الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 282-321

(وعلى عمامة لرجل)؛ يعني ويجوز المسح على عمامة، والعمامة: ما يُعمَّم به الرأس، ويكور عليه، وهي معروفة.
وقوله: (وعلى عمامة)، ما هو الدليل؟ الدليل حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلام مَسَحَ على عمامتة، وعلى الناصية وعلى الخفين (3). مسح على عمامتة، وقد يُعبر عنها بالخِمار كما في صحيح مسلم (4): مَسَحَ على الْخُفَّيْن والخِمار، قال: يعني العمامة، ففسر الخمار بالعمامة.
ولولا التفسير هذا لقلنا: إنه يجوز أيضًا المسح على الغتره، إذا كانت مُخمِّرة للرأس، كما يجوز في خمر النساء، لكن ما دام فُسِّرت بأن المراد بالخمار العمامة فتكون هي العمامة.
وقوله: (لرجل) يعني لا لامرأة، فالمرأة لا يجوز أن تمسح على العمامة؛ لأن لبسها للعمامة مُحرَّم؛ حيث يكون في ذلك تشبُّه بالرجال، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن المتشبهات من النساء بالرجال (5). فعلى هذا يكون لبسها للعمامة مُحرَّمًا، ولا يجوز لها أن تمسح عليها.
وهل يُشترط في العمامة ما اشتُرط في الْخُفّ في أن يكون طاهِرًا ومباحًا؟ الجواب: نعم، لا بد من أن يكون طاهر العين، وأن يكون مباحًا، فلو اتخذ عمامة من حرير وهو رجل؛ لا يجوز المسح عليها، ولو اتخذ عمامة من شيء فيه صور؛ لم يَجُز المسح عليه، ولو اتخذت المرأة عمامة من حرير -لأن الحرير يجوز للنساء- كان ذلك جائزًا؟ طلبة: لا يجوز.
الشيخ: الحرير يجوز للمرأة.
طالب: العمامة لا تجوز.
الشيخ: لكن العمامة ما تجوز، إي نعم، هذه قد يغلط فيها طالب العلم، ولهذا أنا قلت من قبل قليل: عِمامة من حرير لرجل، وكان المتوقع أنكم تقولون: وهل يمكن أن تكون عمامة للمرأة؟ لكن على كل حال لا بد.. (لرجل) كلمة رجل في الغالب تُطلق على البالغ، لكن ذكر لمن يُقابل الأنثى، ولو كان غير بالغ، ولكنه هنا ليس مرادًا؛ أعني ليس المراد لرجل بالغ فيجوز أن يلبس الصبي عمامة ويمسح عليها.

يقول: (مُحنَّكة أو ذات ذؤابة) (مُحنَّكة)؛ يعني يُدار منها تحت الحنك.
(أو ذات ذؤابة)؛ يعني تُطلق ذؤابة من الخلف لها؛ يعني يكون أحد أطرافها متدليًا من الخلف، هذه ذات الذؤابة.
و(ذات) بمعنى صاحبة، فاشترط المؤلف للعمامة شرطين: أن تكون لرجل، وأن تكون مُحنَّكة؛ يعني يُدَار منها كور تحت الحنك أو ذات ذؤابة.
مع اشتراط أن تكون مُباحة، وأن تكون طاهرة العين، كما سبق، فتكون الشروط الآن أربعة: تكون طاهرة العين، مباحة، لرجل، محنّكة أو ذات الذؤابة.
ما هو الدليل على اشتراط التحنيك أو ذات الذؤابة؟ قالوا: لأن هذا هو ما جرت العادة بلبسه عند العرب؛ أنهم يحنكونها أو يجعلون لها ذؤابة؛ ولأن المحنكة هي التي يشُق نزعها، بخلاف المكورة بدون تحنيك؛ بحيث يرفعها الرجل يمسح رأسه، لكن مُحنَّكة يشق عليه أن يخلعها، ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية عارضهم في هذا الشرط، وقال: إنه لا دليل على اشتراط أن تكون محنَّكة، أو ذات ذؤابة، بل النص جاء على عمامته، ولم يذكر قيدًا آخر، فمتى ثبتت العمامة جاز المسح عليها؛ لأن الحكمة من المسْح على العمامة لا تتعين في مشقة النزع، قد تكون حكمة غير مشقة النزع وهي أنه لو حركها ربما تنفل أكوارها.
ولأنه لو مسح رأسه فتحه، في الغالب أن الرأس الذي عليه العمامة، الغالب أنه يعرق، فإذا فتحها، فقد يُصاب بلفحة هواء، ولهذا رُخِّص له أن يُبقيها على ما هي عليه، وأن يمسحَ عليها.
وهل يُشترط مع ذلك أن يمسح على ما ظهر من الرأس، أو لا يشترط؟ لا يشترط، لكن قالوا: إنه يُسَنّ أن يمسح معها ما ظهر من الرأس؛ لأنه سيظهر من الرأس الْمُقدِّمة؛ الناصية يظهر منها قليل، وكذلك أسفل الرأس، وكذلك من الخلف قليل؛ لأنه ما تشمل الرأس كله فيجوز المسح عليها، ويستحب المسح على ما ظهر، ولا يجب.
طالب: شيخ، أعِد يا شيخ العبارة؟ الشيخ: وين الشروط اللي بينّا؟ ولا بد أيضًا -على المذهب- أن تكون محنكة أو ذات ذؤابة.

(وعلى خُمُر نساء) خُمُر: جمع (خِمار)، وهو مأخوذ من الْخُمرة، وهي ما يُغطَّى به الشيء، فخُمُر النساء ما تُغطي بهن رؤوسهن، ولكن اشترط المؤلف: (مدارة تحت حلوقهن)، لا مطلقة مرسلة، لا بد أن تُدار تحت الحلوق؛ لأن هذه هي التي يشق نزعها ومسح الرأس فيها.
وقد اختلف العلماء في جواز مسْح المرأة على خمارها؛ فمنهم من قال: إن هذا حرام، ولا يجوز أن تمسح المرأة على الخمار؛ لأن الله أمر بمسح الرأس: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: 6]، وإذا كان هناك خِمار، ومُسحت عليه ما مسحت برأسها، بل مسحت على هذا الحائل بخمارها؛ فلا يجوز.
ومنهم من قال: إنه جائز، ولكن ليس هناك نصوص صحيحة في هذا الباب، لكن قاسُوها على عِمامة الرجل، وقالوا: إن الخمار للمرأة بمنزلة العمامة للرجل، والمشقة موجودة في هذا وفي هذا.
وعلى كل حال، فإذا كان هناك مشقة إما لبرودة الجو، أو لمشقة النزع واللف مرة أخرى، فالتسامح في هذا لا بأس به، وإلا فالأولى ألا تمسح.
ويبقى عندنا لو كان الرأس مُلبَّدًا بحناء، أو صمغ، أو عسل، أو نحو ذلك، هل يُمسح عليه أم لا؟ الجواب: نعم، يُمسح عليه؛ لأنه ثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام في إحرامه كان مُلبِّدًا رأسَه (6). فما وُضِع على الرأس من التَّلْبِيد، فهو تابِع له، وهذا يدل على أن تطهير الرأس فيه شيء من التسهيل.
وعليه فإذا كانت المرأة قد لبّدت رأسها بالحناء كما يوجد ولا سيما في الزمن السابق، فإنها تمسح عليه، ولا حاجة إلى أنها تنقض الرأس، وتحت هذا الحناء.
وكذلك لو كانت شدَّت على رأسها ما يُسمَّى تشد على رأسها حلي ويش يُسمى؟ تختلف الأعراف فيه.
طالب: الهامة.
الشيخ: تسمى الهامَة؛ لأنه حُليّ يوضع على الهامة ما عاد يسمونه عندكم؟ ما تعرفونه، وأظن هذا شيء من الحلي، كبر اليد، وفيه جواهر ولؤلؤ، ويُوضع على الرأس، هكذا يشد بشعر الرأس، ويضفر، هذا يجوز المسح عليه ولَّا ما يجوز؟

نقول: يجوز؛ لأننا إذا جوَّزنا المسح على الخمار، فهذا من باب أوْلَى.
وقد يقال: إن له أصلًا وهو الخاتَم؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يلبس الخاتم (7)، ومع ذلك فإنه قد لا يمكن أن الماء يدخل بين الخاتم وبين الجلد، فمثل هذه الأشياء قد يُسامِح فيها الشرع، لا سيما أن الرأس من أصله لا يجب تطهيره بالغسل، وإنما يُطهَّر بالمسح، فلذلك خُفِّف فيه.
طالب: المشقة يا شيخ في الخمر، القناع أشد منها (... ). الشيخ: إي نعم، وهذا الذي جعلهم يبيحونه.
الطالب: (... ) القاعدة.
الشيخ: سبحان الله العظيم، حتى بعد أنا أنسى، وأجيب.
(في حدث أصغر)، قوله: (في حدث أصغر) مُتعلق ب ـ (يجوز)، شوف الآن (يجوز في مدة معينة)، و (في حدث أصغر)، وعلى الخف بشروطه، والعِمامة بشروطها، والخمار بشروطه، فالشروط العامة أن يكون في المدة المحددة شرعًا وهي يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام للمسافر، الثاني: أن يكون في حدث أصغر، هذه اثنان، الثالث: أن يكون الملبُوس طاهرًا، الرابع: أن يكون مُباحًا هذه أربعة عامة.
في الشروط الخاصة في الخُفّ: أن يكون ساترًا للمفروض، ويثبت بنفسه، العمامة ما يُشترط أن تكون ساترة للمفروض، والْخُمر في الغالب تكون ساترة للمفروض.
طالب: من حدث من بعد اللّبس.
الشيخ: لا، هذا ابتداء المدة، ما له دخل.
طالب: الطهارة.
الشيخ: بيجينا.
يقول: (في حدث أصغر)، الحدث الأصغر: هو ما أوجب الوضوء، ولكن ما هو الحدث؟ يقولون: إن الحدث هو وَصْف أيش؟ قائم بالبدن، يمنع الصلاة ونحوها مما تُشترط له الطهارة، ما هو شيء محسوس، لكنه وصف قائم بالبدن، يمنع الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة، وهو قسمان: أكبر وأصغر؛ فما أوجب الوضوء فهو أصغر، وما أوجب الغسل فهو أكبر، إذن هذه الثلاثة: الْخُفّ، والعمامة، والْخُمُر إنما تمسح في ماذا؟ في الحدث الأصغر فقط، ما هو الدليل؟

الدليل حديث صفوان بن عسال رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كُنَّا سَفْرًا ألا ننزع خفافنا إلا من جَنابة، ولكن من غائط، وبول، ونوم (8). شوف إلا من جنابة؛ هذا الحدث الأكبر، ولكن من غائط وبول ونوم؛ هذا الحدث الأصغر، فإذن لو حصل على الإنسان حدث أكبر وهو يمسح الخفين في مدة المسح، هل يمسح أم لا؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا يمسح؛ لأن الحدث الأكبر ليس فيه شيء ممسوح، لا أصلي ولا فرعي، إلا الجبيرة كما سيأتي، أما في حال الاختيار ما فيه شيء ممسوح حتى الشعر؛ شعر الرأس يجب أن يُغسل.
(في حدث أصغر وعلى جَبِيرة) يعني ويجوز المسح على جَبِيرة.
فيه ملاحظة: بعض العلماء يقول: إن العمامة لا يُشترط لها توقيت؛ لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وَقَّتَها؛ ولأن طهارة العضو التي هي عليه أخفّ من طهارة عضو الخُفّ، فلا يمكن إلحاق هذا بهذا، وممن ذهب إلى هذا الشوكاني في نيل الأوطار، وجماعة من أهل العلم: على أن العمامة متى كانت عليك فامسح، إذا لم تكن عليك فامسح الرأس، ولا توقيت فيها.
قال المؤلف: (وعلى جبيرة) جبيرة (فَعِيلة) بمعنى (مَفْعُولة) ولَّا بمعنى (فَاعِلَة)؟ طلبة: فاعلة.
الشيخ: ما هي الجبيرة علشان نعرف؟ فيه فعيلة بمعنى (فَاعِلة)، وبمعنى (مَفْعُول)، الجبيرة هي أعواد تُوضع على الكسر، ثم يُربط عليها ليتلاءم الكسر، هذه الجبيرة، وبدلها الآن الجِبْس.
إذا كانت هذه هي الجبيرة تكون جبيرة بمعنى (جابِرة)، ولَّا بمعنى (مجبُورة)؟ طلبة: جابِرة.

الشيخ: بمعنى (جابِرة)، هذه ما دمنا نطلقها على الأعواد، وأما (جَبِير) للمكسور؛ فهي بمعنى (مفعول)؛ أي: (مجبُور)، ويسمى الكَسِير جبيرًا من باب التفاؤل، كما يسمون اللديغ سليمًا؛ مع أنهم ما يدروا يسلم ولَّا ما يسلم، الأرض القفر اللي ما فيها أحد، ولا ماء، ولا شيء تُسمَّى مفازة، واحد بيفوز بأرض ما فيها لا ماء، ولا نبات، ولا شيء، هذه محل فوز، ولا محل شقاء، لكن يسمونها مفازة من باب التفاؤل.
(على جبيرة) لكن لها شروط (لم تتجاوز قدر الحاجة)، هذا الشرط من الشروط ألا تتجاوز قدْر الحاجة (تتجاوز): بمعنى (تتعدَّى)، فما هي الحاجة؟ الحاجة: هي الكَسْر، وكل ما قرب منه مما يُحتاج إليه في شدها، وليس الكسر، فالكسر فقط ما يمكن تنجبر؛ فمثلًا إذا كان يمكن أن نجعل العيدان طولها شبر، أنا ما أعرف السنتي ولا ما سنتي، ممكن نجعلها شبر وشوي؟ طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ طلبة: لأنه زائد عن محل الحاجة.
الشيخ: لأنه زائد عن محلّ الحاجة، إذا كان ممكن نجعلها أربعة أصابع؛ يعني يمكن تنشد وتنضبط بأربعة أصابع، يمكن نجعلها خمسة؟ طلبة: لا.
الشيخ: ما يمكن، هل يجب أننا نأخذ أربطة دقيقة، أو يجوز حتى في الأربطة الغليظة؟ ننظر إن احتجنا إلى الغليظة ربطنا بها إن لم نحتجْ أخذنا الدقيق، وعلى هذا فالحاجة نفسِّرها بماذا؟ هي موضع الكسر وما قرب منه مما يُحتاج إليه في الشد؛ لو كان كسر في الأصبع، لكن يحتاج نربط كل الراحة علشان تستريح اليد، هل هذه حاجة؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، حاجة ما نقول: والله الكسر في الأصبع، لا تشد إلا الأصبع فقط، ما دمنا نحتاج إلى شد هذا الكسر فكل حاجة لنا.
الشرط الثاني يقول: (لم تتجاوز قدر الحاجة ولو في أكبر) (لو) هنا إشارة خلاف أو رفع توهّم، هي رفع توهم؛ لأنه بالأول قال: (في حدث أصغر)، ولو لم يقل: (ولو في أكبر)، لكنا نظن أنها لا يجوز المسح عليها إلا في الحدث الأصغر، وهي يجوز المسح عليها في الحدث الأكبر والأصغر.

أولًا: الدليل؛ الدليل: حديث صاحب الشجة على القول بأنه حديث تثبت به الحجة، وأنه حسن، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا» (9)، وهذا في الجنابَة؛ لأن الرجل أجنب.
والتعليل: هو أن المسْح على الجبيرة من باب الضرورة؛ والضرورة لا فرْق فيها بين الحدَث الأصغر والأكبر، بخلاف المسح على الخفين فهو رُخصة.
والجبيرة ضعيفة، ولكن يُجبر بعضها بعضًا؛ وهي جبيرة أدلتها مجبورة؛ يجبر بعضها بعضًا، ثم إنها يمكن أن نقيسها ولو من بعيد على المسح على الخفين، فنقول: إن هذا عضو مستور بما يجوز لبسه شرعًا فيكون فرضه المسح، ولكن هذا القياس فيه شيء من الضعف؛ لأن المسْح على الخفين رُخصة مُؤقّت، وهذه عزيمة وغير مؤقّت.
والمسْح على الخفين يكون في الحدث الأصغر، وهذا في الأصغر والأكبر، والمسح على الخفين يكون على أكثر ظاهر القدم، وهذه يكون على جميعها، ففي القياس شيء من النظر، لكن من حيث الأصل، وهو أن هذا العضو الواجب غسله سُتِر بما يسوغ ستره به شرعًا، فجاز المسْح عليه كالخفين؛ ولأن المسح ورد التعبد به من حيث الجملة، فإذا عجزنا عن الغسل انتقلنا إليه كمرحلة أخرى، وهذا الذي عليه جمهور أهل العلم.
وقال بعض أهل العلم: إنه لا مسح على الجبيرة؛ لأن أحاديثها ضعيفة، ولم يرَ أن ينجبر بعضها ببعض، ولم يرَ القياس كابن حزم -رحمه الله- فإن ابن حزم لا يرى المسح عليها.
ثم اختلف القائلون بأنه لا يجوز المسح، هل يسقط الغسل إلى غير بدل، أو يسقط إلى بدل، وهو التيمم بأن يتوضأ ويغسل ما أمكنه غسله من أعضاء الطهارة، ويتيمم عن الموضع الذي فيه الجبيرة (... ). فيه، والعجز عن البعض كالعجز عن الكل؛ فيتيمم.

وقال آخرون ممن لا يرون المسح على الجبيرة: إنه لا يتيمم؛ لأنه عجز عن غسل هذا العضو فسقط كسائر الواجبات، وهذا أضعف الأقوال أنه يسقط الغسل إلى غير تيمُّم، ولا مسح؛ لأننا نقول: العضو موجود، ليس بمفقود حتى يسقط فرضه، أما لو قُطعت اليد صح، يسقط الفرض؛ فالعضو الآن موجود عجز عن التطهر بالماء فيه، فيتطهر ببدله.
وربما يعمّه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: 6]، فإن هذا مريض، فإن الكسر أو الجرح نوع من المرض، ولكن عندما نقول: إنه لا بد من التيمم أو المسح، أيهما أقرب إلى الطهارة بالماء؟ المسح؛ لأنه طهارة بالماء، وذاك مسح طهارة بالتراب، ثم إن التيمم أيضًا قد يكون في غير محل الجبيرة؛ لأن التيمم في الكفين والوجه فقط، والجبيرة قد تكون في الذراع، قد تكون في العضد، قد تكون في الساق، وقد تكون في الفخذ، وقد تكون في البطن، ممكن، فأقرب الأقوال هذه الثلاثة هو: جواز المسح عليها، ولكن هل يجمع بين المسْح والتيمم؟ قال بعض أهل العلم: نعم، يجب الجمع بين المسْح والتيمم احتياطًا.
ولكن الصحيح: أنه لا يجب الجمع بينهما؛ لأن القائلين بوجوب التيمم لا يقولون بوجوب المسح، ولا العكس، وكوننا نُوجب طهارتين لعضو واحد خلاف القواعد الشرعية ولَّا لا؟ لأنه يجب تطهير هذا العضو إما بكذا وإما بكذا.
أما أن نُوجب تطهيره بطهارتين فهذا لا نظيرَ له في الشريعة، ولا يُكلِّف الله تعالى عبدًا بعبادتين سببهما واحد، ولكن مع هذا يقول العلماء -رحمهم الله-: إن الجرح ونحوه إمَّا أن يكون مكشوفًا أو مستورًا.
فإن كان مكشوفًا فالواجب غسله بالماء، فإن تعذَّر فمسح الجرح نفسه، فإن لم يمكن ولا المسح؛ تعذَّر حتى المسح فالتيمم، وحينئذٍ يكون للجرح أو الكسر المكشوف كم حالة؟ طلبة: ثلاثة.

الشيخ: ثلاث حالات؛ يعني مراتب؛ المرتبة الأولى: الغَسْل، المرتبة الثانية: المسْح، المرتبة الثالثة: التيمُّم، على الترتيب، أما إذا كان مستُورًا بما يسوغ ستره به، فإنه ليس فيه إلا المسح فقط، قد يضره المسح حتى ولو كان مستورًا، ربما يضره المسْح، نعدل إلى التيمم، كما لو كان مكشُوفًا، هذا ما ذكره الفقهاء -رحمهم الله- في هذه المسألة.
يقول رحمه الله: (ولو في أكبر) (لو) ليست هنا إشارة خلاف، ولكنها رفع توهُّم، لما قال: في العمامة والخمار والخفين (في حدث أصغر)، أراد أن يرفع الوهم عن مسح الجبيرة، هل يكون خاصًّا في الحدث الأصغر أو حتى في الأكبر، فقال: (ولو في أكبر)، والفرق بين الحدث الأكبر والأصغر؛ الأكبر ما أوجب الغسل، والأصغر ما أوجب الوضوء، هذا الفرق بينهما، وأيهما أغلظ؟ الأكبر الأغلظ؛ ولهذا يحرم على من عليه حدث أكبر ما لا يحرم على من عليه حدث أصغر كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في نواقض الوضوء.
قال: (إلى حَلِّها) يعني يمسح على الجبيرة إلى حلِّها، وكسْر الحاء لحن فاحش مُغيِّر للمعنى؛ لأنه لو قال: إلى حِلِّها؛ يعني الآن هي مُحرَّمة، وهذا يفسد المعنى، ولكنها إلى حَلِّها؛ أي: إزالتها، ومتى تزال؟ تزال إذا برئ، يجب إذا برئ الجرح أن تُزال.
لو قال قائل: أبغي أخليها مع بُرْء الجرح، قلنا: هذا حرام، ما يجوز؛ لأن السبب الذي من أجله جاز الوضع والمسح قد زال، وإذا زال السبب انتفى المسبّب.
قال: (إلى حَلِّها إذا لبس ذلك بعد كمال الطهارة) (ذلك) المشار إليه الأنواع الأربعة كلها؛ الخف، والعمامة، والخِمار، والجبيرة، إذا لبسها بعد كمال الطهارة.
قال: (بعد كمال)، ولم يقل: بعد الطهارة؛ حتى لا يتجوَّز مُتجوِّز بكلمة الطهارة، ويقول: بعد الطهارة؛ أي: بعد أكثرها، بل قال: (بعد كمال الطهارة)؛ فلو أن رجلًا عليه جنابة، وغسل رجليه، ولبس الخفين، ثم أكمل الغسل، ما تقولون؟ يجوز ولَّا ما يجوز؟ طلبة: ما يجوز.

الشيخ: ما يجوز، ليش؟ طلبة: ما أكمل الطهارة.
الشيخ: ما أكمل الطهارة، صحيح أن الرِّجْلين طهرتا؛ لأن الغسل من الجنابة ما فيه ترتيب، لكن لم تكمُل الطهارة.
رجل آخر توضأ، غسل وجهه ويديه، ومسح رأسه وأذنيه، وغسل رِجله اليمنى، ثم أدخلها الخُفّ، ثم غسل اليسرى فأدخلها الخُفّ.
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: يجوز؟ طلبة: ما يجوز.
الشيخ: أعِدْ، كيف؟ ! طلبة: (... ). الشيخ: هذا رجل توضَّأ، غسل رجله اليمنى، ثم أدخلها الخف، ثم غسل اليسرى.
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: هل يجوز ولَّا ما يجوز؟ طلبة: لا يجوز.
الشيخ: انتظر، إذا لبس ذلك بعد كمال الطهارة، هو لما لبس الخُفّ اليمنى، لبسه قبل أن يكمل الطهارة، ما كمل الطهارة، ويش باقٍ عليه؟ باقٍ عليه غسْل اليسرى، فلا بد أن يغسل اليسرى قبل أن يُدخل الرجل اليُمنى الخف.
المؤلف يقول: (بعد كمال الطهارة)، وهذا هو المشهور من المذهب؛ وذلك لأن قوله صلى الله عليه وسلم: «فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» (10). كلمة: «طَاهِرَتَيْنِ» وصْف للقدمين، فهل المعنى أدخلتُ كُلَّ واحدة وهما طاهرتان، فيكون أدخلهما بعد كمال الطهارة؟ أو أن المعنى: أدخلت كل واحدة طاهرة، فتكون الصورة التي ذكرنا جائزة؟ يحتمل، صحيح أنه يحتمل؛ ولذلك اختلف العلماء؛ فالمذهب -كما رأيتم- لا بد أن يكمل الطهارة قبل أن يلبس الخُفّ.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أنه يجوز إذا طهر اليمنى أن يلبس الخُفّ، ثم يُطهِّر اليسرى ويلبس، وقال: إنه أدخلهما طاهرتين، وما أدخل اليمنى إلا بعد أن طهَّرها، ولا أدخل اليسرى إلا بعد أن طهَّرها، فيصدق عليه أنه أدخلهما طاهرتين.
ولكن -على المذهب- لو فرض أن رجلًا فعل هذا الفعل، ماذا يصنع؟ نقول: اخلع اليمنى، ثم البسها؛ لأنك إذا لبستها بعد خلعها لبستها بعد كمال الطهارة.

فشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- يقول: هذا شيء نوع من العبث، إيش معنى أني أخلعها وألبسها؟ ! هذا لم يؤثِّر شيئًا، ما دام تقولون: لا يجب إعادة تطهير الرجل فقد حصل المقصود، لكن هناك حديث رواه أهل السنن: أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل للرجل إذا توضَّأ فمسح خُفَّيْه أن يمسحَ يومًا وليلة (11). فقوله: إذا توضأ ولبس خُفَّيْه، قد يُرجِّح المشهور من المذهب؛ لأن من لم يغسل الرِّجل اليسرى لا يصدق عليه أنه توضأ، وهذا ما دام هو الأحوط أيضًا فسلوكه أوْلى، ولا نجسر على شخص غسل رجله اليمنى، ثم أدخلها الخف، ثم غسل اليسرى وأدخلها الخُفّ، لا نجسر أن نقول: أعِدْ صلاتك ووضوءك، لكننا نأمر من لم يفعل ألا يفعل احتياطًا.
طالب: ما يكون نشف العضو قبل أن (... ). الشيخ: كيف نشف؟ طالب: تنشيف، إذا لبس الخف اليمنى فقد نشفها قبل أن يلبس اليسرى.
الشيخ: ما يظهر هذا بغير الشيء المعتاد؛ ولهذا تقدمنا ألا ينشف العضو الذي قبله بزمن معتدل، ما يكون سببًا له، أما هذا هو اللي نشفه.
إذن المسألة كلام المؤلف: (إذا لبس ذلك بعد كمال الطهارة) يدل على -ما ذكرنا- أنه لو غسل رجله اليمنى، ثم أدخلها الخف ما صح.
طالب: استدلالهم بالحديث هل هو (... )؟ الشيخ: أيهم؟ الطالب: توضأ، ولبس الخف.
الشيخ: إي، لكن قال: إذا توضأ، ما يصدق عليه أنه توضأ إلا بعد أن يكمل.
طالب: (... ). الشيخ: لا، على كل حال، إحنا ويش قلنا الآن؟ أيش؟ كل حال قلنا: كوننا نُلزم الإنسان أن يُعيد صلاته إذا فعل هذا الفعل هذا شيء ما يجسر عليه، لكن كوننا نأمره ألا يفعل، هذا طيب، ونقول: بدلًا من أنك تلبسها اصبر أنت دقيقة واحدة حتى تغسل الرجل اليسرى، والبس، ثم هو أحسن لك أيضًا ألَّا تلبس حتى تُنشّف رجليك؛ لأنك إذا لبست على طول دخّلت الرجل وهي رطبة يكون براد عليك ولًّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: يكون براد عليك؛ تبرد، وربما تحصل رائحة كريهة، أليس كذلك؟ الطلبة: بلى.

الشيخ: إي نعم، كونك تبقى أحسن.
طالب: أقول: يخمر الرِّجل ويسير.. الشيخ: هذا ما يصلح حتى لو يخمر، ما له حاجة يخمر رجله، اللهم إلا إنسان فيه شطوب في عراقيبه بيخمرها علشان يلين، يمكن.
الطالب: أقول: سبب للرائحة.
الشيخ: إي نعم، الرائحة، قُل: تسخم، ما هي تخمر.
يقول: (إذا لبس ذلك بعد كمال الطهارة) حتى الجبيرة، لو أن إنسانًا كُسِر، وراح مثلًا المستشفى يتجبَّر، يقول: لا تجبروني، لازم يروح يتوضَّأ قبل، وإن كان عليه جنابة لازم يغتسل قبل، يا ناس، الرِّجل الآن منفصل بعضها من بعض، نعم، تومئ هكذا، قال: لازم، قال: يروح يتغسل ويجيء، ولكن اشتراط كمال الطهارة في الجبيرة قول ضعيف جدًّا.
أولًا: لأن المسْح عليها عزيمة وضرورة.
ثانيًا: أنها تأتي مفاجأة، ما هي مثل الخف متى شئت لبسته.
وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من الأصحاب، وهو رواية عن أحمد قوية اختارها كثير من الفقهاء؛ أن الجبيرة لا يُشترط لها أن يلبسها على طهارة، وعلى هذا فيكون هذا من الفروق بين الجبيرة والْخُفّ.
وإذا شئتم أن نعُدّها -الفروق بين الجبيرة والْخُفّ- حتى نحصيها؛ لأن العِلم بالفروق والتقاسيم والضوابط هذا مُهم لطالب العلم، مثلًا نقول: الجبيرة لا تختص بعضوٍ معين، و (... ) تختص بعضوٍ معين؛ وهو الرِّجل في الْخُفّ، والرأس في العِمامة والخِمار بخلاف الجبيرة.
وبذلك نعرف خطأ بعض المفتين الذين أفتوا بأن المرأة يجوز لها أن تلبس (المناكير) لمدة يوم وليلة، (المناكير) جمع (مِنْكار)، ولًّا لا؟ طالب: صيغة منتهى الجموع هذه.
الشيخ: إي نعم، صيغ منتهى الجموع (مناكير).
طالب: جمع (مُنكِر) يا شيخ.
الشيخ: لا؛ لأن مناكير ما تكون إلا إذا كان المفرد خماسيًّا قبل آخره حرف عِلَّة (عصفور) و (عصافير)، (مِفتاح) (مَفاتِيح)، هذا نقول: (منكُور) خليه (منكُور) مفرد، و (مناكِير) جمع.

على كل حال نقول: هذا غير صحيح؛ لأن المسح إنما ورد فيما يُلبس على الرأس وعلى الرجل فقط؛ ولهذا لما كان الرسول عليه الصلاة والسلام في غزوة تبوك عليه جُبَّة شامية كان أكمامها ضيقة أراد أن (... ) يتوضأ عليه الصلاة والسلام ما استطاع؛ طلع إيده هكذا، وطلع من تحت حتى صبَّ عليه المغيرة (10)، لو كان المسح يجوز في مثل هذا الحال على غير الرأس والرِّجل كان يمسح على هذا الكم، ويمشي، إذن هذا فرق.
الفرق الثاني: المسح على الجبيرة جائز في الحدثين، وعلى الثلاثة الأخرى في الحدث الأصغر.
الفرق الثالث: المسح في الثلاثة مؤقت، وفي الجبيرة غير مؤقت.
الفرق الرابع: الثلاثة تُلبس لا بد على الطهارة على اختلاف بين العلماء في العِمامة والخِمار، وهذه لا يُشترط لها الطهارة.
قال المؤلف رحمه الله.. طالب: بدأنا بتعديد الفروق بين.. الشيخ: عددنا أظن أربعة فروق، من يأتي إلينا منها بواحد، مؤلف؟ الطالب: (... ). الشيخ: قال: (ومن مسح في سفر، ثم أقام) فإنه يتم مسح مقيم، إن بقِي من المدة شيء، وإن انتهت المدة خلع؛ مثال ذلك: رجل مسافر أقبل على بلده، وحان وقت الصلاة، فمسح، ثم وصل إلى البلد، هل يتم مسح مسافر؛ ثلاثة أيام، أو مسح مقيم يوم وليلة؟ مسْح مقيم يتم؛ لأن المسْح ثلاثة أيام لمن كان مسافرًا، والآن انقطع السفر، فكما أنه لا يجوز له قَصْر الصلاة لما وصل إلى بلده، فإنه لا يجوز له أن يُتِمّ مسْح المسافر، انتهى.
فإذا كان قد مضى على مسْحه يوم وليلة، ووصل بلده، ماذا يصنع؟ يخلع؛ لأنه انتهى المسْح، وإن مضى يومان يخلع ولَّا لا؟ طلبة: يخلع.
الشيخ: يخلع، وإن مضى يوم دون ليلة.
طلبة: بقي له ليلة.
الشيخ: بقي له ليلة، ولهذا قال: (يتم مسح مقيم).

(أو عكس)، ويش معنى عكس؟ يعني مسح في إقامة، ثم سافر، فإنه يُتم مسْح مُقيم، كيف يتم مسْح مُقيم ليش؟ قالوا: تغليبًا لجانب الحظر، لنفرض أنه مسح يومًا وهو مقيم، ثم سافر، بقي عليه ليلة، تمت الليلة، ما بعد الليلة فيه مُبيح وحاظر؛ السفر يبيحه والحظر لا يبيحه، يمنعه، قالوا: فنُغلِّب جانب الحظر احتياطًا، عرفتم الآن ولَّا لا؟ الصورة واضحة، والتعليل واضح؛ لأنه بعد تمام اليوم والليلة، ما زاد على ذلك فيه مُبيح وحاظر؛ الإقامة تمنعه، تحظره، والسفر يُبيحه، فحينئذٍ يُؤخذ بالحاظر؛ لأن الأخذ بالحاظر أحوط؛ فإنك إذا خلعت وتوضأت وغسلت قدميك؛ لا شُبهة بعبادتك بعد هذا، وإن أنت مسحت؛ صار في عبادتك شبهة، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» (12). والرواية الثانية عن أحمد: أنه يُتم مسْح مسافر كالعكس؛ لأنه وُجد السبب الذي يَستبيح به هذه المدة، قبل أن تنتهي مدة المقيم، أما لو انتهت مدة المقيم؛ مثل أن تم له يوم وليلة في مسْحه، ثم سافر بعد ذلك قبل أن يمسح، ففي هذه الحال يجب عليه أن يخلع.
أما والمسح باقٍ وقد وُجِد السبب الذي تمتد به المدة فإنه يبقى، وهذه الرواية قيل: إن الإمام أحمد -رحمه الله- رجع إليها، وأنه رجع عن قوله الأول والله أعلم، لكن هذه رواية قوية؛ بأنه إذا بدأ في المسح مُقيمًا ثم سافر؛ فإنه يُتم مسْح مسافر.
فيه مسألة نذكرها استطرادًا؛ لو دخل الوقت عليه، ثم سافر، هل يصلي صلاة مسافر أو صلاة مقيم؟ طالب: صلاة مقيم.
الشيخ: المذهب: يُصلي صلاة مقيم، والصحيح أنه يُصلِّي صلاة مسافر.
هذه قريبة من هذه؛ لأنه الآن صلَّاها وهو مسافر، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: 101]، كما أنه لو دخل الوقت عليه وهو مسافِر، ثم وصل إلى بلده يُتِمّ.

يقول المؤلف: (أو شك في ابتدائه)؛ يعني هل مسح وهو مسافر أو مسح وهو مقيم؟ فإنه يُتم مسح مقيم ليش؟ احتياطًا.
وبناءً على القول الثاني يُتم مسح مسافر؛ لأن القول الثاني يقول: حتى لو تيقَّن أنه مسح وهو مقيم؛ فإن له أن يُتم مسح المسافر، لكن هذا الذي قال المؤلف: (أو شك في ابتدائه) مبني على المذهب.
فهذه ثلاث مسائل: إذا مسح في سفر ثم أقام، أو مسح مقيمًا ثم سافر، أو شك هل ابتدأ المسح في السفر أو في الإقامة؛ في هذه المسائل الثلاث الواجب عليه أن يُتم مسح مقيم.
والصحيح أنه إذا مَسح مسافرًا، ثم أقام؛ يُتم مسح مقيم، وإذا مسح مقيمًا، ثم سافر؛ يتم مسح مسافِر، ما لم تنتهِ المدة قبل سفره، فإن انتهت مدة الحضر قبل سفره فلا يمكن أن يمسح.
يقول: (وإن أحدث، ثم سافر قبل مسحه؛ فمسح مسافر) أحدث وهو مقيم.
(ثم سافر) قبل أن يمسح، فإنه يُتم مسْح مسافر؛ لأنه لم يبتدئ المسح في الحظر، وإنما كان ابتداء مسحه في السفر.
وبناءً على هذا يتبين لنا رُجحان القول الذي رجَّحانه من قبل؛ من أن ابتداء مُدة المسْح مِن المسْح لا من الحدَث، هم هنا وافقوا أن الحكم مُعلَّق بالمسح لا بالحدث، وهذا مما يُرجِّح القول الذي أشرنا إليه من قبل، ويُلزِم المذهب أو أصحاب المذهب -رحمهم الله- بأن يقولوا بالقول الصحيح، أو يطردوا القاعدة، ويجعلوا الحكم مَنوطًا بالحدث، ويقول: إذا أحدث، ثم سافر، ومسح في السفر، فيلزمه أن يمسح مسْح مُقيم، وإلا حصل تناقض.
قال: (ولا يمسح قلانس ولفافة، ولا ما يسقط من القدم، أو يُرى منه بعضُه) (لا يمسح القلانس)، ويش القلانس هذا؟ القلانس نوع من اللباس اللي يوضع على الرأس، وهي عبارة عن طاقية كبيرة شوي يلبسها الإنسان، ممكن أن نقول: نقرّبها إلى الأذهان بالقبع، تعرفون القبع؟ معروف القبع؛ شيء يُلبس على الرأس من الصوف، ويفتح للوجه.
طالب: جحفية يا شيخ.
طالب آخر: طربوش هذا.

الشيخ: يُسمى طربوش وجُحفية، على العموم هذا الذي يُلبس على الرأس يقول المؤلف: إنه (لا يمسح القلانس)، لماذا؟ لأن الأصل وُجوب مسْح الرأس عُدِل عن الأصل في العِمامة لورود النص بها، فيبقى ما عداه على الأصل؛ وهو وجوب مسْح الرأس؛ لأن الله عز وجل يقول في القرآن: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: 6] الحائل يمنع أن نمسح بالرأس، تُستثنى العمامة؛ لورود النص بها، وعلى هذا فالقلانس لا تُمسح؛ يخلعها الإنسان، ويخلع عن رأسه، ويمسح.
وقال بعض الأصحاب -رحمهم الله-: إنه يمسح القلانس، ولا حرج إذا كانت مِثْل العمامة يشق نزعها؛ فإنها تمسح، أما ما لا يشق نزعه مثل الطاقية هذه المعروفة عندنا أو الغترة ما يمسح؛ ففرق بين الشيء الذي يشق نزعه، ويحتاج في خلعه وَرَدِّهِ إلى نوع من العناء، هذا يُمسح عليه، والشارع لا يُفرِّق بين مُتماثلين، ولا يجمع بين مفترِقين؛ لأن الشرع من لدن حكيم خبير جل وعلا، والعبرة في الأمور بماذا؟ بمعانيها، لا بصورها؛ فالعبرة بالمعاني، وما دام الشارع أجاز أن نمسح على العمامة، فما كان مثلها في مشقة النزع فإنه يُعطى حكمها.
وأما قوله: (ولفافة)؛ فاللفافة هذه في القدم؛ يعني ولا يمسح الإنسان لفافة لفها على قدمه؛ لأنها ليست بخف، فلا يشملها حكمه.
اللفافة هل يمكن أحد يلفها على رجله؟ نعم، في زمن مضى حين كان الناس في إعواز وفاقة، لا يجدون خُفًّا، فيأتي الإنسان ويأخذ خِرقًا يلفها على رجله ويربطها؛ لأن ما عندهم شيء، مثل هؤلاء لا يجوز لهم المسح؛ والعلة؛ لأن الأصل وجوب غَسْل القدم، خُولِف هذا الأصل في لابس الْخُفّ، لماذا؟ لورود النص به، فيبقى ما عداه على الأصل.

والعِلَّة في هذه، أو سوق الدليل على هذا الوجه ممكن أن نرده كما رددناه في العمامة؛ ولهذا اختار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أنه يجوز المسْح على اللفافة، وقال: إن اللفافة يُعذر فيها صاحبها أكثر من الخف، أيما أسهل أن تخلع الخف تغسل الرجل وتلبس الخف أو أن تحل هذه اللفافة، ثم تعيدها مرة أخرى؟ طلبة: الخف أهون.
الشيخ: الخف أهون، ولَّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: فإذا كان الخف قد أباح الشرع المسح عليه، فاللفافة من باب أولى، ثم إن السرية التي بعث النبي عليه الصلاة والسلام، وأمرهم أن يمسحوا على العَصائِب وعلى التَّساخِين (1)؛ فإنه يمكن أن نأخذ من كلمة (التساخين) جواز المسح على اللفافة؛ لأنه يحصل بها تسخين القدم.
والغرض الذي من أجله تُلبس الخِفاف موجود في من يلبس اللفافة، والصحيح ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في هذا.
قال: (ولا ما يسقط من القدم)، يعني ولا يمسح ما يسقط من القدم، وهذا بناءً على ما سبق؛ أنه يشترط ثبوته بنفسه أو بنعلين إلى خلعهما، الذي يسقط من القدم لا يجوز المسح عليه، لماذا؟ لأنه خُفّ غير مُعتاد، فلا يشمله النص، الناس ما هم يلبسون خفافًا.. نهض الإنسان رجله ليمشي، سقط الخف، ولَّا لا؟ أحد بيلبس هذا الخف؟ الطلبة: لا.
الشيخ: ما أحد لبسه، ويش الفائدة أني نزعت رجلي؟ سقط الخف، ثم أخذته، إذا خطوت أخذته، ولبست الثاني، ولما بأخطو الثانية سقط، هذا ما يمكن إلا مثلما قال الأخ بيسحب سحب رجليه، هذا يمكن ما يسقط، هم يقولون ما دام خفًّا غير معتاد فإنه لا يجوز المسح عليه، وهو -في الواقع- فيمن يمشي لا شك أنه لا يلبسه أحد، لكن لو فرضنا أن رجلًا لا يمشي؛ مريض مُقْعد، يُدخل رجله في هذا الخف لأجل تدفئتها، فهل يجوز المسح أو لا يجوز؟ طلبة: لا يجوز.

الشيخ: على كلام المؤلف لا يجوز؛ لأن الذي يسقط من القدم أيضًا سيكون واسعًا، وإخراج هذا الرَّجُل رِجْله من هذا الخف سهْل يسير؛ فيُخرجها، ويغسلها، وينشِّفها، ويردّها ثانية.
(ولا يُرى منه بعضه)؛ يعني ولا يمسح، ما يرى منه بعضه، كيف؟ يعني إذا كان الخُف يُرى منه بعض القدم؛ فإنه لا يُمسح، ولو كان البعض قليلًا؟ نعم، وهذا مبنيّ على ما سبق من اشتراط أن يكون الخف ساترًا للمفروض، فإذا كان يُرى منه بعض القدم؛ فإنه لا يمسح، وسواء كان يُرى من وراء حائل، أو يُرى من دون حائل، كيف يُرى من وراء حائل؟ مثل أن يكون خفيفًا، أو يكون زجاجًا، لو فُرض أن هذا الخف فيه مثلًا على قدْر العين زجاجة تشوف الخُف من ورائها، لكنه حائل.. طالب: القدم.
الشيخ: القدم في الخف شيء على قدر العين من الزجاج، القدم يُرى من ورائه، ولكنه حائل ولَّا غير حائل؟ طلبة: حائل.
الشيخ: حائل، فعلى المذهب لا يجوز المسْح عليه، وسبق لنا الخلاف في هذه المسألة، وأن الصحيح جواز ذلك للإطلاق.
ثم انتقل المؤلف إلى مسألة تقع كثيرًا، قال: (فإن لبس خُفًّا على خُفّ قبل الحدَث فالْحُكم للفوقاني)، هذا يقع ولَّا ما يقع؟ طلبة: يقع.
الشيخ: يقع، مثل: الشراب والكنادر، هذا خف على خف، ونحن أولًا: نبحث هل يجوز المسح عليهما؟ قبل أن نعرف هل المسح على الأعلى ولا على الأسفل، هل يجوز المسح عليهما أم لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: إن كانا مُخرَّقين لم يجُز المسح عليهما على المذهب ولو سترا؛ لأن كل واحد منهما لو انفرد لم يجز المسح عليه؛ فلا يمسح عليهما؛ مثاله: لبست شرابتين واحدة مخروقة من الأسفل، وواحدة مخروقة من الأعلى، الآن الستر حاصل ولَّا غير حاصل؟ طلبة: حاصل.
الشيخ: حاصل، لكن لو انفردت كل واحدة منهما لم يَجُز المسح عليها، فلا يجوز المسح عليهما، لا على الأعلى، ولا على الأسفل، كذا؟ لو كانا صحيحين، لو كانا الْخُفَّان صحيحين؟ طلبة: يجوز.
الشيخ: جاز المسح عليهما؟

طلبة: إي نعم.
الشيخ: واضح؛ لأن كل واحد منها لو انفرد جاز المسْح عليه.
لو كان أحدهما سليمًا والآخر مُخرَّقًا؟ يقولون: إنه يجوز المسْح عليهما؛ لأنه حصل الستر، وأحدهما لو انفرد؛ جاز المسح عليه، فيجوز المسح عليهما في هذه الحال، فصار الآن إما أن يكونا مخرقين، أو سليمين، أو الأعلى سالمًا والأسفل مُخرّقًا، أو بالعكس، فيجوز المسح في ثلاث صور: إذا كانا سليمين، وإذا كان الأعلى سليمًا والأسفل مُخرَّقًا، أو بالعكس، في هذه الصور الثلاث يجوز المسح، وإذا كانا مُخرَّقين لم يجُز المسح.
والصحيح: أنه يجوز المسح عليهما مُطلقًا، بناءً على أنه لا يُشترط ستر محل الفرض ما دام اسم الْخُفّ باقيًا.
إذا لبس خُفًّا على خُفّ، فهل الحكم للأعلى؟ يعني إذا لبس على وجه يصح المسح، فهل يكون الحكم للأعلى أو للأسفل؟ طلبة: للأعلى.
الشيخ: لا، فيه تفصيل؛ نفصّل على المذهب، وبعدين نشوف؛ إن كان قبل الحدث يقول المؤلف: (فالحكم للفوقاني)، وإن كان بعد الحدث (فالحكم للتحتاني)؛ فمثلًا هذا رجل لبس شرابًا، ثم أحدث، ثم لبس شرابًا آخر.
طلبة: للأسفل.
الشيخ: الحكم للأسفل؛ يعني لا يمكن أن يمسح على الأعلى، فإن لبس الأعلى بعد أن مسح الأسفل فالحكم للأسفل.
طالب: (... ). الشيخ: لا، أحدث، هذا رجل لبس الشّرابة، ثم أحدث ومسح عليها، ثم صار في آخر النهار برد شديد فلبس شرابة أُخرى فوق العليا، لكنه لبسه وهو على طهارة.. طالب: طهارة مسح.
الشيخ: إي، على طهارة مسْح، هل الحكم للأول للتحتاني ولَّا للفوقاني؟ المذهب -كما ترى- الحكم للتحتاني؛ لأنه لبسه بعد الحدث، ولا يكون الحكم للفوقاني إلا إذا لبسه قبل الحدث.
وقال بعض أهل العِلْم: إنه إذا لبس الثاني على طهارة؛ جاز المسْح عليه، يجوز المسح عليه؛ لأنه يصدُق عليه أنه أدخل رجليه طاهرتين، فإذا كان يصدق عليه فالحديث: «دَعْهُمْا؛ فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» (10).

والأصحاب -رحمهم الله- نصوا على أن المسْح على الخفين رافع للحدث، ما هو كالتيمم مُبيح على رأيهم؛ فالآن لبس الخف الثاني على طهارة تامّة، فلماذا لم يَمسح؟ وهذا القول قوي جدًّا؛ لأن علّته ظاهرة، أما لو لبس الثاني وهو مُحدِث فإنه لا يمسح؛ لأنه لبسه على غير طهارة.
طالب: (... ). الشيخ: نعم، الأخيرة بعد أن مسح الأول أحدث، ثم لبس الثاني وهو مُحدِث؛ فلا يمسح الآن؛ لأنه لبسه على غير طهارة.
طالب: فإذا لبس قبل الحدث الحكم للفوقاني ولَّا للتحتاني؟ الشيخ: الحكم للفوقاني يمسح الأعلى.
طالب: ولا يجوز المسح عليه؟ الشيخ: اصبر، بارك الله فيك؛ يمسح الأعلى، لكن هل يجوز أن يمسح الأسفل في هذه الحال؟ الجواب: نعم، يجوز، وإنما قال المؤلف: (الحكم للفوقاني)؛ لبيان جواز المسح عليه.
فالحاصل الآن: إذا لبِس خُفًّا على خُفّ فإما أن يكون بعد الحدث أو قبل الحدث؛ بعد الحدث من أول ما لبسه، أو بعد الحدث؛ إن كان بعد الحدث تعيَّن المسح على التحتاني؛ اللي هو الأول، ولا يجوز أن يمسح على الفوقاني بأي حال من الأحوال سواء لبس على طهارة أم لا، هذا المذهب، وإن كان قبل الحدث فالحكم للفوقاني، ويجوز المسح على التحتاني؛ لأنه الأصل.
بقينا إذا كان في الحال التي يُمسح الأعلى فيها لو خلعه بعد مسْحِه فهل يمسح ما تحته؟ يعني مثلًا رجل لبس شرابتين، وصار يمسح على العليا، وفي أثناء النهار احترّ؛ يعني: احترّ؛ تعرفونه ولَّا ما تعرفونه؟ وقال: باخلع الأعلى فخلعه، هل له أن يمسح التحتاني أو لا؟ طلبة: لا.
الشيخ: المذهب لا، وهذا فائدة قولنا: إنه يكون الحكم للفوقاني، هم يقولون: إذا مسح على الفوقاني خلاص تعلَّق الحكم به، إذا خلعه بعد مسْحه لم يُجزئه أن يمسح على ما تحته، هذا المذهب.

والقول الثاني: يجوز جعلًا للخُفَّين بمنزلة الظهارة والبطانة، ويش معنى الظِّهارة والبطانة؟ لغة جديدة دي، لو كان عنده خُف؛ يعني مصنوع من طبقتين، العليا تسمى ظهارة، والثانية: الداخلية بطانة، هذا الخف الذي له وجهان لنفرض أنه بعد مسحه تمزق الوجه الأعلى اللي هي الظهارة هل يمسح على البطانة؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم يمسح حتى على المذهب.. ويَمْسَحُ أكثرَ العمامةِ وظاهرَ قَدَمِ الْخُفِّ من أصابعِه إلى ساقِه دونَ أسفَلِه وعَقِبِه، وعلى جميعِ الْجَبيرةِ ومتى ظَهَرَ بعضُ مَحَلِّ الفرْضِ بعدَ الْحَدَثِ أو تَمَّتْ مُدَّتُه استَأْنَفَ الطهارةَ.

﴿باب نواقض الوضوء﴾ يَنْقُضُ ما خَرَجَ من سَبيلٍ، وخارِجٌ من بَقِيَّةِ البَدَنِ إن كان بولًا أو غائطًا أو كثيرًا نَجِسًا غيرَهما، وزَوالُ العَقْلِ إلَّا يَسيرَ نومٍ من قاعدٍ وقائمٍ، ومَسُّ ذَكَرٍ مُتَّصِلٍ أو قُبُلٍ بظَهْرِ كفَّهِ أو بطنِه، ولَمَسُهُما من خُنْثَى مُشْكِلٍ، ولَمْسُ ذَكَرٍ ذَكَرَه أو أُنْثُى قُبُلَها لشهوةٍ فيهما، كخف واحد، فإذا خلع الأعلى جاز؟ طالب: أن يمسح على الأسفل.
الشيخ: أن يمسح على الأسفل، وهذا القول أيسر للناس؛ لأن كثيرًا من الناس يلبس كنادر على الشراب ويمسح الكنادر، وإذا بغى ينام خلعها، على المذهب: ما عاد يمسح على الشراب من الغد، السبب: لأنه إذا خلع الممسوح انتهى زمن المسح، ما عاد يعيده.
وعلى القول الثاني اللي أشرنا إليه يجوز يمسح على الشراب ولَّا لا؟ يجوز أن يمسح على الشراب، فإذا مسح على الشراب ولبس الكنادر يجوز يمسح عليه المرة الثانية أيضًا؛ لأنه لبسهما على طهارة.

وهذا أيسر للناس، فمن سلكه -ولا سيما إذا سُئل واستفتي بعد وقوع المسألة- فهو حسن؛ لأن اشتراط ما ذكره الأصحاب رحمهم الله في النفس منه شيء؛ يعني: كونه إذا خلع الخف الأعلى وقد مسحه بطل المسح ولم يتمكن من إعادة المسح ثانيًا على الأسفل، هذا محل نظر؛ لأن الرِجل الآن لما سترت بالخفين صار فرضها المسح، سواء على الأعلى ولَّا على الأسفل.
أما إذا كان الإنسان في سعة، فالأحسن أنه إذا خلع الممسوح الأعلى يخلع الأسفل إذا أراد أن يتوضأ، لكن أحيانًا يجيء واحد يسأل يقول: أنا أمسح على كنادر، لكن لما بغيت أنام خلعتهم، ولما قمت أصلى الفجر مسحت على الشراب ولبست، فكوننا نلزمه بأن يقضي ما فات صعب؛ يعني: ممكن أن نفتيه بهذا القول؛ لأنه أيسر، وليس هناك دليل بيِّن للمذهب في هذه المسألة.
طالب: (... ) إذا لبس خفًّا على خف، والخف الثاني مخرقة والثاني سليم (... ) الخف الفوقاني، ونعتبر أنه لا يصح المسح؟ الشيخ: لا، هم يرون أنه يصح، حتى لو كان الأعلى مخرقًا يجوز المسح عليه.
الطالب: كيف نحن نقول.. الشيخ: هذا مما يؤيد القول الثاني؛ أن هذين الخفين بمنزلة خفٍّ واحد، وأنهما كالظِّهارة مع البطانة.
طالب: الظِّهارة والبطانة كلاهما يستران إذا كان الخف.. الشيخ: لا يا أخي، ما هو كلاهما يستران، أنت تعرف الزربول؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: هو يستر كله؟ الطالب: لا.
الشيخ: إي نعم، الظِّهارة فيه بس على ظهر القدم.
طالب: اسمها أيش يا شيخ؟ الشيخ: اسمها الزُّربول.
طالب: أيش الزُّربول هذا يا شيخ؟ الشيخ: هذا موجود حتى في لغة الفقهاء، الفقهاء يقولون: الزُّربول.
طالب: ويش هو؟ الشيخ: الزُربول غير الزنبور.
طالب: ما هي الكنادر يا شيخ؟ الشيخ: لا، الزرابيل عبارة عن صوف منسوج على قدر الرِّجْل، وهذا الصوف يُلبَّس جلد من فوق طبقة واحدة، ومن أسفل طبقات مثل طبقات النعال ويخرز.
طالب: (... ) جلود الكنادر؟

الشيخ: لا، هذا شيء آخر، هذا يسمونه عندنا جرابات؛ جراب، أما الزُّربول فهذا ما وصفته لكم، ولهذا لو كان عندنا.
الطالب: موجود (... ). الشيخ: (... ) من الصوف ويتحط عليه جلد من فوق، ومن أسفل جلد طبقات مثل طبقات النعال.
طالب: إذا لبس، ثم مسح، ثم لبس، فما الحكم؟

الشيخ: الحكم على المذهب: للتحتاني، المذهب: إذا مسحت شيئًا تعلق الحكم به، سواء أعلى ولَّا أسفل، وعلى القول الثاني: يقولون: ما دام لبسه على طهارة فلا حرج أن يمسح على الأعلى.
طالب: سترة الصلاة (... ) هل يخلعه عند الصلاة؟ الشيخ: ما يلزم يخلعه؛ إن شاء خلعه، وإن شاء لم يخلعه.
الطالب: يعني جائز خلعه.
الشيخ: إي نعم، لكن إذا عاده لازم يعيده على طهارة؛ يعني: إن كان باقيًا على طهارة ما يخالف يخلعه، ثم إذا انتهى، إلا على المذهب، فهو إذا خلعه ما عاد يصح المسح عليه.
طالب: اختيار شيخ الإسلام (... ). الشيخ: واللهِ ورد فيه عن بعض الصحابة رضي الله عنهم، وحمل عليه حديث: أمسح يومًا؟ قال: «نَعَمْ»، قال: يومين؟ قال: «نَعَمْ»، قال: ثلاثة؟ قال: «نَعَمْ»، وما شئت (1). (... ) قبل الحدث فالحكم للفوقاني، وبعده الحكم للتحتاني؛ للأسفل، هذا هو المذهب، ذكرنا رأيًا آخر؛ مخرق لكنهما خَرْقُ أحدهما يقابل سليم الآخر؛ يعني: قد ستر، فالمذهب؟ طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز المسح عليهما أبدًا، لا على الأعلى ولا على الأسفل؛ لأن كل واحد منهما لا يصلح للمسح بانفراده، فلا يمسح عليهما عند الاجتماع.
إذا كان الأعلى سليمًا والأسفل مخرقًا جاز المسح على الأعلى فقط، ولا يمكن يمسح على الأسفل، ولَّا لا؟ لأن الأسفل لا يصح المسح عليه، والثاني الأعلى يصح، وإن كان بالعكس؛ الأسفل سليمًا والأعلى مخرقًا جاز المسح عليهما جميعًا، يخير؛ إما على الأعلى، وإما على الأسفل، فصار يُخيَّر فيهما إذا كانا سليمين، أيش بعد؟ وإذا كان الأسفل السليم، يخير فيهما.

يمتنع مسح الأسفل إذا كان معيبًا والأعلى سليمًا، يمتنع مسحهما جميعًا إذا كان معيبين، هذا المذهب، والصحيح أنهما إذا سترا -ولو كانا معيبين- فإنه يجوز المسح عليهما.
طالب: جعلناها في الحصة الماضية ثلاث حالات فقط؛ أن يكون أحدهما معيبًا والثاني سليمًا.
الشيخ: إي، أحدهما، بس ما فصلنا.
طالب: ما فصلنا؟ الشيخ: إي.
طالب: يا شيخ (... ).


الشيخ: يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (ويمسحُ أكثرَ العِمَامة) أراد المؤلف رحمه الله أن يبين موضع المسح وكيفيته، فقال: (ويمسحُ أكثرَ العِمَامة) وجوبًا؟ إي، وجوبًا، لا بد أن يكون المسح شاملًا لأكثر العِمَامة، لو مسح جزءًا منها ما صح، وإن مسح الكل فلا حرج؛ لو أدار مثلًا يده كذا على عمامته فلا حرج، لكن لو مسح أكثرها ولا مسح اللي فوق كفى، ويستحب إذا كانت الناصيةُ بادية أن يمسح الناصية مع العِمَامة.
قال: (وظاهرَ) ولَّا (وظاهرِ)؟ طلبة: وظاهرَ.
طالب آخر: وظاهرِ بالكسر.
الشيخ: بالكسر، اختلفتم، (وظاهرِ) بالكسر؛ يعني: وأكثرَ ظاهرِ، لا يمسح الظاهر كله، وإنما يمسحُ أكثر ظاهر القدم؛ يعني: أعلاه دون أسفله وعقبه.
الدليل أن المسح مختصٌّ بالظاهر: حديث المغيرة بن شعبة: مسح خفيه (2)، فإِن ظاهره أن المسحَ بالأعلى، وحديث علي بن أبي طالب -وإن كان فيه نظر، ولكنه حسنه بعضهم- قال: لو كان الدِّين بالرأي، لكان أسفلُ الخُفِّ أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح أعلى الخُفِّ (3)، فلما قال هكذا عَلِمْنا أن الأعلى هو محل المسح.
وأما قوله: لو كان الدِّين بالرَّأي، فهذا فيه إشكال عظيم؛ وهو أن يقال: المراد بالرأي هنا العقل، وهل الدِّين مخالفٌ للعقل؟ طلبة: لا.

الشيخ: لا، والجواب على هذا الإشكال أن يقال: مراد علي بن أبي طالب -إن صحَّ الحديث عنه– مراده بالرأي ظاهر الرأي، كما قال تعالى: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: 27] يعني: في ظاهر الأمر.
في ظاهر الأمر قد يقول قائل: أسفل الخف أولى؛ لأنه هو الذي يباشر التراب والوساخة، فكان أولى بالمسح من أعلاه، أعلاه أنظف كيف يمسح؟ ! ولكننا نقول: عند التأمل تجد أن العقل يدل على أن مسح أعلاه هو الأولى؛ لأن المسح لا يُراد به التنظيف والتنقية، يُراد به التعبُّد، ولو أننا مسحنا أسفلَ الخُفِّ لكان في ذلك تلويثٌ له؛ زيادة، لو فرض أن فيه أذي صار ذلك تلويثًا أكثر، فصار الرأي الصحيح هو مسح أعلاه.
وكيف يمسح أعلاه؟ يقول: (من أصابعه إِلى ساقه) من أصابع الرجل إلى ساقه، وقد وردت آثارٌ عن النبي عليه الصلاة والسلام وعن الصحابة، وقال بها أهل العلم: إنه يمسح بأصابعه هكذا مفرَّقة، حتى يُرى فوق ظهره خطوط الأصابع؛ يعني: ما هو ابتدأ بالراحة بالأصابع، هكذا، بالأصبع هكذا، من أصابع الرجل إلى ساقه.
(دون أسفله وعقبه) فلا يُمْسَحوا؛ لأن الأسفل والعقب ليسا أعلى القدم، والمسح إنما ورد في الأعلى، كما في حديث المغيرة في ظاهره، وفيه روايات -في حديث المغيرة- تدل على ما دلَّ عليه حديثُ علي بن أبي طالب.
قوله: (من أصابعه إِلى ساقه) إذا فرضنا أن الخُف أكبر من الرِّجْل، فهل الواجب أن يمسح ما يحاذي رؤوس الأصابع أو يمسح من طرف الخُفِّ؟ أنتم فاهمين هذه؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: هو في بعض الأحيان تكون الكندر كبيرة أكبر من القدم، هل يمسح من طرفها، ولَّا نقول: لا، الواجب أن تمسح مما يحاذي رؤوس الأصابع؟ طلبة: ما يوازي الأصابع.

الشيخ: إي، فيه عندنا ظاهر، وعندنا باطن، فظاهر أنه مسح على خُفيه أنه يمسح الخُف من طرف الخف إلى ساقه، بقطع النظر عن كون الرِّجْل صغيرة فيه أو كبيرة، وإذا نظرنا إلى المعنى -وهو الباطن- قلنا: إن هذا الخُف زائدٌ عن الحاجة، فالزائدُ لا حُكم له، ويكونُ الحكم مما يُحاذي الأصابع، فأيهما أحوط؟ طالب: الأول.
الشيخ: الأول أحوط، فنأخذ به.
وقال: (دون أسفله وعقبه) قال رحمه الله: (ويمسح على جميع الجبيرة) عندي أنا (ويمسح وعلى جميع الجبيرة) (يمسح) من الشرح الظاهر، (وعلى جميع الجبيرة) الجبيرة يمسح عليها جميعًا؛ لأن ظاهرَ حديث صاحب الشجَّة: «وَيَمْسَحَ عَلَيْهَا» (4) أنه يمسح على كل الجبيرة، وقد سبق أنه يشترط في الجبيرة ألَّا تتجاوز؟ طلبة: موضع العادة.
الشيخ: موضع العادة، فيمسح على كل الجبيرة من كل جانب، الجبيرة يعني مثل اللزقة على الجرح، أو الجبس على الكسر، أو ما أشبه ذلك.
طالب: اللزقة.
الشيخ: وكذلك اللزقة يمسح على جميع الجبيرة.
وقول المؤلف: (يمسح) في المسائل الثلاث، هذا هو المفروض، ولكن لو غسل بدل المسح هل يجزئ أو لا يجزئ؟ قال بعض أهل العلم: إنه لا يجزئ؛ لأن هذا خلاف ما جاء به الشَّرع، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (5)، فلا بد أن تمسح، ما كان الرسول يغسل خفيه، لكن مسح العمامة ما يرد؛ لأنه حتى الرأس يمسح، كذلك الجبيرة قالوا: ويمسح عليها، ثم إننا إذا غسلنا الرجل انقلبت الرخصة أيش؟ طالب: عنتًا ومشقة.
الشيخ: عنتًا ومشقة، كيف (... )؟ وقال بعض أهل العلم -توسط- قال: يجزئ الغسل إن أمرَّ يده عليها؛ لأن إمرار اليد معناه؟ طالب: يشمل المسح.

الشيخ: معناه: المسح، وهذا أحوط؛ أنك إذا صار عليك لزقة مثلًا على الظهر أو في أحد الأعضاء، وأردت أن تتطهر خلِّ الماء يمشي عليه، لا مانع، لكن الأحوط أن تمسح، ثم إن بعض اللزقات يكون فيها دهنية، إذا لم تمسحها يمكن ينزل الماء عنها.
طالب: بعيدة شوية.
الشيخ: ويش البعيد؟ طلبة: (... ). الشيخ: ومن الأمثال المشهورة عندهم: ما يحك ظهرَك إلا ظفرُك.
طالب: جلدك.
الشيخ: أنا سمعتها (ظهرك).
طلبة: (... ). الشيخ: الجلد ما هو بصحيح، الجلد كل شيء يحكه.
على كل حال، الظاهر أنه ما هنا شيء في البدن ما يطوله الإنسان، وأنتم -إن شاء الله تعالى- تجربون، لكن في غير هذا الموضع! فهمنا كيفية المسح، صار الآن المؤلف يرى أن المسح بالنسبة للعمامة على أكثرها، بالنسبة للخف على أكثرِ ظاهرِه، ما هو على أكثره، بالنسبة للجبيرة على جميعها، فصار عندنا: أكثر، وأكثر ظاهر، وجميع.
والبحث الثاني ذكرنا فيه هذا هل يجزئ الغسل أم لا؟ وفيه للعلماء ثلاثة آراء، والأرجح أنه إذا احتاج إلى الغسل يمسح عليه، حتى لا يخرج عن صفة ما جاءت به السنة.
قال: (ومتى ظهر بعضُ محلِّ الفرض بعد الحدث) ويش معنى (محل الفرض)؟ الرِّجْل الفَرْضُ أن تُغسَلَ كلها إلى الكعبين، فإِذا ظهر من القدم بعضُ محلِّ الفرض، مثل طلع رجله حتى طلع الكعب، الآن ما عاد يمكن يلبس، لازم يستأنف الطهارة، ويغسل رجليه كلها، كذلك في الرأس، لو أنها العمامة زلت شوي، وارتفعت عما جرت به العادة فإنه لا يمسحها، بل يستأنفَ الطَّهارة، وهذا بناء على أنه يشترط للبس العمامة أن تكون على طهارة، أما على القول الثاني فلا تجد هذه المسألة بالنسبة للعمامة، أيهم؟ طالب: المسألة الأولى.

الشيخ: المسألة الأولى، إذا ظهر بعض محل الفرض فإنه يستأنفَ الطَّهارة، قلت: لو أراد يطلع الجورب أو الخف وظهر الكعب، هذا بعض محل الفرض، أما لو ظهرت الرجل كلها واضح، لكن إذا ظهر بعض محل الفرض كما لو خرج الكعب فإنه تنتقض طهارته ويستأنفها ويغسل قدميه، نقول: لأنه زال أثر المسح، الآن خلينا نفهم الحكم وبعدين التعليل.
كذلك لو فرض أن الشرابة، الشرابة ويش نسميها؟ طلبة: جورب.
الشيخ: جورب، أن الجورب ينشق وطلع طرفُ الإبهام، أو ينشق من عند العقب وطلع بعض العَقِب، فإنه ينتقض وضوؤه ويستأنف الطَّهارة من جديد، وهذا مبني على أي شيء؟ على أن ما ظهر فرضه الغسل، وإذا كان فرضه الغسل فإن الغسلَ لا يُجامِعُ؟ طالب: المسح.
الشيخ: المسح، فلا بد إذن من أن يعيد الطَّهارة، ثم يغسل قدميه، ثم يلبس.
القول الثاني في هذه المسألة: أنه ما دام على وضوئه فإنه لا ينتقض وضوؤه، وترى هذا مراد المؤلف رحمه الله (ومتى ظهر بعضُ محلِّ الفرض بعد الحدث) مراده بعد الحدث، أما لو ظهر بعضُ محلِّ الفرض أو كلُّ الفرض قبل الحدث الأوَّل فإنه لا يضر؛ يلبس ويمشي.
طالب: الحدث الأول؟ الشيخ: قبل الحدث الأول، مثل لبس خُفَّيه لصلاة الصُّبح، وبقي على طهارته إلى قُرب الظُّهر، في الضُّحى رأى أنه حر فخلع الخُف، وهو في أثناء طهارته باقٍ على طهارته لبسه ثانية، يجوز ولَّا لا؟ طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأنه على الطهارة الأولى، لكن كلامه (بعد الحدث) فيقول: إنه يبطل مسحه، ولا بد أن يستأنف الطهارة من جديد.
القول الثاني في هذه المسألة: أنه لا يجب عليه استئناف الطهارة، ولو أخرج كل الرِّجل، خلع الخف مرة وهو على طهارة فطهارته باقية، وعلَّلوا ذلك بأنه لا دليل على النقض، فهذا الرجل لما مسح على الخف تمت طهارته؟ أجيبوا.
الطلبة: نعم.

الشيخ: لما مسح على الخف تمت طهارته بمقتضى دليل شرعي، وما ثبت بمقتضى دليل شرعي فإنه لا يمكن رفعه إلا بدليل شرعي، فنقول لمن قال: إن الإنسان إذا خلع الخف بطلت طهارته ووجب عليه استئناف الطهارة، نقول له: أين الدليل؟ هات دليلًا، سوف يبحث في كل أدلة الدنيا ما يجد دليلًا على ما قال.
ثم نقول: ما تقول في رجل مسح على رأسه، وعليه شعر كثير ما يصل إلى باطن رأسه ولا بَلَل، كل الرأس مملوء من الشعر، مسح على رأسه، ثم بعد أن تم وضوؤه حلق رأسه، ينتقض وضوؤه ولَّا لا؟ طلبة: لا ينتقض.
الشيخ: ما ينتقض؟ طلبة: لا.
الشيخ: ويش الفرق؟ طالب: لا فرق.
الشيخ: لا فرق في الحقيقة، قالوا: هناك فرق، لكن أنتم أغبياء ما تعرفوه، هناك فرق، ما هو الفرق؟ قال: لأن المسح في الرأس أصلي، والمسح في الخف فرعي، كيف تسوون بين الفرع والأصل؟ وهذه تحير، ويش نقول له؟ نقول: ما دمنا اتفقنا على أن المسح تعلَّق بشيء زال، فكونه أصلي أو فرعي هذا غير مؤثِّر في الحكم، المهم أن الذي تعلقت به الطهارة -وهو الشعر في الرأس والخف في القدم- زال وراح من الإنسان فلا فرق، لكن لو قاسه رجل على من قطعت يده بعد وضوئه، يصح القياس ولَّا ما يصح؟ طلبة: ما يصح.
الشيخ: هذا نعم، ما يصح القياس؛ لأن محل الفرض زال بالكلية، صح ولَّا لا؟ طالب: نعم.
الشيخ: إي نعم، والله أعلم.
طالب: على الجبيرة.
الشيخ: (... ) (بعد الحدث أو تمَّت مدَّتُه استأنف الطَّهارة) أو زالت الجبيرة أو بَرِأ ما تحتها فإنه يستأنف الطهارة.
أولًا: إذا ظهر بعض محل الفرض، وهذا يدخل فيه الخف والعمامة، فإذا ظهر بعض محل الفرض، وظاهر كلام المؤلف: ولو يسيرًا، فإنه يجب عليه استئناف الطهارة، وإذا خلع نهائيًّا فهو من باب أولى أن يستأنفَ الطَّهارة.
قالوا في تعليل ذلك: لأنه لما زال الممسوح بطلت الطهارة في موضعه، والطهارة لا تتبعض، فإذا بطلت في عضو من الأعضاء بطلت في الجميع، عرفتم التعليل؟ ما هو التعليل؟

طلبة: الطهارة (... ). الشيخ: لأن الطهارة زالت بزوال الممسوح، فزالت الطهارة عن العضو، وإذا انتقضت في بعض أعضائها انتقضت في سائرها، لماذا؟ لأن الطهارة لا تتبعض، هذا هو التعليل، وهذه المسألة فيها قولان لأهل العلم: أحدهما: ما ذهب إليه المؤلف؛ بأنه إذا ظهر بعض محل الفرض؛ ظهرت بعض الرِّجل أو كل الرِّجل بطلت الطهارة، ووجب عليه الاستئناف، حتى ولو كان ظهورها بعد الوضوء بيسير قبل أن تجف الأعضاء فإنه يجب عليه الاستئناف؛ يعني: مثلًا توضأ ومسح الخفين، ثم خلعهما في الحال وهو لم ييبس، فإن طهارته تبطل؛ لأن العلة وجدت وهي: زوال الطهارة في الممسوح، فتزول في جميع الأعضاء.
وقال بعض العلماء: إنه في هذه الصورة يجزئه أن يغسل قدميه؛ لأنه لما بطلت الطهارة في القدمين والأعضاء لم تنشف بعد فإن المولاة لم تفت، وحينئذٍ يبني على الوضوء الأول، فيغسل قدميه.
القول الثالث في المسألة: أنه إذا خلعهما وجب عليه أن يغسل قدميه وكَفَاهُ، بناء على أن المولاة ليست شرطًا في الوضوء، فينبني غسل الرجلين الآن على ما سبق من غسل الأعضاء.
لكن كلا القولين الأخيرين لا ينبنيان على المذهب؛ لأن علة بطلان الطهارة في خلع الخف ليس من أجل المولاة، ولكن من أجل أن الطهارة لا تتبعض، فإذا بطلت طهارة القدم بزوال الممسوح بطلت في الجميع، فالأقوال إذنْ كم؟ طالب: ثلاثة أقوال.
الشيخ: ثلاثة أقوال.
القول الرابع اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن الطهارة لا تنتقض، سواء فاتت المولاة أم لم تفت، وحجته أقوى من حجتهم؛ لأننا نقول: إن هذه الطهارة ثبتت بمقتضى دليل شرعي، فإن الرجل إذا توضأ ومسح على خفيه تمت طهارته، أليس كذلك؟ طلبة: نعم.

الشيخ: بمقتضى الدليل شرعي، وما ثبت بدليل شرعي فإنه لا يرفع إلا بدليل شرعي، وإلا فالأصل بقاء الطهارة، وعلى هذا فلا ينتقض وضوؤه إذا خلع الخفين، بل يبقى على طهارته إلى أن يوجد ناقض من النواقض المعروفة المعلومة، وهذا القول هو الصحيح.
ويؤيده من القياس: أن الرجل لو مسح رأسه وعليه شعر لا يصل إلى أصوله شيء من الماء، ثم حلقه بعد ذلك فإنه لا ينتقض وضوؤه، ولا عبرة بالفرق بين كون مسح الرأس أصلًا ومسح الخفين فرعًا؛ لأننا نقول: كلا المسحين رافع للحدث، فلا فرق بين الأصلي والفرعي.
قال المؤلف رحمه الله: (أو تمَّت مدَّتُه استأنف الطهارة) إذا تمَّت مدَّته ولو كان على طهارة فإنه يجب عليه إذا أراد أن يُصلِّي أن يستأنف الطهارة.
مثال ذلك: كان مسح بالأمس في الساعة الثانية عشرة، إذا صارت الساعة الثانية عشرة اليوم تمت مدته، فلو كانت الساعة الثانية عشرة اليوم وهو على طهارة، وأراد أن يصلي الظهر قلنا: لا تصلِّ الظهر حتى تستأنف الطهارة وتغسل قدميك، لماذا؟ قال: لأنها انتهت مدة المسح، التعليل صحيح ولّا غير صحيح؟ طلبة: غير صحيح.
الشيخ: لأنها انتهت مدة المسح.
طلبة: لا، ما انتهت.
الشيخ: صحيح، لكن هل هذا مؤثر ولَّا لا؟ طلبة: لا.
الشيخ: الكلام على التأثير، ولَّا لا شك أن المدَّة انتهت، ولكن نقول: ما الذي يدل على أن انتهاء المدة يكون ناقضًا، هاتوا الدليل من كتاب الله أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من إجماع أهل العلم، وعلى العين والرأس.
ونحن نقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم وقَّت مدة المسح ليُعرَفَ بذلك انتهاء المسح، لا انتهاء الطَّهارة، فليس الموقت هو الطهارة حتى نقول: إذا تمَّ يوم وليلة انتقضت، الموقت ما هو؟ طلبة: المسح.

الشيخ: المسح، فنحن نقول: إذا تمت المدة لا تمسح، معروف، لكن قبل تمام المدة إذا مسحت وبقيت على طهارتك، فإن طهارتك هذه قد تمت بمقتضى دليل شرعي، وما تم بمقتضى دليل شرعي فإنه لا يرفع إلا بدليل شرعي، ولا دليل على ذلك، والأصل بقاء الطهارة وعدم النقض.
فإن قال قائل: أفلا توجبون عليه الوضوء احتياطًا؟ قلنا: لا شك أن الاحتياط بابٌ واسعٌ، ولكن ما هو الاحتياط؟ هل هو بلزوم الأشدِّ، أو بلزوم الأيسر، أو بلزوم ما اقتضته الشَّريعة؟ الأخير.
فإذا شككنا هل اقتضته الشَّريعة أم لا؟ فقد اختلف العلماء هل تسلك الأيسر أو الأشد؟ فقال بعض أهل العلم: تسلك الأيسر؛ لأن الأصل براءة الذِّمَّة؛ ولأنَّ الدينَ مبنيٌّ على اليُسر والسهولة.
وقال بعض العلماء: تسلك الأشد؛ لأنه أحوط وأبعد عن الشُّبهة.
ولكن عندنا في مسألة النقض أصل أصَّله لنا النبيُّ صلى الله عليه وسلم في الرَّجُل يُخيَّل إِليه أنَّه يجدُ الشَّيء في الصَّلاة، فقال: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (6)، فلم يوجب النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء إلا على من تيقَّن سبب وجوبه، أو لا؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: «حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا»، ولا فرق بين كون سبب الوجوب مشكوكًا فيه من حيث الواقع، كما في الحديث، أو من حيث الحكم الشَّرعي، فإن كُلًّا فيه جهالة؛ هذا جاهل بالواقع هل حصل ولَّا ما حصل؟ وهذا جاهل بالشرع هل يوجب هذا أو لا يوجب؟ فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا» علم أننا لا ننقض الوضوء إلا بماذا؟ طلبة: باليقين.
الشيخ: بيقين، وهنا لا يقين، بل الرَّاجح الذي يغلب على الظن أن ما ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله أصح؛ وهو أنها لا تنتقض الطَّهارة بانتهاء المدَّة؛ لعدم الدَّليل.

ونحن نقول: أيُّ إنسان يأتي بدليل فإن فرضًا علينا أن نتَّبع الدَّليل، لكن إذا لم يكن دليلٌ فليس يسوغ لنا أن نُلزم عباد الله بما لم يلزمهم الله به؛ لأنا مسؤولون، أهل العلم مؤتمنون على الشَّريعة، لا يمكن أن يلزموا عباد الله بما لا يلزمهم، ولا أن يحللوا لعباد الله ما حرِّم عليهم، هم أمناء كالوكلاء؛ ولهذا جاء في الحديث: أنهم ورثة الأنبياء (7). كذلك أيضًا لو برئ ما تحت الجبيرة وجب عليه أن يستأنف الطَّهارة؛ إذا كانت في أعضاء الوضوء استأنف الوضوء، إِذا كانت في أعضاء الغسل، كما لو اغتسل من جنابة ومسح فإنه يستأنف غسل ما تحتها، ولا يستأنف الغسل كاملًا؛ لأن الغسل -على المذهب- لا تُشترط فيه الموالاة، فيغسل ما تحتها وينتهي، وكذلك لو انحلَّت الجبيرة فإنه يستأنف الطَّهارة.
الصَّحيح أنه لا تبطل طهارته لبرء ما تحت الجبيرة، ولا بانتقاضها، ويعيد شدها في الحال، أو متى شاء.
والصَّحيح كما قررنا الآن: أنه لا تبطل طهارته لبرء ما تحتها ولا بانتقاضها، ويعيد شدها في الحال، أو متى شاء؛ لأن الجبيرة -على القول الرَّاجح، كما مر- لا يُشترط لوضعها الطهارة.
هذا خلاصة باب المسح على الخفين، وبه نعرف أن الممسوحات ثلاثة أشياء: خف، وعمامة، وجبيرة، والعمامة منها الخمار للمرأة، فتكون بالبسط أربعة، وبالاختصار ثلاثة: ملبوس على الرجل، وعلى الرأس، وعلى سائر الجسم، أي جسم، لكن الأخير إنما هو في الضرورة.
هل يجوز المسح على الذراعين إذا كانت الأكمام ضيقة والناس في الشتاء؟ طلبة: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز؟ طلبة: ما يجوز.
الشيخ: كيف ما يجوز؟ طالب: لأنه ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كانت أكمامه ضيقة، فأخرج يديه وأظهرها مع الجيب (8). الشيخ: أظهرها من الأسفل، ما هو مع الجيب، هذا دليل صحيح؛ دليل إيجابي، لكن لو فرض أن هذا الدليل لم يرد؟ طالب: لم يَجُزْ.
الشيخ: لم يَجُزْ؟ طالب: لا يجوز.

الشيخ: نعم؛ لأن الأصل في العبادة الحظر، حتى يقوم دليل على المشروعية، فإذا قام دليل على المشروعية فعلى العين والرأس، وإلا فلا، على أن قصة الجبة التي أشار إليها واضحة.
هل يجوز المسح على المناكير؟ طلبة: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز؛ لأنها تشبه الأكمام.
هل يجوز المسح على الهامة؟ طلبة: نعم.
الشيخ: الهامة تعرفونها؟ الهامة: حلي من الذهب يربط على الرأس؛ يشد على الرأس.
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؟ طلبة: نعم.
الشيخ: يجوز، وأصل ذلك شيئان: الشيء الأول: أنه يمكن أن تلحق بالخمار؛ لأن المشقة في نزعها أكثر من المشقة في نزع الخمار؛ لأنها تربط ببعض الشعر؛ يدخل الشعر في عرى فيها ويشد عليها، هذه واحدة.
ثانيًا: أنه قد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه لبَّد رأسه بالصمغ ونحوه وهو محرم (9)، تلبيد الرأس، وهذا معناه بيكون فيه حائل يمنع وصول الماء، لكن لما كان الأصل في تطهير الرأس التخفيف صار يجوز المسح على ما ستره بمثل هذه الأمور المعتادة.


[باب نواقض الوضوء] (... ) اسم فاعل لغير العاقل، وجمعُ اسمِ الفَاعل لغير العاقل يكون على (فَوَاعِل)، وكذلك لو كان لمؤنث، كـ (حوامل) جمع (حامل).
والحدث تقدم لنا: أنه وصف يقوم بالبدن يمنع من الصلاة ونحوها، وأما الوضوء فهو: الطَّهارة التي يرتفع بها الحَدَث، الوُضوء بالضم، وأما الوَضوء بالفتح فهو: الماء الذي يُتَوَضَّأ به، كما نقول: طَهُور؛ للماء الذي يُتَطَهَّر به، وطُهور؛ لنفس الفعل، ونقول: سَحور؛ لما يُتَسَحَّر به، وسُحور بالضم؛ لنفس الفعل الذي هو الأكل.
نواقض الوُضُوء هي مفسداتُه؛ يعني: هي التي إذا طرأت عليه أفسدته، وهي نوعان: نوع مجمع عليه، ونوع فيه خلاف؛ أما المجمع عليه فإنه مستند إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا جدال فيه، وأما المختلف فيه فإنه مبني على اجتهادات لأهل العلم، وعند النزاع يجب الرد إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولننظر.

قال المؤلف: (ينقضُ ما خَرَجَ من سَبيلٍ) (ما) اسم موصول بمعنى (الذي)، واسم الموصول للعموم، كلُّ أسماء الموصول للعموم، سواء كانت خاصَّة أم مشتركة، فالخاصة هي التي تدلُّ على المفرد والمثنى والجمع، مثل: (الذي)، و (الذين)، و (اللذان)، والمشتركة هي الصَّالحة للمفرد وغيره، مثل: (مَنْ)، و (ما)، و (ذا)، وما أشبهها، و (أل).
فهنا يقول: (ما خرج من سبيل) قلت: إن (ما) للعموم يشمل كلَّ خارج، و (من سبيل) مطلق يتناول القُبُل والدُّبر، وسُمِّي سبيلًا؛ لأنه طريق يخرج منه الخارج، والسبيل هو: القُبُل والدُّبر.
وقوله: (ما خرج) إذا قلنا بأنه عام يشمل المعتاد وغير المعتاد، المعتاد مثل أيش؟ كالبول والغائط والرِّيح من الدُّبر، هذه الثلاثة معتادة، قال الله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: 6]، وفي حديث صفوان بن عَسَّال: «وَلَكِنْ مِنْ بَوْلٍ وَغَائِطٍ وَنَوْمٍ» (10)، وفي حديث أبي هريرة (11) وعبد الله بن زيد رضي الله: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (6). ويشمل أيضًا ما كان طاهرًا أو نجسًا؛ فالطاهر كالمني، والنجس ما عداه من بول ومذي وودي ودم؛ لأن الذي يمكن خروجه من القُبُل مثلًا خمسة أشياء: البول والودي والمذي والمني والدم، دم، إي نعم قد يخرج، وهذا شيء واقع، ما هو شيء مفترض، المهم أنه شامل لهذا كله، كله ينقض الوضوء.
الريح من الدبر معتادة، ومن القُبُل غير معتادة؛ ولهذا اختلف فيها الفقهاء؛ فمنهم من قال: إنها تنقض الوضوء، ومنهم من يقول: إنها لا تنقض الوضوء.
وهذه الرِّيح تخرج أحيانًا من فُروج النساء، ما أظنُّها تخرج من الذكر، وربما تخرج، لكن يمكن أنها من أندر النادر، إنما الذي يخرج كثيرًا الريح من قُبُل المرأة، فهي تنقض الوضوء، على ما صرح به فقهاؤنا رحمهم الله، ومن العلماء من يقول: إنها لا تنقض؛ لأنها غير معتادة.

هل تنقضُ الحصاة إذا خرجت من القُبُل أو الدُّبُر؟ طلبة: نعم.
الشيخ: تنقض، إي نعم، وهذا كثير أيضًا؛ لأنه أحيانًا يُصابُ الإنسان بحصى في الكلى، ثم تنزل حتى تخرج من ذكره بدون بول، فهي أيضًا ناقضة.
ولو ابتلع الإنسان خرزة، فخرجت من دبره، تنقض الوضوء ولَّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: تنقض الوضوء؛ لعموم قوله: (ينقض ما خرج من سبيل).
هذا الأول، وهذا ثابت بالنص والإجماع، إلا ما لم يكن معتادًا ففيه الخلاف.
ثانيًا: (وخارج من بقية البدن إن كان بولًا أو غائطًا) (خارج) هذه معطوفة على (ما)؛ يعني: وينقضُ خارجٌ من بقيَّة البَدن، إن كان بولًا أو غائطًا، (... ) وهل يمكن هذا؟ نعم يمكن، لا سيما في العصور المتأخِّرة يُجرى للإنسان عملية حتى يبدأ بوله أو غائطه يخرج من جهة أخرى، فإذا خرج بول أو غائط من أيِّ مكان فهو ناقض للوضوء، سواء كان قليلًا أو كثيرًا.
ويستثنى من ذلك ومن الذي قبله أيضًا: مَنْ حَدَثُه دائم فإنه لا ينتقض وضوؤه بخروجه، مثل أن يكون فيه سلسُ بول أو سلس غائط أو سلس ريح فإنه لا ينتقض الوضوء بذلك، ولكن له حال معينة في التطهر تأتي إن شاء الله تعالى.
قال المؤلف: (وخارج من بقية البدن إن كان بولًا أو غائطًا) ظاهر كلامه: أنه لو خرجت الرِّيح من هذا المكان الذي فُتِحَ بدلًا عن المخرج، ينقض ولَّا ما ينقض؟ طلبة: لا ينقض.
الشيخ: نشوف، نحن قلنا قبل قليل: (ينقض ما خرج من سبيل) إنه يشمل الريح خارج من بقية البدن إن كان بولًا أو غائطًا؛ لأنه قيده بقوله: (إن كان بولًا أو غائطًا)، وعلى هذا فلو خرجت الريح من هذا المكان الذي فتح عوضًا عن المخرج فإنها لا تنقض ولو كانت ذات رائحة كريهة، وهذا الذي مشى عليه المؤلف هو المذهب.
والقول الثاني في المسألة: أنها تنقض الوضوء؛ الريح إذا انسد المخرج وانفتح هذا المكان صار له حكمُ الفَرج فيما خرج منه، لا في مسِّه؛ لأن مسه لا ينقض الوضوء، كما سيأتي.

قال المؤلف: (أو كثيرًا نجسًا غيرَهُما) يعني: أو كان كثيرًا نجسًا غير البول والغائط، فقيَّد المؤلف غير البول والغائط بقيدين؛ أن يكون كثيرًا، وأن يكون نجسًا.
لماذا لم يقيِّد البولَ والغائط بالكثير النَّجس؟ أما النجس فلا حاجة للتقييد؛ لأنه نجس؛ البول والغائط، أليس كذلك؟ طلبة: بلى.
الشيخ: ولأن قليله وكثيره سواء؛ كلاهما ينقض الوُضُوء.
فقول المؤلف: (أو كثيرًا) أولًا: يجب أن نعرف ما هو الكثير؟ أطلق المؤلف (كثيرًا)، والقاعدة المعروفة: أن ما أتى ولم يُحدَّدْ بالشَّرع فمرجعه؟ طلبة: إلى العرف.
الشيخ: إلى العُرف.
وَكُلُّ مَا أَتَى وَلَمْ يُحَدَّدِ بِالشَّرْعِ كَالحِْرْزِ فَبِالْعُرْفِ احْدُدِ

كل شيء جاء مطلقًا ولم يقيده الشارع فارجع فيه إلى العرف، فنقول: الكثير هنا بحسب العرف، عرف من؟ عُرف النَّاس، إذا قالوا: هذا كثيرٌ صار كثيرًا، وإن قالوا: هذا يسير وبسيط صار بسيطًا.
وقيل: إن المعتبر عند كلِّ أحد بحسبه؛ كلُّ إنسان إذا رأى أن هذا كثيرٌ فإنه يكون كثيرًا، وإن رأى أنه قليلٌ فإنه يكون قليلًا.
لكن هذا القول فيه شيء من النظر، ما الذي فيه؟ أن من الناس من يكون عنده وسواس؛ النقطة الواحدة القليلة تكون عنده كثيرة، ومن الناس من عنده تهاون؛ لو يخرج منه لتر من الدم قال: هذا يسير بسيط؛ لأن دم البعير إذا ذبحت أكثر منه، فلا يرى شيئًا قليلًا أبدًا.
ولكن القول الصحيح: الثاني؛ أن المعتبر العرف، وهو ما عده أوساط النَّاس الذين ليسوا متطرفين لا من هنا ولا من هنا، ما عدوه كثيرًا فهو كثير، وما عدوه قليلًا فهو قليل.
ثانيًا: قوله: (نجسًا غيرَهُما) نجس احترازًا من الطَّاهر، إذا خرج من بقية البدن شيء طاهر ولو كَثُرَ فإنه لا ينقض الوضوء، مثل أيش؟ طالب: مثل العرق.
الشيخ: كالعَرَق.
طالب: واللُّعاب.

الشيخ: اللعاب، وكدمع العين إذا صار يبكي وعيونه كثيرة الماء، ولا عاد الغالب (... ) كثير الدمع، لكن يمكن بعض الناس يكون عنده دموع كثيرة (... ) يصيح، ويحصل هذا.
طالب: (... ). الشيخ: المهم، كثير، وأكثر ما يمكن التمثيل به وأوضحه هو العرق؛ لأن بعض الناس شاهدناهم يعرقون عرقًا كثيرًا جدًّا في أيام الصيف؛ يعني: إذا قام من النوم كأنه أكثر من سابح، هذا لا ينتقض وضوؤه، لماذا؟ طالب: لأنه طاهر.
الشيخ: لأنه طاهر، والمؤلف قيده بقوله: (نجسًا).
(غيرَهُما) أي: غير البول والغائط، فدخل في هذا: الدَّمُ والقيءُ ودَمُ الجروح وماءُ الجروحِ، وكلُّ ما يمكن أن يخرج وهو ليس بطاهر.
ولكن هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم؛ فالمشهور من المذهب هو ما سمعتم؛ أنه إذا كان كثيرًا إما عُرفًا أو كل إنسان بحسب نفسه نقض الوُضُوء، وإن كان قليلًا لم ينقض.
ما هي الحجة في ذلك؟ الحجة في ذلك قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم قَاءَ فتوضَّأ (12)، وقد قال الله عز وجل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]، فلما توضَّأ بعد قيئه، فإن الأُسوة الحسنة أن نفعل كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقالوا أيضًا: لأنه فضلات خرجت من البدن، فأشبهت البول والغائط، لكن لم تأخذ حكمه من كلِّ وجهٍ؛ لاختلاف المخرج، فتُعطى حكمه من وجه دون وجه، البول والغائطُ قليلهُ وكثيرُه ينقض الوضوء؛ لأنه خرج مع المخرج، وغير البول والغائط ما ينقض إلا إذا كان كثيرًا، قالوا: فهو أشبه البول والغائط من وجه؛ لكونه فضلة خرجت من البدن، فأشبهته من بعض الوجوه، فتعطى حكمه.
وقال بعض أهل العلم، وهو مذهب الشافعي والفقهاء السبعة -فقهاء التابعين السبعة المشهورون- وقد جُمِعُوا في بيتين أنشدتكم إياهما سابقًا.
طالب: إِذَا قِيلَ مَنْ فِي الْعِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ رِوَايَتُهُمْ لَيْسَتْ عَنِ الْعِلْمِ خَارِجَهْ

فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ عُرْوَةُ قَاسِمٌ سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ

الشيخ: سمعتم إِذَا قِيلَ مَنْ فِي الْعِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ رِوَايَتُهُمْ لَيْسَتْ عَنِ الْعِلْمِ خَارِجَهْ فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ عُرْوَةُ قَاسِمٌ سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ

وقد ذكرهم العراقي في ألفيته في المصطلح.
الفقهاء السبعة، وهو مذهب الشافعي، ورواية عن أحمد: يرون أن الخارج من البدن لا ينقض الوُضُوء قلَّ أو كثُر، إلا البول والغائط.
وحجتهم في ذلك: أن الأصل عدم النَّقض، وإذا كان الأصل عدم النَّقض، فمن ادَّعى خلاف الأصل فعليه الدَّليل.
قالوا: وقد ثبتت طهارته بمقتضى دليل شرعي، وما ثبت بمقتضى دليل شرعي، لا يمكن رفعه إلا بدليل شرعي، فإذا جئتم بدليل شرعي مقاوم للدليل الذي ثبتت به الطهارة فعلى العين والرأس، ونحن لا نخرج عما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأننا متعبَّدون بشرع الله، لا بأهوائنا، لا يسوغ لنا أن نلزم عباد الله بطهارةٍ لم تجبْ، ولا أن نرفع عنهم طهارةً واجبة، أرونا الدليل، وعلى العين والرأس.
فإذا كانت الطهارة قد ثبتت بمقتضى دليل شرعي فلا يمكن أن ترتفع إلا بدليل شرعي، والدليل الذي استدللتم به قد ضعَّفه كثيرٌ من أهل العلم؛ قاء فتوضأ (12). ثم نقول: إن هذا مجرد فعل، ومجرد الفعل لا يدل على الوجوب؛ لأنه خالٍ من الأمر، فمجرد الفعل لا يدل على الوجوب، وعلى هذا فلا يجب.
ثم إنه مقابل بحديث -وإن كان أيضًا مضعفًّا- أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم احتجم، وصلى ولم يتوضَّأ (13)، وهذا يدلُّ على أنه ليس للوجوب، وهذا القول هو القول الرَّاجح؛ أنه لا ينقض الخارج من بقية البدن وإن كثر، سواء كان قيئًا أو رعافًا أو جرحًا أو ماء جروح، أو أي شيء آخر.

فخذ الآن هذا الثاني من نواقض الوضوء صار فيه خلاف بين أهل العلم، والراجح عدم النقض به.
قال: (وزوالُ العقلِ) زوال العقل على نوعين: زوال بالكُلِّيَّة، وهو رفع العقل، وذلك بالجنون، نسأل الله العافية.
والثاني: تغطية العقل بسبب يوجب أن يرتفع العقل لمدَّة معيَّنة لسبب معلوم، مثل: النَّوم والإغماء والسكر، وما أشبهها.
هذا زوال العقل، لكنه ليس ارتفاعًا بالكلية، فزوال العقل ناقض للوضوء، ولكن هل هو ناقض أو مظنة النقض؟ فيه خلاف، العجيب مذاهب العلماء في النوم كثيرة، ثمانية مذاهب فيه، هل ينقض ولَّا ما ينقض؟ واللي يفصل فيه، واللي ما يفصل! ولكن لننظر.
الإنسان إذا زال عقله بالكلية، فإن زوال العقل هذا مظنة قوية أن يُحدِث ولا يشعر، والعلة إذا كانت منتشرة لا يمكن ضبطها، فإنه يثبت مقتضاها بأدنى شبهة أو بأدنى سبب، فحينئذٍ نقول: ما دام العلة في كون النوم ناقضًا أنه مظنة الحدث، فليرتب عليه الحكم بمجرد زوال العقل بنوم أو غيره.
وقال بعض العلماء: إن النوم ليس هو نفسه ناقضًا للوضوء، لكنه مظنة، وعلى هذا فإذا ترجح عندك أنك لا تزال على طهرك فأنت؟ طالب: طاهر.
الشيخ: طاهر، وإلا فلا، زوال العقل بالجنون وبالإِغماء وبالسكر هو في الحقيقة فَقْدٌ نهائي، وعلى هذا فيسيرُها وكثيرُها ناقضٌ، فلو صُرِعَ الرجل -والعياذ بالله- ثم استيقظَ من الصرع وجب عليه؟ طلبة: الوضوء.
الشيخ: أن يتوضأ، وكذلك لو سَكِرَ، وكذلك لو أُغمي عليه؛ سقط من شيء وأغمي عليه وجب عليه أن يتوضأ، بخلاف النوم فإنه ليس كهذا؛ ولهذا يفترق عن هذه الأشياء بأن يسيره لا ينقض الوضوء.
(... ) انسد المخرج وانفتح غيره.
طالب: يأخذ غيره حكمه إلا اللمس.

جارٍ التحميل