وأما الثاني: -وهو أنه محرم أو غير محرم- فقد قال به بعض العلماء: إنه وإن كان سفره محرمًا يُعطَى، ولكن الصحيح أنه لا يُعطَى إلَّا إذا تاب، إذا تاب أعطيناه، وهو سهل؛ أن نقول له: تب إلى الله ونعطيك.
فيستفيد بهذا فائدتين: الفائدة الأولى؟
طلبة: التوبة.
الشيخ: التوبة، والثانية: قضاء حاجته.
وقول المؤلف: (يُعطَى ما يوصله إلى بلده)، ظاهر كلامه أنه يُعطَى ما يوصله إلى غايةِ سفرِه، ثم رجوعِه، يعطى ما يوصله إلى غاية السفر ثم الرجوع، فإذا قدَّرْنا أنه رجل يريد أن يحج وهو من أهل القَصِيم عن طريق المدينة، وفي المدينة ضاعت نفقتُه، فهل نقول: الآن لا نعطيك من الزكاة إلَّا ما يردُّك إلى القصيم، أو نعطيه ما يوصله غاية مقصوده ثم يُرَجِّعُه؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني هو المقصود؛ لأنه يَفُوت به غرَضُه إذا قلنا: ارجع.
فإن كان في رجوعه (... )
إذن كلام المؤلف يشمل القصيرَ والطويلَ، صح؟
طالب: نعم.
الشيخ: يعني على ظاهره: المحرم وغير المحرم، نقول: هكذا أيضًا قال بعض العلماء، وقالوا: إن السفر تثبُت به الرُّخَصُ ولو كان محرمًا، حتى إن له القصرَ والمسحَ ثلاثة أيام على الْخُفِّ، ولكن المذهب -وهو أصح خصوصًا في مسألة الزكاة- أن نقول له: تب ثم نعطيك.
والأمر سهل، هذا خير له.
قال: (دون الْمُنْشِئ للسفر من بلده)؛ لأن المنشئ للسفر من بلده لا يَصْدُق عليه أنه ابنُ سبيل، لو قال: أنا محتاج أن أسافر إلى المدينة، وليس معه فلوس، فإننا لا نعطيه، لماذا؟ لا نعطيه بوصفه ابنَ سبيل؛ لأنه لا يصْدُق عليه أنه ابن سبيل، لكن إذا كان سفرُه إلى المدينة مُلِحًّا ضروريًّا وليس معه ما يسافر به فإنه يُعطَى من جهة أخرى، ما هي؟
طلبة: الفقر.
الشيخ: الفقر، يُعطَى لفقره.
قال المؤلف: (فيُعطَى ما يوصله إلى بلده.
ومن كان ذا عيالٍ أخذ ما يكفيهم)، إذا كان له عيالٌ فإنه يأخذ ما يكفيهم ولو دراهم كثيرة، فلو فرضنا أنه ذو عائلة كثيرة، وأن المعيشة غالية، وأنه يحتاج إلى مائة ألف في السنة فهل نعطيه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعطيه مائة ألف؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، نعطيه مائة ألف؛ وذلك لأن عائلته لازِمَةٌ له، لو قلنا له: نحن نعطيك أنت والعائلة رزقُها على الله، يقول: لا، أنا عائلتي لا بد أُنفِق عليهم.
فيُعطَى ما يكفيه ويكفي عياله.
قوله: (ذا عيال) مأخوذة من العَيْلَة؛ أي لأن العيال فقراء بالنسبة لمن يَعُولهم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 28].
(ويجوز صرفُها إلى صِنفٍ واحد)، يجوز صرفها إلى صنف واحد من الأصناف الثمانية: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 60].
وهذه المسألة مسألة خلاف بين أهل العلم، فمن العلماء مَن يقول: يجب تعميمُ الأصنافِ في الزكاة، فمَنْ زكاتُه ثمانون درهمًا يجب أن يعطِي كل واحد.
طلبة: عشرة عشرة.
الشيخ: عشرة عشرة، أو مثلًا ثمانية واثني عشر، أو ما أشبه ذلك، المهم لا بد أن تعم الأصناف؛ لأن هؤلاء الأصناف ذُكِرُوا بالواو الدالَّة على الاشتراك، وكما أن الغنيمة تُعطَى جميعَ الأصنافِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: 41]، يجب في الغنائم تعميمُ هؤلاء الأصناف، وقد ذكر أهل العلم أن الغنيمة تُقسم خمسةَ أسهمٍ: أربعة للغانمين، والسهم الخامس يُقسم على خمسة أسهم: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ وهذا واحد، ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، قالوا: فكما يجب التعميمُ في آية الغنائم يجب التعميمُ في آية؟
طلبة: الزكاة.
الشيخ: الزكاة، وكما لو قلت: هذا المال لزيد وعمرو وبكر وخالد، أو: هذا المال لطلبة العلم والعُبَّاد والمجاهدين، يكون للجميع، فهذا أيضًا مثله، ولا شك أن هذا القول قوي، ولكن إذا وُجِد ما يُخرِجه عن هذا المدلول وجب الأخذُ بما يدل على إخراجه من هذا المدلول، وقد جاءت أدلة تدل على أنه يجوز الاقتصار على صنف واحد، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 271]، والصدقات هنا تشمل:
طالب: التطوع.
الشيخ: الزكاة والتطوع، وقد ذكر الله الزكاة بلفظ الصدقات: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: 60]، ولقول النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- حين بعث معاذًا إلى اليمن: «أَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ» (1)، صنف واحد؛ ولأن الرسول -عليه الصلاة والسلام- قال لقبيصة: «أَقِمْ عِنْدَنَا حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا» (2).
فهذه أدلة تدل على أن المراد بالآية بيان المستحقين، لا تعميم المستحقين، بيانهم، بيان مَن يستحق الزكاة، لا أن المراد بها التعميم، ومعلوم أن الشريعة يُبَيِّن بعضها بعضًا، وما بينته الشريعة أولى من القياس، لا شك.
قال: (يجوز إلى صنف واحد)، وإذا جاز إلى صنف واحد هل يجب أن يُعطَى من هذا الصنف ثلاثة فأكثر؛ لأن الآية بصيغة الجمع: ﴿لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ﴾ هل يجب أن نعمم؟ أو نقول: إن هذا بيان للمستحقين، فيَصْدُق بالواحد؟ الجواب؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني؛ بدليل حديث قبيصة: «فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا».
فصار الآن في المسألة أقوال:
القول الأول: أنه يجوز الاقتصار على واحد من صنف واحد، وهذا أخص ما يكون من الأقوال.
الثاني: يجوز الاقتصار على صنف واحد بشرط أن يكون جماعة.
الثالث: يجب تعميم الأصناف، ولو على واحد.
والرابع: يجب تعميم الأصناف: كل صنف على جماعة، ثلاثة فأكثر.
وبهذا التقرير وبغيره وبما مر علينا في الدرس البارحة يتبين كيف قسَّم اللهُ عز وجل الأفهام والعلوم بين عباده؛ لأن هذه الاختلافات ليست عن سوء قصد وعن هوى؛ إذ إن المخالفة فيها من جهابذة العلماء وأمناء العلماء، ولكنها إمَّا عن نقص في العلم أو قُصور في الفهم، والله يؤتي فضله من يشاء.
(ويجوز إلى صنف واحد)، وظاهر كلام المؤلف أنه يجوز أن يقتصر على صنف واحد ولو كان غريمه، لو كان غريمًا له، مثل أن يكون لك غريم تطلبه دراهم وهو فقير فتعطيه، كذا؟ يجوز أو لا؟
طلبة: يجوز.
طالب: (... ).
الشيخ: إي نعم، رجل يطلب شخصًا دراهم، ألف ريال، وهذا الشخص فقير، فأعطاه الطالبُ من زكاته، أيجوز أم لا؟
طلبة: (... ).
الشيخ: هذا اللي قلته.
طالب: تفصيل.
طالب آخر: يجوز.
الشيخ: هل هذا الرجل يصْدُق عليه أنه فقير؟ طيب، إذن الحكم عُلِّقَ بهذا الوصف؛ بالفقر، أَعْطِه.
هل يجوز أن يعطيه لقضاء الدين؟
طالب: لا يجوز.
طالب آخر: نعم يجوز.
الشيخ: لقضاء الدين؟
طلبة: (... ).
الشيخ: طيب أنا أقول لكم، خَلُّونا نبحث في الآية، الآية أمامنا: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾، فهل هو غارم؟
طالب: نعم.
طالب آخر: لنفسه هو غارم.
الشيخ: إي، غارم لنفسه، فقير ما يقدر يوفي، هل هو غارم؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب ما الذي يُخرِجه من الوصف؟
طالب: لأن الدَّيْن له.
الشيخ: طيب، أنا أعطيته، ما قلت: خذ، هذه ألف ريال من الزكاة أوفني بها، لو قلت هكذا ما يجوز، قلت: هذه ألف ريال؛ لأنه مدين، قد يصرفها في ديني أو في دين غيري، ما هو على كل حال يصرفها في ديني، وقد يكون فقيرًا ولا يصرفها في الغرم؛ لأن أنا ما قلت: خذ هذه لغرمك، هو فقير مستحق بالفقر ومستحق بالغرم، فأعطيته الزكاة ولم أشترط عليه أن يردها لي، هذا جائز، فلو ردها عليَّ هل يجوز لي قبولها؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، يجوز؛ لأنه مَلَكَها.
مسألة ثانية قريبة من هذا: لو كان هذا الذي أطلبه لو كان فقيرًا وأنا عليَّ زكاة ألف ريال وأطلبه ألف ريال، فقلت له: أسقطت عنك ألف ريال من زكاتي؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: هذا لا يجوز، فإبراء الغريم من الزكاة لا يجوز؛ لأن الزكاة أخْذٌ وإعطاء، ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: 103]، «أَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» (1)؛ ولأن العين أغلى وأنفس من الدَّيْن، أليس كذلك؟ العين اللي بصندوقك في مُتَّجَرِك لا شك أنها أرفع من الدَّين الذي في ذمم الناس، قد يأتي وقد لا يأتي، فإذا أسقطت الدَّيْن عن العين فهذا من باب تيمم الخبيث لينفق منه، الخبيث يعني؟
طالب: رد الدَّيْن.
الشيخ: الرديء، فلا يجوز؛ ولهذا إبراء الغريم لا يجوز، وإعطاء الغريم يجوز.
قال: (ويُسَنُّ في أقاربه الذين لا تلزمه مَؤُونتُهم)، (يسن): أي صَرْفُ الزكاة (في أقاربه الذين لا تلزمه مؤونتهم) مثل: أخيه، عمه، خاله، ابن أخيه، وما أشبه ذلك، يُسَنُّ أن يصرفها لهم، لكن متى؟ إذا كانوا من أهل الزكاة.
إذا كانوا من أهل الزكاة فإن السنة والأفضل أن تصرف زكاتك فيهم؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «صَدَقَتُكَ عَلَى ذِي الْقَرَابَةِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» (3) تجمع بين أمرين، لكن اشترط المؤلف: (ألَّا تلزمه مؤونتهم)، أي: لا يلزمه الإنفاقُ عليهم، فإن لزمه الإنفاق عليهم فلا تُجْزِئ؛ لماذا؟ لأنه يدفع عن ماله ضررًا؛ لأنه إذا أعطاهم زكاته واغتنَوْا بها سقطت عنه؟
طلبة: نفقتهم.
الشيخ: نفقتهم، فصار ببذله الزكاة مُسْقِطًا لواجبٍ عليه، والقاعدة: أنه لا يجوز أن يُسْقِط الإنسان بزكاته واجبًا عليه، ولا بكفارته أيضًا، لا يجوز أن يُسْقِط الإنسان واجبًا عليه لا في زكاته ولا في كفارته.
الزكاة عرفتموها، هؤلاء إخوتي فقراء وأنا غني، وتلزمني نفقتُهم حسب الشروط التي قرأناها في النفقات، وعندي زكاة إذا أعطيتهم إياها كَفَتْهُم لمدة سنة أو نصف سنة أو أقل أو أكثر، فهل يجوز أن أعطيهم إياها؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأنهم إذا اغتَنْوا بها؟
طالب: سقط.
الشيخ: سقط الواجب عني، فأسقطت بها واجبًا عليَّ.
ومثال الكفارة: عليَّ كفارة إطعام عشرة مساكين، يجوز أن أُغَدِّيَهم من الكفارة؟
طالب: لا.
طالب آخر: ما يجوز.
الشيخ: لا، الصحيح يجوز، يجوز أن أغديهم، يجوز أن أعشيهم، فهؤلاء الفقراء نزلوا ضيفًا عليَّ، والضيف يجب إكرامُه، يجب إكرامه بغدائه وعشائه يومه وليلته، فغَدَّيْتُ هؤلاء ونويتها كفارة، يجزئ ولَّا لا؟
طلبة: لا يجزئ.
الشيخ: كيف تقولون قبل قليل: يجزئ، والآن تقولون: ما يجزئ؟
طالب: (... ).
الشيخ: لأنني بهذا الإطعام أيش؟
طلبة: أسقَطْتُ واجبًا.
الشيخ: أسقطت واجبًا عليَّ؛ لأنه يجب عليَّ أن أضيفهم بغداء وعشاء، وبكل ما يلزم في ضيافتهم، فإذا غديتهم وعشيتهم ونويته عن كفارة عليَّ فقد أسقطت واجبًا عليَّ من كفارتي، أو أسقطت بكفارتي واجبًا عليَّ، وهذا لا يجوز.
وهذه قاعدة نافعة: أن الزكاة والكفارات لا تجزئ في إسقاط واجب على المزكِّي أو الْمُكَفِّر.
إذا كان أبُو الإنسانِ فقيرًا، وعنده زكاة عند الابن، هل يجوز أن يصرفها لأبيه؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: أعوذ بالله، الأب ما هو من الأقارب؟
طلبة: بلى من الأقارب.
الشيخ: طيب، المؤلف يقول: (أقاربه).
طلبة: بس تلزمه نفقته (... ).
الشيخ: قيَّدها، بماذا؟
طلبة: (... ).
الشيخ: (الذين لا تلزمه مؤونتهم)، أنا ما تلزمني مؤونة أبي؛ لأن الذي عندي لا يكفيني أنا وزوجتي، يالله -كما يقول أهل الحجاز وأظن أهل مصر- يالله يا دوب يكفيني أنا وزوجتي، نعم؟
طلبة: ما عليه زكاة.
الشيخ: هل يجب عليَّ الإنفاق على أبي في هذه الحال؟
طلبة: لا يجب.
الشيخ: لا يجب، إذن يجوز أن أعطيه من زكاتي؛ لأني في هذه الحال لا أُسْقِط بها واجبًا عليَّ، وزكاتي الآن ستذهب: إمَّا إلى والدي وإمَّا إلى غيره، فهل من الأَوْلى عقلًا فضلًا عن الشرع أن أعطي ابن الناس يتمتع بزكاتي ويدفع حاجته وأترك أبي يتضور من الجوع؟ نعم؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، وأنا ما أستطيع أن أُنْفِق عليه، لا أستطيع أن أنفق على والدي، ففي هذه الحال يجزئ أن أعطي والدي من زكاتي، وربما يؤخذ من قول المؤلف: (الذين لا تلزمه مؤونتهم)؛ لأن مِن شرطِ وجوب النفقة -حتى عند المؤلف ومن قال بقوله من الأصحاب- غِنَى الْمُنْفِق، وهنا المنفق غير غني؛ لأنه لا يجد ما ينفق على هؤلاء به.
طالب: المال الزكوي يُخرِجه نفقة (... ) لكن ما عنده شيء، كيف يتصور؟
الشيخ: كيف ما يتصور؟ إذا كان ما عنده إلا خمس مئة ريال مثلًا، حال عليها الحول لكنه يحتاجها لنفقته هو وزوجته، أو أنثى مثلًا عندها حُلِي، محتاجة لبقائه عليها، لا يمكن أن تبيعه، وفيه الزكاة، وليس عندها إلا مقدار زكاة الحلي، مسألة متصورة وقريبة، ما هي شيء من الفَرْضِيَّات، ليست من الأمور الفَرْضِيَّة، فالقاعدة الآن القاعدة التي ستنفعكم: ألَّا يُسْقِط بالزكاة؟
طلبة: واجبًا.
الشيخ: واجبًا عليه، هذه القاعدة هي النافعة، هذه طَبِّقْها حتى على الأخ وعلى العم إذا وجبَتْ نفقتُهما لا تعطيهما من الزكاة.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
فصل
ولا تُدْفَع إلى هاشمي ومُطَّلِبِيٍّ ومواليهما، ولا إلى فقيرة تحت غَنِيٍّ مُنْفِق، ولا إلى فرْعِه وأصله، ولا إلى عَبْدٍ وزوجٍ، وإن أعطاها لِمَنْ ظنَّه غيرَ أهلٍ فبان أهلًا، أو بالعكس لم يُجْزِه إلا لِغَنِيٍّ ظنه فقيرًا، وصدقةُ التطوعِ مستحبةٌ، وفي رمضان وأوقاتِ الحاجاتِ أفضلُ، وتُسَنُّ بالفاضل عن كفايته ومَن يَمُونُه، ويَأْثَمُ بما يَنْقُصُها).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعَهم بإحسان إلى يوم الدين.
رجل متطوع يجاهد في سبيل الله، هل له من الزكاة شيء؟
طالب: المذهب، يُشترط أنه يكون لا يأخذ من الديوان شيئًا.
الشيخ: إي نعم، أنا قلت: رجل غاز متطوع هل له من الزكاة شيء؟
طالب: المذهب ليس له زكاة، والصحيح أنَّ له.
الشيخ: كيف؟ غازٍ متطوع، يعني ما له من الديوان شيء!
الطالب: له يا شيخ.
الشيخ: له؟
الطالب: له.
الشيخ: ما الدليل؟
الطالب: قول الله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 60].
الشيخ: نعم، هل يُصرَف من الزكاة في شراء أسلحة للجهاد في سبيل الله؟
طالب: نعم، على القول الراجح.
الشيخ: نعم، على القول الراجح، والمذهب: لا، ما الذي جعل هذا القول راجحًا؟
الطالب: أن الجهاد في سبيل الله يتضمن..
الشيخ: أن شراء الأسلحة.
الطالب: أن شراء الأسلحة (... ) في الجهاد في سبيل الله.
الشيخ: نعم، تمام.
مَن هو ابن السبيل؟
طالب: هو المسافر المنقطع به السبيل.
الشيخ: ولماذا سُمِّي ابنَ سبيل؟ لأن السبيل لم تلده؟
الطالب: إي نعم، العرب تُطْلِق (... ) إذا كان ملازمًا له.
الشيخ: أحسنت، العرب تُطلق الابن على ما لَازَم غيره، كابن مثل؟
الطالب: ابن الماء.
الشيخ: ابن الماء لطير الماء.
رجل أراد أن يُنْشِئ سفرًا من بلده، هل يُعطَى من الزكاة؟
طالب: لا يُعطَى.
الشيخ: لا يعطى؟
الطالب: لأنه لا يُسمَّى مسافرًا.
الشيخ: ولا فيه تفصيل؟ جاءك سؤال بهذا: رجل أراد أن يُنشِئ سفرًا من بلده، فهل يُعطَى من الزكاة؟
الطالب: قلتم يا شيخ: لا يُعطَى.
الشيخ: ما قلنا، قاله خالد.
طالب: حفظكم الله، أولًا: لا بد أن يكون فقيرًا، الثاني: أن لا بد تكون حاجته ضرورية فيُعطَى من باب الفقر.
الشيخ: إن أُعطِيَ للفقر فلا بأس، إن أعطي لكونه ابن سبيل؟
طلبة: فلا.
الشيخ: فلا، إذن.
الطالب: فيه تفصيل.
الشيخ: فيه تفصيل، طيب، لكن خالدًا يريد أنه لا يُعطَى بصفته؟
طالب: مسافرًا.
الشيخ: ابن سبيل؛ بدليل تعليله، لكن إذا جاءنا سؤال من عامِّيٍّ يقول: هل نعطي شخصًا يريد أن ينشئ السفر من بلده إلى بلد آخر؟ لا بد أن نُفَصِّل.
رجل يكفيه ما يمونه في السنة عشرة آلاف، لكنه ذو عيال ولا يكفيه إلا عشرون ألفًا، فهل نعطيه عشرين ألفًا؟ أو عشرة فقط؟
طالب: نعطيه عشرة يا شيخ، تكملة النفقة.
الشيخ: ولا نعطيه عشرين ألف، فتبقى عائلته جائعة ميتة من الجوع!
الطالب: لا يا شيخ؛ لأن عنده بعض (... ) عشرة آلاف.
الشيخ: لا، رجل أعطيناه عشرة آلاف، تكفيه، وله عائلة، لكن مع عائلته لا يكفيه إلا عشرون ألفًا، فهل نعطيه عشرين ألفًا؟
الطالب: نعم، يُعطَى عشرة.
الشيخ: يعني يُعطَى كفايته وكفاية عائلته؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: طيب، ما تقولون؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح.
يقول المؤلف: (إنه يُسَنُّ صرْفُ الزكاة إلى أقاربه)، فهل هذا على عمومه؟
طالب: لا، ليس على عمومه.
الشيخ: ها؟
الطالب: يُستثنَى مِن ذلك مَن يمون.
الشيخ: يُستثنَى مِن ذلك مَن يمون، فالذي يَمُونُهم لا يعطيهم من الزكاة، أو الذين تلزمه مؤونتُهم؟
الطالب: الذين تلزمه مؤونتُهم.
الشيخ: الذين تلزمه مؤونتُهم، طيب، لا الذين يَمُونُهم.
الطالب: (... ).
الشيخ: نعم؟ لماذا عَدَلْتَ عن الكلام الأول؟ قل.
طالب: أنا يا شيخ؟
الشيخ: إي.
الطالب: ما حضرت.
الشيخ: ما حضرت، نعم.
طالب: فيه شرطان، أن يكونوا من أهل الزكاة.
الشيخ: هم من أهل الزكاة، لكن هل نقول: هل العبارة: الذين لا تلزمه مؤونتُهم؟ أو: الذين يَمُونُهم؟
الطالب: أَعِدْ السؤال.
الشيخ: هل المراد أقاربه الذين لا يَمُونهم؟ أو الذين تلزمه مؤونتُهم؟
الطالب: تلزمه مؤونتُهم.
الشيخ: ما الفرق؟
الطالب: تلزمه مؤونتُهم واجب عليه أن ينفق عليهم.
الشيخ: يعني لا يجب أن ينفق عليهم؛ لأنه يقول: (الذين لا تلزمه).
الطالب: نعم.
الشيخ: اصبر، ها؟
طالب: الشرط ألَّا تلزمه مؤونتُهم.
الشيخ: أو ألَّا يَمُونهم؟ أيهما الشرط؟ ألَّا يَمُونهم؟ أو: ألَّا تلزمه مؤونتُهم؟
طالب: ألَّا تلزمه.
الشيخ: ما الفرق؟
الطالب: (ألَّا يمونهم)؛ يعني: قد يَمُونه وهو لا يجب عليه.
الشيخ: وفي حال كونه يمونُهم ولا تلزمه مؤونتُهم يجوز أن يعطيهم من الزكاة؟
الطالب: إن كان يمونهم استحبابًا أو..
الشيخ: إي تطوعًا، ما دام ما تلزمه معناه تطوع.
الطالب: نعم يجوز.
الشيخ: يجوز، نعم، إي نعم.
طالب: بمعنى واحد.
الشيخ: بمعنى واحد؟
الطالب: هو (... ) إذا طالب الذين.
الشيخ: هو ليس بمعنى واحد قطعًا، لكن بس ما الفرق؟ وهل ينبني على هذا الفرق حكمٌ أو لا؟
طالب: الذين لا تلزمه مؤونتُهم كالخال.
الشيخ: لا، ما نريد المثال، لكن لو فرضنا أنه يَمُون جماعة لا تلزمه مؤونتُهم، هل يعطيهم من الزكاة أو لا؟
الطالب: نعم يعطيهم.
الشيخ: يعطيهم؟
الطالب: إي.
الشيخ: جزمًا؟
الطالب: جزمًا يعطيهم.
الشيخ: إي، صحيح؟
طلبة: صحيح، نعم.
الشيخ: صحيح؛ لأنه لا تلزمه مؤونتُهم، يستطيع أن يطردهم، يقول: روحوا ما أُنفِق عليكم؛ ولأنه إذا أعطاهم من زكاته يدفع بذلك مِنَّتَه عليهم فيستغنُون عن؟
طالب: مؤونته.
الشيخ: عن مؤونته، إي نعم، وعبارة المؤلف واضحة، قال: (الذين لا تلزمه مؤونتُهم) ولم يقل: الذين لا يمونهم.
وبينهما فرق، وأظن، ما أدري شرحنا هذا ولَّا لا؟
طالب: شرحناه.
الشيخ: طيب.
طالب: (... ).
الشيخ: ثم قال المؤلف: (فصل) هذا الفصل يريد أن يبين فيه موانع الزكاة، أي موانع استحقاق مَن هو من أهل الزكاة لصرف الزكاة إليه، ما الذي يمنع الإنسانَ من إعطاء الزكاة وهو أهل لها؟ هذا هو المراد بهذا الفصل، يعني قد يكون الإنسان يتصف بوصف يستحق به الزكاة ولكنه لا يُعطَى لوجود المانع.
فهذا الفصل معقود لبيان موانع الزكاة، أي: الموانع التي تمنع الشخصَ من إعطائه الزكاة؛ وذلك لأن الأصل أن الأشياء لا تتم إلا بوجود أسبابها وشروطها وانتفاء؟
طلبة: موانعها.
الشيخ: موانعها، فالقرابة مثلًا سبب من أسباب الإرث، وإذا وُجِدَ مانعٌ كاختلاف الدِّين امتنع الإرثُ، هكذا أيضًا الوصف الذي يستحق به الإنسان من الزكاة قد يوجد فيه مانع يمنع من إعطائه الزكاة، ذُكِر في هذا الفصل.
قال: (لا تُدفَع إلى هاشِمِيٍّ) أي ذرية هاشم؛ لأنهم من آلِ محمدٍ عليه الصلاة والسلام، وآلُ محمدٍ أشرفُ الناسِ نسبًا، ولِشرفهم لا يُعطَوْن من الزكاة لا احتقارًا لهم، بل إكرامًا لهم؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعمه العباس حين سأله من الزكاة قال: «إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِآلِ مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ» (4)، فبَيَّنَ الرسولُ عليه الصلاة والسلام الْحُكْمَ والعلة، الحكمُ: أنها؟
طالب: لا تحل.
الشيخ: لا تحل لهم.
والعلة؟
طلبة: أوساخ الناس.
الشيخ: أنها أوساخ الناس، وهم أكملُ وأشرفُ من أن يتلقَّوْا أوساخ الناس.
كيف؟ الدراهم أوساخ؟ الغنمُ -إذا كان زكاتُه زكاةَ غنم- أوساخٌ؟ الإبلُ أوساخٌ؟ التمرُ أوساخٌ؟ الْحَبُّ، البُرُّ أوساخ؟ لا، كيف كان هذا؟
نقول: لأن الزكاة تُطَهِّر، والطَّهُور يتسخ بما يُطَهِّرُه؛ ودليلُ ذلك قولُه تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: 103]، الآن إذا كان بين يديك إناء وسخ فغسلته بالماء صار الماء؟
طالب: وسخًا.
الشيخ: يحمل هذه الأوساخ؛ فلهذا قال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ»، فلا تَحِلُّ.
هاشم منزلتُه بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم الجدُّ أيش؟
طالب: الثاني.
الشيخ: ابن عبد الله، ابن عبد المطلب، ابن هاشم.
طالب: الرابع.
طالب آخر: الجد الثاني.
الشيخ: عبد الله هذا الأب، عبد المطلب هذا الجد، ابن هاشم.
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، وإن شئت قل: هو الأب الثالث لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلا تَحلُّ لآلِ هاشم أو لبني هاشم الزكاةُ، والدليلُ هذا الحديث.
واختلف العلماء رحمهم الله: هل يصح أن تُدفعَ زكاةُ هاشِميٍّ لِهاشميٍّ؛ لقوله: «إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ» أي: الناس الذين سواكم، أو لا؟
فمِن العلماء من يقول: إنه يصح أن تُدفعَ زكاة الهاشمي لهاشِميٍّ مثله؛ لأنهما في الشرف سواء، فإذا كانا سواءً فإنه لا يُعَدُّ مَثْلَبَة إذا أعطى زكاتَه نظيرُه، ولكن إذا نظرنا إلى عموم الأحاديث وجدنا أنه لا فرق بين أن تكون زكاة هاشمي أو غيره: «أَوْسَاخُ النَّاسِ»، والهاشميون:
طلبة: ناس.
الشيخ: من الناس، فلا تَحلُّ لهم، نعم لو فُرِض أنه لا يوجد لإنقاذ حياة هؤلاء من الجوع إلا زكاة الهاشميين فزكاة الهاشميين أَوْلَى من زكاة غير الهاشميين لا شك.
وقال بعض أهل العلم: يجوز أن يُعطَوْا من الزكاة إذا لم يكن خُمُسٌ؛ بأن لا يوجد خُمُسٌ أو وُجِد ومُنِعُوا منه.
ما الْخُمُس؟ الخمس: هو أن الغنائم تُقسَم خمسة أسهم، أربعةُ أسهم للغانِمين، وسهمٌ واحد يُقسَم خمسة أسهم أيضًا:
سهمٌ لله ورسوله يكون هذا في مصالِح المسلمين، وهو ما يُعرَف بالفَيْءِ أو بيت المال.
السهم الثاني: لذي القربى، مَنْ ذو القربى؟ هم قرابة الرسول عليه الصلاة والسلام، وهم بنو هاشم وبنو المطلب؛ لأن بني المطلب يشاركون بني هاشم في الْخُمُس.
واليتامى، والمساكين، وابن السبيل.
فإذا مُنِعُوا الْخُمُسَ أو لم يوجد خُمُس -كما هو الشأن في وقتنا هذا- فإنهم يُعطَوْن من الزكاة دفعًا أيش؟
طالب: (... ).
الشيخ: لضرورتهم إذا كانوا فقراء، وليس عندهم عمل، ندَعُهم يموتون جوعا؟ ! أو نقول للناس: تصدقوا عليهم! فإذا قال الناس: لن نتصدق، فالحاصل أنَّهم إذا لم يكن خُمُسٌ فإنهم يُعطَوْن من الزكاة عند الضرورة، دفعًا للضرورة، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الصحيح؛ أنه إذا لم يكن خُمُسٌ فلهم أن يأخذوا حاجتهم من الزكاة.
الصدقة -صدقة التطوع- هل تُدفع إلى بني هاشم؟ نعم، يأخذون من صدقة التطوع؛ لأن صدقة التطوع كمال، وليست أوساخ ناس، فيُعطَوْن من صدقة التطوع، وبِهذا نعرف أن بني هاشم ينقسمون إلى قسمين:
قِسْمٌ: لا تَحل لهم صدقةُ التطوعِ ولا الزكاةُ الواجبةُ، وهم شخصٌ واحدٌ، مَنْ؟ مُحَمَّدُ بنُ عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، هذا لا يأكل الصدقة الواجبة ولا التطوع، والبقية من بني هاشم يأكلون صدقة التطوع، ولا يأكلون الصدقة؟
طلبة: الواجبة.
الشيخ: الواجبة.
قال المؤلف رحمه الله: (ومُطَّلِبِيٍّ) الْمُطَّلِبِيُّون: المنتسبون إلى الْمُطَّلِب، والمطلب أخو هاشم، وأبوهما عبد مناف، وله أربعة أولاد -عبد مناف-: هاشم، والمطلب، ونوفل، وعبد شمس.
«بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ» (5) كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم، هما في النُّصْرَة شيء واحد، حتى إن قريشًا لما حاصرت بني هاشم انضم إليهم بنو المطلب، وقصة المحاصرة في الشِّعْب مشهورة في التاريخ.
ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لما احتج عليه رجالٌ من بني عبد شمس في إعطاء بني المطلب من الْخُمُسِ ولم يعطهم، قال: «إِنَّمَا بَنُو الْمُطَّلِبِ وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ»، هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام، وبناءً على ذلك قال المؤلف: إنها لا تُدفع الزكاة إلى بني المطلب، لماذا؟
طالب: واحد.
طالب آخر: شيء واحد.
الشيخ: ليس لأنهم من آل البيت، ولكن لأنهم مشاركون لآل البيت في الْخُمُس فيستغنون بما يأخذون من الخمس عن الزكاة، وهذا التعليل يدل على أنه إذا لم يكن خُمُسٌ فهم يستحقون الزكاة قطعًا ولا إشكال فيه، بخلاف بني هاشم.
إذن بنو المطلب حُكْمُهم في مَنْع الزكاة حُكْم بني هاشم، حُكْمُهم في استحقاق الْخُمُس كبني هاشم.
بنو عمهم: النَّوْفَلِيُّون والعَبْشَمِيُّون هل هم كَهُمْ؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ليس لهم حق من الْخُمُس، ولهم الأخذ من الزكاة.
وهذا الذي مشى عليه المؤلف رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، والصحيح الرواية الأخرى -وهي المذهب- أنه يصح دفْعُ الزكاة إلى بني عبد المطلب؛ لأنهم ليسوا من آل محمد، ويُجاب عن تشريكهم في الْخُمس بأن مبناه على المناصرة والمؤازرة، بخلاف الزكاة، فهم لَمَّا آزروا بني هاشم وناصروهم أُعطُوا جزاءً لفعلهم من الخمس، أما الزكاة فهي شيء آخر، فالصحيح أن بني المطلب يصح دفْعُ الزكاة إليهم.
قال المؤلف: (ولا إلى مواليهما)؛ أي: عتقائهم، أي: العبيد الذين أعتقهم بنو هاشم، أو أعتقهم بنو المطلب لا تُدفع الزكاة إليهم؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» (6).
فإذا قلنا بجواز دفع الزكاة إلى بني المطلب؟
طلبة: (... ).
الشيخ: جاز دفْعُ الزكاة؟
طلبة: إلى مواليهم.
الشيخ: إلى مواليهم.
إذا قال قائل: هل هؤلاء الآن موجودون؟ -أعني بني هاشم وبني المطلب- قلنا: نعم موجودون، وقد ذكروا أن من أثبت مَن يكون نسبًا من بني هاشم ملوكَ اليمن، الأئمة الذين انقضت ملكيتهم بثورة الجمهوريين عليهم قريبًا، فهم منذ أكثر من ألف سنة مُتَوَلُّون على اليمن، ونَسَبُهم مشهور معروف بأنهم من بني هاشم، ويوجد أناس كثيرون أيضًا ينتمون إلى بني هاشم، فمن قال: أنا من بني هاشم، قلنا: لا تحل لك الزكاةُ؛ لأنك من آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
ثم قال المؤلف: (ولا إلى فقيرةٍ تَحْت غنِيٍّ مُنْفِق)، (ولا إلى فقيرة) (فقيرة) هذه صفة لموصوف محذوف، التقدير؟
طلبة: امرأة.
الشيخ: امرأة فقيرة، (تحت غني منفق)، اشترط المؤلف شرطين: أن تكون تحت غني، وأن يكون هذا الغني مُنْفِقًا، أي: باذلًا للنفقة، فلا تُدفع إليها؛ لأنها في الحقيقة غيرُ فقيرة؛ إذ إن زوجها الذي ينفق عليها قد استغنَتْ به، لكن لَمَّا كان نظرُنا إلى ذات المرأة يَجْعلنا نحكم بفقرها قلنا: هي فقيرة، ومع ذلك:
طالب: لا تحل لها الزكاة.
الشيخ: لا تحل لها الزكاةُ، والعلة في هذا ظاهرة؛ أنها مُستغنية بإنفاق زوجها عليها، فإن كانت تحت فقير، امرأة فقيرة وزوجها فقير هل تحل لها الزكاة؟
طلبة: نعم.
طالب: كليهما (... ).
الشيخ: أنا أسأل عنها هي؟
طلبة: نعم تحل.
الشيخ: تحل.
وتحل لزوجها أيضًا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وتحل لزوجها؛ لأن الوصف مُنْطَبِق عليه.
قال: وإذا كانت تحت غني مِلْيارِيٍّ، لكنه أبْخلُ مِن أشعب فهل تُعطَى؟
طلبة: نعم، تُعطَى.
الشيخ: نعم؟
طلبة: نعم.
الشيخ: تُعطَى من الزكاة؛ لأنها فقيرة، فإن قال قائل: لماذا لا تقولون لها: طالِبِي الزوج، ارفعيه إلى المحكمة؟
قلنا: لا نقول لها ذلك؛ لأن هذا يترتب عليه مشاكلُ، قد يُفضِي إلى أن يطلقها، وهذا ضرر عليها، ودفْعُ حاجتها لدفع هذا الضرر لا شك أنه مما تأتي به الشريعة.
يقول المؤلف: (ولا إلى فرعه وأصله)، (فرعه): مَن كان هو أصلًا له.
(وأصله): من كان هو فرعًا لهم، هذا تعريف.
فرْعُه مَن هو أصلهم، وأصْلُه مَن هو فرعهم، نعم؟
طالب: صحيح.
الشيخ: هذا لا يعطي تصورًا لهذا، الأصل هم الآباء والأمهات وإن عَلَوْا، والفرع.
طلبة: هم الأبناء.
الشيخ: هم الأبناء والبنات وإن نزلوا، سواء كانوا وارثين أو غير وارثين.
وعلى هذا فلا يَدفع زكاتَه إلى جدته، لا من قبل أبيه ولا من قبل أمه، ولا إلى بنته، ولا بنت ابنه، ولا بنت بنته؛ لأن كل هؤلاء؟
طلبة: أصول وفروع.
الشيخ: أصول وفروع، والمؤلف رحمه الله لم يقيد الأصل والفرع، يعني: لم يقل: ولا إلى فرعه الوارث، أو أصله الوارث، فيشمل الوارث وغير الوارث، وعلى هذا فبِنْتُ البنت لا يَدفع لها زكاتَها، وأمُّ الأم لا يَدفع لها زكاتَها؛ وأبو الأم لا يَدفع له زكاتَه، وهَلُمَّ جرًّا، لماذا؟
قال: لأن الأصل والفرع تَجِب النفقةُ عليهما بكل حال، إذا كانوا فقراء وهو غني فإن النفقة واجبة عليه لهما سواء كانوا وارثين أو غير وارثين، ولكن يقال: استحقاق الزكاة مقيد بأيش؟ بوصف، مُقَيَّد بوصف الفقر، المسكنة، العَمَالَة، وهكذا.
فكل مَن انطبق عليه هذا الوصف فهو من أهل الزكاة، ومَنِ ادَّعى خروجَه فعليه الدليل، وليس في المسألة دليل، ولهذا نقول: القول الراجح الصحيح أنه يَجُوز أن يدفع الزكاة إلى أصله وفرعه ما لم يدفع بِها واجبًا عليه، انتبه.
الصحيح أنه يَجوز أن يدفع الزكاةَ إلى أصله وفرعه -أبيه وأمه، وجدِّه وجدته، وابنه وبنته- ما لم يُسقِط بها واجبًا عليه، يعني: ما لم تَجب نفقتُهم عليه، فإنْ وجبَتْ نفقتُهم عليه فلا يجوز أن يدفع الزكاةَ؛ لأن معنى ذلك أنه أسقط النفقة عن نفسه.
وعلى هذا فإذا كان له جَدٌّ وأبٌ كلاهما فقير، لكن الأب يتسع ماله للإنفاق عليه فهو ينفق عليه، فهنا لا يَجوز دفعُ الزكاة للأب، والجد؟
طالب: يجوز.
الشيخ: لا يتسع مالُه للإنفاق عليه وهو فقير -الجد- يجوز أو لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، ويش المانع؟ لكن لو صاح الأب على ابنه قال: تُعْطِي يا القاطع يا العاق تُعْطِي جدَّك ولا تعطي أباك من زكاتك؟ ويش يقول؟ يقول: أنا أعطي أبي مما هو أطهر من الزكاة، من مالي الخاص، ولا أعطيه من أوساخي، أنا أعطي جدي الآن من الأوساخ، وأعطي أبي من الْمُنَظَّف الطاهر، واضح؟
طيب، عنده أمٌّ وجدة، ومالُه يتسع للإنفاق على الأم فهو ينفق عليها، ولكن لا يتسع للإنفاق على جدته، فهل يجوز أن يعطيها من الزكاة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، المذهب: لا يَجوز، المذهب لا يجوز، ويش نسوي؟ يرزقها اللهُ زكاةً من غيره، وهذا ضعيف جدًّا؛ قال النبِيُّ عليه الصلاة والسلام: «صَدَقَتُكَ عَلَى ذِي الْقَرَابَةِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» (3).
وأنا الآن لا أدفع عن نفسي، أو: لا أُسقِط عن نفسي واجبًا حتى يقال: إني حابَيْتُ نفسي.
طيب، لو كان غنيًّا ينفق على أبيه، وأبوه مُسْتَغْنٍ: إما بنفسه أو بإنفاق ولده، لكن عليه دَيْن يستطيع الولدُ أن يؤديَ الدَّيْن، لكن يقول: لا أؤديه، أنا أريد أن أقضي دَيْن أبي من زكاتي، هل يجوز؟
طلبة: نعم يجوز.
الشيخ: يجوز، لماذا؟ لأنه لا يَجب على الابن.
طالب: وفاء الدين.
الشيخ: وفاءُ دَيْن أبيه، اللهم إلَّا إذا كان هذا الدَّيْن بسبب النفقة، يعني أن الأب يَحتاج ويشتري في ذمته فلَحِقَه الدَّيْن لشراء مَؤُونَتِه، ففي هذه الحال نقول: لا يجوز أن تقضي دَيْن أبيك من زكاتك؛ لأن هذا يؤدي إلى أن يُضَيِّق الإنسان على أبيه حتى يضطر إلى أن يستدين للنفقة، ثم يقول: أبي عليه دين فأقضي دينه من زكاتي.
فلهذا نقول: يجوز أن يقضي الدين عن أبيه وأمه، أو ابنه وابنته، بشرط ألَّا يكون هذا الدين استدانه لنفقة واجبة على، على من؟ على الابن، فإن كان لنفقة واجبة فإنه لا يقضي دينه منه؛ لأن ذلك يؤدي إلى التَّحَيُّل على إِلْجاء الأب إلى الاستدانة، ثم بعد ذلك يقضيه من زكاته فيُسقِط بذلك واجبًا عليه.
نعم.
طالب: مثال.
الشيخ: هذا المثال، رجل أبوه فقير لكنه الابن غني وعنده زكاة، والأب يحتاج ويشتري بذمته لنفقته، فجاء الأب إلى الابن وقال: اقْضِ دَيْنِي، فهنا لا يقضي دينه من زكاته؛ لأن هذا الدين إنما لحق الأب بأيش؟
طلبة: بالنفقة.
الشيخ: بالنفقة، والنفقة واجبة على الابن، أما لو أن الأب لَحقه دين بسبب جائحة اجتاحت ماله أو حادث عليه أو ما أشبه ذلك فهنا يجوز أن يقضي دين أبيه من زكاته؛ لأنه لا يلزمه وفاءُ الدين عن أبيه.
طالب: يا شيخ.
الشيخ: نعم.
الطالب: إحنا رجحنا إن موالي بني هاشم ما يأخذون الزكاة، يا شيخ لو قال قائل: إن معنى مولى القوم من العون والمساعدة مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ» (7).
الشيخ: نعم.
الطالب: ما هو معنى هذا (... )؟
الشيخ: إي نعم، يعني لو قال قائل: مولى القوم منهم يعني أنه تابع لهم، كقوله صلى الله عليه وسلم: «سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ» فنُجيب عن ذلك بأن الحديث سببُه طلبُ الإعطاء من الزكاة فمَنَعَه من ذلك وقال: «إِنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» (6).
طالب: شيخ، رجل عنده قرابة لا يرثون لا من فرض ولا تعصيب، ولكن (... ) الأفضلية في التقديم كالأفضلية في ذوي الأرحام أو..
الشيخ: ما فهمت.
الطالب: يعني رجل عنده قرابة لكن لا يرث من فرض ولا تعصيب، ولا..
الشيخ: يعني يريد أن ينفق عليهم؟
الطالب: لا، يعطيهم من مال الزكاة.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: الأفضلية؟
الشيخ: الأفضل الأقرب فالأقرب.
الطالب: (... ).
الشيخ: إذا كانوا في الحاجة سواءً.
الطالب: (... ).
الشيخ: وإلَّا فالأحوج، حسب ذوي الأرحام، نعم.
طالب: بالنسبة للأخ يا شيخ يجوز أن يُنْفِق عليه مطلقًا؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: الأخ تجوز عليه النفقة مطلقًا؟
الشيخ: تَجب له النفقة..
الطالب: لا، أقول هل يجوز صَرْف الزكاة له مطلقًا؟
الشيخ: إعطاء الزكاة؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: لا، ما لم تجب نفقته عليك.
الطالب: يعني (... ).
الشيخ: إي، ما وصلناه، بيذكره المؤلف (... ).
طالب: ولا إلى عبد وزوج، وإن أعطاها لمن ظنه غير أهل فبان أهلًا، أو بالعكس لم يُجْزِه، إلَّا لغني ظنه فقيرًا، وصدقة التطوع مستحبة، وفي رمضان وأوقات الحاجات أفضل، وتُسَنُّ بالفاضل عن كفايته ومن يمونه، ويأثم بمن يُنْقِصها.
الشيخ: بما؟ ويأثم؟
الطالب: (ويأثم بما يُنْقِصها).
الشيخ: لا، (بما يَنْقُصها)، من: (نَقَصَ)، (أَنْقَصَ) ما في اللغة العربية أَنْقَصَ.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما حكمُ دفعِ الزكاة إلى بني هاشم؟
طالب: لا يجوز يا شيخ.
الشيخ: ما الدليل؟
الطالب: الدليل قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِآلِ مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ» (4) وبنو هاشم من آلِ محمدٍ.
الشيخ: طيب، هل في المسألة خلاف؟
طالب: إعطاء بني هاشم؟
الشيخ: نعم.
الطالب: بالنسبة للفريضة ليس فيها خلاف.
الشيخ: الزكاة، الزكاة، كلامنا في الزكاة.
الطالب: ليس فيها خلاف.
طالب آخر: ذهب شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أنهم يُعطَوْن من الزكاة إذا لم يكن خُمسٌ؛ دفعًا لضررهم.
الشيخ: نعم، يعني استثنى بعض العلماء -ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية- ما إذا لم يكن هناك خُمسٌ فإنهم يُعطَوْن دفعًا للضرورة، واستثنى بعض العلماء أيضًا استثناءً آخر؟
طالب: محمد؟
الشيخ: إي.
طالب: استثنوا إن كان به حاجة، كان فقيرًا.
طالب آخر: استثنَوْا زكاة الهاشمي لهاشمي.
الشيخ: زكاة الهاشمي لهاشمي مثله فقالوا: إنه لا بأس.
بعض العلماء استثنى ما إذا كان غازيًا أو غارمًا لإصلاح ذات البَيْن أو من المؤلفة قلوبهم، يقول: لأن الغازي لا يُعطَى لحاجته ولكن للحاجة إليه، والغارم لإصلاح ذات البَيْن كذلك، هو لا ينتفع بما يُعطَى، بل يُعطَى لإصلاح ذات البَيْن، والْمُؤَلَّف؛ لأنه خيرٌ له من أن يكون بعيدًا عن الإسلام، ولكن ظاهر النصوص العموم، وأنهم لا يُعطَون من ذلك، من الزكاة.
هل تُدفع الزكاة إلى مطلبي؟
طالب: لا.
الشيخ: من المطلبي؟
طالب: هم بنو المطلب.
الشيخ: بنو المطلب، ما صِلَتُهم ببني هاشم؟
طالب: إخوة، بَنُو عَمٍّ.
الشيخ: بنو عم، طيب، هل تُدفع إلى المطلبي أو لا؟ الزكاة؟
طالب: فيها خلاف.
الشيخ: نعم، فيها خلاف، بعض العلماء يقول:
الطالب: بعض العلماء يقول: تُدفع لهم.
الشيخ: طيب، ما حجة القائلين بعدم الدفع إليهم؟ نعم.
طالب: حجة الذين قالوا بالدفع.
الشيخ: بعدم الدفع.
الطالب: أنه ليس من آل البيت.
الشيخ: أنه ليس من آلِه، حجة القائلين بعدم الدفع أنهم ليسوا:
الطالب: مِنْ آلِهِ.
الشيخ: من آله، ولذلك لم تُدفع إلى بني نوفل وعبد شمس.
حجة القائلين بأنها تُدفع إليهم؟
طالب: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: إنما بنو عبد مناف، وإنما بنو هاشم..
الشيخ: لا، أنها لا تُدفع إليهم.
الطالب: أنها لا تدفع إليهم؟
الشيخ: نعم.
الطالب: هذا التعليل يا شيخ.
الشيخ: إي ما يخالف، ماذا تقول؟
الطالب: أنهم ليسوا من آل محمد.
الشيخ: هذا إذا قلنا: تُدفع، إذا قلنا: تُدفع فالعلة لأنهم ليسوا من آل محمد.
الطالب: نعم، وإذا لم تكن تُدفع؟
الشيخ: نعم، فما الدليل؟
الطالب: قولُ الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ» (5).
الشيخ: «وَبَنُو الْمُطَّلِبِ» ما هو عبد المطلب.
طيب، هذا واحد، التعليل؟
الطالب: لأنهم الذين ناصروهم -ناصروا بني هاشم- عندما كانوا في الشِّعْب.
الشيخ: إي هذا تعليل لقوله: «إِنَّمَا هُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ»، نعم.
طالب: وكان الرسولُ صلى الله عليه وسلم يعطيهم من الْخُمُسِ مثلَ ما يعطي بني هاشم.
الشيخ: إي، تمام، فإذا كان يعطيهم من الْخُمُس كما يعطي بني هاشم فهم يُحرَمون من الزكاة كما يُحرَم بنو هاشم، لكن الصحيح أنها تُدفع إليهم.
ما وجْهُ كون هذا هو الصحيح؟
طالب: وجه كونه قوله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: 41] أن –أيضًا- يدخل في هذا، يدخل عبد مناف ونوفل فلم يُعطَوْا، ولكن المراد بالآية إنما هو لمجرد النصرة مع القرابة.
الشيخ: نعم، الدليل على أنهم يُعطَوْن من الزكاة، لا أنهم يُعطَوْن من الْخُمُسِ.
الطالب: لمشاركتهم في الْخُمُسِ.
الشيخ: لعموم الأدلة.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: 60] لا يدخل فيها بنو المطلب.
هاشمي أعتق عبدًا فهل يجوز أن نعطي هذا العتيق من الزكاة؟
الطالب: لا (... ).
الشيخ: لا (... ).
ولا إلى عبدٍ وزَوجٍ، وإن أَعطاهَا لِمَنْ ظَنَّه غيرَ أهلٍ فَبَانَ أَهلاً أو بالعكْسِ لم يُجِزْهُ، إلا لغَنِيٍّ ظَنَّه فقيرًا.
باب صدقة التطوع و (صَدقةُ التَّطَوُّعِ) مُستَحَبَّةٌ، وفي رمضانَ وأوقاتِ الحاجاتِ أَفضلُ، وتُسَنُّ بالفاضِلِ عن كِفايتِه ومَن يَمُونُه، ويَأْثَمُ بما يَنْقُصُها.
(كتابُ الصيامِ)
يَجِبُ صومُ رَمضانَ برؤيةِ هِلالِه، فإن لم يُرَ مع صَحْوٍ ليلةَ الثلاثينَ أَصْبَحوا مُفْطِرِينَ وإن حالَ دونَه غَيْمٌ أو قَتَرٌ فظاهِرُ المذْهَبِ يَجِبُ صومُه، وإن رُؤِيَ نَهَارًا فهو للَّيلَةِ الْمُقْبِلَةِ، وإذا رآه أهلُ بلدٍ لَزِمَ الناسَ كلَّهم الصومُ، ويُصامُ لرؤيةِ عَدْلٍ ولو أُنْثَى،
الشيخ:.. الْمُطَّلِبِيّ أو لا؟ الزكاة، فيها خلاف، بعض العلماء يقول.. ؟
طالب: بعض العلماء يقول: تُدفع لهم.
الشيخ: طيب، ما حجة القائلين بعدم الدفع إليهم؟
طالب: حجة الذين قالوا بالدفع.
الشيخ: بعدم الدفع.
الطالب: أنهم ليسوا من آل البيت.
الشيخ: أنهم ليسوا من آله، حجة القائلين بعدم الدفع أنهم ليسوا.. ؟
الطالب: من آله.
الشيخ: ولذلك لم تُدفَع إلى بني نوفل وعبدِ شمس، حجة القائلين بأنها تُدفع إليهم؟
طالب: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو عَبْدِ مَنَافٍ.. » (1).
الشيخ: لا، أنها لا تُدفع إليهم.
الطالب: أنها لا تُدفع إليهم؟
الشيخ: نعم.
الطالب: هذا التعليل يا شيخ.
الشيخ: إي، ما يخالف، ماذا تقول؟
الطالب: أنهم ليسوا من آل محمد.
الشيخ: هذا إذا قلنا: تُدفَع، إذا قلنا: تُدفَع، فالعلة لأنهم ليسوا من آل محمد.
الطالب: نعم، وإذا لم تكن تُدْفَع؟
الشيخ: نعم، فما الدليل؟
الطالب: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.. ».
الشيخ: وبنو المُطَّلِب، ما هو عبد المُطَّلِب.
الطالب: «وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ».
الشيخ: طيب، هذا واحد، التعليل؟
الطالب: لأنهم الذين ناصروهم -ناصروا بني هاشم- عندما كانوا في الشِّعب.
الشيخ: إي، هذا تعليل لقوله: «إِنَّمَا هُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ»، نعم.
طالب: (... ) الرسول صلى الله عليه وسلم يعطيهم من الخُمُس مثل ما يعطي بني هاشم.
الشيخ: إي، تمام، فإذا كان يعطيهم من الخُمُس كما يعطي بني هاشم فهم يُحْرَمون من الزكاة كما يُحرَم بنو هاشم، لكن الصحيح أنها تُدفع إليهم.
ما وجه كون هذا هو الصحيح؟
طالب: وجه كونه قوله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: 41] أنه أيضًا يدخل في هذا، يدخل في عبد مناف ونوفل فلم يُعْطَ، ولكن المراد بالآية إنما هو لمجرد النصرة مع القرابة.
الشيخ: نعم، الدليل على أنهم يُعْطَون من الزكاة، لا أنهم يُعْطَون من الخُمُس.
الطالب: لمشاركتهم في الخُمُس.
الشيخ: لعموم الأدلة.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: 60]، لا يدخل فيها بنو المُطَّلِب.
هاشميٌّ أعتق عبدًا، فهل يجوز أن نعطي هذا العتيق من الزكاة؟
الطالب: لا (... ) وَمَوَالِيهما.
الشيخ: لا؛ لأنه من موالي بني هاشم.
الطالب: نعم.
الشيخ: تمام، هل يجوز دفع الزكاة إلى الأب؟
طالب: لا يجوز، إذا كان الابن يُنفق على أبيه..
الشيخ: نريد أولًا كلام المؤلف.
الطالب: أنه لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز دفع الزكاة إلى الأب، بكل حال؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما هو القول الراجح؟
طالب: القول الراجح يا شيخ أنه إذا كان الوالد فقيرًا فيلزم الولد النفقة على والده، فلا يعطيه الزكاة.
الشيخ: لا، نريد قاعدة عامة، إحنا ذكرنا حول هذا الموضوع قاعدة عامة.
الطالب: إن.. ما أذكرها يا شيخ.
طالب آخر: أنه يجوز أن يُعطيه من الزكاة ما لم يُسْقِط بهذه الزكاة واجبًا عليه.
الشيخ: أحسنت، أنه إن أسقط بدفع الزكاة واجبًا عليه مُنِع، وإلَّا فلا، وبناءً على ذلك إذا قضى بها دَيْنًا على والده ليس سببه النفقة؟
طالب: إذا كان ليس سببه النفقة؟
الشيخ: نعم.
الطالب: فإنه يجوز أن يقضي دَيْنَه.
الشيخ: يجوز؛ لأنه؟
الطالب: لأنه فقير.
الشيخ: لأنه فقير؟
الطالب: لا؛ لأنه لا يُسْقِط حقًّا واجبًا عليه.
الشيخ: لأنه لا يُسْقِط بذلك حقًّا واجبًا عليه؛ إذ إن قضاء الدَّيْن عن الوالد ليس بواجب.
إذا كان الابن غنيًّا، لكن غناته قليلة تكفي لزوجته وأولاده، ولا يستطيع أن يُنفق على أبيه، فهل يعطي أباه من الزكاة للنفقة؟
طالب: لا، ما يعطي.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأنه لا ينفق عليه.
الشيخ: لأن نفقته لا تجب عليه، توافقون على هذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وهكذا نقول في الفَرْع الذي قال فيه المؤلف: (وَلاَ إِلَى فَرْعِهِ)، فإن كلام المؤلف يدل على منع دفع الزكاة إليه مطلقًا، والصحيح التفصيل.
قال المؤلف رحمه الله: (وَلَا إِلَى زَوْجٍ).
طلبة: (عَبْدٍ).
الشيخ: (عَبْدٍ)، إي نعم، (وَلَا إِلَى عَبْدٍ)، يعني: لا تُدْفَع الزكاة إلى العبد؛ لأن العبد إذا أعطيناه الزكاة انتقل مُلْك الزكاة فورًا إلى سيده، فإنَّ مال العبد مُلْك لسيده، فلا يجوز أن نعطي العبد؛ لأنه لا يملك، ومُلْكه لسيده، لكن يُستثنى من هذا المكاتَب، فقد سبق أن المكاتَبين من إيش؟ مِنْ أهل الزكاة، داخلون في قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾، فَيُعْطَى المكاتَب ما يقضِي به دَيْن الكتابة.
ولكن نسأل: هل المكاتَب عبد؟
الجواب: نعم، هو عبد حتى يؤدي فيعتق، وأظن المكاتَب معلومًا لكم؛ هو أن يشتري العبدُ نفسَه من سيده بثمن مؤجَّل، فيُعْطَى هذا العبد الذي اشترى نفسه من سيده ما يُوفِي سيدَه ليعتق، فهو قبل أن يؤدي عبد، ولهذا جاء في الحديث: «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ دِرْهَمٌ» (2).
واستثنى بعض العلماء أيضًا ما إذا كان عاملًا على الزكاة؛ فإنه يُعْطَى لعمالته كما لو كان أجيرًا، ومعلوم أنه يصح أن يُستأجر العبد من سيده، فيصح أن يُجعَل عاملًا في الزكاة بإذن سيده، إذن يُسْتَثْنَى من ذلك مسألتان: المسألة الأولى؟
طلبة: المكاتَب.
الشيخ: المكاتَب، والثانية: العامل؛ لأنه كأجير، والعبد يجوز أن يُستأجَر بإذن سيده.
قال: (وَلاَ إِلَى زَوْجٍ)، مَن الذي يدفع الزكاة؟
طالب: الزوجة.
الشيخ: الزوجة، لا يصِح أن تدفع زكاتها إلى زوجها، لماذا؟ لقوة الصلة بينهما، فيُشبه الأصل مع الفرع، أعرفتم؟ ولكن هذا التعليل عليل، والصواب: أنه يجوز أن تدفع المرأة زكاتها إلى زوجها إذا كان من أهل الزكاة.
فلو فرضنا أن امرأة موظَّفة وعندها مال، وزوجها فقير محتاج، إما أنه مَدِين، أو أنه ينفق على أولاده، أو ما أشبه ذلك، فللزوجة أن أيش؟
طلبة: أن تدفع الزكاة له.
الشيخ: أن تؤدي زكاتها إليه، وقولنا: أو لأنه ينفق على أولاده، المراد بأولاده من غيرها؛ لأن أولاده منها إذا كان أبوهم فقيرًا يلزمها؟
طلبة: أن تنفق عليهم.
الشيخ: أن تنفق عليهم؛ لأنهم أولادها، لكن إذا كان له أولاد من غيرها وهو فقير فللزوجة أن تُعطي زكاتها لهذا الزوج، وربما يُستدَل لذلك بحديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حث على الصدقة، فقال ابن مسعود: أعطيني وأولادي، أنا أحق من تصدقتِ عليه.
فقالت: لا، حتى أسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «صَدَقَ عَبْدُ اللهِ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ عَلَيْهِمْ» (3).
فيمكن أن يقال: إن قوله: «مَنْ تَصَدَّقْتِ عَلَيْهِمْ» يشمل؟
طلبة: الفريضة.
الشيخ: الفريضة والنافلة، وعلى كل حال، إن كان في الحديث دليل فهو خير، وإن قيل: إنه خاص بصدقة التطوع، فإننا نقول في تقريرِ جوازِ دفعِ الزكاةِ إلى الزوج: الزوجُ فقير، ففيه الوصف الذي يستحق به من الزكاة، فأين الدليل على المانع؟ لأنه إذا وُجِد السبب ثبت الحكم إلَّا بدليل، وليس هناك دليل -لا من القرآن ولا من السُّنَّة- على أن المرأة لا تدفع زكاتها لزوجها، أفهمتم؟
وهذه قاعدة أنا ذكرتها لكم من قبل: الأصل فيمن ينطبق عليه وصف الاستحقاق أنه مستحق، وتجزئ الزكاة إليه إلَّا بدليل، ولا نعلم مانعًا من ذلك إلَّا مَنْ كان إذا أعطاها أسقط عن نفسه بذلك إيش؟
طلبة: واجبًا.
الشيخ: واجبًا، وهل يجوز أن يعطي الزوج زوجتَه من زكاته؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يا ناس، لا تتسرَّعوا، كلمة (زَوْج) في كلام المؤلف يُمكن أن تُحْمَل على الزوجة، وعلى؟
طلبة: الزوج.
الشيخ: الزوج؛ لأن كلمة: (زَوْج) في اللغة العربية تُطْلَق على المرأة؛ وعن عائشةَ.. ؟
طالب: زوج النبي.
الشيخ: إي، زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فيمكن أن يقال: إنها تجزئ، أي: تجزئ الزكاة إذا دفعها إلى زوجته، على ما اخترناه، أما على المذهب فلا تجزئ، يعني على المذهب لا يجوز أن يدفع الزوج زكاته إلى زوجته؛ لقوة الصلة والرابطة.
ولكن القول الراجح أنه يجوز أن يدفع الزكاة إلى زوجته بشرط، قولوه.
طلبة: ألَّا يُسْقِط واجبًا.
الشيخ: ألَّا يُسْقِط به؟
الطلبة: حقًّا.
الشيخ: حقًّا واجبًا عليه، وعليه فإذا أعطاها من زكاته للنفقة لتشتري ثوبًا، لتشتري طعامًا، فإن ذلك؟
طلبة: لا يجزئ.
الشيخ: لا يجزئ، وإن أعطاها لقضاء دَيْن عليها، فإن ذلك؟
طلبة: يُجْزِئ.
الشيخ: يُجْزِئ؛ لأن قضاء الدَّيْن عن زوجته لا يَلْزَمه.
ثم قال المؤلف: (وَإِنْ أَعْطَاهَا لِمَنْ ظَنَّهُ غَيْرَ أَهْلٍ فَبَانَ أهْلًا، أوْ بِالْعَكْسِ) بِأَنْ أَعْطَاهَا لِمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ أَهْلٌ فَبَانَ غَيْرَ أهْلٍ، (لَمْ يُجْزِهِ) أو: (لَمْ تُجْزِئْهُ).
(إِنْ أَعْطَاهَا لِمَنْ ظَنَّهُ غَيْرَ أَهْلٍ فَبَانَ أهْلًا) فإنها لا تجزئه؛ لأنه حين دَفْعِها يعتقد أنها وُضِعَتْ في غير موضعها، ولأنه متلاعب، كيف يعطي زكاته لشخص يظنه غنيًّا ثم بعد ذلك يتبين أنه فقير؟ كيف نقول: تجزئه؟ لا تجزئه؛ لأنه حين دَفْعِها يعتقد أنها؟
طلبة: في غير محلها.
الشيخ: في غير محلها، ولأنه متلاعب، فلا تجزئه، وهذا واضح.
(بِالْعَكْسِ) أعطاها لمن ظنه أهلًا فبَانَ غير أهلٍ فلا تجزئه أيضًا؛ لأن العبرة بما في نفس الأمر، لا بِظَنِّه، مثاله: أعطى رجلًا يظنه غارمًا، فبان أنه غيرُ غارم، فإنها لا تجزئه، لماذا؟ لأن العبرة.. ؟
طلبة: بما في نفس الأمر.
الشيخ: بما في نفس الأمر، يعني: بالواقع، والواقع أنه غير أهل، أعطاها لشخص يظنه ابنَ سبيل، فتبين أنه غيرُ ابنِ سبيل، مواطن، فإنها؟
طالب: لا تجزئه.
الشيخ: لا تجزئه، أعطاها لقريب يظن أنها تجزئه، ولكن تَبَيَّن أنه لا يجزئه إعطاءُ هذا القريب؛ لوجوب الإنفاق عليه، فإنها؟
طلبة: لا تجزئه.
الشيخ: لا تجزئه، يُسْتَثْنَى من ذلك مسألة: (إِلَّا لِغَنِيٍّ ظَنَّهُ فَقِيرًا فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ)، مثل: رجل جاء يسأل وعليه علامة الفقر من الثياب الرديئة، فأعطيتُه من الزكاة، فلما انصرف عني جاءني شخص وقال: ما الذي أعطيتَه؟ قلتُ: زكاة، قال: هذا أغنى منك، هذا عنده ملايين، فما حكم الزكاة التي دفعتُها؟
طلبة: تجزئ.
الشيخ: تجزئ؛ لأنه ليس لنا إلَّا الظاهر، ومثل ذلك أولئك السُّؤَّال الذين يأتون إلى طلب مساعدة في مدرسة، أو مسجد، أو ما أشبه ذلك، ثم نعطيهم بناءً على الظاهر لنا، ويتبين أنهم على خلاف هذا، فإن ذلك؟
طلبة: يجزئ.
الشيخ: يجزئ، ما هو الدليل؟ الدليل قصة الرجل الذي تصدق ليلة من الليالي، خرج بصدقته فدفعها إلى شخص، فأصبح الناس يتحدثون: تُصُدِّق الليلةَ على غني، فقال: الحمد لله، على غني! ! يعني رأى أن هذا مصيبة، ثم خرج مرة أخرى فتصدق، فوقعت في يد بَغِيّ، البَغِيّ هي؟
طلبة: زانية.
الشيخ: الزانية، فأصبح الناس يتحدثون: تُصُدِّقَ الليلة على زانية، أو على بَغِيّ، فقال: الحمد لله، على غني وعلى زانية! ! ثم خرج مرة ثالثة، فتصدق فوقعت الصدقة في يد سارق، فأصبح الناس يتحدثون: تُصُدِّقَ الليلة على سارق، فقال: الحمد لله، غني وبغي وسارق! ! فقيل له: أما صدقتك فقد تُقُبِلَت؛ أمَّا الغني فلعله يتذكر ويتصدق ويتَّعِظ بما حصل منك، وأما السارق فلعله يكتفي بما أعطيته عن السرقة، وأما البَغِيّ فلعلها تتعفف بما أعطيتَها عن البَغْيِ، أو عن البِغَاء.
فانظر إلى هذا، هذا الرجل نيته طيبة، وقعت الصدقة في غير ما يريد، ولكن لحُسْن نيته صارت مفيدة، مقبولة عند الله، ونافعة لمن تصدق عليهم؛ لأنه قال: (لعله).
فيؤخذ من هذا الحديث أن الإنسان إذا تصدق على غني يظنه فقيرًا فإن الزكاة تجزئ.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا دفعها إلى مَن يظنه أهلًا بعد التحرِّي فَبَانَ غيرَ أهل فإنها تجزئه حتى في غير مسألة الغِنىَ عمومًا، قال: لأنه اتقى الله ما استطاع، ويصعُب أن نقول له: إن زكاتك لم تُقبَل، مع أنه اجتهد، والمجتهد إن أخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران، وهذا القول أقرب إلى الصواب؛ أنه إذا دفعها لمن يظنه أهلًا مع الاجتهاد والتحري فتَبَيَّنَ غيرَ أهل فزكاته مُجْزِئَة؛ والعلة ما سمعتم.
إذا جاءك سائل يسأل، يقول: أعطني من الزكاة، ورأيتَه جَلْدًا قويًّا، فهل تعطيه أم ماذا؟ نقول: عِظْهُ أوَّلًا، انصحه، وقل: إن شئت أعطيتك، ولا حَظَّ فيها لغني ولا لقوي مُكْتَسِب، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في الرجلين اللذين أتيا إليه يسألانه من الصدقة، فرآهما جَلْدَين، فقال: «إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» (4).
فإن قال قائل: أحوال الناس اليوم فسدت، حتى لو وعظته بهذا الكلام لم يَتَّعِظْ، فما الجواب؟
الجواب: أن لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أُسوة حسنة، فنعظه بما وعظه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإذا أَصرَّ ونحن لا نعلم خلاف ما يدَّعي فإننا نعطيه، أما إذا أَصرَّ على السؤال ونحن نعلم أنه على خلاف ما يدعيه فإننا لا نعطيه.
ومما يتفرع على هذا الموضوع هل نقول للشخص إذا أعطيناه: هذه زكاة، أو لا نقول؟
فيه تفصيل: إن كان الرجل نعلم أنه أهلٌ للزكاة، وأنه يقبل الزكاة أعطيناه بلا قول؛ لأن قولنا له: إنها زكاة فيه غضاضة عليه، أما إذا كنا لا ندري وفيه احتمال أنه ليس من أهل الزكاة فإننا نخبره؛ لِئَلَّا نقع في مشكلة، وكذلك إذا كان لا يقبل الزكاة؛ لأن بعض الناس عنده عِفَّة، لا يقبل الزكاة وإن كان محتاجًا، فهنا نقول له: هذه زكاة.
يَستحسِن بعض العامَّة أننا إذا علمنا حاله وأنه فقير حقيقة، يأكل الغداء ولا يحصُل له العشاء، ويأكل العشاء ولا يحصُل له الغداء، ولكن لا يقبل الزكاة، يقول بعض العامَّة: أَعْطِه من الزكاة ولا تخبره، فما رأيكم؟
لا، رأينا لا نعطيه؛ لأنه إذا كان لا يقبل فإن الزكاة لا تدخل مُلْكه؛ لأن من شرط التملك إيش؟
طلبة: القبول.
الشيخ: القبول، وهذا لا يَقبل، ونقول لهذا الرجل الذي يريد أن ينفع هذا الفقير العفيف، نقول: أعطه صدقة تطوع ولا تَقُل: هذه صدقة، وأنت مأجور، أما أن تُقْحِمَ في مُلْكِه ما لا يريده فهذا لا يصح ولا يجوز.
باب صدقة التطوع
ثم قال المؤلف: (وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ مُسْتَحَبَّةٌ)، (وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ) يعني: الصدقة التي ليست بواجبة، وإنما يتطوع بها الإنسان تطوعًا، (مُسْتَحَبَّةٌ)، كلمة (مُسْتَحَبَّةٌ) بمعنى مسنونة مشروعة، ولا سيما مع حاجة الناس إليها.
واعلم أنه لا فرق بين (مستحب) و (مسنون) عند الحنابلة، فالمستحب والمسنون بمعنى واحد، فنقول: يُستحب السواك، ونقول: يُسَنُّ السواك، ولا فرق، وذهب بعض العلماء: أن ما ثبت بالنص فهو مسنون، وما ثبت بالاجتهاد والقياس فهو مستحب، ولكن فقهاء الحنابلة يمشون على أنه لا فرق.
فقوله: (مُسْتَحَبَّةٌ) بمعنى؟
طلبة: مسنونة.
الشيخ: مسنونة، ما هو الدليل؟ فيها دليل أثري ودليل نظري؛ أما الدليل الأثري فلأنَّ الله أثنى على المتصدقين، فقال: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾، إلى أن قال: ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾، وفي آخر الآية: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35]، وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ [البقرة: 261]، وقال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: 276].
والسُّنَّة طافحة كثيرة في الحث على الصدقة، ومنها: «أَنَّهُ مَا مِنْ رَجُلٍ يَتَصَدَّقُ مِنْ طَيِّبٍ بعِدْلِ تَمَرَةٍ إلَّا أَخَذَهَا اللهُ تَعَالَى بِيَمِينِهِ فَيُرَبِّيهَا لِأَحَدِكُمْ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» (5)، عِدْل تمرة يأخذها الله عز وجل بيمينه ويربِّيها للمتصدِّق حتى تكون مثل الجبل، ويقول عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (6)، ويقول: «الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ» (7)، ويقول: «إِنَّهَا تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَتَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ» (8)، والأحاديث في هذا كثيرة مشهورة، ولكن تتأكد في زمان، وفي مكان، وفي أحوال؛ ففي الزمان قال المؤلف: (وفِي رمضان أفضل).
طالب: الدليل النظري يا شيخ.
الشيخ: نعم، أحسنت، الدليل النظري أن في الصدقة دَفْع حاجة الفقراء، والتَّخَلُّق بأخلاق الفضلاء الكرماء، وأنها من أسباب انشراح الصدر، وجرِّبْ تَجِدْ؛ فإن الكرماء إذا أنفقوا وتصدَّقوا تنشرح صدورهم، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد عشر فوائد لها -للصدقة- فمن أرادها فليرجع إليها.
فهي تتأكد أو يزيد فضلها في أزمان وإيش؟
طلبة: وأمكنة.
الشيخ: وأمكنة.
طلبة: وأحوال.
الشيخ: وأحوال.
يقول المؤلف: (في رمضان آكَد)، أو قال: (أفضل)، (فِي رَمَضان أفضلُ)، أفضلُ من غيره، الدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان» (9)، وهذا يدل على أنه عليه الصلاة والسلام يزداد إنفاقه في هذا الشهر.
ولكن الراجح أنها في عشر ذي الحجة الأولى أفضل؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ»، يعني عشر ذي الحجة الأولى، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، إلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ».
(10) وهذا عام، والدليل على عمومه قولهم: ولا الجهاد، قال: «وَلَا الْجِهَادُ».
المكان؟
طالب: في الْحَرَم.
الشيخ: في الحرم المكي والمدني أفضل من غيره؛ لشرف المكان.
الحالات؟ قال المؤلف: (وأوقات الحاجاتِ أفضل) مثل أوقات الحاجات إيش؟ فيه أوقات حاجات دائمة، وأوقات حاجات طارئة؛ فمن أوقات الحاجات الدائمة فصل الشتاء، فإن الفقراء فيه أحوج من فصل الصيف؛ لأنهم يحتاجون إلى زيادة أكل، فالإنسان في الشتاء يأكل أكثر مما يأكل في الصيف، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: في الشتاء يحتاج إلى ثياب أكثر مما يحتاجه.. ؟
طلبة: في الصيف.
الشيخ: في الصيف، يحتاج إلى تدفئة أكثر مما يحتاجه في الصيف، أليس كذلك؟ فالغالب أن الفقراء تشتد حاجاتهم في زمن الشتاء أكثر، هذه قلنا إيش؟
طلبة: حاجات دائمة.
الشيخ: حاجات دائمة، هناك حاجات طارئة مثل أن تَحْدُثَ مجاعة في الناس، أو جَدْب، فيحتاج الناس أكثر، سواءٌ في الشتاء أو في الصيف، فهذه أيضًا تكون الصدقة فيها أفضل.
المكان؛ قلنا: تَشْرُف الصدقة بشرف المكان كمكة والمدينة، هل من شرف المكان ما لو كانت جهة من الأرض فيها مجاعة أو لا؟
طلبة: هذا حال.
الشيخ: لا؛ لأن هذا ليس لشرف المكان، ولكن للحاجة، بدليل أن أهل هذا المكان إذا اغتنوا صارت الصدقة فيهم مثل غيرهم، لكن مكة والمدينة الصدقة فيها أفضل مطلقًا لشرف المكان.
إذا تعارض شرف المكان وشرف الأحوال، فأيُّهما يقدَّم؟
طلبة: الأحوال.
الشيخ: نعم، الحاجات، يقدَّم فضل الحاجات؛ لأن أصل الصدقة إنما شُرِعَت لدفع.. ؟
طلبة: الحاجة.
الشيخ: الحاجة، فالفضل فيها باعتبار الحاجات يتعلق بنفس العبادة، وقد مر علينا قاعدة مفيدة في هذا الباب؛ وهي أن الفضل إذا كان يتعلق بذات العبادة كانت مراعاته أولى من الفضل الذي يتعلق بزمانها أو مكانها.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، ما الفرق بين قول المؤلف: (وَإِنْ أَعْطَاهَا لِمَنْ ظَنَّهُ غَيْرَ أَهْلٍ فَبَانَ أهْلًا) وبين قوله: (إِلَّا لِغَنِيٍّ ظَنَّهُ فَقِيرًا)؟
الشيخ: هذا مستثنى ما دخل في الحكم.
الطالب: لكن قوله -أحسن الله إليكم-: (وَإِنْ أَعْطَاهَا لِمَنْ ظَنَّهُ غَيْرَ أَهْلٍ فَبَانَ أهْلًا أوْ بِالْعَكْسِ لَمْ يُجْزِهِ).
الشيخ: إي نعم.
الطالب: في حالة هذا هل يناقض: (إِلَّا لِغَنِيٍّ ظَنَّهُ فَقِيرًا).
الشيخ: ما هو العكس؟
الطالب: العكس إذا أعطاها غير أهل فبانَ أهلًا.
الشيخ: لا.
الطالب: إذا أعطاه غير أهل فبان.
الشيخ: لا إذا أعطاها مَن ظَنَّهُ أهلًا..
الطالب: فبان غير أهل.
الشيخ: فبان غير أهل، هذا الاستثناء يعود على الأخيرة، على قوله: (أَوْ عَكْسِه).
الطالب: هي التي قوله: (أو لِغَنِيٍّ ظَنَّهُ فَقِيرًا)؟
الشيخ: إي نعم، تعود على الأخيرة التي أعطاها لمن يظنه أهلًا فبان غير أهل، الاستثناء يعود على الأخيرة.
طالب: الغارم لإصلاح ذات البَيْن إذا -يا شيخ- كانت توجد صدقة تطوع ووُجِدَت زكاة، هل نعطيه من الزكاة أو نعطيه من صدقة التطوع؟
الشيخ: سؤال يقول: إذا وُجِد غارم لإصلاح ذات البَيْن، وفيه صدقة تطوع أو زكاة، هل نعطيه من الزكاة؟ أو نقول: نعطيه من صدقة التطوع؟
نقول: لا بأس أن نعطيه من الزكاة لأنه مستحِق لها، وصدقة التطوع تكون لغيره.
طالب: أحسن الله إليكم، إذا أعطاها فقيرًا ظن أنه مسلم، ثم بعد ذلك بان أنه كافر.
الشيخ: تجزئه، على القول الراجح، أما على المذهب لا، ما تجزئ.
طالب: إذا أعطاها يا شيخ لمن ظنه أهلًا فبَانَ غير أهلٍ فإنها لا تجزئه؛ لأن العبرة بما كان واقعًا في نفس الأمر.
الشيخ: نعم.
الطالب: طيب يا شيخ إذا كان العبرة بما كان واقعًا في نفس الأمر إذا أعطاها مَن ظَنَّهُ غير أهل فبان أهلًا تجزئ، لأن هذا..
الشيخ: أحسنت، هذا يسأل يقول: إذا قلنا: العبرة بما في نفس الأمر، وأعطاها لمن ظنه غير أهل، فبَانَ أهلًا فلماذا لا تجزئ؟ ذكرنا تعليلين.
الطالب: لكن (... ).
الشيخ: هذا الرجل لَمَّا أعطاها مَن ظَنَّهُ غير أهل، هل يعتقد أنها تجزئه الآن؟
طالب: لا يعتقد، ولكن العبرة بما كان في نفس الأمر.
الشيخ: لا، إذا كان ما يعتقد معناه إنه ما نوى، ما صحت زكاته.
طالب: شيخ، يقول المؤلف رحمه الله: إذا أعطاها مَن ظَنَّه من أهلها فبَانَ..
الشيخ: لا، من أهلها فبان غير أهل لها.
الطالب: فلا تجزئ.
الشيخ: إلَّا؟
الطالب: إلَّا مَن أعطاها.
الشيخ: لغني.
الطالب: ظَنَّه فقيرًا.
الشيخ: نعم.
الطالب: ما الفرق بين..
الشيخ: هو الأصل أنه إذا أعطاها لغني ظنه فقيرًا ألَّا تجزئ، لكن دَلَّ الحديث على أنها تجزئ، فهمت؟ نحن نقول: دَلَّ الحديث على أنها تجزئ، فيُقَاسُ عليه بقية الأصناف.
(... )
طالب: فهل هذا صحيح، مع أن القاعدة أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فالمال الذي يأخذه على زكاة تعود إلى سيده.
الشيخ: مش قلنا في التعليل: العبد إذا كان عاملًا قلنا: يجوز أن تُدْفَع إليه الزكاة.
الطالب: التعليل.
الشيخ: التعليل لأنها أجرة.
الطالب: المال ما يأخذه سيده؟
الشيخ: إلَّا، ما يأخذه سيده، مثل ما لو أجَّرَه لعمل بناء أو غيره.
طالب: شيخ، هنا شخص محتاج فقير، عليه دَيْن، يريد أن يقترض بواسطة التوَرُّق حتى يسدد هذا الدَّيْن، ولكنه إن قلنا له: الزكاة، نريد أن نعطيه من الزكاة أبى، وإن قلنا: إن هذا مال متوفِّر ولم نصرِّح بالزكاة قَبِلَه؟
الشيخ: إي، ويش قلنا يا جماعة؟
الطالب: أنا فهمت يا شيخ الشرح الأول، لكن يعني لا يجزئ مطلقًا؟
الشيخ: مطلقًا، لكن نعم ربما نقول: الغارم لا يُشترط تملُّكه، فيمكن أن نذهب إلى صاحب الدَّيْن ونعطيه بدون أن يشعر بهذا.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، فضيلة العشر الأُوَل من ذي الحجة لا يعارضه فعل النبي صلى الله عليه وسلم، حيث إنه كان أجود ما يكون في رمضان؟
الشيخ: نعم، ويش تقولون؟ يقول الأخ: قولكم أن -أو: قولنا، على الأصح أن الطالب يقول لأستاذه: قولنا- قولنا: إن الصدقة في عشر ذي الحجة أفضل، أَلَا يعارضه كون الرسول عليه الصلاة والسلام أجود ما يكون في رمضان؟
طالب: هذا عامٌّ يُخَص بالحديث الآخر الذي ورد في فضل عشر ذي الحجة، يكون الرسول عليه الصلاة والسلام أجود ما يكون إلَّا في هذا، فيكون أجود.
الشيخ: كيف؟
الطالب: أجود ما يكون في غير رمضان يكون في رمضان، ونستثني عشر من ذي الحجة.
الشيخ: يعني أنه في عشر ذي الحجة أجود منه في رمضان.
الطالب: نعم.
الشيخ: طيب.
طالب: نقول ما ورد العشر من ذي الحجة قول.
الشيخ: نعم.
الطالب: والآخر فعل، والقول مقدَّم على الفعل.
الشيخ: نعم.
طالب: روى عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ عَلَى أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْ هَذِهِ الْعَشْرِ، وأقسم بها الله في القرآن، وجاء فضلها في السُّنَّة، وفي القرآن، وهذا جاء فضلها بسُنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم وفعله صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: نعم.
الطالب: وكلهم جاء بهم (... ).
الشيخ: نعم، ما عندكم إلَّا هذا؟
طالب: نقول: إن الفضل في رمضان جاء في الحديث أن جبريل كان يدارِس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، فيمكن أن يقال بأن الجود مخصوص هنا بشيء معيَّن، لكن الجود في عشر ذي الحجة عامٌّ، حتى النبي صلى الله عليه وسلم فضَّلَه على الجهاد.
الشيخ: نعم.
الطالب: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «وَلَا الْجِهَادُ».
(10)
الشيخ: هذا هو الظاهر أن نقول: جود الرسول عليه الصلاة والسلام في رمضان من فعله، وقوله: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ» من قوله، ويجوز أن يكون في أيام العشر ذي الحجة يجوز ألَّا يكون عنده شيء يجود به بخلاف رمضان، ثم إنه في بعض ألفاظ الحديث: «أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَأْتِيهِ جِبْرِيلُ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ» (9)، فيكون هذا الجود مخصوصًا بهذا الحال، وعلى كل حال القول مقدَّم على الفعل.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم: (وَتُسَنُّ بِالفَاضِلِ عَن كِفَايَتِهِ.. ).
الشيخ: ما الذي تُسَن؟
الطالب: الصدقة.
الشيخ: إي طيب، وصدقة التطوع قبلها، اقرأ اللي قبلها علشان نعرف اللي يتفرع عليها.
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم: (وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ مُسْتَحَبَّةٌ، وَفِي رَمَضان وأوقاتِ الحاجاتِ أفضلُ، وَتُسَنُّ بِالفَاضِلِ عَن كِفَايَتِهِ وَمَنْ يَمُونُهُ، وَيُأْثَمُ بِمَا يَنْقُصُهَا).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما تقول في رجل أعطى زكاته لشخص يظنه فقيرًا فبان غنيًّا؟
طالب: لا تجزئه.
الشيخ: لا تجزئه.
طالب: يظنه فقيرًا فبان غنيًّا؟ تجزئه، هذا استثناء.
الشيخ: تجزئه.
الطالب: نعم.
الشيخ: ما الدليل؟
طالب: خصه من هذا الذي..
الشيخ: لا، ما هو من كلام المؤلف، كلام المؤلف يُسْتَدَلُّ له ولا يُسْتَدَلُّ؟
طالب: به.
الشيخ: به، نعم.
طالب: الدليل حديث: تَصَدَّقَ رجل على غني فقال الناس: تُصُدِّقَ على غني.
الشيخ: فقيل له: إن صدقتك..
الطالب: مقبولة.
الشيخ: قد قُبلَت، لو أعطاها لمن يظنه مسلمًا فبان كافرًا؟
طالب: على كلام المؤلف لا تجزئ.
الشيخ: لا تجزئ.
الطالب: إلَّا في قول بعض أهل العلم: إذا كان تحرَّى عن الرجل وكذا يعطيه.
الشيخ: نعم، صحيح.
ما هو التعليل لكونها لا تجزئ على رأي المؤلف؟
طالب: قال: لأن العبرة بما في نفس الأمر لا بظاهره.
الشيخ: إي، العبرة بما في نفس الأمر، وقد وقعت في غير محلها فلا تجزئ.
ما حكم صدقة التطوع.
طالب: مستحبة.
الشيخ: مستحبة؟ هل تذكر دليلًا يدل على استحبابها من القرآن والسُّنَّة؟
الطالب: قول الله عز وجل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: 267].
الشيخ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ طيب.
الطالب: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: 172].
الشيخ: وعموم الإنفاق، ما فيه دليل على الصدقة؟
الطالب: قول الصحابة رضي الله عنهم أن الرسول عليه الصلاة والسلام.
الشيخ: من القرآن.
طالب: قوله تعالى: ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ [الأحزاب: 35]، في آخر الآية الآية قال: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾.
الشيخ: نعم، وكذلك آية نسيناها البارح: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: 18].
الدليل من السُّنَّة على فضل صدقة التطوع، أعطِنا ولَّا مَشِّنا، ها.
طالب: أحاديث كثيرة، ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ وَتَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ».
(8)
الشيخ: صح، هل تختلف فضلًا؟
طالب: نعم تختلف؛ مكانًا وزمانًا وحاجة.
الشيخ: وحالًا.
الطالب: وحالًا.
الشيخ: مكانًا وزمانًا وحالًا؛ مكانًا مثل؟
طالب: الحرمين يا شيخ.
الشيخ: الحرمين.
زمانًا؟
طالب: كرمضان.
الشيخ: كرمضان وعشر ذي الحجة.
حالًا؟
طالب: المجاعة.
الشيخ: كشدة الحاجة، والقرابة أيضًا، تتصدق على القريب أفضل من البعيد.
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وَتُسَنُّ بِالفَاضِلِ عَن كِفَايَتِهِ وَمَنْ يَمُونُهُ)، (تُسَنُّ) أي: يُسَنُّ أن يكون التصدق بشيء فاضل عن كفايته.
(وَمَنْ يَمُونُهُ) أي: وكفاية مَنْ يَمُونُهُ، أي: مَن تلزمه مَؤُونته، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه آله وسلم: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» (11)، «ابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ»، فدل هذا على أن صدقة التطوع تأتي في الدرجة الثانية بعد كفاية مَن يَعُولُهم، وقال عليه الصلاة والسلام: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» (11)، أي: عن فاضل غِنًى.
فإن قال قائل: ما الجواب عن جواب النبي صلى الله عليه وسلم حين سُئِل: أي الصدقة أفضل؟ قال: «جُهْدُ الْمُقِلِّ» (12)؟
فالجواب: أن لا منافاة؛ فإن المراد بِجُهد الْمُقِل ما زاد عن كفايته وكفاية مَن يَمُونُه، وهو خلاف الغني، فإذا تصدق رجل بعشرة دراهم وهي الفاضل عن كفايته فقط، وآخر بعشرة دراهم وعنده عشرة ملايين، أيهما أفضل؟
طلبة: الأول.
الشيخ: الأول؛ لأن هذا جهده، وذاك عشرة ريالات بالنسبة لعشرة ملايين ليست بشيء، ما الذي يقابل عشرة ريالات من عشرة ملايين، إذا قدَّرنا أن الأول ماله ألف؟
طلبة: جزء من ألف.
الشيخ: ألف ريال، فعلى كل حال، إذا تأمَّلْت الحديثين لن تجد بينهما منافاة؛ لأن المراد بجُهْد الْمُقِلّ ما زاد عن كفايته، لكنه ليس ذا غِنًى واسع.
ثم قال: (وَيَأْثَمُ بِمَا يَنْقُصُهَا)، (يَأْثَم) أي: المتَصَدِّق، (بِمَا) أي: بصدقة تَنْقُص كفايته، (بِمَا يَنْقُصُهَا) أي: ينقص كفايتَه وكفايةَ مَن يَمُونُهُ، ووجه ذلك أنه إذا نقص الواجب أَثِم، فكيف يليق بك أن تترك واجبًا وتتصدق بتطوع؟ هذا لا يليق؛ لا شرعًا، ولا عقلًا، ولا عرفًا، ابدأ أولًا بِمَن تعول.
ثم اعلم أيضًا أن خير صدقة تتصدق بها على نفسك وأهلك؛ يعني الصدقة على أهلك أفضل من الصدقة على الخارج، كما جاء في الحديث، فإذا قمت بالواجب في مَؤُونتك ومَؤُونة أهلِك فأنت قائم بواجب وصدقة، كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن الإنسان إذا أنفق على أهله فهي صدقة، بل على نفسه فهي صدقة.
وحينئذ نقول: إنك في الواقع لم تخرج عن مسمَّى المتصدِّق إذا أنفقت على نفسك وأهلك، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعل الإنفاق على الأهل من الصدقة، بل الإنفاق على الأهل واجب تُثَابُ عليه أكثر من الثواب على الصدقة على بعيد.
وقوله: (بِمَا يَنْقُصُهَا)، يقرؤها بعضكم: يُنْقِصُها، من الرباعي، ولكنها من الثلاثي، وهي لازمة ومتعدية، بل تتعدى لاثنين، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: 4] هنا تعدَّت؟
طلبة: لاثنين.
الشيخ: لاثنين، الكاف؟
طلبة: وشيئًا.
الشيخ: وشيئًا، وتكون لازمة، كما إذا قلت: نقص المال، ومثلها: (زاد)، (زاد) تستعمل لازمة ومتعدية، فتقول: زاد المال، وتقول: زادني خيرًا، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة: 124]، كم نصبت؟
طلبة: اثنين.
الشيخ: مفعولين، إذن صواب قراءتها أن تقول؟
طلبة: (بِمَا يَنْقُصُهَا).
الشيخ: (بِمَا يَنْقُصُهَا)، فإن قال قائل: كيف تُؤَثِّمُونه بِمَا يَنْقُصُهَا، وقد أَقَرَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر حينما تصدق بجميع ماله، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: «مَاذَا تَرَكْتَ لِأَهْلِكَ؟ »، قال: تركت لهم الله ورسوله، فأقرَّه النبي عليه الصلاة والسلام، وكيف تقولون ذلك، أي التصدق بِمَا يَنْقُصُهَا إثم، مع أن الله امتدح الذين ﴿يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9]؟ وكيف تقولون ذلك وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصاري الذي قدَّم الضيف على نفسه وأهله، قال: «إِنَّ اللهَ عَجِبَ مِنْ صَنِيعِكُمَا الْبَارِحَةَ» (13)، والقصة مشهورة، الضيف جاء إلى الأنصاري وليس عنده إلَّا طعام أهله، فقال لزوجته: أطفئي المصباح إذا قدَّمتِ العَشاء، أطفئي المصباح وأريه أننا نأكل معه؛ لِئَلَّا يخجل، وهما لا يأكلان معه، لكن لِئَلَّا يخجل.
فهذه الأدلة تدل على أنه لا يأثم الإنسان بما يَنْقُص المَؤُونة؛ مَؤُونة نفسه وعياله؟
فالجواب عن ذلك يقال: إذا كان الإنسان قد عَرَف من نفسه الصبر والتوكل، وعنده ما يستطيع أن يُحَصِّل به، فهذا لا حرج عليه إذا تصدق بما يَنْقُص مَؤُونته، أما إذا كان لا يعرف من نفسه الصبر والتوكل وإخلاف ما أنفق، فإن الأمر كما قال المؤلف، مثل لو فرضنا أنه إذا تصدق بما يَنْقُص مَؤُونته خرج من الباب الثاني ليتكفَّفَ الناس، هذا لا يجوز.
لكن إذا علم أنه إذا تصدق بما يَنْقُص مَؤُونة أهله خرج من الباب الثاني ليشتغل، يبيع ويشتري، كما كان أبو بكر رضي الله عنه يفعل، فإن ذلك لا بأس به، أما مسألة الضيف فقد يقال: إن أهله قد رضوا بذلك، أهل الأنصاري رضوا بهذا وصبروا، وإكرام الضيف ليس تطوعًا، بل هو واجب، فيدخل في الواجب.