الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 362-401

الشيخ: إي، هذا نقص، ما أقول إن شاء الله: نقص إيمان، لعله يحاول أن يقنع من هو ضعيف الإيمان، لكنه يعتبر نقص شخصية، أو فقد شخصية، يعني أنا أرى يجب على المسلم أن يعتز بإسلامه، وأن يقول: هذا ما يقتضيه الإسلام، علة؟ ما علة، العلة قول الله ورسوله.
ثم بعد ذلك إذا ظهر علة محسوسة علشان إقناع ضعيف الإيمان؛ لأن ضعيف الإيمان يحتاج إلى شيء يسنده، قوي الإيمان يقول: سمعنا وأطعنا، ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: 51]، الله يجعلنا وإياكم منهم، لكن ضعيف الإيمان يحتاج إلى شيء يسنده حتى يطمئن أكثر.
فنحن نقول: هذا ما يقتضيه الإسلام، وَثِقْ بأنك إذا قلت بعزم: هذا ما يقتضيه الإسلام، ثق إن الفِطَر كلها ستوافقك ويقتنعون، ثم بعد ذلك تقول: وقد شهد الطب مثلًا لهذه الحكمة، إي نعم.
طالب: شيخ، ما تقولون: إن الوضوء (... ) وصف تغليبي.

الشيخ: نعم، كالطرد يعني؟ الطالب: وصف تغليبي، يعني الغالب أن يؤخذ هذا (... ) لا بقية أعضائه، هذا الغالب.
الشيخ: ربما يقال هذا أيضًا، وإن القيد الغالبي، لكن بس مثل هذه العلماء يقولون: الشيء اللي ما فيه معنى مشتَق يقولون: هذا وصف طردي في الغالب، مثل لحم أسود، أبيض، وما أشبه ذلك، يرونه وصفًا طرديًّا، لكن على كل حال نحن نقبلها منك؛ لأنك ترجِّح ما ذكرناه.

طالب: شيخ، لعاب الكلب ما هو بأغلظ نجاسة من بقيته؟ الشيخ: لا.
الطالب: أين سقط في الإناء من لعاب، هل نغسله سبعًا مثلًا بالتراب؟ الشيخ: إذا سقط في الإناء ينبني على الخلاف في شعره؛ لأن الشعر في حكم المنفَصِل، فإن قلنا: إن الشعر طاهر فلا خلاف، وإذا قلنا: إنه ليس بطاهر فالأمر واضح.

ثم إن لعاب الكلب في الحقيقة حسب ما قرره بعض الناس، يقول: إن في لعابه جراثيم ما توجد في بوله ورَوْثه، مع أن الصحيح أن نجاسته كلها لا بد فيها من السبع، وأن الرسول إذا كان أَمَرَنَا بأن نغسل ما وَلَغَ فيه مع كثرة هذا، ومشقة التحرز منه غالبًا، فغيره من باب أولى.
طالب: ما يقال يا شيخ في ترجيح نقض الوضوء من حديث ابن عمر: «تَوَضَّؤُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ وَلَا تَوَضَّؤُوا مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ، وَصَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ وَلَا تُصَلُّوا فِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ»، يقال: إن عمل المسلمين -كما قال شيخ الإسلام- عمل المسلمين في الصلاة يوجب عملهم بهذا الحديث في الوضوء؛ لأنه أجمع المسلمون على عدم الصلاة في معاطن الإبل؟ الشيخ: لا، هذا يدل على النقض بها في الجملة، ولا شك في هذا.
طالب: وضوؤه من ألبان الإبل مُسْتَحَبٌّ أو واجب؟ الشيخ: الوضوء من ألبان الإبل الصحيح أنه مُسْتَحَبٌّ، وإحنا ما تعرضنا له، وينبغي أن نتعرض، الصحيح أن الوضوء من ألبان الإبل ليس بواجب.
أولًا: أن الأحاديث الكثيرة الصحيحة في الوضوء من لحومها، والوضوء من ألبانها إسناده حسن، وبعضهم ضعَّفَه، ثم إن حديث أبي هريرة في قصة العُرَنِيِّين الذين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يلحقوا بإبل الصدقة، ويشربوا من أبوالها وألبانها، ما أمرهم بأن يتوَضَّؤُوا من الألبان، مع أن الحاجة داعية إلى ذلك، فدَلَّ هذا على أن الوضوء منها ليس بواجب، فهو مستحب.
بقينا في شيء آخر بعد، الحديث يجر بعضه بعضًا، وترى هذا جوابًا للسؤال، لأجل ما تحاسبونا عليه، الوضوء من مَرَق الإبل ينقض الوضوء ولَّا لا؟ طلبة: لا ينقض.
الشيخ: المذهب يقولون: لا ينقض الوضوء؛ لأن المذهب أكل اللحم، وعلى هذا فلو شرب الإنسان مَرَق لحم قد ظهر فيه طعم اللحم فإنه لا يجب عليه الوضوء.

وفيه وجه آخر لأصحابنا الحنابلة أنه يجب الوضوء من مرق اللحم، قال: لأن الطعم -طعم اللحم- كان في المرَق، كما لو طَبَخْنَا لحم خنزير فإن مَرَقه حرام، فكذلك مَرَق اللحم، وهذا تعليل قوي في الحقيقة.
أما إذا كان اللحم في الطعام لكن ما ظهر أثره ولا تَبَيَّن فهذا ما يضر، لكن الكلام على مرق اللحم الخاص، في بعض الناس يطبخون اللحم وحده، ويكون مرقُه خاصًّا، فالأحوط أن يتوضأ.
طالب: الصلاة خلف مَن أكل لحم الإبل ولم يتوضأ؟

الشيخ: ويش تقولون في هذا؟ يقول: هل يجوز أن أصلي خلف من أكل لحم إبل ولم يتوضأ وأنا أرى وجوب الوضوء؟ طلبة: ما يجوز.
طالب: إذا رأى الوجوب لا يُصَلِّي.
الشيخ: إي، أنا أرى الوجوب، لكن إمامي ما يرى الوجوب.
طالب: ما دام الدليل صريحًا لا تصلي، بالنسبة لمسألة اجتهاد إي نعم، فلا إنكار في مواضع الاجتهاد.
الشيخ: هذا هو الظاهر، لكن ولو، العلماء يقولون: يجوز، يجوز أن تصلي خلف من يخالفك في الفروع، إلا إذا كانت مخالفته تقتضي الإخلال بصلاتك، كما لو كان لا يرى الطمأنينة (... ) في الصلاة خَلَّاك ما تطمئن لا في ركوع ولا في سجود، هذا معلوم، ما يجوز تقتدي به؛ لأن هذا يخل بصلاتك، أما شيء ما يؤثر على الصلاة سابق فهذا لا بأس به، تصلي خلفه، مثل ما لو أن أحدًا يرى نقض الوضوء بمس المرأة ولو بدون شهوة، وآخر لا يرى نقض الوضوء بمس المرأة، يصلي الأول خلف الثاني؟ طالب: نعم.
الشيخ: نفس الشيء، هي هذه، لكن لا شك أنه كلما قَوِيَ الدليل ضعف جواز الاقتداء به، لكن ما رأيكم لو أن رجلين سمعَا صوت ريح من أحدهما، ما في المكان غيرهما، وسمعَا صوت ريح، ولكن ما يُدرَى أيهما؟ طالب: متوضئين.
الشيخ: لا ما هما متوضئين.
الطالب: فرضية.
الشيخ: لا ما هي فرضية، هذه واقعية، يكون إمامًا له؟ طلبة: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز.
طالب: أحدهما قطعًا.

الشيخ: ليش؟ لأن أحدهما قطعًا صلاته باطلة، فإن كان هو الإمام فقد اقتديت بإنسان صلاته غير صحيحة، وإن كان المأموم فقد نوى الإمامة بمأموم لا تصحُّ صلاته، عرفتم؟ ولهذه المسألة دي استثناها العلماء؛ لأن هذه ما تعود إلى اجتهاد.
لو اختلفنا في القبلة، نحن في البر الآن ولا معنا مثلًا بوصلة دليل القبلة، أنا رَدِّيت قلت: القبلة هنا على اليمين، وأنت قلت: على الشمال، نصلي جماعة؟ طالب: لا ما يجوز، كل واحد يصلي باجتهاده (... ). الشيخ: عرفتم ليه؟ هذه بعض العلماء يقول: لا تصلح الإمامة، ما هو لأجل أني أعتقد، أنا أعتقد أن صلاتك صحيحة، أعتقد لو توافقه فصلاتك باطلة، أعتقد الآن أن صلاتك صحيحة فهمت، لكن يقولون لهذه: ما تصح للتضاد، ويش لون (... ) مني، وين الائتلاف، بخلاف الاستدارة حول الكعبة، فالاستدارة حول الكعبة صحيح أن وجوهنا ما هي بواحدة، لكن كل واحد وجهه للثاني.
طالب: شيخ، قلنا: إن الوضوء من ألبان الإبل مستحب، وقلنا: إن الحديث حسن وفيه ضعف، فإذا اعتقدنا قبوله وأنه حسن لا بد نلحقه بلحوم الإبل؛ لأن الدلالة واحدة والقبول واحد، أما الحكم بأنه ضعيف فنقول بأنه لا يجوز.

الشيخ: نقول: إن الذي منع الوجوب هي قصة العُرَنِيِّين، ولَّا كان نقول: يجب الوضوء، فهذه القصة لو كان هذا شيء واجب كان الرسول يُنَبِّهُهم عليه.
الطالب: السكوت يدل على أن الأصل على.. الشيخ: أبدًا، دولا ناس وفود توُّهُم جيين.
الطالب: (... ). الشيخ: ما هو على كل حال، ثم الحديث ما هو بمخرج واحد، لو قُرِنَ مع الإبل كان نعم، ما لنا حق نقول: هذا يجب وهذا يُسْتَحَب، لكن الحديث مستقل: «تَوَضَّؤُوا مِنْ أَلْبَانِ الْإِبِلِ».
طالب: لحم البعير إذا طُبِخ (... ) مثلًا.

الشيخ: إي نعم، ينقض الوضوء.

الطالب: (... ) بالطعام.
الشيخ: يسمونه الخَلع يعني.
الطالب: لا، الدهن (... ) ثم وضعناه في الطعام، هل ينقض؟

الشيخ: هذا ينبني على القول بنقض المرَق، هل ينقض أم لا؟ وفيه وجه في المذهب؛ المذهب أنه لا ينقض، والوجه الثاني أنه ينقض، لكن بشرط أن يظهر طعم اللحم، أما إذا لم يظهر وتلاشى في الطعام فهذا لا ينقض قولًا واحدًا طالب: والشحم لو ظهر طعمه، طبعًا يظهر طعمه.
الشيخ: هو عاد حسب الكثرة، إذا وُضِع فيه الكثير ظهر طعمه، ولكن الطعم لا يضر؛ لأنه من جنس اللبن، ومن جنس المرَق، ما يجب فيه الوضوء.
طالب: ما يقال: فيها تحايل مثل ما فعل بنو إسرائيل؟ الشيخ: لا، ما فيه تحايل؛ لأن هذا أصلًا ما فيه وضوء، الوضوء من اللحم فقط.


قال: (ومن تيقَّن الطَّهارة وشَكَّ في الحدث أو بالعكسِ بَنَى على اليقينِ)، (مَن) هذه شرطية، وفعل الشرط (تَيَقَّن)، وجواب الشرط (بنى على اليقين).
(تيقَّن الطَّهارة) يعني تيقَّن أنه طاهر، وشك في الحدث، فإنه يبني على اليقين، ونحن الآن في نواقض الوضوء، ولكن العبارة عامة، سواء شك في موجِب الغسل، أو في موجِب الوضوء، فإنه يبني على اليقين.
مثال ذلك: رجل توضَّأ لصلاة المغرب، فلما أذَّن العشاء وقام ليُصلِّي شكَّ هل انتقض وضوؤه أم لا؟ فما هو الأصل؟ عدم النَّقض، يبني على اليقين؛ وهو أنه متوضِّئ، ويصلي.
ثانيًا: استيقظ رجل من النوم فوجد عليه بللًا، وشك هل هو موجِب للغسل، يعني هل هو مَنِيٌّ أو لا؟ يجب عليه الوضوء ولَّا لا؟ طلبة: يجب.
الشيخ: ما يجب.
طلبة: الأصل الوضوء.
الشيخ: نفس الشيء، الوضوء ولَّا الغسل؟ طلبة: الوضوء.
الشيخ: الوضوء يجب من النوم ما فيه شك، إنما هل يجب عليه الغسل أو لا يجب؟ طالب: ما يجب عليه.
الشيخ: لا يجب للشك، هو ما رأى احتلامًا ولا شيئًا.
رأى عليه أثر مَنِيِّ، وشكَّ هل هو من الليلة القريبة أو من الليلة البعيدة، يكون؟ طلبة: من القريبة.
الشيخ: من القريبة، اليقين القريبة، وما قبلها مشكوك فيه، إذن يقضي الصلوات من الليلة القريبة لا مما سبق؛ لأن الأصل عدم وجوده.

فهذه القاعدة قاعدة مهمة، ولها فروع كثيرة جدًّا، ومبناها على حديث أبي هريرة وعبد الله بن زيد في الرَّجُل يجد الشيءَ في بطنه، ويُشْكِلُ عليه هل خرج منه شيء أم لا؟ قال النبيُّ صلى الله عليه وسلّم: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا».
وفي حديث أبي هريرة: «لَا يَخْرُجْ»، يعني: من المسجد، «حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا»، مع أن القرينة -قرينة الحَدَثِ- موجودةٌ، ما هي؟ ما في بَطنِهِ من القرقرة والانتفاخ مثلًا موجودة، ومع ذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا».
وهذا الحديث على أنه ورد في مسألة جزئية من الدين ينبني عليه أشياء كثيرة؛ في الطلاق، وفي العقود، وفي أشياء كثيرة، يعني يتفرع عليه فروع كثيرة جدًّا، وهذا من بركة كلام النبي صلى الله عليه وسلم وحُكْمِه، أنه تنحل به إشكالات كثيرة.
وهذا في الحقيقة مِن يُسْر الإسلام، ومن كون الإسلام يريد من أمة الإسلام ألَّا يكونوا في قلق وحيرة، وأن تكون أمورهم واضحة جلية؛ لأن الإنسان لو استسلم لمثل هذه الشكوك لتنغَّصت عليه حياته؛ إذ إن الشيطان لن يُفْلِتَه حتى يقتصر الأمر على مسألة الطهارة، سوف يأتيه في الصلاة، سوف يأتيه في الصوم، سوف يأتيه في كل أحواله، في كل تصرفاته، حتى فيما بينه وبين زوجته.
فالشارع والحمد لله قطع هذه الوساوس، اترك، ما دُمْت لم تتيقن فهذه الوساوس يجب أن تدفنها وتقبُرها، ولا تجعل لها أثرًا على نفسك، ومعلوم أن الإنسان إذا اتخذ هذه القاعدة استراح من إشكالات كثيرة، واطمأنت نفسه، وزالت عنه الظلمة التي تحصل له بالوساوس والشكوك، عرفتم؟

فإذن هذا الحديث مع ما فيه من المنهج البَيِّن في الأحكام، فيه أيضًا استنارة للقلب، واطمئنان للقلب، وعدم قلق؛ لأن الشرع ما يريد منا أن نقلق، ولا يريد منا أن نحزن، حتى إذا وردت علينا هذه الأمور؛ الحزن والهم والغم، أعطانا لها أدوية، كحديث ابن مسعود في دعاء الهم والغم، وغيره، لأجل أن تبقى نفوسنا منشرحة دائمًا ومسرورة، حتى قال: «عَجَبًا لِلْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، إِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ».
هذا المؤمن اللي يرضى بما يقضي به الله عليه من الأقدار تجده دائمًا في سرور، يتمشى مع القدر، يعني هو مُنَفِّذٌ للشرع لكن مُتَمَشٍّ مع القدر، تجده مستريحًا مطمئنًّا راضيًا، لكن الإنسان اللي يدخَّل على نفسه الهموم والغموم هذا يتعب، ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن أمرنا بالحرص على ما ينفع، والاستعانة بالله عز وجل، قال: «وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا لَكَانَ كَذَا فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ».
فيجب أن نغلق الباب نهائيًّا حتى نبقى في راحة، وفي انشراح، وفي سرور، فهذه -والحمد لله- من نعمة الله علينا، أننا ما دمنا على يقين من شيء فالأصل بقاء ذلك الشيء، وأن الشكوك الواردة عليه حتى وإن ترجَّحت بقرائن فإنه أيش؟ لا عبرة بها، ولا نلتفت لها.
إذن من تيقن الطهارة وشك في الحدث فهو؟ طالب: طاهر.
الشيخ: طاهر، (أو بالعكس)، يعني: أو كانت حاله بالعكس؛ بأن تَيَقَّنَ الحدثَ وشكَّ في الطَّهارة، فالأصل الحدث، اليقين الحدث، يعني معناه: يجب عليه أن يتطهر، اليقين الحدث، وهذا أيضًا فيه مصلحة؛ لأنه مثلًا إذا كنت مُحْدِثًا، ثم حضرت الصلاة قلت: والله ما أدري هو أنا توضأت ولَّا ما توضأت.

هذا الترديد في الفكر يؤثِّر على النفس، لكن على طول إذا قلت: خلاص ما توضأت، لازم أتوضأ، انقطع هذا الترديد، وهذه البلبلة الفكرية، وصارت المسألة أمامك واضحة، على طول روح توضأ، لا تقول: أخاف إني متوضِّئ، ثم تدخل في صلاتك وأنت متردد، ثم ينفتح عليك باب الوسواس، وهذا شيء خطير عليك.
إذن على طول إذا شكيت أنا مُحْدِث وشكيت هل توضأت، ماذا أصنع؟ أتوضأ وأطرد هذا الوارد، وهذا الشك أطرده نهائيًّا، بأن أقوم وأتوضأ.
(بَنَى على اليقينِ) المسألة الأولى استدللنا لها بالحديث، هذه المسألة نستدل بالحديث عليها من باب قياس العكس.
وقياس العكس ثابت في الشريعة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ»، قالوا: يا رسول الله: أيأتي أحدُنا شهوَتَه ويكون فيها أجْرٌ؟ قال: «نَعَمْ، أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ »، قالوا: نعم، قال: «كَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ»، نقول: الآن ما دام الشارع حكم بأننا إذا شككنا في الحدَث ونحن على طهارة بقينا على طهارة، نقول: عكسه أيضًا مثله، إذا شككنا في الطهارة ونحن على حَدَث فنحن أيش؟ طلبة: على حدَث.
الشيخ: على حدَث، يجب علينا أن نتطهر، ومثله لو أن الإنسان صار عليه جنابة وشك هل اغتسل أم لا؟ طلبة: يغتسل.
الشيخ: يغتسل ولا يتردد، لا يقعد يتفطن يقول: ها بشوف بتفطن، يحكي حياته وفكره منذ استيقظ من النوم إلى صلاة الظهر، ويش سويت وين رحت؟ علشان يشوف هو اغتسل، ما حاجة لهذا، على طول اذهب واغتسل، وكما يقول العامة: اقطع الشك باليقين، فهذا مثله.
رجل اغتسل وشَكَّ في النية، يقول ما قضى قال: والله ما أدري هو أنا نويت الغسل من الجنابة، ولَّا نويت التَّبَرُّد وتراني في الشتاء؟ ويش نقول له؟ نقول: معقول تنوي التبرد بالشتاء؟ هذا ما هو معقول، فيه ناس يعني يلحقهم الوسواس إلى هذا.

ذُكِرَ أن رجلًا جاء لابن عقيل رحمه الله -وهو من علماء الحنابلة- فقال له: يا سيدي، أنا تصيبني جنابة، فأذهب إلى دجلة في العراق، وأنغمس في النهر، وأخرج وأنا ما ارتفع حدثي.
فقال له ابن عقيل -رحمه الله-: ليس عليك صلاة، ما عليك صلاة أنت، قال: لأن رجلًا يروح يغتسل في دجلة ثم يخرج وهو يقول: ما ارتفع حدثي؟ هذا مجنون، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَالصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَالْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ».
فمن الناس من يكون هذه حاله، اللهم لك الحمد، الله يعافيهم ولا يبلانا، لكن الحمد لله الشارع قطع عنا هذا الشيء، ابنِ على اليقين عندك ولا تلتفت، حتى لو قال لك الشيطان: ما نويت، أو ما أشبه ذلك، لا يهمك.
وهذا كما يدخل في الوضوء يدخل أيضًا في الغسل، ويدخل في الصلاة بعد، أحيانًا يجيء الإنسان ما يُكَبِّر، والعجيب -نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من الشيطان- بعض الناس يشكو، يقول: أنا في صلاة الفريضة ما أستطيع أُكَبِّر، أعجز أُكَبِّر، وفي صلاة النافلة ما يهمني، أُكَبِّر عادي، شوف -نسأل الله العافية- ليش؟ لأن الإخلال بصلاة الفريضة أعظم من الإخلال بصلاة النافلة، والشيطان يريد أن يفسد عليه دينه، الظاهر -والله أعلم- إنه يعلم أن الله يحب الفرائض أكثر مما يحب النوافل، فيريد أن يفسدها على الخلق، ولَّا يقول: أَتَسَنَّن طبيعي ما فيه شيء أبدًا، لكن في الفريضة أعجز أُكَبِّر، بَكَبِّر وأعجز -نسأل الله العافية- لأن الشيطان يلعب به، فدواء هذه الوساوس أن تبني على اليقين.
(وإِن تَيَقّنَهُمَا، وَجَهلَ السابقَ منهما فهو بضد حاله قبلهما)، انتبهوا لهذه، هذه تبغي معركة فكرية.
طلبة: عندنا (... ). الشيخ: ما يخالف، ما هو بقرآن.

(فإِن تَيَقَّنَهُمَا وجهل السَّابق منهما فهو بضد حاله قبلهما)، يعني: تيقَّن أنه مرَّ عليه طهارةٌ وحَدَثٌ، تَيَقَّنَهُمَا جميعًا، لكن ما يدري أيها الأول، نقول له: ما حالُكَ قَبْلَ هذا الوقت الذي تبيَّن لك أنَّكَ أحدثت فيه وتَطَهَّرْتَ، ما حالك قبل هذا الوقت؟ قال: حالي قبل هذا الوقت مُحْدِث، نقول: الآن أنت متطهِّر، ما حالك قبل؟ قال: حالي أنا متطهِّر، نقول: أنت الآن مُحْدِث، فهمتم؟ مثال ذلك: رجل متيقِّنٌ أنَّه على وُضُوء من صلاة الفجر إلى طلوع الشَّمس، طلعت الشمس ومضى ساعة من النهار أو ساعتان، وجاي بيصلِّي صلاة الضُّحَى، قال: والله ما أدري، أنا متيقِّن إني من طلوع الشَّمس إلى الآن حصل علي حَدَث ووضوء، ولا أدري، ويش نقول؟ مُحْدِث؟ طلبة: لا، طاهر.
الشيخ: هو قبل طلوع الشمس وهو على طهارة، مُحْدِث الآن، كذا؟ فإن قال: أنا متيقِّن إني بعد أن صلَّيت الفجر نَقَضْتُ الوضوء، ومتيقِّن أني بعد أن طلعت الشمس حَصَل مِنِّي حَدَثٌ ووضوء، فهو طاهر؟ طلبة: نعم.
الشيخ: فهو طاهر، هذا الحكم الآن، واضح الحكم ولَّا غير واضح؟ طلبة: نعم واضح.
الشيخ: دعوني من التعليل أو التدليل، هذا شيء آخر، الحكم الآن واضح، إذا تيقَّنْتَ أنه مَرَّ عليك في ساعة ما طهارة وحدَث، ولكن ما تدري أيهما الأول، فأنت ارجع لحالك قبلهما، وأنت على الحال التي هي ضدها، يعني على ضد الحال التي كنت عليها قبل هذه الحال، فإن كنت مُحْدِثًا فأنت الآن متوضئ، وإن كنت متوضئًا فأنت الآن مُحْدِث، واضح؟ لماذا؟ يقولون: لأنه قد تيقَّن زوال تلك الحال إلى ضِدِّها، وشَكَّ في بقائه؛ وهو الأصل، الأصل بقاؤه، واضح ولَّا اللغة إنجليزية؟ طلبة: واضح.

الشيخ: الآن قلنا: إلى طلوع الشمس متيقِّن أنه متوضئ، ولَّا لا؟ بعد طلوع الشمس إلى الحال التي حصل فيها الشك تيقَّن أن الحال اللي هو عليها أولًا قد زالت وارتفعت إلى شيء ما، فنقول: الآن تيقنت زوال تلك الحال إلى ضدها، فإذا كنت متطهِّرًا فما ضدها؟ طالب: الحدَث.
الشيخ: الحدَث، شككتَ في زواله، والأصل؟ طلبة: بقاؤه.
الشيخ: بقاؤه، الأصل أنه لم يَزُل، هذا هو تعليلهم، طيب يجينا رجل رابع -واحد تيقَّن الطَّهارة وشكَّ في الحَدَث، وواحد تيقَّن الحَدَث وشكَّ في الطَّهارة، وثالث تيقَّنهما وجهل السابق، أما إن علم السابق فالأمر واضح- يجيء رابع يقول أنا تيقنتهما وجهلت السابق، ولا أدري عن حالي قبلهما أيضًا، يعني جهل حاله قبلهما، هذا قالوا: يتوضأ وجوبًا؛ لأنه ما عندنا حالة نُحِيل الحكم عليها، فيجب عليه أن يتوضأ.
وبذكر هذه الأحوال الأربع للإنسان في الطهارة يتبين لنا دقة ملاحظة أهل العلم، وأنه لا تكاد مسألة تطرأ على البال إلَّا وذكروا لها حُكْمًا، وهذا من حفظ الله تعالى للشريعة، لأنه لولا هؤلاء العلماء الأَجلَّاء الذين فَرَّعوا على كتاب الله، وعلى سُنَّةِ رسوله صلَّى الله عليه سلَّم ما فهمنا هذه الأحكام الكثيرة، فهذه أحوال الشك واليقين، كم؟ طلبة: أربعة.
الشيخ: أربعة؛ تيقَّن الطَّهارة وشكَّ بالحدَث، تيقَّن الحدَث وشكَّ بالطَّهارة، تيقنهما وجهل السَّابق وهو يعلم حاله قبلهما، تيقنهما وجهل السابق وهو لا يعلم حاله قبلهما، وقد بَيَّن المؤلِّف حكم ثلاث حالات، والحالة الرابعة ذكرها في الشرح.
ثم قال: (ويحرُم على الْمُحدِث) نعم.. طالب: جاء السؤال؟ الشيخ: جاء السؤال إن كانت ساعتي مضبوطة.
الطالب: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6] لو قال: إن الآية ذكرت حكم الجنب ألَّا (... ). الشيخ: تيقَّن الطهارة والحدَث وشك أيهما أسبق، فهو على ضد حاله قبلهما، (... ).

والتعليل لأنه قد تيقَّن زوال تلك الحال إلى ضدِّها وشَكَّ في بقاء ضدها، والأصل بقاؤه.
فيه رأي آخر يقول: يجب الوضوء مطلقًا، تعليله يقول: لأنه تيقَّن أنه حصل له حالان، وهذان الحالان متضادان، ولَّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: إذا كانا متضادين فإنهما يتساقطان؛ لأنه ما يدري أيهما الأسبق، لا يدري أيهما الوارد على الآخر، فيتساقطان، وهو قد تيقن زوال تلك الحال الأولى، وهو كان متطهِّرًا، فيجب عليه الوضوء احتياطًا، كما لو جهل، أما إذا جهل فهو قول واحد: إنه يجب عليه أن يتوضأ؛ لأجل أن يؤدي الصلاة بيقين، أما إذا علم فالمذهب كما علمتم يعلِّلون.
ولا شك عندي أن القول بوجوب الوضوء أحوط؛ لأن حقيقة الأمر إنه مثلًا إلى طلوع الشمس وهو متوضئ، هو متيقن أنه أحدث وتوضأ، ولا يدري أيهما أسبق، أليس كذلك؟ نقول: فيه احتمال أن الرجل توضأ تجديدًا، ولَّا ما فيه احتمال؟ فيه احتمال توضأ تجديدًا ثم أحدث، فصار يجب عليه الآن أن يتوضأ.
طالب: بالعكس هو اللي يدري.
الشيخ: الآن مثلًا هذا الرجل قال: أنا إلى طلوع الشمس وأنا متوضئ، ما عندي إشكال في هذا، وبعد طلوع الشمس إلى الظهر حصل عندي وضوء وحدَث، ولا أدري أيهما الأول؟ إن كان الحدث هو الأول فهو الآن متوضئ، وإن كان الوضوء هو الأول، فهو الآن مُحْدِث، وهو لا يدري الآن.
نقول: فيه احتمال أن يكون وضوؤك الأول اللي أنت متيقن ما هو عن حدَث حتى نقول: إنك تبقى متوضئًا، قد يكون عن تجديد، وتكون الآن أنت مُحْدِثًا، فإذا كان هذا الاحتمال واردًا فإنه لا يخرج الإنسان من اليقين إلا بالوضوء، هذا الوضوء إذا توضأ؛ إن كان هو الواجب عليه فقد قام به، وإن لم يكن الواجب عليه فهو سنة، حتى الفقهاء -رحمهم الله- قالوا: إنه إذا قوي الشك فإنه يُسَنُّ الوضوء لأجل أن يؤدي الطهارة بيقين.
طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، الفقهاء يوافقون في هذه المسألة بضد حاله؛ إذا كان متطهرًا جعلناه الآن مُحْدِثًا، وبالعكس..

الشيخ: وكذلك بالعكس، لو كان قبل طلوع الشمس مُحْدِثًا، وتيقن الأمرين، نقول: الآن أنت متطهِّر، فيه نظر هذا؛ لأننا نقول: ربما أن الرجل هذا أحدث ثم توضأ، فهو الآن على وضوئه، وربما أن الرجل جدَّد وضوءه ثم.. طالب: أحدَث بعد حدَث.
الشيخ: جدد وضوءه الأول اللي صلى به الفجر.
الطالب: إذا كان مُحْدِثًا.
الشيخ: بارك الله فيكم، نعم إذا كان مُحْدِثًا إلى طلوع الشمس، ومن طلوع الشمس إلى الظهر تيقَّنَ أنه حصل له وضوء وحدَث، ولا يدري أيهما الأول، فهو الآن على المذهب متطهِّر، نقول: فيه احتمال أن الرجل تطهَّر أولًا ثم أحدَث، وهذا هو الأقرب؛ لأنه كان بالأول غير طاهر مُحْدِثًا، وكان الظاهر أنه توضأ ثم أحدَث، فلهذا القول بالوجوب قول قوي؛ أنه إذا تيقنهما وجهل السابق وجب عليه الوضوء مطلقًا، سواء جهل حاله قبلهما أم لا.
طالب: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ لو قال: إن الآية ذكرت حكم الجنب الذي يرفع جنابته بالطهارة، ويبقى مطالَبًا بالوضوء بأول الآية؟ الشيخ: هذا كده أحدَث حدثًا أصغر، أما في الجنابة ما ذكر إلا الطهارة، ومعلوم أن للطهارة الشامل للبدن كله يدخل فيها أعضاء الوضوء.
طالب: (... ) مع الوضوء ثم ذكر (... ) حاله إذا كان جنبًا، ثم يرجع للحال الأولى.. الشيخ: لا، ما يرجع؛ لأن هذه جملة شرطية مستقلة، هي لو جاءت بالفاء، مثل قوله في المواريث: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: 11] لقلنا: هذه مُفَرَّعة على ما سبق، لكن جاءت بالواو.
طالب: بالنسبة لألبان الإبل ذكرت أن الوضوء منها مستحب، بالنسبة لحديث جابر: هل نتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم، الرسول صلى الله عليه وسلم، فقلنا: إن اللحوم يدخل فيها جميع أجزاء البعير، سواء اللحم أو غيره، ويدخل في هذا اللبن.
الشيخ: ما قلنا: يدخل في هذا اللبن.
طالب: ما هو يعتبر من الأجزاء.
الشيخ: لا، بس هو منفصل يا أخي.

الطالب: إذا قلت: إنه منفصل، يرده حديث العُرَنِيِّين لعمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: قلنا: ظاهر حديث العُرَنِيِّين عدم الوجوب.
طالب: حديث جابر أليس (... ) حديث العرنيين محتمِل أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبرهم، أو أنهم يعلمون.
الشيخ: حديث جابر في اللحم، بس اللبن ما يُسَمَّى لحمًا.
الطالب: لكن قلنا: إنه يشمل جميع البعير.
الشيخ: إي، بس اللبن منفصل، ما هو من أجزائه.
الطالب: ألسنا قلنا: إنه كالخنزير فيما قبل، أنه قال: حرم عليكم لحم الخنزير.
الشيخ: بلى.
الطالب: فيكون كل الخنزير.
الشيخ: إحنا ما قصدنا أن نقول: إن القياس مماثل، إن القياس أن اللحم يشمل الجميع، هذا قصدنا، ما هو قصدنا معناه بنقيس، ولَّا كان نقول: المرقة أيضًا، المرقة يجب فيه الوضوء كما قلنا في مرق الخنزير مثلًا، وكان نقول أيضًا: بولها نجس كبول الخنزير، وروثها نجس كروث الخنزير.
الطالب: يا شيخ الحديث الآخر الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: «تَوَضَّؤُوا مِنْ أَلْبَانِ الْإِبِلِ»، هذا ليس يدل على الوجوب؟ الشيخ: هذا صحيح ظاهره الوجوب، ولهذا فيه رواية عن الإمام أحمد بوجوب الوضوء من ألبان الإبل، لكن نحن نقول: إن هذه كلمة (ألبان) لا شك أنها ما هي من اللحوم، ليست من اللحوم قطعًا، ولا أحد يقوله، لا لغة ولا عرفًا، وإذا لم تكن من اللحوم، وحديث العرنيين مع أن المقام يقتضي أن يُبَيِّن لهم لو كان واجبًا، ما بَيَّنَ لهم، فيدل هذا على أن المراد بالأمر الاستحباب.
طالب: أليس عدم النقل ليس نقلًا للعدم؟ أقول: جاءنا دليل صريح: «تَوَضَّؤُوا مِنْ أَلْبَانِ الْإِبِلِ»، فلا حاجة لنا إلى أن نتوقع أو.. الشيخ: صح، لكن ما تدعو الحاجة إليه ولم يُذْكَر يدل على أنه غير واجب ولا نعم نقول: عدم النقل ليس نقلًا للعدم، لو قال: ولم نأمرهم، صار واضحًا، لكن نقول: ما دام الحاجة مقتضية لذكره ولم يُذْكَر، كان ذلك دليلًا على أنه ليس بواجب.

الطالب: (... ) ذكرتم أنتم.
الشيخ: نعم، هو الحديث ضعيف، لكن شيخ الإسلام رحمه الله يرى أنه حسن، ويستدل به.
طالب: شيخ، الوضوء من ألبان الخنازير، ما هو الدليل عليها؟ الشيخ: حرام ألبان الخنازير يا شيخ.
الطالب: ما من دليل؟ الشيخ: دليله الإجماع.
طالب: الشاك في الطهارة والحدَث، متى يرجِّح؟ الشيخ: ما فيه إلا اليقين.
الطالب: ما فيه ترجيح بينهما؟ الشيخ: أبدًا، حتى لو غلب على ظنه الحدَث فهو لا يلتفت إليه.

طالب: إذا أصاب فرج رجل مرضٌ، فهنا النجاسة المني يخرج باستمرار، فيعني يمكن أن يتوضأ هذا الشخص وينزل المني، فالاحتمال ينزل هذا المني في الصلاة، فماذا يفعل؟ الشيخ: هذا حكمه حكم سلس البول إذا كان مستمرًّا معه، هذا ما يوجِب الغسل؛ لأن المني الموجِب للغسل -كما سيأتينا إن شاء الله- هو المني الذي يخرج بدفق ولذَّة.
طالب: يعني الصلاة لا يعيدها؟ الشيخ: لا، ما يعيدها، لو صار سلس بول يتوضأ ويتحفظ ويصلي.
طالب: شيخ، حديث الرسول صلى الله عليه وسلم شرب اللبن وتمضمض فقال: «إِنَّ لَهُ دَسَمًا»، هذا ما يدل على عدم وجوب التوضأ من اللبن.. الشيخ: إي، بس أي لبن؟ الطالب: عام، عادة من لبن الإبل.
الشيخ: الغنم والشاة كثيرة في المدينة.
طالب: بس كان جيران الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا عندهم إبل، السيدة عائشة قالت: ماذا كنتم تعيشون؟ الشيخ: ما نستطيع نعيِّن إنه إبل، المهم على كل حال أنا الذي أستند إليه حديث العرنيين أنهم ما أُمِرُوا بذلك.
طالب: إذا استيقظ شخص من منامه، ووجد بللًا في ثوبه، ولا يذكر أي حلم، ولا يذكر أي شيء أبدًا، هل عليه الغسل؟ الشيخ: ما عليه غسل، إلا إذا تيقن أنه مَنِيّ، أما إذا كان فيه احتلام ووجد الماء فيُحَال على أنه مَنِي؛ لأن الرسول لما سُئِل: هل على المرأة من غسل إذا هي احتَلَمَتْ؟ قال: «نَعَمْ، إِذَا هِيَ رَأَتِ الْمَاءَ».

طالب: يعني إذا نام مثلًا النائم ثم استيقظ ورأى بللًا، ولم يذكر احتلامًا، فكيف نقول؟ يعني ما يكون عليه غسل؛ لأنه من أين سيأتي هذا البلل؟ الشيخ: هل تيقنت أنه مَنِيّ؟ الطالب: ما تيقن، لكن رأى ما قد يراه الإنسان إذا احتلم وهو نائم.
الشيخ: ما يخالف، فرق بين الْمَنِيّ وغيره، أنت الآن ما تيقنت، ربما الإنسان في (... ) المنام يكون حصران مثلًا، ويرى في المنام أنه يبول وربما يبول.
طالب: أو يكون مذي.
الشيخ: لا، ما فيه شك، أو يكون مذي، أو بعد إن كان في أيام الصيف عرق، ما دام إنه ما عندنا يقين ما نوجِبه.

طالب: أبوال الإبل إذا واحد شربها بقصد الدواء ينقض وضوءه؟ الشيخ: ما ينقض الوضوء، مثل اللبن، ما ينقض الوضوء.
طالب: شيخ، قلنا: المشهور من المذهب أن باقي أجزاء لحم الإبل لا ينقض الوضوء، ومن بين ما استدلوا به أنهم قالوا: لا يصح قياس غير الْهَبْر على الْهَبْر؛ لأنه من شروط القياس وجود العلة نفسها (... ) العلة؛ لأنه أمر تعبدي، وكان إحنا ما قبلنا هذا الجواب منهم، لماذا ما قبلناه؟ الشيخ: أولًا لأن اللحم يشمل هذا، إطلاق اللحم يشمله ويدخل فيه، يعني نحن نمنع أن اللحم خاص بالْهَبْر، ففرق بين أن نقول: هذا دخل بالقياس أو دخل في العموم، نحن نقول: لحم يشمل كل الأجزاء، إي نعم، هذا الجواب، وأيضًا العلة حتى ولو قلنا: إنه تعبدي، فالعلة واحدة في الحقيقة؛ لأن الغذاء واحد، واللبن واحد، وكل شيء.
طالب: يعني قولهم: إنه أمر تعبدي، مردود عليهم.
الشيخ: لا، حتى لو قلنا: تعبدي، ما امتنع القياس في هذه الحالة؛ لأن إحنا ما نريد الإلحاق لعلة، الإلحاق لأنه يتغذى بطعام واحد، وبدم واحد، ولأنه لا يوجد في الشريعة الإسلامية حيوان يتبعض أحكامه.
طالب: (... ).

الشيخ: «.. صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ»، وهذا مُحْدِث ولم يتوضأ، هذا نص في الموضوع، أما الحديث: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» فنعم، نقيسه عليه بقياس العكس، وأما التعليل فظاهر.


(ويَحْرُمُ على المحدِثِ مسُّ المُصْحَفِ، والصلاة والطواف).
(يحرُم على المحدِث) أي: حدثًا أصغر، والدليل على أن هذا هو المراد مع أن (أل) في (المحدِث) اسم موصول يشمل الجميع، لكن الذي يدل على أنه يريد الحدث الأصغر أنه ذكره في نواقض الوضوء، فيتعين أن يكون المراد بالمحدِث حدَثًا أصغر، وقد سبق لنا تعريف الحدَث في كتاب الطهارة، وهو أنه وصف قائم بالبَدَن يمنع مِن فِعْلِ الصلاة ونحوها مما تُشترَط له الطَّهارة، فهو وصف.
فالمحدِث وهو الذي أتى بناقض من نواقض الوضوء حتى يلحقه ذلك الوصف يحرم عليه ثلاثة أشياء: أولًا: مس المصحف، المصحف: هو ما كُتِبَ فيه القرآن، سواء كان القرآن كاملًا، أو غير كامل، حتى ولو كانت آية واحدة، إذا لم يكن معها غيرها، فلو أن أحدًا كتب آية في ورقة فحكمها حكم المصحف.
أما اللَّوح فحكمه حكم المصحف أيضًا، إلَّا أن الفقهاء استثنوا بعض الحالات.
يحرُم عليه مس المصحف، الدليل؛ أولًا: من كتاب الله، وثانيًا: من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثالثًا: من النظر الصحيح.
أما كتاب الله عز وجل فقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة: 75 - 80].

قال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ﴾، ويش يعني به؟ هذا القرآن اللي بأيدينا، ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ﴾ أي: القرآن؛ لأن الآيات سِيقت للتحدث عن هذا القرآن، بدليل أنه قال: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، والْمُنَزَّل هو هذا القرآن، فعلى هذا يكون في الآية دليل على أنه لا يجوز للإنسان أن يمس المصحف إلا إذا كان مطَهَّرًا، والْمُطَهَّر هو الذي أتى بالوضوء والغسل من الجنابة، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: 6]، فجَعَلَنَا سبحانه وتعالى بفعل الوضوء والغسل مطهَّرِين، فهذا يطابق ﴿لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾، وحينئذ يكون القرآن قد دل على ذلك.
فإن قيل: يَرِدُ على هذا الاستدلال أنَّه قال: ﴿لاَ يَمَسُّهُ﴾، ولم يقل: (لا يمسَّه)، فـ (لا) هنا نافية، وليست بناهية؟ قلنا: إِنه قد يأتي الخبر بمعنى النهي، بل إِن الخبر المراد به النهي أقوى من النهي المجرَّد؛ لأنه يُصوِّر الشيءَ كأنه أمر مفروغ منه، وقد كان معلومًا أنه ﴿لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾، وليس بعيدًا عنا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: 234]، وليس بعيدًا عن من يقرؤون الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ»، (لا يبيع) بلفظ الخبر، والمراد به النَّهي.

أما من السنة فإن في كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن: «أَلَّا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ»، والطَّاهر هو المُتطهِّرُ، طاهر طهارة حسِّيَّة؛ لأن المؤمن طهارته معنوية كاملة، والمصحف لا يقرؤه غالبًا إلا المؤمنون، فلما قال: «إِلَّا طَاهِرٌ» عُلِم أنها طهارة غير الطَّهارة المعنوية، وهي الطهارة من الحدَث، ودليل ذلك قوله تعالى في آية الوضوء والغسل: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 6].
فجعل الله عز وجل القيام بالوضوء والقيام بالغسل تطهيرًا لنا، وطهارة لنا، وعلى هذا فالطاهر هو الذي توضَّأ من حدَث أصغر واغتسل من جنابة.
وأما النَّظر الصحيح فقالوا: إنَّه ليس في الوجود كلام أشرف من كلام رب العالمين، وإذا أَوْجَبَ الله تعالى الطهارة للطواف ببيته، فالطهارة لتلاوة كتابه الذي تكلم به سبحانه وتعالى من باب أولى؛ لأنا نحن الآن نتصل به، بمعنى أننا ننطق بكلام الله عز وجل خارجًا من أفواهنا، فَمُمَاسَّتنا لهذا الكلام الذي هو أشرف من البناء يقتضي أن نكون طاهرين، كما أن طوافنا حول الكعبة يقتضي أن نكون طاهرين، فتعظيمًا لكلام الله عز وجل واحترامًا له يجب أن نكون على طهارة.
هذا هو تقرير الأدلة لمن قال بوجوب الطهارة لِمَسّ المصحف، وأنه يحرم على المحدِث أن يمس المصحف، وهي أدلة كما ترون، وهذا قول جمهور أهل العلم، ومنهم المذاهب الأربعة.
وهناك قول آخر اختاره بعض العلماء مثل داود الظاهري، وجماعة آخرين، قالوا: إنه لا يحرُم على الْمُحْدِث مس المصحف.
ما دليلهم؟ قالوا: لأن تلاوة القرآن بلا شك من ذكر الله، أليس كذلك؟ طلبة: بلى.

الشيخ: من أعظم الذِّكْر، والحرف فيها بعشر حسنات، وقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ، وأيضا الأصل براءة الذِّمَّة، وعدم الوجوب، فلا نُؤَثِّم عباد الله تعالى بفعل شيء لم يَثْبُتْ به النَّص، ثم لما أيَّدُوا مذهبهم يطالَبون بالجواب عن أدلة الآخرين، أليس كذلك؟ لأن طريق الترجيح أن تأتي بما يُثْبِت قولك، وتدفع ما يُثْبِت قول خصمك، قالوا: أهلًا وسهلًا.
أما الآية الكريمة فليس فيها دليل لما ذكرتم؛ لأن الضمير في قوله: ﴿لاَ يَمَسُّهُ﴾ يعود إلى ﴿كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾، والكتاب المكنون يحتمل أن يكون هو اللوح المحفوظ، ويحتمل أن يكون هو الكتب التي بأيدي الملائكة؛ فإن الله تعالى قال: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: 11 - 16]، وقالوا: هذه الآية تفسر الآية هذه.
﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ مثل ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾، ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ مثل ﴿لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾، والقرآن يُفسِّر بعضُه بعضًا، فالآية لا تدل على ما ذكرتم، ولو كان المراد ما ذكرتم لقال: (لا يمسَّه إلا المطَّهِّرون)، يعني: المتطَهِّرِين، وفرق بين (المطهَّر) اسم مفعول، وبين (المتطهِّر) اسم فاعل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222]. وقولكم: إن الخبر يأتي بمعنى الطَّلب، هذا صحيح ولا نمانع منه، لكن لا يُحْمَلُ الخبر على الطلب إلا بقرينة، وهنا لا قرينة، فيجب أن يبقى الكلام على ظاهره، وأن تكون الجملة هنا خَبَريَّة ﴿لاَ يَمَسُّهُ﴾، وأن يراد بـ ﴿الْمُطَهَّرُونَ﴾ الملائكة، وتؤيد قولَنا الآياتُ التي في سورة (عبس).

وأما قوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فهو عائدٌ على ﴿قُرْآنٌ﴾؛ لأن الكلام فيه، ولا مانع من أن تتداخل الضَّمائر، ويعود بعضها إلى غير المتحدَّث عنه ما دامت القرينة موجودة.
ثم على احتمال تساوِي الأمرين فالقاعدة عند أهل العلم أنه إِذا وُجِدَ الاحتمال سقط الاستدلال.
فيسقط الاستدلال بهذه الآية، ثم نرجع إلى براءة الذِّمة.
أتوا إلى حديث عمرو بن حزم، وهو الدليل الثاني للجمهور، قالوا: حديث عمرو بن حزم أولًا غير متَّصِل، منقطع، فهو حديث ضعيف، وأنتم تُقِرُّون بضعفه سندًا؛ لأنه مرسَل، والمرسَل من أقسام الضعيف، والضعيف لا يُحْتَجُّ به في إثبات الأحكام، فضلًا عن ثبوت حكم يُلْحِق بالمسلمين المشقة العظيمة في تكليفهم ألَّا يقرؤوا كتاب الله من المصحف إلا بوضوء.
ولا سيما في الأيام الشاتية، ولا سيما إن كانوا في الجمهوريات السوفياتية التي بلغت درجة الحرارة فيها هذه الأيام إلى الستين تحت الصفر، يعني في برودة عظيمة ولَّا لا؟ أكثر من التجمد، يقول هذا: إذا ألزمنا عباد الله بهذا الشيء قلنا: لا تقرؤوا القرآن إلا بوضوء، هذا مشقة شديدة، فلا يمكن أن نلزم عباد الله تعالى بهذا الأمر الشاق بمثل هذا الحديث الضعيف.
وأما قولكم: النظر الصحيح، فإننا لا نقر بالقياس أصلًا؛ لأن الظاهرية لا يقولون بالقياس، وإن كانوا يتناقلوه في بعض الأحيان، لكن هذه قاعدتهم؛ أن القياس غير صحيح، وأن القياس لا يفيد إلا الظن، والظن في دين الله باطل، وقد ذم الله تعالى الذين يتبعون الظن: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: 148]، وما أشبه ذلك من أدلتهم التي أبطلها أهل العلم وردوها عليهم في نحورهم؛ لأن القياس لا شك ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، وليس هذا موضع ذكر، لكن قد مضى.

المهم أن هذا جوابهم عن هذه الأدلة التي استدل بها جمهور أهل العلم، وعندي أن ردهم للاستدلال بالآية واضح، يعني أنا أوافقهم على ردهم الاستدلال بالآية الكريمة: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 79].
وأما حديث عمرو بن حزم فالسند كما قالوا ضعيف، ضعيف السند، لكن من حيث قبول الناس له، واستنادهم عليه، فيما جاء فيه من أحكام الزَّكاة والدِّيَات وغيرها، وتلقِّيهم له بالقبول سلفًا وخَلَفًا يَدلُّ على أنَّ لهذا الحديث أصلًا، وهو ظاهر، وكثيرًا ما يكون قبول الناس للحديث، سواء كان عمليًّا أو علميًّا يكون قائمًا مقام السَّند أو أكثر وأعظم.
الأمة تستدل به من زمن التابعين إلى يومنا هذا، ثم نقول: هذا ليس له أصل، وهو مردود؟ هذا بعيد جدًّا.
قالوا: وإذا فرضنا أنكم قلتم بصحته بناءً على شهرته، فإن كلمة (طاهر) تحتمل أن يكون طاهر القلب من الشرك، طاهر البدن من النجاسة، طاهرًا من الحدَث الأكبر، طاهرًا من الحدث الأصغر.
هذه احتمالات أربع، والدليل إذا احتمل احتمالين بطل الاستدلال، فكيف إذا احتمل أربعة؟ قالوا: إن الطاهر يُطْلَق على المؤمن؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: 28]، هذا فيه إثبات النجاسة للمشرك، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ»، هذا فيه نفي النجاسة عن المؤمن، ونفي النقيض يستلزم ثبوت نقيضه؛ لأنه ما فيه إلا طهارة أو نجاسة، ما فيه حالة متوسطة.
إذن فيكون المراد بالطاهر مَن؟ المؤمن، ويكون في الحديث دليل على تحريم مَسِّ الكافر للمصحف، لا المؤمن، ويُرَاد بالطاهر الطاهر من الحدث الأصغر، ويراد به الطاهر من الحدث الأكبر، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6] هذا الحدث الأكبر، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ»، وهذا الحدث الأصغر.

فالطهر يُطْلَق على هذا وهذا، فأيهما تريدون، حدَثًا أصغر ولَّا أكبر؟ هم يريدون أن يُبْطِلوا استدلالنا به.
أنا كنت أميل إلى قول الظاهرية في هذه المسألة، ولكن لَمَّا تأملت: «لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ»، وإذا الطاهر يُطْلَق على الطاهر من الحدث الأصغر والأكبر؛ لقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: 6]، ولم يكن من عادة الرسول عليه الصلاة والسلام أن يعبِّر عن المؤمن بالطاهر، بل يعبِّر عن المؤمن بوصفه بالإيمان؛ لأنه أكمل وأَبْيَن وأظهر، تَبَيَّن لي رجحان قول الجمهور، وأنه لا يجوز مس المصحف إلا بطهارة من الحدثين الأصغر والأكبر.
وأما الاستدلال بالقياس فالقياس فيه ضعف، ليس واضحًا وجهه، فالذي أنا أركز عليه في هذه المسألة هو حديث عمرو بن حزم.
قد يقول قائل: إن حديث عمرو بن حزم مكتوب إلى أهل اليمن، وهم حين ذاك ليسوا بمسلمين، فتكون قرينة توجيهه إلى غير المسلمين دالَّة على أن المراد بالطاهر هو المؤمن، وهذه لا شك، هذه واردة، لكن عندنا أن الكثير في تعبير الرسول عليه الصلاة والسلام أنه يعلِّق الشيء بالإيمان، وما الذي يمنعه من أن يقول: لا يمس القرآن إلا مؤمن، ما الذي يمنعه؟ مع أن هذا أبين وأوضح.
فالذي تقرر عندي أخيرًا أنه لا يجوز مس المصحف إلا بوضوء، ولكن يبقى عندنا أسئلة، السؤال الأول: هل المُحَرَّم مسُّ القرآن أو مس المصحف الذي فيه القرآن؟ حديث عمرو بن حزم: «لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ».
طالب: ما الفرق؟

الشيخ: الفرق المصحف له هوامش بيضاء وحواشٍ بيضاء، فهل يجوز مس الحواشي البيضاء والهوامش البيضاء، أو ما بين الأسطر؟ ويقول: أنا ما مسست القرآن، الرسول يقول: «لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ»، والحروف الآن ما مسستها، وأنتم أيها الفقهاء -فقهاء الحنابلة خاصة- تقولون: يجوز للصغير أن يمس لوحًا فيه القرآن بشرط ألا تقع يده على الحروف، يمس الهوامش أو ما بين الأسطر، هذا فيه احتمال.
وفيه وجه للشافعية على أن المحرَّم هو مس نفس الحروف فقط دون الهوامش؛ لأن الهوامش ورق، ولهذا قال: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: 21، 22]، والظرف غير المظروف، والحديث: «لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ»، ولكن الأحوط ألا يُمَسَّ القرآن كله، كل ما كُتِبَ فيه القرآن يَثْبُت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا.
السؤال الثاني: هل يشمل هذا الحكم مَن دون البلوغ من الصغار أو لا؟ قال بعض أهل العلم: لا يشمل الصغار، الصغار لا يشملهم؛ أولًا: لأنهم غير مكلَّفين، ولَّا لا؟ وإذا كانوا غير مكلَّفين كيف نُلْزِمُهم بشيء لا يتعلق به كفر ولا ما دون الكفر، إلَّا أنه معصية للكبير، وهؤلاء ليسوا من أهل المعاصي؛ لأن القلم مرفوع عنهم.
ولكن هل يلزم وليَّه أن يُلْزِمه بذلك؟ يعني الآن قد نكون سلَّمنا أنه لا يلزم هذا الصبي أن يتوضأ، بمعنى أننا لا نُؤَثِّمُه لو مسَّ الصحف بدون وضوء؛ لأنه غير مكلَّف، لكن هل يلزم وليَّه أن يُلْزِمه بذلك؟ فيه خلاف بين العلماء؛ فالصحيح عند الشافعية أنه لا يلزمه الوضوء، ولا يلزم وليَّه أن يُلْزِمَه به؛ لأنه غير مكلَّف، ولأن إلزام وليِّه به مشقة، وهو غير واجب عليه ذلك، وإذا كان فيه مشقة في أمر لا يجب على الصغير فإنه لا يُلْزِمُه به وليُّه.

أما المشهور عند الحنابلة فإنه لا يجوز حتى للصغير أن يمسه بدون وضوء، وقالوا: إن على وليِّه أن يُلْزِمَه بالوضوء كما يلزمه بالوضوء للصلاة؛ لأن هذا فعلٌ تُشْتَرَط لحِلِّه الطهارة، فلا بد من إلزام وليه به، إلا أنهم استثنوا مس الصغير اللوح إذا لم تقع يده على الحروف، تعرفون اللوح؟ كان بالأول استعمال الألواح للصغار، ألواح من الخشب يكتبون فيها قرآنًا ويقرأه، وإذا انتهى مسحه.
لكن بعض العلماء يقول: اللوح غير وارد إطلاقًا؛ لأن الكتابة في اللوح غير ثابتة، ستُمْحَى، فهي بمنزلة ما كُتِبَ للتمرين على القراءة، كما لو كتبت في السبورة مثلًا، واحد يكتب في السبورة قرآنًا لأبنائه يُمَرِّنهم على القراءة.
على ظاهر كلام الفقهاء رحمهم الله إنه ما يجوز أن أَمَسَّ السبورة بغير وضوء، لكن يجوز أكتب القرآن بغير وضوء؟ إي نعم، إذا لم أَمَسَّها يجوز، لكن السبورة ما دام كتبت عليها آية من القرآن ما أمسها بغير وضوء، إلا أن أقول: إنهم استثنوا اللوح، بشرط ألا تقع يده على الحروف، منهم من قال: للمشقة.
ومنهم من قال: لأن هذه الكتابة غير المصحف؛ المصحف تُكْتَب الكتابة، ويش هو له؟ للثبوت والاستمرار، أما هذه فلا، ولو كتب قرآنًا معكوسًا وحطيته أمام المرآة ويش يصور؟ قرآن غير معكوس، هل يحرم علَيَّ مس المرآة؟ ما يحرم عليَّ؛ لأنه ما كُتِبَ فيها (... ). ذكرنا أظن كتب التفسير أنه يجوز مسُّها؟ طلبة: لا، ما ذكرنا.
الشيخ: إي نعم، الآن نذكر كتب التفسير يجوز مسها؛ لأنها تعتبر تفسيرًا، والآيات التي فيها أقل من التفسير الذي فيه، ويُسْتَدَلُّ لذلك بكتابة النبي عليه الصلاة والسلام إلى ملوك الكفرة الكتب، وفيها آيات من القرآن، فدلَّ هذا على أن الحكم للأغلب والأكثر.
يبقى النظر إذا تساوى التفسير والقرآن هل يحرُم؟ نقول: القاعدة المعروفة عند أهل العلم أنه إذا اجتمع مُبِيحٌ وحاظرٌ، ولم يتميَّز أحدُهما بِرُجْحَانٍ، فإِنه يُغلَّب جانب الحظر.

وعلى هذا فإذا كان التفسير والقرآن مستويين أُعْطِيَ حكمَ القرآن، فإن كان التفسير أكثر من القرآن ولو بقليل أُعْطِي حكم التفسير، وعلى هذا فتفسير الجلالين هل يحرم مسه إذا لم يكن القرآن في جوفه؟ طالب: نعم يحرم.
طلبة: ما يحرم.
الشيخ: ما يحرم؛ لأن التفسير أكثر من القرآن.
طلبة: القرآن أكثر من التفسير.
الشيخ: لا، إذا لم يكن في جوفه القرآن، إن كان القرآن في جوفه وهو على الهامش فمعلوم أن القرآن أكثر، لكن إذا لم يكن، فيه نسخ الآن ما فيها إلا التفسير فقط، فالتفسير أكثر من القرآن، وعلى هذا فيجوز مسه بغير طهارة.
طالب: (... ). الشيخ: والله، ما أذكر أنا المسألة هذه اللي قلت.
طالب: يا شيخ، هل يجوز (... ). الشيخ: (مس المصحف والصلاة)، الصلاة أيضا تحرُم على المحدِث بالنَّصِّ والإجماع، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6]، ثم علَّلَ ذلك بأن المقصود التطهير لهذه الصلاة.
وعلى هذا فالطهارة في الصلاة شرط لصحَّتها وجوازها، ولا يَحِلُّ لأحد أن يصلِّي وهو مُحْدِثٌ، لا حدثًا أصغر ولا حدثًا أكبر.
فإِن فعل وصلَّى وهو مُحْدِثٌ، فإِنْ كان مستهزئًا فهو كافر؛ لاستهزائه -والعياذ بالله-، وإنْ كان متهاونًا فقد اختلف العلماء في تكفيره؛ فمذهب أبي حنيفة رحمه الله أنه يَكْفُر، ومَذْهَبُ الأئمة الثَّلاثة أنَّه لا يَكْفُر.
أبو حنيفة يقول: إنه يكفر؛ لأن مَن صلَّى مُحْدِثًا مع علمه بإيجاب الله له فهذا كالمستهزئ، والاستهزاء معلوم أنه كُفْرٌ، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 65، 66]. وأما الآخرون فقالوا: إنَّ هذه معصية، ولا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِهِ أنْ يكونَ مُسْتَهزئًا.

ولهذا قلنا: إِنْ تَرَكَه مستهزئًا فهو كافر، لماذا؟ لاستهزائه، وإلَّا فلا، وهذا أقرب؛ لأنَّ الأصل بقاء الإسلام، ولا يمكن أن نخرجه من الإسلام إلا بدليل.
فهذا دليل من القرآن على وجوب الطهارة للصلاة، ويلزم منه تحريمها في حال عدم الطهارة.
أما من السُّنَّة: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ»، «وَلَا صَلَاةَ إِلَّا بِطُهُورٍ»، و «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ»، والأحاديث في ذلك مشهورة في معناها وإن اختلفت ألفاظها.
وأجمع المسلمون على ذلك، أي: على أنه يَحْرُمُ على المحْدِثِ أن يُصَلِّيَ.
فإذن الأدلة ثلاثة: الكتاب والسنة والاجماع، ولم يخالف في ذلك أحد من أهل العلم.
ولكن نرجع مرة أخرى لنعرف ما هي الصلاة؟ الصلاة هي التي بَيَّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ»، هذه الصلاة كما بَيَّنَها الرسول عليه الصلاة والسلام.
فصلاة الفرائض الخمس صلاة، والجمعة صلاة، صلاة العيدين صلاة، وصلاة الاستسقاء صلاة، وصلاة الكسوف صلاة، وصلاة الجنازة صلاة؛ لأنها مُفْتَتَحة بالتكبير، مُخْتَتَمة بالتَّسليم، ينطبق عليها التعريف الشرعي، فتكون داخلة في ذلك.
وذهب بعض أهل العلم أن الصلاة هي التي يكون فيها ركوع وسجود.
وذهب آخرون إلى أن الصَّلاة هي التي تكون رَكْعَتَيْن فأكثر، إلَّا الوتر، فهو يصح ولو ركعة فهو صلاة.
ولكن القول الأول أصح؛ أن الصلاة هي كل ما يُشْرَع افتتاحه بالتكبير واختتامه بالتسليم، سواء كانت ذات ركوع وسجود أم لا.
وبناءً على هذا التعريف ننظر في سجود التلاوة وسجود الشكر، هل يكونان صلاة؟

إن قلنا بأنه يُشْرَع لهما التكبير والتسليم فهما صلاة، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة؛ أنهما أي: سجدتا الشكر والتلاوة صلاة، تُفْتَتَح بالتكبير، وتُخْتَتَم بالتسليم، ولهذا يُشْرَع عندهم أن يُكَبِّر إذا سجد، وإذا رفع، ويُسَلِّم، وبِناءً على هذا يحرُم على المحدِث أن يسجد سجدة التلاوة وهو غير طاهر، وأن يسجد سجدة الشكر وهو غير طاهر، عرفتم؟ إذن الخلاف في سجدتَي التلاوة والشكر مَبْنِيٌّ على أيش؟ على أنهما هل هما صلاة أو لا؟ فإن قلنا: إنهما صلاة، وجب لهما الطهارة، وإن قلنا: إنهما غير صلاة لم تجب لهما الطهارة.
والمتأمِّل للسنة يدرك أنهما ليسَا بصلاة؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يسجد للتلاوة، ولم يُنْقَل عنه أنه كان يُكبِّر إذا سجد ولا إذا رفع، ولا يسلِّم، إلا في حديث رواه أبو داود في التكبير للسجود دون الرفع منه، ودون التسليم.
ولأن الرسول عليه الصلاة والسلام سجد في سورة النجم، وسجد معه المسلمون والمشركون، والمشرك لا يصح منه صلاة، وأقرَّهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك.
وهذا الأخير قد يعارِض فيه معارِض فيقول: إن سجود المشركين في ذلك الوقت قد يكون قبل فرض الوضوء؛ لأن فرض الوضوء لم يكن إلا مع فرض الصلاة، والصلاة ما فُرِضَت إلا متأخِّرة، قبل الهجرة إما بسنة أو بثلاث سنوات، فهي متأخِّرة، وما دام الاحتمال قائمًا فالاستدلال به فيه نظر.
لكن اللِّي يتأمل سجود الرسول عليه الصلاة والسلام للشكر، سجوده عند التلاوة، يظهر أنه لا يُكَبِّر، وعليه فلا تكون سجدة التلاوة وسجدة الشكر من الصلاة، وحينئذ لا يحرُم على مَن كان محدِثًا أن يسجد للتلاوة أو للشكر على غير طهارة، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

وصح ذلك عن عبد الله بن عمر أنه كان يسجد للتلاوة بدون وضوء، ولكن لا ريب أن الأفضل أن يتوضأ، لا سيما وأن القارئ سوف يتلو القرآن، وتلاوة القرآن يُشْرَع لها الوضوء؛ لأنها من ذكر الله، وكل ذكر الله يُشْرَع له الوضوء.
أما سجود الشكر فإن اشتراط الطهارة له ضعيف؛ لأن سجود الشكر سببه تجدد النعم، أو اندفاع النقم، يعني أو تجدد اندفاع النقم، وهذا قد يأتي الإنسانَ وهو محدِث.
فإذا قلنا: لا تسجد حتى توضأ، فربما يطول الفصل، والحكم المعلَّق بسبب إذا تأخَّر عن سببه سقط، وحينئذ إما أن نقول: اسجد على غير وضوء، أو لا تسجد؛ لأنه يندر أن يجد الإنسان ماءً يتوضأ منه تَوَضُّؤًا سريعًا ثم يسجد.
وأما سجدة التلاوة فالذي ينبغي ألَّا يسجد الإنسان إلا وهو على طهارة، كما أنه ينبغي له أن يقرأ على طهارة.
الأمر الثالث مما يحرُم على المحدِث: الطواف بالبيت، فالطواف بالبيت سواء كان طواف نُسُك؛ كالطواف في الحج والعمرة، أو طواف تطوُّع مطلَق، كما لو قام الإنسان في سائر الأيام فيطوف، فإنه يحرُم عليه أن يطوف إلا بوضوء.
الدليل عدة أمور؛ الأمر الأول: أنه ثَبَت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حين أراد الطواف تَوَضَّأَ ثم طاف.
والثاني: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما قيل له: إن صفية قد حاضت، وظن أنها لم تَطُف طواف الإفاضة قال: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ »، والحائض طاهر ولَّا غير طاهر؟ طلبة: غير طاهر.
الشيخ: غير طاهر.
الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، إِلَّا أَنَّ اللهَ أَبَاحَ فِيهِ الْكَلَامَ، فَلَا تَتَكَلَّمُوا فِيهِ إِلَّا بِخَيْرِ».
وربما استدل بعضهم بقوله تعالى: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: 125]. وجه الاستدلال: أنه إذا وجب تطهير مكان الطائف، فتطهيرُ بدنه من باب أولى.

فهذه أدلة أربعة استدلوا بها على وجوب الطهارة للطواف، وهو قول أكثر أهل العلم؛ على أنه لا يصح الطواف إلا بطهارة، وأنه لو طاف وهو محدِث حدثًا أصغر أو أكبر فإن طوافه لا يصح، مع أنه حرام عليه أيضًا.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الطواف لا تُشْتَرَط له الطهارة، ولا يحرُم على المحدِث، وإنما الطهارة فيه أكمل.
قالوا في دليلهم على ذلك: إن الأصل براءة الذمة حتى يقوم دليل على تحريم هذا الفعل إلا بهذا الشرط.
وهنا لا دليل؛ لأنهم سيناقشونهم في أدلتهم، فلم يقل النبي عليه الصلاة والسلام يومًا من الدهر: لا يقبل الله طوافًا بغير طهور، ولم يقل: لا تطوفوا حتى تَطَهَّرُوا، وإذا كان كذلك فإننا لا نُلْزِم الناس بأمر لم يكن لنا فيه دليل بَيِّن على إلزامهم به، لا سيما في الأحوال الحرجة، كما لو انتقض وضوء الطائف في الزحمة الشديدة في أيام الموسِم، ففي هذه الحال إذا قلنا بالوجوب بطل وضوؤه، ولزمه أن يذهب ويتوضأ من جديد، ويعيد الطواف من جديد.
وأجاب هؤلاء القائلون بأنه لا تشترط الطهارة للطواف وأنه ليس بحرام، أجابوا عن أدلة القائلين بتحريم الطواف بغير وضوء، قالوا: أما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه مجرد فعل، والفعل المجرَّد لا يدل على الوجوب، ونحن معكم في أن الأفضل ألَّا يطوف إلا على طهارة، لكن من قال: إن من طاف لا يصح طوافه؟ نحن نوافقكم على هذا، وأن الأفضل ألَّا تطوف إلا على وضوء.

وأما قول الرسول عليه الصلاة والسلام في صفية: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ » فإننا معكم في هذا، وهو أنه يحرُم على الحائض الطواف؛ لأن لكم دليلين صريحين واضحين؛ حديث صفية هذا، وحديث عائشة، قال: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ، غَيْرَ أَلَّا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ»، فنحن معكم في أن الحائض يحرُم عليها الطواف، ولكن الحيض ليس حدَثًا أصغر، بل هو حدَث أكبر، ثم إن الحيض سبب موجِب لمنع الحائض من الْمُكْث في المسجد، والطواف لا شك أنه مُكْث؛ لأن الإنسان سيطوف على الكعبة، فنحن معكم في أن الحائض لا تطوف.
لكن من أين نستدل بهذا على أنه لا يجوز للطائف أن يطوف وهو محدِث حدَثًا أصغر؟ وأنتم توافقوننا على أن المحدِث حدَثًا أصغر يجوز له أن يبقى في المسجد بغير وضوء، ولا يجوز للحائض أن تبقى في المسجد بغير وضوء، فهذا هو مناط حكم المنع عندنا؛ أنه المكث في المسجد.
وأما الحديث الذي يستدلون به: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ»، فإن هذا لا يصح مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كما قاله أهل المعرفة بالحديث، وإنما هو موقوف على ابن عباس رضي الله عنهما، فهو مما فيه مجال للاجتهاد، وما فيه مجال للاجتهاد فإنه يُرْجَع فيه إلى الكتاب والسنة.
ثم إن هذا الحديث منتقِض؛ لأننا إذا أخذنا بلفظه: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ إِلَّا أَنَّ اللهَ أَبَاحَ فِيهِ الْكَلَامَ»، فإنه على مقتضى القواعد الأصولية يقتضي أن جميع أحكام الصلاة تثبت للطواف إلَّا.. ؟ طلبة: الكلام.
الشيخ: إلا الكلام، تحريم الكلام في الصلاة ثابت، وهنا ليس بثابت، والدليل على أن جميع أحكام الصلاة تثبت له إلا الكلام أن من القواعد المقرَّرة في علم الأصول: أن الاستثناء معيار العموم، يعني: إذا جاء شيء عام ثم استُثْنِيَ منه، معناه أنه كل الأفراد يتضمنها هذا العموم، فالاستثناء معيار العموم.

ولننظر، إذا نظرنا إلى الطواف وجدنا أنه يخالف الصلاة في غالب الأحكام، في أحكام كثيرة غير مسألة الكلام، فهو أولًا يجوز فيه الأكل، ولَّا لا؟، يجوز يأكل وهو يطوف؟ لو واحد معه التمر وهو يطوف وأذَّن المغرب وهو صائم يُفْطِر ويأكل التمر ولَّا لا؟ نعم، يفطر ما فيه شيء، لكن لو كان يصلي؟

﴿باب الغسل﴾ ومُوجِبُه خُروجُ الْمَنِيِّ دَفْقًا بلَذَّةٍ لا بدونِها من غيرِ نائمٍ.
وإن انْتَقَلَ ولم يَخْرُجْ اغْتَسَلَ له، فإنْ خَرَجَ بعدَه لم يُعِدْه، وتَغَيُّبُ حَشَفَةٍ أَصْلِيَّةٍ في فَرْجٍ أَصْلِيٍّ قُبُلًا كان أو دُبُرًا ولو من بَهيمةٍ أو مَيِّتٍ، وإسلامُ كافرٍ، وموتٌ، وحَيْضٌ، ونِفاسٌ، لا وِلادةٌ عاريةٌ عن دَمٍ، ومَن لَزِمَه الغُسْلُ حَرُمَ عليه قِراءةُ القرآنِ.
ويَعْبُرُ المسجدَ لحاجةٍ ولا يَلْبَثُ فيه بغيرِ وُضوءٍ.
ومَن غَسَّلَ مَيِّتًا أو أَفاقَ من جُنونٍ أو إغماءٍ بلا حُلْمٍ سُنَّ له الغُسْلُ.
(الْغُسْلُ الكاملُ) أن يَنْوِيَ ثم يُسَمِّيَ ويَغْسِلَ يديه ثلاثًا وما لَوَّثَه، ويَتَوَضَّأَ كذلك الشرب، كذلك الضحك، يريد يضحك وهو يطوف، فلو فُرض أن حدثت حادثة وهو يطوف وضحك، يبطل طوافه ولَّا ما يبطل؟ طلبة: ما يبطل.
الشيخ: لكن لو فعل هذا في الصلاة؟ طلبة: تبطل.
الشيخ: تبطل صلاته، إي نعم.
طالب: (... ). الشيخ: كذلك أيضًا: لا يشترط للطواف التكبير في أوله، ولا التسليم في آخره، ولَّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: ولا قراءة الفاتحة، ولَّا يُشترط؟ يشترط قراءة الفاتحة؟ طلبة: لا.
الشيخ: ولا يشرع أيضًا قراءة الفاتحة في الطواف، وكذلك لا يجب فيه استقبال القبلة، بل يجب أن تكون القبلة عن يسار الإنسان، وأشياء كثيرة تخالف الصلاة، وكذلك الحركة.. طالب: السجود.
الشيخ: كيف السجود؟ طالب: (... ). الشيخ: لا، دعنا هذه أفعال الصلاة تختلف بالضرورة.

المهم أنه يخالف الصلاة في أحكام كثيرة، وكلام الرسول عليه الصلاة والسلام إذا جاء يجيء مُحكمًا، لا يمكن أن يُنتقض، فلما انتقض بهذه الأمور ووجدنا هذه الاستثناءات عَلِمنا أن هذا لا يصح من قول الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا أحد الأوجه التي يستدل بها على ضعف الحديث؛ أن يكون المعنى متخلخلًا، لا يمكن أن يصدر من مثل الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقد قدمنا في المصطلح وغيره أيضًا؛ أنه لا ينبغي لنا أن ننظر إلى مجرد ظاهر الإسناد، فنصحِّح الحديث من أجله، نشوف الحديث ومعناه، وهل يطابق الأدلة الشرعية العامة، وهل يمكن أن يصدر من الرسول عليه الصلاة والسلام أو لا يمكن.
ولكن يبقى النظر؛ هل الأفضل ألا يطوف إلا متطهرًا؟ هذا لا شك بالإجماع الظاهر، ما أظن أحدًا يقول: إن طوافه بوضوء وبغير وضوء سواء، لا شك أنه بالوضوء أفضل؛ لفعل الرسول عليه الصلاة والسلام؛ ولأن هذا من الذكر.
بقي الجواب عن الاستدلال بالآية؛ الاستدلال بالآية أيضًا غير صحيح، ولو أردنا أن نستدل بالآية على ذلك لقلنا: والمعتكف لا يصح اعتكافه إلا بطهارة، والمعتكف يصح أن يعتكف وهو غير متوضئ، ولم يشترط أحد للمعتكف أن يكون على وضوء، صحيح أنهم اشترطوا ألَّا يكون جنبًا، وأنه إذا كان جنبًا يجب أن يتطهر أولًا، ثم يعتكف؛ لأن الجنابة تُنافي المكث في المسجد.
يجوز للحائض أن تطوف بالبيت للضرورة وبقينا الحائض تطوف ولَّا ما تطوف؟ ما تطوف، ولكن إذا اضطرت الحائض إلى الطواف؟ طلبة: تطوف.
الشيخ: إذا قلنا بأن الطهارة من الحيض شرط فإنها لا تطوف؛ لأنها لو طافت ما صح طوافها؛ لأنه شرط للصحة، وإن قلنا: إنه لا تطوف لتحريم المقام عليها في المسجد الحرام؛ فإنها إذا اضطرت إلى ذلك جاز لها المكث، وإذا جاز المكث جاز الطواف.

ولهذا اختلف العلماء في امرأة حاضت، ولم تطُف طواف الإفاضة، وكانت في قافلة، والقافلة لم ينتظروها، أما لو انتظروها فالأمر واضح؛ لكن إذا لم ينتظروها يجب عليهم ينتظرون ولَّا لا؟ الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ » (1). هم يقولون: إذا انتظرنا زوجة فلان نخشى إذا انتهت من حيضها حاضت زوجة فلان، وإذا انتهت الثانية حاضت الثالثة، والقافلة مائتا امرأة، كل واحدة تقعد سبعة أيام اضرب سبع في مائتين كم تصير؟ طالب: ألف وأربع مئة.
الشيخ: كم سنة يقعدون؟ ! فالمهم أن اللزوم لا شك أنه ما يلزم إلا إن ألزمناها ألزمنا وليها فقط؛ أن يبقى أو يذهب بها، ثم يرجع، فهذه القوافل إذا كانت قافلة لا يمكن أن ترجع مثل قافلة في أقصى الهند، في أمريكا، قافلة في بلاد لا يمكنهم أن يرجعوا، فحينئذٍ نقول: إما أن تطوف وينتهي حجها، وإما أن تكون مُحصرة فتتحلل بدم ويتم حجها ولا ما يتم؟ ما يتم؛ لأنها ما طافت، فمعناه إذا كانت الحجة فريضة ما أدت الفريضة الآن، وإما أن نقول: تذهب إلى بلدها، لكنها تبقى لم تحل التحلل الثاني، فلا يحل لزوجها أن يقربها، وإن مات عنها أو طلقها لا يحل لها أن تتزوج؛ لأنها ما زالت في إحرام، وهذا فيه صعوبة ولَّا لا؟ فيه صعوبة، فصار فيه صعوبة من كل الوجوه الثلاثة: إن قلنا: إنها محصرة تتحلل؛ فيه صعوبة؛ لأنها ما أدت الفريضة.
إن قلنا: إنها تبقى، فهذا غير ممكن.
إن قلنا: تذهب وتبقى على إحرامها؛ فهذا أيضًا معلوم أعظم مشقة.
بقي علينا احتمال رابع أن نقول: تطوف للضرورة، وهذا ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الصواب؛ أنها إذا اضطرت إلى السفر فإنها تطوف، لكن يجب عليها أن تتحفظ حتى لا ينزل الدم إلى المسجد فيلوثه، وتطوف، وتتوكل على الله.
طالب: القواعد الحسان الآية تحتمل معنيين (... )، ماذا يحمل عليه؟

الشيخ: لا، ما يحمل عليها؛ لأنها متناقضات؛ إذا قلنا: المطهرون، المراد بها: المتطهِّر من الحدث، ما نقول بذاك القول، ونلزم بأن يتوضأ، وإذا قلنا: المطهرون الملائكة؛ ما قلنا بهذا القول، ولا نلزمه.
طالب: (... ). الشيخ: ما يصلح، لا يمكن الجمع؛ لأن القولين متضادان.
طالب: الحائض لو توضأت هل تمكث في المسجد كما يمكث الجنب إذا توضأ؟ الشيخ: لا، لا تمكث؛ لأنها الحائض لو توضأت ما ارتفع شيء من حدثها، الحدث باقٍ.
طالب: وأنتم تقولون في الحائض إذا لم تتوضأ.
الشيخ: كيف؟ طالب: ذكرت عبارة (... ) جوابًا عن حديث صفية، قلت: وأنتم تقولون في الحائض إذا لم تتوضأ لا يحل لها المكث في المسجد، مفهوم العبارة يعني أنا فهمتها.. الشيخ: لا، إذا توضأت لا يجوز لها المكث في المسجد بخلاف الجنب.
طالب: (... ). الشيخ: يجوز أن يصلي وهو على غير وضوء نعم، هم يقولون بذلك، هذا رأيهم، ولكن الصحيح أنها صلاة؛ لأن الرسول سماها صلاة، فقال: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» (2)، وخرج إلى المصلى، فصلى بالناس في النجاشي (3). طالب: يحرم؟ الشيخ: يحرم نعم، يحرم أن يصلي على الجنازة وهو على غير وضوء.


[باب الغسل] (باب الغسل) أي: باب ما يوجبه، وباب صفته، فالباب جامع للأمرين: الأشياء الموجِبة للغسل، والثاني: كيفية الغسل؛ أما الأشياء الموجبة للغسل، فقال المؤلف رحمه الله: (ومُوجِبه) مُوجِب يعني الشيء الذي يُوجِب الغسل، يقال: مُوجِب، وموجَب بالفتح، الموجَب هو الشيء الذي وجب بغيره.
والموجِب: هو الشيء الذي يُوجِب غيره؛ مثل ما نقول: مُقتضِي ومُقتضَى، المقتضِي: هو الذي يَقتضي غيره، والمقتضَى: هو الذي اقتضاه غيره؛ وهكذا نقول هنا مُوجَبه ولَّا مُوجِبُه؟ موجِبُه؛ يعني الذي يُوجِب الغسل عدة أشياء:

أولًا: (خروج المني دفقًا بلذة لا بدونها) إلى آخره، هذا من موجبات الغسل، ودليله قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6]، والجنب: هو الذي خرج منه المني دفقًا بلذة.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» (4)، الماء يعني الغسل؛ فعبَّر بالماء عنه، «مِنَ الْمَاءِ»؛ أي: من المني، فإذا خرج فإنه يوجب الغسل.
وظاهر الحديث أنه يجب الغسل سواء خرج على الوصف الذي ذكر المؤلف أم لم يخرج، وهذا هو مذهب الشافعي رحمه الله: أن خروج المني مطلقًا موجِب للغسل لعموم الحديث حتى ولو بدون شهوة، وبأي سبب خرج، ولكن المؤلف لا يرى هذا الرأي، وهو قول جمهور أهل العلم على أنه يشترط لوجوب الغسل بخروجه أن يكون دفقًا بلذة، لكن المؤلف اشترط شرطين: دفقًا وبِلذَّة.
وبعض العلماء قال: بلذَّة، وحذف دفقًا، وقال: إنه لا يمكن إذا خرج بلذة إلا أن يكون دفقًا، فاستغنى عن كلمة (دفقًا) بقوله: (بلذة)، والمؤلف أتى بها لموافقة قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: 5 - 7]. فإذا خرج من غير لذة من إنسان يقظان؛ فإنه لا يُوجب الغسل على ما ذهب إليه المؤلف، وهو الصحيح.
فإن قلت: ما الجواب عن الحديث: «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ»؟ قلنا: إن هذا يُحمل على المعهود المعروف؛ الذي هو خروجه بلذة، وهو الذي يُوجب تَحلُّل البدن، وفتور البدن، أما الذي يخرج بدون ذلك، فإنه لا يُوجب تحلله ولا فتوره، ولهذا قالوا: إن لهذا الماء ثلاث علامات: أولًا: أنه يخرج دفقًا.
والثاني: باعتبار رائحته؛ فإن رائحته إذا كان يابسًا كرائحة البيض، وإذا كان غير يابس كرائحة العجين واللقاح.
والشيء الثالث: فتور البدن بعد خروجه.
هذه علاماته، وإذا كانت هذه هي علاماته، فإنه إذا خرج على هذا الوصف صار موجبًا للغسل، وبدونه لا يجب.

قال المؤلف: (لا بدونهما من غير نائم).
(بدونهما) الضمير يعود على أيش؟ الدفق واللذة.
(من غير نائم)، وهو اليقظان، فإذا خرج هذا الماء من اليقظان بدون لذة، ولا دفق، فإنه لا غسل فيه، لا يجب فيه الغسل، وقد سبق الجواب عن ظاهر الحديث.
وعُلِم من قوله: (من غير نائم) أنه لو خرج من نائم وجب الغسل مطلقًا، سواء كان على هذا الوصف أم لم يكن، لماذا؟ لأن النائم قد لا يحس به، وهذا يقع كثيرًا أن الإنسان إذا استيقظ وجد الأثر، وإن لم يشعر باحتلام؛ ولهذا قال العلماء: يجب بكل حال؛ فما هو مستندهم في ذلك؟ مستندهم حديث أم سليم رضي الله عنها حين سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، هل عليها الغسل؟ قال: «نَعَمْ، إِذَا هِيَ رَأَتِ الْمَاءَ» (5). فأوجب الغسل عليها، لكن بشرط إذا هي رأت الماء، ولم يشترط النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من ذلك، فدل هذا على وجوب الغسل على من استيقظ، ووجد الماء سواء أحس بخروجه أم لم يحس، وسواء احتلم؛ يعني: رأى أنه احتلم أم لم يرَ؛ لأنه قد ينسى.
واعلم أن النائم إذا استيقظ فوجد بللًا فلا يخلو من ثلاث حالات: الحال الأولى: أن يتيقن أنه مُوجِب للغسل؛ يعني أنه مَنِيّ، وفي هذه الحال يجب أن يغتسل سواء ذكر احتلامًا أم لم يَذْكر.
الحال الثانية: أن يتيقن أنه ليس بِمَنِيّ؛ ففي هذه الحال لا يجب الغسل، ولكن يجب عليه أن يغسل ما أصابه؛ لأن حكمه حكم البول.
الحال الثالثة: أن يجهل هل هو مَنِيّ أو غير مَنِيّ؟ فإن وُجِد ما يحال الحكم عليه بكونه منيًّا أو مَذِيًّا أُحيل الحكم عليه، وإن لم يوجد فالأصل الطهارة، وعدم وجوب الغسل؛ يعني فالأصل براءة الذمة من الغسل.
إذا وجده بعد الاستيقاظ وأشكل عليه هل هو مَنِيّ أو غيره، فإن وُجِد ما يحال الحكم عليه بكونه منيًّا أو غير مني أُحِيل الحكم عليه، وإن لم يُوجد فهو غير مَنِيّ؛ لأن الأصل عدم وجوب الغسل، كيف الإحالة؟

إن ذكر أنه احتلم في منامه فإننا نجعله منيًّا؛ لأن الرسول لما سئل: إذا رأت ما يرى الرجل؟ قال: «نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ»، وإن لم يرَ شيئًا في منامه، وقد سبق نومه تفكير في الجماع جعلناه مذيًّا؛ لأن المذي يخرج بعد التفكير في الجماع، وبعد ذلك يخرج بدون إحساس، وإن لم يسبقه، ففيه قولان لأهل العلم: قيل: إنه يجب أن يغتسل احتياطًا، وقيل: لا يجب، فقد تعارض هنا أصلان (... ). يدل على أنه إذا رأى احتلامًا فإنه يجب عليه الغسل قول النبي عليه الصلاة والسلام في المرأة إذا احتلمت: أعليها الغسل؟ قال: «نَعَمْ، إِذَا هِيَ رَأَتِ الْمَاءَ».


ثم قال المؤلف: (وإن انتقل ولم يخرج، اغتسل له)، (انتقل) يعني: إن انتقل الماء؛ يعني: أحس بانتقاله، ولكنه لم يخرج، فإنه يغتسل؛ الدليل: ليس هناك دليل، ولكنّ هناك تعليلًا؛ وهو أن الماء قد باعد مَحَلَّه، فصدق عليه أنه جُنب؛ لأن الجنابة أصلها من البعد، فإن الجنابة الجيم والنون والباء، كلها تدل على التباعد، كما يقال: هذا في جانب، وهذا في جانب، فإذا كان الماء قد انتقل وباعَد مَحَلَّه فقد صدق عليه أنه جُنُب.
هذه هي العلة الموجبة للغسل، ولكن يقال: هل يمكن أن ينتقل ولا يخرج؟ نعم، يمكن؛ إما بأن يمسك بآلته حتى لا يخرج، وهذا وإن كان الفقهاء مثَّلوا به فإنه خطير جدًّا، والفقهاء -رحمهم الله- يُمثِّلون بالشيء للتصوير بقطع النظر عن حِلِّه أو حرمته، وهذا لا شك أنه ضرر عظيم على الإنسان، ربما إذا انحبس هذا المستعد للخروج في مكان ما؛ صار فيه التهابات قد لا يمكن برؤها، ولكن ربما ينتقل ولا يخرج لسبب آخر؛ بحيث تفتر الشهوة لسبب من الأسباب، ففي هذه الحال قد لا يخرج.
هل يجب عليه الغسل أم لا؟ المؤلف يقول: يجب عليه أن يغتسل، وليس هناك نص في هذه المسألة، ولكن هناك تعليل.

والقول الثاني في المسألة: أنه لا غُسل بالانتقال، أنه إذا انتقل المني، وأحس الإنسان بانتقاله، ولكنه لم يخرج فإنه لا غسل عليه، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وهو القول الصواب الذي يدل عليه حديث أم سليم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، أعليها الغسل؟ قال: «نعم»، لكن بشرط «إِذَا هِيَ رَأَتِ الْمَاءَ» (6)، ولم يقل عليه الصلاة والسلام: أو أَحَسَّت بانتقاله، ولو كان الغسل واجبًا بالانتقال لبيَّنه النبي صلى الله عليه وسلم لدعاء الحاجة إلى بيانه.
هذا دليل، دليل آخر: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» (6)، وهنا هل هناك ماء؟ ليس هناك ماء، وقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» يدل على أنه إذا لم يكن ماء فلا ماء.
ثالثًا: الأصل بقاء الطهارة، وعدم موجِب الغسل، وهذ الأصل لا يمكن أن يُعدَل عنه إلا بدليل.
فهذه ثلاثة وجوه؛ دليلان وقياس نظر، كلها تدل على أنه إذا انتقل ولم يخرج؛ فإنه لا يجب الغسل.
قال المؤلف: (فإن خرج بعده لم يعده)؛ يعني لو اغتسل لهذا الذي انتقل، ثم بعد ذلك مع الحركة خرج فإنه لا يعيد الغسل؛ وذلك لأنه سبب واحد، فلا يُوجِب غُسلين؛ فالرجل هنا قد اغتسل عن الأول فلا يوجب خروجه غسلًا ثانيًا، هذا من وجه، ومن وجه آخر، أنه إذا خرج بعد ذلك فإنه يخرج بدون لذة، ولا يجب الغسل إلا إذا خرج بلذة.
نعم، لو طرأ على الإنسان شيء جديد، فخرج مني جديد غير الأول الذي انتقل؛ فإنه يجب عليه الغسل بهذا السبب الثاني.
ثم قال رحمه الله: (وتغييب حشفة أصلية)، هذا هو الْمُوجِب الثاني من مُوجِبات الغُسل.
(تغييب حشفة أصلية في فرج أصلي، قُبلًا كان أو دُبرًا) التغييب معروف؛ تغييب الشيء في الشيء معناه: أن يختفي فيه.

وقوله: (حشفة أصلية) (أصلية) احتراز يحترز بذلك عن حشفة الخنثى الْمُشْكِل؛ فإنها ليست بأصلية؛ وقد مر علينا أن الخنثى الْمُشْكِل هو الذي له آلة ذكر وآلة أنثى، ويتبول منهما جميعًا، فإن هذا يكون مشكلًا، وربما يتضح بعد البلوغ، لكن ما دام على إشكاله فإنه لا يُعتبر فرجه أصليًّا.
(في فرج أصلي)، (أصلي) احترازًا من إيه؟ من فرج الخنثى الْمُشْكِل، فإنه لا يُعتبر تغييب الحشفة فيه مُوجبًا للغسل؛ لأن ذلك ليس بفرج.
فإذا غيَّب الإنسان حشفته في فرج أصلي وجب عليه الغسل سواء أنزل أم لم يُنزل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ»، أخرجه الشيخان، وفي لفظ لمسلم: «وإِنْ لمْ يُنْزِلْ» (7)، وهذا صريح في وجوب الغسل حتى مع عدم الإنزال.
وهذه المسألة تخفى على كثير من الناس، فما أكثر الذين تشكل عليهم، تجده يتزوج وهو صغير ولم يدرس، وكذلك زوجته، ثم يحصل منهما هذا الأمر عدّة مرات، ولا يغتسل لا الرجل ولا المرأة، بناءً على أنه لا يجب الغسل إلا إذا حصل الإنزال، وهذا خطأ؛ ولذلك ينبغي أن نبث هذا العلم بين الناس حتى لا يحصل الجهل، فهذا التغييب مُوجِب للغسل سواء حصل الإنزال أم لم يحصل؛ دليله: حديث أبي هريرة الذي أشرنا إليه آنفًا: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ وإِنْ لمْ يُنْزِلْ».
وقول المؤلف: (حشفة أصلية في فرج أصلي، قُبلًا كان أو دُبرًا)، مع أن وطء الدبر حرام، لا يحِل بوجه من الوجوه، لا يحل للرجل أن يجامع زوجته في دبرها، وغير الزوجة من باب أوْلى، وهذا هو الذي قلت لكم -قبل قليل-: إن العلماء يذكرون الصور بقطع النظر عن كونها حلالًا أو حرامًا، ويعرف حُكْمها من محل آخر.

جارٍ التحميل