن يعيد.
الصورة الثالثة: قال: (أو نسيها)، كيف نسيها؟ يعني هو علم أن النجاسة أصابته قبل أن يصلي لكن نسي النجاسة، ما كأنها على باله حتى فرغ من صلاته، يقول المؤلف: يعيد؛ لأنه تيقن أنه صلى في نجاسة، واجتناب النجاسة شرط لصحة الصلاة، فتجب عليه الإعادة؛ كما لو نسي أن يتوضأ من حدث، وكما لو ترك الوضوء جهلًا بالحدث، فإن عليه أيش؟
طالب: الإعادة.
الشيخ: الإعادة؛ لأن كل واحد منهما شرط للصلاة.
فيه صورة رابعة: إذا جهل الحكم، يعني لم يعلم أن هذه من النجاسات وصلى، ثم تبين أنها من النجاسات، تجب عليه الإعادة ولّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، تجب عليه الإعادة، يعني فلا فرق بين جهل النجاسة والجهل بحكم النجاسة أو بأنها نجاسة.
فيه أيضا صورة خامسة: لو علم النجاسة وهو على ذكر منها، لكن نسي أن يغسلها، فهو كما لو نسيها، يعني أن عليه الإعادة، فعلى هذا نقول: كل هذه الصور عليه الإعادة، إلا إذا جهل هل كانت قبل الصلاة أو بعد الصلاة، فلا إعادة عليه، والراجح في هذه المسائل كلها أنه لا إعادة عليه، سواء نسيها أو نسي أن يغسلها، أو جهلها، جهل أنها أصابته، أو جهل أنها من النجاسات، أو جهل حكمها، أو جهل أنها قبل الصلاة، أو بعد الصلاة، في كل الصور لا إعادة عليه.
الدليل: القاعدة العظيمة العامة التي وضعها الله لعباده وهي: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]، وهذا الرجل الفاعل لهذا المحرم كان جاهلًا أو ناسيًا، وقد رفع الله المؤاخذة به، ولم يبق شيء يطالب به، ما دام المؤاخذة رفعت فإنه لم يبق شيء يطالب به، وعلى هذا فنقول: لو أن رجلًا أصابته نجاسة ونسي أن يغسلها كان في ذاك الساعة ليس عنده ماء وصلى ونسي، فصلاته صحيحة، ليس عليه إعادة.
لو أنه بعد أن صلى قال له واحد: يا فلان، شوف النجاسة في ثوبك، يدوب سلم قال: السلام عليكم ورحمة الله قاله واحد: شوف النجاسة في ثوبك، فليس عليه إعادة؛ لأنه جاهل، وكذلك لو جهل حكمها، يعني ما علم أنها نجاسة أو غير نجاسة فلا إعادة عليه؛ لعموم الآية التي ذكرناها.
وهناك دليل خاص في المسألة، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى في نعليه وفيهما أذى، وأعلمه بذلك جبريل، لم يستأنف الصلاة، وإذا لم يبطل هذا أول الصلاة فإنه لا يبطل بقية الصلاة، فالصواب أنه لا إعادة عليه؛ لعموم الآية ولهذا الدليل الخاص.
هذه المسألة إذا قال قائل: ما الذي منع قياسها على ما إذا صلى محدثًا وهو جاهل أو ناس؟
نقول: اللي منع القياس أن ترك الوضوء من باب ترك المأمور، الوضوء شيء مأمور به؛ يطلب من الإنسان أن يتلبس به، والنجاسة شيء منهي عنه، يطلب من الإنسان أن يتخلى عنه، ففرق بين هذا وهذا، فلا يمكن أن يقاس فعل المحظور على ترك المأمور؛ ولهذا لو أن أحدًا أكل لحم إبل، وهو لم يعلم أنه لحم إبل، وقام وصلى بلا وضوء، ثم قيل له: إنه لحم إبل، فعليه الإعادة؛ لأن هذا من باب ترك المأمور، بخلاف النجاسة، فهي من باب فعل المحظور، هذا هو الصحيح في هذه المسألة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو رواية عن الإمام أحمد في هذه المسألة.
ثم قال: (ومن جبر عظمه بنجس لم يجب قلعه مع الضرر)، (من جبر عظمه بنجس) كيف يجبر بنجس؟ إي نعم، هذا رجل انكسر عظمه وسقط منه يعني أجزاء من العظم، فلم يجدوا هذه الأجزاء، ولا تمكنوا من جبر ما انكسر بها، فإذا عندهم كلب، فكسروا عظم الكلب وجبروا به عظم الرجل، جبر الآن بعظم نجس، إذا صلى سيكون حاملًا نجاسة، نقول له الآن: اقلع هذا العظم النجس؛ لأنه لا يجوز لك أن تصلي وأنت حامل النجاسة، قال الأطباء: إذا قلعه تضرر عاد الكسر وربما لا يجبر، نقول إذن: لا يجب قلعه؛ لأن الله عز وجل أباح ترك الوضوء عند خوف الضرر، فترك اجتناب النجاسة من باب أولى عند خوف الضرر، فلا يجب عليك قلعه، إذن يبقى مجبورًا عظمه بعظم كلب.
هل يتيمم لحمله هذه النجاسة؟ الصحيح لا يجب التيمم، ولا يشرع التيمم لهذه النجاسة، والمذهب يقولون: إن كان قد غطاه اللحم لم يجب التيمم؛ لأنه غير ظاهر، وإن كان لم يغطه وجب التيمم؛ لأن النجاسة ظاهرة، ولكن الصحيح كما مر علينا في باب التيمم أن النجاسات لا يتيمم عنها، وأن من كان على بدنه نجاسة وتعذر عليه غسلها فليصل بدون تيمم؛ لأن التيمم إنما ورد في طهارة الحدث، لا الطهارة من النجاسة.
يقول: (وما سقط منه من عضو أو سن فطاهر)، ما سقط ممن؟
طلبة: من الإنسان.
الشيخ: من الإنسان، من عضو أو سن فهو طاهر.
العضو: مثل أصبع، قطع أصبع، ذراع، قطع ذراع، ساق، قطع ساق، فهو طاهر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» (19)، لا حيًّا ولا ميتًا.
ولقوله عليه الصلاة والسلام: «مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّة فَهُوَ مَيِّتٌ» (20).
وأخذ العلماء من ذلك قاعدة: ما أُبين من حي فهو كميتته حلًّا وحرمة، وطهارة ونجاسة، وميتة الآدمي طاهرة، إذن فالعضو المنفصل منه طاهر، ولكن الغريب أن أهل العلم رحمهم الله عامتهم يقولون: ما انفصل من الإنسان فهو طاهر إلا شيئًا واحدًا، وهو الدم، فهو نجس؛ لأن الدم ليس بولًا ولا غائطًا؛ إذ إن البول والغائط هو فضلات الطعام والشراب التي ليس فيها فائدة للجسم، الله حكيم عز وجل، الجسم هذا الأكل اللي يدخل عليك من طعام وشراب هذا يأخذ الجسم ما ينفع ويدع ما لا ينفع، الذي لا ينفع له مخارج معينة إذا خرج منها فهو نجس، واللي ينفع يذهب يغذي الجسم يدخل في أنسجة اللحم في العظام وغير ذلك قالوا: إن الدم لا هو من الفضلة التي ليس فيها فائدة، وليس من الجسم نفسه الذي يغذيه الدم، فهو بين بين، لا هذا ولا هذا، ولهذا أعطيناه الحكم بين بين، فقلنا: ليس كالعضو الذي ينفصل، وليس كالبول والغائط، فهو نجس يعفى عن يسيره.
ولكن ذهب كثير من أهل العلم، ولكنهم قلة بالنسبة للجمهور، إلى أن دم الآدمي طاهر، وقالوا: إذا كان العضو لا ينجس بالبينونة، فالدم من باب أولى، وليس هناك دليل على نجاسة الدم؛ إلا ما خرج من السبيلين كالحيض؛ فقد قام الدليل على نجاسته.
على كل حال المؤلف يقول رحمه الله: (ما سقط منه من عضو أو سن فطاهر) قد يقول قائل: ما مناسبة هذه المسألة لباب اجتناب النجاسة في الصلاة؟
الفائدة: أنه لو سقط منه عضو، ثم أعاده في الحال وخاطه يكون طاهرًا ولّا نجسًا؟
طلبة: طاهر.
الشيخ: يكون طاهرًا، هذه الفائدة، فنقول: لا يلزمك أن تزيله إذا أردت الصلاة لأنه طاهر.
يقولون: إن الشيء إذا انفصل من الجسم وأعيد في حرارته فورًا فإنه بإذن الله يلحم؛ لأن المنافذ والأنسجة لم تتلاءم بعد، فيلحم مثل المغناطيس، ولهذا قالوا: لو قطع أذنه من هنا مثلًا ثم أعادها فورًا ومسك عليها لصقت وجبرت، وعلى هذا فنقول: إن مناسبة وضع هذه الجملة في هذا الباب هو أنه لو أعاد هذا العضو الذي انفصل أو السن أعاده في الحال وركب فهو أيش؟
طالب: طاهر.
الشيخ: فهو طاهر لا يجب عليه إزالته.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولا تصح الصلاة في مقبرة)، (لا تصح) نفي الصحة يقتضي الفساد؛ لأن كل عبادة إما أن تكون صحيحة، وإما أن تكون فاسدة، ولا واسطة بينهما، فهما نقيضان شرعًا، فإذا انتفت الصحة ثبت الفساد.
وقوله: (الصلاة) يعم كل ما يسمى صلاة، سواء كان فريضةً أم نافلة، وسواء كانت الصلاة ذات ركوع وسجود أم لم تكن؛ لأنه قال: (الصلاة) وعليه فيشمل صلاة الجنازة، لا تصح في المقبرة، ولكن قد دلت الأدلة على استثناء صلاة الجنازة، كما سنذكره إن شاء الله، وعلى هذا فالمراد بالصلاة ما سوى صلاة الجنازة.
وهل يجوز السجود المجرد كسجود التلاوة مثلًا؛ مثل لو كان الإنسان يقرأ في المقبرة ومر بآية سجدة، فهل يسجد أو لا يسجد؟ ينبني هذا على اختلاف العلماء، أي في سجود التلاوة، فسجود التلاوة اختلف فيه أهل العلم، فمنهم من قال: إنه صلاة، ومنهم من قال: إنه ليس بصلاة.
فالذين يقولون: إنه ليس بصلاة يقولون: إنه يجوز أن يسجد الإنسان سجود التلاوة في المقبرة، والذين يقولون: إنه صلاة يقولون: لا يجوز.
إذا قال قائل: لا تصح الصلاة في مقبرة هل المراد بالمقبرة هنا ما أعد للقبر، وإن لم يدفن فيه أحد، أو ما دفن فيه أحد بالفعل؟
الجواب: ما دفن فيه أحد، أما لو كانت هناك أرض اشتريت لأن تكون مقبرة، ولكن لم يدفن فيها أحد، فإن الصلاة فيها تصح، فإن دفن فيها أحد، فإن الصلاة لا تصح فيها؛ لأنها كلها اسم مقبرة.
فإن قال قائل: ما الدليل على أن الصلاة لا تصح في المقبرة؟ فهل يقابل ويقال: ما الدليل على أنها تصح؟ ما تقولون؟
طلبة: الأصل الصحة.
الشيخ: نقول: الأصل الصحة؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (21)، فالأصل أن كل الأراضي تصح فيها الصلاة، ولهذا لا بد أن يؤتى بدليل للأماكن التي لا تصح فيها الصلاة.
فإذا قال قائل: ما الدليل؟
قلنا: الدليل:
أولًا: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ» (22)، هذا واحد، وهو واضح، استثناء من عموم: «إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ».
ثانيًا: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» (23)، والمساجد هنا قد يكون أعم من البناء؛ يعني قد يراد به المسجد الذي يبنى، وقد يراد به المكان الذي يسجد فيه؛ لأن المساجد جمع مسجد، والمسجد مكان السجود، فيكون هذا أعم من البناء.
وهناك تعليل؛ وهو أن الصلاة في المقبرة قد تتخذ ذريعة إلى عبادة القبور، ولهذا لما كان الكفار يسجدون للشمس عند طلوعها وغروبها، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عند طلوعها وغروبها؛ لئلا يتخذ ذريعة إلى أن تعبد الشمس من دون الله، أو إلى أن يتشبه بالكفار.
كذلك أيضًا الصلاة في المقبرة قد تكون ذريعة إلى عبادة القبور أو إلى التشبه بمن يعبد القبور، فلذلك نهي عنها -عن الصلاة في المقبرة- فهنا إذن دليلان وتعليل، وأما من علل ذلك بأن يخشى أن تكون المقبرة نجسة، فهذا تعليل عليل، بل ميت لم تحل فيه الروح، كيف تكون نجسة؟ قالوا: نعم لأنها ربما تنبش، وفيها صديد من الأموات ينجس التراب، فيقال: سبحان الله:
أولًا: أن نبش المقبرة الأصل عدمه.
ثانيًا: من يقول: إنك ستصلي على تراب فيه صديد؟
ثالثًا: من يقول: إن الصديد نجس؟ كل هذه المقدمات تبطل هذا التعليل، والحديث عام اللي ذكرناه «إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ».
فإن قال قائل: هل يضر القبر الواحد أو لا بد من مقبرة ثلاثة فأكثر؟
فالجواب: أن في ذلك خلافًا، فمنهم من قال: إن القبر الواحد والاثنين لا يضر، ومنهم من قال: بل يضر، والصحيح أنه يضر حتى القبر الواحد يضر؛ لأنها لما كان هذا مكانًا مهيئًا لأن يكون مقبرة وقبر فيه صار الآن مقبرة بالفعل، والناس ليسوا يموتون جملة واحدة حتى يملؤوا هذا المكان، الناس يموتون تباعًا واحدًا فواحدًا أو أكثر، لكن المهم أنه لا يمكن أن تطبق هذه الأرض بالأموات، والأحاديث عامة فنقول: حتى الواحد.
فإن قال قائل: إذا جعلتم الحكم منوطًا بالاسم، فقولوا: إذن إذا أعدت أرض لأن تكون مقبرة فلا يصلى فيها؟
فالجواب: أن هذه لم يتحقق فيها الاسم، فهي مقبرة باعتبار ما سيكون، لكن اللي دفن فيها بالفعل وجد فيها القبر بالفعل، هذا واحد.
ذكرنا آنفًا أنه يستثنى من ذلك صلاة الجنازة، فنقول: أما إذا كانت الصلاة على القبر فلا شك في استثنائها؛ لأنه ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه فَقَدَ المرأة التي كانت تَقُمُّ المسجد، فسأل عنها، فقالوا: إنها ماتت، وكانت قد ماتت في الليل، فالصحابة رضي الله عنهم كرهوا أن يخبروا النبي صلى الله عليه وسلم في الليل فيخرج، فقال لهم: «هَلَّا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي» يعني: أخبرتموني حتى أصلي عليها وأخرج معها، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «دُلُّوني عَلَى قَبْرِهَا».
فخرجوا له إلى البَقِيع ودلُّوه على القبر، فقام وصلَّى عليها، عليه الصلاة والسلام (24). فهذه صلاة جنازة في المقبرة لكنها على القبر، فهل نقول: مثل ذلك لو جيء بالميت وصلي عليه قبل أن يدفن في المقبرة، أو ليس مثله؟
نقول: لدينا الآن عموم: «الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ»، والصلاة على الميت صلاة بلا شك، ولهذا تفتتح بالتكبير، وتختتم بالتسليم، ويشترط لها الطهارة والقراءة؛ فهي صلاة، فما الذي يخرجها من عموم قوله: «إِلَّا الْمَقْبَرَةَ؟ »، قالوا: ربما يسوغ لنا أن نقيسها على الصلاة على القبر، ونقول: ما دام أنه قد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على القبر؛ فلا فرق بين أن نصلي على جنازة مدفونة، أو جنازة غير مدفونة لا فرق بينهما؛ لأن العلة واحدة، وهي أن هذا الميت الذي يصلى عليه كان في أيش؟ كان في المقبرة، وعمل الناس على هذا، على أنه يصلى على الميت، ولو قبل الدفن في المقبرة.
وأظن أن في المسألة خلافًا، لكنني لم أحرره بعد.
فعندنا الآن الصلاة على الميت على القبر لا شك في استثنائها من هذا العموم، وهو: أن الصلاة لا تصح في المقبرة، والصلاة على الميت في المقبرة قبل الدفن هذا أيضًا نقول: إنه كالصلاة على القبر بالقياس كما ذكرنا، ويمكن لمعارض أن يعارض، وأظن في ذلك خلافًا لكني لم أتيقن، وسنحرره إن شاء الله تعالى.
(ولا في حُشّ)، ما هو الحش؟ الحش: مكان الخلاء، يعني المكان الذي يتخلى فيه الإنسان من البول أو الغائط؛ وهو الكنيف، لا تصح الصلاة فيه، لماذا؟ لأنه نجس خبيث، ولأنه مأوى الشياطين، فالشياطين خبيثة، مأواها الخبائث، أحب مكان إلى الشياطين أنجس الأماكن ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور: 26] وهذا من حكمة الله عز وجل.
المساجد بيوت الله ومأوى الملائكة، أما الحشوش فهي مأوى الشياطين، ولهذا يشرع للإنسان أن يقول عند دخول الخلاء: «أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ» (25)، الحش لا تصح الصلاة فيه لنجاسته ولكونه مأوى الشياطين، فلا ينبغي أن يكون هذا المكان الخبيث الذي هو مأوى الخبائث مكانًا لعبادة الله عز وجل، وكيف يستقيم هذا وأنت تقول في الصلاة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وأنت في مكان الشياطين؟ لهذا نقول: إنها لا تصح في الحش.
كذلك (ولا في حمام) الحمام: كل ما يطلق عليه اسم الحمام فإنه داخل في ذلك، حتى المكان الذي ليس مبالًا فإنه لا تصح فيه الصلاة، للحديث الذي أخرجه الترمذي وذكرناه آنفًا وهو: «الْأَرْضُ كُلُّها مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ».
الحمام لماذا لا تصح؟ قالوا: لأن الحمام مكان كشف العورات؛ لأن الحمام المغتسل، ما هو بالمرحاض، نحن نقول عندنا في لغتنا: إن الحمام هو المرحاض.
طالب: الكنيف.
الشيخ: إي نعم، وليس كذلك، الحمام هو المغتسل، وكانوا يجعلون حمامات مغتسلات للناس يأتي الناس إليها ويغتسلون.
طالب: إلى الآن يا شيخ.
الشيخ: أنا فاهم، فيختلط فيه الرجال والنساء، وتنكشف العورات، ولهذا نهى الشرع عن الصلاة فيه، وظاهر الحديث: لا فرق بين أن يكون الحمام يستعمل يعني فيه ناس الآن يغتسلون، أو لم يكن فيه أحد، فما دام يسمى حمامًا فالصلاة لا تصح فيه.
كذلك (أعطان إبل) الأعطان: جمع عطن، ويقال: معاطن جمع معطن، أعطان الإبل فسرت بثلاثة تفاسير:
قيل: مباركها مطلقًا، وقيل: ما تقيم فيه وتأوي إليه، وقيل: ما تبرك فيه بعد صدورها من الماء؛ فهذه ثلاثة أشياء، المبارك ما تقيم فيه وتأوي إليه، والثالث ما تبرك فيه عند صدورها من الماء أو انتظارها الماء.
والصحيح: أنه شامل للثلاثة، أي أن المعاطن ما تقيم فيه الإبل وتأوي إليه، كالمراح، مرح الإبل، سواء كانت مبنية بجدران أم محوطة بقوس أو بأشجار أو ما أشبه ذلك، تقيم فيه وتأوي إليه، منين تأوي؟
طلبة: من المرعى.
الشيخ: من المرعى، كذلك ما تعطن فيه بعد صدورها من الماء، هذه المعاطن وإلى الآن أظن يسمونها معاطن، هذا أيضًا لا تصح فيه الصلاة.
أو مباركها إذا اعتادت الإبل أنها تبرك في هذا المكان، وإن لم يكن مكانًا مستقرًّا لها، فإنه يعتبر معطنًا، أما مبرك البعير الذي بركت فيه لعارض وروثت فيه ومشت، فهذا لا يدخل في المعاطن؛ لأنه ما هو مبرك، هذا مبرك عارض، كما لو بعرت وهي تمشي، هذه معاطن الإبل.
الدليل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، وَلَا تُصَلُّوا فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ» (26)، والحديث صحيح، هذا الحديث إذا قال لنا قائل: ما وجه الدلالة من كون الصلاة لا تصح في معاطن الإبل؟
طلبة: النهي.
الشيخ: النهي، فإذا صليت فقد ضاددت أمر الرسول عليه الصلاة والسلام، الرسول يقول: لا تصل وأنت تصلي، مضادة للأمر، ومضادة الأمر معصية، ولا يمكن أن تنقلب المعصية طاعة، إذن لا تصح الصلاة.
إذا قال قائل: «صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ» أمر، والأمر للوجوب، فهل هذا يقتضي أن أبحث عن مرابض غنم لأصلي فيه؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، أنتم أول من درس أن الأمر للوجوب، يعني في هذا المكان ما هو بأول الناس كلهم.
طالب: مصروف عن الوجوب.
الشيخ: مصروف ليش؟
الطالب: عن الوجوب.
الشيخ: ما الذي صرفه؟
طلبة: النهي.
الشيخ: النهي، أحسنتم، النهي عن الصلاة في معاطن الإبل، أو في أعطان الإبل، هو الذي صرفه عن الوجوب، ولهذا مر علينا أن الأمر بعد الحظر للإباحة، فهنا لما كان يوهم الإنسان أنه لما نهي عن الصلاة في أعطان الإبل أنه ينهى كذلك عن الصلاة في مرابض الغنم، قال: «وَصَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ»، كأنه قال: لا تصلوا في أعطان الإبل، ولكم أن تصلوا في مرابض الغنم.
إذا قال قائل: عرفنا الدليل فما هو التعليل؟
قال بعض العلماء: التعليل نهي الرسول عليه الصلاة والسلام، وأمر الشرع ونهيه هو العلة الموجبة بالنسبة للمؤمن؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36]، إذن إذا قال: ما التعليل؟ نقول: لأن الله أمر به، ما التعليل لأن الرسول أمر به، ما التعليل لأن الله نهى عنه، ما التعليل لأن الرسول نهى عنه، المؤمن يكتفي بهذا ويقول: سمعنا وأطعنا، كذا؟
ومَغصوبٍ وأَسْطُحَتِها وتَصِحُّ إليها، ولا تَصِحُّ الفَريضةُ في الكعبةِ ولا فَوْقَها، وتَصِحُّ النافلةُ باستقبالِ شاخِصٍ منها.
ومنها استقبالُ القبلةِ، فلا تَصِحُّ بدونِه إلا لِعَاجِزٍ ومُتَنَفِّلٍ راكبٍ سائرٍ في سَفَرٍ، ويَلْزَمُه افتتاحُ الصلاةِ إليها، وماشٍ ويَلْزَمُه الافتتاحُ والركوعُ والسجودُ إليها، وفَرْضُ مَنْ قَرُبَ من القِبلةِ إصابةُ عَيْنِها،
عَرَفْنا الدليل، فما هو التعليل؟
قال بعض العلماء: التعليلُ نَهْيُ الرسول عليه الصلاة والسلام، وأَمْر الشرعِ ونَهْيه هو العِلَّةُ الموجِبةُ بالنسبة للمؤمن بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36].
إذَنْ إذا قال: ما التعليل؟ نقول: لأن الله أَمَر به.
ما التعليل؟ لأن الرسول أَمَر به.
ما التعليل؟ لأن الله نَهَى عنه.
ما التعليل؟ لأن الرسول نَهَى عنه.
المؤمنُ يكتفي بهذا ويقول: سَمِعنا وأطعنا.
ويدلُّ لذلك أيضًا بالإضافة إلى دلالة القرآن أنَّ عائشة سُئِلتْ: ما بالُ الحائضِ تقضي الصَّومَ ولا تقضي الصَّلاةَ؟ قالت: كان يُصيبنا ذلك فنُؤمرُ بقضاء الصومِ ولا نُؤمرُ بقضاء الصَّلاةِ (1)، يعني الحائض، فبيَّنتْ أن العِلَّة هي الأَمْر.
لكنْ مع ذلك الإنسان يتطلَّب ويتشوَّق إلى الحكمة المناسبة؛ لأنه يعلم أن أوامرَ الشرع ونواهيَ الشرع كلَّها لحِكْمةٍ، فما هذه الحِكْمة؟ وسؤال الإنسان عن الحِكْمة في المشروعات أو في الأحكام الشرعيَّةِ أو الجزائيَّةِ أمرٌ جائزٌ، بلْ قد يكون مطلوبًا إذا قصد به العلم، ولهذا لَمَّا قال الرسول صلى الله عليه وسلم في النساء: «إِنَّكُنَّ أَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ».
قُلْنَ: بِمَ يا رسولَ الله؟ -سألْنَ: ويش الحكمة؟ - قال: «لِأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وتَكْفُرْنَ العَشِيرَ» (2). فالسؤال عن الحكمة أمرٌ جائزٌ، بلْ قد يكون مطلوبًا، لكنْ لا على وجْهِ أنه إنْ بانَتْ لك الحكمةُ امتثلْتَ وإلَّا فلا.
أقول: قال بعضُ العلماء: إننا لا نَعْلم الحكمة -هذا بعد أن نقرِّر أن الحكْمة هي أَمْرُ الله ورسوله، أو نَهْي الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة- قال بعض العلماء: إننا لا نَعْلم الحكمةَ.
والحكْمُ الشرعيُّ الذي لا تُعلَم حِكْمتُه يُسمَّى عند أهل العلم تَعَبُّدِيًّا.
إذَن الحكمةُ تحقيقُ العبادة بالتسليم لله سواءٌ علِمْنا أمْ لم نَعْلمْ، وهذه واللهِ حِكْمةٌ عظيمةٌ، هذه حِكْمةٌ من أعظمِ الحِكَم، وإِنْ شئتم ولو أطَلْنا قليلًا؛ رَمْيُ الحصى في محلِّ الجمراتِ في الحجِّ، لو قال قائلٌ: ما حِكْمتُه؟ حِكْمتُه التعبُّد لله؛ «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا والْمَرْوَةِ وَرَمْيُ الجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ» (3). فالتعبُّد لا شكَّ أنه من أعظم الحِكَم، ولهذا قال بعضُ العلماء: إن النهي عن الصلاة في أعطانِ الإبل تعبُّديٌّ؛ يعني أننا لا نَعْلم عِلَّته، لكن نتعبَّد لله تعالى به.
سؤال: أيُّما أعظم انقيادًا واستسلامًا؛ أنْ يستسلم الإنسانُ للأمر إذا لم يعلمْ حِكْمتَه، أو يستسلم له إذا علم حِكْمته؟
الطلبة: الأوَّل.
الشيخ: الأوَّل أعظم.
وقال بعضُ العلماء: بل لأنها نجسةٌ؛ لأن أرواثها نجسةٌ وأبوالها نجسةٌ.
وهذا مبنِيٌّ على أن الأبوالَ والأرواثَ نجسةٌ ولو من الحيوان الطاهر، والصحيح خِلافُه كما تقدم في باب النجاسة، ولكن هذه العِلَّة باطلةٌ؛ إذْ لو كانت هذه هي العِلَّة ما جازت الصلاةُ في مرابض الغَنَم؛ لأن مرابض الغَنَم نفْس الشيء، فالقائلون بنجاسة أبعار الإبل وأبوالها يقولون بنجاسة أرواث الغنم وأبوالها.
وقيل: لأنَّ الإبلَ شديدةُ النُّفور، وربما تنفر وهو يصلِّي، فإذا نَفَرَتْ ربما تَدْعسه؛ تطؤُهُ بأقدامها، وينشغل قلْبُه، حتى وإنْ لم تطأْهُ ينشغل قلْبُه، لو كانت الإبل هذه تهيج، تراوغ، ينشغل قلبه، فيكون النهيُ عنها لئلَّا ينشغل قلْبُه.
لكن هذه العلَّة أيضًا فيها نَظَرٌ؛ لأن مقتضاها ألَّا يكون النهيُ إلا والإبلُ موجودةٌ، ثم قد تُنقَضُ بمرابض الغَنَم؛ الغَنَم إذا قامتْ تهيج وأيش؟
طالب: (... ).
الشيخ: وتَيْعَر، ومعها تَيْس يريد ضرابها، تشغل، فهلْ نقول: إنها مثلها؟ لا، إذَنْ هذه العلَّة أيضًا عليلةٌ.
وقال بعض أهل العلم: إنما نُهِيَ عن الصلاة في مَبارِكِ الإبل أو أعطانها لأنها خُلِقتْ من الشياطينِ، كما جاء ذلك في الحديث الذي رواه الإمامُ أحمد بإسنادٍ صحيحٍ (4)، وإذا كانتْ مخلوقةً من الشياطينِ فلا يَبْعد أن تصحبها الشياطين وتكون هذه الأماكنُ مأوًى للإبل ومعها الشياطين، وتكون الحِكْمةُ في النَّهْي عن الصلاة فيها كالحِكْمة في النَّهْي عن الصلاة في الحمَّام، وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو أقربُ ما يُقال في الحِكْمة، ومع ذلك فالحِكْمةُ الحكيمةُ هي التعبُّد لله بذلك.
يقول: ولا في (مغصوبٍ) يعني: لا تصحُّ الصلاةُ في مغصوبٍ.
المغصوب: كلُّ ما أُخِذ من مالكه قهرًا بغير حقٍّ، سواءٌ أُخِذ بصورة عَقدٍ أو بدون صورة عَقدٍ، كلُّ ما أُخِذ من صاحبه بغير حقٍّ فهو مغصوبٌ؛ فمثلًا: لو جاء إنسانٌ لآخَر وغَصَبَ منه أرضه وصلَّى بها فصلاتُه لا تصحُّ لأنها مغصوبةٌ، ولو جاء إنسانٌ إلى آخَر وقال: بِعْني أرضَك.
قال: لا، ما أنا ببائعها.
قال: بِعْها وإلا قتلتُك.
فباعها اختيارًا ولَّا إكراهًا؟
الطلبة: إكراهًا.
الشيخ: إكراهًا، وصلَّى فيها، فهل تصحُّ أو لا؟
الطلبة: لا تصحُّ.
الشيخ: لا تصحُّ، وإن كانت مأخوذةً بصورة عَقدٍ.
إذَنْ لا تصحُّ الصلاة في مغصوبٍ، وهو ما أُخِذ قهرًا من مالكه بغير حقٍّ سواءٌ كان بعقدٍ أو بغير عقدٍ، المهم أنه أُخِذ بغير حقٍّ.
ما الدليل؟
نقول: ليس هناك دليلٌ، لكن هناك تعليلٌ، والعلل أوصافٌ مناسبةٌ مأخوذةٌ من قواعد الشريعة، كلُّ العلل التي يقولها العلماءُ هي هذه؛ أوصافٌ مناسبةٌ للحُكْم مأخوذةٌ من قواعد الشريعة.
يقول هؤلاء الذين قالوا بأنها لا تصحُّ بالمغصوب: لأن الإنسانَ مَنْهِيٌّ عن الْمُقام في هذا المكان؛ لأنه مِلْك غيرِه، فإذا صلَّى فصلاتُه مَنْهيٌّ عنها، والصلاةُ المنهيُّ عنها لا تصحُّ لأنها مضادَّةٌ للتعبُّد، كيف تتعبَّد لله تعالى بمعصيته؟ ! إذَنْ فلا تصحُّ الصلاةُ في المكان المغصوب، كما قالوا في الثوب المغصوب: لا يصحُّ الستر به، وهذا هو التعليل الذي علَّلَ به مَن يقولون بأنها لا تصحُّ في المغصوب.
والقول الثاني في المسألة: أنها تصحُّ في المكان المغصوب مع الإثم؛ لأنهم يقولون: إن الصلاةَ لم يُنْهَ عنها في المكان المغصوب، بلْ نُهِيَ عن الغصْبِ، والغصبُ أَمْرٌ خارجٌ؛ فأنت إذا صلَّيتَ فقد صلَّيتَ كما أُمِرتَ، وإقامتُك في المغصوب هي المحرَّمة، لو جاء الشرع بقوله: لا تُصَلِّ في مكانٍ مغصوبٍ، لو جاء هكذا لقلنا: إن صلَّيتَ في مكانٍ مغصوبٍ فصلاتُك باطلةٌ، لكنه قال: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29] هذا الذي قال، فالنهيُ هنا لا يعود إلى الصلاةِ، يعود إلى الغَصْب، فهو عائدٌ إلى أَمْرٍ خارجٍ، وهذا القول هو الصحيحُ: أنها تصحُّ في الأرض المغصوبة لكنْ مع الإثم، يأثم الإنسان.
كمْ هذه؟ كمْ ذَكَر المؤلف؟
طالب: أربعة.
الشيخ: (لا تصحُّ الصلاةُ في مَقْبرةٍ وحشٍّ وحَمَّامٍ وأعطانِ إبلٍ ومغصوبٍ) خمسة.
قال المؤلف (وأسطِحَتِها) يعني: لا تصحُّ في أسطِحَةِ هذه الأماكن، فيكون هذا الموضعَ السادسَ؛ أسطِحَة هذه المواضع نشوف:
أولًا: سطحُ المقبرة، لا تصحُّ الصلاةُ فيه؛ لو وَجَدْنا حُجرةً مبنيَّةً في المقبرة فهلْ يجوز أن نصلِّي على سطحها؟
يقول المؤلف: لا.
لماذا؟ لأن الهواء تابعٌ للقَرار.
ويش الهواء هذا؟
الأرض اللِّي هي الأرض؛ القَرار، هذا معروف أنه مقبرةٌ، الهواءُ ما فوقَ هذا القرار، إلى وين؟
طالب: إلى السماء السابعة.
الشيخ: إلى السماء السابعة! لا؛ من السماء الدنيا ما له حد، ترجع إلى السماء السابعة! لا، إلى السماء الدنيا.
طالب: وينها السماء الدنيا!
الشيخ: (... )، على كلِّ حالٍ يقول العلماءُ: إن الهواء تابعٌ للقَرار.
وهذا القولُ الذي قاله الفقهاءُ معمولٌ به دوليًّا؛ الآن إذا كان بين دولةٍ وأُخرى علاقةٌ سيئةٌ ما تسمح لطائراتها تعبر أراضيها.
طالب: (... ).
الشيخ: يقول: لأن الهواء تابعٌ للقرار.
إي نعم.
على كلِّ حالٍ نقول: أسطِحَةُ هذه الأماكن لا تصحُّ؛ لأن الهواءَ تابعٌ للقرار، ويأتي -إن شاء الله- البحثُ فيها.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.
لَمَّا ذَكَر المؤلف اجتنابَ النجاسةِ وأنه شرطٌ لصِحَّة الصلاةِ ذَكَر استطرادًا المواضع التي لا تصحُّ الصلاةُ فيها، وذَكَر منها المقبرةَ، فما الدليل؟
طالب: الدليل قول النبيِّ صلى الله عليه وسلَّم «الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ» (5).
الشيخ: نعم، طيب، وذَكَر أنها لا تصحُّ في حُشٍّ، الدليل؟
طالب: لأنه مكانٌ نجسٌ.
الشيخ: وإذا نُهِيَ عن الصلاةِ في الحمَّامِ فالحشُّ؟
الطالب: من باب أَوْلى.
الشيخ: من باب أَوْلى؛ لأنه تُقضَى فيه الحاجةُ: البولُ والغائطُ، فهو أقربُ إلى النجاسةِ من الحمَّام.
الحمَّام، الدليل؟
طالب: «إلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ».
الشيخ: قوله صلى الله عليه وسلم: «إلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ».
أعطان الإبل، الدليل؟
طالب: قول النبي عليه الصلاة والسلام: «صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، وَلَا تُصَلُّوا فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ» (6).
الشيخ: أحسنتَ، طيب، المغصوب؟
طالب: لأن هذا المغصوبَ ليس مِلْكًا للمصلِّي، لا تجوز الصلاةُ فيه لأنه ليس ملْكه.
الشيخ: طيب لو استأجرتُ بيتَك فالبيتُ ليس مِلْكي وتصحُّ الصلاة فيه.
الطالب: لا، إذا غصبْته من صاحبه قهرًا.
الشيخ: إي، طيب، العلة؟
الطالب: لأنه ليس ملكك.
الشيخ: لا.
الطالب: العلَّة لأنه لا يجوز التعبُّد لله عز وجل في مكانٍ مَنْهيٍّ عنه.
الشيخ: في مكانٍ منهيٍّ عنه؛ يعني: لأن الْمُكْث في المكان المغصوب حرامٌ، فالْمُكث للصلاة فيه حرامٌ، ولا يُتعبَّد لله تعالى بشيءٍ حرامٍ؛ لأن المعصية تُنافي الطاعة.
التعليل؟
طالب: تعليل ثانٍ: هو قول بعض العلماء على أنَّ الذي يصلِّي في ذلك المكان المغصوب فصلاتُه صحيحة؛ لأنه صلَّى..
الشيخ: لا، هذا قولٌ ثانٍ.
الطالب: قول ثانٍ أقول.
الشيخ: لا، فيه تعليل لعَدَم الصحَّة.
الطالب: لعَدَم صحَّةِ الصلاة في المغصوب.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: لأن هذا يعتبر محرَّمًا (... ) فهو قد يُعتبر مضادَّةً لله ورسوله؛ لأنه فعلٌ محرَّمٌ.
الشيخ: هذا الذي قال، ويمكن يُستدَلُّ عليه بقول الرسول عليه الصلاة والسلام «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (7).
القول الثاني في المسألة أن الصلاة في المغصوب تصحُّ؛ لأن النهي فيه ليس عن الصلاة؛ فالشارع لم يقُلْ: لا تصلُّوا في المغصوب، لكنْ قال: لا تغصبوا أموالَ الناسِ؛ «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» (8)، ولو كان النهيُ عن الصلاة بعينها لصحَّ التعليل؛ لأنه لا يُتقرَّب إلى الله تعالى بمعصيته، وهذا القول أقرب إلى الصحَّة؛ لأن تعليله قويٌّ.
قال المؤلف رحمه الله: ولا في (أسطِحَتِها) يعني: ولا تصح الصلاةُ في أسطِحَتِها؛ أي: أسطِحَة تلك الأماكن.
الأماكن اللِّي ذَكَر المؤلف كمْ؟ مقبرةٌ، حُشٌّ، حَمَّامٌ، أعطانُ إبلٍ، مغصوبٌ؛ خمسة، وظاهر كلام المؤلف أن الصلاة في غير هذا تصحُّ، ولكن سبق لنا أنها لا تصحُّ في الأرض النجسة؛ لأنه يُشترَطُ طهارةُ مكانِ المصلِّى، وعلى هذا فتكون ستَّة مواضع.
قال: ولا في (أسطِحَتِها) يعني: أسطِحَة تلك المواضع، فلو بُنِيَ على المقبرة بناءٌ وصلَّى الإنسان فوقَ ذلك السطحِ فصلاتُه غير صحيحةٍ، لماذا؟ لأن الهواء تابعٌ للقرار، فكما لا تصحُّ الصلاةُ في قرارِ المقبرةِ لا تصحُّ في سطحها.
ولكن هُنا علَّةٌ أقوى من هذا بالنسبة للمقبرة، وهي أن علَّة النهي عن الصلاة في المقبرةِ خوف أن يكون ذريعةً لعبادةِ القبور، والصلاةُ على السطح قد تكون ذريعةً، ولا سيَّما أن البناء على المقابر أصلُه حرامٌ، فيكون يجتمع فيه أنه صلَّى على بناءٍ محرَّمٍ للعِلَّة التي نُهِيَ عن الصلاة في المقبرة من أجْلها، فالصلاة على سطحٍ بُنِي على المقبرة لا شكَّ أنها لا تصحُّ؛ لأن العِلَّة في النهي عن الصلاة في المقبرة موجودةٌ في الصلاة على سطحها، كما أن البناء على المقبرة أصله منهيٌّ عنه، فيكون هذا المكان مشبها للمكان المغصوب.
الْحُشُّ لا تصحُّ الصلاةُ في سطحه؛ لأن الهواء تابعٌ للقرار، ولكن هذا التعليل عليلٌ؛ الهواء تابعٌ للقرار في الملك، أمَّا في الْحُكْم فلا؛ فقد نُهِيَ عن الصلاة في الحشِّ من أجْل النجاسة، إذا لم يكنْ نجاسةٌ في سطحه فلا مانع، وهذا هو القول الصحيح الذي اختاره صاحب المغني؛ على أن الصلاة في السطح -سطحِ الحشِّ وغيرِه مما ذُكِر- صحيحةٌ على ما سنفصِّله إن شاء الله تعالى.
الصلاة إذَنْ على سطح الحشِّ الصحيحُ أنها صحيحةٌ، ولكنْ هلْ تُكرَه؟ سيتبيَّن فيما بعد.
والدليل على أنها صحيحةٌ عمومُ قولِه صلى الله عليه وسلم: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (9)، وبناءً على ذلك فإن الصلاة على البيَّارة (البلَّاعة) لا بأس بها؛ لأنها أقلُّ من سطح الحشِّ؛ فإن سطح الحشِّ قد يقول قائل: إنه داخلٌ في اسم الحشِّ فلا تصحُّ الصلاةُ فيه، أمَّا سطح البيَّارة فليس تابعًا لها، بلْ هو مستقلٌّ، وهذا هو الذي عليه عملُ الناسِ؛ فإن البيَّارات أو أنابيب المجاري الوَسِخة تمرُّ من الأحواش ويصلِّي الناسُ فيها.
الحمَّامُ لا تصحُّ الصلاةُ على سطحه؛ العِلَّةُ لأنَّ الهواء تابعٌ للقرار، والقول الثاني في المسألة أنَّ الصلاةَ على سطحه تصحُّ؛ لأن الحمَّام إنْ كانت العِلَّة فيه أنه مأوى الشياطينِ فإن الشياطينَ لا تأوي إلَّا إلى المكان الذي تُكشَف فيه العورات، وإنْ كانت العِلَّة فيه خوف التنجُّس فكذلك السطح بعيدٌ من هذه العِلَّة، وعلى هذا فتصحُّ الصلاةُ في سطح الحمَّام.
أعطانُ الإبلِ كذلك على المذهب لا تصحُّ، والعِلَّة أن الهواء تابعٌ للقرار، والصحيح: الصِّحَّة؛ فلو كان هناك حوشٌ للإبل تُقِيم فيه وتأوي إليه وجانبٌ منه مسقَّفٌ -كما يُفعَل كثيرًا في أحواش الإبل- فالسقفُ الذي فوق هذا الحوش على المذهب لا تصحُّ الصلاةُ فيه؛ لأن الهواء تابعٌ للقرار.
والصحيحُ صِحَّةُ الصلاةِ فيه؛ لأن هذا لا يدخل في قوله عليه الصلاة والسلام: «لَا تُصَلُّوا فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ» (10)؛ فإنَّ الإبل لا تَبْركُ فوق السطح، إنما تَبْركُ في أسفل.
إذَن الصحيحُ الآنَ أنَّ أسطِحَة هذه المواضعِ تصحُّ الصلاةُ فيها ما عدا موضعًا واحدًا وهو المقبرة؛ لأن العِلَّة الموجودة في النهيِ عن الصلاة في المقبرةِ موجودةٌ في النهي عن الصلاة في سطحٍ على بناءٍ في المقبرة.
طيب، المغصوب، الصلاةُ في سطحِ المغصوبِ كالصلاة في المغصوبِ إنْ كان السطحُ مغصوبًا، فإنْ لم يكنْ مغصوبًا فإنه لا شكَّ في صحَّةِ الصلاة فيه، وأظنُّ أن المذهب لا يقصدون ذلك؛ أي: لا يقصدون ما إذا كان السطحُ غيرَ مغصوبٍ.
فإذا قلت: كيف صورةُ كونِ الأسفلِ مغصوبًا والسطح غير مغصوبٍ؟
قلنا: هذا بسيطٌ؛ يأتي رجُلٌ غاصبٌ فيغصِبُ أسفلَ البيتِ ويَدَعُ أعلاه لصاحبه، فالسطح إذَنْ مغصوبٌ ولَّا غيرُ مغصوبٍ؟
الطلبة: غيرُ مغصوبٍ.
الشيخ: غيرُ مغصوبٍ، وهذا لا أظنُّ أن المذهبَ يقولون بعَدَم الصحَّةِ فيه؛ لأن السطح الآن ملكٌ لصاحبه، لكن نقول: إذا غَصَبَ الإنسانُ البيتَ كُلَّه فإنه يكون كُلُّه مغصوبًا، وإذا كان مغصوبًا فإنه لا تصحُّ الصلاةُ فيه على قاعدة المذهب.
والحاصلُ أنَّ سطحَ المغصوبِ في تصويره نَظَر؛ لماذا؟ لأننا نقول: إنْ كان سطحُ المغصوب داخلًا في الغَصْب فهو مغصوبٌ، وإنْ كان خارجًا عن الغَصْب فهو ملْكٌ لصاحبه، ولا نظنُّ أن أحدًا من أهل العلم يقول: إن الصلاة لا تصحُّ فيه، لا نظنُّ أن أحدًا من أهل العلم يقول: إنه لو تسلَّطَ رجُلٌ على شخصٍ وغَصَبَ أسفلَ بيته فإنَّ صاحبَ البيتِ لا تصحُّ صلاتُه في أعلاه، لا أظنُّ أحدًا يقول بهذا، وعليه فيُستثنى الطرفانِ من هذه الخمسةِ: المقبرةُ والمغصوبُ؛ المقبرةُ لأن البناءَ على المقبرةِ كالمقبرةِ في كونه ذريعةً إلى عبادةِ القبور، ولهذا نُهِيَ عن البناء عليها، وأمَّا المغصوبُ فكما قلتُ: إنْ غَصَبَ الإنسانُ الكلَّ؛ الأسفلَ والأعلى، فالأعلى مغصوبٌ، وإنْ غَصَبَ الأسفلَ فقطْ فالأعلى مِلْكٌ لصاحبه وليس بمغصوبٍ وقد تمكَّن صاحبُه منه.
طالب: (... ).
الشيخ: كيف؟
الطالب: (... ).
الشيخ: فيه بيَّارة في الحوش تصبُّ فيها القاذورات، مُسطَّحة هذه، تصحُّ الصلاةُ عليها.
الطالب: ملامسة.
الشيخ: ما هي ملامسة.
الطالب: للنجاسة.
الشيخ: إنْ صلَّى في وسط البيَّارة فنَعَمْ فهو ملامِس، وإنْ صلَّى فوق الصَّبَّةِ فليس بملامَسة، الأنابيبُ التي تمشي من جنسها؛ لأنها أنابيب تشتمل على ما يشتمل عليه الحشُّ من الأوساخ والقاذورات، فهي بمعناه، هي مواسير تترسَّب فيها هذه القاذورات.
قال: (وتصحُّ إليها) يعني: تصحُّ الصلاة إلى هذه الأماكن، ومعنى (تصحُّ إليها) يعني تصحُّ الصلاةُ إذا كانت في قِبْلتك، فلو كان في قِبْلة الإنسان حَمَّامٌ فصلاتُه صحيحةٌ، إذا كان في قِبْلته حُشٌّ فصلاتُه صحيحةٌ، إذا كان في قِبْلته أعطانُ إبلٍ فصلاتُه صحيحةٌ، إذا كان في قِبْلته مغصوبٌ وهو في أرضٍ مُباحةٍ فصلاتُه صحيحةٌ، إذا كان في قِبْلته قبرٌ فصلاتُه صحيحةٌ؛ لأن المؤلف يقول: (تصحُّ إليها)، يصحُّ أن يتَّجه إلى المقبرة، كلُّ هذه المواطن الخمس تصحُّ الصلاةُ إليها، إلَّا أنهم قالوا: إنها تُكْره الصلاةُ إليها إذا لم يكنْ حائلٌ ولو كمؤْخِرةِ الرَّحْل، مؤْخِرةُ الرَّحْل يمكن نصف مترٍ في نصف مترٍ، يقولون: إنها تصحُّ الصلاةُ إلى هذه الأماكن وتُكْره إلَّا مع حائلٍ.
نحتاجُ الآن إلى دليلينِ: دليل الصحَّة، ودليل الكراهة.
أمَّا دليلُ الصحَّة فعمومُ قولِ الرسول صلى الله عليه وسلم: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»، وهذه من الأرض، وهي طَهورٌ، وليس فيها ما يمنع الصلاة، إذَنْ فتصحُّ بمقتضى هذا العموم.
وأمَّا الكراهةُ فقالوا: لأنها أماكنُ نهيٍ عن الصلاة فيها فكُرِهَ استقبالها.
ولكنْ كما تَرَوْن هذا التعليل فيه نَظَر.
وربما يعلِّل معلِّلٌ بأن هذا موضعٌ اختلفَ العلماءُ في صحَّة الصلاة فيه؛ فكُرِهت الصلاة إليها خروجًا من الخلاف.
أفهمتم الآن؟ إذَن الصحَّة لها دليلٌ ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لها دليلٌ وهو عمومُ قولِه: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا».
الكراهةُ لها تعليلٌ لكنه عليلٌ؛ التعليل أنه استقبلَ ما لا تصحُّ الصلاةُ فيه فكُرِهت الصلاة إليه، أو لأنه موضعٌ اختلفَ العلماء في صحَّة الصلاة فيه فكُرِهت الصلاة فيه خروجًا من الخلاف، وكِلَا التعليلينِ عليلٌ.
أمَّا الأول فنقول: هاتوا الدليل على أنه يُكْرَه الصلاةُ إلى هذه الأشياء، وأين الكراهة؟ ! وكيف تكون الكراهةُ من شخصٍ يصلِّي في أرضه وأمامَه مكانٌ مغصوبٌ؟ ! ويش عليه منه؟ !
ربما نقول: إنَّ الحشَّ والحمَّامَ تُكْره الصلاةُ إليهما لأن فيهما رائحةً كريهةً قد تؤثِّر على المصلِّي، والشيء الذي يؤثِّر على المصلِّي ويشوِّش عليه مكروه.
أمَّا أعطانُ الإبل فربما نقول: إذا كانت الإبلُ موجودةً باركةً فربما تُكره الصلاةُ إليه؛ لأنها ربما تتحرَّك ولَّا ترغي ولَّا ما أَشْبَهَ ذلك فيؤثر عليه في صلاته، فيكون في ذلك تشويشٌ عليه.
المغصوب قلنا: لا وجْهَ للكراهةِ، واضح.
الحشُّ والحمَّام قلنا: يمكن أن يكون هناك كراهةٌ، والعِلَّة ما هي؟
الطلبة: الرائحة.
الشيخ: الرائحةُ التي قد يتأذَّى بها المصلِّي فينشغل قلْبه.
أعطانُ الإبل قلنا: إن كانت الإبلُ غيرَ موجودةٍ فلا وجْهَ للكراهة، اللهم إلَّا أن يكون فيه رائحة، إذا كانت موجودةً فللكراهةِ وجْهٌ وهو أنه قد ينشغل بالرؤية إليها وهي قد ترغي وقد تضطرب، فيشوَّش عليه.
ويش بقينا؟
طالب: المقبرة.
الشيخ: المقبرة، الصحيحُ تحريمُ الصلاة إليها، ما هو بالكراهة، ولو قيل بعَدَم الصِّحَّة لكان له وجهٌ -بالصلاة إلى المقبرة- وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم صحَّ عنه من حديث أبي مَرثدٍ الغَنَويِّ أنه قال: «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا» (11)، أو قال «لَا تَجْلِسُوا إِلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا عَلَيْهَا»، فهذا يدلُّ على تحريم الصلاة إلى المقبرة، أو إلى القبور، أو إلى القبر الواحد؛ لأن العِلَّة مِن منْعِ الصلاة في المقبرة موجودةٌ في الصلاة إلى القبر، فما دام الإنسانُ يتَّجه إلى القبر أو إلى المقبرة اتجاهًا يُقال: إنه يصلي إليها؛ فإنه يدخل في النهي، وإذا كان داخلًا في النهي لم يصحَّ؛ لقوله: «لا تُصلُّوا»، فالنهي هُنا عن الصلاة، فإذا صلَّى إلى القبر فقد اجتمع في فِعْله هذا طاعةٌ ومعصيةٌ، وهذا لا يمكن أن يُتقرَّب إلى الله تعالى بمعصيته.
فإذا قال قائلٌ: ما هو الحدُّ الفاصل؟
قلنا: الجدارُ فاصلٌ، إلا أن يكون جدارَ المقبرة ففي النفْس منه شيء، لكنْ إذا كان جدارًا يَحُول بينك وبين المقابر للمكان الذي أنت تصلِّي فيه فهذا لا شكَّ أنه لا نَهْيَ، كذلك لو كان بينك وبينها شارعٌ فهُنا لا نَهْيَ، أو كان بينك وبين المقبرة مسافةٌ لا تُعَدُّ مصلِّيًا إليها حدَّها بعضهم بمسافة السُّترة للمصلي، وعلى هذا فهي تكون مسافةً قريبةً، لكن لا شكَّ أن هذا يُوهِم، فإن أحدًا من الناس لو رآكَ تصلِّي وبينك وبين المقبرة ثلاثةُ أذرعٍ بدون جدارٍ لأوهم ذلك أنك تصلِّي إلى القبور، إذَنْ لا بدَّ من مسافةٍ يُعلم بها أنك لا تصلِّي إلى القبر.
المواضع التي ذكر المؤلف أنها لا تصح الصلاة إليها كمْ؟
طلبة: خمسة.
الشيخ: خمسة، كذا؟
طالب: (... ).
الشيخ: الموضعُ النجسُ في غير هذا، في أول العبارة.
طيب، (المقبرةُ، الْحُشُّ، الحمَّامُ، أعطانُ الإبلِ، المغصوبُ، أسطِحَتُها) ستة، (الموضعُ النجسُ) سبعة.
الموضعُ النجسُ وإنْ لم يكن حُشًّا أو حَمَّامًا، حتى لو مسجد يكون فيه نجاسةٌ، ما تصلِّي في النجاسة.
طيب، هذه سبعة، وظاهر كلام المؤلف أنَّ ما عدا هذه سبعة تصحُّ الصلاةُ فيه؛ مثل: قارعة الطريق، المجزرة؛ إلا إذا صلَّيتَ على المكان النجس فيدخل في كلامه، المزبلة تصح الصلاة فيها.
طالب: (... ).
الشيخ: إلَّا، كلام المؤلف، ما ذَكَر المزبلة، إذَنْ فالمزبلة تصحُّ الصلاةُ فيها إذا كان الزِّبْل طاهرًا، أما إذا كان نجسًا فقد دَخَلَ في كلام المؤلف في المنع.
قارعة الطريق؛ لو صلَّى الإنسانُ في الطريق فصلاتُه صحيحةٌ، لكنْ إذا كان الطريقُ مسلوكًا فالصلاةُ فيه حالَ سلوكِ الناس فيه تكون مكروهةً من أجْل الانشغال والتشويش، فإنْ كان مسلوكًا بالسيارات؟
طلبة: حَرُم.
الشيخ: حَرُم، ليش؟
طلبة: (... ).
الشيخ: نعم، فقد نقول بالتحريم؛ لأنه لا يتأتَّى أن يُقيم الصلاةَ والسياراتُ تمشي، أو يعطِّل الناس فيعتدي عليهم؛ لأن وقوفَ الناسِ في أماكن الطُّرُق يمنع الناس من التطرُّق عدوان عليهم، الحقُّ لهم.
الكعبة؛ قال المؤلف: (ولا تصِحُّ الفريضةُ في الكعبةِ ولا فوقَها).
نقفُ على هذا إذا كان فيه أسئلة.
طالب: مسجد في جدَّة بعيد عن جدَّة، يدخل إليه بعضُ الكفَّار فيتبوَّلون ويتغوَّطون في داخل المسجد، فهل هذا المسجد يصح الصلاة فيه؟ (... ) في المحراب وفي..
الشيخ: ليش يا أخي؟ ! كيف يمكّنون الكفَّار أو غير الكفَّار من البول فيه؟
طلبة: مهجور، بعيد، خارج..
الشيخ: إذا كان مهجورًا يُهدَم يا أخي.
الطالب: موجود.
الشيخ: لا، هذه -جزاك الله خيرًا- إذا بلغت تمشي لجدة بلِّغنا، يُكتَب لرئيس البلدية ولَّا لغيره من الجهات المسؤولة.
الطالب: كَتَبْنا له، وأرسلنا لهم صُوَرًا..
الشيخ: ما عليك أنت.
طالب: (... ) وصلَّى الله على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولا تصِحُّ الفريضةُ في الكعبة ولا فوقَها، وتصحُّ النافلةُ باستقبال شاخصٍ منها.
ومنها: استقبال القبلة؛ فلا تَصِحُّ بدونه إلا لعاجزٍ، ومتنفِّلٍ راكبٍ سائرٍ في سَفَرٍ ويلزمه افتتاحُ الصلاة إليها، وماشٍ ويلزمه الافتتاح والركوع والسجود إليها.
وفَرْضُ مَنْ قَرُبَ مِن القِبلة إصابةُ عينها، ومَنْ بعُدَ جهتها، فإنْ أخبره ثقةٌ بيقينٍ أو وَجَدَ محاريبَ إسلاميَّةً عَمِلَ بها، ويُستدَلُّ عليها في السفر بالقُطْبِ، ويُستدَلُّ عليها بالشمسِ والقمرِ ومنازلهما.
وإن اجتهدَ مجتهدانِ فاختلفا في جهةٍ لم يتبع..
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما هي المواضع التي ذَكَر المؤلف أن الصلاة لا تصحُّ فيها؟
طالب: ذَكَر المؤلفُ ستَّةَ مواضع: الأول المقبرة، كذلك الحشُّ، والحمَّامُ، وأعطانُ الإبلِ، والمغصوبُ، وكذلك أسطِحَة هذه الأماكن، والمكانُ النجسُ.
الشيخ: أحسنتَ، سبعة.
ما هو القولُ الراجحُ في الأسطحة؟
طالب: القولُ الراجحُ: جائزٌ، ما عدا المقبرة والمغصوب.
الشيخ: المغصوب كذا على الإطلاق؟
طالب: إذا كان السطحُ مغصوبًا.
الشيخ: إنْ كان مغصوبًا لا تصِحُّ الصلاةُ فيه، إنْ كان غير مغصوب؟
طالب: إذا كان غيرَ مغصوبٍ (... ) السطح لا يجوز لأنه (... ).
الشيخ: كيف لا تجوز؟ ! إذا كان السطحُ غير مغصوبٍ وصلَّى به مالكه؟
طالب: مالكُه، يجوز.
الشيخ: إذَنْ سطحُ المغصوبِ فيه تفصيلٌ، إنْ كان مغصوبًا فله حُكْمُ الغصْبِ، وإنْ كان غيرَ مغصوبٍ صَحَّت الصلاةُ فيه.
سطحُ المقبرة؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا تجوز الصلاةُ فيه؛ لأن العِلَّةَ التي منعت الصلاة في المقبرة موجودةٌ فيه.
بقيَّتها تصحُّ الصلاةُ على سطوحها.
وهل تُكْره أو لا؟
طالب: على أسطِحَة المقبرة؟
الشيخ: لا، المقبرة ما تصِحُّ، انتهينا منها، والمغصوب فيه التفصيل، غيرها هلْ تُكْره الصلاة على سطوحها أو لا تُكره؟
الطالب: على كلام المؤلِّف تُكره، ولكن..
الشيخ: لا، غلط.
طالب: (... ).
الشيخ: كيف ما فهمت؟
طالب: في أسطِحَة المواضعِ الباقية على كلامِ المؤلف أنها مثل المقبرة والغصب.
الشيخ: يعني؟
الطالب: يُنهَى عن الصلاة فيها.
الشيخ: يعني تصِحُّ ولَّا ما تصِحُّ؟
الطالب: لا تصِحُّ.
الشيخ: يُكرَه الصلاةُ فيها؟
الطالب: إي نعم لكن لا تصح، تَحرُم.
الشيخ: ويش تقولون؟
الطلبة: (... ) صح.
الشيخ: صح؟
الطلبة: نعم، تحرم.
الشيخ: هل تصحُّ الصلاةُ إليها؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: مُطْلقًا؟
الطالب: بعضهم قالوا: إذا لم يكنْ فيها فاصلٌ ما..
الشيخ: هو إذا كان فيها فاصلٌ ما كُرِهتْ.
الطالب: لكن (... ) أنه يجوز.
الشيخ: ما ضَبَطْتَ.
الطالب: إلا إذا كان فيه أذيَّة بالريح.
طالب: الصلاةُ إلى المقبرةِ تَحرُم.
الشيخ: نعم، ولا تصحُّ.
الطالب: وغيرها إمَّا الكراهة أو الجواز.
الشيخ: طيب، إنْ أدَّى إلى انشغال المصلِّي كُرِه لإشغالِه وإلَّا؟
طالب: وإلَّا صحَّت الصلاة.
الشيخ: وإلَّا فلا كراهة، الصلاة تصحُّ.
كلام المؤلف يدلُّ على أن الصلاة إلى المقبرة صحيحةٌ ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: منين تأخذه؟
الطالب: من قوله: (وتصِحُّ إليها).
الشيخ: (وتصِحُّ إليها)، وقد ذَكَر أنها لا تصِحُّ في المقبرة، ثم قال: (وتصِحُّ إليها).
صحَّحْنا أنَّ القولَ بعدم صحَّة الصلاةِ إلى القبور هو الصحيح، فما هو الدليل؟
طالب: ما..
الشيخ: ما رواه مسلمٌ عن أبي مَرثَدٍ الغَنَويِّ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:
الطالب: معناه أنه نَهَى عن الصلاة إلى المقابر.
الشيخ: أنه نَهَى عن الصلاة إلى القبور؛ قال: «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا» (11).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولا تَصِحُّ الفريضةُ في الكعبة ولا فوقَها).
الفريضة إذا أُطْلِقتْ فالمراد ما وَجَبَ بأصْلِ الشرعِ، والفرائضُ سِتٌّ: الفجر، والظُّهر، والعصر، والمغرب، والعِشاء، والجمعة.
وإنْ شئنا قُلْنا: خمسٌ؛ لأن الجمعة تكون بدلًا عن الظُّهر.
على كلِّ حالٍ الفرائضُ الخمسُ -الجمعةُ والظُّهرُ على التبادل- لا تصِحُّ في الكعبة، لماذا؟ لقولِ الله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، والمصلِّي في الكعبة لا يكون مستقبِلًا للبيتِ كُلِّه؛ لأن بعض البيتِ يكون خلْفَه وعنْ يمينه وعنْ شِماله، فلا تصحُّ.
(ولا فوقَها) يعني: ولا تصِحُّ الفريضةُ فوقَ الكعبةِ؛ يعني: على السطح؛ يعني: لا داخلَها ولا فوقَها على سطحِها؛ للعِلَّة التي ذَكَرْنا أنه لم يستقبِلْ جميعَ البيتِ وإنما استقبَلَ جانبًا منه، إلَّا إذا وقَفَ على منتهى الجدارِ بحيث تكون الكعبةُ كلُّها أمامَه فتصِحُّ؛ مثل لو وَقَفَ على آخِر العتبة من الباب فإنها تصِحُّ، أو وَقَفَ على آخِر الجدارِ من السطْحِ فإن الصلاةَ تصِحُّ؛ لأن الكعبة كلَّها الآن بين يديه، هكذا علَّلوا.
والقول الثاني في المسألة: أنَّ صلاةَ الفريضةِ في الكعبة تصِحُّ كالنافلة.
والمؤلِّف -رحمه الله- لَمَّا خصَّصَ الفريضةَ بعَدَم الصحَّة عُلِمَ من كلامِهِ أن النافلةَ تصِحُّ، وهُنا يَحسُنُ أن نتكلَّم على كلام المؤلِّف أوَّلًا فنقول: يُفْهم من قول المؤلِّف: (لا تصِحُّ الفريضةُ) أنَّ النافلة تصِحُّ، كذا؟ مفهومُ مخالَفة ولَّا موافَقة؟
الطلبة: مخالَفة.
الشيخ: مفهومُ مخالَفة؛ لأن ضِدَّ الفريضةِ النافلةُ، وضِدَّ عَدَمِ الصحَّةِ الصحَّةُ، إذَنْ فالمفهوم هُنا مفهومُ مخالَفة؛ يعني: تصِحُّ النافلةُ في الكعبةِ وفوقَها.
ما هو الدليل؟
الدليل: ما ثَبَتَ في الصحيحينِ وغيرِهما منْ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلَّى في جَوفِ الكعبةِ نافلةً، صلَّى ركعتينِ نافلةً (12)، ومعلومٌ أن ما ثَبَتَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه صحيحٌ فتكون النافلة صحيحةً.
المنذورةُ هلْ تصِحُّ في الكعبة؟ يعني: لو نَذَر أحدٌ أن يصلِّي ركعتينِ فهلْ يصِحُّ أن يصلِّيَ في الكعبة؟
ننظر، نقول: كلامُ المؤلِّف اشتمل على منطوقٍ ومفهومٍ عَرَفْنا حُكْمَهما؛ الفريضةُ عَرَفْنا حُكْمَها بالمنطوق وأنها لا تصِحُّ، والنافلةُ عَرَفْنا حُكْمها بالمفهوم أنها تصِحُّ.
بقينا بالمنذورة؛ المنذورة يمكن أن نقول: إن كلام المؤلِّف يقتضي أن يكون مسكوتًا عنها؛ لأنها لا تدخل في الفريضة ولا تدخل في النافلة، ولكنْ قد يقول قائلٌ: إننا نَنظُر أيُّها أقربُ إلى الفريضةِ أو إلى النافلةِ فنُلْحقها بالأقرب؛ إنْ نَظَرْنا إلى أنها لم تَجِبْ بأصل الشرع وإنما أوجبها المكلَّف على نفسه قلنا: إلْحاقُها بالنافلة أقربُ؛ لأن الشرع لم يُلْزِمه بها.
وإن نَظَرْنا إلى أن الشرع ألزمه بها إذا وُجِد سببُها وهو النذر؛ لقولِ الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (13) قلنا: إنها أقربُ إلى الفريضةِ، ولذلك اختلفَ العلماءُ فيها:
فمنهم مَن قال: إن المنذورة تُلْحَق بالفريضة فلا تصِحُّ في الكعبة.
ومنهم مَن قال: لا، تُلْحَق بالنافلة؛ لأنها غيرُ واجبةٍ بأصل الشرع، فتُلْحق بالنافلة وتصِحُّ في الكعبة.
هذا الحكم في النذْر المطْلَق الذي قال فيه الناذر: لله علي نذْرٌ أن أصلِّي ركعتينِ.
أمَّا النذْرُ المقيَّد في الكعبةِ فيصِحُّ فيها؛ مثل أن يقول: لله علي نذْرٌ أن أصلِّي ركعتينِ في الكعبة.
فتصِحُّ الصلاةُ هذه في الكعبةِ قولًا واحدًا؛ لأنه نَذَرَها نذْرًا مقيَّدًا بماذا؟ في الكعبة، فيكون على حَسَب ما نَذَر؛ قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ».
نرجعُ إلى القول الثاني في مسألة الفريضةِ؛ القول الثاني في المسألة: أن الفريضةَ تصِحُّ في الكعبة كما تصِحُّ النافلةُ، والحديثُ الذي استدَلَّ به من استدَلَّ؛ حديثُ ابنِ عُمَرَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نَهَى أن يُصلَّي في سبعة مواطن ذكر منها: فوقَ ظَهْر بيتِ الله (14)، هذا الحديث ضعيفٌ لا تقوم به حُجَّة.
فقالوا: إن الفريضة تصِحُّ كالنافلة، واستدلُّوا لذلك بأنَّ الأصل تَساوِي الفرض والنفل في جميع الأحكام إلا بدليلٍ، هذا هو الأصل، فكلُّ ما ثَبَتَ في النفل ثَبَتَ في الفرض، وكلُّ ما انتفى في النفل انتفى في الفرض، إلا بدليلٍ.
واستدلُّوا على هذا الأصلِ -وهو أن الأصلَ تَساوِي الفرض والنفل- استدلُّوا لذلك بأن الصحابة لما ذَكَروا أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم كان يُصلِّي على راحِلَته حيثما توجَّهتْ به، قالوا: غير أنَّه لا يُصلِّي عليها المكتوبة (15)، فاستثْنَوا؛ غير أنَّه لا يُصلِّي عليها المكتوبة، وهذا يدلُّ على أنهم لو لم يستثنوا لكانت المكتوبةُ كالنافلة تُصلَّى على الراحلة، فهذا دليلٌ على أن الأصل تَساوِي الأحكام بين الفرائض والنوافل، وما استُدِلَّ به من الحديث ضعيفٌ ومن التعليلِ أيضًا ضعيفٌ؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، وشطْرُه بمعنى جهته، وهذا يشمل استقبالَ جميعِ الكعبةِ أو جزءٍ منها، كما فسَّرتْ ذلك السُّنَّةُ بصلاة الرسول صلى الله عليه وسلم في الكعبة.
إذَنْ فالصحيحُ في هذه المسألةِ أن الصلاةَ في الكعبةِ صحيحةٌ فرضًا ونفلًا.
فإن قال قائل: أَنَّى لنا أن نصلِّي في الكعبة؟
فالجوابُ من وجهينِ؛ أحدهما: أن ذلك غير ممتنعٍ عقلًا ولا حِسًّا؛ بإمكان الإنسانِ أن يُفتح له بابُ الكعبة ويُصلِّي في جوفها، وقد وقع هذا لمحدِّثكم سَنَةً من السنين، ثم إذا لم يمكن أن يُفتح له الباب فالحِجْر مفتوحٌ له، والحِجْر ستَّةُ أذرعٍ منه وشيءٌ؛ حوالي النصف، كلُّه من الكعبة، فمِن الممكن أن يُصلِّي الإنسانُ الفريضةَ في الحِجْر.
فإذا قال قائلٌ: الواقع قد يمنعُ من ذلك؛ لأنهم الآن يمنعون من صلاةِ الفريضةِ في الحِجْر، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: إذا أُقِيمت الصلاة طلَّعُوا الناسَ من الحِجْر.
الجواب: نعم، هذا صحيحٌ، لكنْ يُمْكن أن يُصلِّي الإنسانُ فائتةً في غير صلاةِ الجماعةِ يصلِّيها في نفْسِ الحِجْر، فإذا فَعَل ذلك فهلْ تصِحُّ أو لا؟
ينبني على الخلاف؛ إن قلنا بعَدَم الصحَّة -صِحَّةِ الفريضةِ في الكعبة- فالصلاةُ في الجزء الذي مِن الكعبة مِن الحِجْر لا تصِحُّ.
قال المؤلف: (وتصِحُّ النَّافلةُ) اشترط قال: (باستقبالِ شاخصٍ منها) لا بدَّ أن يكون بين يديه شيءٌ شاخصٌ؛ أي: شخصٌ متشخِّصٌ قائمٌ من الكعبة، حتى في النافلة لا بدَّ من شاخصٍ.
ما هو الشاخص؟
الشيءُ القائمُ المتَّصِل بالكعبة المبنِيُّ فيها، وعلى هذا فلو صلَّى إلى جهةِ الباب وهو مفتوحٌ -هو داخل الكعبةِ صلَّى إلى جهة الباب وهو مفتوح- هلْ تصحُّ صلاتُه؟
على كلام المؤلف لا تصحُّ؛ لأنه ليس بين يديه شاخصٌ منها، فإنْ وضع لَبِنَةً أو لَبِنَتَيْنِ بين يديه لا تصحُّ أيضًا؛ لأنها ليستْ منها، ليستْ متَّصلة.
وقال بعضُ أهل العلم: إنه لا يُشتَرطُ استقبالُ الشاخص، قاله بعضُ أصحابنا، تصحُّ النافلةُ في الكعبة وإنْ لم يكنْ بين يديه شيءٌ منها شاخصٌ، واستدلُّوا لذلك بأنَّ الواجبَ استقبالُ الهواء، والهواءُ تابعٌ للقرار.
قالوا: ولذلك تصحُّ لو صلَّى على جَبَلٍ أعلى من الكعبة كما لو صلَّى على جَبَلِ أبي قُبَيْسٍ -الجبل الذي في أسفله الصفا- لو صلَّى فلا شكَّ أن الكعبة تحتَه ليس بين يديه شاخصٌ منها، ومع ذلك تصحُّ بالاتفاق، فكذلك إذا صلَّى في جوفِ الكعبةِ لا يُشترَطُ أن يكون بين يديه شاخصٌ منها.
ولكن هذا القياس فيه نَظَرٌ؛ لأن المصلِّي إلى الكعبة في مكانٍ أعلى يشاهِدُ شيئًا شاخصًا بين يديه وإن كان غير مُسامِتٍ له -يعني: غير محاذٍ له- فلا يصحُّ القياسُ، بخلافِ الإنسان الذي ليس بين يديه شيءٌ أبدًا، هو الآن في نفس الكعبة وليس بين يديه شيء، فهذا فرقٌ بين هذا وهذا.
ولا شكَّ أن الاحتياط أن يكون بين يديه شيءٌ شاخصٌ منها، لكنْ لو أنَّ الإنسان صلَّى وجاء يستفتي لا نستطيع أن نقول: إن صلاتَك غيرُ صحيحة.
إنما نأمره قبلَ أن يُصلِّي ألا يُصلِّي إلا إلى شيءٍ شاخصٍ منها، ولهذا لَمَّا هُدِمَت الكعبةُ في عهد ابن الزبير بَنَى أخشابًا من أجْل أن يُصَلِّي الناسُ إليها، قال شيخ الإسلام: وهذا دليلٌ على أنه لا بدَّ أن يكون هناك شاخصٌ يصلَّى إليه.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (ومنها) أي: من شروط الصلاة (استقبالُ القِبلة).
من شروط الصلاة استقبالُ القِبلة، والمرادُ بالقِبلة: الكعبة، وسُمِّيَتْ قِبْلةً لأنَّ الناسَ يستقبلونها بوجوههم ويَؤُمُّونها ويقصدونها، وكانتْ من شروط الصلاة بدلالة الكتاب والسُّنة:
أمَّا الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 150].
وأما السُّنة فكثيرةٌ في هذا؛ منها قوله صلى الله عليه وسلم للمُسيءِ في صلاته قال له: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلةَ فَكَبِّرْ» (16).
وأجمعَ المسلمون على وجوبِ استقبالِ القِبْلة في الصلاة، فدلَّ على وجوبها الكتابُ والسُّنةُ والإجماعُ.
والحكمة من ذلك هي أن يتَّجِهَ الإنسانُ ببَدَنِه إلى مُعَظَّمٍ بأمْرِ اللهِ وهو البيتُ، كما يتَّجِهُ بقلْبه إلى ربِّه في السماء، فهُنا اتجاهان: اتجاهٌ قلْبِيٌّ، واتجاهٌ بَدَنِيٌّ؛ الاتجاهُ القَلْبِيُّ إلى الله عز وجل، والاتجاهُ البَدَنِيُّ إلى بيتِهِ الذي أَمَرَنا بالاتجاه إليه وتعظيمه.
ولا ريبَ أن في إيجاب استقبالِ القِبْلة من مظْهرِ اجتماعِ الأمَّةِ الإسلاميةِ ما لا يخفى على الناس، لولا هذا لكان الناسُ يصلُّون في مسجدٍ واحدٍ أحدهم يصلِّي إلى الجنوب، والثاني إلى الشَّمال، والثالث إلى الشرقِ، والرابع إلى الغرب، لكنْ إذا كانوا إلى اتجاهٍ واحدٍ صار ذلك من أكبر أسباب الائتلاف، أليس كذلك؟
ما ظنُّكم لو أن الناس يتَّجهون إلى ما شاؤوا، كم قِبلةً تكون لنا في هذا المسجد؟ أربعُ قِبَل، كلُّ واحدٍ له قِبْلة، وتتعذَّر الصفوف في الجماعة، لكنْ من الحِكْمة أن الله أوجب على المسلمين أن يتَّجهوا اتجاهًا واحدًا إلى الكعبة.
الاتجاه إلى الكعبة قلنا: إنه شرطٌ من شروط صحة الصلاة، والحكمة في وجوبه ظاهرةٌ، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام في مكَّةَ يصلِّي إلى بيت المقدس، لكن الكعبة بَيْنَه وبَيْنَ بيتِ المقدس، فأين يقع مكانُه من المسجد؟
طالب: من جهة جنوب الركن اليماني.
الشيخ: إي، بين الركن اليماني والْحَجَر الأسود؛ لتكون الكعبةُ بينه وبين بيت المقدس.
ولَمَّا هاجر إلى المدينةِ بَقِيَ بأمْر الله عز وجل يصلِّي إلى بيت المقدس ستةَ عَشَرَ شهرًا وبعضَ السابع عَشَر، ثم بعد ذلك أُمِر بالتوجُّه إلى الكعبة.
يقول المؤلف: (فلا تَصِحُّ بدونه).
(فلا تَصِحُّ) أي: الصلاةُ بدون استقبالِ القِبلة، ووجْهُ ذلك أنه شرطٌ، والقاعدة أنه إذا تخلَّفَ الشرطُ تخلَّفَ المشروطُ، فلا تصحُّ الصلاةُ بدونه لهذه العِلَّة.
فإن قُلتَ: ما هو الدليلُ؟ أنت الآن علَّلْتَ، لكنْ ما هو الدليل؟
قلنا: الدليلُ هو ذلك الحديثُ الذي يُعتبر قاعدةً عظيمةً من قواعد الشرع؛ حديثُ عائشة رضي الله عنها: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (7)، فمَن استقبلَ غير القِبْلة فقد عَمِل عملًا ليس عليه أمْرُ اللهِ ورسولِه، فيكون عملُه مردودًا.
استثنى المؤلفُ قال: (إلا لعاجزٍ)، العاجزُ تصحُّ صلاتُه بدون استقبالِ القِبْلةِ؛ مِثْل أنْ يكون مريضًا لا يستطيعُ الحركةَ وليس عنده أحدٌ يوجِّهُهُ إلى القِبْلة، فهُنا يتَّجهُ حيث كان وَجْهُهُ لأنه عاجزٌ.
ودليلُ ذلك قولُه تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، وقولُه تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأعراف: 42]، وقولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (17)، فالعاجز لا يَلْزمه استقبال القِبْلة لعجزه؛ لأنه غيرُ مكلَّفٍ بما يعجز عنه، فتصِحُّ الصلاةُ.
يُستثنى أيضًا في حال اشتداد الحربِ، يسقطُ استقبالُ القِبْلة، وقد يُقال: إنَّ هذا نوعٌ من العجز؛ يعني مِثْل لو كان الحربُ فيه كَرٌّ وفَرٌّ فإنه يسقطُ عنه استقبالُ القِبْلة في هذه الحال.
الدليل؟
طالب: الأدلَّة السابقة.
الشيخ: الأدلَّة السابقة.
ومِثْل ذلك لو هَرَبَ الإنسانُ من عدوٍّ، أو هَرَبَ من سَيْلٍ، أو هَرَبَ من حريقٍ، أو هَرَبَ من زلازلَ أو ما أشبه ذلك؛ فإنه يسقطُ عنه استقبالُ القِبْلة في هذه الحال، والأدلَّة ما سبق.
الثالث قال: (إلا لعاجز، ومتنفِّلٍ) هذه معطوفة على (عاجزٍ)، (ومتنفِّلٍ راكبٍ سائرٍ في سَفَرٍ).
(متنفِّلٍ) ضِدُّهُ: المفترِضُ، (راكبٍ) ضِدُّهُ: الماشي، وسيأتي بيانُ حُكْمه، (سائرٍ) ضِدُّهُ: المقيم الذي ليس يمشي، (في سَفَرٍ) ضدُّهُ: في حَضَرٍ.
إذَنْ نأخذ ثلاثة قيودٍ: (متنفِّل)، (سائر)، (في سَفَر).
طالب: (راكِب).
الشيخ: (راكِب) قلنا: مِثْل الماشي، لكنْ يزيدُ عليه قيودٌ، وإذَن ما حاجة نقول: راكب؛ لأنه قال: (وماشٍ)، إلا أنه يخالفه في بعض الأشياء.
في هذه الحال يسقط استقبال القبلة.
(متنفِّل) ضده؟
طلبة: مفترض.
الشيخ: (سائر) ضده النازل، (في سَفَر) ضده الحضر.
إذا قال قائلٌ: هذا استثناءٌ من عموم نصوص الكتاب؛ ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، فما هو الدليل؛ لأن هذا عمومٌ مِن أقوى العمومات؛ ﴿حَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾، وهذه جملةٌ شرطية، وهي من أقوى العمومات؛ ﴿حَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، ما الذي أخرج هذه الحال؟
طالب: فِعْل النبيِّ.
الشيخ: نقول: أخرجتْها السُّنةُ؛ فِعْل الرسول عليه الصلاة والسلام، فقد ثَبَتَ في الصحيحينِ وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُصلِّي النافلة على راحِلَتِهِ حيثُما توجَّهتْ به، إلا أنَّه لا يُصلِّي عليها المكتوبة (18)، فهذه السُّنَّةُ خصَّصَتْ عمومَ الآيات.
فإنْ قال قائلٌ: أفلا يمكن أن يكون هذا قَبْل وجوبِ استقبالِ القِبْلة؟
قلنا: لا يمكن؛ لأنهم استثنَوْا؛ الصحابةُ الذين رَوَوا الحديثَ استثنوا الفرائضَ، فدلَّ هذا على أنه بعدَ وجوبِ استقبالِ القِبْلة.
فإذا قال قائلٌ: ما نوع هذا التخصيص؟
قلنا: هذا -الحقيقة- مِن غرائبِ التخصيصات؛ لأنه قرآنٌ خُصَّ بسُنَّةٍ، وقولٌ خُصَّ بفِعْلٍ؛ يعني لم يقُل الرسول عليه الصلاة والسلام: من تنفَّل في السفر فلا يستقبلْ، حتى نقول: إنه خُصَّ بقولٍ، بلْ نقولُ: هو قولٌ خُصَّ بفِعْلٍ، وقرآنٌ خُصَّ بسُنَّةٍ، ومعلومٌ أن تخصيص القول بالفعل أضعفُ من تخصيص القولِ بالقولِ، صحيح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ليش؟
طالب: لاحتمال خصوصيَّة.
الشيخ: لاحتمال خصوصيَّة، لاحتمال نسيان، لاحتمال عُذْر، بخلافِ القول.
وأيضًا: تخصيصُ قرآنٍ بسُنَّةٍ أضعفُ من تخصيص قرآنٍ بقرآنٍ.
ولكنْ نقول: إن السُّنَّةَ تقعُ من الرسول عليه الصلاة والسلام بأمْرِ الله الصريحِ أو بأمْرِه الْحُكْميِّ الذي يُقِرُّ سبحانه وتعالى نبيَّه على ما قال أو على ما فَعَل، ولهذا إذا فَعَل الرسولُ عليه الصلاة والسلام شيئًا لا يُقِرُّه اللهُ عليه بيَّنه؛ قال الله تعالى له: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة: 43]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: 1]، ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: 37]، فالله عز وجل لو أنَّ رسوله فَعَل فعلًا لا يريده شرعًا لَبَيَّنهُ سبحانه وتعالى.
فإذَنْ نقول: إنَّ فِعْل الرسولِ عليه الصلاة والسلام في تَرْكِ استقبالِ القِبْلة في التنفُّل في السفر كان بأيش؟ بأمْر اللهِ الْحُكْميِّ أو القوليِّ؟ الْحُكْمي؛ لأنه أَقَرَّه، فيكون ما جاءتْ به السُّنَّةُ كالذي جاء به القرآنُ تمامًا في أنه حُجَّةٌ.
هلْ تجوز الفريضة للراكبِ السائرِ في السَّفَر؟
طالب: لا.