الشيخ: إي نعم، استدلوا بأمرين؛ الأمر الأول: أن الرسول عليه الصلاة والسلام جعل للجنائز مُصَلًّى، والثاني: أنه يخشى من تلويث المسجد، أو من الرائحة الكريهة من بعض الأموات.
طالب: رجل توفى في البئر (... ) ولا نستطيع إخراجه، هل يُصَلَّى على البئر، أم يُصَلَّى عليه صلاة الغائب؟
الشيخ: لا، يُصَلَّى على البئر، وتطم البئر عليه، يصلى على البئر؛ يعني: سقط رجل في البئر ولم نستطع إخراجه، نصلي عليه وهو في البئر، وهنا يسقط تغسيله؛ لعدم القدرة عليه، والتكفين أيضًا.
طالب: أقول: إركاب الجنازة السيارة ما رأيكم فيه؟
الشيخ: اللي نرى أن إركاب الجنازة في السيارة خلاف السنة، وأنه لا ينبغي إلا لعذر، كبعد المقبرة مثلًا، أو وجود رياح عاصفة، أو وجود أمطار، أو خوف، أو ما أشبه ذلك.
طالب: الإنسان (... ) امرأة (... ) المكبة الآن ما يحطونها (... )؟
الشيخ: لا بد أن تقدم للصلاة، حتى لو جعلناها في السيارة (... ).
الطالب: تقدمت للصلاة (... )، لكن المشي فيها ما (... ) السيارة؟
الشيخ: حتى المشي إذا الناس ما يشاهدونها كثيرًا؛ لأن المشي ستكون على الأعناق رفيعة.
الطالب: (... )؟
الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله! على كل حال لا شك أن الأفضل أن تحمل الجنازة على الأعناق؛ أولًا: لأن هذا هو ما جاءت به السنة، والثاني: أنه أدعى للاتعاظ والخشوع، أما لو حملناه في جنازة وجاءت السيارة من وراءها كأنهم في حفلة عرس.
طالب: إذا اجتمعت عدة قبور لم يُصَلَّى عليها؛ يعني: في صف واحد، فهل المصلي يجيب عليها مرة واحدة، أو يصلي على كل واحدة؟
الشيخ: كلها بين يديه قبور، إي نعم.
الطالب: لا، ليست كلها بين يديه.
الشيخ: إي، ما يصلح؛ لأن ما خرج عن مسامتته ما يمكن يصلي عليه؛ ولهذا نقول: إذا اجتمعت الجنائز نجعلها واحدة وراء الأخرى، حتى تكون كلها بين يديه.
طالب: إذا صلوا على جنازة، ثم كبروا عليها الأولى، وأتت جنازة أخرى، ثم ثالثة، ثم رابعة، هل يبقون؟
الشيخ: إذا وصلوا إلى السبع أو التسع يتوقفون.
الطالب: كيف يكون؟
الشيخ: يعني مثلًا إذا كبرنا الأولى على الجنازة، ثم جاءت الجنازة الأخرى نكبر الثانية للأولى وهي الأولى للثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، حتى يصل إلى تسع للأولى، ثم نقف ما نُدَخِّل جنائز.
طالب: متى يقرأ الفاتحة؟
الشيخ: يقرأ الفاتحة إذا كبَّر للثانية؛ يعني: يعيد يكرر، يكون بالنسبة للأول مكرر.
حمل الميت ودفنه
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل
يُسَنُّ التربيع في حمله، ويباح بين العمودين، ويُسَنُّ الإسراع بها، وكون المشاة أمامها والركبان خلفها، ويكره جلوس تابعها حتى توضع، ويُسَجَّى قبر امرأة فقط، واللحد أفضل من الشق، ويقول مدخله: باسم الله، وعلى ملة رسول الله، ويضعه في لحده على شقه الأيمن مستقبل القبلة، ويُرْفَع القبر عن الأرض قدر شبر مُسَنَّمًا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال المؤلف رحمه الله: (فصل يسن التربيع في حمل الميت) وقد سبق معنى التربيع؛ وهو أن يأخذ بقائمة السرير اليسرى يجعلها على كتفه الأيمن قليلًا، ثم يرجع إلى الخلفية يجعلها على الكتف الأيمن أيضًا، ثم يتقدم إلى مقدم السرير ليجعل الجانب الأيمن منه على كتفه الأيسر، ثم يرجع إلى المؤخرة، هذا هو التربيع، وهو سنة عند الحنابلة رحمهم الله، ولكنه لو خالف فإنه لا بأس به، ولو كان زحام فإنه لا ينبغي أن يتكلف التربيع؛ لما يكون فيه من الأذية له ولغيره.
قال المؤلف: (ويُبَاح بين العمودين) يعني: يباح أن يحمل الميت بين العمودين يكون في الوسط، ويكون أحد العمودين على كتفه الأيمن، والثاني على كتفه الأيسر، ولكن هذا إذا كان النعش صغيرًا، أما إذا كان واسعًا -كما هو المعروف عندنا- فإنه لا يمكن أن يجعل طرف النعش على الكتف الأيمن والطرف الثاني على الكتف الأيسر؛ لأنه –أي: النعش- واسع، لكن إذا كان قويًّا يمكن أن يجعل طرف النعش على يد والطرف الآخر على يد، أقول هكذا، إذا كان قويًّا، لكن فيه مشقة.
على كل حال هذه الصفات ليست واجبة، فليفعل الإنسان ما تيسر؛ إن تيسر أن يربع في الحمل فهو أحسن، أو يحمل بين العمودين، وإن لم يتيسر -كما هو الغالب في الجنائز التي يتبعها أناس كثيرون- فليفعل ما تيسر.
قال: (ويُبَاح بين العمودين، ويُسَن الإسراع بها) لم يذكر المؤلف رحمه الله كيف يُغَطَّى الميت على النعش؟
والجواب أن الرجل لا حرج أن يبقى على أكفانه، وإن ستر بثوب يوضع عليه فلا بأس، كما هو المعروف الآن، يُسْتَر الرجل عندنا هنا في نجد بعباءة، أما المرأة فالأولى أن تُسْتَر بمكبة، المكبة هو سماها بعض الفقهاء خيمة؛ يعني: شيء مثل القبة يجعل على النعش؛ لأن هذا أستر لها.
وقد ذكر البيهقي رحمه الله أن فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم أوصت بذلك، (21) وهو مشهور عن زينب أم المؤمنين رضي الله عنها؛ (22) ولهذا استحبه الفقهاء رحمهم الله أن يجعل على نعش المرأة مكبة؛ لأنه أستر لها، وهذا مستعمل في الحجاز، لكنه في نجد لا يعرف، ولو فعله أحد لكان محسنًا ولا ينكر عليه؛ لأنه أحيانًا تقدم بعض الجنائز من النساء، يشاهد الإنسان ثديي المرأة، ويشاهد أشياء لا يحب أن يشاهدها، فإذا جعلت عليها المكبة فإنها تسترها بلا شك وتكون أستر.
قال في الشرح عندي: (فإن كانت امرأة استحب تغطية نعشها بمكبة؛ لأنه أستر لها، ويروى أن فاطمة صنع لها ذلك بأمرها، ويُجْعَل فوق المكبة ثوبٌ، وكذا إن كان بالميت حدب ونحوه) لو كان الميت فيه حدب، وهو كثيرًا ما يقع، قد يموت الإنسان وليس حوله أحد، ثم مع شدة الموت يقرفص، فيضم فخذيه إلى بطنه، ثم يموت ويبرد، فيبقى على هذا الوضع، وهذا لا شك أنه تشويه ومثلة، فإذا حصل مثل هذا فإن الذي ينبغي أن يوضع على النعش مكبة؛ من أجل أن يستر هذا التشويه وهذه المثلة.
ثم قال المؤلف: (ويُسَن الإسراع بها) الإسراع بالجنازة سنة؛ لأمر النبي صلى الله عليه وآله بذلك، في قوله: «أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ؛ فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» (18)، ولكن الإسراع ليس ذاسك الإسراع المتعب الذي يشق على المشيعين، وربما يحصل مع الرج من الميت أن يخرج منه شيء؛ ولهذا قال: الإسراع دون الخبب؛ الخبب: المشي بسرعة.
قال الفقهاء مفسِّرين لهذا الإسراع: بحيث لا يمشي مشيته المعتادة، بل يسرع، فالمشيعون للجنازة ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
قسم: يمشون على عادتهم، بل ربما يمشون أقل من العادة.
وقسم آخر: يسعون بها سعيًا شديدًا يتعب المشيعين، وربما يحدث من الميت ما لا ينبغي.
القسم الثالث: بين هذا وهذا، وهذا هو المشهور، أن يكون إسراعًا بدون خبب.
قال: (وكون المشاة أمامها والركبان خلفها) يعني: ينبغي إذا كان المشيعون مختلفين ما بين راكب وماشٍ، أن يكون المشاة أمامها والركبان خلفها، هكذا جاءت السنة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (23)، ولكن مع ذلك جاءت السنة أيضًا بالتخيير للماشي بين أن يكون أمامها، أو عن يمينها، أو عن شمالها، وكذلك خلفها (23)، حسب ما يتيسر.
ومثل ذلك أيضًا السيارات فإن الأولى أن تكون أمامها؛ أمام الجنازة؛ لأنهم إذا كانوا خلف الناس أزعجوهم، فإذا كانوا أمامها لم يحصل إزعاج منهم، وصار أصحاب السيارات أحرارًا في الإسراع إلى المقبرة، وسَلِمَ الناس منهم، ومعلوم أن الناس إذا كانت السيارات خلفهم فإنها سوف تحثهم أكثر على السير، كما هو مشاهد، فالذي نرى أن ركبان السيارات يكونون أمامها؛ لأن ذلك أكثر طمأنينة بالنسبة للمشيعين، وأسهل لأهل السيارات أيضًا؛ يعني: صاحب السيارة إذا هدأها مرة يتعب، فإذا انطلق بسرعة ما صار هذا أيسر له.
قال: (ويُكْرَهُ جُلوسُ تابِعِها حتى تُوضَعَ) يعني: أن المشيع لا يجلس حتى توضع الجنازة؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن ذلك؛ عن الجلوس حتى توضع (24)، ولأنه مشيع تابع، فإذا كانت الجنازة محمولة فلا ينبغي أن يجلس حتى توضع في الأرض للدفن.
قال: (ويُسَجَّى قبر امرأة فقط) (يُسَجَّى) يعني: يُغَطَّى قبر المرأة فقط، متى يغطى؟ عند إدخالها إلى القبر يغطى القبر؛ من أجل ألَّا ترى المرأة؛ لأن ذلك أستر لها.
وقوله: (فقط) ليخرج قبر الرجل فإنه لا يُسَجَّى؛ لما روي عن علي رضي الله عنه أنه مرَّ بقوم يدفنون ميتًا رجلًا وقد سجوه، فجذبه وقال: إنما يصنع هذا في النساء (25).
ولكن كيف يدخل القبر؟ يدخل من عند رجليه، يؤتى بالميت من عند رجلي القبر، ثم يدخل رأسه هكذا سلًّا في القبر، هذا هو الأفضل، وعمل الناس اليوم على الطريقة الثانية؛ وهي أن يأتوا بالميت من قبلة القبر ويضعوه في القبر بدون سل، وهذا أيضًا جائز، فإن أمكنت الصفة الأولى فهي أفضل، وإن لم تمكن ولم يعرفها الناس فإن ذلك مجزئ.
يقول: (ويُسَجَّى قبر امرأة فقط، واللحد أفضل من الشق) يعني: القبر إذا كان لحدًا فهو أفضل.
واللحد: أنه يحفر للميت في قاع القبر حفرة من جهة القبلة ليوضع فيها، ويجوز من جهة خلف القبلة، لكنها من جهة القبلة أفضل، المهم أن الشق الذي يوضع فيه الميت يكون على جانب القبر مائلًا، ليس في الوسط؛ ولهذا سمي لحدًا؛ لأن أصل اللحد من الميل، ولما كان الشق الذي يوضع فيه الميت مائلًا من جانب القبر سُمِّي لحدًا.
وقوله: (أفضل من الشق) الشق: أن يحفر للميت في وسط القبر حفرة، فصار اللحد أن يحفر للميت على جانبي القبر؛ إما من جهة القبلة، وهو الأفضل، أو من جهة خلاف القبلة، وهو المفضول.
والشق: أن يحفر للميت في وسط القبر، ولكن إذا احتيج إلى الشق فإنه لا بأس به، والحاجة إلى الشق إذا كانت الأرض رملية، فإن اللحد فيها لا يمكن؛ لأن الرمل إذا لحدت فيه انهدم، فتحفر حفرة، ثم يحفر في وسطها، ثم يوضع لبن على جانبي الحفرة التي فيها الميت؛ من أجل ألَّا ينهد الرمل، ثم يوضع الميت بين هذه اللبنات، تصورتموها الآن؟
الرمل -كما تعرفون- ينهدم، فكيف نصنع؟ نحفر الحفرة، حفرة ولو كانت واسعة، ثم إذا وصلنا إلى قاع القبر حفرنا الحفرة التي فيها الميت، ثم شككنا اللبن من هنا ومن هنا، ووضعنا الميت بين اللبنات، ولا يمكن إلا هذا في الأرض الرملية، هذا نعتبره شقًّا؛ لأنه ليس إلى جانب القبر، لكننا نبيحه لماذا؟ للضرورة؛ لأنه لا يمكن الرمل إذا يبس انهد، لا شك.
وعلى هذا فنقول: إذا احتيج إلى الشق لكون الأرض رملًا ينهال عند حفره فإنه يحفر له شق، واللحد أفضل من الشق.
وعُلِمَ من قوله: (اللحد أفضل من الشق) أن الشق جائز، وهو كذلك، ولكنه خلاف الأفضل.
فإذا قال قائل: إلى أين نحفر، هل نحفر بطول قامة الرجل، أو نصف الرجل، أو أقل أو أكثر؟
فالجواب أن نقول: التعميق سنة؛ يعمق في الحفر، والواجب ما يمنع السباع والرائحة، هذا الواجب، هذا أدنى الواجب أن يحفر له قبر بحيث يمنع السباع أن تأكله، والرائحة أن تخرج، أما كونه لا بد أن يمنع السباع فاحترامًا للميت، وأما كونه بحيث لا تكون رائحة احترامًا للحي؛ لئلا يؤذي الأحياء ويلوث الأجواء بالرائحة، هذا أقل ما يجب، وإن زاد في الحفر فهو أفضل وأكمل، لكن بلا حد، وبعضهم حده بالقامة؛ بأن يكون طول القامة، وهذا في الحقيقة قد يكون شاقًّا على الناس.
ثم إنه أحيانًا يعترضنا عند الحفر يعترضنا ماء، قد تكون الأرض يطفح ماؤها، ففي هذه الحال لا بد أن نتخذ الإجراءات اللازمة لمنع الماء؛ إما ببناء لبنات، أو ما أشبه ذلك، حتى يمتنع الماء عن الميت.
ثم قال: (ويقول مُدْخِلُه) يقول: (باسم الله، وعلى ملة رسول الله) يقول مدخله عند وضعه في القبر: (باسم الله)، البسملة كلها خير وبركة، ودفن الميت أمر ذو بال، وكل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بباسم الله فهو أبتر، وقد جاءت السنة بذلك أيضًا، (26) ولكن من الذي يتولى إدخاله؟ إن كان له وصي؛ يعني: قد قال قبل موته: فلان يتولى دفني فإننا نأخذ بوصيته، وإن لم يكن له وصي فبأقاربه؛ يعني: نبدأ بأقاربه إذا كانوا يحسنون الدفن، وإن لم يكن له أقارب أو كانوا لا يحسنون الدفن أو لا يريدون أن ينزلوا في القبر فأي واحد من الناس.
ولا يشترط فيمن يتولى تنزيل الميتة في قبرها أن يكون من محارمها؛ يعني: يجوز أن ينزلها شخص ولو كان أجنبيًّا.
ودليل ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام لما ماتت ابنته زوجة عثمان رضي الله عنه، وخرج إلى المقبرة، وحان وقت دفنها، قال: «أَيُّكُمْ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ؟ » - «لَمْ يُقَارِفِ» قال العلماء: معناه: لم يجامع- فقال أبو طلحة: أنا، فأمره أن ينزل في قبرها (27)، مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو أبوها، وزوجها عثمان بن عفان كانا حاضرين، فدل ذلك على أنه لا يشترط في تنزيل المرأة في قبرها أن يكون المنزل لها من محارمها.
ثم إنه إذا نزله في القبر يقول المؤلف: (يضعه في لحده على شقه الأيمن) ليس على سبيل الوجوب، ولكن على سبيل الأفضلية أن يكون على الشق الأيمن، وعللوا ذلك بأنها سنة النائم، والموت والنوم كلاهما وفاة، فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام أمر النائم بأن يكون على الجنب الأيمن فالموت كذلك، فيضعه على الجنب الأيمن.
وقال: (مستقبل القبلة) مستقبل القبلة وجوبًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الْكَعْبَةُ قِبْلَتُكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا» (28)، ولأن هذا عمل المسلمين الذي أجمعوا عليه، ولأنه أفضل المجالس.
فإن وضعه على جنبه الأيسر مستقبل القبلة فهو جائز، لكن الأفضل أن يكون على الجنب الأيمن، ولم يذكر المؤلف رحمه الله أنه يضع تحته وسادة لبنة أو حجرًا، فظاهر كلامه أنه لا يُسَن أن يضع تحت رأسه لبنة كالوسادة له، وهذا هو الظاهر عن السلف، فإن من خطب عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه قال: إنكم تدعون الميت في صدع من الأرض غير موسد ولا ممهد (29)، وعلى هذا فلا يحتاج إلى وسائد.
واستحب بعض العلماء أن يوضع له وسادة؛ لبنة صغيرة ما هي كبيرة؛ لتكون له كالوسادة.
ثم إن المؤلف لم يذكر أن يُكْشَف شيء من وجهه، وعلى هذا فلا يُسَن أن يُكْشَف شيء من وجه الميت، فليدفن ملفوفًا في أكفانه.
وقال بعض العلماء: إنه يُكْشَف عن خده الأيمن؛ ليباشر الأرض، واستدلوا بأثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: إذا أنا مت ووضعتموني في القبر، فأفضوا بخدي إلى الأرض (30) يعني: اجعلوه مباشرًا للأرض.
وقالوا: إن هذا أيضًا فيه استكانة وذل؛ أن يضع الإنسان خده على الأرض مباشرة، ولكن كثيرًا من أهل العلم لا يرون ذلك، فأما كشف الوجه كله فلا أصل له، وليس فيه دليل، إلا فيما إذا كان الميت مُحْرِمًا؛ فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ» (31) على أحد اللفظين، وإن كانت هذه اللفظة اختلف العلماء في ثبوتها، أما الرأس بالنسبة للمحرم فإنه لا يغطى.
إذن نقول: وضع اللبنة الأصل عدم سنيته؛ وضع اللبنة تحت رأسه، فإذا كان هذا هو الأصل فمن ادعى أنه سنة فعليه الدليل، ولا أعلم في ذلك سنة؛ ولهذا عده بعض العلماء من البدع، وأما الكشف عن شيء من وجهه فهذا يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأما كشف جميع الوجه فلا أصل له.
ثم قال المؤلف: (ويُرْفَع القبر عن الأرض قدر شبر مسنمًا) يعني: السنة أن يُرْفَع القبر عن الأرض، وهو كما أنه سنة فإن الواقع يقتضيه؛ لأن تراب القبر سوف يعاد إلى القبر، ومعلوم أن الأرض قبل حرثها أشد انضمامًا مما إذا حرثت فلا بد أن يربو التراب، هذا من وجه.
ومن وجه آخر: أن مكان الميت كان بالأول ترابًا، والآن صار فضاء، فهذا التراب الذي كان في مكان الميت بالأول سوف يكون فوق، فالسُّنة أن يرفع القبر قدر شبر، وهذا أيضًا هو الواقع.
وقول المؤلف: (قدر شِبْر) الشبر ما هو؟ الشبر يقولون: ما بين رأس الخنصر والإبهام عند فتح الكف؛ يعني هكذا، ما بين هذا إلى هذا شبر، ومعلوم أن المسألة تقريبية؛ لأن الناس يختلفون في كبر اليد، فالإنسان الذي يده كبيرة وأصابعه طويلة سيكون شبره طويلًا، والعكس بالعكس، والمسألة تقريبية، والغالب أن التراب الذي يعاد إلى القبر أنه يرتفع بهذا المقدار، قد يزيد قليلًا، وقد ينقص قليلًا.
واستثنى العلماء من هذه المسألة ما إذا مات الإنسان في دار حرب؛ أي: في دار كفار محاربين، فإنه لا ينبغي أن يرفع قبره، بل يسوى بالأرض خوفًا عليه من الأعداء أن ينبشوه ويمثلوا به، أو ما أشبه ذلك.
وقوله: (مُسَنَّمًا) يعني مجعولًا كالسنام، بحيث يكون وسطه بارزًا على أطرافه، وضد المسنم المسطح الذي يجعل أعلاه كالسطح، فالسنة أن يكون مُسَنَّمًا؛ لأن هذا هو صفة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبري صاحبيه.
ثم قال المؤلف: (ويُكْرَه تجصيصه والبناء عليه والكتابة والجلوس والوطء عليه) انتبهوا لهذه الأحكام التي ذكرها المؤلف.
(يُكْرَه) المكروه في اصطلاح الفقهاء: هو الذي يثاب تاركه امتثالًا ولا يعاقب فاعله، هذا عند الفقهاء، وهو كراهة التنزيه لا كراهة التحريم.
(يُكْرَه تجصيصه) أي: أن يوضع فوقه الجِص؛ لأن هذا داخل في تشريفه، وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لأبي الهياج الأسدي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألَّا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته (32).
كذلك (يكره البناء عليه)؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن ذلك (33).
والاقتصار على الكراهة في هاتين المسألتين فيها نظر؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن ذلك؛ أي: عن تجصيصها وعن البناء عليها، والأصل في النهي التحريم، ولأن هذا وسيلة إلى الشرك، فإنه إذا بني عليها عُظِّمَت، وفي النهاية ربما تعبد من دون الله؛ لأن الشيطان يستجري بني آدم من الصغير إلى الكبير، ومن الكبير إلى الكفر، فالصحيح أن تجصيصها حرام، وأن البناء عليها حرام، وقد حاول بعض المتأخرين أن يقول: إن الفقهاء أرادوا بالكراهة هنا كراهة التنزيه، ولكن هذا غير مُسَلَّم؛ لأن هذا خلاف اصطلاحي.
كذلك أيضًا تكره الكتابة، الكتابة على القبر تكره، سواء كتب على الحصى المنصوب عليه، أو كتب على نفس القبر؛ لأن ذلك يؤدي إلى تعظيمه وتعظيم القبور.
وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أن الكتابة مكروهة حتى ولو كانت بقدر الحاجة؛ أي: حاجة بيان صاحب القبر درءًا للمفسدة، وقال شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله: المراد بالكتابة ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من كتابات المدح والثناء؛ لأن هذه هي التي يكون فيها المحظور، أما التي بقدر الإعلام فإنها لا تكره.
(يكره الجلوس والوطء عليه) أي: على القبر، الجلوس على القبر مكروه -على كلام المؤلف- كراهة تنزيه، والصواب أنه محرَّم؛ فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الجلوس على القبر، وقال: «لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتَخْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَمْضِي إِلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى الْقَبْرِ» (34)، وهذا يدل على التحريم والتحذير من ذلك.
كذلك الوطء عليه قال المؤلف: إنه مكروه، والصحيح أنه حرام؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن ذلك (35)، ولأنه امتهان لأخيه المسلم.
طالب: يروى في السير أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يدفن حمزة قال: «لَوْلَا خَوْفِي مِنْ غَضِبِ صَفِيَّةَ لَجَعَلْتُ السِّبَاعَ تَأْكُلُهُ» (36).
الشيخ: هذا قوله: «لَوْلَا خَوْفِي مِنْ أَنْ تَغْضَبَ صَفِيَّةُ لَتَرَكْتُهُ تَأْكُلُهُ السِّبَاعَ»، هذا إن صح فالمراد بذلك التنديد بالمشركين، وأنهم فعلوا بالمسلمين ما فعلوا؛ لأن حمزة رضي الله عنه مثَّل به المشركون حتى أخرجوا كبده رضي الله عنه، فهذا هو المقصود، لا أنه يَهتك حرمته، على أنا نطالبَك -إن شاء الله- بتصحيح النقل.
طالب: هذا الحديث يا شيخ صحيح.
الشيخ: أيه؟
الطالب: هذا؛ «لَوْلَا أَنْ تَأْكُلَهُ السِّبَاعُ».
الشيخ: نطالب الأخ مازن بتصحيحه.
طالب: نقول: المرور بين المقابر بدعة، أي بين القبور؟
الشيخ: إي نعم، هذا ما ذكره المؤلف، يمكن يذكره في زيارة القبور.
طالب: يا شيخ، الجلوس الآن والقيام للجنازة للوجوب ولا.. ؟
الشيخ: ما ذكره المؤلف.
الطالب: وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اجْلِسُوا» (37) يخالف ما عليه الإمام أحمد؟
الشيخ: أقول: المسألة فيها خلاف، والصحيح أنه يسن القيام لها، هذا هو الصحيح.
الطالب: مطلقًا؟
الشيخ: مطلقًا، إذا مرَّت به وهو جالس فإنه يقوم.
الطالب: وإذا كان موضوعًا داخل المقبرة؟
الشيخ: كيف موضوعًا بالمقبرة؟ !
الطالب: المقبور موضوع للاستعداد لدفنها.
الشيخ: كيف يقوم؟ هي إذا مرت بإنسان وهو جالس يقوم.
الطالب: لا، لو وضعت بجوار القبر استعدادًا لدفنها، الناس الآن يقومون ولَّا لا؟
الشيخ: لا، يجلسون، السنة الجلوس.
الطالب: لكن فعل مثلًا أبو هريرة مع مروان لما قال: اجلسوا لما أقامهم، لما جاء أبو سعيد، أبو هريرة (38)..
الشيخ: هذه قضايا أعيان، وإلا فالمعروف أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يجلس، خصوصًا إذا كان يحتاج إلى تأخر، كما في عهد عبد الرحمن بن سمرة، أنه لما انتهوا إلى القبر ولما يلحد جلسوا وجلس النبي صلى الله عليه وسلم، وكان معه مِخْصَرَة ينكت بها الأرض (39).
الطالب: اللحد لغيرنا؛ يعني: لليهود والنصارى؟
الشيخ: الشق.
الطالب: الشق لغيرنا، لليهود والنصارى؟
الشيخ: هو الظاهر؛ يعني أنه من ملتهم.
الطالب: وقد أمرنا بمخالفتهم.
الشيخ: يحتمل هذا أنه تعبد، فيكون الشق مكروهًا على أقل تقدير، ويحتمل أنه بيان لما كانوا يفعلونه فقط، هذه من عاداتهم.
طالب: فعل بعض الناس عند الدفن نجده يحثو على الميت ثلاث حثيات؟
الشيخ: إي نعم، هذا من السنة، يسن لمن حضر أن يحثو ثلاث حثيات؛ لفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم (40).
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، مثل حديث أبي ذر (41) في دفن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على عدم جواز الدفن أو دخول القبر من قارف أهله؟
الشيخ: لا، يدل على أنه الأولى فقط، ولكن بعض العلماء اختلفوا في تعليل ذلك، والله أعلم.
الطالب: أليس ظاهر الحديث؛ يعني: الحادثة التي حصلت فيها حديث يدل على التحريم؟
الشيخ: لا، ما يدل على التحريم.
ما هي كيفية التربيع؟
طالب: أن يأتي من الجانب الأيمن للميت، فيضع على كتفه الأيمن، ثم يرجع إلى الخلف، ثم الأيسر، ثم الخلف.
الشيخ: طيب.
ما حكم الحمل بين العمودين؟
طالب: سُنَّة.
الشيخ: سنة ولَّا مباح؟ ما الذي فهمت من كلام المؤلف؟
الطالب: أنه يجوز.
الشيخ: أنه مباح، طيب.
كيف يوضع الميت في اللحد؟
طالب: أن ينقلب على شقه الأيمن، ثم سلًّا أو..
الشيخ: يضعه على شقه الأيمن، والقبلة عن يمينه أو شماله؟
الطالب: يستحب أن تكون عن يمينه.
الشيخ: الأفضل أن تكون القبلة عن يمينه، كيف يتصور أن تكون القبلة عن يمينه وهو ميت؟
الطالب: هو لا بد أن (... ) في اللحد..
الشيخ: إي، لكن تقول: الأفضل أن تكون القبلة عن يمينه!
الطالب: الأفضل أن تكون عن يمينه القبر مستقبل القبلة (... ) اليمنى أو اليسرى، فإن (... ) مستقبل القبلة يوضع..
الشيخ: أي له جهتان، يمنى ويسرى، صحيح؛ معناه يُجَلَّس الميت ويكون على يمينه أو يساره.
الطالب: (... ) إلى القبلة (... ) خلف، (... ) تستقبل الجهة اليمنى التي أقرب إلى..
الشيخ: يعني معناه أن اللحد يكون في قبلة القبر، هذا اللي تريد؟ طيب.
على أي الجنبين؟
طالب: على الجنب الأيمن.
الشيخ: على الجنب الأيمن.
هل هناك دليل على هذا؟
طالب: لأن النبي صلى الله عليه وسلم سن النوم على الجنب الأيمن (42).
الشيخ: فيكون هذا قياسًا على النائم، طيب.
أين يتجه؟
طالب: إلى القبلة.
الشيخ: يتجه إلى القبلة.
طيب ما الدليل؟
طالب: القياس على النوم.
الشيخ: لا، إحنا النوم ما ذكرنا أنه يقاس على النوم.
طالب: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «قِبْلَتُكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا» (28).
الشيخ: الكعبة أحياء وأمواتًا، صح، لكن هذا الدليل فيه ضعف، إلا أن له شاهدًا من حديث البراء بن معرور، وسبق الكلام عليه، ثم هناك دليلًا آخر أقوى منه.
طالب: أفعال الصحابة والنبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: عمل الصحابة من عهد الرسول، عمل المسلمين من عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى عهدنا اليوم.
والاتِّكَاءُ إليه، ويَحْرُمُ فيه دَفنُ اثنينِ فأكثرَ إلا لضرورةٍ، ويُجْعَلُ بينَ كلِّ اثنين حاجزٌ من ترابٍ، ولا تُكرهُ القراءةُ على القبرِ، وأيُّ قُربةٍ فَعَلَها وجَعَلَ ثوابَها لِمَيِّتٍ مسلمٍ أو حيٍّ نَفَعَه ذلك، وسُنَّ أن يُصْلَحَ لأهلِ الميِّتِ طعامٌ ويُبعثَ به إليهم، ويُكرهُ لهم فِعْلُه للناسِ.
(فصلٌ)
تُسَنُّ زيارةُ القبورِ إلا لنساءٍ وأن يَقولَ إذا زَارَها أو مَرَّ بها: " السلامُ عليكم دارَ قومٍ مؤمنينَ، وإنَّا إن شاءَ اللهُ بكم لَلَاحقونَ، يَرحمُ اللهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ منكم والْمُسْتَأْخِرِينَ، نَسألُ اللهَ لنا ولكم العافيةَ، اللهمَّ لا تَحْرِمْنا أَجْرَهم، ولا تَفْتِنَّا بعدَهم، واغْفِرْ لنا ولهم" وتُسَنُّ تَعزيةُ الْمُصابِ بالميِّتِ، ويَجوزُ البكاءُ على الْمَيِّتِ، ويَحْرُمُ الندْبُ والنياحةُ وشَقُّ الثوبِ ولَطْمُ الْخَدِّ ونحوُه.
الشيخ: على أي الجنبين؟
طالب: على الجنب الأيمن.
الشيخ: على الجنب الأيمن، هل هناك دليل على هذا؟
الطالب: لأنه صلى الله عليه وسلم سَنَّ النوم على الجنب الأيمن.
الشيخ: فيكون هذا قياسًا على النائم، أين يتجه؟
طالب: إلى القبلة.
الشيخ: يتجه إلى القبلة.
الطالب: وجهه إلى القبلة.
الشيخ: ما الدليل؟
الطالب: قياس على النوم.
الشيخ: لا، إحنا على النوم، ما ذكرنا قياس على النوم.
طالب: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «قِبْلَتُكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا».
الشيخ: الكعبة، أحياء وأمواتًا، صح، لكن هذا الدليل فيه ضعف، إلا أن له شاهدًا من حديث البراء بن معرور، وسبق الكلام عليه، ثم هناك دليل آخر أقوى منه.
طالب: شيخ، فِعْل الصحابة والنبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: عمل المسلمين من عهد الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى عهدنا اليوم.
ثم إذا لم يستقبل القبلة فهل يستدبرها؟ لا، غير لائق، أو يجعل رجليه نحوها، أو رأسه نحوها، فالأحوال أربع؛ إما أن يستدبرها، أو يكون رأسه نحو القبلة ورجلاه على خلف القبلة، أو بالعكس، أو يستقبلها، ولا شك أن الأخير هو أفضلها.
هل الأفضل تسطيح القبر أو تسنيمه؟
طالب: الأفضل تسنيمه قيد شبر.
الشيخ: تسنيمه، ما الفرق بين التسنيم والتسطيح؟
الطالب: التسطيح ما كان متساويًا.
الشيخ: أن يكون أعلاه متساويًا كالسطح، والتسنيم؟
الطالب: والتسنيم وسطه أعلى أطرافه.
الشيخ: ويكون الوسط كسنام البعير، صحيح.
حكم البناء على القبر؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: إي نعم، مكروه ولَّا حرام ولَّا؟
الطالب: القول الثابت أنه مكروه، والراجح أنه مُحَرَّم.
الشيخ: مُحَرَّم، أحسنت، ما هو دليل التحريم؟
طالب: الدليل هو قول الإمام علي: أَلَا أبعثك على ما بعثني..
الشيخ: لا، دليل تحريم البناء.
الطالب: تحريم البناء نَهْي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وأنه وسيلة للشرك.
الشيخ: نَهْي النبي صلى الله عليه وسلم أن يُبْنَى على القبر، ولأنه وسيلة إلى الشرك، أحسنت، الوطء على القبر حكمه؟
طالب: حرام يا شيخ.
الشيخ: وعلى كلام المؤلف؟
الطالب: (... ).
الشيخ: مكروه، والصحيح التحريم ولَّا الكراهة؟
طالب: لأنه إذا كان نهى عن الجلوس فوقها فالوطء من باب أولى.
الشيخ: لا، هو نهى عن الوطء، ما هو قياس، والأصل في النهي التحريم، ولأن فيه امتهانًا لصاحب القبر.
قال: (وَالِاتِّكَاءُ إِلَيْهِ)، يعني أن يتكئ على القبر فيجعله كالوسادة له؛ لأن في هذا امتهانًا للقبر.
وانظر كيف نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يُجَصَّ القبر، وأن يُبْنَى عليه، وأن يُكتَبَ عليه، وأن يُوطَأ، حيث جمع في هذا النهي بين ما يكون سببًا للغلو فيه وسببًا لامتهانه، الغلو في أي شيء؟ في البناء والتجصيص والكتابة، والامتهان في الوطء، من أجل أن يعامل الناس القبور معاملة وسط، لا غلو ولا تفريط.
قال المؤلف: (ويَحْرُم فيه دفنُ اثنين فأكثر إلا لضرورة)، (يحرُم فيه) أي في القبر، دفنُ اثنين فأكثر، سواء كانَا رجلين أم امرأتين، أم رجلًا وامرأة فإنه يحرُم، والدليل عمل المسلمين من عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى يومنا هذا، أن الإنسان يُدْفَن وحده في قبره.
ولا فرق بين أن يكون الدفن في آنٍ واحد بأن يؤتى بجنازتين وتُدْفَنَا في القبر، أو أن تدفن إحدى الجنازتين اليوم والثانية غدًا، كل هذا حرام على كلام المؤلف إلا للضرورة، وذلك بأن يكثُر الموتى ويقل مَن يدفنهم، ففي هذه الحال لا بأس أن يُدفَن الرجلان والثلاثة في قبر واحد.
ودليل ذلك ما صنعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في شهداء أُحُد، حيث جعلوا يدفنون الرجلين والثلاثة في قبر واحد، ويقول: «انْظُرُوا أَيُّهُمْ أَكْثَرُ قُرْآنًا» (1)، فيقدِّمُهُ في اللحد.
وذهب بعض أهل العلم إلى كراهة الدفن كراهة تنزيه، أي كراهة دفن اثنين فأكثر دون التحريم، وقالوا: إن مجرد الفعل لا يدل على التحريم، أي مجرد كون المسلمين يدفنون كل جنازة وحدها لا يدل على تحريم دفن أكثر من واحدة، وإنما يدل على الكراهة كراهة مخالفة عمل المسلمين.
وذهب آخرون إلى أن إفراد كل ميت في قبر أفضل، والجمع ليس بمكروه ولا مُحَرَّم.
وهنا نقف لنقول: هل يلزم من ترك الأفضل أن يقع الإنسان في المكروه؟
طالب: لا.
الشيخ: لا يلزم مِنْ تَرْكِ السنة والأفضل أن يقع الإنسان في المكروه؛ لأن المكروه منهي عنه حقيقة، وترك الأفضل ليس بمنهي عنه، ولهذا لو أن الإنسان ترك راتبة الظهر مثلًا، هل نقول: إنه فعل مكروهًا؟ لا، ولو أنه لم يرفع يديه عند الركوع، هل نقول: إنه فعل مكروهًا؟ لا، ولكن ترك ما هو أفضل، فلا يلزم من ترك الأفضل الوقوع في المكروه.
فالأقوال ثلاثة الآن، ويترجح عندي -والله أعلم- أن القول الوسط، وهو الكراهة، كما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- إلا إذا كان الأول قد دُفِنَ واستقر في قبره فإنه أحق به، فحينئذ لا يدخل عليه ثانٍ، اللهم إلا للضرورة القصوى، ولكن هنا لا ضرورة؛ لأن القبر قد دُفِنَ، جَمْعُ الاثنين فأكثر إنما ينفع إذا دُفِنَا جميعًا.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (ويُجْعَل بين كل اثنين حاجزٌ من تراب)، يعني إذا جاز دفن اثنين فأكثر في القبر الواحد فإن الأفضل أن يُجْعَل بينهما حاجزٌ من تراب ليكونَا كأنهما منفصلان، ولكن هذا ليس على سبيل الوجوب، على سبيل الأفضلية.
قال: (ولا تُكْرَهُ القراءةُ على القبر)، القراءة على القبر لا تُكْرَه، ولها صفتان؛ الصفة الأولى أن يقرأ على القبر كأنما يقرأ على مريض، والثانية أن يقرأ على القبر، أي عند القبر ليسمع صاحب القبر فيستأنس به.
يقول المؤلف: (إن هذا غير مكروه)، ولكن الصحيح أنه مكروه، فنفي الكراهة إشارة إلى القول بالكراهة، وهو الصحيح؛ أن القراءة على القبر مكروهة، سواء كان ذلك عند الدفن، أو بعد الدفن؛ لأنه لم يُعْمَل في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا عُهِدَ عن الخلفاء الراشدين.
ولأنه ربما يحصل فيه فتنة بصاحب القبر، فاليوم يقرأ عنده رجاء انتفاع صاحب القبر، وغدًا يقرأ عنده رجاء الانتفاع بصاحب القبر، ويرى أن القراءة عنده أفضل من القراءة في المسجد، فيحصل بذلك فتنة.
ثم قال: (وأي قُرْبَةٍ فعلها وجَعَلَ ثوابها لميت مسلم أو حي نفعه ذلك)، هذه قاعدة في إهداء القرب للغير، هل هو جائز، وهل ينفع الغير أو لا ينفع؟
يقول المؤلف في هذه القاعدة والضابط: (أي قُرْبَةٍ فَعَلَهَا)، يعني جميع أنواع القربات إذا فعلها وجعل ثوابها لميت مسلم أو حي، والعبارة لو قال فيها رحمه الله: لمسلم ميت أو حي، لكان أحسن؛ لأن قوله: (لميت مسلم أو حي)، قد يقول قائل: أو حي مسلم أو كافر، لكن لو قال: لمسلم ميت أو حي، لكان أوضح، وهذا هو مراده بلا شك.
وقول المؤلف: (أي قربة) لم يُخَصِّصْهَا بالقربة المالية ولا بالبدنية، بل أطلق، مثال ذلك أن يصوم شخص يومًا عن شخص آخر تطوعًا، فهل ينفعه؟ يقول المؤلف: ينفعه ما دام مسلمًا، تصدق بمال عن شخص، فهل ينفعه؟ أجيبوا.
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم ينفعه، أعتق عبدًا ونوى ثوابه لشخص ينفعه.
حج ونوى ثوابه لشخص ينفعه، إن كان ميتًا ففعله الطاعة عنه قد يكون متوجهًا؛ لأن الميت محتاج، ولا يمكنه العمل، لكن إن كان حيًّا وهو قادر على أن يقوم بهذا العمل ففي ذلك نظر؛ لأنه يؤدي إلى اتكال الحي على هذا الرجل الذي تقرَّب إلى الله عنه، وهذا لم يُعْهَد عن السلف؛ لا عن الصحابة، ولا عن السلف الصالح، إنما الذي عُهِدَ منهم هو جَعْلُ القرب للأموات، أما الأحياء فلم يُعْهَد، اللهم إلا ما كان فريضة كالحج، فإن ذلك عُهِدَ على عَهْدِ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لكن بشرط أن يكون المحجوج عنه عاجزًا عجزًا لا يُرْجَى زواله.
فإذا قال قائل: ما هو الدليل على أن ذلك نافع؟
قلنا: الدليل قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (2)، فأنا نويت أن أتقرب إلى الله لفلان، فليأتِ إنسان بالدليل على المنع.
ثانيًا: أن بعض هذه المسائل وقع في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأجازها، فمن ذلك أن سعد بن عبادة رضي الله عنه تصدق ببستانه لأمه التي ماتت، فأجازه النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وكذلك في حديث عائشة رضي الله عنها: أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن أمي افتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وإنها لو تَكَلَّمَتْ لتَصَدَّقَتْ، أفأتصدق عنها؟ قال: «نَعَمْ».
(3)
وكذلك عمرو بن العاص رضي الله عنه، سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم هل يتصدق عن أبيه بعتق خمسين رقبة؟ لأن أباه أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة، فتصدق أخو عمرو بخمسين أعتقها، وعمرو سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيعتق الخمسين الباقية، فبَيَّنَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم له أنه لو كان أبوه مسلمًا لنفعه، فترك العتاق لأنه كافر، والكافر لا ينتفع بعمل غيره، حتى عمله الذي عمله من خير يقول الله فيه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: 23].
فلما وُجِدَت هذه المسائل الفردية قلنا: الأصل الجواز حتى يقوم دليل على المنع، أما لو كان هناك دليل على المنع لقلنا: هذه المسائل أو هذه القضايا التي وردت تكون مخصِّصَة للمنع، لكن لم يرد ما يدل على منع التصدق، أو على منع التقرب إلى الله تعالى بقربة تكون لغيره.
فإن قال قائل: ما الجواب عن قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39]؟
فالجواب عنها: أن مَنْ قَرَأَ الآيات عرف المراد بها، ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: 36 - 39]، فكما أن وِزْرَ غيرك لا يُحْمَل عليك، فكذلك سَعْيُ غيرك لا يُجْعَل لك، والمعنى أن سعيك لا يضيع، وأنك لا تحمل وِزْرَ غيرك، هذا المعنى.
لكن لو أن أحدًا سعى لك فما المانع؟ أليس الرجل الذي يظلم غيره يأخذ الناس من حسناته تضاف إلى حسناتهم، مع أنهم ما سَعَوْا لها، فالمعنى أن الإنسان كما لا يزر وِزْرَ غيره لا يملك سَعْيَ غيره، فليس له إلا ما سعى، وأما أن يسعى غيرُه له فهذا لا مانع منه.
فالآية لا تدل على منع سَعْيِ الغير له، بل تدل على أنه ليس له من سعي غيره شيء، كما أنه لا يَحْمِل من وِزْر غيره شيئًا، وما دام هذا هو المعنى فإنه لا يصح الاستدلال بها على المنع.
يبقى النظر هل عمل العامة اليوم على صواب؟ وعمل العامة لا يعملون شيئًا إلا جعلوه لوالديهم وأعمامهم وأخوالهم، وما أشبه ذلك، حتى في رمضان يقرؤون القرآن يقول: أول ختمة للأم، والثانية للأب، والثالثة للجدة، والرابعة للجد، والخامسة للعم، والسادسة للعمة، والسابعة للخال، والثامنة للخالة، وماذا يكون له؟
طالب: أخاف يعطون الجيران.
الشيخ: يمكن يعطون الجيران، هذا غلط، هذا ليس من هدي، كذلك في مكة يعتمرون، يعتمر أول عمرة له، واليوم الثاني لأمه، والثالث لأبيه، والرابع لجده، هذا سمعناه، حتى إن بعض الناس يفتيهم يقول: لا بأس أن تكرر العمرة كل يوم إذا لم تكن لنفسك، إذا كانت لعمك، لأبيك، لخالك، ما فيه مانع.
فيذهب الإنسان يجد له خمسين واحدًا من القرابة، وهو بينزل عشرة أيام، إذا قسمنا خمسين على عشرة، كل يوم يعتمر خمس مرات، من قال هذا؟ !
كل هذا ليس له أصل، والذين لا يعتمرون يطوفون ويُكْثِرُونَ من الطواف لمن؟ لأقاربهم، لموتاهم، مع أن هادي الخلق ودالَّهم إلى الله محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يُرْشِد الأمة إلى هذا، قال: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ؛ إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (4).
وسياق الحديث في أيش؟ في الأعمال النافعة التي تنفع الإنسان، لو كان العمل الصالح للإنسان بعد موته نافعًا لقال: أو ولد صالح يعمل له؛ لأن الحديث عن الأعمال، فعدول النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن العمل إلى الدعاء يدل على أنه ليس من المشروع أن تجعل الأعمال للأموات.
الأموات إن كنت تريد أن تنفعهم فادعُ الله لهم، وهكذا قول المؤمنين: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: 10].
ونحن لا ننكر أن الميت ينتفع، لكن نُنْكِرُ أن تكون المسألة بهذا الإفراط، كل شيء للأموات، حتى أني حُدِّثْتُ حديثًا عجبًا، وهو أنهم إذا قدموا الغداء أفاضوا عليه أيديهم هكذا، اللهم اجعل ثوابه لفلان، الغداء، على العشاء كذلك، يعني ما بقي شيء من الأعمال الصالحة نجعلها لهم، وكل هذا من البدع.
لكن مع الأسف أن الناس إذا عملوا عملًا ولم يُنَبَّهُوا عليه صار هذا العمل البدعي سُنَّةً عندهم، وصاحوا بمن ينكر عليهم: أتحسد أمواتنا؟ خَفْ من الله، أمواتنا محتاجون، أعمالهم منقطعة، كيف تحسدهم وتقول: لا تتوجه لهم بالعمل؟ أقول: ادعُ لهم، بدل ما تجعل العمل الصالح لهم خَلِّهِ لنفسك وادع الله لهم خير لك وأفضل، وتأخذ بتوجيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
كنا ونحن صغار لا نعرف الأضحية عن الحي أبدًا، كل الضحايا للأموات، حتى إن الواحد إذا قيل له: ضَحِّ، قال: بسم الله عَلَيَّ ما بعدُ مت، يعني يظن أيش؟ أن الأضحية للميت فقط، ولكن الحمد لله، الآن تَنَوَّرَ الناس، وعرفوا أن الأضحية في الأصل للحي.
قد يتعلل بعض الناس بأن الناس كانوا بالأول في شدة وفي فقر، وليس عندهم من الأضاحي إلا الوصايا التي أوصى بها الأموات في أملاكهم وعقاراتهم، لكن هذه العلة ساقطة، إذا خاطبت العامي ما هو يقولك: إن ما عندي فلوس، يقول: الأضحية لا تكون إلا للميت، وأمثال هذا، ولكن الحمد لله الناس تَنَوَّرُوا، وطلبة العلم بدؤوا يُبَيِّنُون للناس ما هو الحق في هذا الباب.
قال: (ويُسَنُّ أن يصلح لأهل الميت طعام يبعث به إليهم)، يُسَنُّ أن يصلح لأهل الميت طعام يبعث به إليهم؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله سلم حين جاء نعي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه: «اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرَ طَعَامًا، فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ» (5).
وظاهر كلام المؤلف أن صنع الطعام لأهل الميت سُنَّة مُطْلَقَة، ولكن السُّنَّة تدل على أنه ليس بسُنَّة مُطْلَقَة، وإنما هو سُنَّة لمن انشغلوا عن إصلاح الطعام بما أصابهم من المصيبة؛ لقوله: «فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ»، وأنتم تعرفون أن الإنسان إذا أُصِيبَ بمصيبة أصابته تمامًا انغلق ذهنه وفكره ولم يُصْلِح شيئًا، فلهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ».
فظاهر السنة أو ظاهر التعليل أنه إذا لم يَأْتِهِمْ ما يشغلهم فلا يُسَنُّ أن يُصْلَح لهم.
والآن -ولله الحمد- الأطعمة متوفِّرة، والذي لا يستطيع إصلاحه في بيته يأتي به من المطاعم، فالمسألة مُتَيَسِّرَة جدًّا، ومع ذلك غالى الناس في هذه المسألة غُلُوًّا عظيمًا، لا سيما في أطراف البلاد، حتى إنهم إذا مات الميت يُرْسِلُون الهدايا من الخرفان الكثيرة لأهل الميت، ثم إن أهل الميت يذبحونها للناس، ويدعون الناس إليها.
فتجد البيت الذي أُصِيبَ أهله كأنه بيت عرس، هذا يدخل ويأكل، وهذا يخرج، وفي الليل يضيؤون اللمبات الكثيرة، ويضعون الكراسي المتعددة، وتجد الناس كأنهم في محفل عرس، وأنا شاهدت هذا بنفسي، وهذا لا شك أنه من البدع المنكَرة.
هل نحن مأمورون عند المصائب أن نأتي بالْمُسَلِّيَات الحسية التي تختم على القلب حتى ننسى المصيبة نسيان البهائم؟ ! لا، نحن مأمورون بأن نتسلَّى بما أرشدنا الله إليه ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 156]، لا بأن يأتي الناس من يمين وشمال ليجتمعوا إلينا ويؤنسونا تأنيسًا ظاهريًّا، إذا لم تكن المصيبة مَنْسِيَّة بما أمر الله به ورسوله فإنها لا خير فيها، يكون هذا النسيان سُلُوًّا كسُلُوِّ البهائم، وقد قال الصحابة رضي الله عنهم: كنا نَعُدّ صنع الطعام والاجتماع إلى أهل الميت (... ).
طالب: (... ).
الشيخ: على كل حال إذا وُجِدَت العلة وُجِدَ الحكم.
الطالب: (... ).
الشيخ: لا؛ لأنه ربما أهل الميت أحيانًا يفرحون بموته، يمكن (... ) مانعهم من أشياء يريدونها، ويقولون..
طالب: هل فيه فرق يا شيخ بين: هذه بدعة، وهذا خلاف السنة؟
الشيخ: البدعة هو الذي يقصد به الإنسان التقرب إلى الله عز وجل، فكل شيء تتدين به لله ولم يثبت شرعًا فهو بدعة، هذا الضابط، أما ما كان مجرد عادة فيقال: هذا خلاف السُّنَّة.
طالب: القراءة على القبر، لماذا قلنا بالكراهة؟
الشيخ: الكراهة لأنها لم تأتِ عن السلف.
الطالب: لماذا لم نقل بالتحريم؟
الشيخ: التحريم صعب، التحريم يحتاج إلى نص على التحريم.
الطالب: (... ).
الشيخ: لكن هذه إن جاءت على صفة جماعية مثلًا يذهبون ويتلون على القبور فقد نقول: إنها بدعة وأنها منكرة وأنها محرَّمة، لكن مجرد إنسان وقف على قبر أبيه أو أمه وجعل يقرأ إطلاق التحريم فيه نظر.
طلبة: (... ).
الشيخ: لا، ما نتوسل.
طالب: إذا قلنا بهذا يا شيخ من الذهاب إلى المقبرة وجدنا كل واحد جلس على قبر ويقرأ، فماذا ترى؟
الشيخ: إذا جاءت هذه الحال منعناها.
الطالب: تجيء.
الشيخ: لا، إن شاء الله ما تجيء،
أنت حققت لنا حديث حمزة؟
الطالب: أقرأ.
الشيخ: كثير؟
الطالب: صفحة.
الشيخ: صفحة، اقرأ، هذا الحديث الذي سألنا عنه أمس في الدرس السابق.
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، عن أنس بن مالك قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمزة يومَ أُحُد، فوقف عليه فرآه قد مُثِّلَ به، فقال: «لَوْلَا أَنْ تَجِدَ صَفِيَّةُ فِي نَفْسِهَا لَتَرَكْتُهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الْعَافِيَةُ حَتَّى يُحْشَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ بُطُونِهَا» (1)، إلى آخر الحديث، رواه أبو داود، المجلد الثاني، صفحة 959، والترمذي وحَسَّنَه، وابن سعد وحَسَّنَه، والحاكم، ورواه أحمد، قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وحَسَّنَهُ الألباني كما في كتاب أحكام الجنائز، قال في نصب الراية: أخرجه أبو داود في سننه عن عثمان بن عمر، قال: حدثنا أسامة بن زيد، عن الزهري، عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، مَرَّ بحمزة وقد مُثِّلَ به، ولم يُصَلِّ على أحد من الشهداء غيره (6). ورواه الدارقطني في سننه، وقال: لم يقل فيه: لَمْ يُصَلِّ على أحد من الشهداء غيره، إلا عثمان بن عمر، وليست بمحفوظة (7).
قال ابن الجوزي رحمه الله في التحقيق: وعثمان بن عمر مُخَرَّجٌ له في الصحيحين، وزيادة من الثقة مقبولة.
وذكره عبد الحق الإشبيلي في أحكامه من جهة أبي داود، وقال: الصحيح حديث البخاري أنه لم يُصَلِّ على الشهداء.
قال ابن القطان في كتابه: وعِلَّتُهُ ضعف أسامة بن زيد الليثي، وقد ذكر عبد الحق هذا الحديث في أحكامه الكبرى، وأتبعه الكلام في أسامة، وقال: وثَّقَهُ ابن معين، وضَعَّفَهُ يحيى بن سعيد، وروى عنه الثوري وعبد الله بن المبارك، ورواه أحمد في مسنده: حدثنا صفوان بن عيسى، قال: حدثنا أسامة بن زيد.
وأخرجه الحاكم في المستدرك عن عثمان بن عمر ورَوْح عن أسامة به، وقال: على شرط مسلم.
قال النووي في المجموع بعدما عزاه لأبي داود: إسناده حسن أو صحيح، والله أعلم.
الشيخ: والله على كل حال في نفسي منه شيء، حتى لو حَسَّنَهُ هؤلاء الْحُفَّاظ؛ لأن كَوْن الرسول عليه الصلاة والسلام يمتنع من دفنه مراعاة لأخته..
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ لَا يُقْرَأُ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ» (8)، ما يستدل به على تحريم القراءة على القبر؟
الشيخ: أين وجدت هذه الزيادة: لَا يُقْرَأُ فِيهَا الْقُرْآنُ؟
الطالب: المبدع.
الشيخ: إن شاء الله تعالى الدرس القادم تأتي بها محقَّقة، فإذا كانت هذه محقَّقة دَلَّ على أن المقبرة ليست محلًّا للقراءة.
الطالب: أحسن الله إليك نحن قلنا..
الشيخ: لكن الذين شرحوا الحديث قالوا: لا تجعلوها مقابر، أي في ترك الصلاة فيها.
الطالب: يقول: شدد أحمد حتى أنه قال: صلاة الجنازة لا يُقْرَأُ فيها بالقرآن.
الشيخ: يعني إذا صلى على الجنازة في المقبرة ما يقرأ القرآن؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: تشديد هذا.
الطالب: أحسن الله إليك، هنا القُرَب إلى الحي قلنا إنه يؤدي إلى..
طالب آخر: شيخ ألا يقولون: الميت في القبر يسمع، فهل الذين يُلَقِّنُون موتاهم، بعض الناس يقول: إذا أتاك ملكان فأَجْلَسَاكَ عن يمينك وعن شمالك، فيقول لك: من هو ربك، هل مشروع هذا يا شيخ؟
الشيخ: لا، تلقين الميت بعد الدفن لم يصح الحديث فيه، وعلى هذا فيكون بدعة، ولا يُنْتَفَعُ بذلك.
(... ) أقيمت الصلاة وهم في الركعة الثانية أَتَمُّوها خفيفة، وإن كانوا في الركعة الأولى قطعوها.
التحجير في الصف قد ذكرنا عدة مرات أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: إنه حرام ولا يجوز؛ لأن المسجد لمن سبق، من جاء أول فهو له، وأن كلام الفقهاء رحمهم الله في هذا -أعني في قولهم: إنه يجوز للإنسان أن يُحَجِّر- قول ضعيف؛ لأن المسجد لمن سبق، لكن إذا حَجَّرَ الإنسان وخرج لعذر، أو كان في المسجد في جهة أخرى، فلا بأس بهذا، ولا حرج فيه.
وكثير من الناس نقول لهم هذا الكلام، لكن يقولون: ما دام المذهب هو هذا، وأن هذا يَحُثُّنَا على الحرص، وأن نأتي قبل الإقامة، يعني يُبَرِّرُون فِعْلَهُم بهذا، ولكن الاحتياط والأحسن والأفضل ألَّا يُحَجِّرُوا.
أما بالنسبة للمؤذن فقد جرت العادة بأنه يكون خلف الإمام؛ لأنه يُقِيمُ، فلو تركتم هذا له لكان خيرًا، كذلك أيضًا إذا جئتم وفيه تحجير فإنكم لا ترفعونه؛ لأن هذا يُحْدِثُ فتنة وعداوة وبغضاء، ثم إنه ما دام الرجل يقول: أنا أرى هذا الرأي، أرى أنه لا بأس به كما يراه الفقهاء.
فلا إنكار في مسائل الاجتهاد، ولو أردنا أن نحمل الناس على ما نرى لكنا ادَّعَيْنَا لأنفسنا أننا رسل، وهذا لا يجوز، فمسائل الخلاف الاجتهادية ينبغي للإنسان ألَّا يُنْكِر فيها.
ولهذا قال العلماء رحمهم الله: لا إنكار في مسائل الاجتهاد فيكو، ن الإنسان يرى أن التحجير حرام، ثم يأتي إلى الأشياء الْمَجْعُولَة في مكان يزيلها مثلًا أو يعمل فيها أشياء، لا شك أن هذا خطأ، وإن كان الأول مُخْطِئًا، لكن هذا أشد خطأ؛ لأنه يوجب كراهة الناس بعضهم لبعض، وهذا ما دام هذا رأيه هو يحاسبه الله عز وجل على ما يرى.
طلبة: (... ).
الشيخ: أما المسألة الثانية هذه ما عرفت أقرؤها إطلاقًا.
زيارة القبور
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل
تُسَنُّ زيارة القبور إلا للنساء، وأن يقول إذا زارها أو مَرَّ بها: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنَّا إن شاء الله بكم للاحقون، يرحم الله المستقدِمِين منكم والمستأخِرِين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تَفْتِنَّا بعدهم، واغفر لنا ولهم، وتُسَنُّ تعزية المصاب بالميت، ويجوز البكاء على الميت، ويحرُم الندب والنياحة وشق الثوب ولطم الخد ونحوه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فصل.. تُسَنُّ زيارة القبور)، تُسَنُّ، والسُّنَّة عند الفقهاء: ما أُثِيبَ فاعله ولم يعاقَب تاركه، فهي في مرتبة بين المباح والواجب، وسُنِّيَّتُهَا ثابتة بالسنة والإجماع كما نقله النووي رحمه الله.
أما السنة فمن قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله؛ قال صلى الله عليه وسلم: «كُنْتُ قَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ» (9)، وأما فعله فقد ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يخرج إلى البقيع فيُسَلِّم عليهم.
يقول: تُسَنُّ زيارة القبور، إلا للنساء فليست بسنة، فقيل: تُكْرَهُ، وقيل: تُبَاحُ، وقيل: تَحْرُمُ، وقيل: من الكبائر، أربعة أقوال؛ تُبَاح، تُكْرَه، تَحْرُم، كبيرة.
والمشهور من المذهب عند الحنابلة أنها تُكْرَه، والكراهة عندهم للتنزيه، يعني فلو زارت المرأة القبور فإنه لا إثم عليها.
والصحيح أنها من كبائر الذنوب، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعن زائرات القبور، واللعن لا يكون إلا على كبيرة من كبائر الذنوب؛ لأن معناها الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وهذا وعيد شديد.
أما من جهة النظر فلأن المرأة ضعيفة التحمل، قوية العاطفة، سريعة الانفعال، لا تتحمل أن تزور القبر، وإذا زارته حصل لها من البكاء والعويل، وربما شق الجيوب، ولطم الخدود، ونتف الشعور، وما أشبه ذلك، ثم إذا ذهبت وحدها إلى المقابر فالغالب أن المقابر تكون في مكان خالٍ في أطراف البلد، يُخْشَى عليها من الفتنة أو العدوان عليها، فكان القياس، وهو النظر الصحيح، موافقًا للأثر، وهو مَنْعُها من زيارة القبور ولَعْنُها.
استثنى الأصحاب -يعني الفقهاء؛ فقهاء الحنابلة- استثنوا قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقبري صاحبيه، وقالوا: إن زيارة النساء لهذه القبور الثلاثة لا بأس بها، وعَلَّلُوا ذلك بأن زيارتهن لهذه القبور الثلاثة لا يصدق عليها أنها زيارة؛ لأن بينها وبين هذه القبور ثلاثة جُدُر، كما قال ابن القيم:
فَأَجَابَ رَبُّ الْعَالَمِينَ دُعَاءَهُ وَأَحَاطَهُ بِثَلَاثَةِ الْجُدْرَانِ
فهن وإن وقفن على الحجرة لم يَصِلْنَ إلى القبر، فلا تكون زيارتهن زيارة حقيقية، وعلى هذا فيُسْتَثْنَى من قوله: (إلا للنساء) أيش؟ قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقَبْرَا صاحبيه.
والذي يترجح عندي أنه لا استثناء؛ لأن وصولهن إلى محل القبور إما أن يكون زيارة أو لا يكون، فإن كان زيارة وقعن في الكبيرة، وإن لم تكن زيارة فلا فرق بين أن يحضرن إلى مكان القبر، أو أن يُسَلِّمْنَ على النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بعيد، وحينئذ يكون مجيئهن إلى القبور لغوًا لا فائدة منه، بل في زمننا هذا قد يكون هناك مزاحمة للرجال، وأعمال لا تليق بالمرأة في مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فإن قال قائل: ما تقولون في حديث عائشة رضي الله عنها أنها زارت قبر أخيها (10)؟
قلنا: إن قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يعارَض بقول أحد كائنًا مَن كان، وها هي عائشة تقول: شَبَّهْتُمُونَا بالحمير والكلاب (11)، يعني في قطع الصلاة إذا مَرَّت المرأة من بين يدي المصلي، مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صرَّح بأن هذه الثلاثة: الكلب الأسود، والحمار، والمرأة، تقطع الصلاة، فهي رضي الله عنها غير معصومة، ولا يمكن أن يُسْتَدَلَّ بفعلها على قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فإن قيل: ما تقولون في حديثها الثابت في صحيح مسلم حين فقدت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذات ليلة وطلبته، ثم أدركته في البقيع، خرج في البقيع يسلِّم عليهم، ثم رجع من البقيع، ورجعت هي قبله، حتى أدركها في البيت، ثم سألها: ما لها حَشْيَا رَابِيَة، يعني قد ثار نَفَسُهَا، فأخبرته وقالت: يا رسول الله، أرأيت -يعني إن خرجت- ماذا أقول؟ قال: قولي: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ».
(12) إلى آخره؟
فالجواب عن ذلك أن نقول: يُفَرَّقُ بين المرأة إذا خرجت لقصد الزيارة، وإذا مَرَّت بالمقبرة بدون قصد الزيارة، فإذا مرت بالمقبرة بدون قصد الزيارة فلا حرج أن تُسَلِّم على أهل القبور، وأن تدعو لهم بما قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعائشة، وأما إذا خرجت لقصد الزيارة فهذه زائرة للمقبرة، فيصدق عليها اللعن.
فإن قيل: ما تقولون في اللفظ الوارد في الحديث: لَعَنَ زوَّاراتِ القبور والْمُتَّخِذِين عليها المساجد والسُّرُج (13)، (زوَّارَات) بصيغة المبالغة؟
فالجواب أن نقول: إن الحديث ورد بلفظين: (زَائِرَات) و (زَوَّارَات)، فإن كانت (زَوَّارَات) للنسبة، فلا إشكال، وإن كانت للمبالغة فإن لفظ (زائرات) فيه زيادة علم، فيؤخذ به؛ لأن (زائرات) يصدق بزيارة واحدة، و (زَوَّارَات) بالكثير للمبالغة.
ومعلوم أن الوعيد إذا جاء معلَّقًا بزيارة واحدة ومعلَّقًا بزيارات متعددة، فإن مع المعلّق بزيارة واحدة أيش؟ زيادة علم؛ لأنه يحق الوعيد على مَن زَارَ مرة واحدة على لفظ (زَائِرَات) دون لفظ (زَوَّارَات)، فيكون مع لفظ (زَائِرَات) زيادة علم، فيؤخذ به، لكن لو أخذنا بـ (زَوَّارَات) ألغينا دلالة (زَائِرَات).
وقد تكلم شيخ الإسلام رحمه الله على هذه المسألة في الفتاوى مجموع ابن قاسم كلامًا جيدًا ينبغي لطالب العلم أن يراجعه، وبَيَّن أو وذَكَر أظن ثمانية أوجه في الرد على مَن قال: إن النساء يُسَنُّ لهن زيارة القبور، فراجِعُوه فإنه مفيد جدًّا.
قال: (تُسَنُّ زيارة القبور إلا للنساء، ويقول: إذا زارها)، نقول: يقولُ، أو ويقولَ؟ إن جعلنا الواو للاستئناف قلنا..
طالب: بالرفع.
الشيخ: بالرفع؛ يقولُ، وإن جعلناها عطفا على (زيارة) قلنا: ويقولَ؛ لأن المضارع إذا عُطِفَ على اسم خالص نُصِبَ.
قال ابن مالك:
وَإِنْ عَلَى اسْمٍ خَالِصٍ فِعْلٌ عُطِفْ
تَنْصِبُهُ أَنْ ثَابِتًا أَوْ مُنْحَذِفْ
(وإن على اسم خالص فِعْلٌ عُطِفْ)، يعني المضارع، (تنصبه أنْ ثابتًا)، يعني ثابتة، (أو منحذف) محذوفة.
واستشهدوا لذلك بقول الشاعر:
وَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي
أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ
قوله: (لُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ) بالنصب؛ لأنها معطوفة على أيش؟ على (لُبْس) على اسمٍ خالص مصدر، هنا: ويقولَ، عطف على؟ طالب: زيارة.
الشيخ: زيارة، فعليه يكون المعنى: ويُسَنُّ أن يقول، أما إذا جعلناها بالرفع فهي مستأنفة.
(ويقولَ إذا زارها أو مر بها)، (إذا زارها) يعني قصد زيارتها وخرج إليها، (أو مر بها) مرورًا قاصدًا غيرها.
(السلام عليكم دار قوم مؤمنين)، السلام اسم من أسماء الله، كما في آخر سورة الحشر: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ﴾ [الحشر: 23]، لكنه في التحية لا يُرَاد به اسم الله، وإنما يُرَاد به التسليم، فهو اسم مصدر كالكلام بمعنى أيش؟ التكليم، والمعنى: التسليم عليكم، أي: الدعاء بالسلامة عليكم، والسلامة بالنسبة لأهل القبور قد يَصْعُب على الإنسان تَصَوُّرُها، يسلمون من أيش؟ من المرض؟ لا، لكن من العذاب، قد يكون الإنسان في قبره مُعَذَّبًا ولو عذابًا خفيفًا، فإذا سألت الله له السلامة سَلِم، ثم أنت الآن تُسَلِّم على عموم القبور، السلام عليكم.
وقوله: (السلام عليكم) أتى بكاف الخطاب، فهل الكاف هذه تدل على أنهم يسمعون؟ لأنه لا يخاطَب إلا مَن يسمع، ما لم يقم دليل ظاهر على أن المخاطَب لا يسمع، وإنما قلت: ما لم يقم دليل ظاهر؛ لئلا يُورِدَ علينا مُورِد قولَ عمر رضي الله عنه للحجر الأسود: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يُقَبِّلُك ما قَبَّلْتُك (14).
فهنا خاطبه وهو حَجَر، لكن أهل القبور هل هم يخاطَبون مخاطبة الحجر، أو مخاطبة السامع؟
الظاهر الثاني، وقد ذكر ابن القيم في كتاب الروح حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم يتضمن أن «مَنْ سَلَّمَ عَلَى قَبْرٍ وَهُوَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا رَدَّ اللهُ عَلَى صَاحِبِ الْقَبْرِ رُوحَهُ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ» (15)، فلا يبعد أن يكون أهل المقبرة عمومًا إذا سلم عليهم يسمعون.
ولا نقيسهم بالحجر الأسود؛ لأن الحجر الأسود عندنا دلالة حسية ملموسة، وهي أنه حجر، حتى ولو كان حجرًا فإنه يسمع، قال الله تعالى عن الأرض عمومًا: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5)﴾ [الزلزلة: 4، 5] ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾، أي: ما عُمِلَ عليها من خير أو شر، سواء كان قولًا مسموعًا أو فعلًا مرئيًّا تُحَدِّث به يوم القيامة، الجلود تنطق، أنطقها الله الذي أنطق كل شيء.
فلا تستبعد هذه الأمور؛ لأن قدرة الله عز وجل لا يمكن أن يدركها العقل، فلا يبعد أنك إذا قلت لأهل المقبرة: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنهم يسمعون.
وقوله: (دار قوم مؤمنين)، (دار قوم) يعني: يا دار قوم، والمراد بالدار هنا أهلها، كما في قوله تعالى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: 82] والمراد أهلها.
(وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)، لاحقون على أيش؟ بالموت، يعني: إذا قلنا: لاحقون بالموت، ورد علينا إشكال، وهو تعليق ذلك بمشيئة الله مع أنه مُحَقَّق، والمحقق لا يحتاج إلى تعليق بالمشيئة، التعليق بالمشيئة لأمر لا يُدْرَى عنه فيُوكَل إلى الله عز وجل، أما هذا ما فيه شك، كيف تعلق بالمشيئة وأنت تعلم أنه حاصل ولا بد، ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُم﴾ [الجمعة: 8]، ليس لاحقًا لكم، شو الآية؟ ﴿فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُم﴾، ولم يقل: فإنه لاحقكم؛ لأن اللاحق قد يُدْرِك وقد لا يدرك، لكن اللاقي؟
طلبة: (... ).
الشيخ: مدرك لا محالة، نسأل الله أن يميتنا وإياكم على الحق.
المهم أنه يَرِد إشكال: تعليق الشيء المحقَّق بالمشيئة غير وارد ولا مشروع، فقيل في التخلص من هذا الإيراد: وإنا إن شاء الله بكم لاحقون على الإيمان، فيكون لحوقًا معنويًّا لا حسيًّا، بدليل قوله: (دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) على الإيمان، أعرفتم؟
وحينئذ إذا كان المقصود لاحقون على الإيمان فالمشيئة مشروعة، تعليق ذلك بالمشيئة مشروع، ولكن يمكن أن نقول: لاحقون على الإيمان وعلى الموت، مع أن الذي يتبادر لزائر القبور الذي يقول: وإنا إن شاء الله بكم لاحقون؟
طلبة: الموت.
الشيخ: الموت، هذا المتبادر، فنقول: أمَّا إذا فَسَّرنا اللحاق باللحاق على الإيمان فلا إشكال، وإذا فسرنا اللحاق باللحاق على الموت، فالجواب عن ذلك أن نقول: إن التعليق هنا تعليل، وليس تعليقًا.
تعليل، أي أن لحوقنا إياكم سيكون بمشيئة الله، أو يكون التعليق هنا ليس على أصل الموت، ولكن على وقت الموت.
طلبة: (... ).
الشيخ: فرق ولَّا ما فيه فرق؟
طلبة: فيه فرق.
الشيخ: ليس على أصل الموت؛ لأنه محقق، لكن على وقت الموت، كأنه قال: وإنا إذا شاء الله، يعني متى ما شاء الله لحقنا بكم، فيكون التعليق على أيش؟
طلبة: على الوقت.
الشيخ: على وقت الموت، يعني: سنلحق بكم في الوقت الذي يشاء الله أن نلحق، وتعليق هذا بالمشيئة واضح؛ أننا لن نموت إلا إذا شاء الله موتَنا في أي وقت، فهذه ثلاثة أجوبة:
الأول: أن المراد اللحاق على الإيمان.
الثاني: أن المراد باللحاق أصل الموت، لكن التعليق؟
طلبة: للتعليل.
الشيخ: للتعليل
الثالث: أن المراد بالتعليق؟ التعليق بالوقت، يعني وقت الموت، كأنه قال: وإنا متى شاء الله أن نلحق بكم لحقنا بكم، والمقصود من هذه الجملة توطين النفس على ما صار إليه هؤلاء من أجل تحقيق التَّذَكُّر.
ثم قال: (يرحم الله المستقدِمين منكم والمستأخِرِين)، جملة خبرية، لكنها خبرية لفظًا إنشائية معنًى، يعني: نسأل الله أن يرحم المستقدِمين منكم والمستأخِرِين.
(نسأل الله لنا ولكم العافية)، العافية من أيش؟ أما بالنسبة لنا فإن عافيتنا عافية حسية كعافية البدن، وعافية معنوية من الذنوب والمعاصي، أما العافية لأهل القبور فهي العافية من عذاب القبر.
(اللهم لا تحرمنا أجرهم) أي أجر؟ أَجْرُنا على الأموات متعدد:
أولًا: الحزن على الأموات، فكم من ميت في هذه المقبرة قد حزنت عليه، إما لقرابة، أو صداقة، أو نفع، أو غير ذلك، ولا شك أن الإنسان إذا أُصِيبَ بِمُصاب وتحمَّل فله أيش؟ فله أجر، إذا أصيب بمصاب به وتحمل فله أجر.
ثانيًا: أجر الزيارة، (لا تحرمنا أجرهم) أي: أجر الزيارة لهم؛ لأن زيارتنا لهم سنة أمر بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفعلها بنفسه، فنحن نفعلها امتثالًا واقتداء؛ امتثالًا لأمره، واقتداء بفعله عليه الصلاة والسلام.
(ولا تَفْتِنَّا بعدهم)، هذه جملة عظيمة، تسأل الله ألَّا يفتنك بعدهم؛ لأن الإنسان قد يُفْتَتَن بعد موت أقاربه وأصحابه وأصدقائه ومشائخه، وغير ذلك، قد يفارقون هذا الرجل مستقيمًا ثم يُفْتَن، وبالعكس.
فأنت تسأل الله ألَّا يفتنك بعدهم، يفتنك بشبهات تعرض لك، أو بإيرادات سيئة، وهي فتنة الشهوات تعرض لك، والإنسان ما دامت روحه في جسده فهو مُعَرَّض للفتنة، نعوذ بالله من الفتن.
يُذْكَر أن الإمام أحمد رحمه الله في سياق الموت يُغْمَى عليه ويُسْمَع يقول: بعد، بعد، فلما أفاق قيل له: يا أبا عبد الله، ما بعد بعد؟ قال: رأيت الشيطان أمامي يَعَضُّ على يديه يقول: فُتَّنِي يا أحمد، يعني: عَجَزْتُ أن أدركك وأغويك، فأقول: بعد بعد، يعني: ما دامت الروح في الجسد فالإنسان على خطر.
ويدل لهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ» (16).
ولهذا أوصي نفسي وإياكم أن تسألوا الله دائمًا الثبات على الإيمان، وأن تخافوا؛ لأن تحت أرجلكم مزالق وهوة إذا لم يُثَبِّتْكُمُ الله عز وجل وقعتم في الهلاك، واسمعوا قول الله عز وجل لرسوله أثبت الخلق وأقواهم إيمانًا: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 74]، تميل ميلًا قليلًا ﴿إِذًا﴾ يعني لو فعلت ﴿لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: 75]، خطاب شديد للرسول عليه الصلاة والسلام.
فإذا كان هذا للرسول صلى الله عليه وآله وسلم فما بالنا نحن، نحن ضعفاء الإيمان واليقين، تعترينا الشبهات والشهوات، ونحن على خطر عظيم، لهذا أدعوكم مرة ثانية ونفسي أن تسألوا الله دائمًا الثبات على الحق، وألَّا يزيغ قلوبكم، وهذا هو دعاء أولي الألباب: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّاب﴾ [آل عمران: 8].
قال: (ولا تَفْتِنَّا بعدهم، واغفر لنا ولهم)، الغَفْر ستر الذنب مع التجاوز عنه، يدل على ذلك الاشتقاق؛ لأنه مشتق من أيش؟
طلبة: من الْمِغْفَر.
الشيخ: من الْمِغْفَر، وهو ما يوضع على الرأس أيام القتال من أجل وقاية السهام، فهو ساتر واقٍ، فالمغفرة ستر الذنب مع العفو والتجاوز عنه، (واغفر لنا ولهم).
يقول: (وتُسَنُّ تعزية المصاب بالميت)، تُسَنُّ، عرفتم معنى السنة، وهي التي يُثَابُ فاعلها ولا يعاقَب تاركها، والتعزية هي التقوية، يعني تقوية المصاب على تحمل المصيبة، وذلك بأن نورد له من الأدعية والنصوص الواردة في فضيلة الصبر ما يجعله يتسلَّى وينسى المصيبة، هذا هو المقصود بالتعزية.
لا المقصود بالتعزية أن نأتي إليه لنثير أحزانه، كما يفعل بعض الناس؛ يجيء يعزيه مثلًا بابنه ميت يقول: والله هذا الولد شاب صالح (... )، الحقيقة إنه (... ) على الموت، وما أشبه ذلك من الكلام، صحيح هذا موجود، وتلقى له أخ منحرف ربما يقول بعض الناس (... )، صحيح، أنا أقول شيئًا أسمع عنه، هل هذه تعزية؟ ما هي تعزية، هذه تزيد الإنسان.
ولما خرجوا بعقيل بن علي بن عقيل أحد الفقهاء الحنابلة، وكان هذا الولد طالب علم جيدًا، خرجوا به، وخرج الناس يعني احتفاءً به وقضاءً لحقه ولحق أبيه، قام رجل بأعلى صوته يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِين﴾ [يوسف: 78]، شوف كيف؟ فزجره ابن عقيل رحمه الله وقال: يا هذا القرآن نزل لتسكين الأحزان لا لتهييج الأحزان، وكلامك هذا يهيج الأحزان، فنهاه.
فالتعزية ليست لأجل أن تهيِّج أحزانه وتُنَدِّمَه على ما حصل، التعزية أن تُقَوِّيَه على الصبر والتحمل، وما لفظها؟ أحسن لفظ للتعزية ما اختاره النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أرسلت إليه إحدى بناته تقول إن عندها طفلًا، يعني محتضَرًا، فجاء الرسول إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقال له يعني يحضر، فقال له: «مُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ، فَإِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى»، أو قال: «إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ» (17)، شوف الكلام؟
هذا اللي يجعل الإنسان يطمئن، إِنَّ لِلَّهِ ما أخذ وله ما أعطى، صح ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [المائدة: 120]، ولدك الذي أُصِبْتَ به ليس لك، بل هو لله، حبيبك الذي أُصِبْتَ به ليس لك، بل هو لله، أبوك الذي أُصِبْتَ به ليس لك، بل هو لله، وهكذا، إن لله ما أخذ وله ما أعطى.
ثم مع ذلك ليست المسألة فوضى، كل شيء عنده بأجل مسمى معين، إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، والمكتوب لا بد أن يقع، أبدًا لا يمكن أن يتغير عما كان عليه إطلاقًا، يعني لا تندم تقول: والله ليت ما تركته بلا معالجة، ليت عالجته، وما أشبه ذلك، لا تقل هذا؛ لأن هذا شيء مكتوب على ما وقع، فقال: «كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، مُرْهَا فَلْتَصْبِرْ» على هذه المصيبة.
وَالصَّبْرُ مِثْلُ اسْمِهِ مُرٌّ مَذَاقَتُهُ
لَكِنْ عَوَاقِبُهُ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ
الصبر شديد لكن عواقبه حميدة، «وَلْتَحْتَسِبْ»، ما معنى تحتسب؟ يعني تحتسب الأجر على الله عز وجل؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]، هذا هو العزاء.
أما ما يفعله بعض الناس -نسأل الله السلامة- يجيء يعزي يقول: هذا الذي فيه، هذا اللي يجيب الخضار، هذا اللي يجيب الطعام، هذا اللي يجيب كذا، هذا اللي يجيب كذا، الله يخلف علينا مَن لنا غيره، وهكذا، هذا يخلي اللي ما يبكي يبكي، ويزداد حزنًا.
ولهذا يقول المؤلف: (تعزية المصاب) ثم إن المؤلف قال: (تعزية المصاب) ولم يقل: تعزية القريب، لماذا؟
من أجل الطرد والعكس، كل مصاب ولو بعيدًا فإنه؟
طالب: يُعَزَّى.
الشيخ: يُعَزَّى، وكل مَن لم يُصَبْ ولو قريبًا فإنه لا يُعَزَّى، العبارة طرد وعكس، مَنْ أُصِيبَ فَعَزِّهِ، ومن لم يُصَب فلا تُعَزِّه، فإذا قَدَّرْنَا أن هناك ولدًا شريرًا قد آذى أباه وآذى أهله ثم مات وإذا وجه أبيه تبرق أساريره، يقول: الحمد لله الذي أراحنا منه، نجيء نعزيه ولَّا لا؟ الناس يُعَزُّونَه الآن؛ لأنه أبوه، فيجعلون العلة في التعزية هي القرابة، وهذا خطأ.
أو شخصًا آخر ابن عم بعيد مات ابن عمه الذي عنده ملايين من الدراهم وهو فقير، يأتي إليه كل يوم -لهذا الذي مات- يقول: أنا والله فقير، أنا ما عندي عشاء لعيالي، ولا عندي كذا ولا، يقول: روح وراك، أنا عارف اللي نعطيه، فإذا مات ابن عمه ماذا تكون حاله؟
طالب: سيفرح.
الشيخ: في ظني -والعلم عند الله- إنه سيفرح؛ لأنه أتعبه في حياته، والآن بيكون كل ماله، حتى ما له ولا صاحب فرض، ما له زوج، ولا له أم، ولا أب، ولا شيء مين بيرثه؟
طلبة: ابن العم.
الشيخ: ابن العم، فيفرح، هل نعزي هذا ولَّا نهنئه؟ إذن العلة ما هي؟
طلبة: المصاب.
الشيخ: المصيبة، ولهذا قال العلماء: إذا أُصِيبَ الإنسان ثم نسي مصيبته لطول الزمن مثلًا فإننا لا نعزيه؛ لأننا إذا عَزَّيْنَاه بعد طول الزمن فهذا يعني أننا جَدَّدْنَا له المصيبة والحزن.
طالب: شيخ، الدعاء في زيارة القبور، من الدعاء: السلام عليكم أهل الديار من المسلمين والمؤمنين
هل فيه فرق بين المسلمين و.. ؟
الشيخ: إي نعم، من المسلمين والمؤمنين، أما على القول بأن الإسلام والإيمان شيء واحد فعطفهما من باب عطف المترادف، كقول الشاعر:
..................................
أَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَيْنَا
وأما على القول الراجح أنهما إذا اجتمعا افترقا، فمن المعلوم أن الذين في المقابر منهم مؤمن ومنهم مسلم، يعني: لم يدخل الإيمان إلى قلبه، يعني لم يكن إيمانه قويًّا.
طالب: المنافق.
الشيخ: لا، المنافق ما يدخل في هذا؛ لأن المنافق ما يجوز الدعاء له، ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: 84].
الطالب: ومات على هذا فهو مؤمن.
الشيخ: لا، ناقص الإيمان، يكون مسلمًا، وليس بمؤمن.
طالب: (... ) وارد وقال: إن الحكم متعلق.
الشيخ: وارد؟
الطالب: لا، مُورِد.
الشيخ: مُورِد، نعم.
الطالب: الحكم متعلق بالعلة، فإن وُجِدَت العلة تجد الحكم، وإن لم توجد العلة لم تجد الحكم، فيقول مثلًا (... ) مقابر المسلمين إذ إنها زالت العلة فيها البكاء على (... ) المسلمين أو الدعاء لهم (... )، هل نقول: هذا يجوز؟
الشيخ: إي بالنسبة للنساء؟
الطالب: بالنسبة للنساء.
الشيخ: زيارة النساء لقبر الرسول هو إذا عللنا بعلة إذا كانت مستنبطة فالعبرة بعموم الحكم، أما إذا كانت منصوصة فهي التي يتبعها الحكم، وهذه المسألة ينبغي لكم أن تعرفوها، وقد قلناها كم مرة، العلة المنصوصة يتبعها الحكم، والعلة المستنبطة لا يتبعها الحكم؛ لأنه يجوز أن تكون العلة غير الذي فهمناه، أليس كذلك؟
طالب: لو قال قائل يا شيخ: سماع أهل القبور أمر غيبي، والأمور الغيبية لا بد من أدلة صريحة، وجاء ما يخالف أيضًا سماع أهل القبور.
الشيخ: مثل..
الطالب: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُور﴾ [فاطر: 22].
الشيخ: أحسنت.
الطالب: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 36].
الشيخ: هذه الأخيرة ما لها دخل، الأولى..
الطالب: ﴿الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام: 36].
الشيخ: نعم ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ صح.
الطالب: يستجيبون.
الشيخ: نعم.
الطالب: والذين لا يسمعون لا يستجيبون.
الشيخ: معلوم، لكن ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: 80]، هل كان الرسول يخرج إلى المقابر يدعوهم حتى نقول: إنك لا تُسْمِعُهُم؟ لا، فالمراد بالموتى هنا موتى القلوب، يعني هؤلاء بمنزلة الموتى الذين لا يستجيبون.
الطالب: لكن لو قال قائل يا شيخ: إن هذا جاء خاصًّا بالرسول، مما يدل على أنه خاص.
الشيخ: كيف الرسول يقول: «إِذَا أَتَيْتُمُ الْمَقَابِرَ فَقُولُوا: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ».
(12)
الطالب: لا، أقول: إنه ثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا سُلِّمَ عليه يرد السلام.
الشيخ: لا، حتى اللي غيره الذي صححه ابن عبد البر، وأقرَّه ابن القيم عام، كل رجل يعرفه في الدنيا يسلِّم عليه.
ما حكم زيارة القبور، وما الحكمة منها؟
طالب: حكمها سنة.
الشيخ: سنة، وما الحكمة منها؟
الطالب: الحكمة منها قال صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ».
(9)
الشيخ: الحكمة منها أنه تُذَكِّرُ الآخرة، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ماذا يقول إذا زارها؟
طالب: يقول إذا زار القبور: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم السابقون ونحن إن شاء الله بكم لاحقون (... ).
الشيخ: يرحم الله المستقدِمين منكم..
الطالب: والمستأخِرين.
الشيخ: كَمِّل: اللهم..
الطالب: اللهم لا تَفْتِنَّا بعدهم.
الشيخ: لا تحرمنا أجرهم.
الطالب: (... ).
الشيخ: نسأل الله لنا ولكم العافية.
زيارة القبور سنة لمن؟
طالب: سنة للرجال دون النساء.
الشيخ: دون النساء.
ما حكم زيارة النساء للقبور؟
الطالب: اختلف فيها أهل العلم على أربعة أقوال؛ قول: مباح، والقول الثاني: تُكْرَه، وهو المشهور من المذهب، والقول الثالث: أنها حرام، والقول الرابع أنها كبيرة من الكبائر، وهو الصحيح الأخير.
الشيخ: وفيه قول خامس أنها سنة للنساء، ما ذكرتُه لكم؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، فيه من يقول: إن حكم النساء حكم الرجال في هذا.
ما حكم تعزية أقارب الميت؟
طالب: فرض كفاية.