الشيخ: نعم، مثال ذلك: هؤلاء جماعة رفقة في سفر وليس معهم ماء أدركوا الوقت، إن صلوا الآن بالتيمم صلوا جماعة، وإن انتظروا حتى يصل الماء، ولنقل: حتى يصلوا لبلدهم تفرقوا فلم يصلوا جماعة، نقول: صلوا جماعة الآن بالتيمم وجوبًا؛ لأن الصلاة واجبة؛ صلاة الجماعة، فيجب ألَّا يفرط الإنسان فيها.
طالب: الحائض إذا كانت قد تطهر بالليل هل يجب عليها أن تقوم كل ساعة لتنظر نفسها؟
الشيخ: لا يجب عليها.
الطالب: ترتاح وتنام؟
الشيخ: إي نعم، ترتاح وتنام؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان.
طالب: (... )؟
الشيخ: ما يطوله، لكن يقدر مثلًا ينزل غترته في الغدير، وإذا رويت من الماء رفعها وعصرها.
طلبة: (... ).
الشيخ: يلزمه (... ) الآن فيها مشقة.
طالب: (... )؟
الشيخ: لا، الماء طبيعي.
الطالب: لا، أقول: نزل عليه مطر والماء بارد وفيه ماء؛ يعني: أصل الماء، هل يتوضأ أو يخشى من البرد؟
الشيخ: إن كان يخشى من الضرر لا بأس، لكن ما يخشى من الضرر (... ) تيمم.
طالب: (... ).
الشيخ: يلزمه ينزل الغترة ويرفعها ويأخذ من اللي بها (... ) أن يقال: إن تيممه الآن صح من مقتضى الدليل الشرعي، فلا يمكن أن ننقضه إلا بدليل شرعي، هاتوا دليلًا شرعيًّا وعلى العين والرأس، وعلى هذا فنقول: ما دام الإنسان باقيًا على طهارته فإنه على طهارته لا يتيمم إلا إذا وجد ناقض.
بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله: (وصفته) أي: صفة التيمم، (أن ينوي ثم يسمي) العلماء رحمهم الله يحتاجون إلى بيان صفة العبادات، لماذا؟ لأن العبادة لا تتم إلا بالإخلاص لله عز وجل والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمتابعة تتحقق بماذا؟ طالب: (... ). الشيخ: لا، قصدي أن المتابعة لا تتحقق إلا أن تكون العبادة موافقة للشرع في ستة أمور: وهي السبب والجنس والقدر والكيفية والزمان والمكان.
إذن: الكيفية لا بد منها، لا يمكن أن تكون العبادة موافقًا فيها الشرع إلا إذا كانت صفتها موافقةً لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لهذا احتاج العلماء أن يذكروا صفة العبادات؛ صفة الوضوء، صفة الصلاة، صفة الحج، صفة الصيام، حتى يكون الإنسان بنى عبادته على اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام.
(صفته: أن ينوي) الواقع أن النية ليست صفة إلا على سبيل التجوز، لماذا؟ لأن النية محلها القلب، وسبق أن نية التيمم تحتاج إلى نيتين في الواقع: نية المتيمَّم له، والمتيمَّم عنه، فينوي التيمم للصلاة من الحدث الأصغر، للصلاة من الحدث الأكبر، للصلاة -على القول بأنه يتيمم للنجاسة- من النجاسة.
(أن ينوي) والنية شرط؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (5).
(ثم يسمي) فيقول: باسم الله، والتسمية هنا كالتسمية في الوضوء خلافًا ومذهبًا، فمن قال: إن التسمية واجبة هناك قال: إنها واجبة هنا؛ لأن هذا بدل، ومن قال: إنها غير واجبة هناك قال: إنها غير واجبة هنا، وسبق لنا أن القول الراجح في التسمية: أنها سنة وليست بواجبة؛ لأن أكثر الواصفين لوضوء الرسول عليه الصلاة والسلام لم يذكروها، وغاية ما فيها قوله عليه الصلاة والسلام: «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» (10)، وهذا النفي يحتمل أن يكون نفيًا للكمال؛ لأن كون الأحاديث الواردة في صفة الوضوء لا تذكر فيها التسمية تدل على أنها ليست من فروض أو واجبات الوضوء، على أن الإمام أحمد رحمه الله قال: إنه لا يثبت في هذا الباب شيء.
والثاني: قال: (ويضرب التراب بيديه مفرجتي الأصابع) يضرب التراب ولم يقل: الأرض، لماذا؟ لأنهم يشترطون التراب، والصواب: ويضرب الأرض كما سبق، سواء تراب أو رمل أو حجر.
أيضًا يقول: (بيديه مفرجتي الأصابع) هكذا علشان يدخل التراب فيما بينها، وقد يقول قائل: ما هو الدليل على أنهما مفرجة الأصابع؟ ما فيه إلا تعليل، ولو نظرنا إلى ظاهر الأحاديث الواردة عن الرسول عليه الصلاة والسلام لقلنا: إنه لا ينبغي ذلك؛ لأن الأحاديث الواردة عن الرسول ضرب بيديه الأرض، ولم تذكر أنها كانت مفرجة، وطهارة التيمم -كما نعلم جميعًا- مبنية على التسهيل والتسامح، وليست كالماء، لكن الفقهاء يرون أنه يجب استيعاب الكفين والوجه بالتراب؛ فلذلك قالوا: مفرجتي الأصابع.
يقول: (ويمسح وجهه بباطنها) أي: باطن الأصابع.
طلبة: (... ).
الشيخ: لا، (بباطنها) أي: بباطن الأصابع، فمثلًا هو الآن ضرب هكذا، يمسح هكذا؛ خل الراحتين ما يمسح بهما، يمسح بباطن الأصابع.
وبعدين: (وكفيه براحتيه) إذا بغى يمسح الكفين ما يقول كذا يقول كذا، الآن نقول: يمسح وجهه بباطنها، وين السائل؟ هذه باطن الأصابع، شفتها؟ يمسح وجهه هكذا؛ بباطن الأصابع الكفين بالراحتين، الراحة معروفة: اللي تحت الأصابع، يقول هكذا يخلي الأصابع هذه مشطبة وهذه أيضًا، كفيه براحتيه، لماذا؟ لأنه لو مسح وجهه بكل الكف ثم جاء بيمسح كفيه صار التراب مستعملًا في طهارة، فيكون طاهرًا غير مطهر، شوف دقة تعبير العلماء يقولون: يكون التراب طاهرًا غير مطهِّر.
الآن ما وصلنا إلى الدليل، الآن نفهم ما هو السبب؛ يعني: الفقهاء لماذا قالوا: لا بد من هذا العمل؟ لأن عندهم قاعدة وأساسًا؛ وهو أن التراب ينقسم إلى ثلاثة أقسام كما أن الماء ينقسم إلى ثلاثة أقسام: طَهور، وطاهر، ونجس، ويقولون: إن المستعمل في طهارة واجبة يكون طاهرًا غير مطهر، فأنت لو تمسح الوجه بكل الكفين، ثم تبغي تمسح الكفين بعضها ببعض مسحت بشيء طاهر غير مطهِّر.
نحن نقول في هذه المسألة: أولًا: لا نسلم تقسيم الماء ولا تقسيم ما هو بدل عن الماء إلى ثلاثة أقسام، وقد سبق لنا أن الصحيح من أقوال أهل العلم الذي اختاره شيخ الإسلام وغيره من أهل التحقيق: أن الماء ينقسم إلى قسمين فقط: طهور، ونجس.
وعلى هذا، فالماء المستعمل في طهارة واجبة يكون طهورًا، التراب المستعمل في طهارة واجبة يكون طهورًا، وحينئذٍ فلا حاجة إلى هذه الصفة؛ لأنها مبنية على تعليل عليل غير صحيح، هذا وجه.
الوجه الثاني: أن نقول: ما هو الدليل على ذلك؟ ما فيه دليل بل بالعكس الدليل على خلافه؛ فإن حديث عمار يقول: مسح وجهه بيديه (1)، بدون تفصيل، وظاهر كفيه ووجهه أيضًا ما فيه تفصيل.
وعلى هذا فنقول: تمسح وجهك بيديك كلتيهما هكذا، وتمسح بعضها ببعض هكذا.
ثم قال المؤلف: (ويخلل أصابعه) وجوبًا ولَّا استحبابًا؟
طلبة: استحبابًا.
الشيخ: هنا وجوبًا، يخلل أصابعه وجوبًا بخلاف الماء، وفرقوا بين الماء والتراب بأن الماء أشد نفوذًا، فيدخل فيما بين الأصابع بدون تخليل، لكن التراب يحتاج إلى تخليل؛ لأنه ما هو بيجري، ليس سائلًا فيحتاج إلى أن تخلل الأصابع، فالتخليل هنا واجب، ولكن نحن نناقش في هذا الشيء ونقول: إن إثبات التخليل ولو سنة فيه نظر، فالرسول عليه الصلاة والسلام في حديث عمار لم يخلل أصابعه.
فإن قلت: ألا يدخل في عموم حديث لقيط بن صبرة: «أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ» (11)؟ الجواب: لا؛ لأن حديث لقيط بن صبرة في الماء يقول: «أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ»، فإن قلتم: نخلل بين الأصابع في التيمم فقل أيضًا: بالغ في الاستنشاق في التيمم، وإلا فلا يصح التفريق؛ ولهذا في نفسي من استحباب تخليل الأصابع شيء؛ لأنه لم يرد، ونحن نعلم جميعًا أن طهارة التيمم مبنية على التيسير والسهولة.
شوف طهارة الماء في الجنابة لازم تغسل كل البدن، وفي التيمم عضوان فقط، أيضًا في التيمم لا يجب استيعاب الوجه والكفين على القول الراجح، بل يسامح عن الشيء الذي لا يصل إليه المسح إلا بمشقة، مثل باطن الشعر لا يجب إيصال التراب إليه، ولو كان الشعر خفيفًا يكتفى بمسح الظاهر منه، مع أنه في الوضوء إذا كان خفيفًا يجب إيصال الماء إلى ما تحت الشعور.
أيضًا ما فيه مضمضة ولا استنشاق، أيضًا ما كان من مسافط الجبهة، بعض الناس في جباههم مسافط لا يجب إيصال التراب إليه بخلاف الماء.
فالصواب: أن نقتصر على ظاهر ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، واتباع الظاهر في الأحكام كاتباع الظاهر في العقائد، إلا ما دل الدليل على خلافه، وإلا فإن النصوص واحدة؛ يعني: كما أننا نتبع الظاهر في الأخبار نتبع الظاهر أيضًا في الأحكام؛ لأن هذه عبادات وهذه اعتقادات، إلا أن اتباع الظاهر في الاعتقادات أوكد؛ لأنها أمور غيبية لا مجال للعقل فيها، بخلاف الأحكام فإنها قد يدخلها المجال العقلي؛ فلذلك تختلف بعض الاختلاف عن العقائد، إنما الأصل أننا مكلفون بماذا؟
طالب: بالظاهر.
الشيخ: بالظاهر، هذا الأصل، فالكيفية عندي اللي توافق ظاهر السنة: أن تضرب الأرض بيديك ضربة واحدة بدون تفريج الأصابع وتمسح وجهك بكفيك، ثم تمسح الكفين بعضهما ببعض، وبذلك يتم التيمم.
طالب: النفخ؟
الشيخ: النفخ سنة؛ لأنه ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه نفخ، ولكن بعض العلماء قيدها بما إذا كان علق بهما تراب كثير.
طالب: لو قلنا ذلك إذن التشهد والبسملة لا داعي؟
الشيخ: لا؛ لأنها خارجة عن الكيفية.
الطالب: إذن تلحق به؟
الشيخ: إي، الظاهر أنها يثبت لها.
طالب: شيخ، الصور.
الشيخ: ليس فيه (... ) ولا تراب.
أولًا: هذه المسألة مرت علينا في هذا الكتاب، الشيء الثاني: ينبغي للإنسان أن يأخذ قواعد عامة في الشرع يحوِّل عليها المسائل الفردية، فقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16] هذه قاعدة عامة، كل ما يشكل عليك من هذه المسائل حولها عليها، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] هذا اللي لم يجد ماءً ولا ترابًا هو بين أمرين؛ إما ألَّا يصلي، وإما أن يصلي بلا ماء ولا تراب، إن لم يصلِّ لم يتق الله، وإن صلى بدون ماء ولا تراب اتقى الله ما استطاع (... ).
[باب إزالة النجاسة]
الكلام على طهارة الحدث، بدأ بطهارة النجاسة الخبث؛ وذلك لأن الطهارة -كما سبق- الطهارة الحسية؛ إما عن حدث، وإما عن نجس.
وقد سبق أن الحدث هو وصف قائم بالبدن يمنع من الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة، أما الخبث فإنها عين مستقذرة شرعًا؛ يعني: الشرع هو الذي استقذرها وحكم بنجاستها وخبثها، فهي عين وليست وصفًا ولا معنًى، عينٌ مستقذرة شرعًا.
وهي -أي النجاسة- إما حكمية، وإما عينية، والمراد بهذا الباب النجاسة الحكمية؛ وهي التي تقع على شيء طاهر فيتنجس بها، أما النجاسة العينية فإنه لا يمكن تطهيرها أبدًا، لو تأتي بمياه البحار كلها على روثة من حمار ما طهرت؛ لأن نجاستها عينية؛ أي: أن عينها نجس، ولا يمكن أن يطهر بالمياه أبدًا، فالمراد بالنجاسة هنا النجاسة الحكمية.
وحينئذٍ نقول: طهارة من حدث، وطهارة من نجاسة حكمية؛ وهي التي وردت على محل طاهر، كثوب أصابه بول وأرض أصابها روث، وما أشبه ذلك، هذه هي التي فيها الكلام.
إذن النجاسة الحكمية هي أيش؟
طلبة: الواردة على محل طاهر.
الشيخ: الواردة على محل طاهر، وهي التي الكلام فيها، أما النجاسة العينية فإنه لا يمكن تطهيرها؛ لأنها نجسة بعينها، فكيف نطهرها؟ إلا إذا استحالت على رأي بعض العلماء، وعلى المذهب في بعض المسائل، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
إزالة النجاسة، هل يشترط لها الماء أو لا يشترط؟ فيه خلاف بين العلماء؛ منهم من قال: إنه يشترط لإزالتها الماء، ومنهم من قال: إنه لا يشترط، وإنه متى زالت عين النجاسة بأي مزيل كان فإنها تطهر؛ لأن إزالة النجاسة التخلي؛ تخلٍّ عن شيء خبيث، فمتى زال هذا الخبيث زال حكمه؛ ولذلك لا تشترط لها النية؛ لو كان ثوبك معلقًا وجاء المطر وأمطر عليه حتى طهر، يطهر أو لا؟
طلبة: يطهر.
الشيخ: يطهر، وكذلك أيضًا ثبت تطهير البول والغائط بالاستجمار، وهو بغير الماء، وصح عن النبي عليه الصلاة والسلام أن الإنسان إذا وطئ الأذى بنعليه فطهورهما التراب (12)، وكذلك ذيل المرأة الذي يسحب على الأرض من ورائها من ثوبها يطهره ما بعده، إن تلوث بنجاسة طهر بمرورها على الأرض الطاهرة.
المهم، أن العلماء اختلفوا هل يشترط للتطهير من النجاسات أن يكون ذلك بالماء أو لا يشترط؟ والصحيح: أنه لا يشترط؛ لأن النجاسة عين خبيثة متى زالت زال حكمها.
أما المذهب: فإنها لا تزول إلا بالماء، ولهذا مر علينا في أول كتاب الطهارة قال: (طهور لا يرفع الحدثَ ولا يزيل النجسَ الطارئَ غيرُه) وأجاب عن التيمم والاستجمار بأن ذلك مبيح وليس برافع.
ثم إن النجاسة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: مغلظة ومخففة ومتوسطة.
يقول المؤلف رحمه الله: (يجزئ في غسل النجاسات كلها إذا كانت على الأرض غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة) وهذا تخفيف باعتبار الموضع الذي طرأت عليه النجاسة، هذا إذا كان أرضًا فإنه يشترط لطهارته أن تزول عين النجاسة أيًّا كانت النجاسة.
بـ (غسلة واحدة) فإن لم تزل إلا بغسلتين فغسلتان، أو بثلاث فثلاث، لكن إذا زالت بغسلة واحدة ولو من كلب فإن ذلك يجزئ، دليل ذلك: قول النبي صلى الله عليه وسلم حين بال الأعرابي في المسجد قال: «أَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ»، أو قال: «ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ» (13) ولم يأمر بعدد، بل قال: «أَرِيقُوا عَلَيْهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ»، فدل هذا على أن النجاسة على الأرض يُكتفى فيها بغسلة واحدة، حتى وإن كانت نجاسة كلب، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- بيان الفرق بين الأرض وبين غيرها في نجاسة الكلب.
هذه أظنها مسألة واضحة
لكن إن كانت النجاسة ذات جرم فلا بد أولًا من إزالة الجرم، كما لو كانت عذرة أو دمًا جف فلا بد من إزالة هذا أولًا، ثم تتبع الماء، فإن أزيلت النجاسة بكل ما حولها من رطوبة اجتثت اجتثاثًا يحتاج إلى غسل ولَّا لا؟
طلبة: لا يحتاج.
الشيخ: لا يحتاج؛ لأن المكان الذي تلوث بالنجاسة أزيل كله.
قال: (وعلى غيرها) يعني: يجزئ في غسل النجاسات على غيرها، (سبع) لا بد من سبع غسلات كل غسلة منفصلة عن الأخرى؛ يغسل أولًا، ثم يعصر، ثم ثانيًا، ثم يعصر، وهكذا حتى يتم سبع.
لكن قال: (إحداها بتراب في نجاسة كلب وخنزير) (إحداها) أي: إحدى الغسلات بتراب في نجاسة الكلب والخنزير؛ أما الكلب فقد دل عليه النص الثابت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة وحديث عبد الله بن مغفَّل: أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر إذا ولغ الكلب في الإناء أن يغسل سبع مرات إحداها بالتراب (14)، وفي رواية: «أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» (15)، وهذا اللفظ أخص من (إحداهن)، لماذا؟ لأن: (إحداهن) يشمل الأول والثاني والثالث إلى السابع، و (أولاهن) أخص؛ ولهذا قال العلماء: الأَوْلى أن يكون التراب في الأُولى، وهو من حيث النص أولى كما سمعتم، ومن حيث المعنى أولى؛ لأنك إذا جعلت التراب في أول غسلة صار ما بعدها من غسلات من النجاسات المتوسطة؛ يعني: أنها تخف النجاسة فيه؛ ولهذا لو أصاب الماء في الغسلة الثانية بعد التراب محلًّا آخر كم يغسل؟ يغسل ستًّا بدون تراب، ولو جعلت التراب في الأخيرة وأصابت الغسلة الثانية محلًّا آخر غسل ستًّا إحداها بتراب، إذن فهذا وجه ثالث يرجح أيش؟ أن تكون الأُولى أَولى بوضع التراب فيها (إحداها بتراب).
قال المؤلف: (في نجاسة كلب) وهو شامل للكلب الأسود وغيره، والمعلَّم وغيره، والمباح اقتناؤه وغيره، كل الكلاب؛ والصغير والكبير، وشامل أيضًا لما تنجس بالولوغ أو بالبول أو بالروث أو بالريق أو بالعرق؛ لعموم كلام المؤلف: (في نجاسة كلب) يشمل ما لو مشى الكلب على أرض رطبة فإنه يشمله هذا الحكم، صح؟
طلبة: (... ).
الشيخ: لأن الأرض لها حكم خاص؛ يكفي فيها واحدة كما سبق.
إذا قال قائل: ما هو الدليل على عموم الكلاب؟ قلنا: الدليل قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ» (الكلب) وهذا إما أن تكون (أل) للجنس؛ أي: لحقيقة الجنس، أو (أل) للعموم لعموم الجنس، فسواء كانت لعموم الجنس أو لحقيقة الجنس فإنها دالة على العموم؛ أن كل كلب يجب أن يغسل الإناء إذا ولغ فيه سبع مرات إحداها بالتراب.
فإذا قال قائل: هذا في الكلاب غير الأليفة وغير المباحة ظاهر، لكن الكلاب الأليفة والكلاب المباحة الاقتناء ألا يكون فيها مشقة؟
قلنا: بلى قد يكون فيها شيء من المشقة، لكن هذه المشقة تزول بحماية الكلب عن الأواني المستعملة بأن يجعل له أنية مخصوصة يكون فيها طعامه وشرابه، ولا يمكن أن نخرج الكلب الأليف أو الكلب المعلَّم الذي يباح اقتناؤه عن العموم، مع أن تداوله بين الناس أيش أكثر ولَّا لا؟ أكثر؛ لأننا لو أخرجنا هذا من عموم (الكلب) لكنا أخرجنا أكثر ما دلَّ عليه اللفظ، وهذا غير سديد بالنسبة للاستدلال، وعليه فيكون الكلب عامًّا في كل شيء.
بقي أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أنما نص على الولوغ: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ»، فبأي شيء تلحقون الروث والبول؟ يعني: لو قال: اقتصروا في هذا على ما ورد به النص على الولوغ فقط، قلنا: قد قال بذلك من قال من الظاهرية، وقالوا: إن هذا الحكم فيما إذا ولغ الكلب ولوغًا؛ يعني: شرب من الإناء، أما بوله وروثه فهو كسائر النجاسات، وطريقتهم في ذلك ظاهرة؛ لأنهم لا يرون القياس.
أما الفقهاء فيقولون: إن بوله وروثه كولوغه، بل هو أخبث، ويكون النص على الولوغ؛ لأن هذا هو الغالب؛ إذ إن الكلب لا يبول ولا يروث في الأواني، وإنما يلغ فيها فقط، فالرسول عليه الصلاة والسلام ذكر ذلك من باب الغالب، وما كان من باب الغالب فلا مفهوم له.
ولهذا تجدون أحيانًا من تصرف العلماء يقولون: هذا قيد أغلبي لا مفهوم له، فيقولون: إن الرسول عليه الصلاة والسلام ذكر الوضوء دون بقية النجاسات؛ لأنه الغالب، وما كان مبنيًّا على الغالب فإنه لا يكون له مفهوم، ولا يُخصَّص به الحكم.
لكن بعض المتأخرين يرجح مذهب الظاهرية، لا من أجل الأخذ بالظاهر، لكن من أجل امتناع القياس؛ لأن القياس: مساواة الفرع للأصل في العلة حتى يساويه في الحكم، أما أن يقاس هذا على هذا بدون تساوٍ في العلة فهذا لا يصح؛ لأن الحكم مركب على العلة، فإذا اشتركا في العلة اشتركا في الحكم، وإلا فلا.
قال بعض المتأخرين: والفرق هو أن لعاب الكلب فيه أشياء ضارة في الإنسان دودة شريطية مثل الشريط، هذه يقولون: إنها في لعابه كثيرًا، وإذا ولغ انفصلت من لعابه في هذا الإناء، فإذا استعمله أحد بعده فإن هذه الشريطية الدودة تتعلق بمعدة الإنسان وتخربها، وأنه لا يتلفها إلا التراب؛ ولذلك اشترطوا أن تكون الإزالة بالتراب فقط الذي نص عليه الشرع التراب.
ولكن هذه العلة إذا ثبتت من الناحية الطبية فهل هي منتفية في روثه وبوله؟ يجب أن ينظر؛ إذا ثبت أنها منتفية فإن هذا القول يكون له وجاهة، وإلا فإن البقاء على ما ذهب إليه الفقهاء أولى، وهو من الناحية الاحتياطية أولى؛ لأنه أحوط، فإنك لو طهرته سبعًا إحداها بالتراب لم يقل لك أحد: أخطأت، ولكن لو لم تطهره قال لك من يقول: إنه لا بد من سبع بالتراب: إنك أخطأت، وإن صلاتك لا تصح إذا لم تتطهر هذه الطهارة.
إذن نتوصل الآن إلى أن الاحتياط أن يلحق بوله وروثه بولوغه، هذا الاحتياط.
وقول المؤلف: (كلب وخنزير)..
وخِنزيرٍ ويُجزئُ عن الترابِ أُشنانٌ ونَحْوُه، وفي نجاسةِ غيرِهما سبعٌ بلا تُرابٍ، ولا يَطْهُرُ مُتَنَجِّسٌ بشَمْسٍ، ولا ريحٍ، ولا دَلْكٍ ولا استحالةٍ غيرَ الخَمْرَةِ، فإنْ خُلِّلَتْ أو تَنَجَّسَ دُهْنٌ مائعٌ لم يَطْهُرْ، وإن خَفِي مَوْضِعُ نجاسةِ غُسِلَ حتى يُجْزَمَ بزَوالِه، ويَطْهُرُ بولُ غلامٍ لم يَأْكُل الطعامَ بنَضْحِه، ويُعْفَى في غيرِ مائعٍ ومطعومٍ عن يسيرِ دمٍ نَجِسٍ
وقوله: (وخِنْزير)، الخنزير حيوان معروف بفَقْدِ الغيرة، ما عنده غيرة أبدًا، وحيوان أيضًا معروف بالخبث وأكلِ العَذِرة، وفيه أيضًا في لحمه أشياء من الميكروبات الضارَّة، التي قيل: إِن النَّار لا تؤثِّر في قتلها، ومن ثم جاء الشرع بتحريمه، والحمد لله.
الخنزير لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام أن نجاسته تُغسل سبعَ مرات، ما جاء عن الرسول، ولكنْ قال العلماء: إنه يُلْحَق بالكلب إلحاقًا أولويًّا؛ لأنه أخبث من الكلب، هذا هو الذي جعل الفقهاء -رحمهم الله- يُلحقون الخنزير بالكلب؛ قالوا: لأنه أخبث منه، فكان أوْلى بالحكْم منه، ولكنَّ هذا القياس -فيما أرى- قياسٌ ضعيف؛ لأن الخنزير موجود في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، ذُكِر في القرآن، ليس شيئًا خفيًّا على الناس في ذلك الوقت، فلماذا لم يُلْحِقْهُ النبي صلى الله عليه وسلم بالكلب؟ ولهذا، الصَّحيح أن نجاسة الخنزير كنجاسة غيره؛ يعني: تُغسل كما تُغسل بقية النَّجاسات، لا يشترط سبع ولا تراب، على القول الراجح.
وقال المؤلف: (ويُجْزِئ عن التُّراب إشنانٌ ونحوه).
والإشنان: معروف عند.. ؟
طالب: (... ) من السياق أنه يريد (... ) الصابون.
الشيخ: لا، قوله: (ونحوه) هو اللي فيه الصابون، لكن إشنان ما هو بالصابون.
طالب: (... ).
الشيخ: الإشنان شجر يُدق، ويكون حبيبات زي حب السُّكَّر أو أصغر، تُغسل به الثِّياب سابقًا؛ لأن الصابون كان قليلًا.
الإشنان هو خشن كخشونة التُّراب، ومنظِّف، ومزيل، لا شك، فمن ثم قال المؤلِّف: إنه (يجزئ عن التُّراب)، ولكن إذا نظرنا إلى أن الإشنان موجود، والسدر موجود في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، ولم يشر النبي عليه الصلاة والسلام إليهما، بل قال: التُّراب، فإن في إلحاق الإشنان والصابون والسدر وما أشبهها، في إلحاقها بالتراب نظر، ولهذا قال بعض العلماء: إنه لا يجزئ عن التراب شيء؛ أولًا: لأن الشرع نص عليه، والواجب اتباع النص.
ثانيًا: لعل في التراب مادة هي التي تقتل الجراثيم التي تنطلق من ريق الكلب، وهذا ممكن يكون.
ثالثًا: أن التراب أحد الطهورين، كيف أحد الطهورين؟
طلبة: لأنه (... ).
الشيخ: نعم؛ لأنه يقوم مقام الماء في باب..
طلبة: التيمم.
الشيخ: التيمم إذا عدم، فربما أن للشارع ملاحظة؛ حيث اختار التراب على غيره لكونه أحد الطهورين، وأنه طهور، «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (1)، لكن جعل لي الإشنان طهورًا؟ لا، ما جاء في الحديث، «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»، ولذلك الصحيح أن الإشنان لا يجزئ عن التراب، نعم لو فرض أنه لم يوجد تراب، وهذا فرض بعيد، لكن لو فرض، فإن استعمال الإشنان أو الصابون خير من عدمه؛ لأنه مزيل بلا شك منظف، لكن كوننا نجزم بأنه مجزئ عن التراب مع نص الشارع عليه؟ لا.
ظاهر كلام المؤلف أن الكلب إذا صاد صيدًا، وأمسك الصيدَ بفمه، وجاء به إلينا، فلا بد أن نغسل اللحمة..
طلبة: سبعًا.
الشيخ: سبعًا، إحداها بالتراب، أو بالإشنان أو الصابون، نعم، أليس هكذا؟
طلبة: بلى.
الشيخ: بلى، وهو أيضًا المعروف من المذهب، أنه يجب غسل ما أصابه فم الكلب من الصيد سبع مرات إحداها بالتراب، أو الإشنان ونحوه، أعرفتم؟ مشكِل لو غسلناه بالتراب وهو لحم، معناه متى ينظف، هه، يمكن ما يروح، إي نعم، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن هذا مما عفى الشارع عنه، وإن شئنا أن نكون ظاهرية، قلنا: إن الرسول يقول: «إِذَا وَلَغَ» (2)، ما قال: إذا عض.
نعم، إذا ولغ، فقد يكون الكلب يخرج من معدته عند الشرب أشياء ما تخرج عند العض، المهم أنه لا شك كأن الإنسان يرى المسألة رأي عين، أن الصحابة رضي الله عنهم إذا جاء الكلب بالصيد إليهم فإنهم لا يغسلونه سبع مرات، إحداها بالتراب، كأنما تشاهد ذلك رأي عين، وعلى هذا فإنه يكون معفوًّا عنه، وإذا كان معفوًّا عنه شرعًا، زال ضرره قدرًا، انتبه لهذه الفائدة، ما عفي عنه شرعًا زال ضرره قدرًا، أرأيت الميتة؟ نجسة، وحرام، وإذا اضطر الإنسان إليها أكلها ولم يتضرر منها، أكلها ولم يتضرر، انظر للحمار قبل أن يُحرّم، وهو طيب يؤكل، ولما حُرم صار خبيثًا نجسًا، فالله عز وجل هو القادر وهو الفاعل وهو المُشَرّع، فإذا كان هذا محلَلًا لنا شرعًا، ولم يَرد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه أمر بغسل ما أصابه فَمُ الكلب، ولا عهدناه من فعل الصحابة رضي الله عنهم، وأصل هذه المسألة مبنية على إيش؟
طلبة: (... ).
الشيخ: على التيسير..
طلبة: (... ).
الشيخ: لا، قصدي بالنسبة لصيد الكلب مبنية على التيسير، وإلا لجاز أن الله عز وجل يكلف العباد أن يصيدوا بأنفسهم لا بكلاب معلَّمة، فإن التيسير يشمل حتى هذه الصورة، ألّا يجبَ غسل ما أصابه فم الكلب، وأن يكون مما عفى الله عنه، وإذا كان مما عفى الله عنه، فما عُفي عنه شرعًا زال ضرره قدرًا.
قال: (وفي نجاسة غيرهما سبعٌ بلا تراب).
يعني: ويجزئ في نجاسة غيرهما سبع بلا تراب.
طيب، الآن لا بد من سبع غسلات، تغسل أولًا ثم تعصر، ثم تغسل ثم تعصر، هكذا حتى يتم السبع، وإن احتاج إلى دلك فلا بد من الدلك، أعرفتم؟
طيب لو قال قائل: إذا زالت النجاسة بأول مرة أيطهر؟
طلبة: لا.
الشيخ: على كلام المؤلف لا، لو زالت بالثانية ما يطهر، بالثالثة ما يطهر، بالرابعة ما يطهر، بالخامسة ما يطهر، بالسادسة ما يطهر، لا بد من سبع، حتى لو زالت بأول مرة، وبقي المحل نظيفًا لا رائحة فيه، ولا لون فيه، فإنه لا بد من سبع.
نحن قلنا فيما سبق: إن النجاسة عين مستقذرة شرعًا، وأن هذه العين متى زالت بأي مُزيل زال حُكمها، هذا الصحيح، وهو الذي ينبني على القواعد العامة، فإذا زالت في أول غسلة فما هو الدليل على السبع؟
قالوا: الدليل على السبع، حديث ابن عمر: أمرنا بغسل الأنجاس سبعًا (3)، والآمر الرسول عليه الصلاة والسلام؛ يعني إذا قال الصحابي: أُمرنا، توجَّه الأمر إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا من باب المرفوع حُكمًا، وهذا نص صريح، أمرنا بغسل الأنجاس، هذا دليله.
القول الثاني في المسألة: أنه لا بد من الغسل ثلاثًا، لا بد من الغسل ثلاثًا، واستدلوا بأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يُكرر الأشياء دائمًا ثلاثًا، حتى الوضوء أعلاه ثلاثًا.
والقول الثالث: يكفي غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة؛ يعني يطهر بها المحل، واستدل هؤلاء بأثر ونظر، أما الأثر فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذُكر له دم الحيض يصيب الثوب، ويش قال؟ قال: «تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ تَنْضَحُهُ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ» (4)، وهل ذكر عددًا؟ لا، الحديث ما فيه ذكر عدد، ليس فيه ذكر العدد، والمقام مقام بيان؛ لأنه جواب سؤال، وجواب السؤال لا بد أن يكون إيش؟
طالب: (... ).
الشيخ: بيّنًا واضحًا، لا بد أن يكون بيّنًا واضحًا، فلو كان هناك عدد معتبر لبينه الرسول عليه الصلاة والسلام، ولهذا لما كان الدم يكون جافًّا، قال: تَحتُّه أولًا، تَحتُّه، ما قال: تغسله، مع أنه من الممكن يغسل ومع تكرار الغسل يزول، ولو كان جافًّا، لكن بدأ بالأسهل، فلو كان العدد معتبرًا لَبَيَّنَه النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا دليل أثري على عدم اعتبار العدد، هناك أيضًا دليل نظري، وهي أن النجاسة عينٌ خبيثة، متى زالت زال حكمها، وهذا دليل عقلي واضح جدًا، وعلى هذا فلا يُعتبر للنجاسات عدد، ما عدا الكلب الذي نُص عليه، والكلب يمتاز عن غيره بأنه لا بد من سبع، ولا بد من تراب، اللي غيره ما فيه التراب.
بقينا في الجواب عن ما ذُكر عن ابن عمر؟
فالجواب عنه من وجهين:
الوجه الأول: أنه لا أصل له، فهو حديث لم يصح.
والوجه الثاني: وعلى تقدير صحته فقد روى الإمام أحمد حديثًا، وإن كان فيه نظر، لكن فيه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرَ بِغَسْلِ الْأَنْجَاسِ سَبْعًا، ثُمَّ سَأَلَ التَّخْفِيفَ، فَأُمِرَ بِغَسْلِهَا مَرَّةً وَاحِدَةً (5)، فيُحمل حديث ابن عمر إن صح على أنه كان قبل النسخ، وعليه فيسقط الاستدلال به، فالصحيح إذن أن غير الكلب يكْفي فيه غسلةٌ واحدة تُطهِّر المحل إذا زالت النجاسة، فإن لم تزل بغسلة؟
طلبة: (... ) ثانية.
الشيخ: فثانية وثالثة، لو يكون عشر مرات، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام في اللاتي يُغَسِّلْنَ ابنتَه: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ» (6)، مع أن تطهير الميت ليس عن نجاسة في الغالب، لكن إذا كان التطهير الذي ليس عن نجاسة يُزاد فيه على السبع إذا رأى الغاسل ذلك، فما كان من نجاسة من باب أولى بلا شك، بل يجب أن يُغسَل حتى تطهر النجاسة، لو بلغ سبعين مرة.
بقينا في النجاسة المخففة.
طالب: (... ).
الشيخ: الوجه الثاني، أنه على تقدير صحته فهو منسوخ.
طيب، النجاسة المخففة..
طالب: الرد يا شيخ على (... ) الأشياء (... ).
الشيخ: هذا أيضًا يقال: إن الأشياء هذه تعبدية، في الوضوء هو شبه تعبدي، أما هذا نجاسة مستقذرة متى زالت طهرت، ولهذا الوضوء تكرره ثلاثًا ولو كنت نظيفًا جدًّا.
بقينا النجاسة المخففة: هي بول الغلام الذي لم يأكل الطعام، ولهذا ذكره المؤلف في قوله: (ويطهر بول غلامٍ لم يأكل الطعام بنضحه).
بول الغلام الذي لم يأكل الطعام، هذا يكفي فيه النضح، وإيش معنى النضح؟ النضح أن تصب الماء عليه صبًّا فقط، بدون عصر، ولا دَلك، دليله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ» (7)، وجيء إليه بصبي لم يأكل الطعام فبال في حجره، فدعا بماء فأتبعه إياه (8)، ولم يعصر ولم يَدْلك.
إذن نعود لنُقسم النجاسة، النجاسة إما أن تكون على الأرض، أو على غيرها، فإن كانت على الأرض كفى فيها غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة أيًّا كانت تلك النجاسة، وإن كان على غير الأرض فالنجاسة ثلاثة أقسام: مغلظة ومخففة ومتوسطة، المغلظة نجاسة الكلب، والمخففة بول الغلام الصغير الذي لم يأكل الطعام، والمتوسطة ما عدا ذلك، استثنِ الأعلى والأدنى، وما سواهما فمتوسط، هذا المتوسط، المؤلف رحمه الله يرى أنه لا بد فيه من سبع غسلات تَذهب بعين النجاسة، والصحيح أنه لا يشرط فيه السبع، بل متى زالت عين النجاسة طَهُر المحل.
المؤلف رحمه الله تعالى: (ولا يَطْهُرُ مُتَنَجِّسٌ بشمس).
كلمة (متنجس) نكرة في سياق النفي، فتعم كل متنجس، سواءٌ كان أرضًا أو ثوبًا أو فراشًا أو جدارًا أو مركوبًا أو غير ذلك، أي متنجس فإنه لا يطهر بالشمس.
وعُلم من قوله: (متنجس) أن النجس يطهر بالشمس؟
طلبة: لا يطهر.
الشيخ: النجس ما يطهر بالشمس؟
طلبة: ولا بغيرها..
الشيخ: ولا بغيرها؛ لأن النجاسة العينية لا تطهر.
إذن (متنجس) يعني: ما أصابته النجاسة، (بشمس) فالشمس لا تُطَهِّر؛ لأن الله عز وجل يقول فيما ذَكَر عن المطر: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: 11]، فجعل الماء هو آلة التطهير، وقال النبي عليه الصلاة والسلام في البحر: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ» (9)، وقال في الماء يُفطر عليه الصائم: «فَإِنَّهُ طَهُورٌ» (10)؛ أي: تحصل به الطهارة، فلم يَذكر النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يذكر الله عز وجل شيئًا يُطَهِّر إلا الماء، وعلى هذا فلا يَطْهُر المتنَجس بالشمس، كيف ذلك بالشمس؟
يعني هذا شيء متنجس بادٍ للشمس، مع طول الأيام زالت النجاسة، ولم يبق لها أثر، ولنفرض أنه بول، البول إذا كان على الأرض يكون له أثر ولّا لا؟ تعرف حدوده من الأرض، فهو بمرور الشمس عليه عدةَ أيام زال بالكلية، حتى إنك لترى هذا المكان الذي كان بالأمس متغيرًا، تراه اليوم غير متغير، يقول المؤلف: إنه (لا يَطْهُر)، بل لا بد من الماء، لا بد من الماء وإن كان النجاسة ليس لها أثر الآن؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، لا بد، لما سمعتم من الأدلة، وهذا الذي ذكره المؤلف هو المشهور من مذهب الإمام أحمد وعليه الجمهور، وذهب أبو حنيفة رحمه الله إلى أن الشمس تُطَهِّر، وأن عين النجاسة إذا زالت بأي مُزيل كان فإن المكان يَطْهُر، وعلى هذا فيَطْهُر المتَنَجّس بالشمس، إذا زال أثر النجاسة نهائيًّا، والذي قاله أبو حنيفة هنا هو الصواب؛ لأن النجاسة كما أسلفنا من قبل عينٌ خبيثة، نجاستها بذاتها، فإذا زالت ذهب ذلك الوصف، وعاد الشيء إلى طهارته، ويدل لهذا أنه لا يُشترط لإزالة النجاسة نية، فلو أن المطر نزل على الأرض طَهُرَتْ، ولو نزل على الثوب حتى زالت النجاسة طهُر الثوب، واضح؟ ولو أنك توضأت، وقد أصابت ذراعَك نجاسةٌ وتوضأت، ثم بعد أن فرغت من الوضوء ذَكرت، تزول النجاسة ولاّ لا؟
طلبة: تزول.
الشيخ: تزول إلا على المذهب؛ لأنهم يشترطون..
طلبة: النية.
الشيخ: لا، ما يشترطون النية، يشترطون سبع غسلات، والإنسان ما يتوضأ بسبع، المهم أننا نقول: إن قول أبي حنيفة هو الصواب؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وإزالة النجاسة ليست من باب المأمور به حتى نقول: لا بد من فعله، بل هو من باب اجتناب المحظور، فإذا حصل في أي سبب كان ثبت الحكم، فإن قُلت: يرد على ذلك حديث أنس بن مالك: أن أعرابيًّا دخل المسجد، فبال في طائفة منه، فزجره الناس، فنهاهم النبي عليه الصلاة والسلام، فلما قضى بوله، أمر بذنوب من ماء فأُريق عليه (11)، وهذا يدل على أن الأرض تطهر بالماء، فالجواب على ذلك أن أمر النبي عليه الصلاة والسلام بأن يُصب عليه الماء لأَجل المبادرة بتطهيره؛ لأن الشمس بالطبع ما هي تأتي على طول تطهره، تحتاج إلى أيام، لكن الماء يُطهِّره في الحال، فالفائدة هنا سرعة تطهير المكان، والمسجد كما نعلم جميعا يحتاج إلى المبادرة بتطهيره؛ لأنه مصلَّى الناس، بل إننا قدّمنا سابقًا أنه ينبغي للإنسان أن يبادِر بإزالة النجاسة على المسجد وعلى غيره، حتى على ثوبه، وعلى مصلاه الخاص؛ لأن هذا هو هدي النبي عليه الصلاة والسلام، تخلصًا من هذا القذر، ولئلا يَرِدَ على الإنسان نسيان أو جهالة بمكان النجاسة، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: طيب، نقول: الصحيح أنه يطهر بالشمس، والعلة واضحة، فإن قلت: ما الجواب عما استدلوا به؟
فالجواب: أننا لا ننكر أنه طهور، أن الماء مُطَهِّر، وأن الماء أيسر شيء يُتطهر به الأشياء، ولكنَّ إثبات كونه طَهورًا لا يمنع أن يكون غيره أيضًا مُطَهِّرًا؛ لأن لدينا قاعدة أظن، وهي عدم السبب المعيَّن لا يقتضي انتفاء المسبَّب المعين، سواء كان دليلًا أو غير دليل، المهم أن انتفاء المؤثِّر المعيَّن لا يلزم منه انتفاء المؤثَّر به؛ إذ قد يكون المؤثر شيئًا آخر، وهذا هو الواقع بالنسبة للنجاسة.
قال: (ولا ريح)، أيضًا لا يطهُر المتنجس بالريح، وهذا أيضًا هو المشهور من المذهب والعلة أو الدليل ما سبق.
والقول الثاني: أنه يطهُر بالريح، لكن ليس مجرد يُبْسِهِ تَطْهيرًا، بل لا بد أن يمضي عليه زمن، بحيث تزول عين النجاسة.
(ولا دلك) ولا يطهر المتنجس بالدلك، ولو كان الشيء صقيلًا، بحيث تذهب عين النجاسة تمامًا، فإنه لا يطهُر بالدلك، ونحن نقول: الموضع الذي تنجس منه ما لا يطهِّره الدلك.
نقول: المؤلف يرى -رحمه الله- أن المتنجِّس لا يطهُر بالدلك مطلقًا، أي سواءٌ كان صقيلًا تذهب عين النجاسة بدلكه، أو غيرَ صقيل؛ يعني: حَرَشًا لا تذهب عنه النجاسة بدلكه، فلو تنجست مرآةٌ، تعرفون المرآة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، ثم إن هذا الرجل دلك هذه النجاسة، دلكها حتى زالت، وظهرت المرآة واضحة جدًّا، ما فيها أي دنس، فعلى رأي المؤلف؟
طلبة: لا تطهُر.
الشيخ: لا تطهر، حتى لو ظهرت، بادية ظاهرة من أنظف ما يكون فإنها لا تطهر.
والقول الثاني في المسألة: أن الدلك ينقسم إلى قسمين؛ إما أن يكون دلكَ ما يمكن إزالة النجاسة بدلكه، أو دلكَ ما لا يمكن إزالة النجاسة بدلكه، فالأول الصحيح أنه يطهر بالدَلك، مثل الصقيل؛ كالمرآة والسيف، وما أشبه ذلك.
طلبة: البياض؟
الشيخ: نعم، البياض قد يكون يتشرب النجاسة، لكن مثل هذا ما يشرب النجاسة، المهم أنا أعطيتكم قاعدة، والأمثلة عندكم أنتم، ما شاء الله أنتم أدرى منا بكثير من المسائل هذه.
أما الثاني، النوع الثاني: فهو شيء يُدلَك، لكن لا تزول النجاسة بدلكه لكونه حَرشًا، فهذا نقول: لا يطهُر بالدلك؛ لأنك مهما دلكته فإن أجزاءً من النجاسة سوف تبقى في خلال ذلك الحَرش، فلا يطهُر، والعلة؟ العلة ما سبق من أن هذه النجاسة عين مستخبثة، متى زالت زال حكمها.
قال: (ولا استحالة).
طالب: مثال هذا؟
الشيخ: الحرش، معك كتاب الآن؟
طالب: نعم.
الشيخ: المسه، لا يمكن ما هو خشن، المهم بعض المجلدات تكون خشنة.
طالب: (... ).
الشيخ: هذه ما أدري، لا فيها..
طالب: (... ).
الشيخ: على كل حال فيها..
طالب: (... ).
الشيخ: خشب، لكن ما ودّنا نأتي بشيء يتشرب، عندك المِبرد، تعرف المِبرد الحديد؟ ما هو أحرش؟ هذا هو، هذا لا بد من غسله، إي نعم.
يقول: (ولا استحالة)، استحال بمعنى: تحول من حال إلى حال؛ يعني النجاسة لا تَطهُر بالاستحالة؛ يعني بتحولها من حال إلى آخر؛ لأن عين النجاسة باقية، مثال ذلك: روث حمار أوقدنا به، صار رمادًا، هل يطهر أم لا؟
طلبة: لا يطهر.
الشيخ: كلام المؤلف، لا يطهر؛ لأن هذه هي عين النجاسة، وقد مر علينا أن النجاسة العينية ما تطهُر أبدًا، طيب الدُخان المتصاعد من هذا الوقود نجس ولّا طاهر؟
طلبة: نَجِس.
الشيخ: نجس، إي نعم، على كلام المؤلف نجس، لأيش؟ لأنه مستحيل؛ يعني هو متولد من هذه النجاسة، فاستحال دخانًا فخرج، فلا يكون طاهرًا، فلو أن ثوبك تلوّن به أو مس ثوبك وهو رطب، فإنه لا بد من غَسله.
طيب، كلب سقط في مملحة، تعرفون المملحة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: المملحة أرض الملح، سقط في المملحة، وصار مِلحًا.
طالب: مات؟
الشيخ: طبعًا يموت، لكن صار مِلحًا فعلًا، الآن لو تحط خشبة في الملح، صارت ملحًا، الحديد يصير ملحًا، كل شيء يصير ملحًا، هذا الكلب جئنا وإذا هو كلب من ملح.
طلبة: (... ).
الشيخ: نجس، ونجاسته مغلظة أيضًا، مع أنه ملح الآن، ملح تذوقه يكون مالحًا، يقول: لأيش؟ (لأن النجاسة لا تطهر بالاستحالة)، مع أنها تغيرت وانتقلت، يستثنون من ذلك الخَمر والعَلَقَة، تكون حيوانًا طاهرًا، العَلَقَة تكون حيوانًا طاهرًا، وإيش العلقة؟ العلقة في الرحم دم، هذا يتحول إلى مضغة، ثم يتحول إلى عظام وعصب وغيره، ويكون حيوانًا طاهرًا، كالشاة مثلًا، هذه (... )، هذه تطهر بماذا؟
طلبة: بالاستحالة.
الشيخ: بالاستحالة، هذه واحد، طيب، استثنى، هذا واحد.
الثاني: الخمرة، قال: (غير الخمرة)، والخمرة: اسم لكل مُسْكِر، هكذا فسره أفصح العرب وأعلمهم، وهو النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «كُلّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» (12)، وإنك لتعجب من قول بعض الناس: إن الخمر لا بد أن يكون من نبيذ العنب، وهو لو وجد هذا في القاموس المحيط للفيروزآبادي وهو فارسي، قال: الخمر المسكر، وإيش يقول؟
طالب: خلاص.
الشيخ: يقول: خلاص، كل مسكر خمر، والنبي عليه الصلاة والسلام الذي هو أفصح العرب يقول لنا ها الكلام، ونذهب نقول: لا، لا خمر إلا من كذا، كُلُّ مسكر خمر، من أي شيء، فالخمرة حرام بإجماع الكتاب والسنة، وإجماع المسلمين، ولهذا قال العلماء: من أنكر تحريمها، وهو ممن لا يجهل بذلك كفر، يستتاب فإن تاب وأقر بالتحريم وإلا قُتل، عرفتم؟ سواء كانت من العنب أو من التمر أو من الشعير أو من البُر، أو من أي شيء كان مما تُصنع، فهي حرام بالإجماع، نجسة ولّا لا؟ على كلام المؤلف نجسة؛ لأنه قال: لا يطهر المتنجس باستحالة (غير الخمرة).
إذن أفادنا المؤلف -رحمه الله- بكلامه أن الخمر نجس، وهذا قول جمهور أهل العلم، ومنهم الأئمة الأربعة، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والخلاف فيه نادر، والقول بطهارته قول نادر جدًّا؛ لأن أكثر أهل العلم على أن الخمر نجس، طيب ما هو الدليل؟
الدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: 90]، رجْس، والرجس هو النجس، لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: 145]، فالرجس النجس، والآية واضحة، لفظ واضح، وكله كلام الله، فهذا دليل على أنها نَجِسة، ولا مانع من أن تكون من قبلُ طيبةً، وتنقلب إلى نجسة بعلةِ الإسكار، كما أنك تأكل الطعام والشراب وهو طيب طاهر، ويخرج خبيثًا نجسًا، لا مانع، فهذه وإذا كان أصلها طيبًا، فإنها لما بلغت حد الإسكار صارت نجسة، مع أن العين واحدة، ولَّا مختلفة؟
طلبة: واحدة.
الشيخ: واحدة، لكن العلة هي الإسكار وقد وُجِدت، فتكون نجسة، عرفتم الدليل؟ هذا هو الدليل، والصحيح أنه لا وجه لهذا الاستثناء، لا في المسألة الأولى ولا في الثانية، المسألة الأولى وهي العلقة يُخلَق منها حيوان طاهر، فقد استحالت إلى عين أخرى وطهُرَت، نقول: لا حاجة إلى ذلك؛ لأن هذه العلقة كانت في معْدِنها في الرحم، وهي في معدِنها لا يُحكم بنجاستها، وإن كانت نجسة، الشيء في معْدنه ليس بنجس، وإن كان لو خرج لكان نجسًا، الدليل بول الإنسان وغائطه، في بطنه (... )، صح ولاّ لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: أي نعم، لكنه لا يستأذن إلا إذا امتص البدن كلَّ ما فيه من المنافع، طلب الخروج وجاء إلى الباب يستأذن ثم يسر الله أمره، المهم أنه هو طاهر ولّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: هو نجس إذا خرج، لكن في معدنه في مكانه طاهر، وأيش الدليل على طهارته؟
الدليل أنك لو حملت رجلًا في صلاتك، حملت واحدًا في صلاتك، تصح صلاتك ولّا ما تصح؟
طلبة: تصح.
الشيخ: تصح، ويش ها الدليل؟
طلبة: (... ).
الشيخ: أن الرسول عليه الصلاة والسلام حمل أمامة بنت زينب وهو يصلي (13)، ولو أتيت بعَذِرَة في قارورة حملْتها من أجل الفحص في المستشفى، وصلّيت الفجر والقارورة في مخباتك، وأيش حكم صلاتك؟
طلبة: صحيحة.
الشيخ: لا باطلة، صلاتك باطلة؛ لأنك حامل للنجاسة، مع أنك لم تمس النجاسة ولم تباشرها، في قارورة محكمة لا رائحة، ولا أي شيء، نقول: هذا مما يدل على أن الشيء في معدنه لا يوصف بالنجاسة، إذن هل هناك وجه للاستثناء بأن نقول: إلا العلقة تكون حيوانًا طاهرًا؟
طالب: لا وجه.
الشيخ: لا وجه له، ولهذا قال شيخ الإسلام لا وجه لهذا الاستثناء، ما له وجه.
ثانيًا: بالنسبة لقوله: (ولا باستحالة غير الخمرة)، أيضًا لا وجه لهذا الاستثناء على القول الراجح؛ لأن القول الراجح أن الخمر ليس بنجس نجاسة حسية، ما الدليل؟
طالب: عدم الدليل على الاستثناء.
الشيخ: الدليل عدم الدليل، ما عندنا دليل على النجاسة، وسنُجيب عن الآية إن شاء الله تعالى قريبًا، الدليل عدم الدليل، فإن قلت: أليس حرامًا؟ فالجواب: بلى، ولكن ليس كل حرام..
طلبة: نجسًا.
الشيخ: نجسًا، بل كل نجس..
طلبة: حرام.
الشيخ: حرام، واضح؟
ثم نقول: إن أبيتَ إلا أن نأتي لك بدليل يُثبت ذلك، غير الدليل العدمي فأبشرْ به، حُرمت الخمر في عهد النبي عليه الصلاة والسلام وخرج الناس فأراقوها في الأسواق (14)، وأسواق المسلمين لا يجوز أن تكون مكانًا لإراقة النجاسات، ولهذا يحرم على الإنسان أن يبول في الأرض، أو أن نصب فيها شيئًا نجسًا، فإن قيل: أراقوها في الأرض، لكن هل علم الرسول بذلك عليه الصلاة والسلام؟
طلبة: (... ).
الشيخ: نقول: إن كان علم فهو إقرار، ويكون مرفوعًا حُكمًا ولّا لا؟ مرفوع حكمًا، وإن لم يعلم فالله تعالى يعلم، والله عز وجل لا يقر عباده على منكر، وهذا له حكم الرفع ولَّا حقيقة الرفع؟
طالب: حقيقة الرفع.
الشيخ: لا يا أخي، ما فُعل في عهده فله حكم الرفع، طيب، هل أُمِروا بغسلها؟ غسل الأواني بعد ذلك؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ما أمروا، لكن قد تقول: إن الخمر كان في الأواني قبل التحريم، ولم تثبت نجاسته قبل تحريمه، نعم، فما الجواب؟
طالب: (... ).
الشيخ: نعم الإراقة بعد التحريم، الإراقة كانت بعد التحريم، ثم نقول: لما حُرِّمت الحمر في خيبر أمر النبي عليه الصلاة والسلام بغسل الأواني منها (15)، مع أنها حين طبخت أولًا لم تحرم، ومع هذا أَمر بَغسل الأواني منها، في لحظة تحريمها صارت نجسة قبل أن تُرَاق، ثم إن لم ترضَ بذلك جئنا بدليل لا محيد لك عنه، جاء رجل كما في صحيح مسلم بِراويةِ خمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، الرَّاوِيَة ما هي؟
طلبة: (... ).
الشيخ: قربة كبيرة، عبارة عن جلدين مخروز بعضه إلى بعض، فأهداها إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهَا حُرِّمَتْ؟ » فسارَّه رجل -صحابي آخر كلم هذا سرًّا- ويقول له: بعها، حرام بعها، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «بِمَ سَارَرْتَهُ؟ »، قال: قلت: بعها، قال: «إِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ» (16)؛ يعني ولا يجوز تباع، ففك الرجل الراوية، ثم أراقها بحضرة النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يقل له: اغسلها، مع أن هذا قطعا بعد التحريم، والظاهر أنه بعده بزمن، وعلى هذا فإن هذا الحديث والحديث اللي قبله، حديث أنس أنها أريقت في الأسواق كلاهما يدل على أن الخمر ليست بنجسة نجاسة حسية.
أما الآية الكريمة، فنقول: إن الآية الكريمة لو تأملها الإنسان لعلم أنه لا يراد بالنجاسة النجاسة الحسية، لوجهين: الوجه الأول: أنها قُرنت بالأنصاب والأزلام والميسر، ونجاسة هذه حسية ولّا معنوية؟
طلبة: معنوية.
الشيخ: معنوية قطعًا، ما أحد يقول لك: حسية، ثانيًا: أن الرجس هنا قُيِّد بقوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: 90]، فهو إذن رجس عملي وليس رجسًا عينيًّا، تكون به هذه الأشياء نجسة، وعليه فإن الأصل -بالإضافة إلى ما ذكرنا- الأصل الطهارة حتى يقوم دليل على النجاسة، ولا دليل، فإن قلت: كيف نخالف الجمهور؟ قلنا: الحمد لله لا دَلالة بقول الجمهور، وإنما الدّلالة الكتاب والسنة والإجماع إذا (... ).
لقوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: 21]، أهل الجنة..
طالب: (... ) يا شيخ.
الشيخ: فأما الجواب عن الأول: أن أسواق المدينة واسعة، فإنه لا فرق بين الطريق الواسع والضيق، كما جاء في الحديث: «اتَّقُوا اللَّاعِنَيْنِ؛ الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ ظِلِّهُمْ» (17)، في طريق الناس، عامّ، سواء كان واسعًا أم ضيقًا، فبطلَ هذا الاحتمال، على أنه قد يعارَض بأن أسواق المدينة ليست كلها واسعة، بل قال العلماء رحمهم الله: إن أوسع ما تكون من الطرقات أن تكون سبعة أذرع؛ يعني قالوا: إذا تنازع الناس عند تخطيط الأرض كيف نجعل الطريق؟ قالوا: تُجعل سبعة أذرع، طبعا ذاك الأيام ما عندهم إلا الإبل والحمير والخيل وما أشبه ذلك، أما الآن، لا، نجعلها كم؟
طالب: سبعين.
الشيخ: لا ما هو سبعين، يمكن نجعلها عشرين ذراعًا وما أشبه ذلك، إي نعم.
وأما قوله تعالى في أهل الجنة: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: 21]، فإننا لا نقول بمفهوم شيء من نعيم الآخرة، إحنا نتكلم عن أمر الدنيا؛ لأن هناك ما فيه مثلًا وضوء أو شيء نجس، كل ما في الجنة فهو طهور، ثم نفسر الطَهور بالطهور المعنوي، الذي قال الله فيه: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: 47]، وهذا متعين؛ لأن لدينا سنة عن الرسول عليه الصلاة والسلام إيجابية، وسنة عدمية بعدم النجاسة.
طالب: (... ).
الشيخ: (... ) الكلب مستثناة من جهة العدد والتراب، وأن الماء ينجُس، سواء تغير أم لم يتغير، ولهذا جاء في رواية مسلم (18): «فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لْيَغْسِلْهُ».
يقول المؤلف رحمه الله: (ولا استحالة غير الخمرة، فإن خللت، أو تنجس دهن مائع لم يطهر).
قوله: (إنْ) شرطية، و (خُلِّلَتْ) فعل الشرط، و (تنجَّس) معطوف على فعل الشرط، و (لم يطهر) جواب الشرط.
(إن خللت) الضمير يعود على الخمر، (إن خللت) فإنها لا تطهر، دليل ذلك حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عن الخمر تُتَّخَذُ خَلًّا، قال: «لَا» (19)؛ يعني تُحَوَّل إلى خَلّ؟ قال: لا، وهذا يدل على أنه لا يجوز تخليلها، فإذا لم يجُز تخليلها ثم خللت فإنها لا تَطْهُر؛ لأن هذا أمر ليس عليه أمر الله ورسولِه، فيكون أيش؟ باطلًا مردودًا، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (20)، وكيفية ذلك؟ الخمر إذا صار خمرًا يكون له زَبَد يغلي، كأنَّ تحته نارًا، لكن ما هو بقوة وسرعة، ولكنه ينشّ، ويرتفع، فالتخليل أن يُصَبَّ عليه شيء، مادة إما خل أو غيره، فيتخلل فيهبط، وتزول نشوته، هذا هو التخليل، فهل يجوز أوَّلًا؟ وإذا قلنا بالتحريم وتجرأ إنسان عليه وخلله فهل تطهر أم لا؟
صريح كلام المؤلف أنها لا تطهُر، ولا يجوز أيضًا أن تخلل، ولا فرق بين أن تكون الخمرة خمرةَ خَلَّال أو غيره؛ لأن بعض العلماء استثنى خمرةَ الخَلّال، وقال: إنه يجوز؛ لأن الخلال كل ماله بالخل أو بالنبيذ، فإذا منعناه من التخليل أفسدنا عليه مالَه، ولكن الصحيح أنه لا فرق، وأن الخمر متى تخمرتْ أُرِيقت، فلا يجوز أن تُتَّخذ للتخليل، لكن إن خُللت فصريح كلام المؤلف أنها لا تطهر، ولو زالت حدتها المسكرة؛ لأنها إذا خُللت زال إسكارها.
وقال بعض أهل العلم: إنها إذا خللت، فالفعل حرام، ولكن تَطْهُرُ بذلك؛ لأن العلة في النجاسة أيش؟ الإسكار، والإسكار الآن قد زال، فتكون حلالًا.
وقال بعض العلماء: إن خللها من يحل له تخليلها كأهل الكتاب اليهود والنصارى حَلّت، وصارت طاهرة، وإن خللها من لا يحل له تخليلها فهي حرام ونجسة، وكأن هذا القول أقرب من القول الثاني، فهنا ثلاثة أقوال:
القول الأول: هو التخليل حرام من المسلم، التخليل من المسلم حرام للحديث الصحيح، لكن إذا خللها فهل تَطْهُر أو لا؟ المشهور من المذهب أنها لا تطهر؛ لأن زوال الإسكار كان بفعل شيء مُحرم فلم يترتب عليه أثره، بخلاف ما إذا تخلّلت بنفسها، (... ) تخللت بنفسها أيش حكمها؟
طلبة: تطهر.
الشيخ: تطهر، وتحل ولا ما تحل؟
طلبة: تحل.
الشيخ: تحل، بخلاف ما إذا خللت؛ لأن هذا التخليل حرام، وما ترتب على الحرام فإنه ليس بمباح، القول الثاني: أنها إذا خُللت، وزال الإسكار حلَّتْ مع تحريم أيش؟ مع تحريم الفعل؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
والقول الثالث: إن خلّلها من تحل له حلَّتْ، وإن خلّلها من لا تحل له لم تحل ولا تَطهر، وهذا القول هو أقرب الأقوال، وعليه فيكون الخلّ الآتي من اليهود والنصارى يكون طاهرًا حلالًا، لأنهم هم فعلوا ذلك على وجهٍ يعتقدون أنه حلال، ولهذا هُم لا يُمنعون من شرب الخمر.
يقول: (إن خُللت، أو تَنَجَّسَ دُهن مائع)، دُهن ولا دِهن؟
طلبة: (... ).
الشيخ: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: 20]، إذن دُهن.
(أو تنجس دُهن مائع لم يطهر)، الدُّهن كما نعرف تارة يكون مائعًا وتارة يكون جامدًا، إذا كان جامدًا وتنجس، فإنها تُزال النجاسة وما حولها، واضح؟ لأن ما عداها لم يتنجس، فلو فُرض أن لدينا وَدَكًا، تعرفون الوَدَك؟
طلبة: (... ).
الشيخ: جامدًا، ودكًا جامدًا، سقطت عليه نُقطة بول، فالطريق إلى ذلك:
أولًا: نأخذ هذه النقطة بمِنديل أو شبهها، حتى لا تتسرب يمينًا ويسارًا، ثم نقور مكانها، نقور مكانها الذي سقطت عليه، ويكون الباقي..
طالب: طاهرًا.
الشيخ: طاهرًا حلالًا، أما إذا كان مائعًا فيقول المؤلف: إنه لا يطهر، سواء كانت النجاسة قليلة أو كثيرة، وسواء كان الدُّهن قليلًا أو كثيرًا، عرفتم؟ فما هو المائع؟ المائع قيل: هو الذي إذا فتحتَ فمَه جَرى، ويش فم أيش؟
طلبة: (... ).
الشيخ: فم القربة، اللي فيها الدُهن، أو إذا كان في غير قربة الآن إذا فكيته، إن تسرب فهذا..
طالب: مائع.
الشيخ: مائع، وإن لم يتسرب فهذا جامد، وقيل: إن المائع هو الذي لا يَمنع سريانَ النجاسة، فإنه لا يطهُر، سواء كان قليلًا أو كثيرًا، وسواء كانت النجاسة يسيرة، أو كثيرة، وسواء غيَّرَتْهُ أم لم تغيره، هذه ثلاثة عمومات، سواء كان قليلًا أو كثيرًا، سواء كانت النجاسة قليلة أو كثيرة، سواء غيرت أم لم تُغَيِّر، إذا تنجس دُهن مائع، ما عاد يطهر أبدًا، فيه مثلًا إنسان عنده تَنكَة من الدهن، تنكة أو دَبَّة، تعرفون الدَبّة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: دَبَّة الدهن، ويش كبرها؟
طلبة: (... ).
الشيخ: لا، الظاهر أنكم ما تعرفونها، الدَبّة كبيرة؛ يعني فتحة فمها كفتحة المنارة، نعم؛ يعني هي طولها يمكن مترين، مدورة، وعرضها يمكن متر؛ متر لمتر بالتدوير، يعني يطب فيها رجل ورجلان وثلاثة وتحملهم، هذه الدبة مملوءة من الدهن سقط فيها شعرة فأرة، وهي مائعة، ماذا يكون حالها؟
طلبة: تَنْجُس.
الشيخ: نعم، على كلام المؤلف تنجس، وكل ها الدهن هذا يروح، ولكن هذا القول ضعيف، والصواب: أن الدهن المائع كالجامد، تُلقى النجاسة وما حولها، والباقي طاهر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سُئِل عن فأرة وقعت في سمن، فقال عليه الصلاة والسلام: «أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَكُلُوا سَمْنَكُمْ» (21). وأيضًا الدُهن هل تسري فيه النجاسة؟
طلبة: لا تسري.
الشيخ: ما تسري، لا، سواء مائع ولّا جامد، نعم كما تشاهدون؛ يعني الماء تَنْفذ فيه الأشياء، لكن الدُهن حتى وإن كان مائعًا ما تَنفذ فيه الأشياء، ولهذا الحديث جاء مطلقًا، أما التفصيل فيقول شيخ الإسلام: إنه ليس بصحيح، «إِنْ كَانَ جَامِدًا فَكُلُوا سَمْنَكُمْ وَمَا حَوْلَهُ، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ» (22)، يقول: هذا ضعيف، والصواب: «أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَكُلُوا سَمْنَكُمْ»، وبِناء على ذلك نقول: إذا تنجس دُهن مائع؛ يعني وقعت فيه نجاسة، فإنها تُلقى وما حولها، والباقي طاهر، فإن قُدِّرَ أن النجاسة كثيرة وقوية والسمن قليل، وأثَّرت فيه، فهل يمكن تطهيره؟
طلبة: لا يمكن.
الشيخ: نعم، يقول بعض العلماء: ما يمكن تطهيره؛ لأنه ما تنفذ فيه الأشياء، لو تجيب ماء تصبه عليه، يدخل فيه ولّا ما يدخل؟
طالب: ما يدخل.
الشيخ: الماء ما يدخل في الدهن؟
طلبة: لا، يدخل، يبقى معزولا.
الشيخ: يبقى معزولا ما يدخل فيه، فعلى هذا لا يمكن تطهيره، لكن قال بعض العلماء: يمكن تطهيره بأن يُغلى بماء حتى تَزول رائحته وطعمه، رائحة النجاسة وطعمها بعد إزالة عَين النجاسة، وهذا القول يَنبني بناء ظاهرًا على ما سبق أن صححناه، وهو أن النجاسةَ عين خبيثة متى زالت زال حكمها، نعم لكن المؤلف ماشي على المشهور من المذهب.
طالب: ما يفرق بين (... )؟
الشيخ: لا، لا يفرق، لا فرق بينهما.
قال: (وإن خَفِي موضع نجاسة غُسِلَ حتى يُجْزَمَ بزواله)، إذا خفي موضع النجاسة فلا يخلو إما أن يكون في أماكن واسعة، وإما أن يكون في أماكن ضيقة؛ يعني أن يكون موضع النجاسة ضيقًا أو واسعًا.
إن كان واسعًا، فإن الإنسان يتحرى ويغسل ما غلب على ظنه أن النجاسة أصابته، عرفتم، ليش؟ لأن غسل هذا المكان الواسع كله فيه صعوبة، فيتحرَّى أي مكان فيه النجاسة ويغسلها.
أما إذا كان في مكان ضيق فيجب أن يغسلها حتى يجزم بزوالها، مثال ذلك: إذا أصابت النجاسة أحد كُمَّيِ الثوب، أحد كميه، ولم تعلم أيَّ الكمين أصابته، فيجب أن تَغْسِل الكمين جميعًا؛ لأنك ما تجزم بزوالها إلا إذا غسلت الكُمين جميعًا، كذلك لو علمت أحد الكمين ثم نَسيت، يجب عليك أن تغسلهما جميعًا إن أمكن التحري، هل يجوز أن تتحرى؟ كلام المؤلف يدل على أنك لا تتحرى؛ لأنه لا بد من الجزم واليقين، لكن الصحيح أنه يجوز التحري؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الشك في الصلاة: «فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، ثُمَّ لْيُتِمَّ عَلَيْهِ» (23).
وعلى هذا فإذا كان هناك مجال للتحري، فأنت تتحرى أيَّ الكُمين أصابته النجاسة ثم تغسلها، مثلا قد يَغلب على ظنك أنه الأيمن؛ لأنك مررت مثلًا بمكان نجس عن يمينك، وأصابَك رَشَاش منه، لا تدري بأي الكمين، أيهما يغلب على ظنك؟
طلبة: الأيمن.
الشيخ: الأيمن، والعكس بالعكس، فالصواب: أنه إذا كان هناك إمكان للتحري فإنك تتحرى، أما إذا لم يكن هناك إمكان للتحري فإنك تغسل حتى تجزم بزوال النجاسة؛ لأن الأمور يمكن تكون أربعة:
أن تجزم بإصابة النجاسة للموضعين.
أن تجزم أنها أصابت أحدَهما بعينه.
هذا واضح؟
طلبة: واضح.
الشيخ: والأول؟
طلبة: واضح.
الشيخ: واضح أيضًا، أن يغلب على ظنك أنها أصابت أحدهما.
أن يكون الاحتمال عندك سواءً.
في الموضع الثالث على المذهب يكون كالموضع الرابع؛ يعني يجب غسلهما جميعًا، والقول الثاني: أنك تتحرى، فما غلب على ظنك أنه أصابته تغسله، واضح الحكم؟
يجب غسلهما على المذهب إذا أصابتهما النجاسة جميعًا، هذا واحد، ثانيًا: إذا ترددتَ أيهما أصابته، ولّا لا، إذا ترددت وترجَّح عندك، كذلك يجب عليك أن تغسلهما جميعًا على المذهب، فتغسلهما جميعًا على المذهب في ثلاث حالات، أما إذا جزمت بأنها في أحدهما فالأمر ظاهر..
يقول: (إن خفي موضع نجاسة غُسِل حتى يُجزم بزواله).
ثم قال المؤلف: (ويطهر بول غلام لم يأكل الطعام بنضحه)، شو باقي الشروط؟
(يطهر بول غلام)، (بول) يعني: لا غائط، (غلام) لا جارية، (لم يأكل الطعام) لا آكل طعام، يطهر بماذا؟ (بنضحه)، والنضح: أن تُتْبِعَهُ الماء بدون فرك ولا عصر، تصب الماء عليه حتى يشمله كله، ثبت ذلك عن الرسول عليه الصلاة والسلام من حديث عائشة، وأمِّ قيس بنت محصن الأسدية أنه عليه الصلاة والسلام أُتي بغلام صغير فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه ولم يغسله (24)، عليه الصلاة والسلام، نضحه ولم يغسله، وعرفتم النضح الآن؟
طلبة: نعم.
الشيخ: أن تصب الماء، ما هو ترشه بحيث لا يشمل المكان، لا، لا بد أن يشمل المكان، لكن يمتاز عن غيره بماذا؟ بأنه لا يحتاج إلى مَرْس، ولا دَلك، ولا إعادة تكرار غسل ولا شيء، بمجرد ما يمر الماء عليه يكون طاهرًا، فإذا قال قائل: ما هو الحكمة؟
قلنا: الحكمة لأن السنة جاءت بذلك، وكفى بها حِكمةً، ولهذا لما سُئلت عائشة رضي الله عنها: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: «كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ» (25)، فالحكمة إذن أن السنة جاءت بذلك، هذه الحكمة، واضح ولّا لا؟
غائط هذا الصبي كغيره، لا بد فيه من الغسل، بول الجارية كغيره لا بد فيه من الغسل، بول الغلام الذي يأكل الطعام كغيره لا بد فيه من الغسل.
ذكرنا الآن أن الحكمة أن السنة جاءت بذلك، لكن مع هذا التَمس بعض العلماء حكمةً في ذلك، فقال: الحكمة في ذلك هو التيسير على المكلّف؛ لأن العادة أن الابن الذكر يُحمل كثيرًا، ويُفرح به، وبوله يخرج من ثَقب ضيق، فإذا بال ترشَّش، انتشر، فمع كثرة حمله ومع رشاشه يكون مشقة، فخُفف فيه، أيضًا قالوا: الغذاء لطيف، ولهذا إذا كان يأكل الطعام لا بد من غسل بوله، الغذاء لطيف، ما هو الغذاء؟
طلبة: اللبن.
الشيخ: اللبن، فغذاؤه لطيف، وقوته على تلطيف الغذاء أكبر من قوة المرأة.
طالب: الجارية؟
الشيخ: إي الجارية، فاجتمعت هذه الأسباب الثلاثة، فكان من حكمة الشارع أن جعل نجاسته أخف من نجاسة الأنثى، وبهذا تمت الأقسام الثلاثة في النجاسات؛ لأنا ذكرنا أنها مغلظة، ومخففة، ومتوسطة.
ما تقولون في قيء الغلام الصغير، يلحق بالبول؟
طلبة: يلحق..
طلبة آخرون: لا يلحق..
الشيخ: نعم، نقول: يلحق ببوله، بل من باب أولى؛ لأنه إذا سُومح في البول فالقيء من باب أولى، وسيأتينا إن شاء الله تعالى بيان القول في القيء، وأن بعض العلماء قال: إن القيء ليس بنجس أصلًا.
طالب: يا شيخ طيب الدلك، وأنه لا يطهر بالدلك، أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن من رأى في نعليه شيئا فإنه يدلكهما (26).
الشيخ: يدلكهما، هم ما يرون هذا، حتى في النعلين والخفين ما يرونه، رحمهم الله.
طالب: الحديث؟
الشيخ: الحديث يضعفونه، ولكن الصحيح خلاف هذا.
طلبة: (... ).
الشيخ: لا، هو العلة لحم الخنزير فقط.
طالب: يا شيخ..
الشيخ: (... ) وبالنجاسة هل تطهر؟
طلبة: (... ).
الشيخ: لا، سُقيت، ما هو بإصابة النجاسة، سقيت، لكن كيف تُسقى؟
طالب: تسقى عندما يُصنع، الحداد يضعه في النار، ثم يضعه في الماء.
الشيخ: يقولون: إن هذا سقيه، إذا حميت حتى صارت كجمرة، ودُست في الماء شربت الماء، لكن هذا يحتاج إلى تأمل، هل هو صحيح ولّا لا؟ فإن كان صحيحًا نَسقيها ماء طاهرًا وتطهر.
(كثير زال تغيره بنفسه فإنه يكون طهورًا)، مر علينا هذا، مع أنا ما عرفنا هذا الشيء ولا غسلناه ولا شيء، (... ).
هذه فائدة طبية، الحكمة كل الحكمة هو السنة، هذا هو الحكمة، ولهذا ذهب بعض العلماء إجماعًا –وأنا قلت لكم هذا الكلام أظن- إلى أن المسألة تعبدية.
(في غير مائع ومطعوم، عن يسير دم نجس) (يُعفى في غير مائع)، العفو معناه: التسامح والتيسير، يقول المؤلف: (يُعفى في غير مائع ومطعوم عن يسير) إلى آخره.
قوله: (في غير مائع)، المائع هو: السائل كالماء واللبن والمرق والدُهن المائع وما أشبه ذلك، والمطعوم: ما يُطعم كالخبز والقرصان وما أشبهها، يُعفى في غير هذين النوعين عما يأتي، ويش بقي مما سواهما، الثياب والبدن والفُرُش والأرض، والكُتُب مثلًا، وغير ذلك كثير، المهم أخْرِجِ المائع والمطعوم، وما سوى ذلك فإنه يُعفى عما ذُكر بالنسبة إليه، أما المائع والمطعوم، فلا يعفى عن اليسير من هذه الأشياء إذا وقع فيه، وسيأتي إشارة في التمثيل.
يقول: (عن يسير دم نجس)، كلمة يسير ضدها الكثير، فما هو الميزان لليسير والكثير؟ هل الميزان نفسُ كل إنسان بحسبه، فإذا رأى الإنسان أن هذا الشيء يسير فهو يسير، وإذا رأى أنه كثير فهو كثير، ويَستفتي كل إنسان قلبَه، أو أن العبرة بما جرى به العرف، وأن ما رآه الناس كثيرًا فهو كثير، وما رأوه يسيرًا فهو يسير؟
في هذه المسألة قولان للعلماء، ولكن الراجح أن المعتبر عُرْف الناس، ما عدَّه الناس كثيرًا فهو كثير، وما عدوه يسيرًا فهو يسير؛ لأننا لو رجعنا إلى كل إنسان بحسَبه لم ينضبط الحكم، إذ إن الموسْوس يكون اليسير في عينه كثيرًا، والمتهاون يكون الكثير في عينه يسيرًا، ولا يمكن الضبط.
لو قلنا بهذا القول لكان رجلان يصلّيان، في ثوب كل واحد منهما دم متساوٍ مع الآخر، فنقول لأَحدهما: بطلت صلاتك، ونقول للثاني: لم تبطل، ليش؟ لأن الثاني يرى أنه يسير، والأول يرى أنه كثير، وهذا غير مُناسب بالنسبة للشريعة العادلة، فاليسير إذن والكثير يُرْجَع فيهما إلى؟
طالب: عرف الناس.
الشيخ: إلى العرف، فما عدَّه الناس كثيرًا فهو كثير، طيب مثل أيش؟ مثل نقطة، نقطتين، ثلاث نقط، وما أشبه هذه كلها يسيرة.
قال المؤلف: (دم نجس)، أفادنا المؤلف في قوله: (دم نجس) أن هناك دمًا ليس بنجس، وهو كذلك، فإن الدماء تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
نجس لا يُعفى عن شيء منه، ونجس يعفى عن يسيره، ودم طاهر، فما هو الدم الطاهر؟
نبدأ به، الدم الطاهر دمُ السمك، دم السمك دم طاهر، لماذا؟ لأن ميتته طاهرة، وأصل تحريم الميتة من أجل احتقان الدم فيها، ولهذا إذا أُنْهِرَتْ بالذبح صارت حلالًا، لما كانت ميتة السمك طاهرة، علمنا أن دمه الذي هو سبب نجاسة الميتة طاهر، فدم السمك طاهر، فلو أن إنسانًا أمسك سمكة كبيرة، وتلطخ بدم كثير منها فالدم..
طلبة: طاهر.
الشيخ: طاهر، هذا واحد، كذلك الدم الذي لا يسيل؛ يعني الدم اليسير الذي لا يسيل، كدم البعوض والبق والذباب وما أشبهها، هذا أيضًا دم لكنه طاهر، وربما يُستدل لذلك بأن ميتته طاهرة، فإن ميتة هذا النوع من الحيوان والحشرات طاهرة، بدليل أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ؛ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً» (27)، يلزم من غمسه الموت إذا كان الشراب حارًّا، أو كان دُهنًا، يموت على طول، لو كانت ميتته نجسة لتنجس الماء، لذلك لا سيما إذا كان الإناء صغيرًا، ولم يحل شربه، وعلى هذا فنقول: دم البق والبعوض والذُباب وما أشبهها مما لا يسيل دمه طاهر، فلو تلوث الثوب به فهو؟
طالب: طاهر.
الشيخ: طاهر، لا يجب غسله؛ لأنه دم طاهر.
ثالثًا: الدم الذي يبقى في المُذكَّاةِ بعد تذكيتها، كالدم الذي يكون في العروق بعد الذبح، وفي القلب، ودم الكَبد والطِّحال، وما أشبهها، هذا أيضًا دم طاهر، لا يؤثِّر، سواء كان كثيرًا أم قليلًا.
الرابع: قالوا: دم الشهيد عليه، دم الشهيد على الشهيد طاهر، ولهذا لم يَأمر النبي عليه الصلاة والسلام بغسل الشهداء من دمائهم، بل قال: «ادْفِنُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابِهِمْ» (28)، فهو إذن طاهر؛ لأنه لو كان نجسًا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بغسله، لكن هذا الأخير فيه نقاش، وهو أن يقال: هل دمُ الشهيد طاهر لأنه دم شهيد، ويأتي يوم القيامة وجرحه يثعب دمًا، اللون لون الدم والريح ريح المسك؟ أو أنه طاهر لأنه دمُ آدمي؟
أكثر العلماء على الأول؛ أنه طاهر لأنه دَم شهيد، ويقولون: إن دم الآدمي نجس، ولكنه من الدِماء التي يُعفى عن يسيرها، وهذه المسألة فيها نقاش، ولو قال قائل: إن دم الآدمي طاهر ما لم يخْرج من السبيلين لكان قولًا قويًّا، الدليل ما هو؟ الدليل عدم الدليل؛ لأننا نقول: إن الأصل في الأشياء؟
طالب: الطهارة.
الشيخ: الطهارة، حتى يقوم دليل على النجاسة، ولم نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسل الدم إلا دمَ الحيض (29)، وسيأتي إن شاء الله ذكره، وإذا كنا لا نعلم أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر بِغَسل الدم مع كثرة الدماء التي تصيب الإنسان من رُعاف وجرح وحجامة وغير ذلك، فالحَاجة داعية إلى بيان حُكمه لو كان إيش؟
طلبة: نجسًا.
الشيخ: لو كان نجسًا، فلما لم يرد قلنا: الأصل الطهارة، ولنا أن نقول: لدينا نص وقياس، على طهارته، أي طهارة الدم، أما النص فإن المسلمين ما زالوا يُصَلّون في؟
طالب: جراحاتهم.
الشيخ: جراحاتهم في القتال، وتعلمون أن الجرح في القتال قد يسيل منه الدم الكثير الذي ليس محلًّا للعفو، ولم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه أمرهم بغسله، أو أنهم كانوا يتحرّزون منه تحرُّزًا شديدًا بحيث يحاولون التخلي عنه إذا وجدوا غيره، لا يقول قائل: الصحابة رضي الله عنهم كان أكثرهم فقيرًا، وقد لا يكون لواحد منهم من الثياب إلا ما كان عليه، لا سيما أنهم في حروبهم يَخرجون عن بلادهم، فيكون بقاءُ الثياب عليهم لأيش؟
طلبة: للضرورة.
الشيخ: للضرورة؛ لأننا نقول: لو كان كذلك لعلمنا منهم المبادرة إلى غسله متى وجدوا إلى ذلك سبيلًا للوصول إلى الماء، أو إلى البلد أو ما أشبه ذلك، أما القياس فإننا نقول: أجزاء الآدمي طاهرة أو نجسة؟
طلبة: طاهرة.
الشيخ: يعني لو قطعت يد، فاليد طاهرة، مع أنها تحمل دمًا أو لا تحمل؟
طلبة: تحمل.
الشيخ: تحمل دمًا، وربما تحمل دمًا كثيرًا، فإذا كان الجزء والعضو من الآدمي الذي يُعتبر رُكنا أساسيًّا في بنية البدن، إذا كان طاهرًا فما بالك بالدم الذي يخلفه غيره لو فقده الإنسان، هذا الدليل، فإذا كان هذا العضو طاهرًا مع أنه منفصل من آدمي، وركن أساسيٌ من بنيته، فالذي ينفصل منه وليس بركن أساسي من باب أولى، هذا قياس.
قياس آخر أن نقول: إن الآدمي ميتته طاهرة، والسمك ميتته طاهرة، وقُلتم: إن دم السمك طاهر؛ لأن ميتته طاهرة، فلنَقل: إن دم الآدمي طاهر؛ لأن ميتته طاهرة، عرفتم؟ فإن قال قائل: هذا القياس يُقَابَل بقياس آخر، يَدل على النجاسة، وهي أن الخارج من الإنسان من بول وغائط نجس، فليكن الدمُ نجسًا، فالجواب أن يقال: هناك فرق بين البول والغائط؛ لأن البول والغائط نجس خبيث، ذو رائحة مُنتنة، تنفر منه الطباع، وأنتم لا تقولون بقياس الدم عليه؛ لأنكم تعفون عن اليسير من الدم، ولا تعفون عن اليسير من البول والغائط، فلا يمكن إلحاق هذا بهذا، فإن قلت: أفلا يقاس على دم الحيض، والحيض دمه؟
طلبة: نجس.
الشيخ: دم الحيض نجس، بدليل أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر المرأة أن تَحُتَّهُ، ثم تقرصه، ثم تنضحه في الماء أو تغسله، ثم تصلي فيه (30)، فالجواب أن بين الدم هذا ودم الحيض فرق، فرَّق بينهما الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال: إن دم الحيض طبيعة للنساء وجِبِلَّة، وذلك حين دخل على عائشة رضي الله عنها حين حاضت فوجدها تبكي وهي مُحرِمة في حجة الوداع، فقال: «مَا لَكِ؟ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟ »، قالت: نعم.
قال: «إِنَّ هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ» (31).
فبيَّن أن هذا طبيعة جبلة مكتوبة كتابة قدرية كونية، وقال في الاستحاضة: «إِنَّ هَذَا دَمُ عِرْقٍ» (32)، ففرَّق بين دم الحيض ودم الاستحاضة، بأن الاستحاضة دمها دم عرق، ولا يكون حكمها حُكم الحيض، ثم إن الحيض دمه غَليظ منتن، له رائحة مستكْرهة، فيشبه البول والغائط، وحينئذ لا يَصح قياس الدم الخارج من غير السبيلين على الدم الخارج من السبيلين، وهو دم الحيض، وكذلك النفاس والاستحاضة.
فالذي يقول بطهارة دم الآدمي قوله قوي جدًّا، لدلالة النص والقياس على هذا القول، لكن المذهب -وهو قول الكثير من أهل العلم- أن الدم نجس -دم الآدمي- ولكن يُعفى عن يسيره.
طيب الذين يقولون بالنجاسة مع العفو عن اليسير حكَموا بحُكمين، هما النجاسة، والعفو عن اليسير، وكلٌّ من هذين الحكمين يحتاج إلى دليل، فنقول: أثبتوا أولًا أن الدم نجس، فإذا أَثبتوا أن الدم نجس نقول: أثْتبِوا أنه يعفى عن يسيره؛ لأن الأصل أن النجس..
طلبة: لا يعفى عنه.
الشيخ: لا يعفى عنه، كله نجس يجب التخلص منه، لكن القائل بأنه طاهر لا يحتاج إلاَّ إلى دليل واحد فقط، وهو إقامة الدَليل على طهارته، وقد علمتم الدليل.
طيب يقول..
طالب: القياس الأول ما واضح.
الشيخ: كيف! القياس الأول أن نقول: هذا الدم انفصل من الجسم، والعضو إذا قُطعت اليد مثلًا أو الرِجل فهي طاهرة، وهي أيضًا جزء منفصل عن البدن، فإذا جعلتم اليد طاهرة فاجعلوا الدم طاهرًا؛ لأن الكل انفصل من هذا الجسم.
طالب: (... ).
الشيخ: أبدًا، ما وجدت أدلة، ومن وجد أدلة فليُسْعِفنا بها.
طالب: غسل فاطمة.
الشيخ: هذا ما هو دليل، استدلال وليس بدليل، مع أنهم ما استدلوا به، لكن قد استدلوا به في جواب لبعضِ الإخوان عن النجاسة وأجبتُ عنه، فإن فاطمة رضي الله عنها كانت تغسل الدم عن وجه الرسول عليه الصلاة والسلام في غزوة أحد (33)، ولكن هذا لا يدل على النجاسة.
أولًا: لأنه مجرد فعل، والفعل المُجرد لا يدل على الوجوب، وعلى هذا فلا يدل على وجوب التنزه منه.
ثانيًا: أن هذا قد يكون خاصًّا من أجل النظافة، وإزالة الدم عن الوجه؛ لأن الإنسان لا يرضى أن يكون في وجهه دم حتى لو كان يعفى عنه ولو كان يسيرًا، وهذا الاحتمال يُبطل الاستدلال.
طالب: الصحابي اللي كان يصلي في غزوة وأصابه سهم ما يستدل بهذا، إنه في زمن الرسول، ولم يقل له الرسول صلى الله علي وسلم شيئًا من هذا الاستدلال، فيعتبر إقرارًا من الرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: ما هو إحنا استدللنا به، صلاة الصحابة في جراحاتهم هي هذه، هذا منها، هذا فرد منها.
قال: (من حيوان طاهر).
طالب: (... ).
الشيخ: أحسنت، النوع الثالث من الدماء: نجس لا يعفى عن يسيره.
طلبة: النوع الثاني.
الشيخ: الثالث، الطاهر ذكرناه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: الطاهر..
نَجِسٍ من حيوانٍ طاهرٍ، وعن أَثَرِ استجمارٍ بِمَحَلِّه، ولا يَنْجُسُ الآدميُّ بالموتِ، وما لا نَفْسَ له سائلةٌ مُتَوَلِّدٌ من طاهرٍ، وبولُ ما يُؤْكَلُ لحمُه ورَوْثُه ومَنِيُّهُ، ومَنِيُّ الآدميِّ، ورُطوبةُ فَرْجِ المرأةِ، وسُؤْرُ الْهِرَّةِ وما دونَها في الْخِلْقَةِ طاهرٌ، وسباعُ البهائمِ والطيرُ والحمارُ الأهليُّ، والبَغْلُ منه نَجِسَةٌ.
﴿باب الحيض﴾
لا حَيْضَ قبلَ تِسعِ سِنينَ، ولا بعدَ خَمسينَ، ولا مع حَمْلٍ،
الدم النجس من الحيوان الطاهر، الحيوان الطاهر نذكره الآن إن شاء الله.
نكمل الثالث الدم النجس: كل دم خرج من حيوان نجس أو خرج من السبيلين من الآدمي، هذا القسم الثالث من الدماء نجس لا يعفى عن يسيره؛ لو أصاب الإنسان منه كجب الإبرة لزمه أن يغسله.
نشوف المؤلف يقول: (نجس من حيوان طاهر) أفاد المؤلف أيضًا: أن الحيوانات قسمان؛ طاهر، ونجس، وهو كذلك، فنقول: كلُّ حيوان حلال فهو طاهر، مثل؟
طلبة: بهيمة الأنعام.
الشيخ: بهيمة الأنعام والخيل والدجاج والظِّباء والأرانب، وغيرها، كلُّ حيوان حلال فهو طاهر، لكن طاهر متى؟ في الحياة.
كلُّ حيوان ليس له دم سائل فهو طاهر أيضًا في الحياة وبعد الموت، لكن سبق لنا أن الدَّمَ من هذا الجنس طاهر، فلا يَرِدُ علينا.
الحيوان النَّجس؛ كل حيوان محرَّم الأكل -انتبه له- فهو نجس، إلا على المذهب الهِرَّة فما دونها، تعرف الهرة، ما هي؟
طالب: البسة.
الشيخ: إلا الهرة فما دونها، الهرة فما دونها هذه حيوان حرام، ولكنها جاءت السنة بطهارتها، كما في حديث أبي قتادة أنَّه قُدِّمَ إليه ماء يتوضَّأ به، فإذا بِهرَّة فأصغى لها الإناء حتى شربت، ثم قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الهِرَّة: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ» (1).