الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 402-441

قال: (ولو من بهيمة أو ميت) (لو) هذه إشارة خِلاف، فمن أهل العلم من قال: إنه يشترط لوجوب الغسل أن يكون من آدمي حي، وعلى هذا الرأي لو أن رجلًا أولج في فرج امرأة ميتة -مع أنه يحرم- لكن لو فُرض أن هذا وقع، فعليه الغُسل، ولو أنه أوْلج في بهيمة، فعليه الغسل.
وقد مر علينا في الحدود أن من فعل ذلك، فليس عليه حد، وبهذا يحصل التناقض بين كلام الفقهاء رحمهم الله، فالقول الثاني في المسألة: أنه إذا حصل ذلك في بهيمة أو ميت، فإنه لا غسل إلا إذا حصل الإنزال، وإلا فلا غُسل؛ ويدل لهذا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا»، فهل هذا يحصل إذا كانت الموطوءة ميتة؟ يحصل، يجهدها؟ طلبة: ما يحصل.
الشيخ: ما يحصل، ما يجهدها؛ ثم إن تلذُّذ الإنسان بالميتة ليس كتلذذه بالحية، أما موضوع البهيمة؛ فالأمر فيها أبعد وأبعد، وهل يعني ذلك أنه يجوز للإنسان أن يجامع البهيمة؟ أبدًا، لكن العلماء يتكلمون عن ما يوجب الغسل بقطع النظر عن حِلِّه أو حُرمته.
هل يُشترط أن يكون ذلك بغير حائل، أو ليس بشرط؟ فيه خلاف أيضًا؛ فمنهم من يقول: إنه يُشترط أن يكون ذلك بلا حائل، لأنه مع الحائل لا يصدق عليه أنه مس الخِتانُ الختانَ، الختان خِتان الرجل وختان المرأة؛ فإذا جامعها بحائل لم يصدق عليه أنه مس الختان الختان فلا يجب الغسل.
ومنهم من قال بوجوب الغسل؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «ثُمَّ جَهَدَهَا»، والْجَهْد يحصل ولو مع الحائل.
ومنهم من فصَّل، فقال: إذا كان الحائل رقيقًا بحيث تكمل به اللذة وجب الغسل، وإذا لم يكن رقيقًا فإنه لا يجب الغُسل.

فالأقوال إذن ثلاثة: أنه يجب مطلقًا، ولا يجب مطلقًا، ويجب إن كان يحصل به كمال اللذة وإلا فلا، وهذا -أعني الحائل- قد يستعمله بعض الناس من أجل منع الحمل؛ لأنه قد لا يتمكن من العزل فيذهب إلى استعمال هذا الحائل، ويرى أن هذا أفضل من أن تستعمل المرأة حبوب الحمل؛ لأن حبوب منع الحمل ضارة جدًّا بالمرأة، وأسلم من أن تستعمل ما يسميه النساء باللولب؛ شيء يُزرّ به عنق الرحم حتى لا يصل الماء إليه، فيرى أن هذا أهون، وأيًّا كان السبب في استعماله؛ فالكلام على أنه هل يجب الغسل أو لا يجب؟ إذا نظرنا إلى العِلَّة وجدنا أن أقرب الأقوال الوسط؛ وهو أنه إذا كان رقيقًا بحيث يحصل به كمال اللذة وجب الغسل وإلا فلا، مع أن الأولى والأحوط للإنسان أن يغتسل حتى في هذه الحال، أما إذا لم يلتقِ الختانان؛ فإنه لا غسل إلا بالإنزال.


قال المؤلف: (وإسلام كافر)، هذا الثالث إسلام الكافر، إذا أسلم الكافر وجب عليه الغسل سواء كان الكافر أصليًّا أو مرتدًّا.
الأصلي: الذي كان من أول حياته على غير دين الإسلام، مثل: اليهودي، والنصراني، والبوذي، والملحِد، والمشرك، وما أشبه ذلك.
والمرتد: هو الذي كان على الإسلام، ثم ارتد؛ كتارك الصلاة مثلًا، أو إنسان اعتقد بعد أن كان مؤمنًا اعتقد بأن لله شريكًا، أو دعا النبي صلى الله عليه وسلم أن يغيثه من الشدة، أو دعا غيره من البشر أن يغيثه من الشدة في أمر لا يمكن فيه الغوث مثل أن يدعو ميتًا يغيثه، فهذا كفر مُخرِج عن الملة، فإذا عاد إلى الإسلام وجب عليه الغسل.
الدليل حديث قيس بن عاصم أنه لما أسلم أَمَره النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أن يغتسل بماءٍ وسِدْر (8)، أمره، والأصل في الأمر الوجوب؛ ولأن هذا امرؤ طهَّر باطنه من نجس الشرك، فينبغي يعني من الحكمة أن يُطهِّر ظاهره بالغَسْل؛ فيكون هناك تناسب بين تطهير الظاهِر وتطهير الباطن.

فعندنا إذن دليل وتعليل؛ وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يجب على الكافر إذا أسلم الغُسل، واستدل بأنه لم يَرِد عن النبي عليه الصلاة والسلام أمر عام مثل أن يقول: من أسلم فليغتسل، كما قال: «مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» (9)، وما أكثر الصحابة الذين أسلموا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يُنقل أنهم أُمروا بالغسل، ولو كان هذا واجبًا لكان أمرا مشهورًا؛ لأن الناس يحتاجونه، أليس كذلك؟ فالذين أسلموا في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام كثير جدًّا، ولو كان الاغتسال هذا واجبًا لكانت ترد النصوص العامة مثل: «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ»، و «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ» عام، فيقول الرسول: من أسلم فليغتسل، أو يكون هذا مشهورًا بين المسلمين أنه ما من رجل يسلم إلا اغتسل؛ فهذان قولان متقابلان: القول الأول: أن الغسل واجب.
والقول الثاني: أنه ليس بواجب.
ولننظر أيهما أقوى، قد نقول: إن القول الأول أقوى وهو وجوب الغسل؛ وذلك لأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم واحدًا من الأمة بحكمٍ ليس هناك معنى معقول لتخصيصه به يكون أمرًا للأمة جميعًا؛ فمثلًا الرسول عليه الصلاة والسلام أوصى أبا هريرة أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر (10) لو فُرض أنه ما ورد حديث «صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ» (11). لو لم يرد هذا الحديث لقلنا: إن أمره لأبي هريرة أمر له ولغيره، فكون الرسول -عليه الصلاة والسلام- يأمر واحدًا أسلم لا يعني أن ذلك لا يجب على غيره.

وأما كونه لم يُنقل عن الصحابة أن كل واحد منهم قد اغتسل بعد إسلامه، فإننا نقول: عدم النقل ليس نقلًا للعدم؛ ما دام عندنا حديث مقتضٍ لوجوب الغسل على من أسلم، فإن عدم نقله في طائفة أخرى من الناس -عدم نقل الغسل- لا يدل على عدم الوجوب؛ لأن عدم النقل ليس نقلًا للعدم، نعم، لو ورد أسلم الناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فكانوا يُسلِمون ولا يأمرهم بالغسل، لو جاء هكذا لكان الأمر واضحًا، ثم إننا نقول: أيهما أحوط أن يغتسل أو ألَّا يغتسل؟ طلبة: الأول.
الشيخ: لا شك أن الأحوط أن يغتسل؛ لأنه إذا اغتسل وصلَّى قيل له: إن صلاتك صحيحة بكل حال، وإذا لم يغتسل، ثم صلَّى قيل له: في صلاتك قولان لأهل العلم، والاحتياط أولى.
وقال بعض أهل العلم: إن أتى الكافر في كفره بما يوجب الغسل وجب عليه الغسل سواء اغتسل أم لم يغتسل، فإن لم يأتِ بموجِب للغسل لم يجب عليه الغسل.
ويش معنى هذا؟ يعني مثلًا لو حصل عليه جنابة في حال كفره ولم يغتسل منها وجب عليه الغسل، وإن لم يحصل عليه جنابة فإنه لا يجب عليه الغسل.
وقال آخرون: إنه إذا وجد عليه جنابة في حال كفره فاغتسل لم يجب عليه الغسل بعد الإسلام.
وقال آخرون: إن وُجِد عليه جنابة اغتسل أو لم يغتسل لم يجب عليه الغسل بعد الإسلام؛ لأنه غير مُكَلَّف، وغير مأمور بالشرائع.
فهذه خمسة أقوال في المسألة، ولكن رأس الخلاف هو قولان: أنه يجب، وأنه لا يجب، والاحتياط الوجوب.
(وموت)، يعني من موجِبات الغسل الموت، إذا مات الإنسان وجب عليه الغسل؟ انتبه للعبارة.
طلبة: لا، غير صحيحة.
الشيخ: غير صحيحة؟ طلبة: نعم.
الشيخ: ويش هو السبب؟ ليش؟ طلبة: لأنه ميت.
الشيخ: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ» (12) كذا؟ إذن إذا مات الإنسان وجب تغسيله؟ طلبة: صحيح.

الشيخ: صح، نعم، إذن الموت مُوجِب للغسل لا على الميت، ولكن على المسلمين، والدليل على ذلك: قول النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي وَقَصَتْه ناقته وهو واقف بعرفة، قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» (13). والأصل في الأمر الوجوب.
وفي حديث أم عطية حين ماتت ابنته رضي الله عنها قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ سَبْعًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ» (14). أما الحديث الأول: فالوجوب فيه ظاهر؛ لأنه قال: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ».
الحديث الثاني: قد يذهب ذاهب إلى أن المقصود من غسل الميت التنظيف؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ سَبْعًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ»، ومثل هذا لا يكون من التعبد؛ لأن التعبد بالطهارة كم حده؟ ثلاث.
وأيضًا التعبُّد بالطهارة ما يُوكل إلى رأي الإنسان، فهذا الحديث قد يُنازِع فيه مُنازِع ويقول: أنا أمنع أن يكون دليلًا لوجوب الغسل؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لهن: «إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ»، ثم جعل المسألة منوطة بالتنظيف، ولكن نقول: إذا لم تقتنع بهذا الدليل فهناك الدليل الثاني: «يَغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ».
وتغسيل الأموات أمر معلوم بالضرورة؛ لأنه مشتهِر اشتهارًا يكاد يكون متواترًا، الموت سواء مات فجأة، أو بمرض، أو بحادِث، وسواء كان صغيرًا أم كبيرًا.
هل يشمل ذلك السِّقط؟ طالب: إذا نفخت فيه الروح.
الشيخ: فيه تفصيل: السِّقْط يعني العَوار؛ هذا فيه التفصيل، إن نُفخت فيه الروح غُسّل، وكُفّن، وصُلِّي عليه، ودُفن مع الناس، وإن لم تنفخ فيه الروح فلا.

لكن متى تُنفخ الروح؟ إذا تم له أربعة أشهر؛ لحديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق فقال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْن أُمِّهِ، يَكُونُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ، فيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ؛ بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وأَجَلِهِ، وعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ، ويَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ» (15). وهذا كلام مَنْ؟ كلام الرسول عليه الصلاة والسلام، ومثل هذا لا يمكن أن يعلمه الرسول عليه الصلاة والسلام بدون الوحي؛ لأنه أمر لا مدخل للاجتهاد فيه إطلاقًا، فيكون هذا دليلًا على أن الحمل إذا تم أربعة أشهر نُفخت فيه الروح، وصار إنسانًا.
(وحيض) هذا الموجب الخامس: الحيض؛ يعني إذا حاضت المرأة وجب عليها الغسل، ولكن انقطاعه شرط؛ فالحيض موجِب، وانقطاعه شرط، فلو اغتسلت قبل أن تطهر ما صح اغتسالها؛ لأنه من شرط صحة الاغتسال الطهارة.
فالحيض موجب للغسل، والدليل على ذلك حديث فاطمة بنت حُبيش أنها كانت تُستحاض فأمَرها النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أن تجلس عادتها، ثم تغتسل وتُصلِّي (16)، أمرها أن تغتسل، والأصل في الأمر الوجوب.
ويشير إلى مطلق الفعل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: 222]، أي: اغتسلن، وهذا دليل على أن التطهر للحائض أمر معلوم مشهور عند الناس، لكن الآية وحدها لا تدل على الوجوب؛ ولكن حديث فاطمة دليل واضح على أنه يجب على المرأة إذا حاضت الغسل، لكن يشترط له انقطاع الدم، الطهارة.

أما السادس فهو (النفاس) النفاس: هو الدم الخارج بسبب الولادة، ولكنه لا يُحْكم له بالنفاس إلا إذا كان معه طلْق، وكان قبل الولادة بيومين (... )، ثلاثة، يعني مُقارِن لها، أما الدم الذي يكون في وسط الحمل، أو يكون في آخر الحمل، ولكن بدون طلق، فهذا ليس بشيء؛ تصلي فيه المرأة وتصوم، ولا يحرم عليها شيء مما يحرم على النفساء، لكن النفاس هو الذي يكون مع الولادة، أو بعدها، أو قبلها بيومين أو ثلاثة بأمارة؛ وهي الطلق.
ما هو الدليل على وجوب الغسل بالنفاس؟ الدليل على ذلك أن النفاس نوع من الحيض، ولهذا أطلق النبي صلى الله عليه وسلم النفاس على الحيض؛ فقال لعائشة: «لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟ » (17)، حين حاضت.
وقد أجمع العلماء على وجوب الغسل بالنفاس كما يجب بالحيض، وعليه فهذا هو السادس من موجبات الغسل، وسيأتينا -إن شاء الله تعالى- أحكام الحيض والنفاس في باب مستقل؛ لأنها تحتاج إلى تفصيل.


قال: (لا ولادة عارية عن دم) (لا) هذه نافية ولَّا عاطفة؟ طلبة: نافية.
الشيخ: لا، عاطفة، وهي تدل على النفي لا شك، كما قال: (موجبه خروج)، ثم عطف عليه.
ثم قال: (وحيض) يعني ومُوجبه حيض.
(ونفاس لا ولادة) يعني ليست الولادة العارية عن الدم موجبةً للنفاس؛ يعني لو قُدِّر أن امرأة ولدت، لكن ما خرج منها دم أبدًا فإنه لا غُسْل عليها، ليش؟ طالب: لا مُوجِب للغسل.
الشيخ: لأنه ما فيه نفاس؛ لأننا قلنا: النفاس هو الدم، وهنا لا دم، ولكن هل هذا يحصل؟ طالب: قد يحصل.
الشيخ: يقولون: إنه قد يحصل، ولكنه نادر جدًّا جدًّا، ومن أجل كونه نادرًا قال بعض العلماء: إن الولادة نفسها هي الموجبة، وأنه حتى لو وجد امرأة ولدت بدون دم فإن عليها الغسل.
وعللوا ذلك بأن عدم الدم مع الولادة نادر، والنادر لا حكم له؛ ولأن المرأة سوف يلحقها من الجهد والتعب والمشقة بالولادة العارية عن الدم كما يلحقها بالولادة مع الدم.

طالب: في مجامعة الميتة أو إتيان الميتة، ما يعتبر هذا فرج الميتة يعتبر ختانًا ومس الرجل ذكره في حديث عائشة: «إِذَا مَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ» (18)، ولم يشترط الإجهاد أو غيره.
الشيخ: بس هذه مسألة نادرة؛ يعني قد يقال: إن هذا نادر، يعني حتى الرسول لما تكلم بهذا الشيء قد لا يكون خطر على باله هذا الأمر.
الطالب: لكن قول الإجهاد هذا يتعارض مع حديث عائشة: «إِذَا مَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ».
الشيخ: أبدًا، يُحمل المطلق على المقيد.
الطالب: طيب، وبالنسبة للخنثى المشكِل يعتبر ختانًا بالنسبة لو فرجه إذا كان غير (... ) ما يعتبر ختانًا.
الشيخ: لا.
طالب: طيب إذا مس الرجل ختان الرجل؟ الشيخ: هم يقولون: إن هذا الفرج ما دام ما تيقنّا أنه أنثى فهو بمنزلة أي فتحة في البدن، ما يحصل بها التلذذ إلا إذا حصل الإنزال.
طالب: يعني ما يعتبر ختانًا يا شيخ؟ الشيخ: لا، ما يعتبر ختانًا؛ لأنه ما هو أصل مثل أي فتحة في البدن، لو لقينا فتحة في الإنسان مثلًا في بدنه شيء، فلا يثبت لها حكم الفرج الأصلي.
طالب: حديث: «إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ» (19)؛ يعني قد يؤخذ منه أنه مجرد التقاء.
الشيخ: نعم، «إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ» لا ينبغي أن تكون مُشْكِلة علينا؛ لأن الختان للرجل محله ما فوق الحشفة؛ الختان: قطع الجلدة المحيطة بالحشفة كلها، والمرأة معروف ختانها، ولا التقاء إلا بتغييب.
طالب: ما الذي تُرجِّح يا شيخ فيما لو التقى ختان الحي بالميت أو بالحي (... )؟ ما الذي ترجحه؟ الشيخ: أرجِّح أنه لا شيء عليه إلا أن يحصل الإنزال.
الطالب: ذكرت عدة أمور في التناقض عند الفقهاء أنهم لم يوجبوا الحد فيمن زنا بميت، وأنهم أوجبوا الغسل، فنحن الآن صار عندنا تناقض.
الشيخ: ليش؟ الطالب: لأننا أوجبنا الحد على من زنا بميت، ورجَّحنا عدم..

الشيخ: هناك رجَّحنا الوجوب لما فيه من الانتهاك؛ انتهاك الحرمة، ولهذا ذكرنا لكم أن الإمام أحمد عنه رواية إنه يحد مرتين حدَّين، فانتهاك العِرض حاصل.
الطالب: لم يحصل التقاء ختان هنا بين الحي والميت لو جامع ميتًا يحصل الالتقاء.
الشيخ: يحصل التقاء، ما فيه شك يحصل التقاء.
طالب: ينطبق عليه الحد.
الشيخ: إي، بس الحديث: «ثُمَّ جَهَدَهَا»، هذا ما فيه جهد.
طالب: لماذا قلنا: إن الحيض هو مُوجِب للغسل؟ لماذا لم نقل: انقطاع الحيض؟ الشيخ: لا، هذا الانقطاع شرط؛ لأنه مثلما نقول: ملك النصاب سبب لوجوب الزكاة، وتمام الحول شرط للوجوب، فيُفرَّق بين السبب وبين الشرط؛ فالانقطاع نفسه ما هو السبب، السبب الحيض؛ ولهذا تترتب أحكام الحيض بمجرد خروجه يعني مثلًا -كما سيأتينا إن شاء الله- ما يجوز لها مثلًا تقرأ القرآن، أو تلبث في المسجد، أو ما أشبه ذلك، كل الأحكام تترتب بمجرد خروج الحيض.
طالب: لو ميت يا شيخ في حادث تقطَّع حتى وجهه ويديه، كيف نُيمّمه؟ الشيخ: لا، هذه مسألة ما هي في الدرس يعني.. الطالب: على قول تغسيل الميت، نحتاج إليه.
الشيخ: نقول: إذا تقطع الميت وتعذّر تغسيله؛ فإنه يُيمَّم على قول بعض أهل العلم، ومن العلماء من يقول: لا يُيمم؛ لأن المقصود من تغسيل الميت التنظيف والتطهير، وهذا ليس فيه تيمم؛ ولأن ذلك لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكن على قول من يقول: إنه يُيَمَّم، يضرب الحي يديه بالتراب، ويمسح بهما وجه الميت وكفيه.
الطالب: إذا لم يبقَ وجهه؟ الشيخ: يسقط، إذا لم يبقَ وجهه يسقط.
طالب: إذا جهدها بدون إنزال؟ الشيخ: ما عليه شيء.
الطالب: يعني ما عليه الغسل؟ الشيخ: لا، ما عليه إلا إذا حصل الإنزال؛ يعني لا عليه ولا عليها.
الطالب: طيب ولا (... ) إذا جهدها.

الشيخ: إي، هو معروف أن هذا كناية عن الجماع الذي يحصل به الإجهاد، وإلا مسألة الإجهاد لو نقول: مجرد المشقة كان نقول: لو يجي إنسان بيوبز عليها ويركّها صار إجهادًا.
طالب: إذا اغتسل شخص من الجنابة، وبعد الغسل أنزل شيئًا يسيرًا، هل يغتسل أو يكتفي بغسل الفرج؟ الشيخ: لا، ما يغتسل.
الطالب: يكتفي بالغسل.. الشيخ: بالغسل الأول، وهذا يغسله، لا بد أن يغسله.
طالب: (... ). الشيخ: إي نعم.


قوله: (ومن لزمه الغسل حرم عليه)، (من): اسم شرط جازم، وفعل الشرط: (لزمه)، وجوابه: حرم.
وقد مر علينا في أصول الفقه أن أسماء الشرط تفيد العموم؛ فعلى هذا يكون معنى قوله: (ومن لزمه) أي إنسان لزمه الغسل سواء كان ذكرًا أم أنثى، وبماذا يلزم الغسل؟ بواحدة من موجباته الستة؛ وهي: خروج المني دفقًا بلذة، وتغييب حشفة، وإسلام الكافر، والموت، والحيض، والنفاس، إذا وجد واحد من الموجبات لزم الغسل، وإذا لزم الغسل حرم عليه قراءة القرآن، واللبث في المسجد، ولا يحرم عليه الصلاة، ولا الاعتكاف ولا مس المصحف.
طلبة: لا، غير صحيح.
الشيخ: ما ذكرها المؤلف؟ طلبة: (... ). الشيخ: لكن قد ذكره.
طالب: من؟ الشيخ: لأنه تقدّم أنه قال: (ويحرُم على المحدِث)، وقلنا هناك: سواء كان حدثًا أكبر أم أصغر؛ إذن الثلاثة السابقة معلومة مما سبق، وهذان اثنان يختصان بمن عليه الجنابة؛ فيجب الغسل.
قال المؤلف -رحمه الله-: (حرم عليه قراءة القرآن)، فمثلًا لو جامع الرجل زوجته؛ حرم عليه أن يقرأ القرآن، وإذا حاضت المرأة؛ حرم عليها أن تقرأ القرآن، وإذا نفست؛ حرم عليها أن تقرأ القرآن، وإذا أسلم الكافر؛ حرم عليه أن يقرأ القرآن، كل من لزمه الغسل لأجل موجب من موجباتها السابقة؛ يحرم عليه أن يقرأ القرآن حتى يغتسل، أو حتى يتوضأ؟ حتى يغتسل؛ لأنه إذا لم يغتسل، لم يزل الوجوب باقيًا، فننظر أولًا، نبدأ (... ) أو نفسر أولًا قراءة القرآن.

(قراءة القرآن) هو أن يقرأ الإنسان شيئًا من القرآن، سواء من مصحف، أو عن ظهْر قلب، والذي يحرُم عليه قراءة آية فصاعدًا إلا إذا كانت الآية طويلة، فإن بعضها كالآية الكاملة، وأطول آية في كتاب الله آية الدَّيْن التي في البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ [البقرة: 282]، ومع هذا لم تستوعب حروف الهجاء، واستوعب حروف الهجاء آيتان سواها أقصر منها: (... ). طالب: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح: 29].
الشيخ: آخر آية في سورة الفتح.
طالب: (... ). الشيخ: أقول: الذي يحرم عليه قراءة آية فصاعدًا، أما بعض آية فظاهر المذهب قبل كل شيء، أما بعض آية فإنه لا بأس به.
ثم إن المؤلف يقول: (حرم عليه قراءة القرآن).
(قراءة القرآن): لا قراءة ذكر وافق القرآن، وقراءة ذكر وافق القرآن لا بأس به إذا قصد الذكر، وليس التلاوة؛ مثل لو قال: (بسم الله الرحمن الرحيم)، يقصد الذكر ما يقصد القرآن لا بأس، ولو قال: (الحمد لله رب العالمين)؛ يقصد الذكر، فلا بأس مع أنها آية من القرآن؛ لكن هو لم يقصد القرآن، ولو قال: قابلت شخصًا، ثم نظر؛ يعني نظر إليَّ، (ثم نظر) هذه آية من القرآن ولا لَّا؟ لكنه ما قصد القراءة؛ فلا بأس.
ما هو الدليل على أن الجنب لا يقرأ القرآن؟

الدليل: حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يُعَلِّمُهم القرآن، ولا يَحْجزه عن القرآن إلا الجَنَابَة (20). الجنابة في هذا دليل على أن الجنب لا يقرأ القرآن؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي سلم عليه فلم يرد عليه السلام، وهو غير متوضئ، قال: «إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ عَلَى غَيْرِ طُهْرٍ» (21). والقرآن أشرف الذِّكر، وهذا يدل على أن الْجُنب لا يقرأ القرآن؛ ولأن في منعه من القرآن حثًّا له على المبادرة إلى الاغتسال؛ لماذا؟ لأنه إذا علِم أنه ممنوع من قراءة القرآن حتى يغتسل فسوف يبادِر، فيكون في ذلك مصلحة؛ ولأنه قد روي أنَّ الْمَلَكَ يتلقَّف القراءة من فَمِ القارئ (22)، وأنَّ الملائكة لا تدخل بيت فيه جُنُب (23). وعلى هذا فإذا قرأ القرآن؛ فإما أن يحرم الملك من تلقف القرآن، وإما أن يؤذيه بجنابته، وهذا وإن كان فيه شيء من الضعف، لكن يُعلَّل به، وعلى كل حال فقراءة القرآن للجنب محرمة، لا تجوز.
بقينا الحائض، الحائض (... )، فهل يحرم عليها قراءة القرآن؟ الجواب: نعم، كلام المؤلف يدل على أنه يحرم عليها قراءة القرآن، وعلى هذا جمهور أهل العلم؛ أن الحائض لا تقرأ القرآن؛ ولكن لها أن تذكر الله بما يوافق القرآن؟ نعم، لها أن تذكر الله بما يوافق القرآن؛ ولكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: إنه ليس في منع الحائض من قراءة القرآن نصوص صريحة صحيحة، وإذا لم يكن فيها نصوص صريحة صحيحة تمنع؛ فإن الأصل البراءة أو الأصل الحل حتى يقوم دليل على المنع.
والله -عز وجل- أمر بتلاوة القرآن مطلقًا، فأي حال من الأحوال يُخرج بها الإنسان شخصًا من عباد الله عن قراءة القرآن؛ فإننا نطالبه بالدليل، وإذا لم يكن هناك دليل صحيح صريح يمنع الحائض من قراءة القرآن؛ فإنها مأمورة بقراءته.

فإن قلت: ألا يمكن أن نقيسها على الجنب بجامع أن كلًّا منهما يلزمه الغسل بسبب الخارج؟ الجواب: أن هذا قياس مع الفارق؛ والفارق هو أنَّ الجنب باختياره أن يزيل هذا المانع ولَّا لا، بماذا؟ طلبة: بالغسل.
الشيخ: بالاغتسال، يغتسل ويزول المانع، وهو خير (... )، وأما الحائض فليس بإمكانها أن تزيل ذلك المانع، ثم إن الحائض مدتها تطول غالبًا، والجنب لا يمكن أن تطول؛ لأنه مهما كان سوف تأتيه الصلاة، ويُلزم بالاغتسال.
والنفساء كذلك، بل من باب أوْلى أن يُرخَّص لها؛ لأن مدتها أطول من مدة الحائض، وما ذهب إليه شيخ الإسلام فهو مذهب قوي؛ لأنه -كما قلت- الأصل عدم المانع، وأن الإنسان مأمور بتلاوة كتاب الله، وقد أثنى الله تعالى على من يتلون كتابه.
فإذا قال قائل: ما دام العلماء مختلفين، وفيه أحاديث وإن كانت ضعيفة، لماذا لا نجعل المسألة مرتبطة أو مُعلَّقة بالحاجة، فإن احتاجت الحائض إلى قراءة القرآن مثل الأوراد، أو أن تتحفظ ما حفظته حتى لا تنسى، أو تكون محتاجة لتعليم أولادها؛ أو لتعليم البنات في المدارس فإننا نبيح لها ذلك، وأما مع عدم الحاجة فنأخذ بماذا؟ بالأحوط، ونقول: لها أذكار تذكر الله عز وجل بذكر غير القرآن، وهي لن تحرم من الذكر، لو ذهب ذاهب إلى هذا لكان مذهبًا قويًّا.
فلدينا الآن ثلاثة مذاهب: المنع مطلقًا، والإباحة مطلقًا، والتفصيل؛ والإباحة مطلقا أقوى من المنع مطلقًا، ويبقى النظر بين الإباحة المطلقة وبين التفصيل.
بقينا إسلام الكافر: لو أن رجلًا أسلم وقال: أريد أن أقرأ الفاتحة قبل أن أغتسل، قلنا له: لا حتى تغتسل؛ لأنك ممن يلزمك الغسل، فما هو الدليل؟ لا دليل سوى القياس، والقياس فيه نظر قوي جدًّا؛ النظر أولًا: أن الجنب قد أجمع العلماء على وجوب الغسل عليه بخلاف الكافر؛ فإن الكافر مختلف في وجوبه عليه كما سبق، ولا يمكن أن يقاس المختلف فيه على المتفق عليه.

فإن قلت: نحن نقيسه عند من يقول بوجوب الغسل على الكافر، أما من يقول بعدم الوجوب؛ فالأمر واضح أنه لا قياس.
الجواب: حتى على قول من يقول: إن الغسل واجب عليه، فإن القاعدة في ذلك لا يرى أن وجوبه مُتحتِّم كتحتم الغسل من الجنابة، بل يرى أنه أضعف، وعليه فمنع الكافر من قراءة القرآن حتى يغتسل ضعيف؛ لأنه ما فيه أحاديث، لا صحيحة ولا ضعيفة، وليس فيه إلا هذا القياس الذي قد (... ) بل هو فعلًا (... ).


قال المؤلف: (ويعبر المسجد لحاجة، ولا يلبث فيه بغير وضوء) لو قال المؤلف: واللبث في المسجد لكان أوضح، إنما يحرم على من لزمه الغسل اللبث في المسجد، يحرم عليه أن يلبث في المسجد؛ يعني يقيم ولو مدة قصيرة، ما هو الدليل؟ الدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: 43]، يعني: ولا تقربوها جنبًا إلا عابري سبيل.
ومعلوم أن قوله: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾، ليس المعنى لا تصلوا إلا عابري سبيل؛ لأن عابر السبيل لا يُصلي، بخلاف النهي عن قربان الصلاة؛ يعني في المرور في أماكنها؛ وهي المساجد، فإذا عبر المسجد فلا بأس به، وأما أن يمكث في المسجد فإن ذلك حرام، لا يجوز؛ لأن المساجد بيوت الله عز وجل ومحل ذكره، وعبادته، ومأوى ملائكته، وإذا كان آكل البصل والأشياء الكريهة ممنوعًا من البقاء في المسجد، فالجنب الذي تحرم عليه الصلاة من باب أولى، لا سيما إذا كانت الملائكة لا تدخل بيتًا فيه جنب، فإن الملائكة تتأذى فيمنعها من دخول هذا المسجد.

لكن عبوره المسجد يقول: (ويعبر المسجد لحاجة)، لحاجةٍ إلى العبور، ما هي الحاجة؟ الحاجة متنوعة، قد يريد أن يدخل من باب، ويخرج من باب آخر لئلّا يشاهده أحد، وقد يقصد بذلك أنه أقصر، يوجد بعض المساجد (... ) يكون إذا دخل من على باب، وخرج من باب آخر أقصر من أن يذهب ويطوف من وراء المسجد، فيعبره لكونه قصيرًا، قد لا يعبره لحاجة مثل أن ينظر، هل فيه محتاج أو مسكين أو حلقة عِلم حتى يذهب ويغتسل ويرجع؟ المهم أن أنواع الحاجة كثيرة، فيعبر لحاجة.
وأفادنا المؤلف بقوله: (لحاجة) أنه لا يجوز له أن يعبر لغير الحاجة.
وظاهر الآية الكريمة: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ العموم؛ سواء كان لحاجة أو لغير حاجة؛ إلا أن الإمام أحمد -رحمه الله- كره أن يتخذ المسجد طريقًا إلا لحاجة، ومحل الكراهة، أو الكراهة هذه لها وجه، الوجه أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر أن المساجد إنما بُنيت للصلاة والذكر وقراءة القرآن، وكونها تتخذ طرقًا (... )، هذا خلاف ما بنيت له إلا إذا كانت هناك حاجة.
قال: (ولا يلبث فيه) لماذا لا يلبث فيه؟ لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ قال: (بغير وضوء)، فإن توضأ جاز المكث، الدليل؟

الدليل أن الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا إذا توضؤوا من الجنابة مكثوا في المسجد، فكان الواحد منهم ينام في المسجد؛ فإذا احتلم ذهب وتوضأ، ثم عاد فنام، وهذا دليل على أن هذا جائز؛ لأن ما فُعل في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يُنكَر، فهو جائز إن كان من الأفعال غير التعبدية، وإن كان من الأفعال التعبدية فهو دليل على أن الإنسان يؤجر عليه، هذا هو الدليل؛ ولأن الوضوء يخفف الجنابة؛ بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يكون عليه الغسل، أينام وهو جنب؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا تَوَضَّأَ فَلْيَرْقُدْ» (24). هكذا جاء في الحديث الصحيح، فقوله: «إِذَا تَوَضَّأَ فَلْيَرْقُدْ» يدل على أن ذلك يُخفِّف من الجنابة، وهو كذلك من حيث المعنى أيضًا؛ لأن الوضوء أحد الطهورين، وهو لولا الجنابة لكان رافعًا للحدث رفعًا كليًّا فحينئذٍ يكون مخففًا للجنابة.
إذن الذي يحرم على من لزمه الغسل كم؟ خمسة أشياء: الصلاة، والطواف، والمكث في المسجد، وقراءة القرآن، واللبث في المسجد إلا بوضوء، الخمسة كلها تحرم على من لزمه الغسل (... ).


ثم قال: (ومن غسَّل ميتًا أو أفاق من جنون، أو إغماء بلا حُلْم سُنَّ له الغُسْل) في هذا الباب ذكروا -رحمهم الله- ما يوجب الغسل، وما يُسنُّ له الغسل؛ فمنه تغسيل الميت؛ إذا غسل الإنسان ميتًا، فإنه يسن له أن يغتسل، ما هو الدليل؟ الدليل: حديث أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، ومَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» (25). هذا الدليل، ولكن المسألة فيها خلاف؛ فمنهم من قال: إنه يجب عليه أن يغتسل من غسل ميتًا، وجعلوا تغسيل الميت من مُوجبات الغسل، واستدلوا بهذا الحديث؛ قالوا: لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «فَلْيَغْتَسِلْ»، والأصل في الأمر الوجوب.
وقال آخرون عكس هذا، قالوا: من غسَّل ميتًا فلا يُسنّ له الغسل، ولا يجب عليه.

الدليل؛ قالوا: لأن هذا الحديث لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما قال الإمام أحمد: لا يثبت في هذا الباب شيء، وإذا لم يصح؛ فإن دعوى مشروعية فعل من الأفعال تحتاج إلى دليل، والأصل عدم الدليل.
لكنه قد صح عن أبي هريرة أنه أمر غاسل الميت بالغسل، وهذا ينبني على القول بحجية قول الصحابي.
والقول الثالث في المسألة -القول الوسط الذي مشى عليه المؤلف-: أن من غسَّل ميتًا سُنّ له الغسل، ولم يجب عليه، وحجة هؤلاء أنهم قالوا: إن هذا الحديث فيه الأمر، والأصل في الأمر الوجوب، لكن لما كان هذا الحديث فيه شيء من الضعف لم ينتهض للإلزام.
أقول: لما لم يكن هذا الحديث صحيحًا أو حسنًا (... ) صار غير قائم بإلزام الناس به، وهذه القاعدة مرت علينا فيما سبق؛ أن النهي إذا كان بحديث ضعيف لا يكون للتحريم، والأمر لا يكون للوجوب؛ لأن الإلزام بالمنع أو بالفعل يحتاج إلى دليل تبرأ به الذمة لإلزام العباد بأمر من الأمور.
وهذا القول الذي مشى عليه المؤلف هو قول وسط، فإن قلت: ما أكثر الذين يُغسِّلون الموتى ولم يأمرهم النبي عليه الصلاة والسلام بالغسل، الرجل الذي وَقَصَتْهُ ناقته قال: «غَسِّلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ»، ولم يأمرهم بالاغتسال (6)، وأم عطيَّة، ومَنْ كان يغسل النِّساء غسَّلن بنت الرسول عليه الصلاة والسلام، وأمرهن بغسلها (6)، ولم يأمرهن بالاغتسال؟ الجواب: نعم، هذا صحيح؛ فالأحاديث الصحيحة ما فيها أمر بالاغتسال؛ ولكن الجواب على ذلك أن يقال: عدم الأمر ليس أمرًا بالعدم فلو عندنا قول الأصل أن هذا القول قائمًا (... ) إذا صح، وأيضًا: نحن لا نقول (... )؛ فعدم الأمر إذا وجد أمر آخر عدم الأمر في موضعه يدل على عدم الوجوب، لا يدل على نفي المشروعية مطلقًا؛ فالأقرب ما نص عليه المؤلف أن الإنسان إذا غسل ميتًا سُنَّ له الغسل، فإن غسل حيًّا كما لو غسلت المرأة طفلها.
طلبة: لا يُسن الغسل.
الشيخ: لا يُسن الغسل؟ طلبة: لا.

الشيخ: لماذا؟ طلبة: لأنه (... )، لا دليل.
الشيخ: لأنه لا دليل، وهذا مما أوجب لأبي حنيفة وأصحابه -رحمهم الله- أن يقولوا: لا يُسن الغسل من غسل الميت، أو لأننا متفقون على أن المؤمن طاهر حيًّا وميتًا، فإذا كان تغسيل الحي لا يُسنّ له الغسل، فتغسيل الميت من باب أوْلى، وهم لا يرون صحة الحديث؛ لأن ضعف صحة الحديث (... ). يغتسل القول بالوجوب عنده ظاهر؛ لأن الأصل في الأمر الوجوب، وأما من ضعفه فإنه لا يلتفت إليه، ويأخذ بأمر أبي هريرة نفسه محتجًّا بقول الصحابي.
قال: (أو أفاق من جنون، أو إغماء بلا حُلْم) الجنون معروف، وهو زوال العقل، نسأل الله العافية، ومنه الصرع؛ فإن الصرع نوع من الجنون.
أما الإغماء؛ فالإغماء بمعنى التغطية، ومنه الغَيْم الذي يغطي السماء، فالإغماء تغطية العقل، وليس زوال العقل، والإغماء له أسباب متعددة منها: شدة المرض كما جرى ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه أغمي عليه، ثم أفاق، فقال: «أَصَلَّى النَّاسُ؟ ». قالوا: لا يا رسول الله، وهم ينتظرونك، فأمر بماء في مخضب -شيء مثل الصحن- فاغتسل عليه الصلاة والسلام؛ فقام لينوء فأُغمي عليه مرة ثانية، فلما أفاق قال: «أَصَلَّى النَّاسُ؟ ». قالوا: لا، وهم ينتظرونك يا رسول الله، فدعا مرة ثانية بالمخضب فيه الماء فاغتسل، ثم قام لينوء فأغمي عليه (26)؛ فهذا دليل على أن الإغماء يُغتسل له، وليس ذلك بواجب لأن فعل النبي صلى الله عليه وسلم المجرد لا يدل على الوجوب، كما سبق لنا ذلك مرارًا، ولكن هل نقول: إن ذلك مشروع تعبدًا، أو نقول: إن ذلك مشروع لتنشيط البدن وتقويته؟

فيه احتمال أن يكون الرسول عليه الصلاة والسلام فعل ذلك تعبدًا، ويحتمل أن يكون فعله لتنشيط الجسم من هذا الإغماء؛ لأن الجسم إذا أغمي عليه سيلحقه فتور، ولكن الفقهاء -رحمهم الله- يرون أن ذلك على سبيل التعبد، ولهذا قالوا: إنه يسن أن يغتسل، أما بالنسبة للجنون، فإنهم قاسوه على الإغماء، وقالوا: إذا شُرع الاغتسال للإغماء، فللجنون من باب أولى؛ لأن الجنون أشد من الإغماء.
إذن صار الذي ذكر المؤلف من الأغسال المسنونة ثلاثة: الغُسل لتغسيل الميت، الغُسل للجنون، الغُسل للإغماء.
قال المؤلف: (بلا حُلْم)، أي: بلا إنزال، فإن أنزل في حال الإغماء، فإنه يجب عليه الغسل كالنائم إذا احتلم في منامه؛ فإنه يجب عليه الغسل.
ثم قال: (والغسل الكامل أن ينوي، والمجزئ أن ينوي، ويسمي، ويعم بدنه بالغسل مرةً) إلى آخره.
الغسل له صفتان: صفة كمال، وصفة إجزاء، كما أن الوضوء أيضًا له صفتان: صفة كمال، وصفة إجزاء، كذلك الصلاة لها صفة كمال، وصفة إجزاء، وكذلك الحج، فما هو الضابط؟ ما اشتمل على ما يجب فقط فهو صفة إجزاء، وما اشتمل على الواجب والكمال، فهو صفة كمال، هذا الضابط.
الغسل الكامل: (أن ينوي)، (أن) هذه وما دخلت عليه في تأويل مصدر خبر المبتدأ.
(أن ينوي) والنية لغةً: القصد، وأما في الاصطلاح: فهي العزم الجازِم على فعل الشيء، هذه النية في الاصطلاح أن تعزِم على فعل الشيء، سواء كان ذلك الشيء عبادة، أم معاملة، أم غير ذلك أم عادة، المهم العَزْم على فعل الشيء يُسمَّى نِيَّة، وأين محلها؟ محلها القلب، ولا تعلق لها باللسان، ولا يشرع للإنسان أن يتكلم بما نوى عند فعل العبادة لماذا؟ لو قال قائل: لماذا لا نقول إنه يُشرع أن يتكلم بما نوى عند فعل العبادة ليطابق القلب اللسان؟ فالجواب: أن نقول: إن ذلك خلاف السنة.
فلو قال قائل: الرسول عليه الصلاة والسلام ما نهى عن ذلك؟

قلنا: ولكنه قال: «مَنْ أحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (27). وعندنا قاعدة سبقت الإشارة إليها؛ السنة - السنة الفعلية والسنة التركية أن كل شيء وُجد سببه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يفعله، كان ذلك دليلًا على أنه ليس بسنة، ومعلوم أن الرسول عليه الصلاة والسلام ينوي العبادات، كلما أراد أن يفعل عبادة نواها، فهل كان يتكلم بما نوى؟ لا؛ إذن فترك الشيء عند وجود سببه يكون هو السنة، وفعله خلاف السنة؛ ولهذا لا يُسن النطق بالنية لا سرًّا ولا جهرًا؛ خلافًا لقول فقهائنا -رحمهم الله-: إنه يسن النطق بالنية سرًّا، ولقول بعضهم -من أهل العلم-: إنه يسن النطق بالنية جهرًا، كل هذا لا أصل له، بل الدليل على خلافه.
النية ويش مرتبتها في الغسل وفي غيره من العبادات؟ أنها شرط للصحة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (28). والنية نيتان: نية العمل، ونية المعمول له.
أما نية العمل، فيتكلم عليها الفقهاء رحمهم الله؛ لأن هذه النية هي المصححة للفعل، وأما نية المعمول له، فيتكلم عليها أهل التوحيد، وأرباب السلوك، مثال ذلك: أنا عندما أريد أن أغتسل نويت الغسل ما هذه، نية أيش؟ طلبة: العمل.
الشيخ: نية العمل، لكن نويته تقربًا إلى الله وطاعة له، هذه نية المعمول له؛ أي: قصد وجهه سبحانه وتعالى، وهذه الأخيرة هي التي نغفل عنها كثيرًا، كثير منا عندما يفعل العبادة، هل يستشعر عند ذلك أنه يفعلها طاعة لله وتقربًا؟ طلبة: الغالب أنه لا.

الشيخ: الغالب لا، الغالب أننا نفعلها على أننا ملزمون بفعلها، فننويها لتصحيح فعلها، وهذا لا شك أنه نقص، ولهذا الله عز وجل يقول في القرآن في كثير من الآيات عندما يذكر العمل: ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ [الرعد: 22]، ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: 20]، ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ [الرعد: 22]، ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الحشر: 8].
وما أشبه ذلك، فالحاصل أن النية إذن تنقسم؟ طالب: نية العمل، ونية المعمول.. الشيخ: ونية المعمول هذا هو العمل، نية العمل ونية المعمول له، أنت الآن تعمل لله، فتنوي بذلك التقرب إلى الله وطاعته بهذه العبادة.


قال: (ثم يسمي) بعد النية يسمي؛ التسمية على المذهب واجبة كما تجب في الوضوء، وليس فيها نص، ولكنهم قالوا: إذا وجبت في الوضوء؛ ففي الغسل من باب أولى؛ لأن الغسل طهارة أكبر؛ فتجب فيها التسمية، والصحيح -كما سبق- أن التسمية ليست واجبة لا في الوضوء ولا في الغسل.
(ويغسل يديه ثلاثًا) وهذا سُنَّة، يغسل اليدين ثلاثًا، واليدان هما الكفان؛ لأن اليد إذا أطلقت فهي الكف؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]، والذي يُقطع من السارق الكَفّ فقط.
ولما أراد الله -عز وجل- ما فوق الكف قال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6]، فقيده، وعليه فلا فرق في المعنى بين النسختين وهما يغسل يديه أو كفيه.

قال: (وما لوَّثَه)، يعني: ويغسل ما لوَّثه من أثر الجنابة، وفي حديث ميمونة أن الرسول عليه الصلاة والسلام عند غسله ما لوَّثه ضرب بيده الأرض، أو الحائط مرتين، أو ثلاثًا؛ لكمال التنقية، والذي يظهر لي من حديث ميمونة أن الماء كان قليلًا، ولهذا لم يغسل النبي عليه الصلاة والسلام رجليه في الوضوء -في حديث ميمونة- وإنما غسله بعد ذلك في مكان آخر (29)، فاحتاج -عليه الصلاة والسلام- أن يضرب الأرض أو الحائط بيديه مرتين أو ثلاثًا ليكون أسرع في إزالة ما لوثه.
قال: (ويتوضأ) وضوءه للصلاة.
وكلام المؤلف يدل على أنه يتوضأ وضوءًا كاملًا؛ يشتمل على المضمضة، والاستنشاق، وغسل الوجه، وغسل اليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس والأذنين، وغسل الرجلين، وهو هكذا في حديث عائشة رضي الله عنها (30)، يتوضأ وضوءًا كاملًا.
قال (ويحثي على رأسه ثلاثًا ترويه)، (يحثي على رأسه) يعني يحثي الماء على رأسه ثلاثًا.
ويُحْثِيَ على رأسِه ثلاثًا تَرْوِيهِ ويَعُمَّ بدَنَه غُسْلًا ثلاثًا ويَدْلُكُه ويَتَيَامَنُ ويَغسِلُ قَدَمْيِه مكانًا آخَرَ، و (الْمُجْزِئُ) أن يَنْوِيَ ويُسَمِّيَ ويَعُمَّ بَدَنَه بالغُسْلِ مَرَّةً، ويَتوضأَ بِمُدٍّ، ويَغتسِلَ بصَاعٍ، فإنْ أَسْبَغَ بأَقَلَّ أو نَوَى بغُسْلِه الْحَدَثَيْنِ أَجْزَأَ، وَيُسَنُّ لِجُنُبٍ غَسْلُ فَرْجِه، والوُضوءُ، لأَكْلٍ ونَوْمٍ ومُعاودةِ وَطْءٍ.

﴿باب التيمم﴾ وهو بَدَلُ طَهارةِ الماءِ، إذا دَخَلَ وقتُ فريضةٍ أو أُبِيحَتْ نافلةٌ وعُدِمَ الماءُ أو زادَ على ثَمَنِه كثيرًا (ترويه) (يحثي على رأسه) يعني: يحثي الماء، (على رأسه ثلاثًا ترويه) قوله: (ثلاثًا) ظاهره أنه على جميع الرأس يحثو الماء على جميع الرأس، منين نأخذ أن هذا هو الظاهر؟ طلبة: من إطلاقه.
الشيخ: لأنه قال: (رأسه ثلاثًا).

وقوله: (ترويه) أي: تصل إلى أصوله بحيث لا يكون الماء قليلًا، بل لا بد أن يصل إلى أصول الشعر، وظاهر حديث عائشة رضي الله عنها: أن الرسول عليه الصلاة والسلام غسل رأسه حتى إذا ظن أنه أروى بشرته أفاض عليه ثلاث مرات (1)، فظاهره أنه أولًا يصب عليه الماء ويخلله، ثم بعد ذلك يفيض عليه ثلاث مرات، إلا أن بعض أهل العلم قال: إن قولها: ثلاث مرات، لا يعم جميع الرأس، لكن مرة للجانب الأيمن، ومرة للجانب الأيسر، ومرة لوسط الرأس، كما يدل على ذلك صنيعه صلى الله عليه وسلم حينما أتي بالحلاب، فأخذ منه ماء فغسل به جانب الرأس الأيمن، ثم الأيسر، ثم الرأس وسطه (2). وقال المؤلف: (ويعم بدنه) بعدما يغسل رأسه، (ويعم بدنه غسلًا ثلاثًا).
أما قوله: (يعم بدنه) فدليله حديث عائشة وميمونة: ثم أفاض الماء على سائر جسده (1). وأما قوله: (ثلاثًا) فإنهم فعلوا ذلك قياسًا على الوضوء، وأنه يشرع فيه التثليث، وهذه المسألة فيها قولان لأهل العلم؛ هل يثلث في غسل البدن أو لا؟ فالمشهور من المذهب -كما ترون- واختار شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من أهل العلم: أنه لا تثليث في غسل البدن؛ لأن ذلك لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا لم يصح فإنه لا يشرع.
قال المؤلف: (ويدلكه) كيف يدلكه؟ يعني: يمر يده عليها كذا دلكًا، وإنما شرع الدلك لأجل تيقن وصول الماء إلى جميع البدن؛ لأنك لو صببته بدون دلك ربما يتفرق في البدن من أجل ما فيه من الدهونة ولا يشمل البدن، فَسُنَّ الدلك.
(ويتيامن) ويش معنى يتيامن؟ يعني: يبدأ بالجانب الأيمن، أما في الوضوء فظاهر، وكذلك في الغسل؛ في غسل البدن، وكذلك في غسل الرأس يبدأ باليمين؛ لقول عائشة رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيامن في تنعله وترجله وطهوره، وفي شأنه كله (3)، فيغسل الأيمن قبل الأيسر.
قال: (ويغسل قدميه مكانًا آخر) يعني: عندما ينتهي من الغسل يغسل القدمين في مكان آخر غير المكان الأول.

وهل هذا سنة مطلقة أو سنة عند الحاجة؟ ظاهر كلام المؤلف أنه سنة مطلقة، ولو كان المحل نظيفًا كما يوجد الآن في حماماتنا.
ولكن الذي يظهر لي أنه يغسل رجليه في مكان آخر عند الحاجة إلى ذلك، كما لو كانت الأرض طينًا، فهو إذا لم يغسل رجليه في مكان آخر تلوثت بالطين، ويدل لهذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يغسل رجليه في حديث عائشة بعد الغسل، ورواية: أنه غسل رجليه (4) ضعيفة، والصواب: أنه غسل رجليه في حديث ميمونة، فالظاهر أن غسل الرجلين في مكان آخر إنما يشرع متى؟ طلبة: عند الحاجة.
الشيخ: عند الحاجة إليه فقط (... ) قال: (ويغسل قدميه مكانًا آخر).
طالب: (مكانًا) هذا؟ الشيخ: (مكانًا) ظرف مكان.
طالب: (... ) الظرف (... ) هنا.
الشيخ: في مكان.
طالب: من الفعل؟ الشيخ: لا.
الطالب: من لفظ الفعل؟ الشيخ: لا، ما هو بشرط.
يقول: (والمجزئ: أن ينوي) إلى آخره، (المجزئ) يعني: الذي تبرأ به الذمة، والإجزاء معناه: سقوط الطلب بالفعل، هذا الإجزاء، فإذا قيل: أجزأت صلاته؛ أي: سقط طلبه بها؛ لفعله إياها، وكذلك نقول في بقية العبادات: إن الإجزاء هو سقوط الطلب بالفعل؛ يعني: إذا فعلت الشيء وسقط به الطلب، قيل: أجزأ، فإن لم يسقط به الطلب، قيل: لم يجزئ.
فلو أن أحدًا صلى وهو محدث ناسيًا ثم ذكر بعد الصلاة، هل أجزأته صلاته؟ لا، لماذا؟ لأنه الآن مطالب بها، ففعله لم يسقط به الطلب، فلا تكون مجزئة، واضح؟ ولو أن رجلًا وجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام متتابعة ففرق بينها بدون عذر، هل تجزئه ولَّا لا؟ طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ طالب: لأن الطلب (... ). الشيخ: لأن الطلب لم يسقط بصومه هذا؛ إذ إن الطلب أن يصوم متتابعًا، فالإجزاء إذن تعريفه: سقوط الطلب بالفعل؛ أي: بفعل الشيء، فإذا فعل الإنسان الشيء وسقط به الطلب قيل: إنه مجزئ، وإذا سقط الطلب برأت الذمة، وصار الإنسان غير مطالبًا به عند الله عز وجل.

قال: (المجزئ: أن ينوي ويسمي) والنية شرط، وقد سبق تعريفها، وبيان الجهر بها أو النطق بها، (ويسمي) وسبق دليله، وأنه واجب على المذهب.
(ويعم بدنه بالغسل مرةً) (يعم بدنه) كل البدن، (بالغسل مرةً) ولم يذكر المؤلف المضمضة والاستنشاق؛ وذلك لأن في وجوبهما في الغسل خلافًا؛ فمن أهل العلم من قال: إن المضمضة والاستنشاق في الغسل كهما في الوضوء، وإنه لا يصح الغسل إلا بهما، ومنهم من قال: إن الغسل يصح بدونهما.
والصواب: أنه لا يصح الغسل إلا بهما؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6] يشمل البدن كله، وداخل الأنف وداخل الفم من البدن الذي يجب تطهيره؛ ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بهما؛ لدخولهما تحت قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، فإذا كانا داخلين في غسل الوجه -والوجه مما يجب غسله في الطهارة الكبرى- كان واجبًا على من اغتسل من الجنابة أن يتمضمض ويستنشق، وإن كان ظاهر كلام المؤلف خلاف ذلك.
قال: (ويعم بدنه بالغسل) (بدنه) يشمل حتى ما تحت الشعر الكثيف، الشعر الكثيف يجب أن يغسل ما تحته، بخلاف الوضوء فإنه لا يجب غسل ما تحت الكثيف، والشعر الكثيف هو: الذي لا ترى من ورائه البشرة.
قال أهل العلم: والشعر بالنسبة لتطهيره وما تحته ينقسم ثلاثة أقسام: الأول: أن يجب تطهير ظاهره وباطنه بكل حال، وذلك في الغسل من الجنابة.
والثاني: أن يجب تطهير ظاهره وباطنه إن كان خفيفًا، وتطهير ظاهره فقط إن كان كثيفًا، وذلك في الوضوء.
والثالث: لا يجب تطهير باطنه سواء كان خفيفًا أو كثيفًا، وهذا في التيمم.
هنا يقول المؤلف: (يعم بدنه بالغسل مرة) (بدنه) يشمل ما تحت الشعر اللي في رأسه أو في لحيته أو في أي مكان من بدنه.

(مرة) إلى آخره، ما هو الدليل على أن هذا الغسل مجزئ؟ الدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ ولم يذكر الله شيئًا سوى ذلك؛ ﴿اطَّهَّرُوا﴾، ومن عمم بدنه بالغسل مرة واحدة صدق عليه أنه قد اطَّهر، أليس كذلك؟ طلبة: بلى.
الشيخ: نعم، فإن قلت: هذه الآية مجملة، والنبي صلى الله عليه وسلم فصَّل هذا الإجمال بفعله، فيكون الغسل واجبًا على الكيفية التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعلها؛ لأن الله لما قال: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: 43] وهو أمر مجمل، ففسره النبي صلى الله عليه وسلم بفعله، صار واجبًا علينا أن نقيم الصلاة كما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام.
هنا لما قال: ﴿اطَّهَّرُوا﴾ ولم يبين كيفية ذلك في القرآن وبينه الرسول عليه الصلاة والسلام، علمنا أنه يجب علينا، أو كان مقتضى الحال أن يجب علينا أن نفعل كما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام، فهمتم هذا ولَّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: فما هو الجواب؟ قلنا: الجواب من وجهين أو من ثلاثة: أما الأول: فإنه لو كان الله عز وجل يريد منا أن نغتسل على وجه التفصيل لبينه، كما بين كيف نتوضأ على وجه التفصيل، فلما بين الوضوء على وجه التفصيل وهذا أجمله علم أنه ليس بواجب؛ أن نبدأ مثلًا بأعلى البدن أو بيمينه أو بشماله، هذا واحد.

ثانيًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي كان قد أصابته جنابة ولا يصلي قال له: «عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ»، والقصة معروفة وثابتة في صحيح البخاري (5) في حديث عمران بن حصين الطويل: وكان ليس عند الناس ماء، وذهب علي بن أبي طالب ورجل معه يطلبان الماء، وحضر الماء، واستقى الناس منه وتطهروا، وبقي بقية فقال النبي عليه الصلاة والسلام للرجل الذي كان جنبًا وكان لا يصلي، فقال له: «عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ»، قال له: «خُذْ هَذَا فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ»، ولم يبين له النبي صلى الله عليه وسلم كيف يفرغه على نفسه؟ ولو كان الغسل واجبًا كما اغتسل الرسول عليه الصلاة والسلام لبينه له؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز في مقام البلاغ، والرسول عليه الصلاة والسلام واجب عليه أن يبلغ البلاغ المبين.
وهذا الرجل يبدو؛ يعني: لو قال قائل: لعل هذا الرجل يعرف كيفية الغسل؟ فنقول: الأصل عدم معرفته، ثم إن ظاهر حاله أنه رجل جاهل؛ بدليل أنه ما علم أن التيمم يجزئ عن الغسل عند عدم الماء.
هناك وجه ثالث، ولننظر هل يصح أو ما يصح؟ وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يغتسل على كيفية واحدة، بل اغتسل مرة، على حسب ما جاء في حديث عائشة، ومرة على حسب ما جاء في حديث ميمونة، ولو كانت الصفة واجبة؛ لبقي على حالة واحدة؛ ولهذا استدللنا على أن التثليث في الوضوء ليس بواجب بأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثًا ثلاثًا (6). طالب: (... )؟ الشيخ: في الوضوء ليس بواجب.
ولكن قد يقول قائل: إن الواجب إحدى الصفتين، ولكن حديث عمران بن حصين في قصة الرجل واضح جدًّا، وقريب منه في الوضوح: قرن الله الغسل من الجنابة بأحكام الوضوء المفصلة دون أن يفصل في الغسل، أما الوجه الثالث ففيه شيء من الضعف.
إذن الغسل الكامل: أن ينوي ويش بعد؟ يسمي، ويعم بدنه بالغسل مرة.

فما رأيكم لو أن رجلًا نوى وعليه جنابة نوى الغسل، فانغمس في بركة أو في غدير؛ مجتمع السيول ثم خرج، يجزئه ولَّا لا؟ طلبة: يجزئه.
الشيخ: يجزئه.
طالب: مع المضمضة؟ الشيخ: إي، يجزئه إذا تمضمض واستنشق.
لو أراد الوضوء ثم انغمس في هذا الماء؟ طالب: إن كان جنابة.. الشيخ: لا، ما هو جنابة، وضوء.
طالب: نقول: الوضوء، إذا كان الجنابة جائزة الوضوء من باب أولى.
الشيخ: إي، بس هذه الأولويات ما هي في كل مكان، طيب مين اللي يعرف؟ طالب: هنا لا يجزئه؛ لأنه فقد الترتيب.
الشيخ: لا يجزئ؛ لأنه فقد الترتيب؟ طالب: لا، يجزئ، الترتيب سنة.
الشيخ: إي، هذا عاد مسألة خلافية؛ المذهب أن الترتيب فرض لا بد منه، وسبق لنا تقرير ذلك، وعلى هذا فلا يجزئ لفوات الترتيب، طيب لو خرج مرتبًا؟ طالب: أجزأه.
الشيخ: أجزأه، خرج مرتبًا، كيف يخرج مرتبًا؟ طالب: يخرج من البركة ويتوضأ.
الشيخ: لا، يخرج ويتوضأ، ما يصلح هذا.
طالب: وهو داخل البركة يمر الماء على يده وعلى رجله.
الشيخ: هو منغمس الآن.
طالب: إي نعم (... ). الشيخ: هو الآن منغمس، كيف يخرج من (... )؟ طالب: يمر يده على أعضاء جسمه.
الشيخ: يعني: يدلك أعضاءه في وسط الماء، ويعتبر هذا ترتيبًا؟ طالب: يخرج يديه، ثم يخرج رأسه من (... ). الشيخ: إي نعم، هو ما له طريق إلا هذا، يخرج كفيه على أنه غسلهم، وبعدين وجهه، ورأسه ما يطلعه مع وجهه.
طلبة: ما يمكن.
الشيخ: ما يمكن، ثم يطلع يده اليمنى إلى المرفق، ثم يده اليسرى إلى المرفق، ثم يطلع رأسه يمسحه كذا، ثم عاد يخرج مرة برجليه.
طالب: إذا كانت ساقية؟ الشيخ: إذا كان بساقية عاد ينظر هل إن الجريات تعتبر كل جرية كماء منفرد، أو أن الماء الجاري كالراكد؟ وهذا مر علينا، وين هو فيه؟ طلبة: في قواعد ابن رجب.
طالب: في باب المياه.
الشيخ: في قواعد ابن رجب؛ القواعد الفقهية، هذا فيه خلاف.

على كل حال في مسألة الوضوء إذا انغمس ونوى ما يصلح إلا إذا خرج مرتبًا، وخروجه مرتبًا لا شك أن فيه مشقة، ويكفي من ذلك -كما قال الأخ- أنه يخرج ثم يتوضأ، إي نعم.
طالب: (... )؟ الشيخ: هم يقولون: إنه لا يتم غسل العضو حتى ينفصل عنه الماء.
طالب: (... ) صحيح.
الشيخ: أيهم؟ طالب: أنه ما يجزئه (... ). الشيخ: الوضوء؟ طالب: نعم.
الشيخ: يجزئه (... )، إذا رتب يجزئه.
طالب: نحن قلنا (... ). الشيخ: إذا قيل: إن الترتيب سنة أجزأه.
طلبة: (... ). الشيخ: لا، (... ). طالب: (... ). الشيخ: لا، ما شرح عندي الوقت.
ثم قال: (ويتوضأ) أنا بسأل عن (يتوضأ) هل هي بالنصب ولَّا بالرفع؟ طالب: بالنصب.
الشيخ: خطأ.
طالب: بالرفع.
الشيخ: إي نعم، بالرفع، الجملة استئنافية، ليست معطوفة على قوله: (أن ينوي)؛ لأنه لو كانت معطوفة على (أن ينوي) لكان المعنى: والمجزئ أن ينوي وأن يتوضأ بالمد، وليس كذلك، فالواو هنا للاستئناف، يتوضأ: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة.
(يتوضأ بمد، ويغتسل بصاع) يعني: يسن للإنسان أن يكون وضوؤه بمد، واغتساله بصاع.
المد: ربع الصاع، والصاع النبوي أقل من الصاع العرفي عندنا، أقل بالخمس وخمس الخمس؛ يعني مثلًا الصاع النبوي زنته ثمانون ريالًا فرنسيًّا، وصاعنا زنته مئة ريال وأربعة ريالات.
فتأتي بإناء يسع أربعة أخماس الصاع العرفي، وتملؤه ماء ثم تغتسل به، هذا السنة؛ لئلا تسرف في الماء، فإن أسبغت بأقل جاز، كما قال المؤلف.
(ويتوضأ بمد) كم المد؟ المد: ربع الصاع، قليل جدًّا، يتوضأ به، هذا هو السنة.
ولكن إذا قال قائل: بالنسبة لنا اليوم نحن نتوضأ من الصنابير؛ يعني: من المواسير، القياس أو مقياس الماء لا ينضبط، صح ولَّا لا؟ المقياس ما ينضبط، هنا نقول: لا تزد على المشروع في غسل الأعضاء؛ يعني: لا تزد على الثلاث في الوضوء، ولا تزد على المرة في الغسل، وبهذا نكون معتدلين، لا وسواس، ولا تفريط وإهمال.
طالب: (... )؟

الشيخ: أصلًا ما يمكن حصره، (... ). (فإن أسبغ بأقل أجزأ) إن أسبغ بأقل من المد في الوضوء ومن الصاع في الغسل فإنه يجزئ؛ لأن المقصود الغسل، والتقدير: هذا على سبيل الأفضلية.
ولكن يشترط ألَّا يكون مسحًا، فإن كان مسحًا فإنه لا يجزئ.
والفرق بين المسح والغسل: أن الغسل يتقاطر منه الماء والمسح لا يتقاطر، المسح مثل أن تبل يدك وتمسح العضو، معلوم أن الماء لا يتقاطر، والغسل أن يجري الماء على الغسل ويتقاطر ولو شيئا قليلًا، المهم أن يكون الماء جاريًا على العضو، فلو أن أحدًا أخذ ماء قليلًا وجعل يغط يده ويمسح جسمه هكذا مسحًا، فإن ذلك لا يجزئ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، ففرق سبحانه وتعالى بين الغسل والمسح.
وكذلك قوله: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ بينه الرسول عليه الصلاة والسلام بفعله بأنه غسل، فلا بد إذن من أن يكون غسلًا، لكن لو أسبغ بأقل فهو جائز.
قال: (أو نوى بغسله الحدثين أجزأ) ويش يعني؟ عن الحدثين؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (7)، وهذا الرجل نوى بغسله رفع الحدثين، فحصل له ما نوى.
هل هناك نية أخرى؟ نعم، هناك نية أخرى: أن ينوي رفع الحدث الأكبر فقط، أن ينوي استباحة ما لا يباح إلا بالوضوء، أن ينوي استباحة ما يباح بالغسل فقط، فالوجوه كم؟ طلبة: أربعة.
الشيخ: أربعة؛ أن ينوي الحدثين جميعًا، فهنا يرتفع الحدثان؛ لأنه نواهما.
أن ينوي رفع الحدث الأكبر فقط ويسكت عن الأصغر، فظاهر كلام المؤلف حيث قال: (أو نوى بغسله الحدثين) ظاهر كلامه أنه يجزئ ولَّا لا؟ لا يجزئ، فعليه يرتفع الأكبر، ولا يرتفع الأصغر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»، وهذا لم ينوِ إلا الأكبر.

وعلى هذا، فلو جئت مثلًا واغتسلت من الجنابة، ومن أجل السرعة ذهب عن ذهنك نية الوضوء، ولكنك نويت الجنابة فقط، فعلى ما مشى عليه المؤلف لا يجزئك عن الوضوء، لا بد أن تتوضأ.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية: أنه إذا نوى رفع الحدث الأكبر فقط وسكت عن الأصغر فإنه يرتفع الحدثان، واستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ مع أنه قال سبحانه وتعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.
وعلى هذا، فإذا تطهر الإنسان بنية الحدث الأكبر فإنه يجزئه؛ لأن الله لم يذكر سوى ذلك، وما ذهب إليه الشيخ رحمه الله هو الصحيح؛ لأن الله لم يوجب علينا إلا أن نتطهر فقط وقد فعلنا.
الوجه الثالث: أن ينوي ما لا يباح إلا بالوضوء، أو ما لا يباح إلا بارتفاع الحدثين جميعًا، هذا صواب العبارة، كالصلاة؛ فإذا اغتسل للصلاة ما نوى رفع الحدث، لكنه نوى أنه مغتسل للصلاة فإنه يرتفع عنه الحدثان، لماذا؟ لأنه من لازم نية الصلاة أن يرتفع الحدثان؛ إذ إن الصلاة لا تصح إلا بارتفاع الحدثين، فيكون ارتفاع الحدثين هنا من باب أيش؟ من باب اللازم؛ لأنه من لازم إرادة الصلاة أن يرتفع الحدثان.
الوجه الرابع: أن ينوي ما يباح بالغسل فقط دون الوضوء، مثل أي شئ؟ كالمكث في المسجد أو قراءة القرآن.
اغتسل الإنسان لقراءة القرآن فقط، ما نوى رفع الحدث ولا رفع الحدثين، ولا ما لا يباح إلا بالوضوء والغسل، نوى ما يباح بالغسل فقط، مثل قراءة القرآن، إذا اغتسل الإنسان وإن كان عليه الحدث الأصغر جاز له أن يقرأ القرآن، وهي غير مس المصحف، فهذا رجل قيل له: لماذا اغتسلت؟ قال: اغتسلت؛ لأقرأ القرآن، هل يصلي؟ لا يصلي؛ لأن استباحة قراءة القرآن من الجنب لا تستلزم استباحة الصلاة، أليس كذلك؟ طلبة: بلى.
الشيخ: وعليه فلا يرتفع إلا الحدث الأكبر فقط، فإذا أراد الصلاة فلا بد أن يتوضأ.

فهذه أربعة وجوه للنية، ولكن لو رجعنا إلى واقع الناس الآن لوجدنا أن أكثر الناس يغتسلون من الجنابة من أجل؟ طلبة: رفع الجنابة.
طلبة آخرون: الصلاة.
الشيخ: رفع الحدث الأكبر، أو من أجل الصلاة، هو مثلًا قام بعدما أذن وعليه جنابة وذهب يغتسل، لو سألناه: لماذا اغتسلت؟ قال: لأجل أن أصلي، وعلى هذا فيرتفع الحدث الأكبر والأصغر قولًا واحدًا، ويندر أن نرى رجلًا اغتسل من الجنابة من أجل قراءة القرآن فقط، هذا نادر.
يقول المؤلف: (أو نوى بغسله الحدثين) كيف الحدثين؟ المراد رفع الحدثين.
(ويسن لجنبٍ غسلُ فرجه والوضوءُ) قوله: (غسل فرجه والوضوء) يعني: الاثنين جميعًا، يسن له غسل فرجه ووضوؤه لهذه الأمور الثلاثة: للأكل، والنوم، ومعاودة الوطء.
(لأكل) يسن أن يتوضأ الجنب للأكل، وإن اغتسل فالغسل أفضل بلا شك؛ ولهذا ينبغي للإنسان أن يبادر باغتساله من الجنابة بقدر ما يستطيع فإنه أفضل؛ لأنه أطهر وأنقى.
لكن إذا قال: أنا سأؤخر الاغتسال، نقول: إذن توضأ الأكل، وظاهر كلام المؤلف العموم، فيشمل الأكل الوجبات الرئيسية، مثل: الغداء والعشاء والفطور.
ويشمل الأكل الصغير؛ كرجل قُدِّم له تفاحٌ أو برتقالٌ وأراد يأكل، نقول له: إن اغتسل فهو أفضل، وإلا فتوضأ.
وليس على سبيل الإلزام بالاتفاق؛ بإجماع العلماء: أن الوضوء للأكل من الجنابة ليس بواجب، ولكنه على سبيل الاستحباب، دليله: حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يأكل أو ينام وهو جنب توضأ (8). ولا عبرة بحمل من حمل الحديث على أن المراد به الوضوء اللغوي الذي هو النظافة؛ لأن لدينا قاعدة في أصول الفقه: أن الحقائق تحمل على عرف الناطق بها، فإن كان الناطق الشرع حملت على أيش؟ طلبة: الحقيقة الشرعية.
الشيخ: الحقيقة الشرعية، إذا كان الناطق من أهل اللغة حملت على الحقيقة اللغوية، من أهل العرف حملت على الحقيقة العرفية.

فلو أننا خاطبنا رجلٌ من النحويين وقال: الفاعل، ما هو الفاعل في عرف النحويين؟ طالب: اللي قام بالفعل.
الشيخ: لا، في عرف النحويين هو: الاسم المرفوع المذكور قبله عامله، سواء كان فعلًا أو مشتقًّا، الاسم المرفوع المذكور قبله عامله، لكن الفاعل في اللغة: هو من قام به الفعل، فمثلًا: زيد قائم، في اللغة؟ طالب: فاعل.
الشيخ: فاعل يا إخواني، زيد قائم، نقول: (زيد) فاعل في اللغة العربية، لكن عند النحويين ليس بفاعل، مبتدأ وخبر، السبب: لأن الحقائق تحمل على عرف من؟ الناطق بها، في لغتنا الآن كلمة (شاة) تعني؟ طالب: الضأن.
الشيخ: لا، ما هي الضأن، الأنثى من الضأن، لكن في الشرع: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةٌ» (9)، اللي مر علينا يشمل الذكر والأنثى من الضأن والماعز.
فقول عائشة رضي الله عنها: توضأ، لا يمكن أن نحمله على الحقيقة اللغوية، بل على الحقيقة الشرعية، وكذلك أيضًا في حديث عمار بن ياسر: أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أن يتوضأ (10)، فهذا أيضًا (... )، لكن الأول في مسلم، وهذا في السننُ.
وعلى كل حال، النوم يُسَنُّ للجنب ألَّا ينام إلا بعد وضوء، الدليل فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
ثانيًا: استفتاه عمر رضي الله عنه فقال: يا رسول الله، أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: «نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ فَلْيَرْقُدْ» (11)، وفي لفظ: أنه قال له: «اغْسِلْ فَرْجَكَ وَتَوَضَّأْ، ثُمَّ نَمْ» (12)، وهذا أمر، فهذا دليل على أنه يسن أن يتوضأ الإنسان من الجنابة عند النوم، وإذا رجعنا إلى صيغة الحديث: أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: «نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ فَلْيَرْقُدْ»، أو: «اغْسِلْ فَرْجَكَ وَتَوَضَّأْ، ثُمَّ نَمْ»، إذا رجعنا إلى هذه الصيغ، ويش تقتضي يا جماعة؟ طلبة: الوجوب.

الشيخ: تقتضي الوجوب؛ لأنه قال: «نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ فَلْيَرْقُدْ»، وتعليق المباح على شرط يدل على أنه لا يباح إلا به، وعليه فيكون الوضوء من الجنابة عند النوم واجبًا، وإلى هذا ذهب الظاهرية وجماعة كثيرة من أهل العلم.
ولكن المشهور عند الفقهاء والأئمة المتبوعين أن ذلك على سبيل الاستحباب، واستدلوا بحديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينام وهو جنب من غير أن يمس ماءً (13)، ولكنه قد نوزع في هذا الحديث؛ في سنده، وفي دلالته؛ أما سنده فقد ادعي فيه الانقطاع، وأما متنه فقد حمل قولها: لم يمس ماء؛ أي: ماء للغسل، ولكن التعليل بالانقطاع قد رد بالاتصال، وأن أبا إسحاق سمع من الأسود الذي رواه عن عائشة، ومعلوم أنه إذا تعارض الوصل والقطع فالمعتبر الوصل، كما هو معروف في اصطلاح المحدثين.
وأما قولهم: ولم يمس ماء؛ أي: ماء للغسل، فهذا بعيد أن يقيد بالغسل لأيش؟ لأن ماء نكرة في سياق أيش؟ طالب: النفي.
الشيخ: في سياق النفي، فتعم أي ماء، وعلى هذا فالتعليل والتأويل كلاهما لا وجه له.
يبقى النظر؛ فعل الرسول عليه الصلاة والسلام هذا ما المراد به أو ما الحكمة منه؟ أكثر أهل العلم يقولون: إن الحكمة منه؛ يعني: ترك الرسول عليه الصلاة والسلام الوضوء الحكمة بيان الجواز، وأن الأمر بالوضوء عند النوم لمن عليه جنابة ليس على سبيل الوجوب، وهذه القاعدة قاعدة صحيحة ومعتبرة، خلافًا لمن قال بأن هذا من فعله، فلا يعارض قوله، ولا يجعل فعل الرسول عليه الصلاة والسلام دالًّا على الجواز، بل يقول: هذا من خصائصه، ونحن أمرنا بألَّا ننام إلا بعد الوضوء، أما هو فإنه ينام بغير وضوء، والله تعالى يختص بحكمه من يشاء، وهذه الطريقة يلجأ إليها الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار.

وأنا أتعجب من سلوك هذه الطريقة؛ لأنه من المعلوم أننا لا نحمل فعل الرسول عليه الصلاة والسلام أو قوله على الخصوصية إلا حيث تعذر الجمع، أما إذا أمكن الجمع فإنه لا يجوز أن يحمل النص على الخصوصية؛ لأن الأصل التأسي به، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]، فإذا كان الأصل التأسي به فلا وجه لحمل النص على الخصوصية مع إمكان الجمع.
ويدل على أن فعل الرسول عليه الصلاة والسلام أو قوله لا يحمل على الخصوصية، بل هو على العموم قوله تبارك وتعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: 50]، وجه الدلالة من الآية: أن الله سبحانه وتعالى بين أنها خالصة، ولولا هذا لكان مقتضى النص أن الإنسان يجوز أن يتزوج بالهبة، هذا دليل.
دليل آخر: لما قال الله سبحانه وتعالى في قصة زينب بنت جحش قال: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: 37]، وكانت زينب تحت زيد بن حارثة، وزيد بن حارثة كان قد تبناه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أحل الله له زينب قال: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾، الحكم خاص والعلة عامة، إذن معناه: أن الحكم الذي يثبت للرسول عليه الصلاة والسلام ويخص به يكون له وللأمة؛ وإلا لم يكن لقوله: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ فائدة.
إذن فالذي يظهر لي: أن الجنب لا ينام إلا بوضوء، على سبيل الاستحباب، لكنه أوكد من الأكل والشرب؛ ولهذا ذهب الفقهاء رحمهم الله إلى أنه يكره للجنب أن ينام بدون وضوء، وأما الأكل والشرب فلا يكرهان بدون وضوء، ففرقوا بين النوم وبين الأكل والشرب.

الثالث: قال: (ومعاودة وطء) يسن أن يتوضأ الإنسان إذا أراد أن يعود مرة أخرى إلى الجماع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به، وقد ثبت ذلك في صحيح مسلم أنه إذا جامع الإنسان أهله، ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما وضوءًا (14). وهذا الأمر الأصل فيه الوجوب، وأنه إذا أراد الإنسان أن يعود مرة أخرى فإنه يجب أن يتوضأ، ولكن هذا الأمر أخرجه عن الوجوب ما رواه الحاكم في الحديث قال: «إِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ» (15)، هذا يدل على أن الوضوء هنا ليس عبادة حتى نلزم الناس به، ولكنه من باب التنشيط، فيكون الأمر هنا للإرشاد، وليس للوجوب.
وكان النبي عليه الصلاة والسلام يطوف على نسائه كلهن بغسل واحد (16)، وإن كان طوافه عليهن بغسل واحد لا يمنع أن يكون يتوضأ بين الفعلين، فيكون قوله: (بمعاودة الوطء) على سبيل الاستحباب وليس على سبيل الوجوب.
سمع شخص قارئًا يقرأ الحديث الذي في مسلم قال: وزاد الحاكم: «فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعُودِ».
طالب: كثير.
الشيخ: كثير، والله يقول واحد: سمعته إمام يقرأ يقول: أنشط للعود، والعود تعرفونه عندهم (... ).


[باب التيمم] (باب التيمم)

التيمم في اللغة: القصد، يقال: تَيَمَّمتُ كذا بمعنى قصدته، والعامة يقولون: اليمة، ويمة كذا؛ أي: جهته وقصده، فالتيمم إذن لغةً: القصد.
أما شرعًا فهو: قصد الصعيد الطيب ليمسح به وجهه ويديه، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: 6].
ولو قلنا: إن التيمم في الشرع: التعبد لله تعالى بقصد الصعيد الطيب لمسح الوجه واليدين به لكان هذا أولى؛ لأننا قلنا فيما سبق: إن كل عبادة تعرف ينبغي أن يقرن فيها ذكر التعبد.

والطهارة بالتراب من خصائص هذه الأمة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ» (17)، وذكر الحديث، رواه جابر.
وكانت الأمم السابقة إذا لم يجدوا ماءً بقوا حتى يجدوا الماء فيتطهروا به، ثم يقضوا ما فاتهم من الصلوات، ولا شك أن في هذا مشقة عليهم، وفيه أيضًا حرمان للإنسان من الصلة بالله عز وجل كل هذه المدة، لو بقي عشرة أيام ما صلى حتى يجد الماء، وتعرفون أن انقطاع صلة الإنسان بينه وبين ربه أنها تحدث للقلب غفلة وقسوة.
التيمم نزل بسبب ضياع عقد لعائشة رضي الله عنها؛ ضاع لها عقد كانت تتحلى به للنبي صلى الله عليه وسلم، وأخذته عارية، فلما ضاع بقي الناس يطلبون هذا العقد، وأصبحوا ليس معهم ماء، فأنزل الله تعالى آية التيمم، ولما نزلت آية التيمم وشرع التيمم للناس بعثوا البعير التي هي راكبته –يعني: أثاروه وكان باركًا- فلما بعثوه وجدوا العقد تحته، وهذا من حكمة الله: أن الله سبحانه وتعالى لم يلهمهم أن يبعثوا البعير، بل بقوا يطلبون هذا العقد كل الليل من أجل أن يشرع الله سبحانه وتعالى هذه الطهارة لعباده، قال أسيد بن الحضير رضي الله عنه: ما هذه أول بركتكم يا آل أبي بكر (18)، فإن ضياع هذا العقد صار سببًا سهل الله به على الأمة إلى يوم القيامة.
والتيمم يقول المؤلف فيه: (بدل طهارة الماء)، فليس أصلًا، ولكنه بدل؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، إذن فهو بدل عن أصل، وهو الماء.
ومع ذلك فإن للبدل حكم المبدل، هذه القاعدة الشرعية، إلا أن البدل إذا وجد الأصل بطل، وكان من المشهور بين العامة يقولون: إذا وجد الماء بطل التيمم، وهذا صحيح، فإذن يكون بدلًا، والبدل له حكم المبدل.

وهل هو رافع للحدث أو مبيح لما تجب له الطهارة؟ فيه قولان لأهل العلم؛ منهم من يرى أنه رافع للحدث ومطهِّر، ومنهم من يرى أنه مبيح لما يجب الوضوء له وليس برافع للحدث ولا مطهر، والصواب: أنه مطهر ورافع للحدث؛ لقوله تعالى حين ذكر التيمم: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 6]؛ ولقول النبي صلى الله عليه وسلم «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»، والطهور بالفتح: ما يتطهر به.
وأيضًا هذان دليلان من الكتاب ومن السنة، ومن النظر أيضًا؛ لأننا نقول: إنه بدل، والقاعدة الشرعية: أن للبدل حكم المبدل.
لكن فائدة قولنا: بدل أنه لا يمكن العمل به مع وجود الأصل، وإلا فهو قائم مقامه، وعلى هذا فكما أن طهارة الماء ترفع الحدث فكذلك طهارة التيمم، ولكن هذه الطهارة إذا وجد الماء بطلت، ووجب عليه أن يغتسل إن كان التيمم عن غسل، وأن يتوضأ إن كان التيمم عن وضوء، ودليل ذلك الحديث الذي أشرتم إليه قبل قليل حديث عمران بن الحصين في قصة الرجل الذي أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم الماء وقال: «أَفْرِغْهُ عَلَى نَفْسِكَ»؛ لأن هذا الرجل كان معتزلًا لم يصل مع القوم، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم لماذا لم تصل مع الناس؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، فقال: «عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ» (19)، فهذا الرجل كان يتيمم للجنابة، ولما جاء الماء قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «خُذْ هَذَا أَفْرِغْهُ عَلَى نَفْسِكَ»، ولو كان التيمم رافعًا للحدث رفعًا مستمرًا ما بطل بوجود الماء.
ولحديث أبي هريرة: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَهُ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ» (20).

هل يترتب على هذا الخلاف أثر؟ الجواب: نعم، يترتب عليه آثار، منها: إذا نوى التيمم عن عبادة لم يستبح ما فوقها، فإذا تيمم لصلاة نافلة لم يصلِّ الفريضة؛ لأن الفريضة أعلى من النافلة، ولو تيمم لمس المصحف لم يستبح النافلة؛ لأن الوضوء للنافلة أعلى؛ إذ إنه مجمع على اشتراطه بخلاف الوضوء لمس المصحف، وعلى هذا فقس، هذا مما يترتب عليه.
وإذا قلنا: إنه رافع، فتيمم للنافلة جاز أن يصلى الفريضة؟ طلبة: نعم.
الشيخ: جاز أن يصلي الفريضة، كما لو توضأ للنافلة جاز أن يصلي الفريضة.
ثانيًا: إذا قلنا: إنه مبيح، فإنه إذا خرج الوقت بطل الوضوء؛ لأن المبيح يقتصر فيه على قدر الضرورة، فإذا توضأ لصلاة الظهر مثلًا وبقي لم يحدث فدخل وقت العصر، وجب عليه أن يعيد التيمم وإن كان لم يحدث.
وعلى القول بأنه رافع لا يجب عليه إعادة التيمم.
ثالثًا: إذا قلنا: إنه مبيح اشترط أن ينوي ما تيمم له، فلو نوى بتيممه رفع الحدث لم يرتفع، وإذا قلنا: إنه رافع وتيمم لرفع الحدث جاز، ولا حاجة أن ينوي ما تيمم له.
يقول المؤلف: (وهو بدل طهارة الماء) ظاهر كلام المؤلف: أنه بدل عن طهارة الماء في كل ما يطهره الماء، سواء في الحدث، أو في نجاسة البدن، أو في نجاسة الثوب، أو في نجاسة البقعة، ولكن ليس هذا مرادًا، بل هو بدل عن طهارة الماء -على المذهب- في الحدث وفي نجاسة البدن فقط؛ أي: أنه يتيمم إذا عدم الماء للحدث الأصغر والأكبر، ويتيمم كذلك إذا كان عليه نجاسة على بدنه ولم يقدر على تغييرها فإنه يتيمم لها، فإن كانت النجاسة على الثوب أو على البقعة لم يتيمم لها، حتى على المذهب.

والصحيح: أنه لا تيمم إلا في الطهارة عن الحدث فقط؛ لأن هذا هو الذي ورد به النص، وأما النجاسة على البدن؛ فإن أمكنه أن يغسلها غسلها، وإن لم يمكن صلى بحسب حاله لماذا؟ لأن طهارة التيمم لا تؤثر في إزالة النجاسة، والمطلوب من إزالة النجاسة تخلية البدن عنها، وإذا تيمم هل يتخلى؟ لا، بخلاف طهارة الحدث فإنها عبادة يتعبد بها الإنسان لله عز وجل، فإذا تعذر الماء تعبد لله تعالى بتعفير أفضل أعضائه، بماذا؟ بالتراب، فهذا ذل وخضوع وعبادة، فحصل به المقصود.
الخلاصة أننا نقول: هو بدل طهارة الماء -على القول الراجح- في رفع الحدث فقط، لا في النجاسة على البدن أو الثوب أو البقعة، والمذهب: أنه بدل طهارة الماء عن الحدث وعن طهارة البدن، دون البقعة والثوب.
ثم قال المؤلف: (إذا دخل وقت فريضة) ماذا تقولون في (إذا دخل)؟ نقول: هي أداة شرط، وفعل الشرط (دخل) وما عطف عليه، وجواب الشرط قوله في السطر الثالث: (شرع التيمم)، شوف (إذا دخل وقت فريضة أو أبيحت نافلة) إلى أن قال: (شرع التيمم)، طيب نبدأ بالجمل.
قال: (إذا دخل وقت فريضة) ودخول وقت الفريضة معروف، فدخول وقت الفجر إذا طلع الفجر، وقت الظهر إذا زالت الشمس، وقت العصر إذا كان ظل كل شيء مثله بعد فيء الزوال، وقت المغرب إذا غربت الشمس، ووقت العشاء إذا غاب الشفق، هذا شرط؛ يعني: يشترط للتيمم دخول الوقت، وهذا مبني على القول بأنه مبيح لا رافع.
فأما إذا قلنا بأنه رافع لم يشترط، كما لو توضأ قبل دخول الوقت أجزأ، فإذا تيمم قبل دخول الوقت أجزأ، لكن المذهب يرون أنه مبيح، فيقتصر فيه على الضرورة، وذلك بأن يكون في وقت الصلاة.
(أو أبيحت نافلة) يعني: صار فعلها مباحًا، وذلك بألَّا يكون في وقت نهي، فإن كان في وقت نهي فلا تيمم لصلاة نافلة لا تجوز في هذا الوقت.

جارٍ التحميل