الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 442-481

وقولنا: لا تجوز في هذا الوقت، احترازًا مما لو كانت النافلة تجوز في هذا الوقت -على القول الراجح- كمثل ذوات الأسباب، وهذا أيضًا مبني على أنه مبيح لا رافع.
وعليه، فالصواب: أنه متى تيمم في أي وقت أجزأ.
(وعَدِمَ الماء) هذا الشرط الثاني، الشرط الثاني: أن يعدم الماء بألَّا يجده، لا في بيته، ولا في رحله إن كان مسافرًا، ولا فيما قرب، ما هو موجود عنده، بعيد.
يقول المؤلف: (أو زاد على ثمنه كثيرًا) معناه: أو وجد الماء لكن بثمن زائد كثيرًا، مثل: وجد ماء في جالون، كم يسع الجالون؟ طالب: أربع لترات.
الشيخ: أربع لترات، وجد هذا الماء اللي في الجالون أربع لترات، وجده في مائتي ريال، وهو يساوي عادة؟ طالب: أربعة ريالات.
الشيخ: أربعة ريالات، فوجده بمئة ريال، مئة ريال زائدة على أربعة كثيرًا ولَّا لا؟ زائدة كثيرًا، فحينئذ يعدل إلى التيمم؛ يعني مثلًا لنفرض أنه الآن في السفر وعند محطة بنزين، قال: فيه ماء صحة؛ ماء الصحة جرة تباع بريال.
طلبة: بريالين.
الشيخ: بريالين، المهم قال: فيه ماء صحة، لكن نبيعها بعشرة ريالات، كثير ولَّا لا؟ لأنه زاد على الثمن أربعة أخماس، هذا كثير، يجوز أن يتيمم حتى لو كان مع هذا الرجل من الدراهم آلاف الريالات؛ لأيش؟ لأنه زاد على ثمنه كثيرًا.
ولكن إذا نظرنا إلى الواقع وجدنا أن هذا القول ضعيف، وأن الصواب: أنه إذا زاد على ثمنه كثيرًا وهو واجد للثمن قادر عليه فإنه يجب عليه أن يشتريه؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: 6] يبين أنك إذا وجدت الماء ولو كان ثمنه كثيرًا، ما دمت قادرًا على الثمن يبين أنه لا يجوز التيمم؛ لأن الله اشترط في التيمم ألَّا يوجد الماء، وهنا الماء موجود، وليس عليه ضرر في شرائه، وأما كون ثمنه يزيد أو ينقص فهذا يرجع إلى العرض والطلب، أو ربما بعض الناس يتضرر بالآخرين إذا رأى أنهم في حاجة.

إذا (زاد على ثمنه كثيرًا) ما هي العلة؟ يقولون: لأن هذه الزيادة الكثيرة تجعله في حكم المعدوم، ولكن يقال: هذا ليس بصحيح، بل هو موجود، وما دام موجودًا فالواجب استعماله.
(أو ثمن يعجزه) هذا صحيح، وجد الماء بثمن لكن.. أو ثَمَنٍ يُعْجِزُه أو خافَ باستعمالِه أو طَلَبِه ضَرَرَ بَدَنِه أو رفيقِه أو حُرْمَتِه أو مالِه بِعَطَشٍ أو مَرَضٍ أو هَلاكٍ ونحوِه شُرِعَ التَّيَمُّمُ، ومَنْ وَجَدَ ماءً يَكْفِي بعضَ طُهْرِه تَيَمَّمَ بعدَ استعمالِه.
ومَن جُرِحَ تَيَمَّمَ له وغَسَلَ الباقِيَ، ويَجِبُ طَلَبُ الماءِ في رَحْلِه وقُرْبِه وبِدَلالةٍ، فإنْ نَسِيَ قُدْرَتَه عليه وتَيَمَّمَ أعادَ.
وإن نَوَى بتَيَمُّمِه أحداثًا أو نجاسةً على بَدَنِه تَضُرُّه إزالتُها أو عَدِمَ ما يُزِيلُها أو خافَ بردًا أو حُبِسَ في مِصْرٍ فتَيَمَّمَ أو عَدِمَ الماءَ والترابَ صَلَّى ولم يُعِدْ، ويَجِبُ التَّيَمُّمُ بتُرابٍ طَهورٍ غيرِ مُحْتَرِقٍ له غُبارٌ.
فوَجَدَ جرَّة في الصحراء مثلًا بأربعة ريالات، الزيادةُ ما هي كثيرة، لكنْ هو ما معه أربعة ريالات، ليس معه إلا ريالانِ أو ما معه شيءٌ أبدًا، فالثمنُ يُعجِزه، فحينئذٍ يُعتبر عادمًا للماء فيتيمَّم.


(أوْ خَافَ باسْتِعْمالِهِ أو طَلَبِهِ ضَرَرَ بَدَنِهِ) الماءُ عنده حاضرٌ لكنْ يخشى إذا استعمله أن يتضرَّر بَدَنُه، ومعلومٌ أن الذي يتضرَّر بَدَنُه باستعمالِ الماءِ مريضٌ، فيدخُلُ في عمومِ قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [النساء: 43] إلى آخر الآية، فإذا كان هذا الرَّجُل فيه قُروحٌ في أعضاء الوضوء أو في البَدَنِ كُلِّه عند الغُسْل وخافَ إن استعملَ الماءَ أنْ يتضرَّر فله أن يتيمَّم.
طيب، إذا خافَ البَرْد؛ يعني رجُلٌ سليمُ البَدَنِ لكنْ يخشى إذا اغتسلَ أن يتضرَّر بَدَنُه، فماذا؟ طلبة: يتيمَّم.

الشيخ: نشوف أوَّلًا، فيه مرتبةٌ قبلَ التيمُّم؛ يُسَخِّن الماء، فإن لم يَجِد فإنه يتيمَّم؛ لأنَّه يخشى على نفسه من الضرر، وقد قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29]، وقد استدلَّ عمرُو بنُ العاصِ رضي الله عنه بهذه الآيةِ على جوازِ التَّيمُّم عند البَرْد إذا كان عليه اغتسال (1). (أَوْ) خافَ بـ (طَلَبِهِ ضَرَرَ بَدَنِهِ) ويش لون (بطلبه)؟ طالب: بعيد.
الشيخ: يعني الآن ما عندَهُ ماءٌ، لكنْ يُمْكن يَطْلب الماءَ، لكنْ يخشى ضَرَرَ بَدَنه لأنه بعيدٌ بعضَ الشيءِ والشمسُ حارَّةٌ أو الصَّقيعُ باردٌ جدًّا، ويخشى إذا طَلَبه أن يتضرَّر بَدَنُه، ففي هذه الحال يجوز أن يتيمَّم.
الدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29]، ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، وقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (2). وقوله تعالى أيضًا: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78] وخَوْفُ الضَّررِ حَرَجٌ بلا شك.


(... ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.
(أوْ زادَ على ثَمَنِهِ كثيرًا أو بثَمَنٍ يُعْجِزُهُ، أوْ خافَ باستعماله أوْ طَلَبِهِ ضَرَرَ بَدَنِهِ أوْ رفيقِهِ أو حُرْمَتِهِ).
(أو رَفيقِهِ) يعني: خافَ باستعماله ضَرَرَ رفيقِهِ؛ مثال ذلك: رجُلٌ معه ماءٌ قليلٌ ومعه رُفْقَةٌ، إن استعملَ الماءَ عطِشَ هؤلاء الرُّفْقَةُ وتضرَّروا، وإنْ تَرَكَ الماءَ وتيمَّمَ انتفعَ الرُّفْقةُ به، فماذا نقول؟ نقول: تيمَّمْ ودَع الماءَ للرُّفْقة؛ لأن الماءَ إذا استعملتَه تضرَّروا به.
وقوله: (أو رفيقِهِ) ظاهرُه: سواءٌ كانَ مسلمًا أو كان كافرًا، لكنْ بشرطِ أنْ يكون الكافرُ معصومًا، وهو الْمُعاهَد والذِّمِّيُّ والْمُسْتَأمَن.

أو خافَ ضررَ (حُرْمَتِهِ) يعني امرأته؛ زوجتَه، أو مَن كان له ولايةٌ عليها من النساء؛ خاف إن استعملَ الماءَ أنْ تتضرَّر، فهُنا يَدَعُ استعمالَ الماءِ لانتفاء الضرر.
(أو مالِهِ) خافَ باستعمالِ الماءِ أن يتضرَّرَ مالُه، كيف يتضرَّر المالُ باستعمال الماء؟ طالب: حيوان.
الشيخ: نعم، معه حيوانٌ لو استعمَلَهُ لَعَطِشَ هذا الحيوانُ وتضرَّر أو هَلَك، وكذلك معه سيارةٌ تسخن إنْ لَمْ يَدَع الماءَ لها فإنها تحترقُ وربما يتضرَّر هو أيضًا بضررِها، نقول هنا: لا تستعمل الماءَ ودَعِ الماءَ لها لئلَّا تتضرَّر.
قال: (بِعَطَشٍ) هذا متعلِّقٌ بـ (ضَرَر)؛ يعني ضَرَرَ هؤلاء بعَطَشٍ، العَطَش هو يضرُّ؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: معلومٌ، يضرُّ، وربما يؤدِّي إلى الهلاك.
الثاني؛ قال: (بِعَطَشٍ أو مَرَضٍ)، كيف المرض؟ هل يُمْكن المرض بعَدَم استعمال الماء؟ إي نعم، يُمْكن، قد يكون مَثَلًا في الجِلْد جفافٌ، إذا لَمْ يُبَلَّ بالماءِ دائمًا تشقَّقَ، ففي هذه الحال يكون فيه ضَرَرٌ، أوْ مَثَلًا يحتاج إلى عَجْنِ شيءٍ بماءٍ وهو دواءٌ لشيءٍ في بَدَنه إذا لَمْ يستعمل الماءَ لهذا العجينِ فإنه يتضرَّر ويزداد مرضُه.
(أوْ هَلاكٍ) وهذا واضحٌ أيضًا، كيف يتضرَّر بالهلاك؟ طالب: بعَطَش.
الشيخ: إي، يعطشُ ويموت.
وقوله: (ونَحْوِه) يعني: مِن أنواع الأضرار.
إذَنْ فالقاعدةُ العامَّةُ أن نقول: الشرط الثاني: تعذُّر استعمالِ الماءِ إمَّا لِفَقْدِهِ، وإمَّا للتَّضرُّرِ باستعماله بمرضٍ أو نحوِه.
قال: (شُرِعَ التَّيمُّمُ)، (شُرِعَ) جواب؟ طالب: (إذا دَخَلَ).

الشيخ: جواب (إذا دَخَلَ)، وهُنا تأخَّرَ الجوابُ وطالَ الشرطُ بالمعطوفاتِ عليه، وعِندَ البلاغيِّينَ أنه إذا تأخَّر الجوابُ فإنه ينبغي إعادةُ العاملِ حتى لا يقع الإنسانُ في تشويشٍ؛ مثل قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران: 188] كرَّر الفعلَ هُنا لطولِ الفَصْلِ، لكنْ هُنا لو أنَّه كرَّر الشَّرطَ لَعَادَ الأمْرُ كما هو، يعني كلُّ هذه الأمور كلُّها من الشرط.
وقوله: (شُرِعَ التَّيمُّمُ) (شُرِعَ) أعمُّ مِن أن يكون واجبًا أو مستحَبًّا، فإذَنْ (شُرِعَ) أي: وَجَبَ لِمَا تجب له الطهارةُ بالماء، واستُحِبَّ لِمَا تُستحَبُّ له الطهارةُ بالماء.
إذا قيل: (شُرِعَ) فإنه يشمل الواجبَ والمستحَبَّ، وعلى هذا فقوله: (شُرِعَ) أي: وَجَبَ لما تجب له الطهارةُ بالماء، واستُحِبَّ لما تُستحَبُّ له الطهارةُ بالماء؛ فمثلًا إذا كان يريد الصلاةَ فالتيمُّم؟ طالب: واجبٌ.
الشيخ: التيمُّم واجبٌ.
إذا كان يريد أنْ يقرأ القرآنَ فالتيمُّم مستحَبٌّ؛ لأن قراءةَ القرآنِ تُستحَبُّ لها الطهارةُ، وهذا غيرُ مَسِّ المصحفِ؛ لأن مَسَّ المصحفِ شيءٌ وقراءةَ القرآنِ شيءٌ آخر؛ فمَسُّ المصحفِ تجب له الطهارةُ، لكن قراءة القرآنِ عن ظهْرِ قلْبٍ أو قراءة القرآنِ بمصحفٍ أمامَكَ وأنت لا تَمَسُّهُ بيدك هذه يستحَبُّ لها الطهارةُ ولا تجب.


ثم قال: (ومَنْ وَجَدَ ماءً يكْفي بعضَ طُهْرِهِ تيمَّمَ بعد استعمالِهِ).
أفادنا المؤلف أن الإنسان إذا وَجَدَ ماءً يكفي بعضَ طُهْرِه فإنَّه يجمع بين الطهارة بالماء والتيمُّم، مثال ذلك: رجُلٌ معه ماءٌ قليلٌ لا يكفي للأعضاء الأربعةِ، يكفي لغَسْلِ الوجهِ وغسْلِ اليدينِ فقط، فماذا يصنع؟ يقول المؤلف: يجب أن يستعمله أوَّلًا ثم يتيمَّم.

من أين نأخذ أنه يجب أن يستعمله أوَّلًا؟ من قوله: (تيمَّمَ بعدَ استعمالِهِ)، فيجب أوَّلًا أن يستعمله ثم يتيمَّم.
لماذا أوجبنا تقديمَ استعماله؟ ليصْدُقَ عليه أنه عَادِمٌ للماء؛ لأنه لو تيمَّمَ من قبلُ فمعناه أنه تيمَّمَ مع وجود الماء، فيستعمل الماء أوَّلًا ثم يتيمَّم؛ الدليل قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، وقولُ النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (3). فنحن الآن مأمورونَ بأنْ نغسلَ أعضاءنا، فيجب أن نغسلها، أخذْنا هذا الماءَ وغَسَلْنا الوجهَ وغَسَلْنا اليدينِ وانتهى، إذَن اتَّقَيْنا اللَّهَ تعالى بهذا الفِعْل، ويش بقي علينا؟ بَقِي علينا مسْحُ الرأس وغَسْلُ الرِّجْلَينِ، الماء الآن متعذِّرٌ، فماذا نصنع؟ نرجع إلى بَدَلِهِ وهو التيمُّم، وبهذا عَرَفْنا أنه لا تَضَادَّ بين الحكْمينِ؛ لا تَضادَّ بين قولنا: إنك تستعمل الماءَ ثم تتيمَّم؛ لأن استعمالَ الماءِ من تقوى الله عز وجل، واستعمالَ التيمُّم لعَدَم الماءِ من تقوى الله أيضًا، فاستعمالُ التيمُّم ليس للوجْهِ واليدينِ ولكنْ للرأسِ والرِّجْلينِ، فلا تَضادَّ.
وقال بعضُ العلماء: إنه لا يُمْكن أن تجمع بين الطهارتينِ لأنك إذا جمعْتَ بين الطهارتينِ جمعْتَ بين البَدَل والْمُبْدَل منه، وهذا غير صحيحٍ؛ لأن هذا من باب التضادِّ؛ كيف تجمع بين البَدَل والمبدَل منه؟ ! فإمَّا أن تستعمل الماءَ بلا تيمُّمٍ وإمَّا أن تتيمَّم بلا استعمال ماءٍ.
إذَنْ كيف؟ هلْ أنا مخيَّرٌ؟

يقول: لا، لستَ مخيَّرًا؛ إنْ كان الماء يكفي لأكثرِ الأعضاء فاستعملْه (... ) دون تيمُّم؛ مثل أن يكفي لغسْل الوجهِ واليدينِ ومسْحِ الرأس والأُذُنينِ، فهُنا تستعمله ولا تتيمَّم، وإنْ كان الماءُ لا يكفي إلا أقلَّ من النصف فاتركه واستعمل التيمُّم؛ مثل أنْ يكون الماء لا يكفي إلا غسْلَ الوجهِ فيقول هنا: لا تستعملْه، استعمل الترابَ.
حُجَّته في ذلك قال: لأن الجمع بين الماءِ والتيمُّم جمعٌ بين البَدَل والمبْدَل منه، وهذا لا يصحُّ، ولأن القاعدةَ العامَّة في الشريعة تغليبُ جانبِ الأكثر، فإذا كان الأكثرُ هو الأعضاء المغسولة فاغسلْها ولا تتيمَّمْ، وإذا كان الأكثرُ العكسَ فتيمَّمْ ولا تغْسِل، هذان قولانِ.
القول الثالث يقول: استعمل الماءَ مطْلقًا ولا تتيمَّمْ؛ لأن التيمُّم إنما كان بَدَلًا عن طهارةٍ كاملةٍ لا عن طهارةٍ جُزئيَّةٍ.
ولكن القول الأوَّل أصحُّ، وربما يُستدَلُّ له بما يُروى عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث صاحب الشَّجَّةِ الذي قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا» (4)، فجمَعَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام في هذا بين طهارةِ المسْحِ وطهارةِ الغَسْل، فما ذهب إليه المؤلِّف هو الحقُّ.
وقولهم: إنه لا يُجمَع بين البَدَل والمبْدَل منه.
نقول لهم: هنا التيمُّم ليس عن الأعضاء المغسولة، ولكنه عن الأعضاء التي لم تُغسَل، أمَّا الأعضاء المغسولة فقد طهُرَتْ، فهو شبيهٌ بالمسح على الْخُفَّينِ، شبيهٌ به من بعض الوجوهِ؛ لأنك غسلْتَ الأعضاءَ التي تُغسَل ومَسَحْتَ الْخُفَّ بدلًا عن غَسْل الرِّجْل التي تحته، فقد جُمِع هنا بين بَدَلٍ ومُبْدَلٍ منه.


قال المؤلف: (ومَنْ وَجَدَ ماءً يكْفي بعضَ طُهْرِهِ تيمَّمَ بعد استعمالِهِ، ومَنْ جُرِحَ تيمَّمَ له وغَسَل الباقي).

هنا فرَّق بين الجرح وبين عَدَم وجودِ الماء؛ لأن التيمُّم للجروح لا يُشترَطُ له فقْدُ الماءِ، هذا السبب.
في الأوَّل نقول: استعمل الماءَ ثم تيمَّمْ.
لماذا؟ ليتحقَّق أنك فقدْتَ الماءَ.
في مسألة الجرح: لا حَرَجَ عليك أن تتيمَّم قبل أن تغْسِل بقيَّةَ الأعضاء؛ لأنه في الجروح لا يُشترَطُ فيه فقْدُ الماء؛ إذْ إنَّ الإنسان يتيمَّم عن الجرح ولو مع وجودِ الماء.
(مَنْ جُرِحَ) أي: مَنْ كان فيه جرحٌ، يقول: (تيمَّمَ له وغَسَلَ الباقي).
قوله: (تيمَّمَ له) هذا إذا كان في الطهارةِ الكُبرى لا بأسَ في الطهارةِ الكُبرى-يعني: في الجنابةِ أو الحيضِ أو ما أَشْبَهَ ذلك- لا بأسَ أن يتيمَّم أوَّلًا ثم يغتسل ثانيًا، ليش؟ لأنه لا يُشترَط الترتيبُ؛ يعني نفرض أن رجُلًا فيه جرحٌ في بطنه وعليه جنابةٌ، يغتسل، الجرحُ هنا لا يُمْكنه مَسْحُه لأنه يتضرَّر بالماء، ولا غَسْله أيضًا لأنه يتضرَّر بالماء، ما الفرْضُ فيه؟ التيمم؛ لأن استعمال الماء هنا متعذِّرٌ في هذا الجرح، نقول: لا حَرَجَ أن تتيمَّم أوَّلًا ثم تغتسل، أو تغتسل أوَّلًا ثم تتيمَّم، ليش؟ لأن الترتيب في الغُسْل ليس بواجبٍ، أو لا؟ واجب ولَّا غير واجب؟ الطلبة: لا، غير واجبٍ.
الشيخ: غير واجبٍ؛ يعني في الغُسْل لو غسلْتَ أسفلَ بَدَنِكَ قبل أعلاه صح ولَّا لا؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: صحَّ، لو غسلْتَ أعلاه قبلَ أسفله صحَّ، لو غسلْتَ الجنبَ الأيمنَ قبل الأيسرِ صحَّ، أو الأيسرَ قبل الأيمنِ صحَّ.

إذَن أنت إذا تيمَّمتَ عن الجرح الذي في بطنك ما فيه مانع، كما لو غسلْتَ بطنك بالماء قبل بقيَّةِ البَدَنِ ما فيه مانع، أمَّا إذا كان التيمُّم في الحدَثِ الأصغر فهُنا مشكلةٌ؛ لأن الحَدَث الأصغر فيه الترتيب، فإذا قدَّرنا أن الجرح في اليد وَجَبَ عليك أن تغسل وجهك أوَّلًا ثم تتيمَّم ثم تمسح الرأس ثم تغسل الرِّجْلين، وهنا يُشترَط الترتيبُ والموالاةُ أيضًا، والمشكِل اشتراطُ الموالاة؛ معناه لازم أنه يكون عندي منديل إذا غسلْتُ وجهي على طول أنشِّفه وأنشِّف يَدَيَّ من أجْل أيِّ شيءٍ؟ من أجْل التيمُّم؛ التيمُّم لا بدَّ يكون بترابٍ له غُبارٌ، وإذا صارتْ يدي رطْبةًَ ووجهي رطْبًا ما صحَّ التيمُّم، وعلى هذا لازم يكون الواحد يُعِدُّ منديلًا عند الوضوء إذا كان الجرح في يَدِهِ، يُعِدُّ منديلًا إذا غسل وجهَهُ على طول تَمَسَّحَ ثم تيمَّمَ ثم أتمَّ وضوءه.
طالب: (... ). الشيخ: ما يخالف، يغسلُها قبل أو بعد، إنْ كانت اليُمنى فالأفضل أن يتيمَّم قبل غسْل اليُسرى، وإن كانت اليُسرى فالأفضل أن يغسل اليُمنى قبل أنْ يتيمَّم لليُسرى؛ لأنه ما فيه ترتيب واجب بين اليُمنى واليُسرى.
هذا الفعل هلْ يعملُه الناسُ الآن؟ طلبة: لا.
الشيخ: ما يعمله الناس، ويش يسوون الناس الآن؟ إذا قال: أنا متوضئ وراح للمسجد بعد، تيمَّمَ في المسجد، ففات عليه أيش؟ الترتيبُ والموالاةُ، فعلى هذا على المذهب صلاةُ هذا الرجُل لم تصحَّ، لماذا؟ لأنه لم يصحَّ تيمُّمُه فلمْ تصحَّ طهارتُه.

لكن الحمد لله أن المسألة فيها قولٌ آخر هو الصحيح: أنَّه لا يُشترَط لا ترتيب ولا موالاة، وأنَّ التيمُّم عن الجرح في الحدَثِ الأصغر كالتيمُّم عن الجرحِ في الحدَثِ الأكبر، وبناءً على ذلك فيجوز أن أتيمَّمَ قبل الوضوء أو بعد الوضوء بزمنٍ قليلٍ أو كثيرٍ، وهذا الذي عليه عملُ الناس اليوم؛ فإن أكثرَ الناس يتوضَّؤون في بيوتهم، ثم إذا جاؤوا إلى المسجد تيمَّموا في المسجد لجرح فيهم، لكن اللي بيأخذ بالمذهب لا بدَّ أن يراعي الترتيبَ والموالاةَ إذا كان الجرح في طهارةِ الحدَثِ الأصغرِ، ولهذا قال المؤلف: (ومَنْ جُرِحَ تيمَّمَ له وغَسَلَ الباقي).


السؤال يقول: إذا كانت رِجْله مُجَبَّسة، ويش تقول؟ طالب: يتيمَّم.
الشيخ: يتيمَّم؟ الطالب: يمسح عليها إذا كان ما يتضرَّر.
الشيخ: إي، مجبَّسة، ما هو متضرِّر.
الطالب: خلاص، يمسح عليها.
الشيخ: يمسح عليها، ويش يُسمَّى عند العلماء؟ الطالب: المسح على الجبيرة.
الشيخ: المسح على الجبيرة.


(... ) نقول الآن: إن بعض العلماء يقولون: إن التيمُّم لا يُشرَع إلا في الطهارة الواجبة فقط، وأمَّا الطهارةُ المستحَبَّةُ مطْلقًَا سواء كانت غُسْلًا أمْ وضوءًا فإنه لا يُشرَع لها التيمُّم، واستدلُّوا لذلك بأَثَرٍ ونَظَرٍ.
الأثرُ؛ قالوا: إن الله عز وجل إنما ذكر التيمُّمَ في الطهارةِ الواجبةِ؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: 43] هذا الأثر.
أمَّا النَّظَر فقالوا: إن التيمُّم طهارةُ ضرورةٍ، والطهارةُ غيرُ الواجبةِ ليس لها ضرورةٌ، هل الإنسان في ضرورةٍ إليها؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا، لا ضرورةَ لها؛ لأنها مستحَبَّةٌ إنْ شاء تَرَكها وإنْ شاء فَعَلها، وما دامَ لا ضرورةَ لها فإنه لا يُشرَع لها التيمُّم، وهذا أحدُ القولينِ في مذهب الإمام أحمد بن حنبلٍ رحمه الله.

وهو كما تَرَوْن الآن هذا الاستدلال وهذا التعليل قويٌّ جدًّا، لكنه يعكِّر عليه في الواقع أن الرسول عليه الصلاة والسلام تيمَّمَ لردِّ السلام (5)، وقال: «إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إِلَّا عَلَى طُهْرٍ» (6)، ومعلومٌ أن التيمُّم لردِّ السلام ليس بواجبٍ بالإجماع، وإذا كان ليس بواجبٍ وقد تيمَّمَ له الرسولُ عليه الصلاة والسلام فإنه يؤخذ منه مشروعيَّةُ التيمُّم لما تُستحَبُّ له الطهارةُ، وأظنُّ الاستدلالَ بهذا الحديثِ واضحًا جدًّا.
ثم نقول: هناك أيضًا تعليلٌ، وهو أن التيمُّمَ بَدَلٌ عن طهارةِ الماء، والبَدَلُ له حكْمُ المبْدَل، فمتى استُحِبَّت الطهارةُ بالماء استُحِبَّت الطهارةُ بالتيمُّم، فيقابَلُ ذاك الدليلُ بدليلِ الحديث، ويُقابَل النَّظَرُ بالنَّظَرِ الآخرِ، وعلى كلٍّ فالذي يظهر لي -والله أعلم- أنه يتيمَّم لو لم يكنْ مِن ذلك إلا أنه يشعر بأنه متعبِّد لله عز وجل بأَحدِ نوعي الطهارةِ لهذا العمل الذي تُشْرَع له الطهارة.
ما تقولون في رجلٍ أراد أن يتوضأ وليس عنده إلا ما يكفي وجهَه ويديه (... ).


(ويَجِبُ طَلَبُ الماءِ في رَحْلِهِ).
أولًا أفادنا المؤلف: (يَجِب) والواجب عند العلماء هو الذي لا بدَّ من فِعْله؛ قالوا: وهو ما أَمَر به الشارعُ على سبيل الإلزام بالفعل.
هذا الواجب.
وحُكْمه: أنَّ فاعله مستحقٌّ للثواب، وتارِكه مستحقٌّ للعقاب.
ونحن نقول: إن تارِكه مستحقٌّ للعقاب، ولا نقول: يُعاقَب تاركه؛ لأنه يجوز أن الله عز وجل يعفو عنه؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 116]. إذَن الواجب عند أهل العلم هو الذي أَمَر به الشارع على سبيل الإلزام بالفعل؛ يعني لازم تفعل.
حكمه: أن فاعله مستحقٌّ للثواب، وتاركه مستحقٌّ للعقاب.
إذَن طلبُ الماء هنا لازمٌ أنك تطلب.

(طَلَبُ الماءِ) ما هو الدليل على وجوب الطلب؟ قالوا: لأن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: 6]، ولا يُقال: لَمْ يَجِدْ، إلا بعد الطلب؛ واحد مثلًا ما تحرَّك ولا دوَّر ما يقول: واللهِ ما وجدتُ.
ولهذا لو تَكتبُ مثلًا: لم أَجِدْ فيه خلافًا، وما تُطالع كُتُب الخلاف، يجوز تقول هكذا ولَّا لا؟ طلبة: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز، كيف تقول لم أجِدْ فيه خلافًا وأنت ما طالعتَ إلا كتابًا على قولٍ واحدٍ، فلا يقال: لم يَجِدْ، إلا لمن طَلَبَ، إذَن ففَهِمْنا وجوبَ الطلبِ من قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾.
قال: (في رَحْلِه).
(رَحْلِه) يعني: الجماعة اللي أنت معهم، الرَّحْل: يعني المتاع اللي يُحمَل على البعير، والمراد: الجماعة اللي أنت معهم، فإنْ كنتَ تعلم أنه ليس فيه شيءٌ فلا حاجةَ إلى الطلب؛ لأن الطلب تحصيلُ حاصِلٍ؛ رجلٌ يعرف أنه ما عنده إلا قِرْبة فارغة من الماء أو جالون فارغ من الماء، يحتاج إلى طَلَبٍ؟ ! لو أنه طَلَبَ في هذه الحال لَقِيلَ: إن هذا مجنون؛ يجيء يفتِّش في رَحْلِه، ويش تدوِّر يا فلان؟ قال: أنا أدوِّر ماء، وهو ما معه لا جَوَالين ولا شيء أبدًا، فإذا كان يعلم أن رَحْله ليس فيه شيءٌ فإنه لا يجب الطلب؛ لأن الطلب حينئذٍ عبثٌ وإضاعةُ وقتٍ، لكنْ لو فُرِض أن أحدًا يحتمل أنه قد جاء بالماء ووضعه في الرَّحْل؛ مِثْل أنْ كُنَّا قد وصَّينا إنسانًا يأتينا بماءٍ وفيه احتمال أنَّ الرجُل جاء في غفْلةٍ منَّا ووضع الماءَ في الرَّحْل، فحينئذٍ يجب الطلب.
وقوله: (في رَحْلِهِ وقُرْبِهِ) يعني: قُرب الرَّحْل؛ يعني بحيث أنك تمشي مثلًا تدوِّر هلْ حولك مثلًا بئرٌ أو غديرٌ أو ما أَشْبَهَ ذلك، المهم لا بد يكون بقُربِهِ.
هل له حدٌّ محدودٌ؛ القُرْب؟

لا، يُرجَع في ذلك إلى العُرْف، ومعلومٌ أن القُرب عُرفًا يختلف باختلاف الأزمنة؛ فمثلًا إذا كانت (... ) أو ما أَشْبَهَ ذلك أو على الأقدام فالقُرب يكون قريبًا، لكن بالسيارات (... ) بعيدًا، المهم أنه يبحث فيما قَرُبَ بحيث لا يشقُّ عليه طلبُه ولا يفوت به وقتُ الصلاة.
كذلك (بدلالةٍ) يعني إذا فرضنا: هذا رجُل ما عنده ماءٌ في رَحْله، ولا يقْدر يروح يدوِّر في قُرْبه، ليش؟ إمَّا لأنه قليلُ النَّظَر ما هو يشوف الحين، أو لأنه إنسان لو يتعدَّى رحْلَه قِيدَ شبرٍ ضاعَ ولا دلّ، ويوجد بعضُ الناس هكذا؛ بعض الناس لو يروح عن الرَّحْل قليلًا ويختفي عنه ضاعَ ولا يعرف يذهب لا يمين ولا شِمال، فهذا ما فَرْضُه؟ طالب: التيمم.
الشيخ: لا فيه قبل، الدلالة؛ يجيء بأحد يدلُّه؛ يقول: تعالَ جزاك اللهُ خيرًا -سواء بفلوس أو مجَّانًا- دُلَّني على الماء.
إذا ما وَجَد لا برَحْلِه ولا بقُرْبه ولا بدلالةٍ فحينئذٍ يجوز له التيمُّم، ودليل ذلك من الآية: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾.


يقول: (فإنْ نَسِيَ قُدْرتَهُ عليه وتيمَّمَ أعادَ).
(نَسِيَ قدرتَهم عليه) يعني: إنسان كان يعرف من قبلُ أن حولَه بئرًا، لكن نَسِي، يومًا صلَّى ومشى شوَيّ وما بيشوف البئر، (... )، أنا نسيتُ هذا البئر.
ماذا يصنع؟ طلبة: يُعيد الصلاة.
الشيخ: يُعيد الصلاة.
كيف يُعيد الصلاة وقد قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]؟ يقولون: لأن هذا تحصيلُ شرطٍ، والشرطُ لا يسقط بالنسيان، فأنت في الحقيقة عندك نوعُ تفريطٍ، وإلَّا أنت بقيتَ تفكِّر وتقدِّر إلى أن تذكر، أمَّا مجرد أنك تقول: واللهِ ما حولنا شيء، وتذهب وتتيمَّم فهذا فيه نوعُ تفريطٍ منك، فوجَبَ عليك الإعادة.

وقيل: إنه إذا نَسِي قُدْرته عليه فإنه لا يُعيد؛ لأنه لم يقصدْ مخالفةَ الأمر؛ فأنا حينما صلَّيتُ منتهى قدرتي أن يكون ما حولي ماء، فلم أقصدْ مخالفةَ أَمْر الله، وعلى هذا فلا إعادةَ عليه، لكن الأحوط أن يُعيد، والعلماء إذا قالوا: الأحوط، لا يعنون أنه واجبٌ، لكن يعنون أن الورعَ أن يُعيد لئلَّا يعرِّض الإنسانُ نفسَه للعِقاب، وهنا يفرِّقون بين الحكْم الاحتياطي والحكْم المجزوم به كما قال شيخ الإسلام في الفتاوي؛ يقول: إن الحكْمَ الاحتياطيَّ لا يعني أنه على سبيل الوجوب، ولكن على سبيل الورعِ بالتزامه.


يقول: (وإنْ نَوَى بتيمُّمِهِ أحْداثًا... صلَّى ولَمْ يُعِدْ) هنا الجواب متأخر؛ (وإنْ نَوَى بتيمُّمِهِ أحْداثًا، أو نجاسةً على بَدَنِهِ تضرُّ إزالتُها، أو عَدِمَ ما يُزِيلُها، أو خافَ بردًا، أو حُبِسَ في مِصْرٍ فتيمَّمَ، أو عَدِمَ الماءَ والترابَ؛ صلَّى) هذا جواب الشرط (ولَمْ يُعِد).
(إنْ نَوَى بتيمُّمِهِ أحداثًا) أَجْزأَ هذا التيمُّم الواحدُ عن الجميع ولو كانت متنوِّعة؛ لأن الأحداثَ إمَّا أن تكون من نوعٍ واحدٍ، أو من أنواعٍ، أو من جنسٍ، أو من أجناسٍ.
مثال النوع الواحد: مِثْل رجُلٍ بالَ عدَّة مرَّاتٍ، هذا أحداثٌ ولَّا حدثٌ واحد؟ الطلبة: أحداث.
الشيخ: أحداث، لكن نوعها؟ الطلبة: واحد.
الشيخ: واحد، وهو البول.
أنواعٌ من جنسٍ: رجلٌ بالَ وتغوَّط وأكَلَ لحمَ الإبلِ ونامَ، هذه أنواعٌ لكنها من جنسٍ واحدٍ، ويش هو جنس واحد؟ حدثٌ أصغرُ، الجنس واحد.
رجلٌ احتلمَ وأنزلَ وبالَ وتغوَّطَ، هذه أجناس؛ لأنَّ الأوَّل حدثٌ أكبر، والثاني حدثٌ أصغر، هذا الرجل تيمَّم ونوى كلَّ هذه الأحداثَ اللِّي عليه، يجزئه ولَّا لا؟ يُجزِئ.
ما هو الدليل؟

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (7)، هذا الحديث العظيم من أعظم الأحاديث: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»، هذا تيمُّمٌ، والتيمُّم عملٌ، نَوَى به عدَّةَ أحداثٍ، نقول: لك ما نويتَ؛ «وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».
(أَوْ نَجَاسَةً على بَدَنِهِ تضُرُّهُ إزالتُها) يعني: نَوَى نجاسةً على بَدَنه تضرُّه إزالتُها (أوْ عَدِمَ ما يُزِيلُها).
مثال النجاسةِ على البدن اللِّي تضرُّ إزالتُها مثل: لو سقطتْ نقطةُ بولٍ على جُرحٍ طريٍّ ما يقدر يمسحه ولا يغسله، هذه نجاسةٌ على بَدَنٍ تضرُّه إزالتُها؛ لأنه ما يَقْدر يغسله لأن الماء يضرُّه، ولا يَقْدر يمسحه بخرقةٍ لأن المسح أيضًا يضرُّه، على أن المسْح ما يَحصُل به التطهيرُ أيضًا، فإزالة النجاسةِ إذَنْ تضرُّه ولَّا لا؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: يتيمَّم لها ولَّا ما يتيمَّم؟ كلامُ المؤلف يدلُّ على أنه يتيمَّم، ولهذا قال: (أو نجاسةً على بَدَنِهِ تضرُّ إزالتُها).
(أوْ عَدِمَ ما يُزِيلُها) مثل: أصابه بولٌ على بَدَنه، لكن ما عنده ماءٌ يزيلها به، يتيمَّم ولَّا لا؟ طالب: يتيمَّم.
الشيخ: يتيمَّم؛ لأنه قال: (نجاسةً على بَدَنه تضرُّ إزالتُها، أوْ عَدِمَ ما يُزِيلُها).
هذا عَدِمَ ما يُزِيلُها، ما عنده ماءٌ فيتيمَّم.
طيب البُوية نجسة ولَّا لا؟ طالب: لا.
الشيخ: يقول لي بعضُ الناس: إن فيه شيء نجس من البويات، لو فرضْنا أن فيه بُوية نجسة ولطَّختْك، الماءُ يُزِيلُها ولَّا ما يُزِيلُها؟ طلبة: ما يُزِيلُها.
الشيخ: ويش يُزيلها؟ الطلبة: الجاز، البنزين.
الشيخ: البنزين والجاز، ما عنده بنزين ولا جاز، يتيمَّم على كلام المؤلف.
طالب: مع بقائها.
الشيخ: إي، هي باقيةٌ، معروف أن البوية ما هي تروح.

أفادنا المؤلف يا جماعة -رحمه الله- أن النجاسةَ على البَدَن يُتيمَّم لها، وأن النجاسةَ على الثوب أو في البقعة لا يُتيمَّم لها؛ لأنه قال: نجاسة على البدن.
أمَّا لو كانت نجاسة على ثوبه وهو ما يَقْدر يغسله، ما عنده ما يغسلها به، فهل يتيمَّم ويصلي؟ طالب: ما يتيمَّم.
الشيخ: نقول: لا.
طيب، ينزِّل الثوب، قال: ما عندي ثوبٌ غيره، إن نزَّلتُه صلَّيتُ عاريًا؟ طالب: يصلِّي به.
الشيخ: يصلِّي به، والمذهب: يصلِّي به ويُعيد؛ المذهب يقولون: يجب أن يصلِّي به ويجب أن يُعيد، فلو بَقِي هذا الثوب عليه شهرًا كاملًا (... )، ما عنده غير هذا الثوب ولا عنده ما يغسل به النجاسةَ قُلنا؟ طالب: يقضي مئةً وخمسين صلاة.
الشيخ: نعم، يقضي مئةً وخمسين صلاة، ويصلِّي وُجوبًا بالنجس، ويقضي.
والقول الثاني: أنه يصلِّي به ولا يجب الإعادة؛ لأن الله يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، وهذا هو الذي استطاعه، هو الآن عاجز عن إزالة النجاسة فيصلِّي به، وهذا هو الصحيح بلا شكٍّ.
هلْ يتيمَّم للنجاسةِ على ثوبه؟ لا يتيمَّم.
نجاسة في بُقعة، يمكن يصير نجاسة في بُقعة؟ إي نعم؛ يكون -نسأل الله العافية- محبوسًا في مكانٍ نجسٍ؛ يعني فيه بعض الوُلاةِ الظَّلَمةِ يحبس المسلمَ في المرحاض، هذا اللِّي حُبِس في المرحاض كيف يصلي؟ محبوسٌ في نجس.
نقول: تصلِّي وعلى حَسَبِ حالك، ولا تتيمَّمْ للنجاسة، لكن الوضوء بيتوضأ.
أفادنا المؤلف أنه لا تيمُّمَ عن نجاسةٍ على بَدَن.
إن غلطتُ فصوِّبوني.
طالب: خطأ.
الشيخ: خطأ، البَدَن يتيمَّم له.
لا تيمُّمَ عن نجاسةٍ على ثوب.
الطلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح.
لا تيمُّمَ عن نجاسةٍ في بقعة.
الطلبة: صحيح.

الشيخ: صحيح، والصحيح أنه لا تيمُّمَ عن نجاسةٍ مطْلقًا لا في الثوبِ ولا في البَدَنِ ولا في البقعةِ؛ وذلك لأن الله إنما ذكر التيمُّمَ في الأحداثِ فقط، فلا يجوز أن نتعدَّى ما ذكره الله عز وجل، ولأن النجاسةَ شيءٌ يطلبُ التخلِّيَ منه لا إيجادَهُ، فمتى خلا الإنسانُ من النجاسةِ ولو بغير نيَّةٍ فإنه يَطْهُر منها؛ أرأيتَ لو أنَّ يدك مثلًا أصابها بولٌ، ذراعك مثلًا، وتوضأْتَ وغسلْتَ على أنك متوضِّئٌ ونسيتَ أنه أصابهُ البول، هل يطهُر ولَّا ما يطهُر؟ طلبة: يطهُر.
الشيخ: مع أنك ما نويتَ؛ لأن المقصود بإزالةِ النجاسةِ هو التخلِّي عنها، ولا يحصل هذا المقصودُ بالتيمُّم، بخلافِ الوضوء والغُسْل فإنه تعبُّد، فإذا لم نستطع التطهُّر بالماء تطهَّرْنا تعبُّدًا لله وتذلُّلًا له بالتُّراب، وهذا القول أحدُ القولينِ في المسألة، وهو الصواب بلا شكٍّ، كما أنه لا يتيمَّم عن النجاسة في الثوب وفي البقعة.
فعندنا أربعةُ أمور يا إخواننا: حَدَثٌ، نجاسةٌ على بَدَنٍ، نجاسةٌ على ثوبٍ، نجاسةٌ على بُقعةٍ.
الحدثُ يُتيمَّم عنه بالنص والإجماع، ما فيه إشكال، والنجاسةُ على الثوبِ والبُقعةِ لا يُتيمَّم عنها قولًا واحدًا في المذهب، إلا إن كان فيه هناك قولٌ ضعيفٌ، والنجاسةُ على البَدَنِ يُتيمَّم عنها على المذهب، والصحيح أنه لا يُتيمَّم عنها، يغسلُها إن وَجَدَ الماءَ وإلَّا سقط عنه الوجوب.


(... ) هذه المسألة فيها خلافٌ؛ بعضُ العلماء يقول: يجب يَحمِلون من الماء ما يكفيهم إذا كان ما يشُقُّ عليهم، وعلى هذا فيجبُ على مَن أرادوا الرِّحْلة أنهم يأخذون معهم (... )؛ لأن (... ) الآن الحمد لله متيسِّر.

والقول الثاني: لا، إن المسافر لا يلزمه أن يَحمِل من الماء إلا ما يكفيه هو وأهله فقط، وإنَّ هذا هو المقصود بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [النساء: 43]، والظاهر أنه إذا كانت المشقَّة يسيرةً أنه يجب عليهم الحمْلُ، أمَّا إذا كانت المشقَّة كثيرة فهذا ما يجب.


(... ) هذا القياس.
وذكَرْنا أنَّ القولَ الراجحَ خلافُ ذلك، فما هو حُجَّة القول الراجح؟ وما هو دفاعُهم عن هذا التعليل؟ طالب: (... ).


الشيخ: (... ) (أوْ خَافَ بَرْدًا) خافَ بردًا منين؟ من استعمال الماءِ، فإنه يتيمَّمُ، لكنْ إن وَجَدَ ما يُسخِّن به الماءَ وَجَبَ عليه أن يُسخِّن الماءَ، فإنْ لم يَجِدْ وخافَ إن اغتسلَ مَرِضَ فإنه يتيمَّم، ولا يكفي الخوفُ من البرد فقط، لكنْ خافَ ضررًا من البردِ، أما أن يخافَ البردَ كلُّ واحدٍ في الشتاء إذا توضأ يبرد، لكن المقصود أنه يخشى على نفْسه الضررَ من البرد، ففي هذه الحال له أن يتيمَّم؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].
فإذا خافَ بردًا لا يحتملُه إلا بضررٍ فله أنْ يتيمَّم، وإذا تيمَّمَ ثم وَجَدَ ما يُسخِّن به الماءَ فهلْ يجب عليه أن يستعمل الماءَ؟ الجواب: نعم، يجب عليه، وسيأتي -إنْ شاء اللهُ- دليلُ ذلك.
قال: (أو حُبِسَ في مِصْرٍ) المصر معروف: المدينة.
(حُبِسَ) يعني فلَمْ يَصِلْ إليه الماءُ، فإنه يتيمَّم، وإنما نصَّ المؤلفُ على ذلك لأن بعض أهل العلم يقول: إنه لا يتيمَّم؛ لأنه ليس مسافرًا وليس عادمًا للماء؛ فالماء موجودٌ لأنه في مصْرٍ.
ولكن يقال: هذا الماء الموجود بالنسبة إليه معدومٌ؛ لأنه حُبِسَ ولم يُوصَل إليه الماءُ، وحينئذٍ يكون قد تعذَّرَ عليه استعمالُ الماء فيُباحُ له التيمُّم.
فإن حُبِس في مصرٍ ولم يجد ماءً ولا تُرابًا فماذا يصنع؟

يصلِّي على حَسَبِ حالِه ولا إعادةَ عليه، ولا يقُلْ: سأُؤَخِّر الصلاةَ حتى أَقْدر على إحدى الطهارتينِ: الماء أو التراب.
(أوْ عَدِمَ الماءَ والتُّرابَ) لم يجدْ ماءً ولا ترابًا؛ مثل أن يُحبَس في مكانٍ ليس فيه ماءٌ ولا ترابٌ، ولا يستطيع أن يخرج من هذا المكان ولا أن يجلب ترابًا يتيمَّم به ولا ماءً يتطهَّر به، ففي هذه الحال يصلِّي على حَسَبِ حالِه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وقولِ النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (3)، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «أَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ» (8)، فإن هذا عامٌّ، ومن هُنا نأخذ أهمية المحافظة على الوقت، وأنَّ الوقت أَوْلى ما يكون من الشروط في المحافظة، فنقول: صَلِّ بلا وُضوءٍ وبلا تيمُّمٍ على حسب حالك.


ثم قال رحمه الله: (ويَجِبُ التيمُّمُ بتُرابٍ طَهورٍ له غُبارٌ).
هذا بيانُ ما يُتيمَّم به؛ يقول المؤلف: (بترابٍ)، والتراب معروف، خرجَ بذلك ما عداه من الرَّمْل والحجارة وما أَشْبَه ذلك فلا يتيمَّم به، يجب أن يتيمَّم بترابٍ، فإنْ عَدِمه ولم يكنْ إلا في بَرٍّ ليس فيه إلا الرمْلُ أو ليس فيه إلا الطينُ لكثرة الأمطار فحينئذٍ يصلِّي بلا تيمُّمٍ؛ لأنه عَدِمَ الماءَ والترابَ.
ما هو الدليل؟

قالوا: الدليل على ذلك قولُ النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم: «وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا» (9)، وفي رواية: «وَجُعِلَ التُّرَابُ لِي طَهُورًا» (10)؛ قالوا: هذا يخصِّص عمومَ قوله صلى الله عليه وسلم: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (8)؛ فإن الأرضَ كلمةٌ عامَّةٌ، لكن (تُراب) خاصٌّ، فيُقيَّد العامُّ بهذا؛ بالتراب.
هذا هو دليلهم، ولكن هذا الدليل رفَضَه جمهورُ العلماء وقالوا: إنه إذا قُيِّد اللفظُ العامُّ بما يوافق حكْمَ العامِّ فإنه ليس بقيدٍ.
يعني تقرير هذه القاعدة: ذِكْر بعضِ أفراد العامِّ بحكْمٍ يوافق حكْمَ العامِّ لا يقتضي تقييدَه، وكذلك ذِكْر بعضِ أفراد العامِّ بحكْمٍ لا يخالف العامَّ لا يقتضي تخصيصه.
وقد نصَّ على هذه القاعدةِ كثيرٌ من العلماء منهم: الشوكاني في نيل الأوطار، ومنهم كذلك الشنقيطي في تفسيره على هذه الآية؛ آيةِ التيمُّم، على أنه إذا ذُكِر بعضُ أفراد العامِّ بحكْمٍ يوافق العامَّ فإنه لا يقتضي التقييد.
توضيح هذه القاعدة: مثلًا إذا قلت: أكْرِم الطلبةَ.
هذا عامٌّ ولَّا لا؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: ثم قلت: أكْرِم فلانًا، وهو من الطلبة؛ هل يقتضي هذا تخصيصَ العامِّ ونقول: إنك لا تكرم إلا فلانًا.
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، ليش؟ لأنك الآن ذكرتَ فلانًا بحكْمٍ يوافق العامَّ، فلا يخصِّصه، لكن لو قلتَ: لا تُكْرِم فلانًا، وهو من الطلبة، صار هذا تخصيصًا للعامِّ؛ لأني لما قلتُ في الأول: أكْرِم الطلبة، دَخَلَ فيهم هذا الرجل، فإذا قلت: لا تُكْرِمه، خَرَجَ، فصار هذا هو التخصيص؛ لأني ذكرتُه بحكمٍ يخالف حكمَ العامِّ، انتبه لهذا.

ومن ذلك أن بعض العلماء قال في قوله صلى الله عليه وسلم: «وَفِي الرِّقَةِ رُبُعُ العُشْرِ» (11): يخصِّص عمومَ الأدلَّةِ الدالَّةِ على وجوب زكاةِ الفضة مطْلقًا؛ لأنه قال: «وَفِي الرِّقَةِ» والرِّقَة هي السكة المضروبة على قولهم، فنقول: إن سلَّمْنا لكم أن الرِّقَة هي الفضَّة المضروبة فإنَّ هذا ذِكْر بعض أفراد العامِّ بحكْمٍ موافقٍ للعامِّ، وهذا لا يقتضي التخصيص.
إذَن نرجع إلى ما نحن فيه: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» عامٌّ ولَّا لا؟ الطلبة: عامٌّ.
الشيخ: «الْأَرْضُ» يشمل الرمليةَ والترابيةَ والحجريةَ، يشمل كلَّ هذا، «جُعِلَ التُّرَابُ لِي طَهُورًا» أو «تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا» هذا قيدٌ، لكنه قيدٌ بما يوافق العامَّ المطْلَقَ فلا يكون مخصِّصًا، وهذا هو الصواب.
إذَن نقول: لا يجب التيمُّم بترابٍ، بلْ تتيمَّم بكُلِّ ما تصاعَدَ على وجْه الأرض؛ لأن الله يقول: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: 6]، ﴿صَعِيدًا﴾، والصعيد: كلُّ ما تصاعدَ على الأرض فهو صعيدٌ، والله عز وجل يعلم أن الناس في أسفارهم يطرقون أراضيَ رمليَّةً، وأراضيَ حجريَّةً، وأراضيَ ترابيَّةً، ولم يخصِّص شيئًا دون شيءٍ، والنبيُّ عليه الصلاة والسلام في غزوة تبوك لا شكَّ أنه مرَّ برمالٍ كثيرةٍ، ومع ذلك فلمْ يُنقَل أنهم كانوا يحملون الترابَ، ولا أنهم كانوا يصلُّون بدون تيمُّمٍ، وعليه فيكون القولُ الصحيحُ أنه لا يُشترط الترابُ.
اشترط المؤلف أيضًا: (طَهُور)، وهو إشارةٌ إلى أن الترابَ ينقسم إلى ثلاثة أقسام: طَهور، وطاهر، ونجس؛ كما أن الماء عندهم ينقسم إلى ثلاثة أقسام: طَهور، وطاهر، ونجس.
فخرج بقوله: (طَهُور) الترابُ النجسُ؛ مثل أن تجد بقعةً قد أصابها بولٌ ولم يُطهَّر ذلك البول، فهل تتيمَّم منها؟ الطلبة: لا.
الشيخ: لا، لأنها ليستْ بطَهورٍ.
ما الدليل؟

الدليل قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، والطيِّب ضدُّ الخبيث، ولا نعلم خُبْثًا يُوصَفُ به الصعيد إلا أن يكون نجسًا، وعلى هذا فإذا كانت الأرض نجسةًَ فإنه لا يُتيمَّم عليها.
ولكنْ يبقى النَّظَر ما هو الترابُ الطاهرُ الذي ليس بطَهورٍ؟ الترابُ الطاهرُ الذي ليس بطَهورٍ هو الترابُ الذي يتساقطُ من الكفَّينِ أو من الوجْهِ بعد التيمُّمِ به.
طالب: (... ). الشيخ: هذا يُمْكن لكنْ بصعوبة؛ لأنك إذا ضربْتَ الأرضَ وغبَّرت ومسحتَ وجهَك، قد يجيء واحد ويضرب يديك ويمسح بالتراب هذا، يُمْكن ولَّا لا؟ يُمكن، يقول: تعالَ أتيمَّم من وجهك ويديك -لكنْ لا يخبطك على وجهك المشكلة، خلِّه إذا بغى يخبط باليدين- هلْ يجزئ التيمُّم هنا؟ لا، ليش؟ لأن التراب اللِّي على اليدينِ ترابٌ مستعمَلٌ في طهارةٍ واجبةٍ، فيكون طاهرًا غيرَ مطهِّر، فأمَّا لو تيمَّمْتَ من المكان الذي ضربْتَ عليه يديك فإنَّ ذلك ليس بطاهر، بل هو طَهورٌ؛ مثال ذلك: احنا الآن في أرضٍ، فجاء رجلٌ وضربَ الأرضَ ورأينا آثارَ يديه على الأرض وتيمَّم، فجاء آخَر وضربَ على مضرب يديه، يصحُّ ولَّا ما يصحُّ؟ طالب: يصحُّ.
الشيخ: يصحُّ، وقد يتوهَّم بعضُ الطلبة أن هذا المكانَ أو هذا الترابَ صار طاهرًا غيرَ مطهِّر، والأمرُ ليس كذلك، بلْ نصَّ الفقهاء رحمهم الله على أنَّ هذا جائزٌ وأنَّ هذا يُشبه أن يتوضأ الجماعةُ من بِرْكة، إذا توضؤوا من بِرْكةٍ ما يكون طاهرًا غير مطهِّر، فانتبهوا لهذا.
والصحيح أنه ليس هناك قسمٌ يُسمَّى طاهرًا غير مطهِّرٍ في التراب، كما أنه ليس هناك قسمٌ في الماء يُسمَّى طاهرًا غير مطهِّر.
الشرط الثالث؛ قال: (له غُبار)، فإن لم يكنْ له غبارٌ فإنه لا يصحُّ التيمُّم به؛ مثل أن يكون هذا التراب ثَرِيًّا، (ثريًّا) يعني أيش؟ طلبة: رطبًا.

الشيخ: إي، فيه رطوبة، وليس المراد بالثريِّ الغني مأخوذ من الثراء، لا، ثريًّا يعني لَدِنًا؛ أي: فيه رطوبة، فإنك لا تتيمَّم به، وعلى هذا فلو كُنَّا في أرضٍ قد أصابها رشُّ مطرٍ حتى ذهب الغبار فإننا لا نتيمَّم عليها، بل نصلِّي بدون تيمُّمٍ.
والصحيح في هذه المسألة خلافُ ذلك؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾.
الشيخ: يقول المؤلف.. طلبة: (غير محترقٍ).
الشيخ: ما هي عندي، لكنْ طيب، إذا كان غيرَ محترقٍ معناه أنه لو كان محترقًا مثل الإسمنت.
طالب: الرماد.
الشيخ: الرماد من الخشب.
طالب: والجِص.
الشيخ: نعم، الجِص، مع أن الجِص ما يصحُّ مطْلقًا لأنه ليس بترابٍ، فإنه لا يصحُّ التيمُّم به (... ) وهذا أيضًا من الأشياء الضعيفة.
والصواب أنَّ كلَّ ما على الأرض من ترابٍ، وحَجَرٍ ورمْلٍ رطْبٍ أو يابسٍ يُتيمَّم منه.
بَقِي أن يُقال: كيف نُجيب عن قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: 6]، ﴿مِنْهُ﴾ فإن (مِن) للتبعيض، ولا تتحقَّقُ البعضيةُ إلا بغُبارٍ يَعْلَق باليد ويُمسح به الوجْه.
طالب: شيخ، الجواب أن (مِن) لابتداء الغاية لا للتبعيض.
الشيخ: نعم، الجواب أن (مِن) لابتداء الغاية، فهي كقولك: سِرتُ مِن مكةَ إلى المدينة، فإذا قلتَ: هذا خلافُ الظاهر؛ لأن ظاهر ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾..، قلنا: هذا مُسَلَّم؛ لكننا عَدَلْنا إلى غير الظاهر من أجْل سُنَّة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فإن ظاهرها أن ذلك ليس بشرطٍ؛ لأنه يسافر في الأرض الرمليةِ والأرض التي أُصيبتْ بمطرٍ، ومع ذلك ما نُقِل عنه أنه كان يَدَعُ التيمُّم في مثل هذه الحال.

و (فُروضُه) مَسْحُ وَجْهِه ويَديهِ إلى كُوعَيْهِ، وكذا الترتيبُ والْمُوالاةُ في حَدَثٍ أَصْغَرَ: و (تُشْتَرَطُ) النيَّةُ لِمَا يَتَيَمَّمُ له من حَدَثٍ أو غيرِه، فإن نَوَى أحدَها لم يُجْزِئْهُ عن الآخَرِ، وإن نَوَى نَفْلًا أو أَطْلَقَ لم يُصَلِّ به فَرْضًا، وإن نواه صَلَّى كلَّ وَقْتِه فُروضًا ونوافِلَ.
و(يَبْطُلُ التيَمُّمُ) بخروجِ الوَقْتِ، وبِمُبطلاتِ الوُضوءِ، وبوجودِ الماءِ ولو في الصلاةِ لا بعدَها، والتيَمُّمُ آخِرَ الوقتِ لراجِي الماءِ أَوْلَى.
و (صِفَتُه) أن يَنْوِيَ، ثم يُسَمِّيَ، ويَضْرِبُ الترابَ بيَدَيْهِ مُفَرَّجَتَي الأصابعِ يَمْسَحُ وَجْهَه بباطنِهما وكَفَّيْه برَاحَتَيْهِ ويُخَلِّلُ أَصابِعَه.

﴿باب إزالة النجاسة﴾: يُجْزِئُ في غَسْلِ النجاساتِ كلِّها إذا كانت على الأرضِ غَسلةٌ واحدةٌ تَذْهَبُ بعينِ النجاسةِ، وعلى غيرِها سَبْعٌ إحداها بتُرابٍ في نجاسةِ كلبٍ وخِنزيرٍ شروط ما يتيمم به: أن يكون ترابًا طهورًا له غبار غير محترق -على النسخة الثانية- وأن يكون مباحًا؛ لأنه يشترط إباحة ما يتطهر به، فإن كان غير مباح ما صح التيمم به، مثاله؟ طالب: الأرض المغصوبة.
الشيخ: لا، أن يسرق الإنسان ترابًا من شخص، إنسان معه تراب له، ملكه، فسرقه وتيمم به، يصح التيمم ولَّا لا؟ طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأنه يشترط طهارة ما يتيمم به كما يشترط طهارة ما يتوضأ به، وهذه المسألة سبق لنا أنها خلافية، وإذا كانت خلافية في الوضوء والغسل فهي هنا من باب أولى.
وأما الأرض المغصوبة فإنه يصح التيمم منها، كما لو غصب بئرًا فإنه يصح الوضوء من مائها، ولكن مع ذلك قال الفقهاء رحمهم الله: إنه يكره الوضوء من ماء بئرٍ في أرضٍ مغصوبة.

فروضه يقول المؤلف: (مسح وجهه ويديه إلى كوعيه) (مسح وجهه ويديه)؛ لقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: 6]، وهي كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِق﴾ [المائدة: 6].
فإذا قلنا: إن فروض الوضوء غسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين، قلنا: كذلك فروض التيمم مسح الوجه ويديه يقول: (إلى كوعيه) تعرف الكوع يا أخ؟ طالب: (... ). الشيخ: إي نعم، سبق أن أنشدنا بيتين في هذا الموضوع، وترى هذه المسائل ينبغي على الإنسان يضبطها؛ لأنك إذا حفظت البيتين استغنيت إنك تروح تراجع القاموس أو الصحاح أو ما أشبه ذلك، من ينشدنا إياهم؟ طالب: وَعَظْمٌ يَلِي الْإِبْهَامَ كُوعٌ وَمَا يَلِي لِخِنْصَرِهِ الْكُرْسُوعُ........... وَعَظْمٌ..................... .................................. الشيخ: كمِّل.
طالب آخر: باقٍ شيء.
الشيخ: باقٍ.
الطالب: .................................. .......... وَالرُّسْغُ مَا وَسَطَ

الشيخ: كمِّل البيت الثاني.
الطالب: وَعَظْمٌ يَلِي إبْهَامَ رِجْلٍ مُلَقَّبٌ بِبُوعٍ فَخُذْ بِالْعِلْمِ وَاحْذَرْ مِنْ الْغَلَطِ

الشيخ: أسمعتم؟ طلبة: لا.
الشيخ: أقوله وَعَظْمٌ يَلِي الْإِبْهَامَ كُوعٌ وَمَا يَلِي .................................. هذا الشطر الأول.
.................................. لِخِنْصَرِهِ الْكُرْسُوعُ وَالرُّسْغُ مَا وَسَطَ

هذا اللي يلي الإبهام، وهذا الذي يلي الخنصر، شفتوا هذا، والرسغ اللي بينهما ما وسط.
طالب: (... ). الشيخ: لا، أبدًا.
وَعَظْمٌ يَلِي إبْهَامَ رِجْلٍ مُلَقَّبٌ بِبُوعٍ فَخُذْ بِالْعِلْمِ وَاحْذَرْ مِنْ الْغَلَطِ

وينه؟ طالب: (... ). الشيخ: فخذ بالعلم واحذر من الغلط؛ احذر أن تقول: الكوع كرسوع، والكرسوع كوع.

إذن (ويديه إلى كوعيه) ما هو الدليل أن اليدين إلى الكوعين؛ لأن بعض العلماء يقول: يمسح إلى المرفقين؟ نقول: الدليل أن الله عز وجل يقول: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾، و (اليد) إذا أطلقت فالمراد بها الكف؛ بدليل أن الله عز وجل لما قال في السارق والسارقة: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]، منين تقطع يد السارق؟ من مِفْصَل الكف، هذا من القرآن.
من السنة: حديث عمار بن ياسر أنه أصابته جنابة وهو في سفر، فتمرغ في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا» وضرب بيديه الأرض ومسح الكفين فقط (1) لم يمسح الذراع.
فعندنا دليل من القرآن ومن السنة على أن الفرض يختص باليدين إلى الكوعين.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن التيمم إلى المرفقين، واستدلوا بحديث ضعيف: «التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ» (2) واستدلوا أيضًا بقياس؛ قياس التيمم على الوضوء.
فنقول في الرد على هذا القول: أما الحديث فضعيف وشاذ مخالف للأحاديث الصحيحة الدالة على أن التيمم ضربة واحدة وأنه إلى الكوع فقط.
وأما القياس فهو ضعيف من وجهين: الوجه الأول: أنه مقابل للنص، والقياس المقابل للنص مردود، ويسمى عند الأصوليين: فاسد الاعتبار.
الوجه الثاني: أنه قياس مع الفارق، وجه الفرق: أن طهارة التيمم مختصة بعضوين، وطهارة الماء بأربعة أعضاء في الوضوء، وبالبدن كله في الجنابة مثلًا.
ثانيًا: أن طهارة الماء تختلف فيها الطهارتان، وطهارة التيمم لا تختلف.
ثالثًا: أنه لا يُحمل المطلق على المقيد إلا إذا اتفقا في الحكم، وأما مع اختلافهما في الحكم فإنه لا يُحمل المطلق على المقيد.
هذه وجوه ثلاثة يُرَد بها على من قال: إن التيمم إلى المرفقين.

وهناك أيضًا وجه رابع؛ وهو أن يقال: إن طهارة الماء فيها تنظيف حسي كما أنها تطهير معنوي، أما طهارة التيمم فليس فيها تنظيف حسي؛ ولهذا لا يكلف الإنسان أن يحسر عن ثوبه حتى يمسح الذراعين.
الفرض الثالث والرابع قال: (وكذا الترتيب والموالاة في حدث أصغر) الترتيب بأن يبدأ بالوجه قبل اليدين؛ لأن الله قال: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ فبدأ بالوجه، فالترتيب أن نبدأ بالوجه ثم اليدين.
أما الموالاة: فألَّا نؤخر مسح اليدين عن مسح الوجه زمنًا لو كانت الطهارة الوضوء بالماء لجفَّ الوجه قبل أن يُطهِّر اليدين، طبعًا ما نقول هنا: يجف التراب؛ لأن التراب جاف، لكن لو قدَّرنا أنه ماء لجفَّ قبل أن يتيمم على اليدين، فإن التيمم هنا أيش يصح ولَّا لا؟ لا يصح، لماذا؟ ما هو الدليل؟ قالوا: الدليل: لأن طهارة التيمم بدل عن طهارة الماء، والبدل له حكم المبدَل، فلما كان الترتيب في الوضوء والموالاة في الوضوء واجبين كانا واجبين كذلك في التيمم عن الحدث الأصغر، أما في الأكبر لو تيمم الإنسان عن جنابة وبدأ بمسح الكفين قبل مسح الوجه يجوز؟ طالب: نعم.
الشيخ: يجوز، يقولون: لأن الجنابة ما فيها ترتيب.
ولكن الذي يظهر أن نقول: إن الترتيب إما واجب في الطهارتين، وإما غير واجب في الطهارتين؛ لأن الله سبحانه وتعالى جعل التيمم بدلًا عن الطهارتين جميعًا والعضوان للطهارتين جميعًا، إي نعم، والله أعلم.


(... ) هذا اليوم وهو آية النساء ما فيها (منه) ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: 43]، وآية النساء سبقت آية المائدة بسنوات سبقتها بسنوات.
وأيضًا الرسول عليه الصلاة والسلام ثبت في رواية عند البخاري (3): أنه لما ضرب بيده الأرض -في حديث عمار- نفخ فيهما، والنفخ يزيل الغبار وأثر التراب، وهذا أيضًا دليل على أنه لا يجب.

فهذه ثلاثة أوجه تدل على أن (مِن) ليست للتبعيض، ولا يراد بها أن يكون التراب لازقًا باليد حتى يمسح به الوجه.
فإن قال قائل مثلًا: ما هي الحكمة في أنه تذكر (مِن) مع أن فيها هذا الإشكال؟ قال بعض العلماء: لأن هذا بناءً على الغالب ولا سيما في الحضر، ولكن هذا فيه نظر؛ لأن كثيرًا من البلدان ولا سيما بلاد العرب كلها رمل، لكن الأوجه الثلاثة اللي ذكرناها هي التي تبين المراد.
وقد تكون أجزاؤها واجبات كما في التشهد الأول في الصلاة، وكما في الرمي في الحج، وما أشبه ذلك، فتبين بهذا أن أجزاء العبادة؛ منها ما يكون ركنًا، ومنها ما يكون واجبًا، ومنها ما يُسمى بدل الركن: فرضًا.
حين قالوا بأنه فرض فيهما قالوا: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ» (1) ويكلم من؟ طلبة: عمار.
الشيخ: عمار وهو جنب: «أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا»، وفعل التيمم مرتبًا ومتواليًا.
قالوا: والقياس على الحدث الأكبر في الماء قياس مع الفارق؛ لأن الحدث الأكبر البدن كله عضو واحد ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ وهذا عضوان، ولا شك أن الأحوط هو الموالاة؛ إذ يبعد كل البعد أن نقول: إن الرجل الذي تيمم في أول الصبح ومسح وجهه وعند الظهر مسح كفيه، يبعد كل البعد أن نقول: إن هذه هي صورة التيمم المشروعة، فالأولى أن يقال: إن الموالاة واجبة في الحَدَثَيْنِ جميعًا (... ). (وتشترط النية لما يتيمم له) والشرط في اللغة: العلامة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: 18] أي: علاماتها.
أما في اصطلاح الأصوليين فالشرط هو: الذي يَلْزَم من عدمه العدم، ولا يَلْزَم من وجوده الوجود.
والسبب هو: الذي يَلْزَم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم.
والمانع هو: الذي يَلْزَم من وجوده العدم ولا يَلْزَم من عدمه الوجود، فهو إذن عكس الشرط.
الشرط ما هو؟ في اللغة: العلامة.

وفي اصطلاح الأصوليين: ما يَلْزَم من عدمه العدم ولا يَلْزَم من وجوده الوجود، فالوضوء مثلًا شرط لصحة الصلاة؛ يلزم من عدمه عدم صحة الصلاة، وهل يلزم من وجوده وجود صحة الصلاة؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا، لو توضأ الإنسان قد لا يصلي.
أما قوله: (النية) فالنية: لغة القصد.
وأما شرعًا فهي: الإرادة الجازمة على فعل الشيء تُسمى: نية، ومحلها القلب، ولا تعلق لها باللسان إطلاقًا؛ ولهذا لا ينبغي النطق بالنية لا سرًّا ولا جهرًا، خلافًا لمن قال: إنه يُشرَع النطق بالنية سرًّا ليوافق اللسان القلب، أو قال: يُسن النطق بالنية جهرًا لإظهار الشعيرة وقياسًا على الحج؛ حيث قال الرسول عليه الصلاة السلام: «لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا» (4). والصواب: أن النية لا يشترط التلفظ بها لا سرًّا ولا جهرًا، لا في الحج ولا في غير الحج، حتى في الحج لا يُشرَع أن تقول: اللهم إني أريد الحج، أو: اللهم إني أريد العمرة؛ لأن هذا لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكن تلبي بما قصدت؛ لبَّيك عمرة وحجًّا، أو لبَّيك حجًّا، أو لبَّيك عمرة.
النية، ثم اعلم أن النية نيتان: نية للتمييز والتعيين، ونية للاحتساب والثواب، والأهم؟ طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني أهم، وما أكثر ما ننسى هذا الثاني، أكثر ما ننوي النية التي للتمييز والتعيين؛ نويت أتوضأ، نويت أصلي الظهر، نويت أصلي العصر، وما أشبه ذلك، لكن نويت أن أفعل ذلك امتثالًا لأمر الله ومتابعة لرسول الله، هذا قليل جدًّا؛ يعني: يندر أن الإنسان يفتح الله عليه عند فعل العبادة ويقصد بها ذلك، مثلًا عندما أريد أن أتوضأ هل أنا أستحضر قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ وأنني كأني أقول: سمعًا لك يا رب وطاعة، ثم أشرع في الوضوء؟ طالب: هذا نادر.

الشيخ: إي، هذا قليل؛ يعني: قد يوجد أحيانًا يفتح الله علينا ونذكر هذا، لكن أكثر الأحيان ما نذكر هذا.
هل نشعر أننا حينما نفعل هذا الشيء اللي هو الوضوء كأننا نشاهد الرسول عليه الصلاة والسلام يتوضأ على هذا النحو ونحن متبعون له في ذلك؟ هذا أيضًا قليل، وكذلك الصلاة عندما نصلي هل نشعر أو نستحضر في قلوبنا أننا نصلي امتثالًا لقوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: 72]؟ هذا قليل.
المهم أن هذه النية التي هي الأصل نجد أن كثيرًا من الناس يغفل عنها.
أما نية التمييز فيراد بها تمييز العادة من العبادة وتمييز العبادات بعضها عن بعض، هذه نية التمييز؛ العادة من العبادة، مثال ذلك: رجل تروَّش للتبرد، هذه عادة، تروَّش للإحرام، عبادة لكنها سنة، تروَّش للجنابة، عبادة لكنها واجبة، فالإنسان يعين العبادة من العادة، ثم العبادات المستحبات من الواجبات.
فالنية شرط قال: (لما يتيمم له من حدث أو غيره) (من حدث) متعلق بـ (يتيمم) وليست بيانًا للضمير في (له)، وذلك أن عندنا شيئين؛ متيممًا له ومتيممًا منه، والمؤلف جمع بينهما في العبارة قال: (لما يتيمم له من حدث) فذكر الأمرين؛ المتيمم له والمتيمم منه.
فمثلًا: إذا تيمم للصلاة ينوي أنه تيمم للصلاة الفريضة مثلًا من الحدث الأصغر، تيمم للصلاة الفريضة من الحدث الأكبر، لا بد من الأمرين، لماذا؟ لأن طهارة التيمم استباحة على المذهب، ولا يستبيح الأعلى بنية الأدنى؛ فلهذا اشْتُرط أن يعين ما تيمم له؛ لأنك لو تيممت بعد أذان الفجر لسُّنة الفجر لم تصلِّ به صلاة الفجر، لأيش؟ لأن الفرض أعلى من النفل، ولا يستباح أعلى باستباحة أدنى، والمذهب -كما مر- أن التيمم مبيح لا رافع.
لو تيمم لصلاة الفجر وصلى به سنة الفجر؟ طلبة: (... ). الشيخ: لأيش؟ طلبة: لأنه أعلى.

الشيخ: لأنه أعلى، فإذن لا بد أن ينوي نيتين؛ نية ما يتيمم له؛ لنعلم ما يستبيحه بهذا التيمم، والثاني: نية ما يتيمم عنه من الحدث الأصغر أو الأكبر.
وقول المؤلف: (أو غيره) يعني به: نجاسة البدن خاصة؛ لأنه لا يتيمم الإنسان لنجاسة إلا نجاسة البدن، فإذا أحدث الرجل حدثًا أصغر وأراد أن يصلي الظهر، نقول: انوِ التيمم لصلاة الظهر منين؟ من الحدث الأصغر، بينما طهارة الماء لو نوى الوضوء للصلاة ولم يطرأ بباله الحدث ارتفع الحدث ولَّا لا؟ طلبة: ارتفع.
الشيخ: ارتفع، ولو نوى رفع الحدث ولم يطرأ بباله الصلاة؟ طالب: ارتفع.
الشيخ: ارتفع، والفرق بينهما ظاهر على المذهب، فإذا قلنا بالقول الراجح: أن التيمم مطهِّر ورافع، حينئذٍ نجعل نيته كنية الوضوء؛ إذا نوى رفع الحدث صح، إذا نوى التيمم للصلاة ولو نافلة صحَّ واستباح به الفريضة.
(فتشترط النية لما يتيمم له من حدثٍ أو غيره، فإن نوى أحدهما لم يجزئه عن الآخر، وإن نوى نفلًا أو أطلق لم يصلِّ به فرضًا) هذا لفٌّ ونشرٌ، كمِّل.
طالب: غير مرتب.
الشيخ: غير مرتب، صح، هذا لفٌّ ونشرٌ غير مرتب، لأيش؟ لأنه قال: (من حدث أو غيره) هو الأخير، ثم قال: (فإن نوى أحدهما لم يجزئ عن الآخر) فبدأ بالتفريع على الحدث قبل التفريع على ما يتيمم له، (إن نوى أحدها) عندي أنا (أحدها) ترى.
طلبة: (أحدهما).
الشيخ: اللي عندي (أحدها) للثلاثة؛ لأنه تيمم عن حدث أكبر، تيمم عن حدث أصغر، تيمم عن نجاسة، يكون الصواب: (إن نوى أحدها) صحِّح.
(إن نوى أحدها) أي: أحد ما يتيمم عنه؛ فنوى الحدث الأصغر لا يجزئ عن الأكبر، نوى الأكبر لا يجزئ عن الأصغر، نوى عن النجاسة لا يجزئ عن حدث، إنما هما جميعًا الكل؛ يعني: نوى التيمم عن الحدث الأصغر والأكبر والنجاسة فإنه يجزئ؛ لعموم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (5).

(وإن نوى نفلًا لم يصلِّ به فرضًا) مثل: تيمم للراتبة التي قبل الصلاة كراتبة الظهر، أذَّن الظهر وقام وتيمم للراتبة اللي قبل الظهر ثم أقيمت الصلاة، يصلي ولَّا لا؟ طلبة: لا يصلي.
الشيخ: لا يصلي حتى؟ طلبة: يتيمم.
الشيخ: لأنه نوى نفلًا.
قال المؤلف: (أو أطلق) يعني: نوى التيمم للصلاة بس وأطلق لم يصلِّ فرضًا، وطبعًا هذا من باب الاحتياط، ولَّا قد يقول قائل: إذا أطلق صلى الفريضة والنافلة؛ لأنها عامة، لكن لو قلنا بالاحتياط لا بد أن يذكر الأعلى.
(وإن نواه) أي: نوى الفرض، (صلى كل وقته فروضًا ونوافل) إن نوى التيمم للفريضة صلى فرائض ونوافل، (كل وقته) كل وقت الصلاة يصلي فرائض ونوافل.
فإن قلت: نوافل معقولٌ مفهومٌ يمكن يصلي عدة نوافل في وقت الظهر، لكن فرائض (فروضًا) كيف الجمع أو يقضي فوائت ممكن ولَّا لا؟ ممكن.
وقول المؤلف: (كل وقته) أي: وقت الفريضة أو وقت الفرض، لما قال: يصلي به فرضًا، قال: نوى (كل وقته فروضًا) (كل وقته) إي: وقت الفرض.
(فروضًا ونوافل) وليس المعنى كل وقت الإنسان؛ لأنه سيأتينا أن التيمم يبطل بخروج الوقت، لكن (كل وقته) أي: وقت الفرض، (فروضًا ونوافل) وإنما نص على ذلك؛ لأن بعض السلف يقول إنه يتيمم لكل صلاته، كلما سلَّم من صلاة تيمم للأخرى، لكن هذا ضعيف، والصواب ما قاله المؤلف.
طالب: (... )؟ الشيخ: الفرق أن التراب تراب والرمل رمل.
الطالب: (... )؟ الشيخ: لا، التراب هذا الذي يكون منه الطين، حتى الرمل لو كان فيه غبار ما يصلح، إلا على المذهب إذا قُصِد الغبار فقط.
طالب: لو تيمم لفريضة طبعًا يصلي كل وقته فروضًا ونوافل، لكن هل يقرأ القرآن؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: ما نوى إلا رفع الحدث ليصلي؟ الشيخ: القاعدة عندهم: أن من نوى الأعلى استباح ما دونه ولا عكس.
الطالب: لكن هذا الآن نوى ما يتيمم له وهو الصلاة، ولم ينوِ قراءة القرآن؟ الشيخ: قراءة القرآن مما يتيمم له.

الطالب: إي نعم، أو يسامح فيه مما يتيمم، لكن هو تيمم للصلاة.
الشيخ: ما يخالف، كما أنه لو تيمم لصلاة طاف بذلك وصلى صلاة الجنازة وسجد للتلاوة.
الطالب: لا بد ما يتيمم، وقالوا: يشترط النية لما يتيمم له من حدث، وما يتيمم له، طيب هنا ما نوى قراءة القرآن؟ الشيخ: إي، لكن هم قالوا: إذا نوى الأعلى استباح الأدنى دخل فيه.
الطالب: ولو كان من غير جنسه؟ الشيخ: ولو من غير جنسه، ولا عكس.
طالب: يستدل لهم بآية.. طالب آخر: بس هم اشترطوا شرطين؛ الغبار والتراب.
الشيخ: إي، لكن يقول الأخ: الاستدلال بالآية يقتضي أنه لو تيمم بطين أجزأ.
الطالب: والحديث يرد الغبار، هم عندهم الحديث يرده.
الشيخ: إي، عندهم هم، لكن باستدلالهم بالآية، قصد الأخ استدلالهم بالآية.
الطالب: أقول: لا بد أن يجتمع الدليلان التراب.. الشيخ: فالحقيقة كلامه (... ) يلزمهم، وأنتم إذا قلتم: إن (مِن) للتبعيض، وإن المقصود أن يكون بعض مما تيمم عليه يكون في وجهه نقول: يلزمكم أن تقولوا بهذا؛ لأن الطين الرابص مرة يضرب يديه ويلطخ وجهه، فنقول: هذا صحيح لازم لهم، لكنه في الواقع السنة ترده، ويدل على رده أن الرسول نفخ بيديه في حديث عمار في البخاري (3)، نفخ بهما، وهو دليل أيضًا على أنه ليس المقصود من ذلك أن يعفر الإنسان وجهه بالتراب، ما هو باللازم (... ).


(ويبطل التيمم بخروج الوقت) حتى وإن لم يحدث، فإذا تيمم لصلاة الظهر مثلًا بطل تيممه فلا يصلي به العصر، لماذا؟ قالوا: لأن هذه استباحة ضرورية فتتقدر بقدر الضرورة، فإذا تيمم للصلاة فإن التيمم يتقدر بقدر وقت الصلاة؛ لأنها ضرورة فتتقيد بقدر الضرورة، هذا تعليلهم.

إلا أنه يستثنى من ذلك: إذا تيمم لصلاة الظهر التي يريد أن يجمعها مع صلاة العصر فإن التيمم لا يبطل بخروج وقت الظهر؛ لأن وقت المجموعتين واحد، ويستثنى أيضًا: إذا تيمم لصلاة الجمعة وصلى ركعة قبل خروج الوقت ثم خرج الوقت فإنه يتمها، وعللوا ذلك بأن الجمعة لا تقضى فبقي على طهارته.
أما الأول؛ وهو كون الصلاتين إذا جمعتا صارا وقتهما وقت لهما جميعًا واضح التعليل، أما الثاني فليس بواضح؛ لأنا إذا قلنا: إن خروج الوقت مبطل لزم أن تبطل الصلاة، وإذا بطلت وجب أن يخرج منها، ثم يصلي ظهرًا، عرفتم الآن الدليل أو التعليل؟ لكون التيمم يبطل بخروج الوقت، ما هو التعليل؟ طلبة: لأنه ضرورة.
الشيخ: لأنه ضرورة، فيتقدر بقدرها، وهذا التعليل -كما تشاهدون- تعليل عليل ليس بصواب؛ ولهذاالصحيح: أن التيمم لا يبطل بخروج الوقت، وأنك لو تيممت لصلاة الفجر مثلًا وبقيت على طهارتك إلى صلاة العشاء فتيممك صحيح.
والدليل على ذلك: أنهم يقرون بأن التيمم بدل عن طهارة الماء وأن البدل له حكم المبدل، هذا تعليل ينقض كلامهم.
أما الدليل من الكتاب والسنة فقد مر علينا: أن الله سبحانه وتعالى قال بعد أن ذكر الطهارة بالماء والطهارة بالتراب، ماذا قال بعد ذلك؟ ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: 6].
إذن فطهارة التيمم طهارة تامة، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (6)، والطَّهور بالفتح: ما يتطهر به، وهذا يدل على أن التيمم مطهر وليس مبيحًا، وقال عليه الصلاة والسلام: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ» أو قال: «طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ» (7)، وهذه النصوص -كما ترى- واضحة، فعليه نقول: إذا تيمم للصلاة وخرج وقتها فإن التيمم لا يبطل.

ولنضرب لذلك مثلًا يتضح به المقام: امرأة طهرت من الحيض وليس عندها ماء، فتيممت للحيض وصلت لصلاة الظهر، جاء وقت العصر يلزمها أن تتيمم للحيض ولَّا لا؟ يلزمها أن تتيمم للحيض مرة ثانية؛ لأن تيممها الأول بطل بخروج الوقت.
مثال آخر: رجل تيمم لصلاة الفجر عن جنابة ثم جاء وقت صلاة الظهر يلزمه أن يتيمم عن الجنابة ولَّا لا؟ الطلبة: إي نعم.
الشيخ: يلزمه؛ لأن التيمم الأول بطل بخروج الوقت، مع أنه لم يحصل له جنابة بعد ذلك، لكن يقولون: إنه يبطل بخروج الوقت، وعليه: فإذا تيمم لصلاة الظهر لزمه أن ينوي بالتيمم رفع الحدثين الأصغر، أو بعبارة أصح لنوافق المذهب: لزمه أن ينوي بتيممه استباحة الصلاة من الحدثين.
والصحيح: أن التيمم لا يبطل بخروج الوقت، وبناء على ذلك ففي المسألة الأولى -مسألة الحيض- هل يلزم المرأة أن تعيد التيمم للحيض؟ لا يلزمها حتى تحيض مرة ثانية، ولا يلزم من أجنب أن يعيد التيمم عن الجنابة حتى يجنب مرة (... )، هذا هو القول الراجح.
قال المؤلف: (ويبطل أيضًا بمبطلات الوضوء) يعني: بنواقض الوضوء؛ لأن نواقض الوضوء هي مبطلاته.
فإذا تيمم عن حدث أصغر، ثم بال أو تغوط بطل تيممه، لماذا؟ عللوا ذلك رحمهم الله قالوا: لأن البدل له حكم المبدل، هكذا عللوا، والغريب أنهم يعللون بهذه العلة ثم ينقضونها؛ ولهذا القول الراجح: أن هذا البدل له حكم المبدل مطلقًا في كل شيء.
إذن يبطل التيمم عن الحدث الأصغر بمبطلات الوضوء، وعن الحدث الأكبر بموجبات الغسل، وهذا واضح، والتعليل فيه ظاهر جدًّا.
قال: (وبوجود الماء) إذا كان تيممه لعدم الماء فإنه يبطل بوجود الماء، وإن كان تيممه عن مرض فإنه لا يبطل بوجود الماء، ولَّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لأنه يجوز أن يتيمم مع وجود الماء، لكن بماذا يبطل بالبرء إذا كان عن مرض؟ فإذا كان هذا الإنسان حصل على الجنابة وهو مريض ثم تيمم، فإذا برئ من مرضه وجب عليه أن يغتسل بزوال المبيح وهو المرض.

قال المؤلف: (بوجود الماء ولو في الصلاة) هذه إشارة الخلاف؛ لأن العلماء إذا نصوا على الشيء وهو داخل في العموم السابق دل ذلك على أن فيه خلافًا احتاجوا أن يشيروا إليه.
انتبهو لقاعدة التصنيف: إذا كان هذا الحكم داخلًا في العموم لكن نصوا عليه بخصوصه فهو دليل على أن فيه خلافًا؛ لأن قوله: (ولو في الصلاة) داخل في عموم قوله: (يبطل بوجود الماء) يعني: لو سكت المؤلف ولم يقل: ولو في الصلاة، ثم وجد الماء في الصلاة، ماذا تقولون؟ قلنا: يبطل؛ لأن كلام المؤلف عام، لكن لما نص عليه قال: (ولو في الصلاة)، فلا بد أن يكون هناك سبب ليش نص عليه؟ لأن في المسألة خلافًا.
فقد ذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يبطل التيمم بوجود الماء إذا كان في الصلاة، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، لكن قد قيل: إنه رجع عنها، وقال: كنت أقول: لا يبطل، فإذا الأحاديث تدل على أنه يبطل، فهذان قولان.
نحتاج الآن إلى أن نعرف أيهما أرجح، فنقول: الذين قالوا بأنه يبطل التيمم بوجود الماء ولو في الصلاة استدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، وهذا الإنسان وجد ماءً فبطل حكم التيمم، وإذا بطل حكم التيمم بطلت الصلاة؛ لأنه يعود إليه حدثه فتبطل الصلاة.
واستدلوا أيضًا بعموم قوله عليه الصلاة والسلام: «فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ» (7)، قالوا: وهذا الآن وجد الماء، فإذا وجد الماء وجب عليه أن يمسه بشرته، وهذا يقتضي أن يبطل التيمم.
واستدلوا أيضًا بتعليل؛ وهو أن التيمم بدل عن طهارة الماء متى؟ عند فقده، فإذا وجد الماء زالت البدلية، فيزول حكمها، وحينئذٍ يجب عليه أن يخرج من الصلاة ويتوضأ ويستأنف الصلاة من جديد.

أما الذين قالوا بأنه إذا كان في الصلاة لا يبطل التيمم قالوا: لأن هذا الرجل شرع في المقصود والغاية وهي الصلاة؛ لأنه تيمم للصلاة يتوضأ ليش؟ للصلاة، فقد شرع الآن في المقصود والغاية، لما شرع في المقصود والغاية فقد شرع فيها على وجه مأذون فيه شرعًا ولَّا لا؟ وهي فريضة، والفريضة لا يجوز الخروج منها إلا بدليل واضح أو ضرورة، وهنا ليس هناك دليل واضح؛ لأن الأحاديث السابقة قد يراد بها إذا وجد الماء قبل أن يشرع في الصلاة، وإذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال.
ثانيًا: أن الله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33] والصلاة التي هو الآن فيها عمل صالح ابتدأه بإذن شرعي، فكان شرعيًّا لا يجوز إبطاله إلا بدليل، وهنا ليس هناك دليل واضح يبيح له أن يبطله، وهذه المسألة مشكلة جدًّا؛ لأن العمل بالاحتياط فيها متعذر أو لا؟ إن قلت: الأحوط القول بالبطلان جاءك بأن الأحوط القول بالبقاء على الفريضة، أو أن الأحوط ألَّا تخرج من الفريضة، فحينئذٍ لا بد أن يتأمل الإنسان النصوص والأدلة حتى يكون على بينة من أمره.
ونظير ذلك أيضًا فيما يتعذر فيه سلوك الاحتياط: أن المشهور من مذهب أبي حنيفة أن وقت العصر لا يدخل إلا إذا صار ظل كل شيء مثليه، وجمهور العلماء على أن وقت العصر يخرج إذا صار ظل كل شيء مثليه؛ يعني: الوقت الاختياري، فحينئذٍ ما هو الأحوط؟ مشكل، لا بد من ترجيح، إن قلت: الأحوط أن تؤخر حتى يصل ظل كل شيء مثليه كنت عند الجمهور آثمًا، وإن قلت: الأحوط أن تقدم كنت عند أبي حنيفة ومن يرى رأيه آثمًا؛ يعني: ما أديت الفريضة، وحينئذٍ يبقى الأمر مشكلًا، لا بد أن ننظر بإمعانٍ وتدقيق أي القولين أسعد بالدليل؟ والذي يظهر لي -والله أعلم- أن المشهور من المذهب أقرب للصواب؛ لأن هذا وجد الماء وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ» (7).

أما إذا وجد الماء بعد الصلاة فيقول المؤلف: (لا بعدها)، فإذا وجد الماء بعد الصلاة فإنه لا يلزمه الإعادة، والدليل: ما رواه أبو داود وغيره في قصة الرجلين الذين اللذين تيمما ثم صليا، وبعد صلاتهما وجدا الماء في الوقت؛ أما أحدهما فلم يعد الصلاة، وأما الثاني فتوضأ وأعاد الصلاة (8)، فلما قد (... ) عدم الإعادة، لماذا؟ طلبة: (... ). الشيخ: إي نعم.
لكن إذا قال قائل: أنا أبغي الأجر مرتين، نقول: إنك إذا علمت بالسنة فليس لك أجر مرتين، بل تكون بعد ذلك مبتدعًا، لكن الذي أعاد ولم يعلم بالسنة فهو مجتهد، فصار له أجر العملين؛ العمل الأول والعمل الثاني، أما بعد أن يتبين لك السنة تبغي تعمل عملًا آخر غير مشروع فليس لك الأجر مرتين.
ومن هذا الحديث يتبين لنا فائدة مهمة جدًّا؛ وهي أن موافقة السنة أفضل من كثرة العمل، فلو قال قائل: أنا أريد أن أتطوع بعد أذان الفجر؛ أي: بين الأذان والإقامة، أنا أريد أن أتطوع وأكثر من النوافل، قلنا له: الأفضل ألَّا تفعل؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يكن يفعل ذلك.
لو قال قائل: أنا لا أريد أن أتطوع أكثر مما ورد من الركعتين، لكن أريد أن أطيل الركعتين فأقرأ كثيرًا وأطيل الركوع وأطيل السجود، هذا وقت فاضل بين الأذان والإقامة لا يرد الدعاء، أبغي استغل الفرصة، قلنا له: لم تصب، هذا غير صواب؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يخفف هاتين الركعتين.
وهكذا نقول في الصلاة خلف مقام إبراهيم؛ لو أراد أحد أن يتطوع بأربع ركعات بعد الطواف خلف المقام، قلنا: هذا خطأ، ولو أراد أحد أن يطيل الركعتين خلف المقام، قلنا: هذا خطأ؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يخففهما ولا يزيد على ركعتين.
الحاصل: أن اتباع السنة أولى من كثرة العمل.
يقول: (وبوجود الماء ولو في الصلاة، لا بعدها، والتيمم آخر الوقت لراجي الماء أولى) (التيمم) مبتدأ وأين خبره؟ طلبة: (أولى).
الشيخ: ما هو (لراجي الماء)؟ طلبة: لا.

الشيخ: إي، نعم (أولى) هو الخبر؛ يعني: إذا كان الإنسان عند دخول الوقت ليس عنده ماء ولكنه يرجو أن يجد الماء في آخر الوقت، فهل الأفضل أن يقدم الصلاة في أول وقتها أو الأفضل أن يؤخرها حتى يجد الماء؟ تعارض عندنا أمران؛ الأمر الأول: تقديم الصلاة في أول وقتها، والأمر الثاني: الصلاة بطهارة الماء بدلًا عن طهارة التيمم، أيهما أرجح في نظركم؟ طالب: الأول.
طالب آخر: الثاني.
الشيخ: الثاني أرجح؛ لأن الثاني فيه محافظة على شرط من شروط الصلاة هو الطهارة بالماء، أما الأول ففيه المحافظة على فضيلة فقط وهي الصلاة في أول الوقت، وعلى هذا فيكون التيمم وتأخير الصلاة والطهارة بالماء أفضل.
إذا كان يشك في وجود الماء ولا يرجو وجود الماء، فأيهما أفضل؟ طلبة: الأول.
الشيخ: أن يصلي أول الوقت إذا كان يرجح ألَّا يجد الماء؟ طلبة: فهو أولى أيضًا.
الشيخ: فهو أولى أيضًا، إذا كان يعلم أنه لن يجد الماء في أول الوقت أولى، إذا كان يعلم أنه يجد الماء في آخر الوقت؟ طلبة: الثاني.
طالب: يتعين.
الشيخ: الثاني أو يتعين؟ طلبة: الثاني.
الشيخ: أو يتعين.
طلبة: يتعين.
الشيخ: إذن نشوف كم عندنا من قسم؛ إما أن يعلم أنه يجد الماء، أو يعلم أنه لا يجد، يغلب على ظنه أنه يجد الماء، يغلب على ظنه أنه لا يجد، كم هذه؟ طلبة: أربعة.
الشيخ: يتردد؛ يعني: ما عنده الترجيح لا لهذا ولا لهذا، فتكون الأقسام إذن خمسة، نقول: يترجح تأخير الصلاة في حالين ما هي؟ إذا علم الوجود، أو ترجح عنده وجود الماء، فالأفضل أن يؤخر الصلاة.
ويترجح تقديم الصلاة في أول وقتها في ثلاث حالات: إذا علم أنه لن يجد، أو ترجح أنه لن يجد، أو تردد لم يكن هناك ترجيح، فالصلاة في أول الوقت أولى؛ لأن تقديم الصلاة في أول وقتها أفضل من التأخير.

وذهب بعض العلماء: إلى أنه إذا كان يعلم وجود الماء فإنه يجب أن يؤخر الصلاة، قال: لأن في ذلك الطهارة بالماء وهو الأصل، فتعين أن يؤخر، ولكن الراجح عندي: أنه لا يتعين بل هو أفضل؛ لعموم قول النبي عليه الصلاة والسلام: «فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ» (9)؛ ولأن علمه بذلك ليس أمرًا مؤكدًا، قد يكون عالم أنه سيجده لكن تخلف الأمور؛ لأنه الشيء المستقبل لا تستطيع أن تحكم عليه، لكن كلما كان الظن أقوى كان التأخير أولى، أما الوجوب فلا يجب.
(التيمم آخر الوقت لراجي الماء أولى) ومراده بقوله: (آخر الوقت) الوقت المختار، ولَّا لا؟ ما هي الصلاة التي لها وقت مختار ووقت ضرورة؟ طالب: العصر.
الشيخ: هي صلاة العصر.
طلبة: العشاء.
الشيخ: لا، العصر فقط لها وقت اختيار ووقت ضرورة، وقت الاختيار: إلى أن تصفر الشمس، والضرورة: إلى غروب الشمس، أما العشاء فليس لها إلا وقت فضيلة ووقت جواز، وقت الجواز: من حين أن يغيب الشفق، ووقت الفضيلة: إلى نصف الليل، وما بعد نصف الليل فليس وقتًا لها؛ لأن جميع الأحاديث الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام كلها قد حددت وقت العشاء إلى نصف الليل.
استطرادًا، ينبني على ذلك لو أن امرأة طهرت من الحيض بعد منتصف الليل فماذا يلزمها؟ طلبة: لا يلزمها شيء.
الشيخ: لا يلزمها شيء، أما الذين يقولون بأنه يمتد وقت الضرورة من نصف الليل إلى الفجر، فعندهم يلزمها أن تصلي العشاء، وعند آخرين: يلزمها أن تصلي العشاء والمغرب أيضًا، ولكن الصحيح أنه لا يلزمها شيء.
إذا دار الأمر بين أن يدرك الجماعة في أول الوقت بالتيمم أو يتطهر بالماء في آخر الوقت؟ طلبة: (... ). الشيخ: لا، الأول يجب؛ يعني: يجب وجوب أن يقدم الصلاة في أول الوقت بالتيمم، أو ما فهمتم؟ طلبة: نعم.

جارٍ التحميل