وسبق لنا أن قول المؤلف: (لو) إشارة خلاف، وأن فيه خلافًا، وهو أحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد؛ أن الملحَّن والملحون لا يصح؛ لأن الْمُلَحَّن يُخْرِجُه عن كونه أذانًا؛ لأنه عبادة، والتلحين يميل به إلى الطرب والأغاني، وأما الملحون فلأن اللغة العربية هي التي تُؤَدَّى بها هذه الأذكار.
قال: (ويُجْزِئ مِن مُمَيِّز) (يجزئ) الفاعل يعود على الأذان، (يجزئ مِن مُمَيِّز)، والْمُمَيِّز مَن بلغ سبعًا إلى البلوغ، هذا المميِّز مَن بلغ سَبْعَ سنين إلى البلوغ يُسَمَّى مميِّزًا، وسُمِّيَ مُمَيِّزًا لأنه يُمَيِّز فيَفْهَم الخطاب ويَرُد الجواب.
وقال بعض العلماء: إن الْمُمَيِّز لا يتقيد بسنٍّ، وإنما يتقيد بوصف، فالذين قالوا: إنه يتقيد بِسِنٍّ استدَلُّوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهِ لِعَشْرٍ».
(17) فجعل أول سِنٍّ يؤمَر به الصبيُّ سبع سنين، وهذا يدل على أنه قبل ذلك لا يصح توجيه الأمر إليه، لماذا؟
قد يُقَالُ: لأنه لا يفهم الأمر، وقد يقال: لأنه لا يحتمل الأمر، فإن قلنا بالعلة الأولى صار سبع السنين هي الحد للتمييز، وإن قلنا بالثانية لم يكن ذلك حدًّا للتمييز، لم تكن السنوات السبع حدًّا للتمييز، إذا قلنا: إن مَن دون السبع لا يتحمل الأمر، وإن كان يفهم.
والذين قالوا: إنه يُقَيَّد بالوصف قالوا: لأن كلمة (ممييِّز) اسم فاعل مشتق منين؟
طلبة: من الْمَيْز.
الشيخ: من الْمَيْز، أو مِن التمييز، وإذا كان مشتقًّا من ذلك، فإذا وُجِدَ هذا المعنى في طفل ثبت له وصف، فالذي يفهم الخطاب ويرد الجواب يُسَمَّى مميِّزًا، بحيث يفهم المعنى، ما هو بيفهم إنك تقول له: يا ولد؛ لأن الطفل إذا قلت: يا ولد، لو هو صغير في المهد، إذا قلت: يا ولد، انْتَبَه، وإذا نادته أمه انكبَّ عليها، ليس هذا هو المراد.
المراد أن يفهم الكلام، تقول مثلًا: هات ماء، يروح يجيب لك الماء، ما هو لو قلت له: هات ماء، راح يجيب الشاهي، ما يصلح، هذا ما هو مُمَيِّز، الْمُمَيِّز هو الذي يفهم الخطاب ويرد الجواب، لكن سبع السنوات غالبًا هي الحد، الغالب أن هي الحد.
على كل حال، الآن نحن نتكلم هل يصح أذان المميِّز أو لا يصح؟
يرى المؤلف أنه يصح حتى وإن لم يُوجَد في البلد إلا هذا الصبي المميِّز وأذَّن فإنه يُكْتَفَى به؛ لأن المؤلف يقول: (يجزئ من مميِّز) وجه الإجزاء؟ يقولون: لأن هذا ذِكْر، والذِّكْر لا يشترط فيه البلوغ، فإن الصبي يُكتَب له ولا يُكْتَب عليه، فإذا ذَكَر الله كتب الله له الأجر، وصح منه الذِّكْر، والأذان ذِكْر، فإذا أَذَّن المميِّز فإنه يُكْتَفَى بأذانه.
وقال بعض العلماء: لا يجزئ أذان المميِّز؛ لأنه لا يوثَق بقوله، ولا يُعْتَمَد عليه، الذي له سبع سنوات قد لا يعرف متى تزول الشمس، ومتى يكون ظل كل شيء مثلَه، ومتى يطلع الفجر، فلا يُعْتَمَد عليه ولا يُوثَق به.
وفصَّل بعض العلماء فقال: إن كان معه غيره فلا بأس، وإن لم يكن معه غيره فإنه لا يُعْتَمَد عليه، والحقيقة أن المميِّز لا يُعْتَمَد عليه، وإن كان وجود الساعات اليوم تسهل المسألة، ثم أيضًا يفرق بين مَن له سبع سنوات ومَن له أربع عشرة سنة؛ لأن مَن له أربع عشرة سنة قريب من البلوغ، إنما من حيث المعنى لا نرى وجهًا لاشتراط البلوغ؛ لأن هذا ذِكْر، والذِّكْر يصح ممن دون البلوغ وممن فوق البلوغ.
إذن على كلام المؤلف لا يُشْتَرَط البلوغ، البلوغ ليس بشرط، والعقل؟ شرط؛ لأنه لا يمكن أن يعرف كيف يؤدي وهو غير عاقل.
قال: (ويبطلهما فصل كثير)، (يبطلهما) الضمير يعود على الأذان والإقامة، (فصل كثير) العلة؟
لاشتراط الموالاة، وإذا اشترطت الموالاة فالفصل الكثير يبطلهما، فلو قال: (الله أكبر) كَمَّل أربع تكبيرات، ثم انصرف وتوضأ وجاء، فإن هذا الأذان لا يصح، يجب أن يبدأ هذا الأذان من جديد، ولو كَبَّر الكبيرات الأربع ثم انصرف إلى بيته وتَعَشَّى ورجع يُكمِّل؟ لا يكمل؛ لأنه فصل بينهما بفاصل كثير.
(ويسيرٌ محرَّم) يبطلهما اليسير المحرَّم، وذلك لأن المحرَّم ينافي العبادة، مثل: رجل يؤذن وعنده جماعة يتحدثون في أثناء الأذان، التفت إليهم وقال: فلان فيه كذا وكذا، يغتابه، الغيبة؟ حرام، بل من كبائر الذنوب، نقول: الآن لا بد أن تعيد الأذان؛ لأن الأذان بطل.
وهذا ربما يقع كثيرًا في الرحلات، عند بعض الناس، تجدهم جماعة، جميع، ثم يؤذّن وهم يتحدثون بشخص، ثم يقول: لا، الخافي عليكم أشد، فيه كذا وكذا، معناه هذا أيش؟ أنها غيبة، والغيبة من كبائر الذنوب، فيبطل الأذان، ويجب عليه الإعادة، مع أنه يمكن كلمة أو كلمتين لكن لكونه محرَّمًا أثَّرَ.
قوله: (يسيرٌ مُحَرَّم)، أما إذا كان يسيرًا مباحًا كما لو سأله سائل وهو يؤذِّن: أين فلان؟ فقال: ذهب، أو أين الكتاب؟ فقال: هو في المكان الفلاني، أو ما أشبه ذلك، فهذا يسير مباح، فلا يبطله.
قال: (ولا يجزئ قبل الوقت)، (ولا يجزئ) الضمير يعود على الأذان قبل الوقت، لدليل وتعليل؛ الدليل: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ» (10)، فقال: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ»، والصلاةُ لا تحضر إلا بدخول الوقت.
وأيضًا قد يستفاد من قوله: «إِذَا حَضَرَتْ» أن المراد حضورها وحضور فعلها، ولهذا لما أراد بلال أن يؤذِّن، وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر في شدة الحر فزالت الشمس، فقام ليؤذن قال: «أَبْرِدْ»، ثم انتظر، ثم قام ليؤذن قال: «أَبْرِدْ»، حتى رأوا فَيْءَ التلول، بل حتى ساوى التلُّ فَيْئَهُ -يعني قريب العصر- ثم أمره بالأذان (18)، فهذا يدل أيضًا على أن الأذان ينبغي أن يكون عند إرادة فعل الصلاة، ينبني على ذلك لو كانوا جماعة في سفر أو في نزهة، وأرادوا صلاة العشاء، وأحبوا أن يؤخِّرُوها إلى الوقت الأفضل وهو آخر الوقت، متى يؤذِّنُون؟ عندما يريدون فعل الصلاة، لا عند دخول وقت العشاء.
إذن هذا الدليل: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ».
التعليل: لأن الأذان إعلام بماذا؟ بدخول وقت الصلاة، والإعلام بدخول الشيء لا يكون إلا بعد دخوله، وعلى هذا فلو أذَّن قبل الوقت جاهلًا، قلنا له: إذا دخل الوقت فأَعِدِ الأذان، وهذا يقع أحيانًا فيما إذا اغترَّ الإنسان أو غَرَّتْهُ ساعتُه، نظر إلى الساعة، فظنَّ أنها مثلًا الثانية عشرة، الظهر، وهي الحادية عشرة، فأذَّن، نقول: هذا الأذان غير صحيح، ولو كان جاهلًا إذا جاء الوقت فلا بد أن تؤذّن.
قال المؤلف: (إلا الفجر بعد نصف الليل)، (إلا الفجر) استثنى المؤلف الفجر، وذكر متى يصح، قال: (بعد نصف الليل)، فيصح الأذان له، وإن لم يؤذن في الوقت، وعلى هذا فلو أن المؤذِّنِين أَذَّنُوا في الساعة الثانية عشرة اليوم، بل قبل الساعة الثانية عشرة..
طلبة: الثانية عشرة إلَّا ثمان..
الشيخ: إلا ثمانٍ، إي نعم، أذَّنُوا في هذا الوقت، ولما طلع الفجر ما أذَّنُوا، يجزئ ولَّا لا؟
طالب: على قول المؤلف..
الشيخ: على كلام المؤلف يجزئ، وظاهر كلام المؤلف: لا فرق بين أن يكون معه مؤذِّن آخر يؤذن في الوقت أو لا؛ لأنه أطلق الدليل.
الدليل قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ» (19)، فقالوا: إن بلالًا يؤذِّن بليل، ولكن هذا الدليل لا يصح به الاستدلال، الدليل صحيح، ولكن الاستدلال غير صحيح، أولًا: لأن الرسول عليه الصلاة والسلام صرَّح في الحديث بأن هناك مَن يؤذِّن إذا طلع الفجر، فتحصل به الكفاية، من هو؟
طلبة: ابن أم مكتوم.
الشيخ: ابن أم مكتوم، ومعلوم أنه إذا كان فيه مَن يؤذِّن لصلاة الفجر حصلت به الكفاية، ثانيًا: أنه قد بَيَّنَ في الحديث كما أخرجه الجماعة «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ ليُوقِظَ النَّائِمَ ويُرْجِعَ الْقَائِمَ» (9)، إذن فليس أذانه لصلاة الصبح، ولكن أذانه مِنْ أجل أن يوقِظ النائم ليتَسَحَّرَ، ويُرجع القائمَ من أجل أن يَتَسَحَّرَ أيضًا، يدع القيام ويَتَسَحَّر، هذا هو الحكمة من أذان بلال، وليست الحكمة أنه يؤذِّن لصلاة الفجر، ولهذا لا يُقَالُ فيه: الصلاة خير من النوم؛ لأنه ما بعدُ حان وقت الصلاة.
وقول المؤلف: (يصح بعد نصف الليل) أيضًا هذا فيه مناقشة:
حديث بلال الذي استدلوا به، هل يدل على أن الأذان بعد نصف الليل؟ لا، بل يدل على أن الأذان قريبٌ من الفجر، وجهه أنه قال: «كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ»، وقال: «لِيُرْجِعَ قَائِمَكُمْ وَيُوقِظَ نَائِمَكُمْ»، وهذا دليل على أنه لم يكن بين أذان بلال والفجر إلا مدة وجيزة بمقدار ما يَتَسَحَّر الصائم، فأين نصف الليل من هذا الحديث؟
فكلام المؤلف إذن فيه نظر من وجهين:
الوجه الأول: أن ظاهر كلامه يجزئ الأذان لصلاة الفجر قبل طلوع الفجر، وإن لم يوجَد مؤذِّن بعد الوقت، والحديث لا يدل على هذا، ليش؟
طلبة: ابن أم مكتوم..
الشيخ: لأن فيه ابن أم مكتوم يؤذِّن بعد الفجر.
ثانيًا: أن المؤلِّف ذَكَر أن هذا جائز من نصف الليل، والحديث ليس فيه ما يدل على ذلك، بل الحديث يدل على أن الأذان الذي يؤذِّنه بلال رضي الله عنه قريب من الفجر، ولهذا ربما يتوهم الناس فيمسك حتى قال لهم الرسول: «لَا تُمْسِكُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» (19)، وهذا يدل على أن أذان بلال كان قريبًا من طلوع الفجر.
والقول الثاني في هذه المسألة: أنه لا يصح الأذان قبل الفجر إلا إذا وُجِدَ مَن يؤذِّن بعد الفجر، وهؤلاء لهم حظٌّ من الحديث الذي سمعناه حديث بلال، وجهه أن ابن أم مكتوم يؤذِّن.. ؟
طالب: بعد طلوع الفجر.
الشيخ: بعد طلوع الفجر.
والقول الثالث: أنه لا يصح لصلاة الفجر، ولو كان فيه مَن يؤذِّن بعد الفجر، وأن الأذان الذي يكون في آخر الليل ليس للفجر، ولكنه لإيقاظ النُّوَّم من أجل أن يقوموا ويتأهبوا لصلاة الفجر، ويختموا صلاة الليل بالوتر.
وهذا القول الثالث هو الأصح، ودليله ما سبق: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ» (10)، وهذا عامٌّ لا يُستثنَى منه شيء، ولا يعارض الحديث: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ»؛ لأنا قلنا: أذان بلال ليس لصلاة الفجر.
إذن ممكن أن ننظر شروط الأذان، الأذان له شروط تتعلق بالأذان نفسه، وتتعلق بوقته، وتتعلق بالمؤذِّن؛ تتعلق به، وبوقته، وبالمؤذن.
التي تتعلق به، يشترط فيه أن يكون مُرَتَّبًا، وأن يكون..
طلبة: متواليًا..
الشيخ: متواليًا، وأن يكون بعد الوقت، وألَّا يكون فيه لحن يُحِيلُ المعنى، سواء عاد هذا اللحن إلى علم النحو، أو علم التصريف، وأن يكون على العدد الذي جاءت به السنة، فلو نقص شيئًا لم يصح، يعني لو قال: الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، الله أكبر، لا إله إلا الله، يجزئ؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، أما في المؤذِّن..
طلبة: أن يكون واقفًا.
الشيخ: المتوالي ذكرناه.
طالب: واقفًا.
الشيخ: لا، لا بد أن يكون مسلمًا عاقلًا ذكرًا واحدًا..
طلبة: عدلًا.
الشيخ: عدلًا، خمسة شروط.
طلبة: (... ).
الشيخ: نعم.
طالب: أن يكون مميِّزًا.
الشيخ: ما حاجة مميِّزًا، لا، نقول: مميِّزًا ستة شروط، إي نعم.
أما الوقت فقد ذكرناه في شروط الأذان؛ أن يكون بعد الوقت، فلا يجزئ قبله مطلقًا على القول الراجح، ويُستثنَى الفجر على كلام المؤلِّف.
قال: (وَيُسَنُّ جلوسه بعد أذان المغرب يسيرًا)، قوله: (يُسَنُّ جلوسه بعد أذان المغرب يسيرًا)، هنا أمران: (يُسَنُّ جلوسه) و (يسيرًا) ففيه سُنَّتَانِ:
السُّنَّة الأولى: أن يجلس بحيث يفصل بين الأذان والصلاة.
والثانية: أن يكون الجلوس يسيرًا.
وإنما قال المؤلف ذلك لأن من العلماء مَن يرى أن السُّنة في صلاة المغرب أن تُقرن بالأذان، يعني من يوم يؤذِّن يقيم، فبَيَّنَ المؤلف أن الأفضل أن يجلس يسيرًا، والدليل لذلك أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ، صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ، صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ»، وَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «لِمَنْ شَاءَ» (20).
وهذا يدل على أنه لا بد من فصل بين الأذان والإقامة، وثبت في الصحيحين وغيرهما أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا إذا أَذَّنَ المغرب قاموا يصلُّون، والنبي صلى الله عليه وسلم يراهم فلم يَنْهَهُم (21)، وهذا إقرار من النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الصلاة، فثبتت بالسُّنَّة القولية والسُّنَّة.. ؟
طلبة: (... ).
الشيخ: الإقرارية، والفعلية أيضًا إن صح الحديث بها، وعليه فيلزم من الأمر بهذه السُّنة وإقرارها أن يكون هناك فصل بين الأذان والإقامة.
وقول المؤلِّف: (يسيرًا) يعني لا يُطِيلُ؛ لأن صلاة المغرب يُسَنُّ تعجيلها، وكل صلاة يُسَنُّ تعجيلها فالأفضل ألَّا يطيل فيها، لكن مع ذلك ينبغي أن يُراعِي «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ» (11)، أن يراعي هذا، ولهذا قال العلماء: هذا اليسير ينبغي أن يُفَسَّر بمقدار وضوء وصلاة نافلة خفيفة، والذي يُسَنُّ تعجيلُه من الصلوات؟
طلبة: العصر.
الشيخ: كل الصلوات، إلا العشاء، وإلَّا الظهر عند اشتداد الحر، ولكن الحقيقة أن الصلوات التي لها نوافل قبلها كالفجر والظهر ينبغي للإنسان أن يراعي حال الناس في هذا، بحيث يتمكنوا من الوضوء بعد الأذان ومن صلاة هذه الراتبة.
ثم قال: (ومَن جمع أو قضى فوائت أذَّن للأولى، ثم أقام لكل فريضة) هاتان مسألتان؛ المسألة الأولى: جمع، والمسألة الثانية: قضى فوائت، أما الأولى: الجمع، فيُتَصَوَّرُ الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، وسيأتي بيان سبب الجمع، وأنه المشقة، فكلما كان يشق على الإنسان أن يُصلي كل صلاة في وقتها فإن له أن يجمع، سواء كان في الحضر أم في السفر، فإذا جمع الإنسان أذَّن للأولى وأقام لكل فريضة، هذا إن لم يكن في البلد، أما إذا كان في البلد فإنَّ أذان البلد يكفي، وحينئذ يُقِيمُ لكل فريضة.
دليل ذلك ما ثبت في صحيح مسلم (22) من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم في عرفة أَذَّنَ، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، وكذلك في مزدلفة أقام فصلى المغرب، ثم أَذَّنَ وأقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء.
وأما التعليل فظاهر، اكْتُفِيَ بأذان واحد؛ لأن وقت المجموعتين صار.. ؟
طلبة: واحدًا.
الشيخ: وقتًا واحدًا، ولم يُكْتَفَى بإقامة واحدة؛ لأن لكل صلاة إقامة، فصار الجامع يؤذِّن مرة واحدة ويقيم لكل صلاة، كذلك من قضى فوائت فإنه يؤذِّن مرة واحدة ويقيم لكل فريضة، ولكن الأذان هنا واجب أو سنة؟
المشهور كما سبق أنه سنة، وقيل: إنه واجب؛ لفعل النبي صلى الله عليه وسلم.
دليل هذه المسألة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما نام عن صلاة الفجر ولم يستيقظ إلا بعد طلوع الشمس أمر بلالًا فأذَّن ثم صلى ركعتين -ركعتي الفجر- ثم أقام فصلى الفجر (23)، هذه مقضية، لكنها صلاة واحدة، إنما أذَّن لها وأقام، وأما إذا كانت فوائت متعدِّدة فإنه يؤذِّن كالمجموعات؛ يؤذِّن مرة واحدة ويقيم لكل فريضة، فإن ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أذَّن وأقام في غزوة الأحزاب (24)، فالدليل بالنص، وإن لم يثبت فإن الدليل بالقياس على المجموعة التي ثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام يؤذِّن مرة واحدة ويقيم بعدد الصلاة.
وقوله: (أو قضى فوائت) ما هو المقضي؟
يقول العلماء: لدينا أداء، وقضاء، وإعادة، ثلاثة أشياء كلها توصف بها الصلاة.
فالأداء: ما فُعِلَ في وقته لأول مرة نسميه أداءً.
والإعادة: ما فُعِلَ في وقته مرة ثانية.
والقضاء: ما فُعِلَ؟
طلبة: بعد وقته.
الشيخ: بعد وقته، كيف تكون الإعادة؟ الإعادة قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ» (25)، هذه نسميها أيش؟
طلبة: إعادة.
الشيخ: إعادة؛ لأنها فُعِلَتْ ثانية في الوقت، أما القضاء فالقضاء إذا فُعل بعد الوقت، وهذا بناءً على المشهور عند أكثر أهل العلم؛ أن ما فُعِلَ بعد الوقت فهو قضاء.
ولكنَّ هناك قولًا ثانيًا هو الأصح: أن ما فُعِلَ بعد الوقت فإن كان لغير عذر لم يصح إطلاقًا، وإن كان لعذر فهو أداء وليس بقضاء، دليل ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا».
(26) فجعل وقتها عند ذكرها، وكذلك في النوم عند الاستيقاظ.
فيقول هؤلاء: إن كلمة القضاء والأداء لا يحتاج إلى فرق بينهما، فنقول: إن فعلتها بعد الوقت لعذر فهي أداء، ولغير عذر لا تصح.
الخلاف في هذا في الواقع قريب من اللفظ؛ لأن الكل يتفقون على أنه يُشْرَع الأذان والإقامة حتى فيما فُعِل بعد الوقت، ولكن لا أدري هل الذين يقولون: إنها أداء، يجعلون الأذان في هذه الحال فرضًا كما هو القول الثاني في المسألة، أو يجعلونها سُنَّة، إنما المسألة فيها قول بأن المقضية يجب لها الأذان والإقامة، كالمؤداة في الوقت.
طالب: المميِّز (... ).
الشيخ: نعم نعم، يعني قصدك التمييز؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: القول الصحيح كما سبق قلنا: إن المميِّز هو الذي يفهم الخطاب ويرد الجواب، ولو دون السبع.
طالب: شيخ، نحن قلنا الذي (... ) لو قال: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة..
ويُسَنُّ لسامِعِه مُتابعتُه سِرًّا، وحَوْقَلَتُه في الْحَيْعَلَةِ، وقولُه بعدَ فراغِه " اللَّهُمَّ رَبَّ هِذِه الدَّعْوَةِ التامَّةِ والصلاةِ القائمةِ آتِ مُحَمَّدًا الوسيلةَ والفضيلةَ، وابْعَثْهُ مَقامًا محمودًا الذي وَعَدْتَه".
﴿باب شروط الصلاة﴾
شروطُها قَبْلَها منها الوقتُ والطهارةُ من الْحَدَثِ والنَّجَسِ.
فوَقتُ الظهرِ من الزوالِ إلى مُساواةِ الشيءِ فَيْئَه بعدَ فَيْءِ الزوالِ، وتَعْجِيلُها أَفْضَلُ إلا في شِدَّةِ حَرٍّ، ولَوْ صَلَّى وَحْدَه أو مع غَيْمٍ لِمَنْ يُصَلِّي جماعةً.
ويَليهِ وقتُ العَصْرِ إلى مَصيرِ الْفَيْءِ مِثْلَيْهِ بعدَ فيء الزوالِ، والضرورةُ إلى غروبِها،
(ويُسنُّ لسامعه متابعته سرًّا)، كلمة (يُسنُّ) اعلم أن السنة لها إطلاقان: إطلاق اصطلاحي عند الفقهاء، وإطلاق شرعي في لسان الشارع؛ أما عند الفقهاء، فيطلقون السنة على ما يُثاب فاعله، ولا يُعاقَب تاركه؛ الشيء الذي إذا فعله الإنسان أُثيب، وإذا تركه لم يُعاقب يُسمى عندهم سُنَّة، وأما في لسان الشارع، فالسُّنّة هي الطريقة التي شرعها الرسول عليه الصلاة والسلام، سواء كانت واجبة يعاقب تاركها أو لا.
فقول أنس مثلًا: من السُّنَّةِ إذا تزوَّج الرجل البكرَ على الثَّيِّبِ أقام عندها سبعًا.
(1) هذه من السنة الواجبة، وحديث ابن مسعود: من السُّنَّةِ وضْعُ اليد اليُمنى على اليسرى في الصَّلاة.
(2) هذا من السنة المستحبة.
وعلى هذا، فإذا وجدنا كلمة (يُسَنّ) أو (مِن السُّنة) في كلام الفقهاء؛ فالمراد به السنة الاصطلاحية؛ وهي التي إذا فعلها الإنسان أُثيب، وإذا تركها لم يُعاقب.
يقول المؤلف: (يُسنُّ لسامعه)، أي: سامع الأذان (متابعته سرًّا)؛ يعني لا جهرًا و (متابعته) معناه أن يقول كما يقول؛ ودليل ذلك: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ» (3).
وقول المؤلف: (يُسنُّ لسامعه) يشمل الذكر والأنثى؛ لعمومه، ويشمل النداء الأول، والنداء الثاني؛ يعني لو كان المؤذنون يختلفون؛ فبعضهم يؤذن والبعض الثاني ما يبدأ بالأذان إلا بعد فراغ الأول، نقول: يجيب الأول، ويجيب الثاني؛ لعموم الحديث: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ»، ثم هو ذِكْر يُثاب الإنسان عليه، ولكن لو صلَّى، ثم سمع مؤذنًا بعد الصلاة، فهل يجيب؟ ظاهر الحديث أيضًا أنه يجيب؛ لعموم: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ» (3).
وقال بعض أهل العلم: إنه لا يجيب؛ لأنه غير مدعوّ بهذا الأذان؛ يعني لا يتابعه؛ لأنه غير مدعو بهذا الأذان.
قالوا: ونجيب عن الحديث: بأن المعروف في عهد النبي عليه الصلاة والسلام أن المؤذن واحد، وأنه لا يمكن أن يؤذن آخر بعد أن تؤدى الصلاة، فيُحمل الحديث على المعهود في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه لا تكرار في المؤذنين، ولكن لو أخذ أحد بعموم الحديث، وقال: إنه ذكر، وما دام الحديث عندي عامًّا فلا مانع من أن أذكر الله عز وجل، والحمد لله الذي جعل هناك دليلًا أستند عليه حتى لا يُقال: إنك مبتدِع؟
وقول المؤلف: (يُسنُّ لِسَامِعِه متابعتُه سرًّا)، صريح في أنه لو ترك الإجابة عمدًا فلا إثم عليه، وهذا هو الصحيح، وقال بعض أهل الظاهر -يعني بعض الظاهرية- قالوا: إن المتابعة واجبة، وأنه يجب على من سمع المؤذن أن يقول مثل ما يقول، واستدلوا بالأمر: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ»، والأصل في الأمر الوجوب، ولكن الجمهور على خلاف ذلك.
استدل الجمهور بأن النبي صلى الله عليه وسلم سمع مؤذنًا يؤذن، فقال: «عَلَى الْفِطْرَةِ» (4)، ولم يُنقَل أنه أجابه، أو أنه تابعه، ولو كانت المتابعة واجبة لفعلها الرسول عليه الصلاة والسلام، ولنُقلت إلينا.
وعندي أن في هذا دليلًا أصرح من ذلك؛ وهو قول النبي عليه الصلاة والسلام لمالك بن الحويرث، ومن معه من الوفد: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» (5)، أو «أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا» (6) في حديث آخر قصة ثانية، فهذا يدل على أن المتابعة لا تجب.
ووجه الدلالة: أن المقام مقام تعليم، ومقام التعليم تدعو الحاجة إلى بيان كل ما يحتاج إليه، وهؤلاء وفد قد لا يكون عندهم علم بما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في متابعة الأذان، فلما ترك النبي عليه الصلاة والسلام التنبيه على ذلك مع دعاء الحاجة إليه؛ وكون هؤلاء وفدًا بقوا عنده عشرين يومًا؛ ثم غادروا؛ يدل على أن الإجابة ليست بواجبة، وهذا هو الأقرب والأصح؛ أن الإجابة سُنَّة، وليست بواجبة، ونريد بالإجابة المتابعة.
وقول المؤلف: (سُنَّ لسامعه متابعته سرًّا)، فإن رآه ولم يسمعه، رآه على المنارة ولم يسمعه، فهل تسن المتابعة؟
طلبة: لا.
الشيخ: الجواب: لا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ» (7).
طيب لو سمعه ولم يره؟
طالب: يتابعه.
طالب آخر: يجيب.
الشيخ: يتابعه؛ للحديث: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ».
يقول: (يُسن لسامعه متابعته سرًّا).
(وحوقلته في الحيعلة)، (الحوقلة) و (الحيعلة)، هذان مصدران مصنوعان ومنحوتان؛ لأن الحوقلة مصنوعة من (لا حول ولا قوة إلا بالله)، والحيعلة من (حي على الصلاة) (حي على الفلاح)، إذن تقول: إذا قال المؤذن: (حي على الصلاة): تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا قال: (حي على الفلاح): تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
قد يقول عامي: سبحان الله، أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، هل أنا ابتُليت بمصيبة حتى تقولوا: قل: لا حول ولا قوة إلا بالله؟ ! ويش الجواب؟
لا؛ لأن العامة عندهم أن الإنسان إذا أُصيب بمصيبة قال: (لا حول ولا قوة إلا بالله)، حتى إذا جعلتَ تشكو عليه مثلًا حال شخص أو أمرًا من الأمور، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، المشروع عند المصائب غير هذا أن تقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، أما هذه الكلمة (لا حول ولا قوة إلا بالله)، فهي مشروعة عند التحمل؛ تحمل الأشياء، وهي كلمة استعانة، وليست كلمة استرجاع.
إذن فكأن المؤذن لما قال: (حي على الصلاة) أقْبِلْ تبرأت من حوْلك وقُوَّتك إلى ذي الحول والقوة؛ وهو الله عز وجل، فاستعنت به، وقل: لا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا من باب التوسُّل بذكر حال الداعي، وأظن مر علينا أن من أقسام التوسل في الدعاء أن يذكر الإنسان حاله، وأنه في حاجة إلى الله، فإذا قلت: لا حول ولا قوة إلا بالله كأنك تقول: أنا ما عندي حوْل ولا قوة إلا بالله إن أعانني فأنا أقوم بما ينبغي أن أقوم به، وإن لم يُعِنّي ووكلني إلى نفسي فإنه يكلني إلى ضعف وعجز وعورة.
لا حول ولا قوة إلا بالله، ما هو الحَوْل؟
قال العلماء: الحول بمعنى (التحوُّل)؛ أي: لا تحوُّل من حال إلى حال إلا بالله عز وجل.
والقوة معناها القدرة على الشيء، بل هي أخص من القدرة؛ يعني: أنا لا أستطيع التحول، ولا أقوى على التحول إلا بمعونة الله، ولهذا نقول: إن (الباء) في قوله: (إلا بالله) للاستعانة، كل إنسان لا يستطيع أن يتحول من حال إلى حال، سواء من معصية إلى طاعة، أو من طاعة إلى أفضل منها لا يستطيع إلا بالله عز وجل، ولا يقوى على ذلك إلا بالله.
إذن فهذه الجملة في جواب (حي على الصلاة) (حي على الفلاح) كلمة استعانة، يستعين الإنسان بالله على إجابة هذا المؤذن.
وسبق لنا أن قوله: (حي على الفلاح) بعد قوله: (حي على الصلاة) تعميم بعد تخصيص، أو هو دعاء إلى النتيجة والثواب بعد الدعاء إلى الصلاة كأنه قال: أقبِل إلى الصلاة، فإذا صلَّيْت نِلْت الفلاح، وأيًّا كان سواء الأول أو الثاني، فإن إجابته أن تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
في إجابة المؤذن أو متابعته فيه دليل على رحمة الله عز وجل، وسعة فضله؛ لأن المؤذنين لما نالوا ما نالوه من أجْر الأذان شُرع لغير المؤذن أن يتابعه؛ لينال أجرًا كما نال المؤذن أجرًا، ولهذا نظائر؛ في الحج، الحجاج يوم النحر يذبحون هدايا، وغير الحاج ويش شرع لهم؟
طلبة: الأضاحي.
الشيخ: الأضاحي؛ حتى لا يُحرم الناس الذين حرموا من الحج من جنس أعمال الحج.
الحجاج إذا أحرموا تركوا الترفُّه؛ لا يحلقون الشعور، أو بالأخص شعر الرأس، وغير الحجاج من أهل الأضاحي كذلك أيضًا، لا يأخذون من شعورهم، ولا من أظفارهم، ولا من أبشارهم شيئًا، وهذا يدلك على سعة رحمة الله عز وجل، وعلى شمول هذه الشريعة، وأنها لم تدع أحدًا بدون شيء حتى لا يقول أحد: أنا حُرمت من الخير.
يقول: (وقوله بعد فراغه: اللهم ربَّ هذه الدعوة)، الحقيقة أن المؤلف اقتصر في الدعاء الذي بعد الأذان، وإلا ينبغي بعد الأذان أن تصلي على النبي عليه الصلاة والسلام بعد انتهاء الأذان، ثم تقول: (اللهم ربَّ هذه الدعوة) إلى آخره، وفي أثناء الأذان إذا قال المؤذن: (أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله) وأجبته، تقول بعد ذلك: رضيت بالله ربًّا وبمحمد رسولًا، وبالإسلام دينًا؛ كما هو ظاهر رواية مسلم حيث قال: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا».
في رواية: ابن رمح -أحد رجال الإسناد-: «مَنْ قَالَ: وَأَنَا أَشْهَدُ» (8)، وفي قوله: «وَأَنَا أَشْهَدُ» دليل على أنه يقولها عقب قول المؤذن: (أشهد أن لا إله إلا الله)؛ لأن (الواو) حرف عطف، فيعطف قوله على قول المؤذن.
إذن فيه ذكر مشروع أثناء الأذان وهو أيش؟
طلبة: في الصلاة.
الشيخ: لا، في أثناء الأذان: رضيت بالله ربًّا وبالإسلام دينًا، هذا بعد التشهدين، بعد الأذان الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله: (اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة)، (اللهم رب هذه الدعوة التامة)، ما هي (الدعوة التامة)؟
طالب: الأذان.
الشيخ: الأذان؛ لأنه دعوة؛ حي على الصلاة، حي على الفلاح، ووصفها بـ (التامة)؛ لاشتمالها على تعظيم الله وتوحيده، والشهادة بالرسالة، والدعوة إلى الخير، فهي جامعة بين التعظيم والتوحيد والدعوة إلى الخير؛ ولهذا وصفها بأنها تامة.
وقوله: (اللهم رب)، مر علينا –أظن عدة مرات- إعراب (اللهم)، وقلنا: إنه منادى حذفت منه (يا) النداء، وعُوّض عنها (الميم)، وجُعلت (الميم) بعد لفظ الجلالة تيمنًا وتبركًا بالابتداء بالجلالة، واختير لفظ (الميم) دون غيره من الحروف للدلالة على الجمع كأن الداعي يجمع قلبه على ربه عز وجل، وعلى ما يريد أن يدعوه به.
وقوله: (رب هذه الدعوة التامة)، قد يقول قائل: لماذا كانت (اللهُ) بالضم، و (ربَّ) بالفتح؟
نقول: لأن (الله) علم منادى؛ فيبنى على الضم، و (رَبَّ) مضاف، فيكون منصوبًا؛ لأن المنادى أو ما وقع بدلًا منه إذا كان مضافًا فإنه يكون منصوبًا.
وقوله: (ربَّ هذه الدعوة التامة)، (رب) ويش معنى رب هنا؟ بمعنى خالق، ولَّا بمعنى صاحب، ولا أيش؟
طلبة: الثاني.
طالب: مشرع هذه الدعوة.
الشيخ: صاحب الدعوة، مشكلة الداعي هو المؤذن.
طالب: يعني شرع الدعوة.
طالب آخر: شارع الدعوة.
الشيخ: الشارع.
طالب: المسؤول عن الدعوة.
الشيخ: المسؤول، من يسأل الله؟ ما يستقيم المسؤول عن الدعوة.
عندنا الآن رب بمعنى: صاحب، ثانيًا: رب بمعنى: خالِق، ربّ بمعنى: شارع مُشرِّع هذه الدعوة؛ إذن بمعنى صاحِب؛ يعني صاحبها الذي شرعها، كذا؟
نشوف الآن، لو كانت (ربّ) بمعنى (خالِق)، أشكل علينا هذا؛ لأن هذه الدعوة فيها أسماء الله عز وجل، وفيها كلمات ما هي من أسماء الله، أسماء الله تعالى غير مخلوقة؛ لأنها من الكلام الذي أخبر به عن نفسه عز وجل، وكلامه غير مخلوق، لكن لو قال: إنه خالق الدعوة باعتبار تلفظ المؤذن بها فإن لفظ الإنسان مخلوق حتى وإن لفظ بغير مخلوق، فإن لفظه مخلوق، والملفوظ غير مخلوق؛ لأن القرآن إذا تكلم به الإنسان يكون لفظه وحركات لسانه وشفتيه وحنجرته هذه مخلوقة، لكن الملفوظ به هذا غير مخلوق.
إذن إذا فسّرنا (رب) بمعنى خالِق على تقدير اللفظ الذي هو فعل المؤذن، فهذا لا إشكال فيه.
إذا قلنا بأن (رب) ما تضاف إلا لمخلوق فإنه يرد علينا ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: 180]، والعزة من صفات الله عز وجل، فهنا يتعين أن تكون ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ بمعنى صاحب العزة، ولا يجوز أن تكون (رب) بمعنى خالق.
(رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة)، هذه (الصلاة القائمة)، المشار إليه لا بد أن يكون محسوسًا قابلًا للإشارة، وأيضًا (القائمة) هي الآن لم تقم، فيقال: الإشارة إلى ما تصوره الإنسان في ذهنه؛ يعني عندما تسمع الأذان تتصور أن هناك أيش؟ صلاة.
و(القائمة): قال العلماء: التي ستُقام؛ فهي قائمة باعتبار ما سيكون.
قال: (آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة)، (آتِ) بمعنى: أعطِ؛ وهي تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، المفعول الأول هنا (محمدًا) و (الوسيلة) هي المفعول الثاني.
ما الفرق بين آتِ وبين ائْتِ؟ ائت بمعنى؟
طلبة: تعالَ.
الشيخ: لا؛ بمعنى جِئْ ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء: 10]؛ يعني: جِئْهم، وأما (آتِ) فهي بمعنى (أعطِ)، وكذلك (آتَى) أي: أَعْطَى، و (أَتَى) أي: جاء.
قال: (آتِ محمدًا الوسيلة) (محمد) هو رسول الله صلوات الله وسلامه عليه القرشي الهاشمي خاتم النبيين كما قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: 40].
فهو -صلى الله عليه وسلم- خاتم النبيين.
يقول: (آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة)، (الوسيلة): بيَّنها الرسول عليه الصلاة والسلام أنها «دَرَجَة فِي الْجَنَّةِ، لَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ»، قال: «وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ» (7). ولهذا نحن ندعو الله له ليتحقق له ما رجاه صلى الله عليه وسلم.
وأما (الفضيلة)؛ فالفضيلة هي المنقبة العالية التي لا يشاركه فيها أحد.
طالب: إعراب الفضيلة؟
الشيخ: معطوفة على الوسيلة.
يقول: (آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته)، ابعثه متى؟ يوم القيامة، (مقامًا)؛ أي: في مقام محمود (الذي وعدته)، وهذا المقام المحمود يشمل كل مواقف القيامة، وأخص ذلك الشفاعة العظمى، حينما يلحق الناس من الكرب والغم في ذلك اليوم العظيم الذي مقداره خمسون ألف سنة مع ما فيه من الأهوال والشدائد والكُرب يلحقهم أمر لا يطيقونه، فيمضي الناس ويتساءلون: من يشفع لنا إلى الله عز وجل يريحنا من هذا الموقف؟ فيأتون إلى آدم ويعتذر، وإلى نوح ويعتذر، وإلى إبراهيم ويعتذر، وإلى موسى ويعتذر، يذكر كل منهم ما يراه عذرًا في عدم شفاعته، ويأتون إلى عيسى ولا يذكرون شيئًا، لكن يقول: اذهبوا إلى محمد عبدٍ غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ثم يأتون إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فيسألونه أن يشفع إلى الله؛ فيشفع.
هذا مقام محمود؛ كون هؤلاء الرسل والأنبياء كلهم يعتذر عن الشفاعة، إما بما يراه عذرًا كآدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وإما لأنه يرى أن في المقام من هو أوْلى منه، مثل مَنْ؟
طلبة: عيسى.
الشيخ: مثل عيسى، وانظر كيف ألهم الله الناس أن يذهبوا إلى هؤلاء؛ لأن الأربعة الرسل هم أولو العزم، وآدم أبو البشر، خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته، ثم انظر كيف يُلهم الله هؤلاء؟ أن كل واحد منهم يعتذر بما يرى أنه حائل بينه وبين الشفاعة؛ لأن الشفيع ليس له وجه يتقدم للشفاعة من أجله، إلا إذا كان ليس بينه وبين المشفوع إليه شيء يخدش المقام، وهؤلاء الأربعة كلهم ذكروا ما يخدش مقامهم بحسب ما يرونه لكمال تواضعهم وإن كان كلهم تابوا من الذنوب؛ إن كانت ذنوبًا بالنسبة لإبراهيم عليه الصلاة والسلام.
الخامس لم يذكر شيئًا يخدش مقام الشفاعة عنده، ولكن ذكر من هو أولى منه بذلك؛ وهو محمد عليه الصلاة والسلام لتتم الكمالات لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فيشفع عند الله سبحانه وتعالى فيأتي الله تعالى للقضاء بين عباده.
وهذا من المقام المحمود الذي قال الله له فيه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79]، هذه الدعوات، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ سَأَلَ اللَّهَ لَهُ الْوَسِيلَةَ؛ فَإِنَّهَا تَحِلُّ لَهُ الشَّفَاعَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (3). شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام تحل له، ويكون مستحقًّا لها، وهذا لا شك أنه من نعمة الله سبحانه وتعالى علينا وعلى الرسول عليه الصلاة والسلام؛ أما علينا فلما نناله من الأجر في هذا الدعاء، وأما على الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فلأن هذا مما يرفع ذِكْره؛ أن تكون أمته إلى يوم القيامة تدعو الله له.
ولكن لو قال قائل: إذا كانت الوسيلة حاصلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فما الفائدة من أن ندعو الله له بها؟
نقول: لعلَّ من أسباب كونها له دعاء الناس له بذلك، وإن كان هو -عليه الصلاة والسلام- أحق الناس بها.
في هذا الدعاء عدة مسائل:
المسألة الأولى: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بشر، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا؛ وجهه: أننا أُمِرنا بالدعاء له.
ثانيًا: أن الرسول -عليه الصلاة والسلام- أفضل الخلق؛ لأن الوسيلة لا تحصل إلا له خاصة، ومعلوم أن الجزاء على قدر قيمة المجزي، ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11].
وفيه أيضًا: إشكال وهو قوله: (آتِ محمدًا الوسيلة)، لماذا لم يُشرع أن يُقال: (آتِ رسول الله الوسيلة)، بل قيل: (آتِ محمدًا)؟
وكيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: 63]؛ على أحد التفسيرين في أن المعنى لا تنادوه باسمه، كما ينادي بعضكم بعضًا؟
طالب: شيخ؛ لأن الرسول (... ).
الشيخ: لا.
طالب: شيخ؛ لأن هذا الدعاء هو النبي صلى الله عليه وسلم شرعه فوجب علينا اتباع (... ).
طالب آخر: في بيان افتقاره إلى الله عز وجل.
الشيخ: لا.
طالب: (... ) ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ﴾ هذا في حياته.
الشيخ: إي، لا.
طالب: شيخ؛ لأن قوله: (محمدًا) يناسب المقام؛ لأنه محمود في هذا المقام يوم القيامة.
الشيخ: ما شاء الله، زين.
طالب: شيخ؛ لأن هذا ما دعيناه ندعو الله، ولا دعيناه لا خاطبناه، ولا دعيناه.
الشيخ: يعني معناه إذن يفرق بين الخبر وبين الدعاء، ولَّا لا؟ بين الخبر وبين الدعاء؛ فمثلًا عندما ندعوه؛ يعني هو طبعًا في حياته، الآن ما يمكن ندعوه الآن، نقول: يا رسول الله، ما نقول: يا محمد؛ ولهذا لا يقول أحد في خطاب الرسول عليه الصلاة والسلام: يا محمد، إلا من الأعراب، الذين لم يعرفوا حدود ما أنزل الله على رسوله.
أما في باب الإخبار فهذا لا بأس به؛ قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: 40] ونحن نقول أيضًا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمدٍ، ما نقول: اللهمَّ صلِّ على رسول الله أو نقولها؟
في مكانها لا نقولها؛ يعني في الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام في التشهد ما نقول: اللهم صلِّ على رسول الله، نقول: اللهم صلِّ على محمد، لكن نقول: السلام عليك أيها النبي؛ لأننا أُمرنا بذلك.
المهم على كل حال، المدار في هذا على ما علمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما قال: (آتِ محمدًا الوسيلة) دون آتِ رسولَ الله، قلنا: هذا هو المشروع، ولا يُعارِض الآية، وفي الآية قول آخر: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: 63]؛ أنه من باب إضافة المصدر إلى فاعله لا إلى مفعوله، تصورتوا هذا؟ على التقييد الأول دعاء الرسول من باب إضافة المصدر إلى مفعوله؛ يعني دعاءكم الرسول، فيه قول آخر؛ أنه من باب إضافة المصدر إلى فاعله.
طلبة: دعاء الرسول إياكم.
الشيخ: يعني: دعاء الرسول إياكم؛ يعني لا تجعلوا دعاء الرسول إذا دعاكم كدعاء بعضكم بعضًا، إن شئتم أجبتم، وإن شئتم لم تجيبوا، بل يجب عليكم أن تجيبوا؛ ولهذا كان من خصائص الرسول عليه الصلاة والسلام أنه إذا نادى الإنسان ولو في الصلاة وجَبَت إجابته.
طالب: كلمة الزيادة؟
الشيخ: إي نعم، الزيادة: «إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ» (9)؛ هذه الزيادة اختلف فيها الْمُحدِّثون، هل هي ثابتة أو ليست بثابتة؟ فمنهم من قال: إنها غير ثابتة لشذوذها؛ لأن أكثر الذين رووا الحديث لم يوردوا هذه الكلمة، قالوا: والمقام يقتضي ألا تحذف؛ لأنه مقام دعاء وثناء، وما كان على هذا السبيل؛ فإنه لا يجوز حذفه؛ لأنه متعبَّد به.
ومن العلماء من قال: إن سندها صحيح، وأنها تُقال؛ وقالوا: إنها لا تُنافي غيرها، وممن ذهب إلى تصحيحها الشيخ عبد العزيز بن باز، وقال: إن سندها صحيح، أخرجها البيهقي بسند صحيح.
وقالوا أيضًا: إن هذا مما يُختم به الدعاء، كما قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: 194]، فمن رأى أنها صحيحة فهي مشروعة في حقه، ومن رأى أنها شاذة ولا يُعمل بها فحذفها، والمؤلف -رحمه الله- وأصحابنا يرون أنها شاذة، ولا يُسنّ.
(... ). الأذان والإقامة ما حكمهما؟
طالب: فرض كفاية.
الشيخ: فرض كفاية ولَّا فرض عين؟
الطالب: فرض كفاية.
الشيخ:
الدليل؟
الطالب: الدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ» (5).
الشيخ: وجه الدلالة؟
طالب: وجه الدلالة أنه قال: «أَحَدُكُمْ»، ولم يقل: فلتؤذنوا وتقيموا، بل قال: «فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ»..
الشيخ: والدليل على الوجوب؟
الطالب: الدليل على الوجوب قوله: «فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ».
الشيخ: الدلالة في أيش؟ في أي شيء الدلالة؟
الطالب: في قوله: «فَلْيُؤَذِّنْ».
الشيخ: «فَلْيُؤَذِّنْ»، ويش وجه الدلالة منها؟
الطالب: «فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ».
الشيخ: ويش وجه الدلالة من كلمة: «فَلْيُؤَذِّنْ».
الطالب: وجه الدلالة أنه لو لم يكن واجبًا ما قال..
الشيخ: ما قال: «فَلْيُؤَذِّنْ».
الطالب: «فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ».
الشيخ: لقال: فأذِّنوا.
طالب: فأذنوا تصير الواجب على الكل.
طالب آخر: هذا أمر ولا يصرف الأمر عن الوجوب.
الشيخ: وين الأمر؟
طالب: «فَلْيُؤَذِّنْ»، (اللام) لام الأمر.
الشيخ: إي صح؛ وجه الدلالة الأمر الْمُستفاد من (لام) الأمر في قوله: «فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ».
هل ورد الأذان على صفات متعددة؟
طالب: ورد على صفات متعددة.
الشيخ: نعم.
الطالب: منها خمسة عشرة جملة، ومنها..
الشيخ: طيب ما موقفنا من هذه الوجوه المتعددة؟
الطالب: نأتي بها جميعًا، بس عند أوقات مناسبة إن خشي فتنة فلنلتزم بما هو مشهور بين الناس، أما إن كان فيه مثلًا مع طلبة علم نأتي بها جميعًا.
الشيخ: يعني إذن الأفضل أن نأتي..
الطالب: بها جميعًا.
الشيخ: بكل وجه، ولَّا بها جميعًا؟
الطالب: كل وقت بذكر مخصوص له.
الشيخ: يعني بمعنى نؤذن أولًا أذان بلال، ثم أذان أبي محذورة في آنٍ واحد؟
الطالب: (... ).
الشيخ: يعني نأتي بها على الوجوه الواردة، لكن ما هو جميعًا، وما قيده به من خوف الفتنة هذا صحيح.
يشترط للأذان شروط، منها؟
طالب: (... ).
الشيخ: لا، لصحة الأذان.
الطالب: أن يكون عالِمًا.
الشيخ: كيف؟
الطالب: أن يكون خمس عشرة جملة..
الشيخ: ما نقول: يكون على الوجه الوارد؛ لأنه قد يكون أكثر من هذا في الترجيع يكون سبع عشرة.
الطالب: على الوجه الوارد (... ) مع الوقت.
الشيخ: وبعد الوقت.
الطالب: كيف؟
الشيخ: وبعد الوقت هذا شرط.
الطالب: نعم، ما يذهب بعد الوقت.
الشيخ: طيب، هذان شرطان.
الطالب: أن يكون عالِمًا بالوقت.
الشيخ: لا، وإحنا يعني نقول: الأذان، ما هو شرط المؤذن، شرط الأذان.
الطالب: أن يكون على المقيمين.
الشيخ: ما هو شرط الوجوب يا شيخ، شرط الصحة.
طالب: ست شروط؛ أن يكون مسلمًا.
الشيخ: ما هو المؤذن الأذان يا أخي؟
الطالب: الأذان أن يكون بعد الوقت.
الشيخ: نعم.
الطالب: وأن يكون كما ورد.
طالب آخر: أن يكون متواليًا.
الشيخ: متواليًا.
الطالب: وأن يكون من آدمي.
الشيخ: يعني أذان الديك ما يصح.
طالب: أن يكون مرتبًا ومتواليًا، ولو (... ).
الشيخ: وعلى الصفة الواردة وبعد الوقت، هذه أربعة.
طالب: وممن يجزئ منه الأذان.
الشيخ: لا، هذا شرط في المؤذن، وإذا اختلّ شرط في المؤذن أو في الأذان؛ ما صح الأذان، لكن نقول: الشروط اللي تعود إلى الأذان نفسه، ما هو إلى المؤذن.
الطالب: أن يكون الأذان يجزئ أذانًا.
الشيخ: لا.
طالب: ألا يحيل المعنى.
الشيخ: نعم، ألا يكون ملحونًا لحنًا يحيل المعنى.
طالب: ألا يكون من مسجل (... ).
الشيخ: لا، هذه ممكن نأخذها من شروط المؤذن.
الطالب: (... ).
الشيخ: لا.
طالب: ألا يكون منفصلًا.
الشيخ: ويش معناه؟
الطالب: أن يكون منفصلًا (... ).
الشيخ: لا، قلنا: متواليًا؛ هذا معنى (متواليًا).
طالب: (... ).
الشيخ: قلناه، خمسة شروط الآن معنا.
طالب: يكون بالعربية.
الشيخ: أن يكون بالعربية.
طالب: أن يكون من علِ.
الشيخ: هذا شرط المؤذن.
إذن ستة شروط: أن يكون بالعربية للقادر.
طالب: على الوجه الوارد (... ).
الشيخ: لا، اللي نحن نفهم على الوجه الوارد غير هذا.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، يا أخي، نشوف اللي صح أن يكون من واحد.
طالب: هذا في المؤذن.
الشيخ: في المؤذن أن يكون واحدًا.
طلبة: في الأذان (... ).
طالب: (... ).
الشيخ: من واحد يصلح لهذا ولهذا، أما شروط المؤذن؟
طالب: يكون صييتًا أمينًا.
الشيخ: لا، صيِّيتًا لا.
الطالب: (... ) أن يكون في الرجال.
الشيخ: ذكرًا مسلمًا عدلًا ولو ظاهرًا.
الطالب: أن يؤذن للصلوات الخمس.
الشيخ: لا.
طالب: مسلم، مُكلَّف، اللي هو عاقل بالغ.
الشيخ: اصبر، يشترط أن يكون بالغًا.
الطالب: لا، مميز يصح (... ).
الشيخ: نعم.
الطالب: مسلم عاقل ذكر حُرٍّ، واحد، عالِمًا بالوقت.
الشيخ: لا.
الطالب: أمينًا.
الشيخ: أمينًا.
طالب: صيِّتًا.
الشيخ: ما هو شرط.
طالب: عدل يا شيخ.
طالب آخر: عالم بالأذان الوارد.
الشيخ: عالم بالأذان الوارد، ما يغني عنه أن يكون الأذان على صفة الوارد؟
الطالب: لا، على الوجه الوارد.
الشيخ: نشوف الآن؛ مسلم، ذكر، عدل، مميِّز، عاقل، واحد، ستة شروط.
طالب: أمينًا.
الشيخ: أمينًا، على القول الراجح، المؤلف ما يشترط أن يكون أمينًا.
المؤلف يقول: (يُسنُّ لسامعِه متابعته سرًّا).
(لسامعه) يشمل الأنثى؟
طالب: نعم.
الشيخ: يشمل الأنثى، هل يشمل من كان في صلاة؟
الطالب: لا يشمل.
الشيخ: لا يشمل، هل يشمل من كان يقرأ القرآن؟
الطالب: يشمل.
الشيخ: يشمله؟
الطالب: نعم.
الشيخ: طيب هل يشمل من سمع النداء مرة ثانية؟
الطالب: لا.
الشيخ: ما يشمل؟
الطالب: نعم، يشمل (... ).
الشيخ: يشمله؟
الطالب: نعم.
الشيخ: هل يشمل مَنْ هو على قضاء حاجته؟
الطالب: يشمله عام كلام المؤلف عام.
الشيخ: إي يشمله؛ إذن إذا أخذنا بعمومه، حل كلام العلماء نأخذه بعمومه، يشمل الأنثى والصغير، ومن لا يجب عليه حضور الجماعة، ومن كان قد صلَّى، ومن سمعه ثانية، ومن كان يُصلِّي، ومن كان على قضاء حاجته، ومن كان يأكل، ومن كان يشرب، ومن كان يتلو قرآنًا أو يراجِع، المهم أنه عام في كل الأحوال، كذا ولَّا لا؟
بقينا إذا كان على قضاء حاجته، قال أهل العلم: إنه يستثنى من ذلك؛ لأن هذا المقام ليس مقام ذكر، والمصلي قالوا: يستثنى من ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» (10)، وهو مشغول بأذكار الصلاة.
وقال شيخ الإسلام: بل يجيب الْمُصلِّي المؤذن؛ يجيب المؤذن للعموم؛ ولأنه ذِكْر وُجِد سببه في الصلاة، فكان مشروعًا، كما لو عطس المصلي فإنه يحمد الله.
لكن قد يُقال: إن بين حمد الله عند العطاس وبين إجابة المؤذن فرقًا، ما هو الفرق؟
طلبة: الطول.
الشيخ: إي نعم، الطول وإشغال المصلي أكثر؛ لأن المصلي إذا كان سيتابع سوف يجعل باله إلى المؤذن، فينشغل انشغالًا كثيرًا في الصلاة، وربما يكون في أثناء قراءة الفاتحة فيخل فيها بالموالاة لغير سبب مشروع؛ فالراحج أن يُقال: إن المصلي لا يُجيب المؤذن أيضًا، والذي على حاجته لا يجيب المؤذن، ولكن هل يقضيانه أم لا؟
المشهور من المذهب أنهما يقضيانه؛ لأن السبب وُجد، لكن وجد المانع فمنع، فإذا زال المانع ارتفع.
ننتقل إلى شروط الصلاة.
طالب: الراجح (... ).
الشيخ: الراجح أنه إذا قضى فلا حرج.
طالب: (... ) وبيقرأ قرآنًا مثلًا، لازم يتابع (... )؟
الشيخ: إي؛ يعني يقطع القرآن من أجل المتابعة.
طالب: (... ) يسمع المؤذن هذا، ويسمع المؤذن هذا (... )؟
الشيخ: لا، يبدأ بالأول، يتابع الأول، أول من يسمع.
الطالب: هو يتابع من نفسه وبعدين؟
الشيخ: كيف يتابع من نفسه؟
الطالب: يتابع نفسه؛ لأنه ما يسمع خلاص تعداه بالسيارة ماشي (... ).
الشيخ: إذا تعداه ينتقل للثاني.
الطالب: كيف؟
الشيخ: كل ما بيروح بيتعداهم كلهم.
على كل حال ما دام يسمع يتبع، وإذا لم يسمع سقط عنه.
لو قال قائل: أيهما أفضل الأذان أو القرآن؟
قلنا: لا شك أن القرآن أفضل، ولكن كل ذكر في موضعه يكون فعله أفضل من فعل الذكر الآخر، ما هو من الذكر الآخر، لاحظوا التعبير، ما نقول الأذان أفضل من القرآن، نقول: إجابة المؤذن أفضل من قراءة القرآن، إحنا بنقابل فعلًا بفعل، ولا مفعولًا بمفعول؟
الطلبة: فعل بفعل.
الشيخ: فعل بفعل، فنقول: إجابة المؤذن وقت الأذان أفضل من قراءة القرآن؛ لأن هذا وُجِد سببه، وقراءة القرآن ليست مؤقتة، إذا انتهى الإنسان من إجابة المؤذن؛ فإنه يعود فيقرأ القرآن.
[باب شروط الصلاة]
ثم قال المؤلف: (باب شروط الصلاة)، الشروط جمع (شرط)؛ وهو في اللغة: العلامة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: 18].
وأما في الاصطلاح عند الأصوليين فيقولون: إن الشرط ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده الوجود.
نقول: (ما يلزم) (ما) نافية، ولَّا بمعنى (الذي)؟
طلبة: (... ).
الشيخ: بمعنى (الذي)؛ يعني الذي يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده الوجود، هذا الشرط كالوضوء للصلاة مثلًا؛ يلزم من عدمه عدم صحة الصلاة؛ لأنه شرط لصحة الصلاة، ولا يلزم من وجوده وجود الصلاة، لو توضّأ الإنسان ما هو لازم يصلي، لكن لو لم يتوضأ وصلَّى لم تصح؛ عُدِمَت الصحة، فهو الذي يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده الوجود.
وقوله: (شروط الصلاة)، الإضافة هنا على تقدير (في)؛ يعني الشروط في الصلاة، ويجوز أن تكون على تقدير (اللام)، يعني الشروط للصلاة؛ وذلك لأن الإضافة تارة تكون على تقدير (في)، وتارة تكون على تقدير (مِن)، وتارة تكون على تقدير (اللام)، والأكثر على تقدير (اللام)، وقد تكون على تقدير (من) متى؟ إذا كان الثاني جنسًا للأول، مثل: خاتم حديد؛ أي؟
طلبة: من حديد.
الشيخ: باب ساجٍ، على تقدير (مِن)، وتكون على تقدير (في) إذا كان الثاني ظرفًا للأول؛ كقوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: 33]، أي؟
طلبة: في الليل.
الشيخ: في الليل، وما عدا ذلك تكون على تقدير (اللام).
هنا (شروط الصلاة)، هل معنى شروط في الصلاة يعني شروط المعتبرة فيها أو شروط للصلاة؛ أي لصحتها؟ نقول: يجوز الوجهان.
وقبل أن ندخل الشروط اعترض بعض الناس على الفقهاء في كونهم يقولون: شروط، وأركان، وواجبات، وفروض، ومفسدات، وموانع، وما أشبه ذلك، وقالوا في اعتراضهم: أين الدليل من الكتاب والسنة على هذه الشروط؟ هل الرسول صلى الله عليه وسلم قال: إن شروط الصلاة كذا، إن أركانها كذا، إن واجباتها كذا، إن مفسداتها كذا؟ فإن قلتم: نعم، قال: فأرونا إياها، وإن قلتم: لا، فلماذا تُحْدِثون ما لم يفعله الرسول عليه الصلاة والسلام؟
والجواب على هذا أن يقال: إن مثل هذا الإيراد دليل على قلة فهم مُورِده، وأنه لا يُفرِّق بين الغاية والوسيلة؛ فالعلماء لما جاؤوا بالشروط والأركان والواجبات والموانع والمفسدات، وما أشبهها ما أتوا بشيء زائد على الشرع؛ غاية ما هنالك أنهم صنفوا ما دل عليه الشرع؛ ليكون ذلك أقرب إلى حصر العلوم وجمعها، وبالتالي إلى فهمها.
فهم يصنعون هذا لا تعبدًا بذلك ولا زيادةً على شريعة الله، وإنما تقريبًا للشريعة، والوسائل لها أحكام المقاصد، كما أن المسلمين ما زالوا -وإلى الآن- يبنون المدارس، ويؤلِّفون الكتب وينسخونها، وحدث في الأزمنة الأخيرة مطابع تَطبع.
لو قال قائل: ليش تدخل كتابك المطبعة؟ الناس يكتبون بأيديهم في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ليش تكتب أنت بالمطبعة؟ ليش إذا أعطاك واحد كتاب تبغي تنقله تروح تعطيه للمصور يصوره؟ لماذا لا تكتبه أنت؟ هذا النقل اللي كان معروف عند السلف؟ ماذا نقول؟
نقول -كما قلنا قبل-: هذه وسائل يسَّرها الله -عز وجل- للعباد لتقرب إليهم العلوم، والعلماء -والحمد لله- ما زادوا على شريعة الله، ولا نقصوا منها، وغاية ما يكون أنهم بَوَّبوها؛ فمثلًا إذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ» (11)، كل يفهم الآن أنه إذا صلَّى بغير طهور فصلاته؟
الطلبة: باطلة.
الشيخ: باطلة؛ إذن الطهور شرط لصحة الصلاة، لا فرق بين أن أقول: يشترط لصحة الصلاة أن يتطهر الإنسان، فإن لم يتطهَّر فلا صلاة له، أليس كذلك؟
الطلبة: بلا.
الشيخ: ما زدنا الآن.
صلَّى إنسان في المقبرة، قلنا: صلاتك فاسدة؛ من مبطلات الصلاة أن يصليها الإنسان في المقبرة، الرسول قال كذا، قال: من مبطلات الصلاة أن يصليها الإنسان في المقبرة؟ ما قاله، لكن قال: «الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ» (12)؛ إذن نعرف لو صلَّى الإنسان في المقبرة؟
طالب: صلاته باطلة.
الشيخ: صلاته باطلة، وحينئذٍ نقول: لا اعتراض على صنيع الفقهاء -رحمهم الله- في هذا، بل هذا من الصنع الذي يُشكرون عليه؛ لما فيه من تقريب شريعة الله لعباد الله.
شروط الصلاة يقول المؤلف: (شروطها قبلها)؛ يعني شروطها ما يجب قبلها، ولا تصح إلا به.
الأركان توافق الشروط في أن الصلاة لا تصح إلا بها، لكن تخالفها في أن الشروط قبلها، هذا واحد، وثانيًا: أن الشروط مستمرة من قبل الدخول إلى آخر الصلاة، والأركان، ينتقل من ركن إلى ركن؛ القيام الركوع الرفع منه، السجود الجلوس، وهكذا؛ فهذا هو الفرق.
ثالثًا -الفرق الثالث-: الأركان تتركب منها ماهية الصلاة بخلاف الشروط، فستر العورة مثلًا بالثوب، الثوب ما تتركب منه ماهية الصلاة، لكن لا بد في الصلاة منه؛ فهذه فروق كم؟
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة بين الشروط والأركان، تتفق في أيش؟ في أن الصلاة لا تصح إلا بها، وتختلف في هذه الأمور الثلاثة.
قال: (شروطها قبلها منها الوقت) (مِنْ) هذه للتبعيض؛ وهو يدل -يعني هذا التعبير- على أن هناك شروطًا أُخر، وهو كذلك؛ فمنها الوقت والإسلام شرط ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: العقل، التمييز شرط، هذه ثلاثة شروط، لم يذكرها المؤلف رحمه الله، لماذا؟
لأن هذه الشروط معروفة للناس، كل عبادة ما تصح إلا بإسلام وعقل وتمييز إلا الزكاة؛ فقد سبق أنها تلزم المجنون والصغير على القول الراجح.
منها: الوقت؛ الدليل على اشتراط الوقت؛ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]، الشاهد؟
طلبة: ﴿مَوْقُوتًا﴾.
الشيخ: ﴿مَوْقُوتًا﴾ مؤقتة بوقت.
وأما الأدلة من السنة فكثيرة؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَقْتُ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ مَا لَمْ يَحْضُرْ وَقْتُ الْعَصْرِ» (13)، والأدلة كثيرة شهيرة.
إذن الوقت لا تصِحّ الصلاة قبل الوقت بإجماع المسلمين؛ فإن صلَّى قبل الوقت، فإن كان متعمدًا فصلاته باطلة، ولا يسلم من الإثم، وإن كان غير متعمد لِظنه أن الوقت قد دخل، فليس بآثِم، وصلاته نفل، ولكن عليه الإعادة؛ لأن من شروط الصلاة الوقت.
المؤلف يقول: (منها الوقت)، وهذا التعبير فيه تساهل؛ لأن الوقت ليس بشرط؛ الشرط دخول الوقت؛ لأننا لو قلنا: إن الشرط هو الوقت، لزم ألا تصح قبله ولا بعده، ومعلوم أنها تصح بعد الوقت؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (14)، وثبت عنه أنَّه صَلَّى الفجر بعد طلوع الشَّمس (15).
فإذن يكون تحرير العبارة أن يُقال: (منها دخول الوقت).
قلت أنا: إنها لا تصح قبل الوقت بالإجماع، وهل تصح بعده؟ إن كان الإنسان معذورًا؛ فإنها تصح بالنص والإجماع؛ أما بالنص: فبالقرآن والسنة، وأما الإجماع فمعلوم.
هل في القرآن ما يدل على أن الصلاة تصح بعد الوقت للمعذور؟
طالب: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ [النساء: 103].
طالب آخر: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].
الشيخ: لا، لما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» تلا: «﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾» (16). وتلاوته للآية استشهاد بها، والسنة كما علمتم: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا».
هل تصح بعده مع عدم العذر؟ جمهور أهل العلم على أنها تصح بعده مع الإثم.
والصحيح: أنها لا تصح بعده إذا لم يكن عُذر، وأن من تعمد الصلاة بعد خروج الوقت فإن صلاته لا تصح، لو صلَّى ألف مرة؛ لأن الله حدَّد من كذا إلى كذا، إذا تعمدت أن يكون خارج الوقت هل أتيت بأمر الله؟
لا، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (17)، إذن فتكون الصلاة مردودة.
قد يُشكل على بعض الطلبة يقول: كيف إذا كان معذورًا تلزمونه بأن يصلي بعد الوقت، وإذا تعمد تقولون: لا تصلِّ! ! أيش لونه هذا؟
المتعمد يُلزم بالصلاة من باب أولى، فيقال: إننا لا نقول: إنك لا تقضي بعد الوقت تخفيفًا عليه، ولكن ردًّا لفعله؛ لأنه على غير حدود الله، ونقول: هذا آثِم، والذي صلَّى وهو معذور بعد الوقت غير آثِم، وأما هذا فآثِم.
إذن عليه أن يتوب إلى الله عز وجل، ويصلح العمل.
قال: (و) منها (الطهارة من الحدث)، الطهارة من الحدث أيضًا من شروط الصلاة؛ دليل ذلك من القرآن والسنة؛ من القرآن قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 6].
وجه الدلالة: أن الله أمر بالوضوء من الحدث الأصغر، والغُسل من الجنابة، والتيمم عند العَدَم، وبيَّن أن الحكمة من ذلك التطهير.
إذن الإنسان قبل ذلك غير طاهر، ومن كان غير طاهر فإنه غير لائق أن يكون قائمًا بين يدي الله عز وجل، أما السنة فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» (18)، وهذا نص صريح وقال: «لَا صَلَاةَ بِغَيْرِ طُهُورٍ» (11). هذا الطهارة من الحدث، وأما الطهارة من النجس فسيأتي -إن شاء الله- في كلام المؤلف شرطًا مستقلًّا (... ).
طالب: باب شروط الصلاة شروطها قبلها؛ منها: الوقت، والطهارة من الحدث، والنجس.
فوقت الظهر من الزوال إلى مساواة الشيء فيئه بعد فيء الزوال، وتعجيلها أفضل إلا في شدة الحر، ولو صلى وحده أو مع غيم لمن يصلي جماعة، ويليه وقت العصر إلى مصير الفيء مثليه بعد فئ الزوال والضرورة إلى غروبها، ويُسنُّ تعجيلها، ويليه وقت المغرب إلى مغيب الحمرة، ويُسنُّ تعجيلها إلا ليلة جمع لمن قصدها محرمًا، ويليه وقت العشاء إلى الفجر الثاني وهو البياض المعترض، وتأخيرها إلى ثلث الليل أفضل إن سهل، ويليه وقت الفجر إلى طلوع الشمس وتعجيلها أفضل.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أن شروط الصلاة قبلها؛ منها: الوقت، وقلنا: إن تعبير المؤلف هذا فيه تسامح؟
طالب: إي نعم، فيه تسامح؛ لأن الشرط هو دخول الوقت.
الشيخ: هو دخول الوقت لا الوقت، ما الفرق بين العبارتين؟
طالب: بين الوقت ودخول الوقت؟
الشيخ: نعم.
الطالب: يعني الوقت..
الشيخ: إذا قلنا: من شروطها الوقت، أو من شروطها دخول الوقت.
الطالب: يعني من شروطها الوقت؛ يعني لازم يجي الوقت كله، ثم يصلي.
طالب آخر: نعم، إذا قلنا الوقت فإنه يلزم من قول المؤلف هذا اللفظ..
الشيخ: من قولنا: إذا قلنا الوقت.
الطالب: نعم، اللفظ، لا قبل الوقت ولا بعده، وهي تصح بعد الوقت.
الشيخ: وهي تصح بعد الوقت، وإذا قلنا: دخول الوقت؟
الطالب: صارت تصح.
الشيخ: صارت لا تصح قبله، وتصح فيه وبعده، واضح الفرق؟
طالب: المعنى ما هو واضح.
الشيخ: إذا قلنا: من شرطها الوقت، معناه أنها لا تصح إلا في الوقت، فلا تصح بعده، مع أنها تصح بعده: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (14)، وإذا قلنا: دخول الوقت صارت لا تصح قبله، وتصح فيه وبعده، واضح؟
الدليل على اشتراط الوقت لصحة الصلاة أو دخول الوقت؟
طالب: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103].
الشيخ: نعم، والسنة؟
الطالب: ومن السنة حديث جابر أن جبريل عليه السلام جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في مكة وعلمه المواقيت (... )؛ الظهر والعصر حتى قال: ذلك لليوم القادم وقال: صلاتنا بين هذين الوقتين (19).
الشيخ: أحسنت، وكذلك حديث آخر؟
طالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «وَقْتُ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ» (13).
الشيخ: وذكر بقية الحديث؛ حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
الحكمة من توقيت الصلاة بهذه المواقيت الخمسة؟
طالب: نظرًا لأهميتها وحث المسلم على المحافظة عليها، وبيان أهمية هذه الصلاة وعظمتها، وكونها إذا فعلت بعد الوقت يعني لا تُقبل منه.
الشيخ: هذا أظن ما ذكرناه؟
طلبة: ما ذكرناه.
الشيخ: ما ذكرناه، نذكره الآن إن شاء الله.
طالب: مذكور يا شيخ.
طالب آخر: ما ذُكر.
الشيخ: ما يخالف، دقيقة.
اشترط المؤلف أيضًا الطهارة من الحدث الدليل، ما هو الدليل؟
طالب: على ماذا؟
الشيخ: على اشتراط الطهارة من الحدث؟
الطالب: الدليل قول النبي عليه الصلاة..
الشيخ: من القرآن والسنة؟
الطالب: من القرآن قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4].
الشيخ: لا.
طالب: شيخ، نعم قول الله تعالى..
الشيخ: خلاص.
طالب: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى أن قال: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: 6].
الشيخ: زين قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6] الآية طيب من السنة؟
طالب: من السنة قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» (18).
الشيخ: أحسنت، منها أيضًا: الطهارة من النجاسة، وهذا لم نقرأه.
(الطهارة من النجس) شرط.
طالب: الحكمة (... ).
الشيخ: نذكرها بالمواقيت.
من النجس (الطهارة من النجس) تقدم لنا -في باب إزالة النجاسة- ما هي الأعيان النجسة؟ أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: إذن لا بد أن نستذكر ما مضى في باب إزالة النجاسة لنعرف ما هي الأشياء النجسة.
والطهارة من النجس؛ في الثوب، والبقعة، والبدن، ثلاثة أشياء، الدليل على اشتراط الطهارة من النجاسة في الثوب: ما جاء في أحاديث الحيض؛ أن الرسول صلى الله عليه وسلم سئل عن دم الحيض يصيب الثوب، فأمر أن «تَحُتَّهُ، ثُمَّ تَقْرُصَهُ، ثُمَّ تَنْضَحَهُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ» (20)، وهذا دليل على أنه لا بد من إزالة النجاسة.
ثانيًا: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أتي بصبي لم يأكل الطعام؛ فبال في حجره، فدعا بماءٍ فأتبعه إيَّاه (21). وهذا فعل، والفعل لا يقوى على القول بالوجوب، لكن يؤيده ما جاء في حديث الحيض السابق.
ودليل ثالث: أنَّ الرَّسول صلى الله عليه وسلم صلَّى ذات يوم بنعليه، ثم خلع نعاله، فخلع الصحابةُ نِعالهم، فسألهم حين انصرف من الصَّلاة: لماذا خلعوا نعالهم؟ فقالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالَنا، فقال: «إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا أَذًى أَوْ قَذَرًا» (22)، وهذا يدل على وجوب التخلي من النجاسة حال الصلاة في الثوب.
في البدن: كل أحاديث الاستنجاء والاستجمار تدل على وجوب الطهارة من النجاسة؛ لأن الاستنجاء أو الاستجمار تطهير للمحل الذي أصابته النجاسة، وكذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بغسل المذي يدل على أنه يشترط التخلي من النجاسة.
والدليل الثالث: إخباره عن الرَّجُلين اللذين يُعذَّبان في قبريهما؛ بأن أحدهما كان لا يَسْتَنْزِهُ من البول (23)؛ فهذه أدلة على وجوب اجتناب النجاسة في البدن.
في المكان: قال الله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: 125]، هذا دليل.
ولما بال الأعرابيُّ في طائفة المسجد؛ أمرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بماذا؟ بذَنُوبٍ من ماء فأُريق عليه (24).
إذن فلا بد من اجتناب النجاسة في هذه المواطن الثلاثة، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- الكلام على اجتناب النجاسة مفصلًا في كلام المؤلف.
الطهارة من الحدث، والطهارة من النجس.
باب مواقيت الصلاة
ثم شرع المؤلف -رحمه الله- في بيان أوقات الصلاة تفصيلًا، فقال: (فوقت الظهر من الزوال)، بدأ بها المؤلف؛ لأن جبريل بدأ بها حين أم النبي صلى الله عليه وسلم، وبعض العلماء يبدأ بالفجر؛ لأنها أول صلاة النهار؛ ولأنها هي التي يتحقق بالبداءة بها أن تكون صلاة العصر الوسطى، والخطب في هذا سهل؛ يعني سواء بدأنا بالظهر أو بدأنا بالفجر، المهم أن نعرف الأوقات، قال: (فوقت الظهر من الزوال إلى مساواة الشيء فيئه) أي: ظله (بعد فيء الزوال).
يقول بعض أهل اللغة: الفيء هو الظل بعد الزوال، وأما قبله فيُسمَّى ظِلًّا، ولا يسمى فيئًا، وما قالوه له وجه؛ لأن الفيء مأخوذ من فاء يفيء، كأن الظل رجع بعد أن كان ضياء، أما الذي لم يزل موجودًا فلا يسمى فيئًا؛ لأنه لم يزل مظلمًا؛ فمثلًا في هذا الوقت نجد أن الجهة الجنوبية مما له جسم وهي الشمالية في الواقع؛ جهة الشمال عنه، نجدها دائمًا ظلالًا، أليس كذلك؟ هذا لا يسمى فيئًا، لكن إذا وجدنا أن الشمس أضاءت على هذا المكان، ثم بعد زوالها صار الظل نسمي هذا فيئًا.
إذن (مساواة الشيء فيئه بعد فيء الزوال)، وذلك أن الشمس إذا طلعت صار للشاخِص ظِلّ نحو المغرب أو لا؟ الشاخص الشيء المرتفع ظل نحو المغرب، ثم لا يزال هذا الظل ينقص بقدر ارتفاع الشمس في الأفق حتى يتوقف عن النقص، فإذا توقف عن النقص، ثم زاد بعد توقف النقص ولو شعرة واحدة فهذا هو الزوال؛ يعني فإذا أردت أن تعرف الزوال فضع شيئًا شاخصًا، ثم راقِبه تجده كلما ارتفعت الشمس نقص، فما دام ينقص فالشمس لم تزُل، فإذا زاد أدنى زيادة فقد زالت الشمس، وحينئذٍ يكون وقت الظهر قد دخل.
يقول المؤلف: (بعد فيء الزوال)؛ يعني: أن الظل الذي زالت عليه الشمس لا يُحسب، ففي وقتنا الآن حين كانت الشمس تميل إلى الجنوب لا بد أن يكون هناك ظل دائم لكل شاخِص من الناحية الشمالية له، هذا الظل لا تعتبره، شوف نقص الظل، فإذا بدأ يزيد فضع علامةً على ابتدأ زيادته، ثم إذا امتد الظل من هذه العلامة بقدر طول الشاخص، فقد خرج وقت الظهر، ودخل وقت العصر، ولا فرق بين كون الشاخص طويلًا أو قصيرًا، لكن تبيُّن الزيادة في الظل والنقص فيما إذا كان طويلًا أظهر؛ يعني يبين أكثر إذا كان طويلًا عرفنا الآن، ولَّا لا؟
كيف عرفنا؟ قلنا: ضع شاخصًا؛ يعني عصا، إذا وضعته فإنه يكون له ظل، هذا الظل كلما ارتفعت الشمس نقص، ما دام ينقص فالشمس لم تزُل، فإذا زاد أدنى زيادة فقد زالت الشمس حينئذٍ يدخل وقت الظهر، إلى متى؟
قلنا: ضع علامة على ابتداء الزيادة، ثم راقِب الظل، إذا بلغ إلى حد يساوي هذا الشاخص من العلامة فقد خرج وقت الظهر، ودخل وقت العصر.
أما علامة الزوال بالساعة فاقسم ما بين طلوع الشمس إلى غروبها نصفين، اقسمه نصفين، وهذا هو الزوال، فإذا قدَّرنا أن الشمس تطلع في الساعة السادسة، وتغِيب في الساعة السادسة، فالزوال؟
طلبة: الثانية عشرة.
الشيخ: الثانية عشرة، وإذا كانت تخرج في الساعة السابعة، وتغيب في الساعة السابعة؟
طلبة: الساعة واحدة.
طلبة آخرون: عشرة ونصف.
الشيخ: الساعة واحدة.
طالب: عشرة ونصف يا شيخ؛ لأن هذا نصف الوقت.
طلبة: واحدة.
الشيخ: اصبر (... )، الساعة السابعة، كم باقي معنا؟
طلبة: خمس.
الشيخ: خمس ساعات، وسبع؟
طالب: اثنتا عشرة.
الشيخ: اثنتا عشرة أو لا؟ أضف ست إلى سبع، ثلاث عشرة كم هذه الثلاث عشرة.
الطلبة: واحدة.
الشيخ: واحدة إي نعم، هذه العلامة بالساعة، لكن العلامة بالشمس هو ما ذكر.
نذكر -إن شاء الله- الدليل في الآخر.
قال: (وتعجيلها أفضل)، تعجيل صلاة الظهر أفضل؛ لأنه أولًا: لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: 148]؛ يعني: اسبقوا إليها، ولا شك أن الصلاة من الخيرات، فالاستباق إليها معناه المبادرة؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم حث على البداءة بالصلاة من حين الوقت؛ فسأله ابن مسعود: أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا» (25). هي أحب الأعمال إلى الله، وإن كان بعض العلماء يقول: على وقتها؛ يعني: المقدَّر شرعًا، ونحن نقول: حتى على هذا القول، فإن التعجيل بالصلاة أفضل.
ثانيًا: نقول هذا أسرع في إبراء الذمة؛ لأن الإنسان لا يدري ما يعرض له، قد يكون في أول الوقت نشيطًا قادرًا تسهل عليه العبادة، ثم يمرض، وتصعب عليه الصلاة، وربما يموت، فهذا أسرع في إبراء الذمة، وما كان أسرع في إبراء الذمة؛ فهو أولى، فيكون تعجيلها أفضل دل عليه الدليل الأثري والنظري.
قال: (إلا في شدة حر)، ففي شدة الحر الأفضل تأخيرها لثبوت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» (26)، فالأفضل تأخيرها؛ ولأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان في غزوة فأراد المؤذِّنُ أن يؤذِّنَ، فقال: «أَبْرِدْ».
ثم أراد أن يؤذِّنَ، فقال: «أَبْرِدْ»، ثم أراد أن يؤذِّنَ، فقال: «أَبْرِدْ»، ثم أراد أن يؤذِّنَ فَأَذِن له لَمَّا ساوى التل ظِلَّه أذِن له؛ (27) يعني: قرب صلاة العصر؛ لأنه إذا ساوى ظله؛ ما بقي يسقط من هذا الظل إلا فيء الزوال، وفيء الزوال في أيام الصيف وشدة الحر طويل ولا قصير؟
طلبة: قصير.
الشيخ: قصير جدًّا، ويش ما أدري والله عند بعضكم ما تعرفون هذا الشيء؟
طالب: ما نعرف.
الشيخ: فيء الزوال، أنا قلت لكم: إنه لا بد يكون ظِلّ من الجهة الشمالية للشاخص؛ لأن الشمس جنوب، إذا كانت جنوبًا لازم يكون هناك ظل حتى لو ما زالت الشمس؛ لأنها تمشي من وراء مثلًا أنا الآن الجنوب خلف ظهري تمشي من ورائي، لا بد أن يكون ظل بين يدي، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: هذا يُسمى فيء الزوال، هذا ما يعتبر شيئًا؛ فقوله في الحديث الذي رواه البخاري: «حَتَّى سَاوَى التَّلُّ ظِلَّهُ» (28)؛ يعني معناه أن فيء الزوال ما حُسِب؛ لأنه لو حُسب فيء الزوال كان يخرج وقت الظهر.
على كل حال أمره أن يُبْرِد حتى صار الظل بقدر الشاخص، لكن مضافًا إليه فيء الزوال، ثم صلَّى فينبغي في شدة الحر الإبراد إلى هذا الوقت؛ يعني: إلى قُرْب صلاة العصر.
وقال بعض العلماء: بل حتى يكون للشواخِص ظل يُستظل به، ولكن هذا ليس بمنضبط؛ لأنه إذا كان البناء عاليًا وجد الظل الذي يستظل به قريبًا، وإذا كان نازلًا فإنه بالعكس متى يكون للناس ظل يمشون فيه؟ !
على كل حال، أصح شيء أن نقول: أن يكون ظل الشيء مثله، لكن مضافًا إليه فيء الزوال؛ يعني: أنه قرب صلاة العصر، وهذا هو الذي يحصل به الإبراد، أما ما كان الناس يعتادونه من قبل، بعد زوال الشمس بنحو نصف ساعة وبعضهم بنحو ساعة، ثم يقول: هذا إبراد.
نقول: هذا ليس إبرادًا، هذا؟
طلبة: شدة الحر.
الشيخ: إي نعم، هذا إحرار، ليش؟ لأنه معروف أن الحر أشد ما يكون بعد الزوال بنحو؟
طلبة: ساعة.
الشيخ: بنحو ساعة، هذا أشد ما يكون، حر الجو ما هو حرّ الشمس، فإذن نقول: هذا ليس بإبراد، فإذا قدَّرنا مثلًا أن الشمس في أيام الصيف تزول على اثنتي عشرة، وأن العصر على أربعة ونصف تقريبًا أظن، ولنفرض هذا ما يخالف فرضًا، يكون الإبراد إلى متى؟
طلبة: إلى أربعة.
الشيخ: إلى أربعة تقريبًا، أربع ساعات ما هو ساعتين، ما هو ساعة ونصف ساعة.
يقول: (إلا في شدة الحر) قال: (ولو صلَّى وحده)، (لو): إشارة خلاف؛ لأن بعض العلماء يقول: إن الإبراد إنما هو لمن يصلي جماعة، وزاد بعضهم: إذا كان منزله بعيدًا بحيث يتضرر بالذهاب إلى الصلاة.
أفهمتم الآن؟
فيه قيدان؛ بعضهم يقول: الإبراد لمن يصلي جماعة مطلقًا، بعضهم يقول: لمن يصلي جماعة إذا كان منزله بعيدًا؛ يعني إذا كانت المنازل بعيدة عن المسجد، وكل هذا قيد لما أطلقه الشارع، النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ»، والخطاب للجميع، وليس من حقنا أن نُقيِّد ما أطلقه الشارع، ولم يُعلِّل الرسول عليه الصلاة والسلام ذلك بأنه لمشقة الذهاب إلى الصلاة قال: «شِدَّةُ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» (26)، وهذا يحصل لمن يصلي جماعة، ولمن يصلي وحده، وهل يدخل في ذلك النساء؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، يدخل في ذلك النساء؛ فإنه يُسنُّ لهن الإبراد في صلاة الظهر في شدة الحر.
يقول: (أو مع غيم لمن يصلي جماعةً)، هل قوله: (أو مع غيم) داخل تحت قوله: (لو)؟ أو هي مسألة مستقلة؟
طلبة: مسألة مستقلة.
الشيخ: هذه مسألة مستقلة؛ لأن الغالب أن الغيوم تأتي في أيام الشتاء ما هي بشديدة الحر، وحينئذٍ فلا تكون داخلة تحت قوله: (لو)؛ يعني إلا في شدة الحر، وإلا مع غيم لمن يصلي جماعة، فالأفضل التأخير، فإذا كان غيم فإنه يُسنُّ تأخيرها لمن يُصلِّي جماعة في المسجد، لماذا؟
قالوا: من أجل أن يخرج الناس إلى صلاة الظهر والعصر خروجًا واحدًا؛ لأن الغالب إذا كان غيم أن يحصل مطر، وإذا كان كذلك فلا ينبغي أن نشق على الناس، بل ننتظر، فإذا قارَب العصر بحيث يخرج الناس من بيوتهم إلى المساجد خروجًا واحدًا لصلاة الظهر والعصر فإننا نُؤخِّرها، هذا ما ذهب إليه المؤلف، والعِلَّة فيه كما سمعتم.
ولكن هذه العِلَّة عليلة من وجهين:
الوجه الأول: أنها مُخالفة لعموم الأدلة الدالة على فضيلة أول الوقت.
الشيء الثاني: أنه قد يحصل الغيم، ولا يحصل المطر، وهذا كثير، تحصل غيوم عظيمة ويتلبد الجو بالغمام، ومع ذلك لا تمطر، أليس هكذا؟
طلبة: بلى.
الشيخ: وإذا كان الأمر كذلك فنقول: مع الغيم لو قدرنا في شدة الحر يمكن نقول: لا تبردوا؛ لأن الغيم يمنع حرارة الشمس؛ فإذن هي عليلة من جهة مخالفتها لعموم الأدلة الدالة على فضيلة أول الوقت.
وثانيًا: أنها تتخلَّف كثيرًا، وليس هذا أمرًا مُسلَّمًا كُلَّما جاء الغيم جاء المطر، إذن فالصواب: عدم استثناء هذه الصورة، وأن صلاة الظهر يسن تقديمها إلا في شدة الحر فقط، وما عدا ذلك فالأفضل أن تكون في أول الوقت.
قال: (ويليه وقت العصر)، (يليه) يلي وقت الظهر وقت العصر، واستفدنا من قول المؤلف: (يليه) أنه لا فاصل بين الوقتين، كذا؟
طلبة: نعم.