الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 42-81

فعلى هذا نقول: إنَّ هذا القول الذي اختاره شيخ الإسلام رحمه الله دلَّ عليه الأثر ودلَّ عليه النظر؛ يعني الدليلُ الأثريُّ -وإن شئتَ فقلْ: الدليلُ السمعيُّ- والدليلُ العقليُّ، فإنه لا يعارِض ذلك لسببين: السبب الأول: أنَّ كثيرًا من أهل العلم ضعَّفه، وضعَّفه ابن القيم؛ ضعَّفه في تهذيب السنن بنحو ستةَ عَشَرَ علَّةً، وأمَّا إذا قُلنا بتحسينه أو تصحيحه فإننا نقول: تعارَضَ منطوقٌ ومفهومٌ، وإذا تعارَضَ المنطوق والمفهوم قُدِّمَ المنطوقُ، كيف ذلك؟ «إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجُسْ» (9)، هذا أيش؟ طالب: منطوق.
الشيخ: منطوقٌ، «إِذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجُسْ»، ومعلومٌ أن هذا الحديث «لَمْ يَنْجُسْ» يعني ما لم يتغيَّر بالإجماع، منطوقه أنه «إِذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجُسْ» يعني إلا بالتغيُّر، وهذا ظاهرٌ، هل يوافق هذا المنطوقُ «إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» (4)، هذا المنطوقُ يوافق المنطوقَ ذاك ولَّا لا؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: يوافقه، إذَنْ توافقا في المنطوق.
بقينا في المفهوم؛ مفهوم قوله: «إِذَا بَلَغَ لَمْ يَنْجُسْ» أنه إذا لم يبلغْ نَجُسَ، هذا المفهوم نقول: يقيِّده المنطوقُ السابقُ «إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا غَلَبَ عَلى طَعْمِهِ أَوْ لَوْنِهِ أَوْ رِيحِهِ».


(... ) هي عبارة عن الْمَجابِي؛ مَجابِي المياه، وكان طريقُ مكةَ من العراقِ إلى مكةَ فيه مَجَابٍ في أفواه الشِّعاب، والرياض مَجَابٍ للماء إلى الآن موجودة، هذه المجابي يكون فيها مياهٌ كثيرةٌ، فإذا سَقَط فيها بولُ آدميٍّ أو عَذِرته المائعة ولم تغيِّره فهو طَهُورٌ حتى على ما ذهب إليه المؤلف؛ لأنه يشقُّ نزْحُه.

وقوله: (كمَصَانعِ طريقِ مكَّةَ) هذا للتمثيل؛ يعني: وكذلك ما يُشْبهها من الغُدْرانِ، الغُدْرانُ الكثيرةُ مثلها، فإذا وجدنا مياهًا كثيرةًَ يشقُّ نزْحُها فإنها إذا لم تتغيَّر بالنجاسة فهي طَهورٌ مطْلقًا ولا تسألْ.
على أنَّ المشهور من المذهبِ عند المتأخرين خِلافُ كلامِ المؤلف؛ لا يفرقون بين بول الآدميِّ وعَذِرته المائعة وبين سائر النجاسات، وعلى هذا فيكون الحكْم معلَّقًا بالقُلَّتين، ما دونهما ينجس وإنْ لم يتغيَّر، وما بَلَغَهما وزادَ فلا ينجس إلا بالتغيُّر، ولا فرْقَ في ذلك بين بول الآدميِّ وعَذِرَته وبين غيرهما.
فصار عندنا ثلاثةُ أقوال: القول الصحيح ما هو؟ أنْ لا نجاسةَ إلا بالتغيُّر قليلًا كان أمْ كثيرًا.
المذهب عند المتأخرين: إنْ بَلَغَ القُلَّتينِ لم ينجس إلا بالتغيُّر، وما دونهما ينجس وإنْ لم يتغيَّر.
المذهب عند المتقدِّمين: ما بَلَغَ القُلَّتينِ لا ينجس إلا بالتغيُّر، وما دونهما بمجرَّد الملاقاةِ، إلا أن يكون بول آدميٍّ أو عَذِرته المائعة فإن العبرة لا بالقُلَّتينِ ولكنْ بمشقَّة النَّزْحِ؛ فما شقَّ نزْحُهُ لم ينجس إلا بالتغيُّر، وما لم يشقَّ فإنه ينجس بمجرَّد الملاقاة.
أظن إنْ شاء الله الآن انضبطت المسألة.
دليل المذهب على أنه يَنْجُس الماءُ إذا كان دون القُلَّتينِ وإنْ لم يتغيَّر، دليلُهم الحديث: «إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ» (5) وفي لفظ: «لَمْ يَنْجُسْ».
ودليل مَن قال إنه لا يَنْجُس إلا بالتغيُّر قوله عليه الصلاة والسلام لما سُئِل عن بئرِ بُضاعةَ وما أُلقِيَ فيها من النتن والجِيَف: «إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» (4) وهذا عامٌّ يشمل الماءَ القليلَ والكثيرَ خرج منه ما تغيَّر بالنجاسة بالإجماع وبأحاديث ضعيفة أنه إذا تغيَّر بنجاسةٍ صار نجسًا.
نأتي إلى حديث القُلَّتينِ:

حديث القُلَّتينِ نقول: العلماء اختلفوا في تصحيحه؛ فمَنْ قال: إنه ضعيفٌ، فلا معارضة بينه وبين الحديث الآخر؛ لأنه لا يقاومه حيثُ كان ضعيفًا، والضعيف لا تقوم به الْحُجَّة.
وإذا صحَّحْناه يقولون: إنَّ له منطوقًا ومفهومًا؛ فمنطوقه: «إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجُسْ» أو «لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ»، وليس هذا أيضًا على عمومه؛ لأنه يُستثنى منه إذا تغيَّر، فليس على عمومه، حتى منطوقُه ليس على عمومه.
مفهومه: أن ما دون القُلَّتينِ يَنْجُس، فيقال: ينجس إذا تغيَّر بالنجاسة؛ لأن منطوق الأول مقدَّمٌ على المفهوم، وهذا أصحُّ، ويؤيده -مع تأييد الأدلة الأثرية- تؤيده الأدلَّةُ النظريةُ؛ وذلك لأن الْخَبَثَ عينٌ قبيحةٌ، النجاسات كلها عينٌ قبيحةٌ، فإن وُجِدَ لها أَثَرٌ في الماء صار حُكْم الماء حُكْمَها، وإن لم يوجَدْ لها أَثَر ارتفع المحذور، فما الذي يجعلنا ننقل هذا الماء الطَّهورَ إلى وصْفِ الخبث والنجاسةِ بدون أيِّ سببٍ إلا لمجرَّد الملاقاة؟ ! طالب: (... ). طالب آخر: بعضهم نَسَبَ إلى شيخ الإسلام أنه قال: إن هذا الحديثَ الصحيحَ موقوفٌ على ابن عُمَر، هذه النسبة صحيحة؟ الشيخ: واللهِ ما أعرف، ما أدري، لكن إذا كان موقوفًا على ابن عُمَر فلا يكون فيه حُجَّة.
الطالب: بعضهم نَسَبَ هذا الكلام إلى شيخ الإسلام.
الشيخ: واللهِ ما اطَّلعتُ عليه.
طالب: شيخ، المنطوق ما يقوِّيه الإجماع؟ الشيخ: إلَّا، يقوي الإجماع، ويضعِّف حديث القلتين أيضًا أنه ليس على إطلاقه وعمومه؛ فإنه إذا نجس ولو بَلَغَ القُلَّتينِ ينجس، مع أن ظاهره أنه لا ينجس مطْلقًا.
المهم أنه عندنا لو فَرَضْنا تكافؤَ الأدلَّة الأثرية فعندنا الدليل العقليُّ النظريُّ؛ وهو أن هذه العين النجسة الخبيثة إذا لم تؤثِّر شيئًا فلا أَثَر لها.

لكن قد يقول قائل: هناك من النجاسات ما لا يُخالِف لونُه لونَ الماء كالبول؛ البول في بعض الأحيان يكون لونُه لونَ الماء، قالوا: يُقدَّر أنَّ هذا مغايرٌ للونِ الماء، فإذا قُدِّر أنه لو كان مغايرًا لَغَيَّر حَكَمْنا بنجاسته، على أنَّ الغالب أنه يكون له رائحة يشمها الإنسان إذا كان قويَّ حاسةِ الشم.
طالب: الطعم يتغير.
الشيخ: والطعم أيضا، نعم.
طالب: (... ) قليل جدًّا يعني هذه النجاسة.
(... )


الشيخ: قال المؤلف: (ولا يرفعُ حَدَثَ رَجُلٍ طَهُورٌ يَسيرٌ خَلَتْ به امرأةٌ لطهارةٍ كاملةٍ عن حَدَثٍ).
انتبه، هذه الجملة داخلةٌ في قِسْم الطَّهور إلى الآن، نحن في قِسْم الطَّهور، والطَّهور له أقسام نحصرها إن شاء الله تعالى إذا انتهى.
هذا القسم منه هو طَهُورٌ، لكنه لا يرفعُ حَدَثَ جنْسٍ من الناس.
أولًا قال: (لا يرفعُ حَدَثَ رَجُلٍ).
(حَدَث) هذا قَيْدٌ، الثاني (رَجُلٍ) قَيْدٌ آخَر، (طَهُورٌ يَسِيرٌ) قَيْدٌ ثالثٌ، (خَلَتْ بِهِ) قَيْدٌ رابعٌ، (امرأةٌ) قَيْدٌ خامسٌ، (لطهارةٍ كاملةٍ) هذا قَيْدٌ سادسٌ، (عن حَدَثٍ) هذا قَيْدٌ سابعٌ.
إذا تَمَّت القيودُ السبعةُ ثَبَتَ هذا الحكْم؛ يعني: لا يرتفعُ الحدَثُ.
مثال ذلك: امرأةٌ عندها قِدْرٌ من الماء يَسَعُ قُلَّةً ونصفًا، هو يسيرٌ بالاصطلاح ولَّا كثيرٌ؟ طلبة: يسيرٌ.
الشيخ: يسيرٌ، يَسَعُ قُلَّةً ونصفًا، خَلَتْ به في الحمَّام فتوضَّأتْ منه وُضُوءًا كاملًا ثم خرجتْ، فجاء الرجُل بعدها ليتوضَّأ به، نقول: لا يرفعُ حَدَثَكَ.
طيب، الماءُ نجسٌ؟ طالب: طَهورٌ.

الشيخ: طَهورٌ، الماء طَهورٌ لكنْ لا يرفعُ حَدَثَ الرجُلِ؛ الدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَتَوَضَّأِ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ، وَلَا الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ» (10)، هذا الدليل، قالوا: فنهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الوضوء به، والنهي يقتضي الفساد، فإذا توضَّأ فقد فَعَل عبادةً على وجهٍ منهِيٍّ عنه فلا تكون صحيحة، هذا هو الدليل.
لكن مِن غرائب العلم أنهم استدلُّوا به على أن الرَّجل لا يتوضَّأ بفضل المرأة، ولم يستدلُّوا به على أن المرأة لا تتوضَّأ بفضل الرَّجل، وقالوا: إنه يجوز أن تتوضَّأ المرأة بفضل الرَّجُل، وهذا من الغرائب، ما دام الدَّليلُ واحدًا، والحكْمُ واحدًا، ومُقَسَّمٌ تقسيمًا؛ «لَا يَتَوَضَّأِ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ وَلَا الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ» فما بالنا نأخذ بقِسْمٍ ولا نأخذ بالقِسْم الثَّاني، مع العلم بأن القِسم الأول قد ورد في السُّنة ما يدلُّ على جوازه؛ وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم تطهَّر مِن فضْل ميمونة (11)، ولم يَرِد في القِسم الثاني ما يدلُّ على الجواز وهو أنَّ المرأة تتوضأ بفضْل الرَّجُل، وهذه أيضًا غريبةٌ ثانيةٌ أنَّ القِسمَ الذي وردت السُّنة بجوازه هو الذي يُمْنَع والقِسمَ الذي لم تَرِدْ به السُّنة هو الذي لا يُمنَع، ولكن هذا مما يدلُّ على أن الإنسان مهما بَلَغَ من العلم فإنه ضعيفٌ.
نرجع إلى حكْم المسألة على المذهب الآن؛ فهِمْنا الآن أن المرأة إذا خَلَتْ بماءٍ طَهورٍ يسيرٍ وتوضَّأتْ منه أو اغتسلتْ منه فإن الرجل لا يتوضأ به ولا يغتسل به، والدَّليل الحديث الذي ذكرناه.
نشوف الآن (ولا يرفعُ حَدَثَ رجُلٍ).
لو أراد هذا الرَّجُل أن يُزيل به نجاسةً على بَدَنه أو في ثوبه تطهُر ولّا لا؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم، تطهُر.
غسَّلَ به يديه من القيام من نوم الليل؟ طالب: يكفي.
الشيخ: يكفي، نعم؛ لأنَّه ما هو بِحَدَث.

امرأةٌ تطهَّرتْ به بعد امرأةٍ، يجوز؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: لأنه قال: (حَدَثَ رَجُلٍ).
(طَهُورٌ)، فإن كان طاهرًا أو نجسًا؟ طالب: لا يرفع الحدث.
الشيخ: الطاهر والنجس لا يرفع الحدثَ من الأصل، (طَهُور) (... ) مفهوم.
(يَسِيرٌ) لو خَلَت المرأةُ بطَهورٍ كثيرٍ هل يرفع الحدث؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم، من أين أخذنا هذا القيد والحديث عامٌّ؟ طالب: من قوله: (يَسِيرٌ).
الشيخ: إي، أخذناه من قوله: (يَسِيرٌ)، لكنْ مِن أين أخذناه مِن حيثُ الدليل؟ طلبة: «إِذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ».
الشيخ: ويش الحديث الآخر؟ طالب: حديث القُلَّتينِ.
طالب آخر: «الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ».
الشيخ: نعم، ولأن في بعض ألفاظ حديث ميمونة: في جَفْنةٍ (12)، والجَفْنة يسيرة.
(خَلَتْ به امرأةٌ) الخَلوة هنا هل المعنى: انفردتْ بالوضوء منه أو الغُسل، أو المعنى: خلتْ به عن مشاهدة أحدٍ؟ المذهب: خلتْ به عن مشاهدة أحدٍ بحيث لم يشاهدْها مُمَيِّزٌ فأعلى، فإنْ كان عندها طفلها الصغير اللي ما يُمَيِّز ما يضرُّ، لكن إذا شاهدها مميِّزٌ فإنها تزول الخلوةُ ويرفع حَدَثَ الرَّجُلِ.
مِن أين أخذنا هذا في الحديث؟ الطلبة: (... ). الشيخ: في الحديث؟ طلبة: ما يدل.
الشيخ: الحديث ما يدلُّ على هذا الشرط إلا على القول الثاني؛ لأن في تفسير الخلوة قولين: المذهب أنها تخلو عن مشاهدة مُمَيِّز، والقول الثاني: تخلو به؛ أي: تنفرد به؛ بمعنى: تتوضَّأ به، يكون ما توضَّأ أحدٌ غيرها، فرقٌ ظاهر.
على المذهب لو كانت عندها ابنتها أو ابنها وله سبعُ سنين فإنه يجوز للرجل أن يتوضأ به ويرفع حَدَثه به.

وعلى القول الثاني: إذا صار المراد (خَلَتْ به) يعني: انفردتْ بالتطهُّر به، فيقال: هي الآن انفردتْ بالتطهُّر به ولو كان عندها ناس، فلا يرفع حَدَثَ الرجُلِ، وهذا التفسير للخَلوة -التفسير الأخير- أقرب إلى الحديث؛ لأنَّ ظاهر الحديث العموم، ما اشترط النبيُّ عليه الصلاة والسلام أن تخلو به.
وقوله: (لطهارةٍ كاملةٍ)، لو خلتْ به في أثناء الطهارة؛ في أولها أو في آخرها، بأنْ شهدها أحدٌ في أوَّل الطَّهارة ثم راح، أو قبل أن تُكمِل طهارتها حَضَر أحدٌ، يجوز؟ طلبة: (... ). الشيخ: نعم، يرفعُ حَدَثَهُ؛ لأنَّه لم تَخْلُ به لطهارةٍ كاملةٍ.
(... ) (عن حَدَثٍ) يعني هي تطهَّرتْ عن حَدَثٍ، بخلاف ما لو تطهَّرتْ تجديدًا للوُضُوء أو اغتسلتْ به وهي مستحاضَةٌ لكلِّ صلاةٍ، فإنه يرفع حَدَثَ الرجُلِ؛ لأنه ما هو عن حَدَثٍ، وكذلك لو خلتْ به لتغسل ثوبها من نجاسةٍ أو لتستنجي فإنه يرفع حَدَثَ الرجل؛ لأنها ما خلتْ به لطهارةٍ عن حَدَثٍ، هذا هو حكْم المسألة على المذهب.
والصحيح أن النهي في الحديث ليس على سبيل التحريم، وإنما هو على سبيل الأولويَّة وكراهة التنزيه، والدليل على ذلك أنه ثبت في صحيح مسلم (13) من حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل بفضْل ميمونة.
وفي حديثٍ آخَر أن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اغتسلتْ في جَفْنةٍ، فجاء النبيُّ صلى الله عليه وسلم (... ) «إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ» (12)، يعني: إذا اغتسلْتِ من الجنابة فإن الماء ما فيه جنابة، فهو باقٍ على طَهُوريته.
فالصواب إذَنْ أن (... ) لو تطهَّر بما خلتْ به المرأةُ فإن طهارته صحيحةٌ ويرتفع به الحدث.
طالب: (... ) معناه.
الشيخ: (... ) الحديث، فمَخْرج الحديثين واحدٌ، لو استدللنا بقول الصحابة لا بأس، فكوننا نستدلُّ بالحديث ونَدَعُ بعضَه هذا ليس بمستقيمٍ.
طالب: (... ). الشيخ: (... ) رأيكم لو خلت بماء البزبوز.

الطلبة: (... ) غير مستقر (... ) غير فضلة (... ) متجدد (... ). الشيخ: متجدد؟ طلبة: ليس فضْلة.
الشيخ: ليس فضْلةً، وليس موجودًا أصلًا، حتى لو قلنا: إنه في الخزان، الخزان ما يمكن (... ). طالب: على (... ).


الشيخ: (... ) يقولون: إن هذا تَعَبُّديٌّ؛ يعني من الأمور التي لا نعلم عِلَّتها، فنحن نأخذ به على سبيل التعبُّد فقط.
طالب: يعني هي إذا خَلَتْ للاستنجاء مثلًا فيجوز أن أتوضَّأ بفضل الماء.
الشيخ: نعم.
الطالب: أما إن توضأتْ فلا.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: غريب جدًّا.
الشيخ: إي، خلوُّها للاستنجاء قد يكون أقربَ إلى تنجيسه، لكنْ مع ذلك يقول: لا يضرُّ، المهم على كلِّ حالٍ -بارك الله فيكم- نحن الآن نقرِّر كلامهم رحمهم الله ونبيِّن أنه ضعيفٌ، والقول الضعيف كلَّما ردَّدتَه يزداد ضعفًا.
طالب: وجه استدلال المذهب (... ). الشيخ: (... ).


(وإِن تغيَّر طَعْمُه، أو رِيحُه، أو لونُه) انتقل المؤلف الآن إلى الطاهر غير المطهِّر، فننظر الآن: كنا وعدنا بأننا سنقسِّم الطهور، الطهور قسَّمه المؤلف إلى: طَهورٍ مكروهٍ، وطَهورٍ غير مكروهٍ، وطَهورٍ لا يرفع حَدَثَ الرجل.
الطَّهورُ المكروهُ هو الذي قال فيه المؤلف رحمه الله، بدأ به المؤلف قبل كلِّ شيء: (إنْ تغيَّر بغير ممازِجٍ كقِطَع كافور أو دُهنٍ أو بملحٍ مائيٍّ أو سُخِّنَ بنجسٍ كُرِهَ) هذا واحد.
ثم قال: (وإنْ تغيَّر بِمُكْثِهِ أو بما يشقُّ صَوْنُ الماء عنه مِن نابتٍ فيه وورقِ شجرٍ أو بمجاورةِ مَيْتةٍ أو سُخِّن بالشمس أو بطاهر لم يُكْرَه) هذا الطَّهور غير المكروه.

(وإنِ استُعمِلَ في طهارةٍ مستحبَّةٍ كُرِهَ) هذا ينبغي أن يُجعَل مع القِسم الأول فيكون المكروه: ما تغيَّر بغير ممازِجٍ أو بملحٍ مائيٍّ أو سُخِّنَ بنجسٍ أو استُعمِلَ في طهارةٍ مستحبَّةٍ.
أربعة أشياء، الطَّهور المكروه صار أربعة أشياء؛ (إذا تغيَّر بغير ممازجٍ أو بملحٍ مائيٍّ أو سُخِّنَ بنجسٍ) كام دولا؟ ثلاثة (وإن استُعمِلَ في طهارةٍ مستحبَّةٍ كُرِهَ) هذه أربعة، يكون المكروهُ من أقسام الطَّهور أربعة أشياء.
الطَّهورُ غيرُ المكروهِ هو: (ما تغيَّر بِمُكْثِهِ أو بما يشقُّ صَوْنُ الماء عنه أو بمجاورةِ مَيْتةٍ أو سُخِّنَ بالشمسِ أو بطاهرٍ) كَمْ هذه؟ خمسة أشياء.
والأصل الكراهة ولَّا عدمها؟ الطلبة: عدم الكراهة.
الشيخ: الأصل عدم الكراهة.
القِسْمُ الثالثُ: ما كان طَهورًا باقيًا على طَهُوريَّتِهِ لكنه لا يرفع حَدَثَ الرَّجُل، وهو ما جَمَع الشروطَ السبعةَ التي ذكرناها، انتهى الكلام على الطَّهور.
ثم قال: (وإنْ تغيَّر طَعْمُهُ أو رِيحُهُ أو لَوْنُهُ) تغيَّر تغيُّرًا كاملًا بحيث لا تَذُوقُ معه طَعْمَ الماء، أو تغيَّر أكثر أوصافه؛ هذه الثلاثة.
(بطبخٍ) يعني: طُبِخَ فيه شيءٌ طاهرٌ، طَبَخْنا في هذا الماء شيئًا طاهرًا؛ مِثل: طَبَخْنا فيه لحمة، وتغيَّر طعمُه أو لونُه أو ريحُه تغيُّرًا كثيرًا بيَّنًا، فإنَّه يكون طاهرًا غير مطهِّرٍ، هذه واحدة.
(أو بساقطٍ فيه) يعني: ما طَبَخْتَ فيه شيئًا لكنْ سَقَطَ فيه شيءٌ، فإنه يكون طاهرًا غيرَ مطهِّر، لكنْ يُستثنى من هذه المسألة شيءٌ مما سبق ما هو؟ ما يشقُّ صَوْنُ الماء عنه وما لا يمازِجُهُ، وإذا كان تغيُّرُه بِمَمَرِّه أو مَقَرِّه إذا تغيَّر بطول مُكثِهِ هذا ماءٌ وإنْ كان تغيَّر تغيُّرًا كثيرًا فإنه لا يكون طاهرًا بلْ هو طَهورٌ كما سبق.

إنما كلامنا على الذي يُستثنى من الساقط فيه، يُستثنى من الساقط فيه شيئان وهما: ما يشقُّ صَوْن الماء عنه، والثاني: ما ليس بممازِجٍ؛ فلو وضعتَ قِطَع كافورٍ في ماءٍ طَهورٍ وتغيَّر ما تقولون فيه؟ الطلبة: طَهورٌ.
الشيخ: فهو طَهورٌ.
ولو كان هذا الماء حوله أشجارٌ فتساقطتْ أوراقها فيه فتغيَّر؟ الطلبة: فهو طَهورٌ.
الشيخ: فهو طَهورٌ، إذنْ يُستثنى ما لا يمازِج وما يشقُّ صَوْنُ الماء عنه؛ فإنه وإنْ تغيَّر به يكون طَهُورًا.
وهذا مما سيدلُّنا إن شاء الله تعالى على ضعفِ هذا القول؛ لأنه مثلًا يقولون: ورق الشجر إذا كان مما يشقُّ صونُ الماء عنه وسَقَط في الماء وتغيَّر فهو طَهورٌ، وإن أنا أتيتُ بأوراق شجرٍ ووضعْتُها وتغيَّر الماء صار طاهرًا غير مطهِّر.
ومعلومٌ أن ما انتقل حُكْمه لتغيُّره فإنه لا فرقَ بين الذي يشقُّ والذي لا يشقُّ؛ أرأيتَ لو أن ماءً حول مربط حميرٍ وبدأ الهواء يحمل من هذه الأرواث ويضعها في الماء، يشقُّ صونُ الماء عنه، ينجس ولَّا ما ينجس؟ طالب: ما ينجس.
الشيخ: لا، ينجس، حتى على المذهب.
طالب: إنْ لم يتغيَّر فلا ينجس.
الشيخ: لا، متغيِّر، أو قليل ولم يتغيَّر، يا إخواننا الآن اللي يفرَّق فيه بين ما يشقُّ صونُ الماء عنه وما لا يشقُّ إنما هو في قِسم الطاهر، أمَّا النجس فلا فرق إذا تغيَّر بنجاسةٍ ولو كان يشقُّ صون الماء عنها، فإنه يكون نجسًا.
المرَّة الثانية: هذا رجُلٌ (... ). رجلٌ آخَر أتى بورق أشجارٍ ووضعها في الماء وتغيَّر يكون طاهرًا غير مطهِّر.
مثال آخر: رجلٌ آخَر عنده بِرْكةٌ صغيرةٌ ما تيجي قُلَّتينِ، حولها مربط حميرٍ، والهواء يحمل من هذا الروث ويُلقيه في هذا الماء وتغيَّر؟ الطلبة: نجس.
الشيخ: نجس.
طالب: وإن لم يتغيَّر؟ الشيخ: وإن لم يتغيَّر.
خلُّوه قُلَّتينِ فأكثر وتغيَّر، نجس؟ الطلبة: نجس.
الشيخ: لو شقَّ صونُ الماء عنه؟ الطلبة: لو شقَّ.
الشيخ: لو شقَّ.

(... ) بعَذِرةٍ وكبَّه في الماء وتغيَّر به؟ الطلبة: نجس.
الشيخ: نجس، زين.
شوف الآن التغيُّر لا فرق فيه بين كَوْن الشيء مقصودًا أو غير مقصودٍ، ينتقل به الماء من الطَّهُوريَّة إلى النجاسة، أو إلى أن يكون طاهرًا غير مطهِّر، ومع ذلك الفقهاء يفرقون في مسألة الطاهر المطهِّر بين ما يشقُّ صون الماء عنه وما لا يشقُّ، ولو كان تغيُّر الماء بالطاهر ينقله من الطَّهورية إلى الطاهرية، لو كان كذلك لم يكن هناك فرقٌ بين ما يشقُّ صَوْنُه عنه وما لا يشقُّ كما قلنا فيما إذا انتقل الماء من الطَّهورية إلى النجاسة: لا فرق بين ما يشقُّ صَوْن الماء عنه وما لا يشقُّ.
ما دام أن العلَّة تغيُّر الماء فلا فرق بين أن يكون مما يشقُّ صَوْنه عنه وما لا يشقُّ، فكونهم يفرقون يدلُّ على ضعف هذا القول.
(أو بساقطٍ فيه أو رُفِع بقليلِهِ حَدَثٌ).
ما دليل المذهب على أن هذا طاهرٌ غير مطهِّر؟ يقولون: لأنه ليس بماءٍ مطْلقٍ.
هذه العِلَّة، ما فيه دليل، لكنْ يقول: لأنه ليس بماءٍ مطْلقٍ، وإنما يُقال: ماء كذا، فيضاف؛ كما يُقال: ماءُ وردٍ، وماءُ ريحانٍ، وما أشبه ذلك.
ولكننا نقول: إن هذا لا يكفي في نقله من الطَّهورية إلى الطهارة، اللهم إلا أن ينتقل اسمه انتقالًا كاملًا فيقال مثلًا: هذا مَرَقٌ، و: هذا شايٌ، و: هذا قهوةٌ، فحينئذ ما يُسمَّى ماءً، وإنما يُسمَّى شرابًا يُضاف إلى ما تغيَّر به، وأمَّا أنه يبقى على اسم الماء لكنه متغيِّرٌ لونُه أو طعمُه أو ريحُه بهذا الطاهر كما لو تغيَّر بأوراقٍ؛ مثلًا واحد حول مكتبة وهذه المكتبة يكون من الأوراق في هذا الماء، ما يُقال: إن هذا ماء أوراق، يُقال: هذا ماءٌ تغيَّر بورقٍ.


(... ) الثالث قال: (أو رُفِعَ بقَليلِهِ حَدَثٌ) فإنه يكون طاهرًا غير مطهِّر، رُفِع بقليله حَدَثٌ سواء كان الحدثُ لكلِّ الأعضاء أو لبعضها؛ مثال ذلك: رجلٌ عنده قِدْرٌ فيه ماءٌ دون القُلَّتينِ يبغي يتوضَّأ منه، فغرف على يده فغسل كفَّيه، ثم غرف منه فغسل وجهه، إلى الآن ما صار طاهرًا غير مطهِّر، ثم وضع ذراعه غَمَسهُ فيه ونوى بذلك الغَسل فنزع يده، الآن ارتفع الحدثُ عن اليد، يكون رُفِع بقليله حَدَثٌ.
أو عنده ماءٌ دون القُلَّتينِ وكان عليه جنابةٌ، فنوى وانغمس في هذا الماء ناويًا رفعَ الجنابة وخرج، يكون هنا أيضًا رَفَعَ بقليله حَدَثًا.
أو تجمَّع منه عند الوضوء اللي يتساقط من وجهه ويديه، فهذا أيضًا رُفِع بقليله حَدَثٌ.
فإذا رُفِع بقليله حَدَثٌ فإنه يكون طاهرًا غير مطهِّر.
الدليل: ما فيه دليلٌ عن الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن فيه تعليل.
التعليل يقولون: إن هذا الماء استُعمِلَ في طهارةٍ، فلا يُستعملُ فيها مرَّةً أخرى، فهو كالعبد إذا أُعتِقَ ما يُعتَق مرةً أخرى.
هذا التعليل الذي ذكروه، ولكن هذا التعليل عليلٌ: أولًا: لأن الفرق بين المقيس والمقيس عليه ظاهرٌ، ويُشترط في القياس تساوي المقيس والمقيس عليه في العِلَّة.
ثانيًا: أن المقيس عليه -وهو الأصل- يُمْكن أن يعود هذا المتحرِّر فيكون رقيقًا.
فإذَنْ هذا الذي ذكروه خطأٌ من وجهين؛ أولًا: أنه لا يصح القياس لظهور الفرق بين الأصل والفرع؛ إذ إنَّ الأصل المقيس عليه وهو الرقيق المحرَّر لَمَّا حرَّرْناه وأعتقْناه بقي رقيقًا ولَّا لا؟ طلبة: لا.
الشيخ: لكن هذا لما رُفِع بقليله الحدث بقي ماءً ولَّا لا؟ بقي ماءً، هذا الأصل في القياس.
ثانيًا: أنَّ الرقيق يمكن أن يعود إلى رِقِّه فيما لو هَرَب إلى الكفار ثم استولينا عليه فيما بعد، فلنا أن نسترقَّه، فحينئذٍ يعود إليه وصْفُ الرِّقِّ ويصح أن يحرَّر ثانيةً ويُستعمل في كفَّارةٍ واجبةٍ.

بناءً على هذا التعليل العليل نقول: إن الصواب أنه إذا رُفِع بقليله حَدَثٌ فهو طَهورٌ مطهِّر وليس طاهرًا غير مطهِّر؛ لأن الأصل بقاء الطَّهورية، ولا يمكن أن ننتقل عن هذا الأصل إلا بدليلٍ شرعيٍّ يكون وجيهًا، ولما كان هذا غير وجيهٍٍ.. سيأتي إن شاء الله بعد المسألة الثانية.
طالب: استدلالهم من حيث (... ). الشيخ: ولهذا ما أتينا به (... ). طالب: (... ) النوع الثاني (... ) ليس في القياس.
الشيخ: إي، ليس في القياس لعدم تساوي الأصل والفرع، والثاني: أن الأصل يمكن أن يعود رقيقًا فيحرَّر مرةً ثانيةً فيُستعمل في شيءٍ واجبٍ.


قال: (أو غُمِسَ فيه يدُ قائمٍ مِن نومِ ليلٍ ناقضٍ لوضُوءٍ).
(غُمِسَ فيه) الضمير يعود على الماء القليل (فيه) أي: في الماء القليل.
(يدُ قائمٍ) (يد) إذا أُطلِقت اليد فالمراد الكفُّ؛ يعنى: إلى الرُّسغ، هذه يدٌ، فيشمل كلَّ اليد ولَّا بعضها؟ كلَّ اليد؛ يعني معناه إذا غُمِسَ فيه الكفُّ كُلُّه.
(يَدُ قائمٍ مِن نوم) ذكر بالشرح شروط: يدُ مسلمٍ مكلَّفٍ (قائمٍ مِنْ نَوْمِ ليلٍ ناقضٍ لوضوءٍ)، والناقض للوضوء سيأتي إن شاء الله تعالى أنه النوم الكثير مطْلقًا أو اليسيرُ من غير القائم والقاعد كما سيأتينا إن شاء الله تعالى في نواقض الوضوء.
(غُمِس فيه) ويش قلنا الضمير يعود عليه؟ الطلبة: على الماء القليل.
الشيخ: على الماء القليل.
(يد) الكفُّ، كلُّ الكف.
(قائمٍ) المؤلف ما ذكر إلا (قائم) فقط، لكن في الشرح ذَكَر أنه يد مسلمٍ مكلَّف.
(من نوم ليلٍ) لا نوم نهار.
(ناقضٍ لوضُوءٍ) لا يسيرٍ، اليسير اللي ما ينقض الوضوء ما يضرُّ.
نرجع الآن إلى المثال: هذا رجلٌ قام من النوم في الليل وعنده قِدرٌ فيه ماءٌ، فغَمَس يده فيه؛ غَمَس يده إلى حدِّ الذراع في هذا الماء، يكون الآن طاهرًا غير مطهِّر، ما عاد يمكن يستعمله الآن، ويش الدليل؟

الدليل قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» (14). شوف الآن الحديث، الحديث صحيح، فيه النهي عن غَمْس اليدِ في الماء، والتعليل: «فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ».
هذا هو الدليل، ولكننا سنناقش إن شاء الله الاستدلال به، لكن نأخذ الحكْم أولًا ثم نردُّ فيما بعد لنعرف هل هذا الحكْم صحيح ولَّا لا.
(غُمِسَ فيه يد) لو غُمِست اليد في ماءٍ كثيرٍ يكون طَهورًا ولَّا طاهرًا؟ الطلبة: طَهورًا.
الشيخ: طَهورًا.
طيب، غَمَس الإنسانُ رِجْله فيه ما هي يده؟ طالب: طاهرًا.
الشيخ: لا، يكون طهورًا ليش؟ لأن المؤلف يقول: (يد قائم).
طالب: مثال، يعني هي مِثل المثال.
الشيخ: لا، ما هي مِثل المثال.
طيب، غَمَس فيه ذراعه، طَهور ولَّا طاهر؟ الطلبة: طَهور.
الشيخ: طَهور، كيف يغمس ذراعه؟ هكذا، نعم، ربما يقول هكذا؛ من عند المرفق، نقول: هذا يكون طَهورًا.
طيب، رجلٌ كافرٌ غَمَس يده في هذا الماء؟ الطلبة: طَهور.
الشيخ: طَهور.
المسلم يكون طاهرًا غير مطهِّرٍ والكافر يكون بعده طَهورًا! طيب، مجنون قام من نوم الليل وغَمَس يده؟ الطلبة: طَهور.
الشيخ: طَهور.
والعاقل؟ الطلبة: طاهر غير مطهِّر.
الشيخ: يكون طاهرًا غير مطهِّر.
صغيرٌ غير مكلَّف له ست سنين جاء وغَمَس يده في الماء يكون؟ الطلبة: طهورًا.
الشيخ: طهورًا؛ لأنه غير مكلَّف.
طيب، غَمَس يده وهو قائمٌ من نوم النهار؛ إنسان مثلًا نام في النهار نومًا طويلًا فقام فغَمَس يده في الإناء؟ طلبة: طَهور.
الشيخ: طَهور، نعم.
طيب، نام نومًا يسيرًا في الليل ثم غَمَس يده فيه يكون أيضًا؟ طلبة: طَهورًا.
الشيخ: طَهورًا؛ لأنه لا بدَّ أن يكون ناقضًا للوضوء.

هذا هو المذهب، مِن أين أخذوا أن يكون مسلمًا؟ لأنه قال: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ»، والخطاب للمسلمين.
مِن أين أخذوا أن يكون مكلَّفًا؟ قالوا: لأن الخطاب إنما يتوجَّه للمكلَّفين، غير المكلَّف ما يتوجه إليه الخطاب.
مِن أين أخذوا أن يكون من نومِ ليلٍ؟ من قوله: «فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ».
«أَيْنَ بَاتَتْ»، والبيتوتة ما تكون إلا بالليل، ولهذا اشترطوا هذه الشروط.
طالب: وناقضٌ للوضوء.
الشيخ: وناقضٌ للوضوء أيضًا؛ أخذوا هذا من قوله: «فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ»، والنوم اليسير يدري الإنسانُ عن نفسه فلا يضرُّ.
هذا مأخذ الشروط من الحديث، ولكن المسألة إذا تأمَّلتَها وجدتَ أنها ضعيفة؛ أولًا: لأن الحديث لا يدلُّ عليها؛ لأنَّ الحديث فيه النهي عن غَمْس اليدِ في الماء، ولم يتعرَّض النبي عليه الصلاة والسلام للماء، وفي قوله: «فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» دليلٌ على أن الماء لا يتغيَّر حُكْمه؛ لأن هذا التعليل يدلُّ على أن المسألة من باب الاحتياط وليست من باب اليقين الذي يُرفع به اليقين، وعندنا الآن يقينٌ وهو أن الماء طَهورٌ، هذا اليقين ما يمكن يُرفَع إلا بيقينٍ، ما يُرفَع بالشك، فعلى هذا نقول: إن الحديث لا يدلُّ على ما ذكرتَه.
ثم إنه -أي: الحديث- إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام نهى المسلمَ أن يغمس يده قبل غَسْلها ثلاثًا فالكافر من باب أَوْلى؛ لأن العلَّة في المسلم النائم هي العلَّة في الكافر النائم، وكونه لم يوجِّه الخطاب إلى الكافرين نقول: إن الصحيح عندكم أن الكفار مخاطَبون بفروع الشريعة، وهذا ما هو حُكْمٌ تكليفيٌّ، هذا حُكْمٌ وضعيٌّ لأنه يتغيَّر به الماء وحُكْمه.

ثم نقول: المميِّز يخاطَب بمثل هذا وإنْ كان لا يعاقَب؛ فكيف إذا جاء مميِّز يمكن تكون يده ملوَّثة بالنجاسة، ويمكن أنه ما يستنجي، ويمس فرجَه وهو نائم، إذا غَمَس يده في الماء إنه ما يضرُّ، والمكلَّف الحافظ نفسَه هو الذي يضرُّ؟ ! فتبيَّن أن هذا القول ضعيفٌ أَثَرًا ونَظَرًا؛ أما أَثَرًا فلأنَّ الحديث لا يدلُّ عليه بوجهٍ من الوجوه، وأمَّا نَظَرًا فلأنَّ هذه الشروط التي ذكروها تَخَلُّفُها.. فيه بعض المسائل يكون انتقال الماء من الطهورية إلى الطهارة -إن قُلنا به- أَوْلى مما ذكروه من الشروط؛ كيَدِ الكافر ويدِ الصغير الذي لم يميِّز.
إذَنْ ما هو القول الراجح في هذه المسألة: لو أن الإنسان غَمَس يده في الإناء قبل أن يغسلها؟ طالب: (... ). الشيخ: الصحيح أنه يبقى طَهورًا، لكنْ يُقال للمرء أخطأتَ وما أصبتَ، لماذا؟ لمخالفة أمْر النبي صلى الله عليه وسلم.
فإذا قال قائلٌ: ما هي الحكمة في أنه لا يجوز؟ نقول: الحكمة علَّلها النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: «فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ»، فإذا قال: إذا وضعتُ يدي في جرابٍ أعرف أنها ما مسَّت شيئًا من بدني نجسًا، ثم إنني قد نمتُ وأنا على استنجاءٍ شرعيٍّ، ما في بدني شيءٌ نجسٌ، ولنفرضْ أنها مسَّت الذَّكَر أو الدُّبُر ما تنجس، فإذَنْ أنا أدري أين باتتْ يدي، باتتْ يدي معي في فراشي، وباتتْ مستورةً في جرابٍ، وأيضا بدني طاهر، فكيف يصحُّ هذا التعليل؟ ! قال الفقهاء رحمهم الله: إن علَّة النهي هنا غيرُ معلومةٍ لنا، فالعمل به من باب التعبُّد المحض، فهو أمرٌ تعبُّديٌّ، ما ندري.
ولكن هذا القول يخالف ظاهرَ الحديث، فظاهرُ الحديث أن المسألة معلَّلة؛ «فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ»، إذَنْ كيف يتفق هذا التعليل مع الواقع الذي ذكرتَه وهو أن تكون اليد محفوظةً والجسمُ طاهرًا ولا هناك محظور؟

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن هذا التعليل كتعليل النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثًا؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ» (15)، فيمكن أن تكون هذه اليد قد عَبَثَ بها الشيطان وحَمَل إليها أشياء مُضِرَّة بالإنسان أو ملوِّثة للماء مُفْسِدة له، فلهذا نهى الرسول عليه الصلاة والسلام أن يغمس الإنسانُ يدَه حتى يغسلها ثلاثًا.
وهذا الذي ذكره الشيخ رحمه الله وجيهٌ، وإلا فلو رجعنا إلى الأمر الحسِّي لكان الإنسان يعلم أين باتتْ يدُه، لكن السُّنة يفسِّر بعضُها بعضًا ويبيِّن بعضُها بعضًا.
وخلاصة المقال في هذه المسألة أنه إذا تَمَّت الشروط التي ذكرها الفقهاء وغَمَسَها في ماءٍ يسيرٍ قبل غَسْلها ثلاثًا فإن الماء يكون طاهرًا غير مطهِّر، والصواب أنه يكون طَهُورًا، ولكن هذا الرجل أَثِمَ لمخالفته نهي الرسول عليه الصلاة والسلام حيث غَمَسها قبل أن يغسلها ثلاثًا، فنقول: إنك أخطأتَ في هذا العمل، ولكن الماء طهورٌ.

ومن أجْل ضعْف هذا القول قالوا: إذا لم يجد الإنسان غيره استعملَه ثم تيمَّم؛ يعني مثلًا واحد ما عنده ماءٌ إلا هذا الماء الذي غَمَس فيه يده، يقولون: يستعمله في الوضوء ثم يتيمَّم احتياطًا، يستعمله احتياطًا ثم يتيمَّم احتياطًا، فأوجبوا عليه طهارتينِ: طهارة التيمُّم وطهارة الماء، ولكنْ أين هذا في كتاب الله أو في سُنَّة الرسول عليه الصلاة والسلام أن نوجب على رجُلٍ أن يتوضَّأ بالماء ويتيمَّم فنوجب عليه الطهارتينِ جميعًا؟ ! هذا لا يوجد لا في القرآن ولا في السُّنة ولا في الإجماع ولا في النَّظَر الصحيح أيضًا، هذا غير موجودٍ، إمَّا أن تستعمل الماءَ أو تستعمل الترابَ، أمَّا أنْ تجمع بينهما فنوجب عليك عبادتين إحداهما بدلٌ عن الأُخرى هذا بعيدٌ جدًّا، لكنْ لشعورهم رحمهم الله بضعْفِ القول بأنَّ الماء ينتقل من الطَّهورية للطهارة، لشعورهم بهذا الضعف قالوا: يستعمل الماءَ ويتيمَّم، كما قالوا في المسألة التي قبلها؛ وهي ما إذا رفَعَتِ المرأةُ بقليل الماء الحدثَ ولم يجد الرجُلُ ماءً سواه، قالوا: يستعمله ثم يتيمَّم.
وهذا أيضًا ضعيفٌ، والصواب أن الله لم يوجب على عباده عبادتينِ أبدًا، فإمَّا هذا وإمَّا هذا.
طالب: (... ).

الشيخ: (... ) الحديث، هل نقول: إن قول الرسول عليه الصلاة والسلام «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ» يشمل نوم الليل ونوم النهار، وإن قوله: «فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» بناء على الغالب أنَّ الغالب هو نوم الليل وأن الحكْم للعموم؛ لأن العلَّة أخصُّ من الحكْم، فيؤخذ بالعموم؛ مثلما أنه على المذهب خاصةً يقولون: إن الشُّفعة لا تجب إلا في الأرض.
تعرفون الشُّفعة ولَّا لا؟ الشُّفعة إذا باع شريكك في أرض ليك أن تأخذها من المشتري.
يقولون: ما تجب الشُّفعة إلا في الأرض؛ لقوله: «فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ» (16)، مع أن أول الحديث: قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشُّفْعة في كلِّ ما لم يُقْسَم، فهُمْ يخصِّصون العموم بالعلَّة أو بالحكْم على بعض الأفراد، فنحن نقول: إن الظاهر أن الإنسان لا يَغْمس يده في الإناء إذا استيقظ من نومه ليلًا كان أو نهارًا، هذا هو الأحوط والأفضل، والله أعلم.


(... ) (أو كان آخر غَسْلةٍ زالتْ بها النجاسةُ فطاهرٌ).
(17) (أو كان) الضمير يعود على الماء القليل.
(آخر غَسْلةٍ زالتْ بها النجاسة) المعروف عند الفقهاء رحمهم الله أنه لا بدَّ لطهارة المحلِّ المتنجِّس من أن يغسله سبعَ مراتٍ، فالغَسلة الأولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة كلُّ المنفصل من هذه الغسلات نجسٌ؛ لأنه انفصل عن محلٍّ نجسٍ، كلُّ المنفصل قبل السابعة نجسٌ؛ العلةُ أنه انفصل عن محلٍّ نجسٍ؛ لأنه ما يطهر إلا بسبعِ غسلاتٍ؛ مثلًا: إنسانٌ يغسل ثوبه من نجاسةٍ، الذي (... ) من الغَسلة الأولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة نجسٌ، لماذا؟ لأنه انفصل عن محلٍّ نجسٍ وهو يسيرٌ، فيكون قد لاقى النجاسةَ وهو يسيرٌ، وما لاقى النجاسةَ وهو يسيرٌ فإنه ينجس بمجرد الملاقاة.

طيب، إذا انفصل في السابعة وقد زالت النجاسة؛ عين النجاسة ما هي موجودة، يقولون: يكون طاهرًا غير مطهِّر؛ لأن آخر غَسلةٍ زالتْ بها النجاسة، فيكون طاهرًا غير مطهِّر.
الثامنة طَهورٌ؛ لأنها لم تؤثِّر شيئًا، لكن السابعة كان طاهرًا غير مطهِّر، يقولون: لأنه أثَّر شيئًا وانفصل عن محلٍّ طاهر.
ماذا أثَّر؟ أثَّر طهارةَ المحلِّ؛ لأنه ما يطهر إلا بالسابعة، هو أثَّر حكْمًا وهو طهارة المحلِّ، وانفصل عن محلٍّ طاهرٍ، فعلى هذا لا يكون طَهورًا؛ لأنه حَصَلَ به إزالة نجاسةٍ، ولا يكون نجسًا؛ لأنه انفصل عن محلٍّ طاهرٍ، فصار المنفصل من محلِّ التطهير إنْ كان قبل السابعة نجسًا، إنْ كان السابعة فطاهرٌ غير مطهِّر، إنْ كان الثامنة فطَهورٌ، هذا إذا كانتْ عينُ النجاسة قد زالتْ، أمَّا لو فُرِض أن النجاسة يابسةٌ ما زالتْ في السبع غسلاتٍ فما انفصلَ قبل زوال عين النجاسة فهو نجسٌ؛ لأنه لاقى النجاسةَ وهو يسيرٌ، ولهذا يقول: (أو كان آخرَ غَسْلةٍ زالتْ بها النجاسة)، فإنْ لم تزُلْ فهو نجسٌ.
(زالتْ بها النجاسةُ فطاهرٌ) قوله: (فطاهرٌ) هذا جواب قوله: (وإنْ تغيَّر طعمُه أو لونُه أو ريحُه) إلى آخره، فعلمْنا أن الطاهر الآن أنواع: ما تغيَّر طعمُه بطاهرٍ أو لونُه أو ريحُه، الثاني: ما طُبِخ فيه شيءٌ طاهرٌ، أو نقول هذا من الأول؟ طالب: من الأول.

الشيخ: من الأول، طيب، الثاني: مارُفِع به حدثٌ وهو قليل، الثالث: ما غُمِس فيه يدُ قائمٍ من نومِ ليلٍ ناقِضٍ لوضوءٍ بالشروط، الرابع: ما أُزيلتْ به نجاسةٌ وانفصل عن محلٍّ طاهرٍ لقوله: (أوْ كان آخرَ غَسْلةٍ زالتْ بها النجاسة فَطَاهرٌ)، هذا هو الطاهر على قول مَن يقول: إن المياه تنقسم إلى ثلاثة أقسام، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة رحمهم الله، والصحيح أن هذا القِسم برأسه ليس بموجودٍ ولا يوجَد له أصلٌ في الشريعةِ، وأن الماء إمَّا طَهورٌ وإمَّا نجسٌ، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، والدليل على هذا عَدَمُ الدليلِ، كيف الدليل عَدَم الدليل؟ نقول: لو كان هذا -أعني القِسم الطاهر- لو كان هذا ثابتًا في الشرع لكان أمْرًا معلومًا مفهومًا تأتي به الأحاديثُ بيِّنةً واضحةً؛ لأنه ليس بالأمر الهيِّن؛ إذ إنه يترتَّب عليه أن يصلي الإنسانُ إمَّا بتيمُّمٍ وإمَّا بماءٍ.
افرضْ مثلًا أن عندي ماء تغيَّر بساقطٍ فيه لكنْ باقٍ على اسم الماء، فأنا على هذا المذهب أتيمَّم ولَّا لا؟ على المذهب أتيمَّم ولا أستعملُ هذا الماءَ، وعلى رأي شيخ الإسلام يجب أن أستعمله ولا يجوز أن أتيمَّم.
هذا أمرٌ يحتاج الناس إليه كحاجتهم إلى العلم بأنَّ البول ناقضٌ للوضوء أو الريح ناقضةٌ للوضوء أو ما أَشْبه ذلك، فهو من الأمور التي تتوفَّر أو تتوافر الدواعي على نقْلها لو كان هذا ثابتًا.
وعلى هذا فالقول الراجح أنه ليس لدينا إلا قِسمانِ وهما: الطَّهور والنجس؛ فما تغيَّر بنجاسةٍ فهو نجسٌ، وما لم يتغيَّر بنجاسةٍ فهو طَهورٌ، ومع ذلك الفقهاء -رحمهم الله- لما عَلِموا أنَّ هذه المسائل فيها بعضُ الشُّبَه حَكَموا على بعضها أن يستعملها الإنسانُ ويتيمَّم: مرَّ علينا ما خَلَتْ به المرأة، قالوا: إنه إذا لم يجد الرجلُ سواه استعمَلَه وتيمَّمَ.
هذه واحدة.
وقالوا أيضًا فيما غُمِس فيه يد القائم من نوم الليل: إذا لم يجد غيرَه استعمَلَه وتيمَّمَ.

وقالوا أيضًا فيما غُسِل به الذَّكَر والأُنثيانِ لخروج المذي: غسلُ الذَّكَر والأُنثيينِ لخروج المذي ما هو عن نجاسةٍ، فإنه يكون طاهرًا غير مطهِّر، لكن إذا لم يجد غيرَه استعمَلَه وتيمَّمَ.
وقالوا فيما إذا اشتبه طَهورٌ بطاهرٍ واحتاج أحدَهما للشُّرب: تحرَّى وتوضَّأ بما يغلب على ظنِّه أنه طَهورٌ ثم يتيمَّم.
هذه أربع مسائل ذكر الفقهاء أنه يجب على المرء أن يستعمل فيها الماءَ ويتيمَّم، وهذا أيضًا قولٌ ضعيفٌ؛ إذْ لا يوجِب الله تعالى على المرءِ طهارتينِ، فإمَّا طهارة بالماء وإمَّا طهارة بالتيمُّم، ولا فيه طهارتان بالشرع.
طالب: على قول المذهب تكون إذا زالت النجاسةُ بالغسلة الأولى تكون الثانية طاهرة؟ الشيخ: نجسة.
الطالب: يعني يشترطون أن تكون سبع غسلات.
الشيخ: لا بد أن تكون سبع غسلات.
طالب: (... ). الشيخ: فيه أيش؟ (... ) (18) عدة مراتٍ أنه إذا قيل: مذهب فلان، فقد يُراد به المذهب الاصطلاحي والشخصي، يكون مذهب الإمام أحمد الشخصي شيئًا، وما اصطلح عليه أتباعه شيئًا آخر.
طالب: ما يصير أتباعه يبنون على أحد الروايات؟ الشيخ: (... ) كيف؟ الطالب: (... ) رواية.
الشيخ: لا، ما فيه شك أن هذه رواية.
(... ) (19)


الشيخ: قال: (والنجسُ: ما تغيَّر بنجاسة) (النجس ما) ما نافية؟ الطلبة: موصولة.
الشيخ: موصولة، يعني: النجسُ: الذي تغير.
(ما تغيَّر بنجاسة) (تغير) ما بيَّن المؤلف رحمه الله (تغيَّر) أيش، لكنه يؤخذ من قوله فيما سبق في قِسم الطاهر أن المراد: الطعم أو اللون أو الريح؛ (ما تغيَّر بنجاسةٍ) طعمُه أو لونُه أو ريحُه، ويُستثنى من المتغيِّر بالريح ما سبق، ويش اللي سبق؟ الطلبة: (... ). الشيخ: لا، إذا تغيَّر بمجاورة مَيْتةٍ؛ فإنه سبق أنه لا يكون نجسًا لأنها لم تكنْ فيه.

وهذا الحكْم مجمعٌ عليه؛ على أن ما تغيَّر بنجاسةٍ فإنه نجسٌ بالإجماع، وقد وردَتْ أحاديثُ وإن كانت ضعيفةً فيها ما يدلُّ على ذلك؛ مثل حديث أبي أُمامة: «الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَى طَعْمِهِ أَوْ لَوْنِهِ أَوْ رِيحِهِ بِنَجَاسَةٍ تَحْدُثُ فِيهِ» (20). النجاسة (ما تغيَّر بنجاسةٍ)، أيِّ نجاسةٍ تكون؟ الطلبة: إي نعم.
الشيخ: حتى لو كان بول آدميٍّ أو عَذِرته المائعة؟ طلبة: لا.
طلبة آخرون: نعم.
الشيخ: إي، حتى لو كان كذلك.
حتى لو كانت النجاسة يُعفَى عن يسيرها كالدم؟ الطلبة: إي نعم.
الشيخ: نعم، ما تغيَّر بنجاسةٍ فهو نجسٌ، هذا واحد.
قال: (أو لاقاها وهو يَسِيرٌ).
(لاقاها) يعني: لاقى النجاسةَ.
(وهو يَسِيرٌ)، جملة (وهو يَسِيرٌ) حاليَّة؛ يعني: والحال أنه يَسِيرٌ.
وما هو اليسير؟ ما دون القُلَّتينِ، فإذا لاقاها وهو يسيرٌ سواء تغيَّر أم لم يتغيَّر.. إذا تغيَّر، واضح الدليل؛ الإجماع، والأحاديث التي أشرْنا إليها، والتعليل لأنه لَمَّا تغيَّر بالْخَبَثِ صار خبيثًا، فهو دليله الأَثَر والتعليل.
لكنْ (أو لاقاها وهو يَسِيرٌ) ما هو الدليل على أنَّ ما لاقاها وهو يسيرٌ وإنْ لم يتغيَّر فهو نجس؟ «إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ» (5) وفي لفظ: «لَمْ يَنْجُسْ» (9)، وقد سبق الكلام عليه وبيَّنَّا أنَّ هذا يدلُّ بمنطوقه على أنه لا ينجس إذا بَلَغ هذا المبلغَ، وأمَّا إذا لم يبلغْ فإنه يدلُّ بمفهومه على أنه ينجس، ولكن المنطوق: «الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَى لَوْنِهِ» (4) مقدَّمٌ عليه.
أو كان آخِرَ غَسلةٍ زالَتْ النجاسةُ بها فطاهِرٌ.

والنَّجِسُ ما تَغَيَّرَ بنجاسَةٍ أو لَاقَاهَا وهو يَسيرٌ أو انْفَصَلَ عن مَحَلِّ نجاسةٍ قبلَ زوالِها، فإنْ أُضيفَ إلى الماءِ النَّجِسِ طهورٌ كثيرٌ غيرُ تُرابٍ ونَحْوِه أو زَالَ تَغَيُّرُ النجِسِ الكثيرِ بنفسِه أو نُزِحَ منه فبَقِيَ بعدَه كثيرٌ غيرُ مُتَغَيِّرٍ طَهُرَ.
وإن شكَّ في نجاسةِ ماءٍ أو غيرِه أو طَهارتِه بَنَى على اليقينِ، وإن اشْتَبَهَ طَهورٌ بنَجِسٍ حَرُمَ استعمالُهما ولم يُتَحَرَّ، ولا يُشْتَرَطُ للتيمُّمِ إراقتُهما ولا خَلْطُهما، وإن اشْتَبَهَ بطاهِرٍ تَوَضَّأَ منهما وُضوءًا واحدًا، من هذا غُرفةً ومن هذا غُرفةً وصَلَّى صلاةً واحدةً.
وإن اشْتَبَهَتْ ثيابٌ طاهرةٌ بنَجِسَةٍ أو بِمُحَرَّمَةٍ صَلَّى في كلِّ ثوبٍ صلاةً بعدَدِ النجِسِ أو المحرَّمِ وزادَ صلاةً.

(بابُ الآنِيَةِ)

كلُّ إناءٍ طاهرٍ ولو ثَمِينًا يُباحُ اتِّخاذُه واستعمالُه الشيخ: (أو كان آخر غسلة زالت بها النجاسة فطاهر)، (أو كان) الضمير يعود على الماء القليل (آخر غسلة زالت بها النجاسة) المعروف عند الفقهاء -رحمهم الله- أنه لا بد لطهارة المحلّ المتنجّس من أن يغسله سبع مرات؛ فالغسلة الأولى، والثانية، والثالثة، والرابعة، والخامسة، والسادسة، كل المنفصل من هذه الغسلات نجس؛ لأنه انفصل عن محلٍّ نجس، كل المنفصل قبل السابعة نجس؛ العلة أنه انفصل عن محل نجس؛ لأنه ما يطهر إلا بسبع غسلات؛ مثلًا إنسان يغسل ثوبه من نجاسة الذي يسرب من الغسلة الأولى، والثانية، والثالثة، والرابعة، والخامسة، والسادسة، نجس، لماذا؟ لأنه انفصل عن محل نجس وهو يسير فيكون قد لاقى النجاسة، وهو يسير، وما لاقى النجاسة، وهو يسير فإنه ينجس بمجرد الملاقاة.

إذا انفصل في السابعة، وقد زالت النجاسة، عين النجاسة ما هي موجودة، السابعة يقولون: يكون طاهرًا غير مطهر؛ لأنه آخر غسلة زالت بها النجاسة فيكون طاهرًا غير مطهّر الثامنة؟ طهور، الثامنة طهور؛ لأنها لم تؤثر شيئًا، ما أثرت شيئًا، لكن السابعة كان طاهرًا غير مطهِّر، يقولون: لأنه أثَّر شيئًا، وانفصل عن محل طاهر، ماذا أثَّر؟ أثر طهارة الْمَحَلّ؛ لأنه ما يطهر إلا بالسابعة، هو أثر حكمًا، وهو طهارة المحل، وانفصل عن محل طاهر، فعلى هذا لا يكون طهورًا؛ لأنه حصل به إزالة نجاسة، ولا يكون نجسًا؛ لأنه انفصل عن محل طاهر، واضح التعليل؟ هذا فصار المنفصل من التطهير أو من محل التطهير إن كان قبل السابعة؟ طلبة: نجس.
الشيخ: إن كان السابعة فطاهرًا مطهّر، إن كان الثامنة فطهور، هذا إذا كانت عين النجاسة قد زالت، أما لو فرض أن النجاسة يابسة ما زالت في السبع غسلات، فما انفصل قبل زوال عين النجاسة فهو نجس؛ لأنه لاقى النجاسة وهو يسير، ولهذا يقول: (أو كان آخر غسلة زالت بها النجاسة)، فإن لم تزُل فهو نجس.
(زالت بها النجاسة فطاهر).
قوله: (فطاهر) هذا جواب قوله: (وإن تغيّر طعمه أو لونه أو ريحه) إلى آخره، فعلمنا أن الطاهر الآن أنواع: ما تغير طعمه بطاهر أو لونه أو ريحه، الثاني: ما طُبخ فيه شيء طاهر أو نقول: هذا من الأول؟ طالب: من الأول.
الشيخ: من الأول.
الثاني: ما رُفع به حدث وهو قليل.
الثالث: (ما غمس فيه يد قائم من نوم ليل ناقض لوضوء) بالشروط.
الرابع: ما أزيلت به نجاسة، وانفصل عن محل طهُر؛ لقوله: (أوْ كان آخر غَسْلةٍ زالت بها النجاسة فَطَاهر)، هذا هو الطاهر على قول من يقول: إن المياه تنقسم إلى ثلاثة أقسام، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة رحمهم الله.
والصحيح أن هذا القسم برأسه ليس بموجود، ولا يوجد له أصل في الشريعة، وأن الماء إما طهور، وإما نجس، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.

وذلك وجه الدلالة؛ الدليل على هذا عدم الدليل، كيف الدليل عدم الدليل؟ نقول: لو كان هذا -أعني القسم الطاهر- ثابتًا في الشرع لكان أمرًا معلومًا مفهومًا تأتي به الأحاديث بينة واضحة؛ لأنه ليس بالأمر الهين؛ إذ إنه يترتب عليه أن يصلي الإنسان؛ إما بتيمم وإما بماء، افرض مثلًا أن عندي شيئًا تغير بساقط فيه، ماء تغير بساقط فيه، لكن باقٍ على اسم الماء، فأنا على هذا المذهب أتيمم ولَّا لا؟ على المذهب أتيمم، ولا أستعمل هذا الماء، وعلى رأي شيخ الإسلام: يجب أن أستعمله، ولا يجوز أن أتيمم، هذا أمر يحتاج الناس إليه كحاجتهم إلى العلم؛ بأن البول ناقض للوضوء، أو الريح ناقضة للوضوء، أو ما أشبه ذلك، فهو من الأمور التي تتوفر أو تتوافر الدواعي على نقلها لو كان هذا ثابتًا، وعلى هذا؛ فالقول الراجح أنه ليس لدينا إلا قسمان؛ وهما: الطهور والنجس، فما تغير بنجاسة فهو نجس، وما لم يتغير بنجاسة فهو طهور، ومع ذلك الفقهاء -رحمهم الله- لما علموا أن هذه المسائل فيها بعض الشبه حكموا على بعضها أن يستعملها الإنسان ويتيمم، مر علينا ما خلت به المرأة، قالوا: إنه إذا لم يجد الرجل سواه استعمله وتيمَّم، هذه واحدة، وقالوا أيضًا -فيما غمس فيه يد القائم من نوم الليل-: إذا لم يجد غيره استعمله وتيمم.
وقالوا أيضًا -فيما غُسل به الذكر والأنثيان لخروج المذي-: ما هو عن نجاسة فإنه يكون طاهرًا غير مطهّر، لكن إذا لم يجد غيره استعمله وتيمَّم، وقالوا -فيما إذا اشتبه طهور بطاهر، واحتاج أحدهما للشرب-: تحرَّى وتوضأ بما يغلب على ظنه أنه طهور، ثم يتيمم، هذه أربع مسائل ذكر الفقهاء أنه يجب على المرء أن يستعمل فيها الماء ويتيمم.
وهذا أيضًا قول ضعيف؛ إذ لا يوجب الله تعالى على المرء طهارتين، فإما طهارة بالماء وإما طهارة بالتيمم، ولا فيه طهارتان بالشرع.

طالب: على قول المذهب تكون إذا زالت النجاسة بالغسلة الأولى تكون الثانية طاهرة؟ الشيخ: نجسة.

الطالب: يعني يشترطون أن تكون سبع غسلات.
الشيخ: لا بد أن تكون سبع غسلات.

طالب: (... ). الشيخ: فيه أيش؟

طالب: (... ). الشيخ: قلنا: فيها القول الصحيح أن متى زالت النجاسة طهرت.
طالب: أنت حددت أن فيه قولًا للفقهاء سبعة ما فيه قول للفقهاء بالتحديد بالثلاثة.
الشيخ: فيه التحديد بالثلاثة، وفي التحديد بأن متى زالت طهرت.
طالب: والصحيح متى زالت.. الشيخ: والصحيح متى زالت طهرت.
لكن هذا ما هو محل البحث؛ لأن باب إزالة النجاسة له باب مستقل.
طالب: ذكر هنا أن أحمد والثلاثة كلهم قالوا: إذا غمس يده في الماء إنه طاهر مطهر، كيف المذهب وأحمد؟ الشيخ: كيف؟ طالب: كيف يقول: إن أنا وأحمد؟ الشيخ: هو تقدمنا لها يا أخي عدة مرات؛ إنه إذا قيل: مذهب فلان فقد يُراد به المذهب الاصطلاحي والشخصي، يكون مذهب الإمام أحمد مثلًا الشخصي لشيء، وما اصطلح عليه أتباعه شيئًا آخر.
طالب: ما يصير أتباعه يبنون على أحد الروايات؟ الشيخ: لا، كيف.
الطالب: ذكر رواية.
الشيخ: لا، ما فيه شك أن هذه رواية.
طالب: يا شيخ، مثلًا (... ) ماء ورد (... ) الصحيح طهور ونجس (... ) ماء الورد (... )؟ الشيخ: فيه خلاف، واللي يرى أنه ما يستعمل.
الطالب: ما يسمى ماءً؟ الشيخ: لا، ما يسمى ماءً هذا؛ لا ما يسمى إلا مضافًا؛ ماء ورد، أو عصير، أو ما أشبه ذلك، وإن كان بعض العلماء يجوز ذلك.
الطالب: (... ) نكرة؟ الشيخ: إي، ولو كان نكرة ما يسمى هذا ماءً؛ هذا ماء مضاف، نعم.
طالب: كيف يتساوى يا شيخ إذا كان (... )؟ الشيخ: قال: (والنجس ما تغير بنجاسة) (النجس ما) ما نافية؟ طلبة: موصولة.
الشيخ: لا، موصولة؛ يعني: النجس الذي تغير (ما تغير بنجاسة) (تغير) ما بين المؤلف -رحمه الله- تغير أيش؟ لكنه يؤخذ من قوله فيما سبق في قسم الطاهر أن المراد: الطعم أو اللون أو الريح.
(ما تغير بنجاسة) طعمه أو لونه أو ريحه، ويستثنى من المتغيِّر بالريح ما سبق، ويش اللي سبق؟ طلبة: (... ).

الشيخ: لا، إذا تغيَّر بمجاورة ميتة فإنه سبق أنه لا يكون نجسًا؛ لأنها لم تكن فيه وهذه الجملة أو هذا الحكم مُجمع عليه على أن ما تغير بنجاسة فإنه نجس بالإجماع، وقد وردت أحاديث وإن كانت ضعيفة فيها ما يدل على ذلك مثل: «الْمَاءُ طَهُورٌ»، حديث أبي أمامة: «الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَى طَعْمِهِ أَوْ لَوْنِهِ أَوْ رِيحِهِ بِنَجَاسَةٍ تَحْدُثُ فِيهِ» (1). النجاسة (ما تغير بنجاسة) أي نجاسة تكون؟ طلبة: إي نعم.
الشيخ: حتى لو كان بول آدمي أو عذرته المائعة؟ طلبة: لا.
الشيخ: إي، حتى لو كان كذلك، حتى لو كانت النجاسة يُعفى عن يسيرها كالدم.
طلبة: إي نعم.
الشيخ: نعم، ما تغير بنجاسة، فهو نجس، هذا واحد.
قال: (أو لاقاها وهو يسير) (لاقاها) يعني لاقى النجاسة.
(وهو يسير) جملة (وهو يسير) حالية؛ يعني: والحال أنه يسير، وما هو اليسير؟ ما دون القلتين، فإذا لاقاها وهو يسير سواء تغير أم لم يتغير.
إذا تغير، واضح الدليل الإجماع، والأحاديث التي أشرنا إليها، والتعليل؛ لأنه لما تغيَّر بالخبث صار خبيثًا؛ فهو دليلها الأثر والتعليل.
لكن (أو لاقاها وهو يسير)، ما هو الدليل على أن ما لاقاها وهو يسير، وإن لم يتغير فهو نجس؟ «إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ» (2)، وفي لفظ: «لَمْ يَنْجَسْ» (3). وقد سبق الكلام عليه، وبينا أن هذا يدل بمنطوقه على أنه لا ينجس إذا بلغ هذا المبلغ، وأما إذا لم يبلغ فإنه يدل بمفهومه على أنه ينجس، ولكن المنطوق: «الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَى لَوْنِهِ» (4) مقدم عليه.
وعلى هذا فيكون قوله: (أو لاقاها وهو يسير) الصحيح أنَّ هذا ليس من قسم النَّجس حتى يتغيَّر.
ويُستثنى من ذلك على المذهب (أو لاقاها وهو يسير) ما إذا لاقاها في محلِّ التطهير، فإنه لا ينجس، كيف في محل التطهير؟

يعني الإنسان مثلًا في ثوبه نجاسة (... ) عليه ماء كثير ولا قليل؟ طلبة: قليل.
الشيخ: دون القُلَّتين، بيلاقي النجاسة، إذا قلت: إنه نجس بالملاقاة، صار ما يمكن تطهيره، ما يمكن تطهير هذا النجس، لو قلنا بأنه إذا لاقاها في محل التطهير ينجس، معناه أن الماء الآن صار نجسًا فلا يطهِّر.
(... ) يكون نجسًا ويطهر، وهكذا يبقى دائمًا غير طاهر، لكنهم يستثنون هذا، يقولون: في غير محل التطهير، وعلَّلوا ذلك بأننا لو حكمنا بنجاسته في محل التطهير سواء متغير أو ما تغير ما أمكننا أن نحكم على شيء بالطهارة.
الثالث قال: (أوِ انفَصَلَ عَنْ محلّ)، لاحظوا أن كلمة في غير محل التطهير معناه أنه من يوم ينفصل الماء عن هذا المحل، ويش يكون؟ طلبة: نجس.
الشيخ: يكون نجسًا.
قال: (أوِ انفَصَلَ عَنْ محلِّ نَجَاسَةٍ قَبْلَ زوالها)، هذا الثالث، زوال عينها ولَّا زوال حكمها؟ طلبة: عينها.
الشيخ: الأولى أن نقول: زوال حكمها؛ لأنا إذا قلنا: زوال عينها فقد صدق عليه أنه لاقاها وهو يسير فيكون في الجملة شبه تكرار، فنقول: أو لاقاها أو انفصل عن محل نجاسة قبل زوالها، أي: زوال حكمها، فإن قلت: لماذا لا تسأل زوال عينها أو حكمها؟ قلنا: لأنه إذا انفصل قبل زوال عينها فقد لاقاها وهو يسير، وقد عرف الحكم هذا من الجملة التي قبلها، هذا النجس.
الآن كم صار أقسام النجس؟ ثلاثة: ما تغير بنجاسة، أو لاقاها وهو يسير، أو انفصل عن محل نجاسة قبل زوالها.
هذا ماء نطهر به ثوبًا نجسًا، النجاسة زالت في الغسلة الأولى، وزال أثرها نهائيًّا في الغسلة الثانية، فغسلناه الثالثة والرابعة والخامسة والسَّادسة، ماذا يكون الماء المنفصل من هذه الغسلات؟ طلبة: نجسًا.
الشيخ: نجسًا؛ لأنه لاقى النجاسة؟ أسألكم.
طالب: (... ). الشيخ: لا، لكنه انفصل عن محلِّ النَّجاسة قبل زوال حكمها، ولَّا هو ما لاقاها، لكنه انفصل قبل زوال حكم النجاسة، فيكون نجسًا، فصار أنواع النجس ثلاثة، الأول؟

الطلبة: ما تغير بنجاسة.
الشيخ: والثاني؟ الطلبة: أو لاقاها وهو يسير.
الشيخ: والثالث؟ الطلبة: ما انفصل عن محل نجاسة.
الشيخ: ما انفصل عن محل نجاسة قبل زوالها.
ثم لما ذكر المؤلف: النجسَ -رحمه الله- كيف نُطهِّر هذا النجس؟ عندنا الآن ماء نجس، ونحن نريد أن نتوضأ، ونحتفظ بهذا الماء، فكيف نُطهِّره؟ فيه ملاحظة قبل قوله: (أو لاقاها وهو يسير) ما مفهوم إن لاقاها وهو كثير؟ طلبة: ليس بنجس.
الشيخ: فليس بنجس إلا أن يتغير، لكن سبق لنا أن بول الآدمي وعذرته المائعة لا يقيد بالكثير، ويش يقيد؟ بما يشق نزحه.
وعلى هذا فإذا لاقى بولًا وهو كثير، لكن لا يشق نزحه يكون نجسًا بمجرد الملاقاة، يكون كلام المؤلف هنا ينبغي أن يُلاحظ فيه ما سبق، فيقال: (أو لاقاها وهو يسير) مفهومه إن لاقاها وهو كثير لا ينجس، ولكن يُستثنى من هذا بول الآدمي وعذرته المائعة.
أما كيف يُطَهَّر، فقال المؤلف: (فإِن أُضيف إِلى الماء النَّجِس طَهُورٌ كثيرٌ غيرُ ترابٍ، ونحوِه أو زال تغيُّر النَّجس الكثير بنفسه أو نُزِحَ منه فبقِيَ بعده كثيرٌ غَيْر مُتغيرٍ طَهُرَ).
عندنا ثلاثة طرق في تطهير الماء النَّجس: الطريق الأول: أن نضيف إليه طَهورًا كثيرًا غير تراب ونحوه؛ يعني أن نضيف إليه ماءً طهورًا، لكن اشترط المؤلف أن يكون المضاف كثيرًا، لماذا اشترط؟ لأننا لو أضفنا قليلًا تنجس بملاقاته الماء النجس؛ عندك الآن إناء فيه ماء نجس، لكن هذا الإناء كبير، يأخذ أكثر من قُلَّتين، والماء الذي فيه نصف قُلَّة، حطوا بالكم.
ماء في قدر كبير، مقداره نصف قلة، متغير بالنجاسة، لكنه يأخذ ثلاث قلال، كيف نطهِّره؟ نجيب قُلَّتين ونصبّهم على نصف القُلَّة، الآن أضفنا إليه ماءً كثيرًا؛ يطهر إذا زال تغيره يطهر، يكون الآن طَهُورًا؛ لأننا أضفنا إليه ماءً كثيرًا، إِن أضفنا إِليه قُلَّة واحدة؛ وزال التغيُّر لا يكون طَهُورًا، يبقى على نجاسته؛ لأنه لاقاه ماء يسير فينجس به.

طالب: (... ). الشيخ: أيش؟ الطالب: يعني إذا أضفنا نصف قُلّة، ثم نصف قلة، ثم نصف قُلَّة.. ؟ الشيخ: إي، ما ينفع إلا أن يكون متصلًا؛ لأنه إذا أضفت نصف قُلة، ثم رحت جيبت صار الأولى قد نجست.
إذا أضيف إليه ماء كثير يطهر سواء كان الماء النجس قليلًا أو كثيرًا، صح ولَّا لا؟ طالب: بزوال العلة.
الشيخ: إي، بزوال النجاسة نعم؛ لأن المؤلف يقول: (فإن أضيف إلى الماء النجس) ما قال: الماء النجس اليسير طهور كثير، حطوا بالكم، الإضافة الآن ويش اللي صار فيها؟ أن يكون طهورًا كثيرًا، المضاف إليه يشترط فيه أن يكون كثيرًا أو يسيرًا، ولَّا ما يشترط؟ لا يشترط.
فإذا كان عندك قدر فيه قُلَّتان نجستان، ولكنَّه يأخذ أربع قِلال، وأضفت إِليه قُلَّتين، وزال تغيُّره يَطْهُر، ولَّا لا؟ يطهر، يكون طهورًا مع أنه -أي النَّجس- قُلَّتان.
قال: (أو زال تغيُّر النَّجس الكثير بنفسه)، ما هو الكثير؟ ما بلغ قُلَّتين، زال تغيره بنفسه، عندك ماء في قِدر يبلغ قُلَّتين، وهو نجس، لكنه بقي يومين ثلاثة، وزالت ريحه، زالت الرائحة اللي فيه، ولا بقي للنَّجاسة أثر، وأنت ما أضفت إليه شيئًا، ولا فعلت فيه شيئًا، ماذا يكون هذا الماء؟ يكون طَهُورًا، لماذا؟ قالوا: لأنَّ الماء الكثير قادر على تطهير غيره، فتطهير نفسه من باب أولى، ولَّا لا؟ هذا الماء الكثير اللي يبلغ قلتين زال تغيره بنفسه، فنقول: أصبح الآن طهورًا، إحنا ما عملنا فيه أي عمل، يكون طهورًا، ويطهر بالإضافة أيضًا، ولَّا ما يطهر؟ طالب: (... ). الشيخ: صار إذا كان قُلَّتين طهر بأمرين؛ بالإضافة؛ إضافة الطهور الكثير، وبزوال تغيُّره بنفسه، تمام ولَّا لا؟ طلبة: تمام.

الشيخ: (أو نُزِحَ منه فبقِيَ بعده كثيرٌ غَيْرُ مُتغيرٍ).
(نزح منه) أي: من الماء الكثير، نزح منه ماء، فبقي بعد النزح ماء كثير، في هذه الصورة لا بد أن يكون الماء المتنجس أكثر من قلتين؛ لأن المؤلف اشترط أن يبقى بعد النزح قلتان، فعلى هذا تكون هذه المسألة الثالثة، إذا كان عند إنسان قدر فيه أربع قلال ونجس، ونزح منه شيئًا وبقي قلتان، ولكن هذا الباقي ما صار فيه نجاسة، يكون طهورًا، هذه الأربع قلال لو زال تغيره بنفسه يكون طهورًا؟ طلبة: طهور.
الشيخ: طيب، هذه الأربع قلال لو أضفنا إليه قلتين، يطهر؟ طلبة: طهور.
الشيخ: إذن ما زاد على القلتين فإنه يمكن أن يطهر بثلاثة طُرق: الطريق الأول: الإضافة.
والطريق الثاني: زوال تغيُّرِه بنفسه.
والطريق الثالث: أنْ يُنْزَح منه؛ فيبقى -أي: بعد النزح- كثير؛ يعني قلتين فأكثر؛ فإنه يكون طهورًا.
إذا كان الماء أقل من قلتين، فكم طريقًا لتطهيره؟ الطلبة: طريق واحد.
الشيخ: طريق واحد، وهو الإضافة، أن يضاف إليه كثير، لو زال التغير بنفسه؟ ما يطهر؛ لأنه لم يبلغ قُلَّتين، لا يطهر؛ لأنه لم يبلغ قُلَّتين، فهمتم الآن؟ الآن نطالب، النجس ما هو؟ قلنا: ثلاثة أنواع: ما تغير بنجاسة، أو لاقاها وهو يسير، أو انفصل عن محل نجاسة قبل زوالها.
هذا النجس، بماذا يكون تطهيره، بأي طريق؟ نقول: إن كان أكثر من القلتين، فله ثلاثة طرق: أولًا: أن نضيف إليه طهورًا كثيرًا.
والثاني: أن يزول تغيره بنفسه.
والثالث: أن ينزح منهما شيء، ولو كان يسيرًا.
النزح ما هو؟ المنزوح لا تنظر إليه، أن يُنزح منه شيء، ويبقى بعده كثير.
إذا كان قلتين لا زيادة ولا نقص، فهو له طريقان؛ لتطهيره؛ طريقان: الطريق الأول: أن يضاف إليه طهور كثير.
والطريق الثاني: أن يزول تغيره بنفسه.
وإذا كان أقل من قلتين، فليس لتطهيره إلا طريق واحد، وهو أن يضاف إليه ماء كثير، مفهوم؟ استثنى المؤلف في مسألة الإضافة، قال: (غير تراب ونحوه).

لو أضفنا إليه ترابًا، ومع اختلاطه بالتراب وترسَّب التراب زالت الرائحة، يطهر؟ على المذهب: لا، ما يطهر مع أن التراب أحد الطهورين، ولَّا لا؟ لكن يقولون: إن تطهير التراب ليس حسيًّا، بل هو معنويٌّ، فإن الإنسان عند التيمُّم لا يتطهَّر طهارة حسِّيَّة، ولكن يتطهر طهارة معنويَّة، فإذا كان الماء لا يؤثر تأثيرًا حسيًّا فإنه وإن زال به أثر النجاسة بمعنى المتنجس لا يؤثر.
بنحو التراب مثل أيش؟ لو أضفنا إليه ملحًا أو جصًّا أو صابونًا أو غيره؛ فإنه لا يطهر؛ لأنه ما فيه شيء يطهر إلا بالماء، ما فيه طهارة إلا بالماء، هذا هو ما مشى عليه المؤلِّف، وهو المذهب.
ولكن الصحيح أنه إذا زال تغيُّر الماء بالنجاسة بأي طريق فإنه يكون طهُورًا؛ وذلك لأن الحكم متى ثبت لعلَّة زال بزوالها، فما دمنا قد رجحنا أن الماء لا ينجس إلا بالتغير فنقول: إذا زال هذا التغير طهر، وأي فرق بين أن يكون كثيرًا وأن يكون يسيرًا؟ العلة واحدة، متى زالت -أقصد النجاسة- فإنه يكون طهورًا مطهِّرا، وهذا القول الصحيح تجدونه أيسر فهمًا، وأيسر عملًا، يحتاج إنه يروح يجيب مثلًا كثيرًا نظيفًا ما يحتاج، نقول: متى زالت النجاسة ولم يُوجد لا ريح، ولا لون، ولا طعم فإنه يطهر.
واعلم أن هذا الحكم بالنسبة للماء فقط دون سائر المائعات، سائر المائعات تنجس بمجرد الملاقاة، ولو كانت مئة قُلّة، فلو كان عند الإنسان، إِناء كبير فيه عسل مائع وسقطت فيه شعرة من فأرة، ويش يكون هذا؟ يكون نجسًا، ما يجوز أكله ولا بيعه ولا شراؤه، ولو كان عنده حِبّ كبير من الدهن المائع، وسقطت فيه -كما قلنا- شعرة من فأرة -ترى المراد فأرة الميتة- إذا قلنا: بنجاسة الشعر، لكن المثال الصحيح الذي ينطبق حتى على المذهب أن يسقط فيه شعرة من كلب، في هذا الحِبّ الكبير، ولم يتغير ولم يتأثر، شعرة واحدة مثل شعر أهداب العين يكون هذا الدهن الكثير يكون نجسًا، يجوز بيعه ولَّا لا؟

المذهب ما يجوز بيعه كما مر علينا؛ دهن متنجّس، ما يجوز بيعه، ما يجوز إلا الاستصباح بها في غير المسجد، والصحيح أن كل الأشياء ما دامت لم تتغير بالنجاسة فهي طاهرة، فإن تغيرت فهي نجسة.
طالب: حتى المائعات غير الماء (... ). الشيخ: (وإن شكَّ في نجاسة ماء، أو غيرِه، أوْ طَهارته بنى على اليقين) (إن شك في نجاسة ماء أو غيره) غير الماء فهو يبني على اليقين، كيف شك في نجاسة ماء أو طهارته؟ كيف يشك في نجاسته أو طهارته؟ في نجاسته إذا كان أصله طاهرًا، وفي طهارته إذا كان أصله نجسًا، شك في نجاسة الماء، عنده ماء طاهر ما علم أنه تنجس، ثم جاء فوجد فيه شيئًا، ولنفرض أنه وجد روثة لا يدري أروثة بعير هي أم روثة حمار؟ والماء متغيِّر، فيه خضرة من هذه الروثة، ولكن ما يدري، الآن شك في نجاسته ولَّا طهارته؟ في نجاسته؛ لأنه كان يعرف أنه طاهر، فجاء هذا الحدث فشك، هل هو نجس أم طاهر فنقول: ابنِ على اليقين، ما هو اليقين؟ الطهور، وتَطَهَّر به ولا حرج.
كذلك إذا شك في نجاسة غيره؛ غير الماء، عنده ثوب فشك في نجاسته، فما هو الأصل؟ الطهارة، حتى يعلم أنه نجس.
عنده جلد؛ جلد شاة، وشك هل هو جلدُ مُذَكَّاة، أو جلد ميتة، ويش الغالب؟ أنه جلد مُذَكَّاة، ولَّا يمكن يكون جلد ميتة؟ لكن على القول الراجح -كما سيأتينا إن شاء الله تعالى- أن المدبوغ ولو كان جلد ميتة يكون طاهرًا.

شكَّ في الأرض الآن يبغى يصلي، وقال: والله ما أدري هل هذه البقعة طاهرة ولَّا نجسة؟ فنقول: الأصل الطهارة، فتكون طاهرة ويصلي عليها.
كذلك لو شك في طهارة الماء، كيف شك في طهارته، عنده ماء نجس يعرف أنه نجس، فلما عاد إليه قال: والله ما أدري هل زال التغير أو ما زال؟ شك، ماذا نقول؟ الأصل النجاسة، الأصل بقاء نجاسته، وعلى هذا فلا يستعمله؛ لأن الأصل النجاسة؛ ولهذا قال: (بَنَى على اليَقِينِ)، اليقين هو الذي كان قبل الشك، فهمت.

إذن، إذا شك في نجاسة الماء فهو طهور، إذا شك في طهارة الماء المتنجِّس، فهو نجس، ما هو الدليل، وما هو التعليل؟ الدليل على ذلك حديث عبد الله بن زيد أن النبي عليه الصلاة والسلام شُكِيَ إِليه الرَّجل -وكذلك في حديث أبي هريرة- يجدُ الشيء في بطنه؛ فيُشكل عليه، هل خرج منه شيء أم لا؟ فقال: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (5). هذا واضح أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمرَ بالبناء على الأصل، وهو بقاء الطَّهارة حتى يسمع صوتًا أو يجدَ ريحًا.
إذن هذا الماء الطهور شككنا، هل أصيب بنجاسة أم لا؟ فنقول: لا نتجنبه حتى نتيقن أنه نجس، وهذا الماء المتنجس شككنا هل زال تغيره بالنجاسة أم لا؟ فنقول: لا نستعمله حتى نتيقن أن النجاسة زالت، هذا دليل أثري؛ يعني دليل بالأثر، كذلك عندنا دليل نظري؛ دالّ بالنظر، وهو أن الأصل بقاء الشيء، هذا الأصل، الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يتبين تغير الشيء، فهذا دليل نظري عقلي.
وبناء على ذلك إذا أصابك ماء الميزاب وأنت مارّ في السوق تقول: والله ما أدري هل هذا من المراحيض أو من غسيل الثياب؟ وهل هو من غسيل ثياب الصبيان نجسة، أو من غسيل ثياب رجال طاهرة، ويش نقول؟ طلبة: الطهارة.
الشيخ: الأصل الطهارة، طيب أنا شوفت كأن لونه متغير؟ ! طلبة: (... ). الشيخ: الأصل الطهارة، ولو كان متغيرًا.
قالوا: ولا يجب عليه أن يشمه أو أن يتفقده، ما هو واجب، يمشي على ما كان عليه ويكون الأصل الطهارة، وهذا كله من سعة رحمة الله عز وجل حتى لا نتكلف ونشق على أنفسنا؛ ولهذا الصَّحابة لما قالوا: يا رسول الله، إِنَّ قومًا يأتوننا باللَّحم؛ ما ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ قال: «سَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا» (6).

قالت عائشة راويةُ الحديث: وكانوا حديثي عهد بالكفر؛ يعني توًّا هم مسلمون، هنا يغلب على الظنّ أنَّهم لم يذكروا اسمَ الله، ومع ذلك ما أمر الرسول بأن نسأل ولا أن نبحث، إذن ما نسأل.
ويُروى عن عمر رضي الله عنه: أنَّه مرَّ هو وصاحب له بصاحب حوض، فأصابهم منه، فسأل صاحبَ الحوض: هل هذا نجس أم لا؟ فقال له عمر: يا صاحب الحوض، لا تخبرنا (7). وفي رواية: أن الذي أصابهم ماء ميزاب، فقال عمر: يا صاحب الميزاب، لا تُخبِرْنا.
طالب: (... ). الشيخ: لا، أبدًا، الاحتياط عدم العمل بهذا؛ لأننا رأينا أن الذين يحتاطون قد ينفتح عليهم باب الوسواس، وهذا كثيرًا ما هو موجود الآن.
طالب: في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم وجد التمر في الطريق، وقال: لولا أني أخشى أنه صدقة لأكلت؟ الشيخ: نعم، هذا في باب الأطعمة (... )، وأيضًا الرسول صلى الله عليه وسلم لعلها -والله أعلم- إن هناك قرينة تُقوّي أنها من الصدقة.
طالب: شيخ، (... )؟ الشيخ: إي، ولو كان الأصل الطهارة.
الطالب: لو رأينا البول، ولكن ما (... ) البقعة (... )؟ الشيخ: يبغي دينه.
قال: (وإن اشتبه طَهور بنجس حَرُمَ استعْمَالُهُمَا).
(اشتبه طهور)؛ يعني ماء طهور (بنجس) بماء نجس (حرم استعْمَالُهُمَا)، لماذا؟ لأن اجتناب النَّجس واجب، ولا يتم إلا باجتنابهما، وما لا يتمُّ الواجب إِلا به فهو واجب، هذا دليل نظري.
ويُستدلُّ عليه أيضًا، ربما يستدل عليه، بأن النبي عليه الصلاة والسلام قال في الرَّجُل يرمي الصيد فيقع في الماء، قال: «إِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي، الْمَاءُ قَتَلَهُ أَمْ سَهْمُكَ» (8). وقال: «إِذَا وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ كَلْبًا غَيْرَهُ فَلَا تَأْكُلْ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أيُّهُمَا قَتَلَهُ» (9). فأمر باجتنابه؛ لأنّا ما ندري هل هو من الحلال أو من الحرام؟ هذان ماءان نجسان، ما ندري أيهما الحلال لنا من الحرام، فما الواجب؟

الواجب اجتنابهما؛ العلة: ما لا يكون الواجب إلا به فهو واجب، فوجب اجتنابهما جميعًا، هذه مسألة.
الحكم الثاني في هذا الاشتباه قال: (ولم يتحرَّ)؛ يعني ما ينظر أيُّهما الطَّهور من النَّجس، ما يتحرى، على طول يتجنبه، ولا يتحرى حتى ولو مع وجود قرائن، ما يتحرَّى، هذا هو المشهور من المذهب.
والقول الثاني: أنه يتحرى؛ وهو قول الشافعي، وهو الصواب أنه يتحرى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث ابن مسعود في مسألة الشك في الصلاة، ويش قال؟ قال: «لِيَتَحَرَّ الصَّوَابَ ثُمَّ ليَبْنِ عَلَيْهِ» (10)، هذا دليل أثريٌّ في ثبوت التَّحرِّي في المشتبهات.
أما الدَّليل النَّظري: فنقول من القواعد المقرَّرة عند أهل العلم: أنَّه إذا تعذَّر اليقين رُجع إلى غلبة الظنِّ؛ فهنا تعذَّر علينا اليقينُ أيهما النجس، فنرجع إِلى غلبة الظن؛ ولهذا الصواب -بلا شك- هذا القول؛ أنه يتحرّى إذا غلب على ظنه أن هذا هو الطهور استعمله، ولا شيء عليه، ويجتنب الآخر، هذان مسألتان.
المسألة الثالثة: قال: (ولا يُشترط للتيمُّم إراقتهما، ولا خلطُهما)، أفادنا المؤلِّفُ بقوله: (ولا يُشترط للتيمُّم) (... ). نقول: الآن يجب عليك الاجتناب، ويش تسوي جت الصلاة يا جماعة، ماذا أعمل؟ ! تتيمَّم؛ لأنك غير قادر على استعمال الماء الآن؛ لأن هذا مشتبه بنجس ما يمكن تستعمله، فيشمله قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: 6].
فإذن أتيمم، ولكن هل يُشترط للتيمُّم إراقتهما أو خلطهما؟ في هذا قولان لأهل العلم؛ ولهذا المؤلِّف نفى هذا؛ لأن فيها قولًا وإلا كان ما يحتاج ينفيه، قال: (ولا يُشتَرط للتيمُّم إِراقتهما، ولا خلطُهما) ردًّا للقول الذي يقول: إنه يُشتَرط إراقتهما، أو خلطهما، وهو قولٌ في المذهب.
قالوا: ما يمكن يتيَمَّم حتى يُريقَ الماءين؛ ليكون عادمًا للماء حقيقة، أو يخلطهما حتى يكونا، يتحقَّق النَّجاسة، يكونا نجسين.

وعُلِم من ذلك أنه لو أمكن تطهير أحدهما بالآخر لوجب أو لا؟ طالب: التطهير.
الشيخ: لوجب التطهير، ولا يحتاج إلى تيمُّم؛ يعني لو كان الإناءان كل واحد منهما قلتين فأكثر، يمكن تطهير أحدهما بالآخر؛ لأنه إذا كان رقم واحد هو النجس أضفنا إليه رقم اتنين؛ وهو طهور كثير فيطهره إذا زالَ تغيُّره، وكذلك بالعكس.
فالآن أفادنا المؤلف -رحمه الله- ثلاثة أحكام في هذه المسألة إذا اشتبه طهور بنجس: الحكم الأول: تحريم استعمالهما.
الحكم الثاني: عدم التحري في أيهما الطهور.
الحكم الثالث: أنه يتيمم، أو لا؟ الحكم الرابع: أنه لا يشترط للتيمم إراقتهما ولا خلطهما، وإن شئنا قلنا: إن هذا تابع للتيمم، فلا يكون حكمًا مستقلًّا، لكن هناك قول يقول: لا بد من خلطهما حتى يكونا نجسين أو إراقتهما حتى يكون عادمًا للماء حقيقة، ولكن الصحيح أنه لا يشترط.
ذكرنا أن الصواب التحرّي، أو لا؟ واستدللنا له بأثر ونظر ولَّا لا؟ التحري إذا كان هناك قرائن تدل على أن هذا هو الطهور، وهذا هو النجس، واضح أن المحل الآن قابل للتحري، بسبب القرائن، ولكن إذا لم يكن هناك قرائن، فهل يمكن التحري؟ طالب: لا يمكن.
الشيخ: التحري بناء على القرينة غير ممكن، (... ) الإناءان سواء في اللون والنوع والماء سواء، ولا يتذكر شيءأبدًا، لكن قال بعض العلماء في هذه الحال أيضًا: إذا اطمأنت نفسه إلى أحدهما فليأخذ به، وقاسوه على ما إذا اشتبهت القِبلة على الإنسان، ونظر في الأدلة ما وجد أدلة في النهار، الليل مظلم ما فيه نجوم، ويش قالوا؟ طالب: يُصلي.
الشيخ: يصلي؛ حيث ترتاح نفسه إلى جهة يصلي إليها، فقالوا: إذا اطمأنت نفسه إلى أحد الماءين فليستعمله، ولا شك أن هذا -استعماله لأحد الماءين في هذه الحال- فيه شيء من الضعف، لكنه خير من العدول إلى التيمم.
طالب: ما يجمع بينهما؟ الشيخ: لا، ما ينفع؛ لأن هذا نجس.
الطالب: يعني يجمع بين التيمم، نقول: تطهر بطهارة يعني أو (... )؟

الشيخ: لا، لأنا نحن ذكرنا قبل في درس سابق أنالصحيح أنه ما يمكن تجتمع الطهارتان، وإن كان الفقهاء ذكروا أنه يجمع بين التيمم وطهارة الماء في أربع صور، لكن الصحيح عدم ذلك.
طالب: (... )؟ الشيخ: لا، قد أكون أنا ما أشم، أو يكون رجل أعمى ما يرى، أو فاقد الذوق، أو ربما نروح نذوقه (... )؛ يعني يجوز اختبار مثل هذا إن يذوقه لو كان يخشى أن يقع في النجس، وإذا أحس أن هذا هو النجس (... ). طالب: (... )؟ الشيخ: يكون طهورًا، يكون ما فيه اشتباه الآن.
طالب: ولا يستخير ولا صلاة استخارة؟ الشيخ: لا، ما أظن.
طالب: له أن يستخير، ثم (... ). الشيخ: يستخير، ثم يتوضأ؛ أي: الماء اللي (... ). طالب: (... ). الشيخ: إي، هذه بتجينا -إن شاء الله- في باب التيمم إن شاء الله تعالى.
طالب: (... ). الشيخ: يتحرَّى.
طالب: (... ). الشيخ: لا، ما ينفع.
يقول: (وإِن اشتَبَه بطَاهر تَوَضّأ منهمَا وُضُوءًا واحدًا، مِنْ هذا غَرْفَةٌ، ومن هذا غَرفةٌ، وصَلَّى صلاةً واحدةً)، اشتبه بطاهر، هل ترد هذه على القول الصحيح؟ طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ لأن ما فيه طاهر غير مطهر، لكن على المذهب يمكن إن اشتبه بطاهر، كيف يشتبه بطاهر؟ الطاهر ما تغير بطَبْخٍ أو ساقط فيه، يسمى تغيرًا، لا نقول: الطاهر أكثر من هذا، غُمس فيه يد قائم من نوم ليل ناقض لوضوء، أو لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: يمكن هذا؟ لا، خلت به طهور، غمس فيه يد قائم من نوم ليل ناقض لوضوء يكون طاهرًا غير مطهّر، فهذا رجل عنده ماءان، أحدهما: متيقن أنه أول ما قام من النوم غمس يده فيه، ولكن ما يدري هل هو رقم واحد أو رقم اتنين، اشتبه الآن طهور بماذا؟ طلبة: بطاهر.
الشيخ: بطاهر، ويش نسوي؟ هل نقول مثل الأول: لا يتحرى؟ نقول: ما يتحرى نعم، لا يتحرى؛ لأنه ما فيه تحري.
ماذا يصنع، يتيمم؟ لا؛ لأن استعمال الطاهر هنا لا يضره، بخلاف المسألة الأولى، المسألة الأولى استعمال النجس يضره، ينجس ثيابه وينجس بدنه، لكن هذا ما يضر.

إذن كيف يصنع؟ يتوضأ وضوءًا واحدًا لا وضوءين، من هذا غَرفة، ومن هذا غرفة، وجوبًا من هذا غرفة ومن هذا غرفة؟ وجوبًا، وعلى هذا فيمكن أن يلغز بهذه المسألة، ويقال: رجل وجب عليه التكرار في الوضوء، التكرار يجب مرة واحدة، الوضوء مرة واحدة، ولَّا لا؟ لكن هذا يجب أن يتوضأ مرتين، غرفتين، يأخذ من هذا غرفة يغسل يديه كفيه، ويأخذ من هذا غرفة يغسل كفيه، ثم يأخذ من هذا غرفة يغسل وجهه، ومن هذا غرفة يغسل وجهه، ومن هذا غرفة يغسل يده اليمنى، ومن هذا غرفة يغسل يده اليمنى، وهكذا حتى يكمل، لازم، ومسح الرأس؛ يبل يده من هذا، ويبل يده من هذا، لا بد، واضح، لماذا؟ لأن بعض العلماء يقول، أقول: لماذا؟ لأجل إذا أتم وضوؤه فقد تيقن أنه توضأ بطهور، أو لا؟ إذا خلص وغسل رجليه الآن تيقّن أنه توضأ بطهور، فيكون وضوؤه صحيحًا.
لو قال قائل: لماذا لا يتوضأ من هذا وضوءًا كاملًا، ثم يرجع ويتوضأ من هذا وضوءًا كاملًا؟ ! نقول: لا يمكن، ليش؟ لأن كل واحد منهما يحتمل أنه هو الطهور، وحينئذٍ يختل الترتيب بين الأعضاء، يمكن مثلًا إذا غسلت من رقم واحد وضوءًا كاملًا، قد يكون هو الطهور أو الطاهر، فأنت الآن أديت هذا الوضوء شاكًّا فيه ولّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: شاكًّا فيه، تيجي للثاني تقول: أتوضأ منه وضوءًا كاملًا، توضأت، الآن أنت شاك ولَّا ما شكيت؟ شاك، فأديت الوضوء وأنت شاك فيه، هذه من جهة.
من جهة أخرى ربما يكون هذا هو الطهور غسلت به وجهك، ثم يكون في الثاني هو الطهور، غسلت به بعدما تميت غسلت به وجهك، وإذا غسلت اليد يمكن نقول بالعكس، فيحصل بذلك إخلال في الترتيب.
فصار الآن هذا مبني -عدم الصحة- على أمرين أو لعدم الصحة وجهان: الوجه الأول: أن كل وضوء أديته فأنت شاك فيه، ما أديت وضوءًا عازمًا به.

جارٍ التحميل