الشيخ: إي نعم، يعني القياس الصحيح، أو المعنى الذي يوجب ذلك الحكم، بل أقول: إن الكافر يحاسب على كل نعمة أنعمها الله عليه، حتى النعم يحاسب عليها يوم القيامة، يعني: ليس على ترك الواجبات فقط، بل على استهلاك النعم والاستمتاع بالنعم يحاسب عليها.
ودليل ذلك من الأثر أيضًا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ إلى آخره [المائدة: 93]، ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ والذين لم يؤمنوا ولم يعملوا الصالحات؟
طلبة: عليهم جناح.
الشيخ: عليهم جناح بالمفهوم، وهذا ليس مفهوم لقب، بل مفهوم وصف ومعنى، وهو الإيمان والعمل.
مفهوم اللقب: هو الذي يرتب الحكم فيه على أمر لا يظهر فيه أنه قصد المعنى، وقد اختلف العلماء في كونه حجة، أما هذا فهو مفهوم وصف ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: 32]، فهي حلال للمؤمنين في الدنيا، ويوم القيامة لا يحاسبون عليها، أما هؤلاء فهي حرام عليهم ويحاسبون عليها.
فإن قلت: إذا قلت: إنها حرام عليهم، فلماذا لا تمنعهم من الأكل والشرب؟ لأنه حرام، كيف نوكلهم من الحرام؟ فالجواب على ذلك: أن الله سبحانه وتعالى يرزق العباد الحلال والحرام، أليس كذلك؟ لأن الله عز وجل تكفل بالرزق، ﴿وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: 6].
فإن أكتسب الإنسان هذا الرزق من طريق حلال برئ من عهدته، وإلا فلا نقول: لا تأكل، نقول: كل، ولكن يترتب عليك من الإثم ما يترتب على فاعل المحرم، إذن صار الكافر في الدنيا أشد مسؤولية من المؤمن؛ لأن الكافر يحاسب على الأكل والشرب واللباس، وكل نعمة.
أما النظر الذي يدل على أن الكافر يعذب في الآخرة على ما استمتع به من نعم الله فلأن العقل يقتضي أن من أحسن إليك فإنك تقابله بالامتثال والطاعة إذا أمرك، ويرى العقل أن من أقبح القبائح أن تنابذ من أحسن إليك بالاستكبار عن طاعته وتكذيب خبره، ولهذا قال الله عز وجل في الحديث القدسي: «كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ» (4)، ابن آدم شوف من هو ابن آدم؟ الكافر هو الذي كذب الله وشتمه «وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ»، ليس من حقه أن يكذب الله وأن يشتم الله، فإذا لم يكن ذلك حقًّا له دل على أن عمله من أقبح القبائح أن يستمتع بنعم الله عز وجل، ثم مع ذلك ينكر هذا الفضل بالاستكبار عن الطاعة، وتكذيب الخبر.
يقول المؤلف: (مكلف)، التكليف في اللغة: إلزام ما فيه مشقة، ولكن في الشرع ليس كذلك؛ لأن الشرع ما فيه مشقة إطلاقًا ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].
ولكنه في الشرع: إلزام مقتضى خطاب الشرع، هذا التكليف أن تلزمه بمقتضى خطاب الشرع، سواء حصل عليه بمشقة أم لم يحصل، بل إنه إذا كانت فيه مشقة فالشرع لا يلزمه بذلك.
والتكليف يتضمن وصفين هما: البلوغ والعقل، إذن معنى مكلف: بالغ عاقل، فغير البالغ لا تلزمه الصلاة بالدليل الأثري والنظري، وكذلك غير العاقل.
أما الأثري فقوله صلى الله عليه وسلم: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَبْلُغَ» (5).
وأما النظر فلأنهما -أي الصغير والمجنون- ليسا أهلًا للتكليف؛ إذ إن قصدهما مهما كان فهو قاصر، ولهذا يختلف غير المكلف عن المكلف في بعض الأمور؛ أبيح للصبي من اللعب واللهو ما لم يبح لغيره، كذلك الصبي وسّع له في الواجبات ما لم يوسع لغيره، حتى إن الشيء الذي يكون جريمة كبرى في البالغ لا يكون جريمة في الصغير؛ لو زنى أو سرق تقطع يده ولَّا لا؟ ما تقطع يده؛ لأنه غير مكلف، فنظره قاصر، وقصده كذلك قاصر، بهذا سقطت عنه الواجبات، والمجنون من باب أولى، المجنون البالغ ما رأيكم فيه؟
طلبة: غير مكلف.
الشيخ: غير مكلف، إي نعم، غير مكلف.
قال المؤلف: (إلا حائضًا ونفساء).
فإن قلت: إذا لم يجب على الصبي صلاة؛ أفليس النبي صلى الله عليه وسلم قد أوجب على الإنسان أن يأمر ابنه أو ابنته بالصلاة لسبع، ويضربه عليها لعشر (6)؟ وهل يضرب الإنسان على شيء لا يجب عليه؟
الجواب على ذلك أن نقول: أما بالنسبة لإلزام الوالد بأمر أولاده وضربهم؛ فلأن هذا من تمام الرعاية والقيام بالمسؤولية التي حُمِّلها، والأب أهل للمسؤولية ولَّا لا؟ أهل للمسؤولية، فيلزمه أن يأمرهم بالصلاة لسبع ويضربهم عليها لعشر؛ لأن ذلك من تمام التأديب، والقيام بالمسؤولية، لا؛ لأن الصبي تجب عليه الصلاة، لو كان الصبي له ست سنوات؛ ذكي جيد يأمره ولَّا لا؟
طلبة: يأمره.
طلبة آخرون: لا.
الشيخ: لا، ظاهر الحديث أنه لا؛ لأن الشارع حدها بالسبع؛ لأن السبع في الغالب يكون بها التمييز.
فإن قلنا بأن التمييز ليس مخصوصًا أو ليس مقدَّرًا بسنّ، وإنما هو بالمعنى، وأن التمييز هو: أن يفهم الخطاب، ويرد الجواب، كما يدل عليه الاشتقاق، فهل نجعل الحكم منوطًا به أو لا؟ هذا محل نظر، قد يقال: إننا نجعل الحكم منوطًا بالتمييز، وقد يقال: نجعله بالسبع، والشارع أحكم منا، فربما يكون قبل السبع لا يتحمل أن يؤمر، وإن كان ذكيًّا.
إذا كان له تسع سنوات وترك الصلاة نضربه؟ ما نضربه أبدًا، الرسول عليه الصلاة والسلام أحكم منا، يقول: «اضْرِبُوهُمْ لِعَشْرٍ» (6)، وعلى هذا ربما أضرب ابني على الصلاة في يوم الإثنين ولا أضربه في يوم الأحد، صح؟
طلبة: (... ).
الشيخ: نقول: تم العشر، آخر يوم الإثنين تم العشر، قد يحتج علي يقول: أمس ما ضربتني، لو علمت (... ) ما تركت الصلاة، نقول: نبدأ من اليوم وتزول الحجة، حتى غير الوالد كل من كان مسؤولًا عن هذا الصبي فإنه يخاطب بما يخاطب به الوالد، لا مع الوجوب للوالد، اللهم إلا أن يضيع الأمانة، فيكون غير أهل، ولهذا لو أن الوالد لم يزوج ابنته انتقلت الولاية إلى الولي الذي بعده.
يقول: (إلا حائضًا ونفساء) يعني: لا تجب عليهما الصلاة.
طلبة: (... ).
الشيخ: عندي أنا (إلا)، هي (لا حائضًا) إن كانت عندكم هكذا.
طالب: (إلا) يا شيخ.
الشيخ: أما (إلا حائضًا ونفساء) فلا إشكال فيها؛ لأنه استثناء من كلام تام موجب، فيجب النصب، أما على: (لا حائضًا ونفساء) إن كانت النسخة صحيحة فإنها على تقدير فعل، أي: لا تلزم حائضًا ونفساء، فالمعنى إذن واحد، وعلى كلٍّ فالحائض والنفساء لا تلزمهما الصلاة بالدليل الأثري والإجماعي، وكلها دليل نظري.
دليل أثري أو دليل سمعي قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحائض: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ» (7). والنفساء كالحائض في ذلك بالإجماع، والعلماء أيضًا مجمعون على أن الحائض والنفساء لا تلزمهما الصلاة، ولا يلزمهما أيضًا قضاء الصلاة، ما هو إعادة، قضاء الصلاة.
ثم قال: (ويقضي من زال عقله بنوم) بالنص والإجماع، وهنا (... ) تساهل؛ لأن النائم ليس زائل العقل لكنه مغطى عقله، وفاقد لإحساسه الظاهري.
على كل حال المعنى أن النائم يقضي الصلاة بالنص والإجماع.
أما النص فهو قولي وفعلي، فالقولي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (8)، إذا ذكرها في النسيان وإذا استيقظ في النوم.
وأما الفعلي فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى صلاة الفجر حين نام عنها في السفر (9)، إذن يقضي من زال عقله بنوم، ولأننا لو قلنا –أيضًا دليل نظري- لو قلنا بعدم قضائها مع كثرة النوم لسقط منها كثير، ولكان ذلك مدعاة للتساهل بها في النوم عنها؛ لأنه إذا علم أنه ما هو بقاضيها ذهب ينام قبل صلاة الفجر بقليل ولا يقوم إلا بعد صلاة العشاء، أيش يسقط عنه؟
طلبة: خمس صلوات.
الشيخ: خمس صلوات، لكنه يقضي بالإجماع، كذلك من زال عقله بإغماء.
الإغماء هذا هو التطبيق على العقل، يطبق عليه فلا يكون عنده إحساس إطلاقًا، لو أيقظته مثلًا لم يستيقظ، فهو عبارة عن جثة فقط، فإذا أغمي عليه وقتًا أو وقتين وجب عليه قضاؤهما، لورود ذلك عن بعض الصحابة رضي الله عنهم؛ كعمار بن ياسر (10)، وقياسًا على النوم، أعرفتم؟ وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد بن حنبل.
وذهب مالك والشافعي، بل والأئمة الثلاثة، إلى عدم وجوب القضاء على المغمى عليه، لكنّ أبا حنيفة رحمه الله يقول: إذا كان خمس صلوات فأقل فإنه يقضي؛ لأنها سهلة ويسيرة، أما إذا زادت على الخمس فلا يقضي.
وكلام أبي حنيفة مبني على شيء من العقل والرأي؛ أقول: أبو حنيفة رحمه الله في قوله شيء من الرأي، فأخذ بعلة من علل بالقضاء، وأخذ بسقوط الأمر بالمشقة، فقال: إذا أغمي عليه لأقل من خمس صلوات ولَّا خمس صلوات فأقل يقضي، وما زاد لا يقضي، ولكن لا شك أن مثل هذا التقدير الدقيق يحتاج إلى دليل؛ لأن كل أحد يقدر مثل هذا التقدير، يقال له: هات الدليل، وإلا فإن تقديرك تحكم؛ فالإنسان الذي لا يشق عليه خمس صلوات لا يشق عليه ست صلوات، ليس إلا زاد فرضًا واحدًا، فيقال: ما هو الدليل على أنك تجعل هذا هو الحد، إذا لم تأتِ بدليل يدل على ذلك كان قولك مجرد تحكم ولا يُقبل.
إذن المقارنة الآن بين قول من يقول: يقضي مطلقًا أو لا يقضي مطلقًا، فإذا نظرنا إلى التعليل وجدنا أن الراجح قول من يقول: لا يقضي مطلقًا؛ لأن قياسه على النائم ليس بصحيح، النائم يستطيع أن يوقظ، أو يستيقظ إذا أوقظ، أليس كذلك؟ نعم.
أيضًا النوم كثير ومعتاد، فلو قلنا: إنه لا يقضي؛ سقط عنه كثير من الصلوات والفروض، لكن الإغماء متى يحصل؟ قد يمضي على الإنسان كل دهره ولا يغمى عليه مرة واحدة، وقد يسقط مثلًا من شاهق ويغمى عليه، وقد يصاب بمرض فيكثر عليه الإغماء، أليس كذلك؟
لكن على كل تقدير فإنه لا يمكن أن نقيس هذه الغيبوبة التي تعتبر تامة على النوم، النائم لو تأتي بالسكين تبغي تقطعه وتحزه؟
طلبة: يشعر.
الشيخ: صح، لكن المغمى عليه لو تقطعه إربًا إربًا ما شعر، فهناك فرق واضح، وأما قضاء عمار -إن صح عنه- فإنه يُحمل على الاستحباب، أو التورع، أو ما أشبه ذلك.
من زال عقله ببنج؟ هل يقضي أو لا؟
نقول: يقضي؛ لأن هذا وقع باختياره، فهو الذي أراد، بخلاف الإغماء، فلما وقع باختياره نقول له: أنت الذي اخترت، وأيضًا الغالب في البنج -فيما أعلم، قد يفوتني منه الشيء الكثير- أنه لا تطول مدته، ولَّا لا؟ الغالب أنها لا تطول.
طلبة: (... ).
الشيخ: إي نعم، لكن لا تمد لعشرة أيام، خمسة عشر يومًا.
طلبة: لا.
الشيخ: على كل حال، المهم ما تطول مثل الإغماء، الإغماء أحيانًا يغمى على الإنسان يجلس عشرة أيام، خمسة عشر يومًا، أكثر من هذا، ممكن يجلس إلى سنة، فبينهما فرق.
يقول المؤلف: (أو سكر) يقضي من زال عقله بسكر، ليش؟
طالب: (... ).
الشيخ: هذا نقول: نعم يقضي، إذا كان سكره محرمًا فلا شك في القضاء؛ لأنه حصل باختياره، هذا واحد، ولأنه غير مأذون له بذلك، هذا اثنان، ولأننا لو أسقطنا عنه قضاء الصلاة، وهو من أهل شرب الخمر، الغالب أن أهل شرب الخمر دينهم ضعيف، فيصير هذا الرجل كلما أراد ألا يصلي شرب المسكر، فحصل على جنايتين: على شرب المسكر، وعلى ترك الصلاة، كذا ولَّا لا؟
فإن قلت: أليس الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43].
فالجواب من وجهين:
الوجه الأول: أن هذا على حله.
الوجه الثاني: أن الله يقول: لا تقربوها حتى تعلموا ما تقولون، يعني: فإذا علمتم ما تقولون فافعلوها، افعلوها أداءً إن كان في وقتها، أو قضاءً إن كان بعد الوقت، فليس فيها دليل على أنه يسقط، ولهذا كان الأئمة الأربعة متفقين على أن من زال عقله بسكر فإنه يقضي.
لو قال قائل: ما تقولون في رجل سكر بدون أن يعلم أن ما شربه مسكر؟ يقضي ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إي يقضي، الظاهر أنه يقضي.
طالب: هو ما اختار.
الشيخ: هو ما اختار، هو معذور بالجهل الآن، لكنه نعم يسقط الإثم، وأما قضاء الصلاة فالظاهر أنه يلزمه؛ لأن هذا أيضًا مفعول باختيار الفاعل الذي سقاه الخمر، لكن يسقط عنه الإثم؛ لأنه لم يعلم به، أما أن نقول: إنه يسقط عنه القضاء قياسًا على المغمى عليه ففيه نظر؛ لأن المغمى عليه غالبًا بفعل الله عز وجل، ليس لأحد فيه اختيار.
طالب: شيخ، الإغماء غير (... ) سبعة عشر يومًا (... ) ولكن (... ) انتبه.
الشيخ: انتبَه؟
الطالب: (... ).
الشيخ: هو الظاهر أن الإغماء أقسام، أن أحد مغمى عليه (... ) يعني (... ) في الظفر ما يحس، يعني أحد مثلما قلت يكون عنده يعني في المخ، اختلال في المخ كما قلت، يعني يكون ما عنده الإرادة الكاملة لكن عنده شيء من الإحساس، يحس أنهم يدخلون مثلًا في أنفه شيئًا، أو بفمه شيئًا، على كل حال الذي قلت: لا يقضي؛ لأنه مهما كان ما ينتبه.
طالب: ذكرت الدليل من السنة والإجماع والراجح، هل هذا يلزم، يعني يمكن الإنسان يقول مثلًا: الدليل الكتاب والسنة والإجماع.
الشيخ: لا، ما يلزم في هذه المسألة، يكفي دليل واحد.
الطالب: إن لم نجد (... ).
الشيخ: لا، ما هو صحيح إن لم نجد، ما هو شرط، ولهذا دائمًا يقولون: دليله الكتاب والسنة والإجماع، وأنت كلما تضافرت الأدلة كان أقوى للمدلول، ولاسيما أن أنا أحب في الواقع إذا..
طالب: يؤثر عليه (... ).
الشيخ: إي، وأنا أقول: وأنا أحب كلما تيسر لي وذكرت أن أذكر الدليل النظري؛ لأن الناس اليوم محتاجون إليه؛ لضعف الإيمان، وكلما ضعف الإيمان ضعف التسليم، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36]، فكلما قوي إيمان الشخص قوي تسليمه للأحكام الشرعية، علم حكمتها أم لم يعلم، وكلما ضعف؛ ضعف التسليم، ولهذا بعض الناس الآن تجيب له الدليل من الكتاب والسنة يبغي يناظرك، فإذا جبت له الدليل العقلي يمكن من أضعف الأدلة عجز ووقف، أما هناك تجيب له الدليل من الكتاب، ما هو صحيح.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، غلط هذا، ولهذا الله عز وجل ما هو أخبرنا أنه يبعثنا، أسألك: هل أقتصر على مجرد أنهم يبعثون؟ قال: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: 7] وهذا خبر مؤكد، هل أقتصر على هذا؟ أبدًا، جاء بأدلة حسية يشاهدونها بأعينهم، يحيي الأرض بعد موتها ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [الروم: 50]، يبدؤكم أولًا ثم يعيدكم ثانيًا، وما أشبه ذلك.
ثم الآن يا جماعة، الآن أنا أرى أن طالب العلم محتاج إلى الأدلة العقلية، ليس معنى ذلك أني أقول: لا تقتنع إلا بها، الواجب أن تقتنع بالأدلة الشرعية مهما كان الأمر، لكن أنت طالب علم سوف تناظر وتحاج، فإذا لم يكن لديك دليل عقلي ربما تهزم، الذين لا يقتنعون الآن إلا بالعقلية، إذا جيء بأصح دليل ودلالة من الكتاب والسنة ذهبوا يحرفونه، قالوا: المراد كذا وكذا، أنت غبي، ما تعرف تأخذ بالظاهر مثل الدجاجة، تقول: لا، إذا أتيت بالدليل العقلي يؤيد الدليل السمعي يتوقف.
شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بماذا أفحم فحول علماء الكلام والفلسفة؟ إلا بالحجج العقلية.
طالب: (... ).
الشيخ: بعض العلماء قال هكذا، ولكن ظاهر اللفظ خلاف ذلك؛ لأن الذي قلت هذا لازم من النهي عن قربان الصلاة؛ لأنك إذا نهيت عن قربان الصلاة في حالة السكر معناه: لا تسكر عند أيش؟ عند وقت الصلاة؛ خوفًا من إضاعتها.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، ما أحد قال هذا من العلماء، من قال؟ لا يقول: ليس بعد الكفر ذنب، تدري ويش معناها عندهم؟ يقول: الذي استجاز لنفسه أن يكفر يستجيز لنفسه أن يقول هذا، فأنت مثلًا شفت الكافر ولقيته يشرب الدخان: تعال حرام عليك تشرب الدخان، صح؟ أرأيت حالق لحيته؟ ما تقول: تعال هذا تبع حلق اللحية حرام.
طالب: (... ).
الشيخ: هو بيسأل هذا ترى إن صح الحديث لأن أكثر ما يذكره المؤرخون، لكن إن صح (... ) يبين للناس أن هذا ما هي بالشريعة التي أمرتك، يعني حتى شرائع النصارى ما أمرت بهذا، لكن أمره ربه اللي هو مالكه وفعل هذا.
طالب: (... ).
الشيخ: في حال الكفر؟
الطالب: (... ).
الشيخ: غير المخاطبين، ما يخاطبون الآن، نأمركم بالفروع قبل الأصول، وحديث ابن العاص صريح في هذا.
الطالب: (... ).
الشيخ: لا، مخاطبون فيها بمعنى أنهم يعاقبون عليها في الآخرة فقط.
الطالب: (... ).
الشيخ: لا، فيها خلاف، الذي يقول: ما هم مخاطبون يقول: ما يعذبون إلا على أصل الكفر فقط، اللي هو الإنكار والتكذيب، أما أن يعذبوا على ترك الصلاة والصدقة وما أشبه ذلك لا.
الطالب: (... ).
الشيخ: ما لها جواب، ولهذا قلنا: الصحيح أنهم يخاطبون بها في الآخرة.
الطالب: (... ).
الشيخ: ما أحد يقول: يلزمهم.
الطالب: (... ).
الشيخ: مخاطبون بمعنى أنهم يعاقبون عليها في الآخرة، هذا معنى الخطاب عندهم، ليس معنى أنهم يقضونها، هذا بالاتفاق أنها ما تقضى ولا يلزمون بها في حال الكفر.
طالب: (... ).
الشيخ: والإجماع القطعي، وأن الواجب خمس صلوات في كل يوم وليلة، فمن جحد فرض واحدة منها فقد كفر؛ لأنه مكذب لله ورسوله وإجماع المسلمين، وأن القول الراجح أنه لا يجب سواها -سوى هذه الصلوات الخمس- لأن الأدلة المتكاثرة دلت على أن الواجب خمس صلوات، بل قد سئل النبي صلى الله عليه وسلم: هل عليّ غيرها؟ قال: «لَا إِلَّا أَنْ تَتَطَوَّعَ» (11).
ويستثنى من ذلك ما له سبب، فإن ما له سبب قد يقال بوجوبه عند وجود سببه، إذا وجد مقتضى الوجوب، ولا ينافي هذا ما قلنا: إنه لا يجب سوى الصلوات الخمس؛ وذلك لأن ذوات الأسباب مربوطة بأسبابها.
مثال ذلك: تحية المسجد؛ فإن كثيرًا من أهل العلم قال: إنها واجبة، وصلاة الخسوف، فإن كثيرًا من أهل العلم قال بأنها واجبة، أما الوتر فقد قيل بوجوبه، ولكن الصحيح عدم الوجوب؛ لأن الوتر ليس له سبب، بل هو يدور بدوران اليوم والليلة، ولا صلاة تجب بدوران اليوم والليلة إلا الصلوات الخمس.
وسبق أن لوجوبها شروطًا: البلوغ، والعقل، والإسلام، وعدم المانع.
عدم المانع: نقول: إنه شرط من باب الإيضاح، وإلا فإن عدم المانع ليس بشرط، بل بينهما فرق، المانع هو الحيض والنفاس، فإن المرأة تكون بالغة عاقلة مسلمة ولا تجب عليها الصلاة لوجود المانع، وهو الحيض والنفاس بالإجماع أيضًا.
قال المؤلف رحمه الله: (ويقضي من زال عقله بنوم) إذن نستذكر ما مضى:
الذي زال عقله بنوم يقضي بالنص والإجماع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (8)، وأجمع المسلمون على ذلك.
وقول المؤلف: (يقضي) استفدنا منه فيما سبق أن صلاة النائم بعد خروج الوقت تعتبر قضاء.
وشيخ الإسلام ابن تيمية يرى أنها أداء، يقول: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم وقّت للنائم الصلاة عند استيقاظه، والناسي عند ذكره، وأن كل من كان معذورًا بالنوم أو النسيان فإن صلاته إذا زال عذره صلاة في وقتها أداء.
وسبق أيضًا لنا أن من زال عقله بإغماء فإن القول الصحيح عدم وجوب الصلاة عليه، وهو مذهب الأئمة الثلاثة؛ لأنه ليس بعاقل، ومن زال عقله بسكر فالصحيح أنه يقضي، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنه لا يقضي، ولكن الصحيح القضاء؛ لأن زوال عقله باختياره وأيضًا بفعل محرم.
كذلك قال: (أو نحوه) مثل: البنج والدواء، وهذا أيضًا محل خلاف، فمن أهل العلم من يقول: إذا زال عقله بشيء مباح فإنه لا قضاء عليه؛ لأنه معذور، ولكن الذي يترجح عندي -والعلم عند الله- أن من زال عقله بفعله فعليه القضاء، لكن إن كان الفعل محرمًا فهو آثم، وإن كان غير محرم فليس بآثم، وأما من زال عقله بغير اختياره كالمغمى عليه فليس عليه قضاء.
قال المؤلف: (ولا تصح من مجنون) يعني: لا تصح الصلاة من مجنون لو صلاها، أما عدم الوجوب فقد عرفناها من قوله: (تجب على كل مسلم مكلف)، فلا تجب على المجنون، ولا تصح منه، وذلك لعدم القصد؛ فإن المجنون لا قصد له، ومن لا قصد له لا نية له، ومن لا نية له لا عمل له؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (12)، والمجنون كيف ينوي؟
إذن لو عمل لم يصح، إي نعم، والمجنون لا قصد له، إذن: لو عمل فإنه لا يصح عمله؛ لأن الأعمال بالنيات.
وقول المؤلف: (من مجنون) مثله: من زال عقله ببِرسام؛ وجع في الدماغ يجعل الإنسان يهذي ويقول قولًا ليس منتظمًا، هذا مثل المجنون.
ومثله أيضًا: المهرم الذي لا يعقل، كل هؤلاء لا تصح منهم الصلاة، ولا تجب عليهم، وذلك لعدم العقل.
قال: (ولا تجب على كافر)، سواء كان الكافر أصليًّا أم مرتدًّا.
الأصلي: الذي لم يزل كافرًا، والمرتد: الذي كفر بعد إسلامه، فلا تصح الصلاة منه، يعني: لو صلى مثلًا وهو لا يزال على كفره لم تصح الصلاة منه.
الدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 54]، مع أن النفقات نفعها متعد، فإذا كانت العبادة ذات النفع المتعدي لا تقبل من الكافر، فالعبادة الخاصة من باب أولى ألا تقبل ولا تنفعهم، هذا الدليل.
التعليل: ولأنه ليس من أهل العبادة حتى يسأل؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ لِذَلِكَ فأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ» (1).
إذا كانت لا تصح منه تجب عليه؟ لا، وهذا سبق في قوله: (تجب على كل مسلم).
هل يعاقب عليها؟
نعم، يعاقب عليها وعلى جميع فروع الإسلام، الدليل قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: 39 - 46]، هذه أربعة أسباب كلها أوجبت دخولهم النار.
فإن قلت: ﴿كُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ تغني عن كل هذه الأسباب؛ لأنهم إذا كذبوا بيوم الدين فهم من أهل النار؟
فالجواب: أنه لولا أن تركهم الصلاة والصدقة له أثر في دخولهم النار لم يذكروه، إذن فهم يعاقبون على الصلاة.
هل يأمرون بقضائها إذا أسلموا؟ لا؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، ولأن الذين أسلموا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر واحدًا منهم بقضاء الصلاة.
قال: (فإن صلى فمسلم حكمًا)، إن صلى من؟ الكافر (فمسلم حكمًا) أي أننا نحكم بإسلامه، وإن لم يقل: أسلمت، فهذا كافر قام فصلى، كبر واستفتح وقرأ وركع وسجد وسلم، تقول: هو الآن مسلم، لكن مسلم حقيقة ولَّا حكمًا؟ مسلم حكمًا، حتى وإن لم ينو الإسلام بما فعله فهو مسلم حكمًا، يعني حسب حكمنا عليه في الدنيا، وفائدة هذا: أننا إذا حكمنا بإسلامه طالبناه بلوازم الإسلام، مثل.
ويُؤْمَرُ بها صغيرٌ لسَبْعٍ، ويُضْرَبُ عليها لعَشْرٍ، فإنْ بَلَغَ في أثنائِها أو بعدَها في وقتِها أعادَ، ويَحْرُمُ تأخيرُها عن وَقْتِها إلا لناوٍ الجمْعَ ولِمُشْتَغِلٍ بشَرْطِها الذي يُحَصِّلُه قريبًا ومَن جَحَدَ وُجوبَها كَفَرَ، وكذا تَارِكُها تَهَاوُنًا ودَعاهُ إمامٌ أو نائبُه فأَصَرَّ وضاقَ وقتُ الثانيةِ ورثناه من أقاربه المسلمين، وورثنا أقاربه المسلمين منه؛ لأنا حكمنا الآن بإسلامه، حتى وإن لم يقل: أسلمت، وأيضًا لو أنه ارتد وقال: إنه فعل ذلك استهزاءً، فإننا نعتبره مرتدًّا، أي فرق بين اعتباره مرتدًّا وبين كفره الذي كان قبل أن يصلي؛ لأن كفره الذي كان قبل أن يصلي يقر عليه، أصل يقر عليه، والكفر الآن بعد أن صلى وحكمنا بإسلامه كفر ردة لا يقر عليه، ولهذا نأمره أو ندعوه بأن يعود إلى الإسلام، فإن أبى قتلناه، وهو قبل أن يصلي كافر، لكنه متروك، ما يقال: أسلم وإلا قتلناك، هذا هو الفائدة من قول المؤلف: (فمسلم حكمًا) لكن لو أراد الإسلام بصلاته وتشهد وشهد أن محمدًا رسول الله فهو مسلم حقيقة وحكمًا.
ثم قال المؤلف: (ويؤمَر بها صغيرٌ لسبع): (يؤمر) فعل مضارع مبني للمجهول، وإنما بني للمجهول لأن الآمر لا يتعين واحدًا؛ إذ قد يأمره الأب، قد يأمره الأخ الأكبر، قد يأمره الابن! (ويؤمر بها صغيرٌ لسبع) يأمره الابن ولّا لا؟ صغير له سبع سنين يأمره ابنه؟ ما يمكن، الأخ الأكبر يمكن، العم، الخال، الأم، وليّ الأمر، المهم أن صيغة الفعل على هذا الوجه مبنية للمجهول أعم مما لو قال: يأمره أبوه ولّا لا؟ فبناؤه للمجهول ليشمل كل من له الإمرة على هذا الصبي، أي واحد له الإمرة من أبٍ أو أخٍ أو عم أو خال أو أم أو قاضٍ أو أمير أو ما أشبه ذلك يدخل في هذه العبارة: (يؤمر).
وقوله: (لسبع) اعلم أنه إذا قيل: (لسبع) فالمراد لتمام السبع، (لسبع) أي لتمام السبع، لا لبلوغ السبع، والفرق بينهما ظاهر، لو قلنا: لبلوغ السبع أو لدخول السبع لكان ذلك من أول السبع، إذا قلنا: (لسبع) معناه لا بد أن يستوعب السبع كلها إذا تم له سبع سنين ودخل الثامنة نأمره ونقول: صل ولّا نعرض عليه؟ نأمره أمرًا فنقول: صل.
وإذا كنا نأمره بالصلاة فإنه يستلزم أمره بلوازم الصلاة، مثل الطهارة من الحدث والنجاسة، ستر العورة، استقبال القبلة، وما أشبه ذلك.
ويستلزم أيضًا تعليمه ذلك، فإذا بلغ السبع نعلمه كيف يتوضأ، كيف يستتر، كيف يصلي؛ لأن كل هذا من لوازم أمره بالصلاة؛ إذ ليس من الممكن أن نأمره بشيء لا يعرفه، وليس من الممكن أن نأمره بشيء مع إضاعة لوازمه، هذا غير ممكن.
فالأمر بالصلاة أمر بها وبما لا تتم إلا به؛ من الشروط السابقة عليها ومن العلم بكيفيتها.
) ويُضرَب عليها لعشر): (يضرب) نقول فيها كما قلنا في (يؤمر)، من الضارب؟ من يتولى أمره من أب أو أخ أو أم أو عم أو خال أو قاض أو أمير، (يضرب عليها لعشر) ويش معنى (عليها)؟ يعني يضرب على فعلها؟
طلبة: على تركها.
الشيخ: يعني إذا فعلها ضرب، أو إذا تركها ضرب؟
طلبة: إذا تركها.
الشيخ: إذن (يضرب عليها) أي على الصلاة ليفعلها، يضرب عليها ليفعلها، ولا يكون ذلك إلا بالضرب، فنضربه حتى يصلي، مرة أو مرتين أو ثلاثًا أو أكثر حتى يصلي.
نضربه مرة واحدة لوقت واحد أو في كل وقت؟ في كل وقت، إذا أمرناه فلم يفعل فالضرب، وبماذا نضربه، الحديث جاء مطلقا: «اضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ» (1) باليدِ؟ يمكِن، بطرَف الثوب؟ يمكن، يعني ممكن نأخذ غترته هذه ونضربه بها ولّا لا؟ بالعصا؟ يمكِن، لكن بشرط ألا يكون ضربًا مبرحًا، أي ضارًّا وجارحًا وما أشبه ذلك؛ لأن المقصود تأديبه، لا تعذيبه، المقصود أن يؤدَّب لا أن يعذَّب؛ فيُضرَب ضربًا يحصل به المقصود بدون ضرر.
إذن لنا في الصبي مرحلتان: المرحلة الأولى: الأمر.
الثانية: الضرب.
هل نأمره قبل السبع؟ ظاهر السنة أننا لا نأمره؛ لأنه يقول: «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ».
وظاهر السنة أننا لا نأمره، فإما أن يقال: يأخذ بالظاهر ومن قبل السبع لا نقول: صل أبدًا، لو خرجنا للمسجد وهو يلعب ندعه، وقد يقال: إن هذا بناء على الأغلب، وهو التمييز لسن السابعة؛ لأن الغالب أن سن السابعة هو السن الذي يحصل به التمييز، وبناء على ذلك إذا ميز لسن قبل السبع فإننا نأمره؛ لأنه يفهم الخطاب ويرد الجواب.
هل ننهاه قبل السابعة؟
طلبة: (... ).
الشيخ: ننهاه؟ نقول: لا تصلي؟ توك صغير روح العب؟ لا، إذن لا نأمر ولا ننهى قبل السابعة.
هل نرغِّبه في ذلك ترغيبًا بدون أمر؟ يمكن أن نقول: نرغبه إذا كان يميز ويعقل، لاسيما إذا كان هو الذي يشتهي، يعني بعض الصبيان يحب أنه يروح مع أهله للمسجد.
قال: (ويضرب عليها لعشر، فإن بلغ في أثنائها أو بعدها في وقتها أعاد) إن بلغ الصغير في أثناء الصلاة أو بعدها في وقتها أعاد.
كيف يبلغ في أثنائها؟ نعم يبلغ في أثنائها بأن نكون قد حررنا ولادته بالساعة، فنقول مثلًا: وُلد في الساعة الواحدة من بعد ظهر أول يوم من محرم، متى يبلغ؟ في الساعة الواحدة من أول يوم من محرم يبلغ، هذا الآن لما شرع يصلي جاءت الساعة الواحدة من بعد الظهر بلغ الآن؟ بلغ في أثنائها، (... ) دقة أهل العلم رحمة الله عليهم.
هنا مسألة: صبي صام في رمضان، ثم بلغ في أثناء اليوم، هل يقضي هذا اليوم أو لا يقضيه؟
طلبة: ما يقضيه.
الشيخ: المذهب لا يقضيه، يقولون: لأنه وجب عليه الإمساك قبل أن يبلغ ولّا لا؟ لأنه يجب عليه طلوع الفجر، وهو صغير ما بعد بلغ، والصوم لا يصح إلا يومًا كاملًا، فلا يقضيه.
أما الصلاة فإن الوقت ممتد من دخول الوقت إلى خروجه، هكذا يفرقون، ولكن ذكر بعض أصحابنا رحمهم الله نقل حكم كل واحدة إلى الأخرى، ويسمى هذا تخريجًا، يعني قال: إنه ينبغي أن نقول: إنه إذا بلغ في أثناء الصلاة أو بعدها في وقتها لا (... ) قياسًا على الصيام، أو نقول: إذا بلغ في أثناء اليوم فإنه يعيد قياسًا على الصلاة، يعني أنه خرّج نقل حكم كل واحدة إلى الأخرى.
والقول الراجح في هذا أنه لا يعيد لا الصوم ولا الصلاة، وجه ذلك في الصلاة أن هذا قد صلى على الوجه الذي قد أُمر به فسقط عنه الطلب بالفعل، ولهذا يقول: أنا صليت الظهر ولّا لا؟ يقول: صليت الظهر، إذن سقط الطلب، الطلب الذي وجه إليه قام به، انتهى الطلب الآن، سواء كان هذا الطلب على سبيل الندب أو على سبيل الوجوب، المهم أن الرجل قال: كيف تلزمونني بأمر فعلته كما أمرت، ومن فعل الشيء كما أمر فكيف يُؤمَر بقضائه مرة ثانية.
فالصواب في المسألتين أنه لا إعادة عليه، ولا قضاء عليه.
وجه ذلك أنه أتى بالعبادة على الوجه الذي طلب منه، فسقط الطلب بها، سقط راحت الآن، ما يوجه إليه الطلب به، وعلى هذا فلا تجب عليه الإعادة.
ويؤيد ذلك أن هذا الأمر يقع كثيرًا، ولم يحفظ عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يأمرون من بلغ في أثناء الوقت أن يعيد الصلاة.
طالب: (... )؟
الشيخ: إذا بلغ؟
الطالب: (... ) يصوم اليومين ويعيد الباقي؟
الشيخ: لا، يقول: بلغ قبل خروج رمضان بيومين، هل يصوم اليومين الباقيين اللذين بلغ فيهما؟
طلبة: نعم.
الشيخ: الجواب: نعم يصومهما فرضًا، يجب أن يصوم، هل يصوم ما قبلهما؟ لا يصوم.
طالب: على المذهب.
الشيخ: لا، حتى على المذهب، لا يصوم الأيام السابقة، حتى في اليوم الذي بلغ فيه لا يصوم.
طالب: كيف نقول أن يصلي إذا كان عاقلًا نأمره بالصلاة و (... ) الرسول صلى الله عليه وسلم كلامه (... ) الصحابة عقلاء (... )؟
الشيخ: لا، ما هم بأعقل من صبيان اليوم، صبيان اليوم أذكياء جدًّا.
الطالب: لكن الرسول قال: «مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ» (2) لا يأمرهم قبل السبع..
الشيخ: إحنا قلنا: فيه احتمال أن الرسول قال هذا بناء على الأغلب، أن الأغلب أن التمييز يكون في السابعة، هذا هو الغالب، والذي يكون عنده تمييز قبل السابعة يعتبر هذا ذكيًّا، يعني ذكاؤه نسبته مرتفعة، إي نعم.
طالب: إذا وجد مثلًا كافر ذمي دخل صلى معنا (... )؟
الشيخ: لا، مسلم حكمًا، نقول: هو مسلم حكمًا.
الطالب: ما نأتيه نسأله عن الشهادة هل تشهدت ولّا لا مثلًا.
الشيخ: أبدًا؛ لأنه ما كبر الله وقرأ الفاتحة وقرأ ما تيسر، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله في التحيات.
الطالب: (... ) نطمئن عليه (... ) ما نتركه يفعل..
الشيخ: لا، ما نتركه، أصل حتى اللي توه مسلم لو قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، ينبغي أن نتابعه؛ لأن هؤلاء الذين أسلموا من حينهم مثل فرخ النخلة إذا غرسته، يحتاج إلى ملاحظة وعناية، وإلا يموت.
الطالب: إن قال: أنا ما شهدت أن لا إله إلا الله ولكن بس حبيت أصلي (... ).
الشيخ: نعم، نقول: مسلم.
الطالب: نقول: هذا مسلم؟
الشيخ: نقول: إنه مسلم.
الطالب: هو قال: أنا ما شهدت..
الشيخ: إي، يكفيه هو الآن فعل المسلمين، الصلاة هذه خاصة بالمسلمين (... ).
القول الثاني في هذه المسألة إذا بلغ في أثنائها أو بعدها في وقتها، ويش تعليلهم؟ طالب: (... ). الشيخ: أنه أدى ما خوطب به على الوجه الذي خوطب به؛ فلا يلزمه الإعادة، واضح؟ وهذا القول الثاني هو الصواب، والجواب عن قولهم: إنها وجبت عليه أن يقال: بل برئت ذمته منها لأنه صلاها، يكفي هذا التعليل.
قال المؤلف: (ويحرم تأخيرها عن وقتها): (يحرم تأخيرها) أي الصلاة (عن وقتها)؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]، بين الله تعالى أنها مفروضة وأنها موقوتة، وإذا كانت مفروضة في وقت معين كان تأخيرها عن ذلك الوقت حرامًا، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم وقّت الصلوات، وقال: وقت الظهر من كذا إلى كذا، ووقت العصر من كذا إلى كذا (3)، وهذا يقتضي وجوب أن تكون الصلاة في وقتها.
وقول المؤلف: (تأخيرها) يشمل تأخيرها بالكلية أو تأخير بعضها بحيث يؤخر الصلاة، حتى لم يبق إلا مقدار ركعة صلى، فإن ذلك حرام عليه أيضًا؛ لأن الواجب أن تقع جميع الصلاة في الوقت.
وقول المؤلف: (عن وقتها) يشمل وقت الضرورة وغاية الوقت؛ لأن صلاة العصر مثلًا لها وقتان: وقت ضرورة، وهو من اصفرار الشمس إلى الغروب، ووقت جواز، وهو من دخول وقتها إلى اصفرار الشمس، فيحرم أن يؤخرها إلى وقت الجواز إلا لعذر.
قال المؤلف: (إلا لناوٍ الجمع) إلا لمن نوى الجمع، ونزيد شرطًا آخر: وكان ممن يحل له أن يجمع، نوى الجمع ويحل له الجمع، فإن نوى الجمع من لا يحل له لم تنفعه هذه النية، وإن نوى الجمع من يحل له جاز أن يؤخر الصلاة الأولى إلى الصلاة الثانية.
وهذا الاستثناء في الواقع يشبه أن يكون صوريًّا؛ وذلك لأنه إذا جاز الجمع بين الصلاتين صار وقتاهما وقتًا واحدًا، ويكون قد صلى الأولى التي أخرها إلى وقت الثانية قد صلاها في الوقت، ولا يقال: إنه أخرها عن وقتها؛ لأنه لما وجد سبب الجمع جعل هذا السبب الوقتين وقتًا واحدًا، لكن هو في الحقيقة تأخير صوري، فإن الإنسان مثلًا إذا أخر الظهر إلى وقت العصر يجمعها إليها فقد خرج وقت الظهر، وكذلك يقال في صلاة المغرب مع العشاء.
هذه واحدة.
(ولمشتغل بشرطها الذي يحصله قريبًا) مثل إنسان انشق ثوبه وجعل يخيطه، فحان وقت خروج الوقت، أو حان خروج الوقت، فإن صلى قبل أن يخيطه صلى عريانًا، وإن انتظر حتى يخيطه صلى مستترًا، وتحصيله قريب ولا بعيد؟ تحصيله قريب؛ لأن ما عليه إلا أن يخيط الثوب، فنقول هنا: يجوز أن يؤخرها عن وقتها؛ لأنه اشتغل بشرط يحصله قريبًا.
ومثال آخر: إنسان وصل إلى الماء وهو عادم للماء، ما بقي عليه إلا أن ينزل الدلو ويخرج الماء ويتوضأ بالماء، ولكن الشمس الآن على وشك أن تغيب، يعني لا يمكنه أن يستخرج الماء حتى تغيب الشمس، فنقول: لك أن تؤخر العصر حتى تغرب الشمس؛ لأنك مشتغل بماذا؟ بشرط -وهو استعمال الماء- تحصله قريبًا.
فإن كان هذا الرجل وصل إلى الماء لكن الماء يحتاج إلى حفر بئر فقال: سأؤخر الصلاة حتى أحفر البئر، هذا شرط يحصله بعيدًا، حتى وإن كان البئر من الآبار القريبة للماء؛ لأن هذا بعيد، هذا ما ذهب إليه المؤلف، والصواب أنه لا يجوز تأخيرها مطلقًا عن وقتها، وأنه إذا خاف خروج الوقت صلى على حسب حاله، وإن كان يمكن أن يحصل الشرط قريبًا؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]، ولأنه لو جاز انتظار الشروط ما صح أن يشرع التيمم؛ لأن بإمكان كل إنسان أن يؤخر الصلاة حتى يجد الماء.
والانفكاك عن هذا الإيراد بقوله: (قريبًا) انفكاك لا يؤثر، لماذا؟ لأن الذي أخر الصلاة عن وقتها لا فرق بين أن يؤخرها إلى وقت طويل أو إلى وقت قصير، فمن أخرها عن الوقت ولو بربع ساعة أو عشر دقائق أوخمس دقائق كمن أخرها عن الوقت عشرين ساعة، كلهم أخرجوها عن الوقت، فإذا كان الحكم سواء في إخراج الصلاة عن وقتها فإنه لا يجوز أن يؤخرها بانتظار الحصول على شرط، وإن كان يحصله قريبًا.
تقولون أن يصلي هذا الرجل والماء قريب منه بس ما بقي عليه إلا أن ينزل الدلو ويخرج الماء؟ نقول: نعم، يصلي بالتيمم، ولا يخرج الصلاة عن وقتها، وكذلك نقو ل فيمن أراد خياطة ثوبه.
إذن ما الذي يُستثنى؟ شيء واحد فقط، وهو إذا نوى الجمع من يحل له، ثم قلنا: إنه إذا نوى الجمع من يحل له فإنه في الواقع تأخير صوري؛ لأن وقت الثنتين وقت لهما جميعًا.
اختلف العلماء في مسألة، هل يجوز تأخير الصلاة لشدة الخوف؟ كما لو كان الخوف شديدًا بحيث لا يتمكن الإنسان من الصلاة لا بقلبه ولا بجوارحه؛ لشدة الخوف، الناس مشتبكون ما يقدر الإنسان يتذكر ولا يتصور ما يقول ولا ما يفعل، فهل يجوز أن يؤخر الصلاة في هذه الحال أو لا يجوز؟ نقول: للعلماء في ذلك قولان:
أحدهما: لا، والثاني: نعم.
والصحيح أنه يجوز في هذه الحال، يجوز أن يؤخرها إذا كان لا يستطيع أن يصلي أبدًا؛ لأنه هنا لو صلى ما يدري ما يقول ولا ما يفعل، ولا يمكن أبدًا أن ينشغل؛ لأن الآن يدافع، ويش يدافع؟ يدافع الموت، ولا يستطيع أن يستحضر ما يقول ولا ما يفعل.
وقد ورد ذلك عن بعض الصحابة رضي الله عنهم، كما في حديث –أظنه- أبي موسى في فتح تستر، فإنهم أخروا الصلاة عن وقتها إلى الضحى –صلاة الفجر- حتى فتح الله عليهم (4).
وعليه يحمل تأخير النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخندق عن وقتها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى» (5) شغلونا عنها يعني بحيث لم يستطع أن يصليها، وغزوة الخندق كانت في السنة الخامسة، وغزوة ذات الرقاع كانت في السنة الرابعة، المشهور، وقد صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف (6)، على المشهور بأن صلاة ذات الرقاع في الرابعة يكون النبي صلى الله عليه وسلم أخر الصلوات في أيام الخندق من أجل شدة الخوف، ما هو من أجل الخوف؛ من أجل شدة الخوف، حتى لا يكاد يحسن شيئًا من الصلوات.
وعليه فيكون تأخير الصلاة عن وقتها في موضعين: عند الجمع، حين يباح له، أو في شدة الخوف الذي لا يتمكن معه من الصلاة بأي وجه من الوجوه.
هل يجوز أن يؤخر الصلاة من أجل الشغل؛ لأن فيه ناس يشتغلون في أوربا والشركات هناك ما تمكنهم من التفرغ للصلاة؛ إما مراغمة لهم وإما ابتغاء الدنيا، الله أعلم، لكن لا تمكنهم، فيقول: أؤخر الصلوات الخمس حتى آتي إلى النوم ولا أنام حتى أصليها، ما تقولون؟
طلبة: (... ).
الشيخ: يجوز؟ لا يجوز، هذا لا يجوز، نقول: إذا لم تعش إلا بهذه الحال فلا تعشها، اترك العمل هذا، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2، 3].
قال المؤلف: (ومن جحد وجوبها كفر): (من جحد وجوبها) أي وجوب الصلاة (كفر)، والصلاة التي أجمع المسلمون عليها هي الصلوات الخمس والجمعة، فقد أجمع المسملون على وجوبها إجماعًا قطعيًّا ضروريًّا لا يخفى على أحد من المسلمين، من جحد وجوب هذه الصلوات الخمس والجمعة فقد كفر؛ لأنه مكذب لله ورسوله وإجماع المسلمين، الإجماع القطعي، فأي كفر أعظم من هذا، من أن يكذب الإنسان الله ورسوله والمسلمين جميعًا، فإذا جحدها وقال: ليست بواجبة لكن أنا بصلي (... ) يأذن أتوضأ وأذهب إلى الصلوات في خشوع وأذكر الله بعد الصلاة، لكني أرى ذلك على سبيل الاستحباب، نقول: هذا الرجل كافر.
يقول: أنا أرى أن الصلوات يجب منها ثلاث صلوات فقط؟
طالب: على غير دين الإسلام.
الشيخ: كافر؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لو يجحد واحدة منها كفر، لو يجحد ركعة من هذه الركعات كفر، لو قال: أعتقد أن الواجب من صلاة الظهر ركعتان قلنا: إنه كافر؛ لأنه مخالف للكتاب والسنة وإجماع المسلمين.
الكتاب ما فيه ذكر لعدد الصلوات، عدد الركعات، ولكن فيه أن ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80].
استثنى العلماء من ذلك مسألة: إذا كان الإنسان حديث عهد بكفر وجحد وجوبها لأنه لا يعرف أحكام الإسلام؛ فإنه لا يكفر لكن يُعَلَّم ويُبيَّن له الحق، فإذا عرض له الحق على وجه بين فإنه إذا جحد بعد ذلك يكفر، فإذا بُين له الحق على وجه واضح لا حاجة إلى أن يقول: اتضح لي؛ لأنه قد يقول: إلى الآن ما اتضح لي، ويعاند ويكابر، لكن إذا عرض له الحق على وجه بين واضح فإنه إذا جحد كفر.
وفي هذه المسألة التي استثناها العلماء دليل على أنه لا فرق بين الأمور القطعية في الدين وبين الأمور الظنية في أن الإنسان يعذر بالجهل فيها، وهو كذلك، فإن الصحيح أن الإنسان يعذر بالجهل سواء في الأمور العلمية أو في الأمور العملية، وإن شئنا قلنا كما قاله أكثر الناس: الأصولية أو الفروعية، لكن ليعلم أن تقسيم الدين إلى أصول وفروع محدث، أحدثه المتكلمون كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية وتلقاه عنهم الفقهاء، وإلا فليس هذا موجودًا في الكتاب ولا في السنة، أعني تقسيم الدين إلى أصول وفروع.
فيه أيضًا من قسم الدين إلى شيء آخر؛ إلى لب وقشور-الله يهديهم- هذا خطأ عظيم؛ لأنه ليس في الدين قشور أبدًا، فيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم لعن القاشرة والمقشورة (7)، نسأل الله أن يهديهم، وألا يجعلهم من القاشرين والمقشورات.
على كل حال نقول: إذا جحد وجوبها كفر، ويُستثنى من ذلك أيش؟ حديث عهد بكفر، فهذا يُعلم، فإذا عرض له العلم على وجه بين واضح وأصر بعد ذلك؛ كفر.
قال المؤلف: (وكذا تاركها تهاونًا ودعاه إمام أو نائبه) قال: (وكذا تاركها) ففصل هذا عما سبق، لم يقل: ومن جحد وجوبها أو تركها تهاونًا، بل قال: (وكذا تاركها) ففصل هذه عن الأولى؛ لأن هذه لها شروط، اشترط المؤلف -رحمه الله- لذلك أن يدعوه إمام أو نائبه، وأن يصر على الترك حتى يضيق وقت الثانية، فاشترط المؤلف لكفره شرطين، نحل كلام المؤلف أولًا.
نقول: إذا تركها الإنسان تهاونًا وكسلًا مع إقراره بفرضيتها، فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وأشهد أن الصلوات الخمس فرض، ولكن ترك الصلاة تهاونًا فإنه يكفر كفرًا أكبر مخرجًا عن الملة ولكن بشرط، قال: (دعاه إمام أو نائبه) يعني إلى فعلها، يعني بشرط أن يدعوه الإمام قلنا: عدة مرات، إنه هو الرئيس الأعلى في الدولة، سواء سُمي إمامًا أوملكًا أو خليفة أو أميرًا أو رئيسًا، المهم من له السلطة العليا في الدولة فهو إمام.
(أو نائبه) مثل الأمير، فإذا دعاه الإمام أودعاه الأمير إلى فعل الصلاة ولكنه أصر.
الشرط الثاني: (وضاق وقت الثانية عنها) فإنه يكفر، فإن دعاه وضاق وقت الأولى فإنه لا يكفر، حتى لو خرج الوقت، لا يكفر بترك صلاة واحدة حتى يخرج وقتها.
وظاهر كلام المؤلف أنه سواء كانت الأولى تجمع إلى الثانية أو لا تجمع، فإذا دعاه لصلاة العصر فلا يكفر حتى يضيق وقت المغرب عنها، مع أن العصر لا تجمع إلى المغرب، فاشترط المؤلف شرطين لكفره:
الشرط الأول: إذا دعاه إمام أو نائبه.
الثاني: أن يضيق وقت الثانية عنها.
فإن كان هذا الرجل تاركًا للصلاة ولكن الإمام ونائب الإمام لم يدعوانه إلى فعلها، كما هو الواقع الآن مع الأسف الشديد، فإنه لا يكفر، وعلى هذا فمذهب الإمام أحمد المشهور عند أصحابه أنه لا يمكن أن يحكم بكفر أحد ترك الصلاة في زماننا، لماذا؟ لأنه لا يدعى إليها.
الناس متروكون لدينهم وأمانتهم، وعليه فلا يحكم بكفرهم؛ لأنهم يشترطون هذا الشرط، كذلك لو دعاه إمام أو نائبه، وضاق وقت الأولى وخرج، وسكت الإمام عنه، فإنه لا يكفر؛ لأنه لا بد أن يدعوه حتى يضيق وقت الثانية عنه.
طيب العلة، نحن نقول مثلًا: النصوص الواردة في تكفير تارك الصلاة ليس فيها هذان الشرطان، فمن أين جئتم بهذين الشرطين؟ قالوا: لأنه إذا لم يدعه الإمام لم نتحقق أنه تركها تهاونًا؛ إذ قد يكون معذورًا بعذر يعتقده عذرًا، وليس بعذر، فإذا دعاه الإمام وأصر علمنا أن الرجل ليس بمعذور، وأما فضاق وقت الثانية فإنه قد يكون يظن جواز الجمع من غير عذر، وهذا ظاهر فيما إذا ضاق وقت الثانية التي تجمع إلى الأولى، لكنه غير ظاهر فيما إذا ضاق وقت الثانية فيما لا تجمع إليها الأولى كصلاة العصر مع المغرب.
يقولون: وربما أنه جاهل يحسب أن كل الصلوات يجمع بعضها إلى بعض، فدرءًا للحد عنه أو درءًا للحكم بتكفيره نقول: نضيق هذا الأمر بهذين الشرطين، ولكن القول الصحيح بلا شك ما ذهب إليه بعض الأصحاب، وهو أنه لا أثر لدعوة الإمام؛ لأن هذا ليس موجودًا في الكتاب ولا في السنة.
وأيضًا المسائل الأخرى التي يكفر بها الإنسان هل أنتم تقولون: لا يكفر إلا إذا دعاه الإمام، لا يقولون بذلك، واحتمال العذر فيها كاحتمال العذر في تارك الصلاة، فإما أن تقولوا بهذا الشرط في كل موضع ورد الشرع بتكفير الإنسان فيه، وإما أن تلغوا هذا الشرط بالنسبة للصلاة كما هو لاغ بالنسبة لغيرها.
فالصحيح إذن الأخذ بعموم الأدلة، أنه يكفر سواء دعاه الإمام أو نائبه، ولكن هل يكفر بترك فريضة واحدة؟ فيه خلاف أيضًا بين العلماء:
منهم من قال: يكفر بترك فريضة واحدة، فإذا تهاون بترك فريضة واحدة حتى خرج وقتها فهو كافر.
ومنهم من قال: بترك فريضتين.
ومنهم من قال: بترك فريضتين إن كانت الثانية تجمع للأولى، وعليه فإن ترك الفجر فإنه يكفر بخروج وقتها، وإن ترك الظهر فلا يكفر إلا بخروج وقت العصر.
ولكن الذي يظهر لي من الأدلة أنه لا يكفر إلا بترك الصلاة تركًا، يتركها، ما هي صلاة واحدة، بمعنى أنه قد وطن نفسه على ألا يصلي، يترك الصلاة، معروف أن هذا الرجل لا يصلي، لا ظهرًا ولا عصرًا ولا مغربًا ولا عشاءً ولا فجرًا، فهذا هو الذي يكفر.
أما من كان يصلي فرضًا ويدع فرضًا، أو يصلي فرضًا ويدع فرضين، فإنه لا يكفر؛ لأنه لا يقال: إنه ترك الصلاة، بل هذا ترك صلاة، لا الصلاة.
والحديث: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» (8)، لم يقل: ترك صلاة، وكذلك: «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ» (9)، ولأن الأصل بقاء الإسلام، فلا نخرجه منه إلا بيقين؛ لأن ما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين، فالأصل أن هذا الرجل المعين، الأصل أنه أيش؟ مسلم، فلا نخرجه من الإسلام المتيقن إلا بوجود دليل يخرجه إلى الكفر بيقين.
وما دامت المسألة فيها شك فلا نخرجه من الإسلام.
وهذا الذي ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله، سواء كان مقيدًا أو بشروط، وهو أن تارك الصلاة كسلًا وتهاونًا يكفر، هذا القول هو الراجِح؛ لأن الأدلة تدل عليه؛ من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأقوال الصحابة والنظر الصحيح، أما الكتاب فقوله تعالى عن المشركين: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: 11]، فاشترط الله تعالى للأخوة في الدين ثلاثة شروط: الأول: التوبة، منين؟ من الشرك، فإن لم يتوبوا فهم مشركون.
الثاني: إقام الصلاة، فإن لم يقيموا الصلاة فليسوا إخوة لنا في الدين.
الثالث: إيتاء الزكاة، فإن لم يؤتوا الزكاة فليسوا إخوة لنا في الدين.
وعلى هذا فتكون الآية دالة على أنه ليس بمؤمن إذا لم يصلِّ ولم يزكِّ، وإن تاب من الشرك؛ إذ لو كان مؤمنًا لكان أخًا لنا في الدين؛ لأن الأخوة الدينية لا تنتفي بالمعاصي وإن عظمت، المعاصي وإن عظمت لا تنتفي فيها الأخوة في الدين، أرأيتم قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178] ﴿أَخِيهِ﴾ من؟ المقتول أخ للقاتل، مع أن القاتل فعل كبيرة من كبائر الذنوب، من أعظم الكبائر قتل المسلم، حتى إن الله قال في عقوبته: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93] ومع هذا فأخوته باقية.
وقال في المؤمنين المقتتلين، قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 9، 10] ومعلوم أن قتال المؤمن من أعظم الذنوب، حتى قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (10)، ومع ذلك لا يخرج من الأخوة الإيمانية.
إذن لا خروج من الأخوة الإيمانية إلا بالخروج من الدين بالكلية، وإذا كان يشترط لثبوت الأخوة الدينية هذه الشروط الثلاثة: التوبة من الشرك، والثاني: إقامة الصلاة، والثالث: إيتاء الزكاة، فهذا يدل على أن من لم يقم الصلاة ولم يؤت الزكاة فليس بمؤمن، واضح؟
يبقى أن نقول: إن مقتضى استدلالنا بهذه الآية أن نقول بكفر تارك الزكاة، أليس كذلك؟
فنقول: من العلماء من التزم بذلك، وهو رواية عن الإمام أحمد، أن من ترك الزكاة بخلًا وتهاونًا، فهو كافر كفرًا مخرجًا عن الملة، ولكن يمنع هذا القول ما ثبت في صحيح مسلم (11) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، فيمن آتاه الله مالًا من الذهب والفضة ولم يؤد زكاته، حيث قال عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ وَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ».
وهذا يدل على أيش؟ على أنه ليس بكافر؛ إذ لو كان كافرًا لم يجد سبيلًا إلى الجنة، وعلى هذا فيكون مفهوم الآية بالنسبة للزكاة غير معتبر، بدليل هذا الحديث.
أما من السنة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» (8)، وقال: «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» (9). فقال: «بَيْنَ»، والبينيَّة تقتضي التمييز بين الشيئين، فهذا في حد وهذا في حد، «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ».
إذن هذه البينية كالجدار الفاصل لا يمكن أن يكون الإيمان مع ترك الصلاة أبدًا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «بَيْنَ الرَّجُلِ» لا يمكن أن يكون إيمان مع ترك الصلاة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ»، وهذا يقتضي أن هناك حدًّا فاصلًا، لا يدخل أحدهما في الآخر أبدًا، ثم قال: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَالشِّرْكِ أَوِ الْكُفْرِ» بـ (أل) الدالة على الحقيقة، وأن هذا كفرٌ حقيقي، وليس كفرًا دون كفر.
وقد نبه إلى هذا المعنى الأخير شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم، لم يقل كما قال: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ» (12) وإنما قال: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ».
وهذا يدل على أن المرادَ بذلك الكفر الحقيقي، وهو الكفر المخرِج عن الملة.
أما أقوال الصحابة فإن أقوال الصحابة كثيرة، رُوي عن ستة عشر رجلًا منهم بأعيانهم أنهم كفروا تارك الصلاة، ومنهم عمر بن الخطاب (13) رضي الله عنه، ونقل عبد الله بن شقيق، وهو من التابعين الثقات، نقل عن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم عمومًا القول بتكفير تارك الصلاة، فقال عبد الله بن شقيق: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة (14).
وهذا حكاية الإجماع، ولهذا حكى الإجماع -أي إجماع المسلمين على كفر تارك الصلاة- حكاه إسحاق بن راهويه، الإمام المشهور، فقال: لم يزل الناس منذ عهد الصحابة إلى يومنا هذا يقولون بأن من ترك الصلاة فهو كافر (15). وعلى هذا فيكون دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع إن صح الإجماع، وإلا فقول جمهور الصحابة.
الرابع: المعنى والقياس الصحيح، ووجه دلالته على كفر تارك الصلاة أن يقال: إن كل إنسان عاقل في قلبه أدنى مثقال من إيمان لا يمكن أن يحافظ على ترك الصلاة وهو يعلم شأنها وما أعد الله للقائمين بها من الثواب، وما أعد للمضيعين لها من العقاب، الرجل يعرف أن الله سبحانه وتعالى لم يفرض الصلوات على نبيه إلا وهو في السماوات، فوق السماوات السبع، ومن الله إلى رسوله مباشرة بدون واسطة، ثم يفرضها على عباده خمسين مرة في اليوم والليلة.
وهذه العنايات العظيمة فيها يشترط لها ألا يتقدم الإنسان بين يدي الله إلا وهو متطهِّر، ما فيه عبادة يشترط لها الطهارة بالإجماع إلا الصلاة.
أيضًا لا بد من أن يتخذ الإنسان زينة، لا بد من أن يتجه بجسده إلى بيت الله، وبقلبه إلى الله، كل إنسان يعرف مدى ما للصلاة من العناية، لا يمكن أن يحافظ على تركها وفي قلبه أدنى مثقال من إيمان أبدًا.
ولا تصدق أن أحدًا يقول: أنا مؤمن وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويحافظ على ترك الصلاة، لا تفكر لو قاله فهو كافر، يعني ويش معنى أنك تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله إذا كنت تشهد أن لا إله إلا الله لماذا لا تعبده في أعظم العبادات، ويش لون لا معبود إلا الله ولا تعبد الله؟ ! شو هذا؟ تناقض هذا، أشهد أن محمدًا رسول الله ولا تصلي، وقد قال لك: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (16) وين الشهادة؟
الشهادة ليست مجرد كلام في اللسان، لا بد من تصديق القول بالفعل، ولّا لا؟ نحن الآن في مجرياتنا وحياتنا اللي بيننا لو أن الإنسان جاءنا بأبلغ عبارة وأفصح بيان، يقول: أنا أفعل وأنا أقول، وإذا نظرنا له ما يفعل نصدق؟ ما نصدق، ما نصدقه؛ ولهذا كل إنسان يعرف أحوال القلوب، ويعرف ماذا تأمر به الأبدان من طاعة الله، يعلم أن من ترك الصلاة مع عظم أمرها وشأنها فإنه ليس في قلبه أبدًا تعظيم لله عز وجل.
وليس مجرد قول الإنسان: لا إله إلا الله، يخرجه من الكفر، إذا كان معه أفعال أخرى توجب كفره، ها هو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وإذا قال: إن صلاة الظهر غير واجبة، صار كافرًا، مع أنه يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، لماذا نقول بتكفيره في المسائل الأخرى التي وردت النصوص بها؟ نقول بتكفيره مع كونه يقول: لا إله إلا الله، ولا نقول بتكفيره إذا ترك الصلاة مع وجود النصوص الدالَّة على تكفيره، أي فرق بين هذا وهذا؟ فلذلك كل من تأمل أدلة هذا القول الصحيح تبين له أنه الحق الذي لا مرية فيه.
فإن قال قائل: أفلا نحمل نصوص التكفير على من تركها جاحدًا، قلنا: إن هذا لقول ضحك، قول مضحك! كيف نحمله على ذلك وأنت بنفسك لا تقول به؟ ! فإنك لو صلى الإنسان كل الصلوات الخمس بنوافلها، والنوافل المطلقة وهو جاحد، كافر ولّا غير كافر؟ كافر، هو تارك؟ ما ترك، فالجحد نفسه موجب للكفر، سواء فعلت أو لم تفعل.
ولهذا لما قيل للإمام أحمد في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا﴾ [النساء: 93] لما قيل له: إن فلانًا يقول هذا فيمن استحل قتل المسلم، قال: سبحان الله! تعجب، فيمن استحل قتل المسلم، من استحل قتل المسلم فهو في النار، سواء قتل أم لم يقتل، شوف الفقه العظيم، هذا أيضًا مثله، نقول: من جحد فرض الصلاة فهو كافر، سواء صلى أم لم يصلِّ، واضح الآن؟ ثم نقول..
وضاقَ وقتُ الثانيةِ عنها ولا يُقْتَلُ حتى يُسْتَتَابَ ثلاثًا فيهما.
﴿باب الأذان والإقامة﴾ هما فَرْضَا كفايةٍ على الرجالِ المقيمينَ للصلواتِ الخمْسِ المكتوبةِ، يُقاتَلُ أهلُ بلَدٍ تَرَكُوهما، وتَحْرُمُ أُجْرَتُهما، لا رَزْقٌ من بيتِ المالِ لعَدَمِ مُتَطَوِّعٍ، ويكونُ المؤَذِّنُ صَيِّتًا أَمينًا عالِمًا بالوَقْتِ،
أنت إذا حملتَ الحديث على هذا فقد حرَّفته من وجهين؛ أولًا: حملتَ دلالته على غير المراد؛ لأن الحديث معلَّق بالترك ما هو بالجحد، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: ثانيًا: أبطلت دلالته فيمن جحد وهو يصلي؛ لأن الحديث إنما حكم على من ترك، وعلى رأيك إذا جحد ولم يترك فهو كافر ولَّا مسلم؟ على رأيه؛ إذا جحد وهو يصلي؟
طالب: كافر.
الشيخ: لا إله إلا الله! فهو مسلم يا جماعة، إي نعم، فهو مسلم بناء على أنه حمل الحديث؛ «مَنْ تَرَكَهَا» على أن المراد: من تركها جاحدًا، نقول: على زعمك الآن أن من جحدها ولم يترك فليس بكافر بمقتضى الحديث عندك، فأنت الآن أبطلت دلالة الحديث من هذين الوجهين.
والحقيقة أن المشكلة كل المشكلة التي تقع لبعض العلماء الأفاضل من مثل هذه التحريفات الباردة هي أنه يعتقد قبل أن يستدلَّ، فيكون معتقدًا للقول بعدم الكفر، ثم يحاول أن يحرِّف النصوص على وجوه مستكرهة بناء على ما اعتقده، وهذه بلية، أسأل الله أن يعافيني وإياكم منها، بلية لكل طالب علم، إذا اعتقد تجده يحاول أن يحرِّف النصوص إلى اعتقاده ويلوي أعناقها، كما يقولون، ونحن نقول: يا أخي، من اللي يحكم بالكفر والإسلام؟ الله، كما أنه هو الذي يحكم بالحل والتحريم والإيجاب والاستحباب، إذنْ إذا كفَّر الله ورسوله أحدًا لا تبالِ، كفِّرْه وأنت في حل بلا شك، لكن أن تحرِّف النصوص وتحاول تحريفها، هذا هو البلاء.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ماذا نقول في تأخير الصلاة عن وقتها؟
طالب: (... ).
الشيخ: المسألة هي أن الإنسان إذا ترك الصلاة بغير عذر حتى خرج وقتها، فهل يصح منه القضاء؟ فقلنا: فيها قولان للعلماء، وذكرنا دليل كل قول، بقي علينا أن نجيب عن قول من يقيسها على من تركها معذورًا.
طالب: (... ).
الشيخ: نعم، يقول: من تركها معذورًا فقد رفع الله عنه الإثم والحرج، وقد ثبت بالشرع أنه مأمور بقضائها؛ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (1)، وأما من تركها عمدًا فليس له عذر، وعليه الإثم، وتقع صلاته على وجه محرم، فلا يمكن أن يقاس الفعل المحرَّم على الفعل المباح المأذون فيه.
متى يجوز تأخيرها عن وقتها عمدًا؟
طالب: إذا نوى الجمع (... ).
الشيخ: إذا نوى الجمع.
من يجوز له الجمع؟
طالب: (... ).
الشيخ: وكذلك على قول بعض العلماء في شدة الخوف بحيث لا يستطيع أن يصلي الصلاة مطلقًا، طيب هذه اثنين.
طالب: (... ).
الشيخ: المشتغل بشرطها الذي يحصله، شرط الذي يحصله وهو قريب، وهذا على المذهب، هذه ثلاثة أشياء.
الدليل على جواز تأخيرها (... ) وجهها الثاني؟
طالب: (... ).
الشيخ: في أيش؟
الطالب: (... ).
الشيخ: لا نزاع، ما هو بصحيح.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، غلط، ابن رجب في شرح البخاري يقول: هذا لا أصل له في السنة، وهو صحيح، ما له أصل، كل من قلنا بكفره سواء في ترك الصلاة ولَّا غيرها ما يشترط (... )، بقينا في مسألة الاستتابة ستأتي إن شاء الله.
الشرط الثاني يقول المؤلف: (حتى يضيق وقت الثانية) هذا أيضًا ذكرنا فيه خلافًا؛ فمن العلماء من يقول: حتى يضيق وقت الثانية، هذا في الصلاة التي تجمع بما بعدها، أما ما لا يجمع لما بعده فحتى يضيق وقته؛ يعني: وقت الأولى اللي تركها، وهذا له وجه، لكن أوجه منه عندي أن يقال: لا يكفر إلا بترك الصلاة، والحديث: «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» (2)، فيه أحاديث -لكن في صحتها نظر- أن من ترك صلاة واحدة متعمدًا فقد برأت منه الذمة (3)، أو نحو هذه الألفاظ، لكنها ما يطمئن لها الإنسان كثيرًا، أما الذي في مسلم وفي مسند الإمام أحمد والسنن يقول: «فَمَنْ تَرَكَهَا» (4)؛ أي: الصلاة.
طالب: (... ).
الشيخ: إذا عرفنا التارك، هذا الرجل على طول نكفِّره.
طالب: (... ).
الشيخ: هذا كافر، إي نعم، يعتبر كافرًا، يقول المؤلف..
طالب: (... ).
الشيخ: بس ما فيه جمع، لو قال: من ترك الصلوات ممكن، «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ»، فإما أن نقول: (أل) هذه لبيان الحقيقة وتصدق بواحدة، وإما أن نقول: لبيان الجنس نقول: من ترك الصلاة؛ جنسَها، والرسول ما قال: من ترك صلاةً، إلا هذه الروايات اللي فيها نظر.
طالب: (... ).
الشيخ: أيها؟
الطالب: (... ).
الشيخ: قول واحد والمؤلف يقول: إنه شرط، كيف قول واحد؟
طالب: غير صحيح.
الشيخ: إي، نقول: تقدم أننا شرحنا ذلك وقلنا: الصحيح أنه لا يشترط، وأن الرجل لو مات تاركًا للصلاة ولم يدع فهو كافر.
بقي أن يقال: هناك نصوص استدل بها من يرى أن تارك الصلاة لا يكفر، وحملوا الأحاديث أو النصوص الواردة في الترك على ترك الجحود، وذكرنا أن حملها على ترك الجحود خطأ من وجهين:
الأول: تعليق الحكم بوصف لم يعتبره الشارع وهو الجحد.
ثانيًا: إلغاء وصف اعتبره الشارع وهو الترك.
ففيه جنايتان على النص؛ حمله على ما لم يعتبره الشارع، وإلغاء ما اعتبره الشارع، وهاتان جنايتان على النص، ولا يجوز أن نجني على النصوص ونحرِّفها هذا التحريف.
ثانيًا: أن نقول: إن هذا باطل؛ لأنه ينتقض عليه بمن جحد وهو يصلي، إن قالوا: إنه كافر، فقد أعلنوا بمخالفة الحديث؛ لأن الحديث يقول: «فَمَنْ تَرَكَهَا»، وهذا ما تركها وهو جاحد، وإن جحدها وتركها قلنا: لا مانع أن يكون هناك سببان للكفر؛ كما لو ذبح الإنسان لصنم، وسجد لصنم آخر، وكذَّب خبرًا من جهة ثالثة، يجتمع عليه كم سبب؟
الطلبة: ثلاثة أسباب.
الشيخ: ثلاثة أسباب.
ولا مانع من أن يتعدد الكفر، أما أن نلغي وصفًا اعتبره الشرع ونأتي بوصف لم يعتبره، ثم هو وصف متناقض، فهذا لا يجوز التصرف في النصوص على هذا الوجه.
بقي أن يقال: هناك نصوص تدل على عدم الكفر تعارض هذه الأحاديث الدالة على الكفر؟
نقول: أولًا: يجب أن نعرف ويش معنى المعارضة قبل أن نقول بالمعارضة، أما أن نقول بالمعارضة قبل أن ندري ما المعارضة فهذا ليس بصحيح؛ ولهذا نقول: (حقِّقْ قبل أن تنمق) حقق المعارضة، وين المعارضة؟ هل جاء حديث أو آية تقول: من ترك الصلاة فليس بكافر، أو تقول: من ترك الصلاة فهو مؤمن، أو تقول: من ترك الصلاة فهو في الجنة؟ لو جاءت نصوص على هذا الوجه قلنا: هذه معارضة، ولَّا لا؟ هذه معارضة؛ لأن هذا يقول: من تركها فقد كفر، المعارض: من تركها لم يكفر، هذا المعارض، إذا جاء نص بهذا الوجه: من ترك الصلاة فليس بكافر، أو من ترك الصلاة فهو مؤمن، أو من ترك الصلاة دخل الجنة، فهذا صحيح معارضة، ويجب علينا أن نحاول الجمع إذا أمكن، أو نطلب الترجيح إذا لو ممكن، أو نذهب إلى النسخ، لكن ما فيه معارضة، النصوص التي عارضوا بها تنقسم إلى أربعة أقسام:
قسم ما فيه دليل أصلًا على المسألة، ولا فيه شم رائحة المعارضة؛ مثل قولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]، قالوا: لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن جملته: من ترك الصلاة فيغفر الله إذا شاء.
نقول: سبحان الله! ما معنى ﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾؟ هل معنى ﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾: ما سوى ذلك؟
إن قالوا: نعم، قلنا: طيب، ما تقولون: فيمن كذَّب خبر الله ورسوله أيغفر له؟ إن قالوا: نعم، خالفوا الكتاب والسنة والإجماع، وإن قالوا: لا، قلنا: هو سوى ذلك، فهو يدخل في المغفرة، إذن لا يصح أن يكون ﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ بمعنى: ما سوى ذلك، ﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ يعني: ما هو أقل من الشرك، فما دون الشرك يغفره الله؛ يعني: دعه في المشيئة، وما ساوى الشرك ولو كان غير الشرك فإنه ليس داخلًا تحت المشيئة، بل هو غير مغفور، كتكذيب الخبر وكترك الصلاة.
قالو: هناك دليل حديث معاذ بن جبل: «حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَلَّا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» (5)، هل تقولون: إن فاعل الكبيرة لا يعذب جزمًا؟ إن قالوا: نعم، فقد خالفوا الآية؛ لأن الله قال: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]، إن قالوا: لا يعذب، خالفوا الآية، وإن قالوا: يعذب، خالفوا الحديث: «لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا».
ونحن نقول: الحديث ليس على ظاهره، وأنتم لا تقولون بظاهره أيضًا؛ لأن «لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» في عمله المعين، إذا انتفى الشرك في هذا الأمر المعين انتفى التعذيب عليه؛ لأنه خالف، أما ألَّا يعذب من لا يشرك ولو فعل ما فعل من الكبائر، فهذا غير صحيح.
ثم نقول أيضًا: لو كفر بغير الشرك هل يعذب ولَّا ما يعذب؟ يعذب، إذنْ فالحديث ليس على ظاهره، فإذا لم يكن على ظاهره وعلمنا أنه مخصوص بدلالة الكتاب والسنة، بل وبالإجماع، فإنه لا يمكن أن نحتجَّ به على العموم، ونقول: إنه لا يخرج منه شيء.
ثم إننا نعلم علم اليقين أن من كان مخلصًا لله إخلاصًا يقينًا فإنه لن يفعل ما يخرجه من الإسلام؛ لأن المخلص الذي يبتغي وجه الله هل يطلب ما يوصله إلى وجه الله ولَّا لا؟ المخلص في طلب الشيء يسعى بكل وسيلة إلى حصوله، نجد المخلصين في طلب الدنيا ويش يعملون؟ يسعون بكل وسيلة إلى حصولها؛ بالتأجير، بالبيع، بالاستهام، بالارتهان، بكل شيء، وهكذا من صدق في طلب الله فلا بد أن يفعل كل ما يمكن أن يوصله إلى الله.
أما أن يقول: أنا واللهِ أبتغي وجه الله، ولا أريد إلا وجه الله، لكن أشهدكم أني لن أصلي، (... ) وين اللي يبتغي وجه الله! ويترك الصلاة تهاونًا وكسلًا، مع أنه يقول: أنا أشهدكم أني لن أصلي، وأشهدكم أني أعلم أن الله فرضها، سبحان الله، تشهد أن الله فرضها، وتشهدنا على أنك ما تصلي، وتقول: إنك تبتغي وجه الله! هذا يكذبه الواقع؛ ولذلك: حديث معاذ وحديث عتبان بن مالك: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ» (6)، كلها تدل على أن مثل هؤلاء لا يمكن أن يدعوا الصلاة.
ثم نقول بهدوء: حديث جابر في صحيح مسلم (7): «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ»، فجعل النبي عليه الصلاة والسلام ترك الصلاة شركًا وكفرًا، وهو شرك بالمعنى الأعم، صحيح أنه ما هو بيسجد لصنم، لكن شرك باعتبار أن هذا التارك اتخذ إلهه هواه على وجه يخرج به من الإسلام.
ثم نأتي أيضًا فيه أحاديث عامة في إخراج من قال: لا إله إلا الله من النار، ولم يعملوا خيرًا قط (8).
نقول: صحيح ولم يعملوا خيرًا قط، لا شك أنه يدخل فيه من لم يصلِّ؛ لأن من صلى فقد عمل خيرًا قط، ومن لم يصلِّ لم يعمل خيرًا قط، لكن نقول: هذا عام؛ لأن (لم يعملوا خيرًا) (خيرًا) نكرة في سياق النفي، فهي عامة؛ يعني: لم يصلوا، ولم يزكوا، ولم يصوموا، هذا عام، لكن يخرج منه بالتخصيص أيش؟ الصلاة؛ لأنه قد دلَّ الكتاب والسنة على أن من لم يعملها لا يخرج من النار؛ لأنه كافر، وليس هذا أول عموم يخصص، هذا من جملة العمومات الكثيرة التي تخصص.
الجنس الرابع مما استدلوا به: حديث قوم تركوا الصلاة لعذر؛ لعدم علمهم بها، وهو حديث حذيفة الذي أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام أن الإسلام يندرس كما يندرس وشي الثوب، ويذوب وينسى الصلاة، والزكاة، والصيام وغيره، حتى لا يبقى إلا شيوخ وعجائز يقولون: أدركنا آباءنا وأمهاتنا على قول: لا إله إلا الله فقال له الراوي عنه: صلة تنجيهم من النار؟ فسكت، ثم أعادها فسكت، ثم أعادها فقال: تنجيهم من النار (9)، وهذا قول حذيفة، ونحن نوافق حذيفة في هذا نقول: تنجيهم من النار؛ لأنهم لا يعلمون شيئًا عن شرائع الإسلام، فهم كرجل أسلم في بلاد كفر قال: لا إله إلا الله، شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، لكن ما علم عن شرائع الإسلام شيئًا ثم مات، تنجيه هذه الكلمة ولَّا لا؟ تنجيه.
أو رجل قال: لا إله إلا الله، ثم مات من فوره تنجيه ولَّا لا؟ تنجيه، ونحن نقول بذلك.
وإني أقول من هذا المكان: إن التكفير والتأمين؛ يعني: الحكم لإنسان بأنه مؤمن أو على إنسان بأنه كافر، يرجع إلى من؟ إلى الله ورسوله، ما هو إلينا، كما أن هذا حلال وهذا حرام يرجع إلى الله ورسوله، إذا حرم الله علينا شيئًا ونحاول أن نقول: هذا حلال، أو إذا أحلوا شيئًا ونحاول أن نقول: هذا حرام، لأيش إذا كفر شيئًا نحاول نقول إنه: غير كافر؟ من أعلم بعباد الله؟ الله عز وجل، فهو الذي يحكم عليهم بالإيمان أو بالكفر، وإحنا علينا أن نقول: سمعنا وأطعنا، وكفَّرنا من تكفِّر يا ربنا، وأدخلنا في الإيمان من لم تخرجه منه، هذه وظيفتنا.
أما أن نقول: والله خلِّ الناس يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولكن شنو؟ عطلوا المساجد، لا تصلون لا في المساجد ولا في البيوت، لا أنتم ولا ذراريكم، تراكم أمة مسلمة، (... ) الإنسان لو تصور هذا القول تصورًا كاملًا لعلم أنه فساد في الواقع؛ لأنك لو تقول الآن للناس على ما فيهم من ضعف الإيمان: ترك الصلاة ليس بكفر، تركوها، وقال: والله ما دام أنا مسلمون ونحن ما نصلي، الحمد لله، هذا اللي نبغي، نقعد إلى الساعة اثنين بالليل، ونكيف ننام إلى الساعة عشرة، ونقوم نقول: يا الله، عسى ما يخصم علينا من راتبنا إن تأخرنا عن الحضور، لكن عقب اليوم نقوم الساعة الثامنة نروح على طول، نصلي الفجر؟ لا، ما نصلي الفجر، أنا أشهد أنه فرض، وأشهدكم أني لن أصلي، الظهر ما فيه صلاة، العصر ما فيه صلاة، مغرب ما فيه صلاة، عشاء ما فيه صلاة، لأيش أصلي؟ طيب واللي ما يصلي يغتسل من الجنابة ولَّا لا؟ ما يغتسل من الجنابة، ليش يغتسل؟ ويتوضأ إذا أحدث، يستنجي إذا بال، ويش نصير؟ بهائم، ما فيه إلا أكل وجماع وبس.
الحقيقة -يا إخواني- المسألة خصوصًا في وقتنا هذا أنا معتقد -والحمد لله- ومؤمن بأن تارك الصلاة كافر، لكن أرى أيضًا أنه يترتب على القول والتوسيع للناس بأنها ليست بكفر مفاسد عظيمة، خصوصًا في وقتنا هذا، وضعف الإيمان وقلة الداعي، وهي الناس أصلًا يمشون الآن، وإحنا نقول لهم: يا جماعة، تراكم تكفرون، وقلنا له: تكفر، وترى زوجتك تنفسخ منك، صار الأمر عليه كبيرًا، ولو نقول له: تكفر، فإن صليت وإلا قتلناك، صار الأمر أعظم، قال: وين درب المسجد؟ بمشي بصلي.
فالحاصل أن القول الراجح بلا شك أنه يكفر، والحمد لله أن الله عز وجل نصب أدلة قائمة على الكفر بدون معارض مقاوم، الدليل قائم، وهو سالم عن المعارض المقاوم، ما بقي علينا إلا أن نقول بما قال الله ورسوله.
نقول: (ولا يقتل حتى يُسْتَتَاب ثلاثًا فيهما) لا يقتل من؟ التارك والجاحد؛ لأنه قال: (ومن جحد وجوبها كفر، وكذا تاركها) الجاحد والتارك لا يقتل حتى يستتاب ثلاثًا فيهما؛ أي: في الجحود والترك.
(يُسْتَتَاب) فعل مضارع مبني للمجهول، فمن اللي يستتيبه؟ من له الأمر؛ الإمام أو نائبه، يستتيبه ثلاثًا، يقول: تب إلى الله وصلِّ، قال: ما أنا مصلٍّ، جئنا أول يوم قال: ما أنا مصلٍّ، في اليوم الثاني جئناه: صلِّ، قال: خلوني أفكر، في اليوم الثالث جئناه، قال: إلى الآن ما انتهى تفكيري، أجلوني إلى قبل الغروب بخمس دقائق، أجلناه قبل الغروب بخمس دقائق، صلى، ثلاثة أيام وصلى قبل مغيب الشمس، يقتل ولَّا لا؟ يقتل.
لكن لاحظ أنه لو مات في هذه المدة فهو كافر، لو مات؛ الله أماته هو يحكم بكفره، لكن ما يقتل، ما قال: ولا يحكم بكفره، قال: (ولا يقتل حتى يُسْتَتَاب)، لو مات فهو كافر، نقول: لا نقتله حتى نستتيبه ثلاثة أيام.
وهذه المسألة مرت علينا أظن في باب المرتد، وذكرنا أن فيها خلافًا بين أهل العلم، وأن فيها عن الإمام أحمد روايتين، ليست خاصة في تارك الصلاة أو جاحد وجوبها، بل في كل مرتد، هل يستتاب المرتد أو لا يستتاب؟
ذكرنا أن المذهب يقولون: إن المرتدين قسمان:
قسم لا تقبل توبتهم، فهؤلاء لا يستتابون، لماذا؟ لأنه لا فائدة، حتى لو تابوا ما قبلنا، مثل من؟ مثل من سبَّ الله أو رسوله، أو تكررت ردته، هذا ما يقبل، يُقتَل حتى لو تاب، لو قال: أشهد أن الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الحي القيوم، ووصف الله بصفاته وقال: أنا تائب من وصف الله تعالى بالنقص والعيب، نقول: نقتله، ما نقبل توبته، ترى هذا المذهب، والصحيح أنه يُقبَل كما تقدم.