يقول المؤلف في الشرح: (يعلم موته بانخساف صدغيه، وميل أنفه، وانفصال كفيه، واسترخاء رجليه)، أربع علامات ذكر: انخساف الصدغ؛ الصدغ هذا ينخسف؛ لأن اللحيين تنطلق، إذا انطلقت صار هذا منخسفًا.
الثاني: يقول: (وميل أنفه)، إذا مات يميل الأنف؛ لأن الأنف مستقيم ما دامت الحياة في الإنسان، ثم إذا مات ارتخى ولان ومال.
قال المؤلف: (انفصال كفيه)، يعني عن ذراعه، تنطلق الكف عن الذراع، وتجدها مرتخية.
والرابع: (استرخاء رجليه)، تنفصل الرجل عن الكعب فترتخي وتميل.
هذه أربع علامات يعلم بها الموت، وهي علامات حسية بدون أدوات وبدون آلات، لكن الآن لدى الأطباء آلات تدل على الموت دون هذه العلامات.
يذكر أن رجلًا أصيب بغشية، فلما أصيب بغشية جهَّزوه وحملوه إلى المقبرة، فمروا برجل ذي خبرة، فقال لهم: ما هذا؟ قالوا: هذا جنازة نريد أن ندفنها، قال: لا، هذا لم يمت، نزلوه، فنزلوه، فأتى بسوط فجعل يضرب هذا الميت حتى تحرك فقالوا: ما الذي حملك على هذا؟ ما الذي أعلمك أولا أنه ليس يمت؟ قال: إن الميت تسترخي رجلاه، لا تنتصب، وهذا الذي أنتم حملتم رجلاه منتصبتان، وأما ضربي إياه بالسوط فلأن الضرب يحمي الجسم، وإذا حمي جسمه زالت عنه البرودة التي هي سبب الغشي، ثم حملوه راجعًا به إلى بيته.
فالمهم أن هذا شاهد على ما قاله الفقهاء رحمهم الله؛ أن من علامات الموت استرخاء الرجلين.
إذن الثامن إسراع التجهيز بشرط أن يموت غير فجأة، فإن مات فجأة وجب الانتظار، وبهذا التقرير نعلم خطأ ما يفعله بعض الناس مما حدث أخيرًا أنهم يؤخرون الميت حتى يأتي أقاربه، أحيانًا يكون أقاربه خارج المملكة في أوربا أو غيرها، فينتظرون به يومًا، أو يومًا وليلة من أجل حضور الأقارب، وهذا في الحقيقة جناية على الميت، الميت إذا كان من أهل الخير فإنه يود أن يدفن سريعًا؛ لأنه يبشَّر بالجنة عند موته -نسأل الله أن يجعلنا منهم- وإذا خُرِجَ به من بيته تقول نفسه: قدموني قدموني، تحُثهم على أن يوصلوها إلى القبر، فإذا حبسناه عما أعد الله له من النعيم صار في هذا جناية عليه مع مخالفة السنة، أصبحت الآن الجنازة وكأنها حفل عرس ينتظر به القادم حتى يحضر، وهذا لا شك أنه خلاف السنة من وجه، وجناية على الميت من وجه آخر.
أما إذا أخر مثلًا لساعة أو ساعتين أو نحوهما من أجل كثرة الجمع فلا بأس بذلك، كما لو مات بأول النهار وأخرناه إلى الظهر ليحضر الناس، أو إلى صلاة الجمعة إذا كان في صباح الجمعة؛ ليكثر الناس عليه، فهذا لا بأس به؛ لأنه تأخير يسير لمصلحة، مصلحة من مصلحة الميت، فلا بأس به.
فإن قال قائل: كيف نجيب عن فعل الصحابة رضي الله عنهم، حيث لم يدفنوا النبي صلّى الله عليه وسلّم إلا يوم الأربعاء أو ليلة الأربعاء، مع أنه توفي يوم الاثنين؟
فالجواب عن ذلك أنه من أجل إقامة الخليفة بعده، حتى لا يبقى الناس بلا خليفة، فالإِمام الأول محمد رسول الله صلى الله عليه وسلّم توفي، فلا نواريه بالتراب ونغيبه عن ظهر الأرض حتى نقيم خليفة بعده، وهو مما يحثهم على إنجاز إقامة الخليفة، وتعلمون أنه من حين ما بويع أبو بكر رضي الله عنه شرعوا في تجهيز النبي صلّى الله عليه وسلّم ودفنه.
وعلى هذا فإذا مات الخليفة، وكان لم يعين من يخلفه، فلا حرج أن يؤخر دفنه حتى يقام خليفة بعده.
قال: (وإنفاذ وصيته)، وإنفاذِ ولَّا وإنفاذُ؟ وإنفاذِ بالكسر عطفًا على (تجهيز)، يعني: وإسراع إنفاذ وصيته، أما إنفاذ وصيته فهو واجب، لكن إسراع الإِنفاذ فإنه يسن إسراع إنفاذ الوصية، إن كانت في واجب فلإسراع إبراء ذمته، وإن كانت في تطوع فلإسراع الأجر له، والوصية كما نعلم إما واجبة وإما تطوع.
قال أهل العلم: فينبغي أن تنفذ قبل أن يدفن، سبحان الله، إذا رأيت هذا الكلام ورأيت ما يفعله بعض الظلمة من الورثة الذين يؤخرون وفاء الدين عن الميت لمصالحهم الخاصة، تجد الميت عليه ديون ووراءه عقارات، فيقول: لا نبيعها؛ نوفيه من الأجرة ولو بعد عشر سنين، أو يقول: لا الأراضي مثلًا كسدت الآن كاسدة ننتظر حتى ترتفع قيمتها، وربما ترتفع، وربما تنزل، لكن والعياذ بالله هذا ظلم، وربما يكون هؤلاء الذين صنعوا ذلك ربما يكونون من ذرية الميت، فيكون فيه من العقوق ما لا يخفى على أحد؛ لأن الميت يتأثر بالدين الذي عليه إن صح الحديث: «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» (13)، فقد صح، وإن لم يصح فلا بد أن تتأثر النفس بهذا الدين الذي عليه، فالوصية بالواجب يجب المبادرة بإنفاذها، وبالتطوع يسن، لكن الإسراع بذلك، سواء أنها واجبة أو مستحبة قبل أن يصلى عليه ويدفن، هذا سنة.
(وإنفاذِ وصيته، ويجب الإسراع في قضاء دينه) يجب الإسراع في قضاء دينه، أي دين الميت، سواء كان هذا الدَّين لله أو للآدمي، فالدَّين لله مثل: الزكاة، والكفارة، والنذر، وما أشبه ذلك.
والدَّين للآدمي كالقرض، وثمن المبيع، والأجرة، وضمان تالف، وغير هذا من حقوق الآدميين، يجب الإسراع بها بحسب الإمكان، فتأخيرها حرام.
ما هو الدليل على وجوب الإسراع في قضاء الدين؟ الدليل أثري ونظري:
أما الأثري فلأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ».
وهذا الحديث فيه ضعف، لكن يؤيده حديث أبي قتادة في الرجل الذي جيء به إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم ليصلى عليه، فسأل «هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ ». قالوا: نعم، ديناران، فتأخر ولم يصلِّ عليه، فقال أبو قتادة: الديناران عليَّ يا رسول الله، قال: «حَقّ الْغَرِيمِ وَبَرِئَ مِنْهُ الْمَيِّتُ؟ ». قال: نعم، فتقدم فصلى (14)، فهذا يدل على وجوب الإسراع في قضاء دين الميت.
وأما الدليل النظري فلأن الأصل في الواجب أيش؟ المبادرة بفعله، هذا هو الأصل، ولا يجوز تأخير الواجب إلا إذا اقتضى الدليل تأخيره.
طالب: ستره بثوب، يعني بثوب بأي ثوب (... ) سروال.
الشيخ: لا، إذا قال العلماء: بثوب فالمراد بالثوب ما يستر ولو بخرقة، وهذا هو المراد، المراد بثوب ليس قميصًا ولا سراويل ولكنه خرقة، لحاف.
طالب: لعورته.
الشيخ: إي نعم، من أجل عورته وبدنه.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، تغميض العينين يا شيخ يعني (... ) هكذا ولَّا مجرد (... )؟
الشيخ: لا، إذا غمضها ورفع يده ينظر إن انفتحت أعاد تغميضه، وإن بقيت فقد حصل المقصود.
طالب: ما ذنب الميت عندما يؤخره أهله؟
الشيخ: ما له ذنب.
طالب: (... ) الأسرة.
الشيخ: هو ما له ذنب، ما عليه ذنب.
طالب: (... ) يحصل له (... ) ولو أخر.
الشيخ: ما عليه ذنب، لا؛ لأن قوله: قدموني قدموني يدل على أن فعلهم له أثر فيه.
الطالب: يعني معنى هذا أنه إذا وضع في الثلاجة ما يسأل؟
الشيخ: لا، ما يسأل.
الطالب: حتى لو جلس..
الشيخ: حتى لو جلس عشر سنين، ما دام ما سلم وانتهى أهله منه فهو في عالم الدنيا.
طالب: ما يسأل إلا إذا وضع في القبر.
الشيخ: إلا إذا وضع في القبر، أو فيما يقوم مقام القبر، كما لو مات في بحر وألقي في البحر.
طالب: لكن في الثلاجة ما يسأل؟
الشيخ: لا، ما يسأل، حتى يكفن ويصلى عليه ويسلم.
طالب: شيخ، إذا مات الميت ولم يغمض (... ) أما عند تكفينه (... ) شيخ هل يسن (... )؟
الشيخ: يمكن لأجل إزالة التشويه أن يوضع عليه قطنة وخرقة تلف.
طالب: شيخ، سلمك الله، ما يمكن الاستدلال بحديث أبي قتادة على أن الميت (... ) حتى يقضى عنه الدين؟
الشيخ: لا؛ لأن الرسول قال: «صَلُّوا عَلَيْهِ»، لكن هو عليه الصلاة والسلام تأخر؛ لأنه كان في أول الأمر لا يصلي على من عليه دين لا وفاء له، فلما فتح الله عليه قال: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَهُوَ عَلَيَّ» (15).
طالب: قول بعض أهل العلم: إنه ينبغي إنفاذ الوصية قبل أن يدفن الميت، أليس هناك حقوق متعلقة بتركة الميت أولى من الوصية، كتجهيز الميت؟
الشيخ: هو الآن بيجهزوا.
طالب: قبل التجهيز؟
الشيخ: إي نعم، يعني نشتغل بهذا وهذا، ما به منافاة.
طالب: إذا مات الإنسان وعليه دين فهل السلطان لا يصلي عليه (... )؟
الشيخ: بعض العلماء يرى أنه لا بأس ألا يصلي عليه إمام البلد؛ كالقاضي أو الأمير أو ما أشبه ذلك؛ لما فيه من ردع الناس عن التهاون بالديون.
طالب: ويصلى عليه، يعني هل يجوز أن يصلى عليه؟
الشيخ: إي يجوز أن يصلى عليه لا شك، ولهذا كان الخلفاء الراشدون فيما نعلم لا يسألون عن الديون.
طالب: (... ) خاصية للنبي؟
الشيخ: وبعض العلماء يقول: هذا خاص بالرسول، لكن آخرون قالوا: لا، عام للرسول ولغيره، إذن فيه مصلحة ردع الناس من التهاون بالديون، خصوصًا في عصرنا، الآن تجد الإنسان الآن يتدين يأخذ سيارة مثلا لنقل: بخمسين ألفًا، مع أنه يكفيه السيارة بعشرين ألفًا ثم شرى سيارة بخمسين ألفًا راح (... ) خمسة آلاف أو أكثر.
طالب: أحسن الله إليك، قد يتعذر إنفاذ الوصية قبل دفن الميت (... ) بعيدين عن الميت أو أقربائه..
الشيخ: هي المسألة ما هي بعلى سبيل الوجوب، افرض أن الميت هذا قال: هذه مئة ريال، أوصيت بها لفلان صدقة سهل، يسهل أنهم يأخذونه قبل يدفنوه (... ) للموصى له، والمسألة حسب الإمكان ربما يكون أيضًا في التركة عقارات تحتاج إلى مدة في بيعها..
طالب: شيخ، إذا أراد شخص عادي ليس إمامًا ولا قاضيًا أن يمتنع عن صلاة الذي عليه دين.
الشيخ: لا، ما يجوز بدعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة أن يصلوا قال: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» (14).
طالب: شيخ، أكرمكم الله (... ) مشتركة فيمن مات في حال شهادة؟
الشيخ: كيف الأمور؟
طالب: من مات في قتال أو غرق (... ) مشركة.
الشيخ: إي مشتركة، إلا ما يختص في الشهيد، شهيد المعركة بكونه لا يغسل ولا يكفن فشيء ثان.
طالب: الميت إذا مات أتى شخص قال: أنا أسُد هذا الدَّين، عنه تبرأ ذمة الميت.
الشيخ: ما تبرأ البراءة التامة حتى يوفى لكنها تبرأ من المطالبة.
لماذا وضع العلماء كتاب الجنائز في آخر كتاب الصلاة، مع أن له تعلقًا بالوصايا والفرائض؟
طالب: لأن فيه الصلاة، صلاة الجنائز (... ).
الشيخ: ما يكفي هذا.
طالب: لأن أعظم..
الشيخ: أهم.
طالب: لأن أهم ما يفعل بالميت الصلاة.
الشيخ: لأن أهم ما يفعل بالميت الصلاة، صحيح.
حكم عيادة المريض؟
طالب: على قول المؤلف أنها سنة.
الشيخ: مطلقًا؟
طالب: نعم سنة مطلقًا.
الشيخ: نعم، ما دليلها؟
طالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ» (16)، وذكر منها عيادة المريض.
الشيخ: نعم «إِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ».
طالب: «إِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ».
الشيخ: قال أخوكم: إنه على رأي المؤلف، فهل هناك رأي آخر؟
طالب: أنها واجبة.
الشيخ: فيها رأي أنها واجب مطلق عين.
طالب: واجبة إذا كان يعني..
الشيخ: أقول: على كل عين، على كل واحد؟
طالب: على المسلم فقط.
الشيخ: إي، على كل مسلم، إذن معناه يجب علينا نحن أن نخرج الآن لعيادة المرضى.
طالب: لا، الذي نعرفه.
الشيخ: الذي نعرفه، وما أكثر الذي نعرفه؟
طالب: فرض كفاية.
الشيخ: القول الثاني أنها فرض كفاية، وهذا القول.
طالب: الراجح.
الشيخ: هو الراجح، هذا القول هو الراجح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها من حقوق المسلم على المسلم.
ما الذي ينبغي لمن عاد المريض أن يفعل عنده؟
طالب: التلقين، والتوبة، والوصية.
الشيخ: التلقين، والتوبة، والوصية.
هل الأفضل أن يخفف العيادة أو أن يتأخر؟
طالب: حسب حال المريض، حسب تقدير المصلحة، إذا كان يأنس من يزوره ويأنس من يحدثه فالأحسن أن يحادثه ويخفف عنه (... ) وإذا كان حاله لا تسمح ذلك فالأفضل أن يخفف (... ).
الشيخ: أحسنت، صح.
هل يسن لمن عاد المريض أن يقرأ عليه؟
طالب: نعم يا شيخ يسن أن يقرأ عليه رقية (... ).
الشيخ: نعم، لا سيما إذا كان المريض يتشوف لذلك فإنه يسن أن يقرأ عليه.
طالب: (... ).
الشيخ: تبع القراءة.
المؤلف يقول: تذكيره الوصية، ماذا يريد بالوصية؟ أن يذكره الوصية بأيش؟
طالب: (... ) عليه من حقوق.
الشيخ: إي، ما عليه من حقوق وما يريد أن يوصي به من تطوع، ولّا بس الوصية الواجبة؟
طالب: (... ) الوصية الواجبة.
الشيخ: هل يريد المؤلف أن يذكره الوصية الواجبة، وهي التي للحقوق التي ليس فيها بينة أو الوصية ولو مستحبة؟
طالب: الاثنين.
الشيخ: كلاهما يذكره، هذا وهذا.
طالب: الوصية الواجبة.
الشيخ: هو بيذكره بيقول: إن كان يا فلان لك وصية في الحقوق أو غيرها فأوص.
طالب: (... ).
الشيخ: هل يقول: أوص، أو يقول: قال ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ» (17)، أيهما أحسن؟
طالب: الثاني، حتى لا يفزع المريض ويظن على شفا الموت.
الشيخ: إي نعم، الأحسن هو هذا، أن الإنسان يحدث بأحاديث ثم يسوق الحديث، هذا لأنه لو يبادره فيقول: أوص يا فلان فإن الموت قاب قوسين أو أدنى لزاده مرضًا إلى مرضه، فلا ينبغي له أن يدخل عليه الفزع.
إذا نزل بالمريض يعني نزل الملك لقبض روحه فإن المؤلف ذكر أشياء تستحب، اذكر لنا واحدًا منها؟
طالب: (... ).
الشيخ: هذا واحد، بلّ حلقه بماء أو شراب، كيف يبل؟
طالب: (... ).
الشيخ: بأن ينقط فيه، نعم، أو يدخل مثلًا عودًا مبلولًا.
طالب: ما (... ).
الشيخ: يعني ليس هذا إي طيب هذه واحدة.
غسل الميت وتكفينه
الشيخ: سم الله.
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المصنف رحمه الله تعالى:
فصل
غسل الميت، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه فرض كفاية، وأولى الناس بغسله: وصيه، ثم أبوه، ثم جده، ثم الأقرب فالأقرب من عصباته، ثم ذوو أرحامه، وأنثى: وصيتها، ثم القربى فالقربى من نسائها، ولكل من الزوجين غسل صاحبه، وكذا سيد مع سريته، ولرجل وامرأة غسل من له دون سبع سنين فقط وإن مات رجل بين نسوة أو عكسه يُمِّمَتْ، كخنثى مشكل.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
يقول المؤلف رحمه الله: (غسل الميت، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه فرض كفاية) هذه أربع مسائل.
ودليل ذلك في الغسل والتكفين قول النبي صلّى الله عليه وسلّم في الذي وقصته ناقته يوم عرفة: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» (18)، اغسلوه، والأمر في الأصل للوجوب، ومن المعلوم أنه لا يريد من كل واحد من المسلمين أن يغسل هذا الميت، إنما يوجه الخطاب لعموم المسلمين، فإذا قام به بعضهم كفى.
ودليل آخر هو قول النبي عليه الصلاة والسلام للنساء اللاتي يغسلن ابنته قال: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ» (19)، قال: «اغْسِلْنَهَا»، والأصل في الأمر الوجوب.
وهذان دليلان أثريان.
أما الدليل النظري فلأن هذا من حقوق المسلم على أخيه، بل هو من أعظم الحقوق أن يقدم الإنسان أخاه إلى ربه على أكمل ما يكون من الطهارة.
وأما التكفين فهو أيضًا فرض كفاية، ودليله قوله صلّى الله عليه وسلّم: «كَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ» (18). كفنوه، فهنا أمر قال: «كَفِّنُوهُ»، والأصل في الأمر الوجوب، ومن المعلوم أنه واجب كفاية؛ لأنه لا يمكن أن يؤمر كل واحد من الناس أن يكفن الميت، وإنما المقصود أن يحصل الكفن.
وهذا هو الفرق بين فرض الكفاية وفرض العين، فرض العين مطلوب من كل واحد، وفرض الكفاية المطلوب فيه وجود الفعل، هذا هو الفرق بين فرض الكفاية وفرض العين، أن فرض العين مطلوب من كل واحد، وأن فرض الكفاية المطلوب فيه أيش؟ الفعل، إذا حصل فهذا هو المطلوب.
وقوله: (والصلاة عليه)، الصلاة عليه أيضًا فرض كفاية؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يصلي على الأموات باستمرار، وكان يقول: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» (14). وأمر أن يصلى على المرأة التي رجمت (20). وقال الله عز وجل: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: 84]، فلما نهى عن الصلاة على المنافقين دل على أن الصلاة على المؤمنين شريعة قائمة، وهو كذلك.
(ودفنه فرض كفاية)، دفن الميت أيضًا فرض كفاية؛ لأن الله تعالى امتن به على العباد، امتن بالدفن على العباد فقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (26)﴾ [المرسلات: 25، 26]، فكما أن علينا إيواء المضطر في البيوت، وستره فيها عند الضرورة، فكذلك علينا ستر الميت في قبره ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (26)﴾.
وكذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: 21]، فإن هذا سيق على سبيل المنة؛ لأن الله أكرمه بدفنه، ولم يجعله كسائر الجيف تلقى في المزابل وفي الأسواق وفي الأفنية، بل أكرمه يدفن ويستر.
إذن هذه الأربع كلها فرض كفاية، وسيأتي إن شاء الله بالتفصيل كيف التغسيل، وكيف التكفين، وكيف الصلاة، وكيف الدفن.
كل فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، فإن لم يوجد إلا هو صار في حقه فرض عين.
وقول المؤلف: (دفنه فرض كفاية)، ما يتوقف عليه الدفن فرض كفاية أيضًا، مثل حمله، وكذلك ما تتوقف الصلاة عليه فرض كفاية، فحمله من بيته إلى المصلى أيش؟
طلبة: فرض كفاية.
الشيخ: فرض كفاية، وحمله من المصلى إلى المقبرة فرض كفاية؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
فإذا قال قائل: إذا كانت هذه الأشياء تحتاج إلى مال، فمن أين يؤخذ المال، الغسل يحتاج إلى مال، والكفن يحتاج إلى مال، والدفن يحتاج إلى مال، والحمل قد يحتاج إلى مال، فعلى من يكون؟
يكون أولًا في تركة الميت، ثم على من تلزمه نفقته، فإن لم يمكن فعلى عموم المسلمين؛ لأنه فرض كفاية.
قال المؤلف: (وأولى الناس بغسله وصيه) يعني: لو تنازع الناس من يغسل هذا الميت، قلنا: أولى الناس بغسله وصيه، يعني الذي أوصى أن يغسله.
واستفدنا من قول المؤلف: (وصيه) أنه يجوز للميت أن يوصي بألا يغسله إلا فلان، والميت قد يوصي بذلك لسبب، مثل: أن يكون هذا الوصي تقيًّا يستر ما يراه من مكروه، أو أن يكون عالمًا بأحكام الغسل، أو أن يكون رفيقًا؛ لأن بعض الذين يغسلون الأموات يعاملونهم بشدة عند نزع ثيابه، تجده يعامله بعنف وكأنما يسلخ جلد شاة مذبوحة، نسأل الله العافية، فيوصي إلى شخص معين، فإذا كان الميت قد أوصى إلى شخص معين بأن يغسله فلان فهو أولى الناس بتغسيله، فإن لم يوصِ فسيذكره المؤلف.
ما هو الدليل على استفادة أولوية التغسيل بالوصية؟ لأن أبا بكر رضي الله عنه أوصى أن تغسله امرأته (21)، وأوصى أنس بن مالك أن يغسله محمد بن سيرين (22).
ثانيا قال: (ثم أبوه، ثم جده، ثم الأقرب فالأقرب من عصباته)، هنا قدموا ولاية الأصول على ولاية الفروع، وفي باب الميراث تقدم الفروع على الأصول، وفي ولاية النكاح الأصول على الفروع؛ فهنا لو كان للشخص الميت أبٌ وابنٌ ولم يوص من يغسله منهما، فالأولى الأب:
أولًا: لأن الأب أشد شفقة وحنوًّا على ابنه من الابن على أبيه.
ثانيًا: لأن الأب في الغالب يكون أعلم بهذه الأمور من الابن لصغره، في الغالب مع أنه قد يكون العكس، قد يكون ابن الميت طالب علم وأبوه جاهلًا.
يقول: (ثم جده)، أي الجدين؛ من قبل الأب أو من قبل الأم؟ من قبل الأب، الجد من قبل الأب.
(ثم الأقرب فالأقرب من عصباته)، من الأقرب بعد الأب والجد؟ الأبناء، وإن نزلوا، ثم الإخوة وإن نزلوا، ثم الأعمام وإن نزلوا، ثم الولاء على هذا الترتيب، ومن المعلوم أن مثل هذا الترتيب إنما نحتاج إليه عند المشاحة، فأما عند عدم المشاحة كما هو الواقع في عصرنا اليوم، فإنه يتولى غسله من يتولى غسل عامة الناس، وهذا هو المعمول به الآن، تجد الميت يموت وفيه أناس مستعدون للتغسيل، يذهب إليه فيغسلونه.
يقول: (ثم الأقرب فالأقرب من عصباته) والأولى (ثم ذوو أرحامه) ذوو الأرحام أي: أصحاب الرحم: كل قريب ليس بذي فرض ولا عصبة، فأبو الأم مثلًا من ذوي الأرحام، وأم الأب من ذوي الأرحام؟
طلبة: (... ).
الشيخ: ليست من ذوي الأرحام، ولكن هل تغسل الرجل؟
طالب: لا.
الشيخ: إذن لا ترد علينا، وإن كانت من ذوي الفروض لكنها لا تغسل الرجل.
(ثم ذوو أرحامه) (وبأنثى) يعني والأولى بغسل الأنثى وصيتها، كما قلنا فيما سبق بالنسبة للرجل.
(ثم القربى فالقربى من نسائها)، ولم يقل: ثم الأقرب فالأقرب من العصبات؛ لأن النساء ليس فيهن عصبة إلا بالغير أو مع الغير، ولهذا قال: (القربى فالقربى من نسائها) وعلى هذا فنقول: الأولى بتغسيل المرأة إذا ماتت من؟ وصيتها، ثم أمها وإن علت، ثم ابنتها وإن نزلت، ثم أختها من أب أو أم، أو الشقيقة، ثم عماتها، وخالاتها، إلى آخره، القربى فالقربى من نسائها.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (ولكل واحد من الزوجين غسل صاحبه) أي: تغسيله، فالزوج له أن يغسل زوجته إذا ماتت، والزوجة لها أن تغسل زوجها إذا مات.
ودليل هذا ما سبق من حديث أبي بكر رضي الله عنه: أنه أوصى أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس (21).
وكذلك بالعكس؛ لأنه يروى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال لعائشة: «لَوْ مُتِّ قَبْلِي لَغَسَّلْتُكِ» (23).
وعلى هذا فنقول: الزوج يجوز أن يغسل امرأته، والزوجة يجوز أن تغسل زوجها.
(وكذا سيد مع سُرِّيَته) والمراد: مع أمته، ولو لم تكن سُرِّية، فلو قدر أنها مملوكة، لكن لم يتسرها، يعني: لم يجامعها، ثم مات، فلها أن تغسله، وله أن يغسلها.
ثم قال: (ولرجل وامرأة غسل من دون سبع سنين فقط) من ذكر أو أنثى.
ودليل هذا: أن إبراهيم ابن النبي صلّى الله عليه وسلّم غسلته النساء (24)؛ لأنه مات في الرضاعة، أي قبل أن يفطم، ولأن عورة من دون السبع لا حكم لها، فإذا ماتت طفلة لها أقل من سبع سنوات فلأبيها أن يغسلها، وإذا مات طفل له أقل من سبع سنوات فلأمه أن تغسله، فإن ماتت طفلة لها سبع سنوات فأكثر فهل لأبيها أن يغسلها؟ لا؛ لأنه لا يغسل الرجل المرأة، ولا المرأة الرجل، إلا في الزوجين، والمالك وأمته، ولهذا قال: (ولرجل وامرأة غسل من دون سبع سنين فقط).
(وإن مات رجل بين نسوة أو عكسه) يعني أو حصل عكسه بأن ماتت امرأة بين رجال فإنه يقول: يمم، كذا عندكم؟
طلبة: (يممت).
الشيخ: (يممت؛ كخنثى مشكل).
إن مات رجل بين نسوة، كم عمر الرجل؟ سبع سنين فأكثر، إذا مات بين نسوة فإنهن لا يغسلنه إلا أن يكون معهن زوجة له أو أمة، فإن كان معهن زوجة أو أمة فإنها تغسله كما سبق، أما إذا لم يكن معهن زوجة ولا أمة فإنه لا يغسل.
لو كان معه بنت؟
طلبة: (... ).
الشيخ: لا تغسِّل، أُمُّ؟ لا تغسِّله أيضًا.
وكذلك لو ماتت امرأة بين رجال، فإنها لا تغسل إلا أن يكون أحد الرجال زوجًا أو سيدًا.
وقوله: (يُمِّمت كخنثى مشكل) أفادنا المؤلف بقوله: (يممت) أنه متى تعذر غسل الميت فإنه ييمم، وتعذره يكون له صور، منها هاتان الصورتان: أن تموت امرأة بين رجال أو رجل بين نساء، ليس فيهن من يصح أن يغسله.
ثانيًا: لو عدم الماء، مات ميت في البر، وليس عندنا ماء فإنه ييمم.
ثالثًا: لو تعذر تغسيله لكونه محترقًا فإنه ييمم، هكذا قال المؤلف رحمه الله، بناء على أن طهارة التيمم تقوم مقام طهارة الماء.
وقال بعض العلماء: إن من تعذر غسله لا ييمم؛ وذلك لأن المقصود بالتيمم التعبد لله تعالى بتعفير الوجه واليدين بالتراب، وهذا لا يحتاجه الميت؛ إذ إن المقصود من تغسيل الميت التنظيف؛ بدليل قوله صلّى الله عليه وسلّم في الرجل الذي وقصته ناقته: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» (25)، وقوله صلّى الله عليه وسلّم للنساء اللاتي يغسلن ابنته: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا، أَوْ سَبْعًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ» (26)، وذلك بحسب ما يكون من نظافة جسد الميت أو عدم نظافته، فإذا كان نظيفًا فإنه لا يكرر إلا ثلاثًا، وإن كان غير نظيف فإنه يكرر بحسب ما يحتاج إليه.
لكن المؤلف رحمه الله يقول: إنه ييمم، كيف نيممه؟ يأتي رجل أو امرأة ويضرب التراب بيديه ثم يمسح بهما وجه الميت وكفيه، هذه صفة التيمم.
ثم قال المؤلف: (ويحرم أن يغسل مسلم كافرًا، أو يدفنه، بل يواريه لعدم من يواريه)، قال (يحرم أن يغسل مسلم كافرًا) ووجه التحريم: أن الله تعالى قال لنبيه صلّى الله عليه وسلّم: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: 84] فإذا نهي عن الصلاة على الكافر، وهي أعظم ما يفعل بالميت وأنفع ما يكون للميت، فما دونها من باب أولى، ولأن الكافر نجس، وتطهيره لا يرفع نجاسته؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: 28]، ولمفهوم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ» (27)، فيحرم أن يغسله.
وكذلك يحرم أن يكفنه، والعلة ما سبق أنه إذا نهي عن الصلاة، وهي أعظم وأنفع ما يفعل في الميت فما دونها من باب أولى.
قال في الشرح: (أو يتبع جَنَازته) أو يتبع جَنَازته أو جِنازته، يجوز الوجهان حسب ما سبق، يعني: لا يجوز للمسلم أن يتبع جنازة الكافر؛ لأن تشييع الجنازة من إكرام الميت، والكافر ليس أهلًا للإكرام، بل يهان الكافر، قال الله تبارك وتعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: 29]، فدل هذا على أن غيظ الكفار مراد لله عز وجل، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: 120]، وتشييع الكافر إكرام له، وإكرام لذويه؛ ولهذا يحرم أن يتبع جنازته.
(أو يدفنه) نعم يحرم أن يدفنه لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾، والمراد: يحرم أن يدفنه كدفن المسلم، ولهذا قال: (بل يوارى لعدم من يواريه)، ومعنى يوارَى: يغطَّى بالتراب، سواء حفرنا له حفرة ورمسناه بها رمسًا، أو ألقيناه على ظهر الأرض وردمنا عليه ترابًا، لكن الأول أحسن، أي أننا نحفر له حفرة ونرمسه فيها؛ لأننا لو وضعناه على ظهر الأرض وردمناه بالتراب فلربما تحمله الرياح، تحمل هذا التراب، ثم تتبين جثته.
وقوله: (بل يوارى لعدم) يشمل ما إذا وُوري بالتراب، أو إذا وُوري بقعر بئر، أو نحوها؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر بقتلى بدر من المشركين أن يلقوا في بئر من آبار بدر (28) كما هو مشهور في السيرة.
قال: بل يواريه لعدم، ما معنى (لعدم)؟ أي: لعدم من يواريه، فإن وجد من يقوم بهذا من أقاربه فإنه لا يحل للمسلم أن يساعدهم في هذا، بل يكل الأمر إليهم.
ثم قال: (وإذا أخذ في غسله ستر عورته)، من هنا ابتدأ المؤلف في كيفية تغسيل الميت.
فقال: (وإذا أخذ في غسله) لا يرضى النحويون بهذا التعبير من الفقهاء؛ أي بقولهم (وإذا أخذ في غسله) لأن (أخذ) هنا من أفعال الشروع، وأفعال الشروع لا بد أن يكون خبرها جملة فعلها مضارع، وعلى هذا تكون العبارة على قاعدة النحويين: وإذا أخذ يغسله، ولكن العبارة من الفقهاء ليس فيها خلل؛ لأن كل واحد يعرف أن معنى قوله: (وإذا أخذ في غسله) أي: إذا شرع في غسله.
وقوله: (في غسله) أي: في تغسيله.
(ستر عورته) وجوبًا، وهي بالنسبة للرجل ما بين السرة والركبة، وكذلك بالنسبة للمرأة مع المرأة ما بين السرة والركبة، وعلى هذا فيجرد الميت من كل شيء إلا مما بين السرة والركبة، إن كان رجلًا فهو بالنسبة للرجال، وإن كانت امرأة فبالنسبة للنساء.
فقول المؤلف هنا: (عورته) يريد بها ما بين السرة والركبة.
قال: (وجرَّده) ومعنى جرَّده أي من ثيابه، فيستر عورته أولًا، يعني يلف عليها لفافة أولًا، ثم يجرده من ثيابه.
ودليل ذلك أثر ونظر؛ أما الأثر فقول الصحابة حين أرادوا تغسيل النبي صلّى الله عليه وسلّم: هل نجرد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نجرد موتانا (8).
وأما النظر فلأن تجريده أبلغ في تطهيره، والمقام يقتضي التطهير، وكلما كان أكمل فيه فهو أفضل.
(وستره عن العيون) يعني: ينبغي أن يستره عن العيون، وهذا غير ستر العورة؛ لأن ستر العورة واجب، وهذا مستحب، يعني: ينبغي أن يغسله في مكان لا يراه الناس، إما في حجرة، وإما في خيمة إن كان في البر وما أشبه ذلك؛ وذلك لأن ستر الميت عن العيون أولى من كشفه، فإن الميت قد يكون على حال مكروهة فيكون ظهوره للناس نوعًا من الشماتة به، وأيضًا ربما يكون مفزعًا لمن يشاهده مروعًا له، لا سيما عند بعض الناس؛ فإن بعض الناس يرتاع جدًّا إذا شاهد الميت، فستره عن العيون أولى وأحفظ، ولهذا قال: (وستره عن العيون).
قوله: (ويكره لغير معين في غسله حضوره)، (حضوره) هذه نائب الفاعل، يعني: يكره أن يحضره شخص إلا من احتيج إليه لمعونته؛ وذلك لأنه ربما يكون في الميت شيء لا يحب أن يطلع عليه الناس، ولنفرض أن في الميت جروحًا لا يحب أن يطلع عليه الناس، أو نفرض أن فيه عيبًا من برص أو نحوه لا يحب أن يطلع عليه الناس فنقول لغير المعين في غسله: لا تحضر، ما دمت لا يحتاج إليك فلا تحضر.
وظاهر كلام المؤلف حتى وإن كان من أقاربه، مثل أن يكون أباه أو ابنه، أو ما أشبه ذلك، فإنه لا يحضر؛ لأنه لا حاجة إليه.
الآن ما الذي عملنا إذا أخذنا في الغسل، ماذا نعمل أول ما نعمل؟
طالب: نستر عورته.
الشيخ: أن نستر عورته، ثم بعد ذلك نجرده من ثيابه، ثم نستره عن العيون.
رابعا: ألا يحضر أحد تغسيله إلا من احتيج إليه.
وقد سبق في الباب الذي قبل أنه من حين أن يموت يوضع على سرير تغسيله، فلا يقال: هل نغسله على الأرض أو نغسله على السرير؟ نقول: لأن هذا مفهوم مما سبق.
ثم قال رحمه الله: (ثم يرفع رأسه إلى قرب جلوسه، ويعصر بطنه برفق، ويكثر صب الماء حينئذٍ) يعني: بعد أن نجرده ونحن قد سترنا عورته (... ) إلى قرب الجلوس يعني: رفعًا بيّنًا، ويعصر بطنه برفق؛ لأجل أن يخرج منه ما كان متهيئًا للخروج؛ لأن الميت يسترخي، تسترخي كل أعصابه، فإذا رفع رأسه إلى هذا النحو وعصر بطنه لكن برفق فإنه ربما يكون في بطنه شيء من القذر مُتهيئًا للخروج وبعصره يخرج، وربما لو تركنا هذا مع رجّ الميت عند حمله وتقليبه في غسله وتكفينه ربما يخرج هذا الشيء المتهيئ للخروج، فلهذا قال الفقهاء رحمهم الله: إنه ينبغي أن يرفع رأسه إلى قرب جلوسه ثم يعصر بطنه لكن وليكن برفق، كما قال المؤلف.
(ويكثر صب الماء حينئذ) متى؟ (حينئذ) أي حينئذ يعصر البطن؛ لأجل يندرج أو يدرج ما يخرج من بطنه حينئذ.
(ثم يلف على يده خرقة فينجيه بها)، يعني أنه إذا فعل ما ذكر رفع رأسه وعصر بطنه، وخرج ما كان مستعدًّا للخروج، يلف على يده خرقة، من الذي يلف؟ الغاسل، وإذا كان هناك قفازان كما هو الآن متوفر ولله الحمد فإنه يلبس القفازين.
ثم ينجّيه، أي: ينجّي الميت، يعني يغسل فرجه مما خرج منه، ومما كان قد خرج قبل وفاته، ولكنه لم يستنج منه، فينجيه بها.
(ولا يحل مس عورة من له سبع سنين) يعني أنه يجب أن يضع هذه الخرقة إذا كان الميت له سبع سنين فأكثر، فأما إذا كان دون ذلك فله أن ينجيه بيده مباشرة؛ لأن ما دون سبع السنين على كلام الفقهاء ليس لعورته حكم، بل عورته مثل يده، ولهذا يجوز النظر إليها، ولا يحرم مسها، فإذا كان دون السبع فلا حرج أن ينجيه بيده مباشرة، أما إذا كان تم له السبع فإنه لا ينجيه إلا بخرقة.
قال: (ويستحب ألا يمس سائره إلا بخرقة) هذا غير الخرقة الأولى، الخرقة الأولى واجبة أو لا؟ واجبة لئلا يمس عورته، واجبة إذا كان له سبع سنين فأكثر لئلا يمس عورته، هذه الخرقة خرقة ثانية جديدة غير الأولى يضعها على يده؛ لأجل أن يكون ذلك أنقى للميت؛ لأنه إذا دلكه بالخرقة فهو أنقى له مما لو دلكه بيده، فيستحب ألا يمس سائره إلا بخرقة، مع أن الميت الآن بالنسبة للانكشاف كل بدنه مكشوف إلا العورة.
(يستحب ألا يمس سائره إلا بخرقة، ثم يوضئه) وجوبًا أو ندبًا؟ ندبًا.
ثم يُوَضِّئهِ نَدْبًا ولا يُدْخِلُ الماءَ في فِيهِ ولا في أَنْفِه، ويُدْخِلُ إِصْبَعَيْهِ مَبْلُولَتَيْنِ بالماءِ بينَ شَفَتَيْه فيَمْسَحُ أسنانَه وفي مَنْخِرَيهِ فيُنَظِّفُهما ولا يُدْخِلُهما الماءَ ثم يَنْوِي غُسْلَه ويُسَمِّي ويَغْسِلُ برَغْوَةِ السِّدْرِ رأسَه ولِحْيَتَه فقط ثم يَغْسِلُ شِقَّه الأيمنَ ثم الأَيْسَرَ ثم كلَّه ثلاثًا يُمِرُّ في كلِّ مَرَّةٍ يَدَه على بَطْنِه فإن لم يَنْقَ بثلاثٍ زِيدَ حتى يَنْقَى، ولو جَاوَزَ السبْعَ ويَجْعَلُ في الغَسلةِ الأخيرةِ كافورًا، والماءَ الحارَّ والأشنانَ، والخِلالُ يُسْتَعْمَلُ إذا احْتِيجَ إليه، ويَقُصُّ شاربَه ويُقَلِّمُ أظافِرَه ولا يُسَرَّحُ شَعَرُه ثم يُنَشَّفُ بثوبٍ.
ويُضَفَّرُ شَعَرُها ثلاثةَ قرونٍ ويُسْدَلُ وَراءَها.
وإن خَرَجَ منه شيءٌ بعدَ سبعٍ حُشِيَ بقُطْنٍ فإن لم يَسْتَمْسِكْ فبِطِينٍ حُرٍّ، ثم يَغْسِلُ المحلَّ ويُوَضَّأُ، وإن خَرَجَ بعدَ تَكفينِه لم يُعِد الغُسْلَ، ومُحْرِمٌ مَيِّتٌ كَحَيٍّ يُغَسَّلُ بماءٍ وسِدْرٍ ولا يُقَرَّبُ طِيبًا ولا يُلْبَسُ ذَكَرٌ مَخيطًا ولا يُغَطَّى رأسُه ولا وَجْهُ أُنْثَى، ولا يُغَسَّلُ شَهيدٌ ومَقتولٌ ظُلْمًا إلا أن يكونَ جُنُبًا ويُدْفَنُ في ثِيابِه بعدَ نَزْعِ السلاحِ والْجُلودِ عنه، وإن سُلِبَها كُفِّنَ بغَيْرِها ولا يُصَلَّى عليه، وإن سَقَطَ عن دَابَّتِه أو وُجِدَ مَيِّتًا ولا أَثَرَ به
أنقى له مما لو دلكه بيده، فيستحب ألا يمس سائره إلا بخرقة، مع أن الميت الآن بالنسبة للانكشاف كل بدنه مكشوف إلا العورة.
(يستحب ألا يمس سائره إلا بخرقة ثم يوضئه) وجوبًا أو ندبًا؟ ندبًا، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم للنساء اللاتي يغسلن ابنته: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا» (1).
وليس على سبيل الوجوب، بدليل أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يغسل الرجل الذي وقصته ناقته في عرفة فمات، فقال: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» (2)، ولم يقل: وضئوه، فدل على أن الوضوء ليس على سبيل الوجوب، بل هو على سبيل الاستحباب.
(ولا يدخل الماء في فيه ولا في أنفه) لا يدخل الماء في فيه بدلًا عن المضمضة، ولا في أنفه بدلًا عن الاستنشاق، لا يفعل هذا؛ لأن الحي إذا أدخل الماء في فمه تمضمض به ومجّه وخرج، والميت لو أننا صببنا الماء في فمه لانحدر إلى بطنه وربما يحرك ساكنًا، وكذلك نقول في مسألة الاستنشاق: الميت لا يستنشق الماء، ولا يستطيع أن يستنثره، وحينئذٍ نقول: لا تدخل الماء في فمه ولا أنفه.
ولكن ماذا يصنع؟ يقول: (ويدخل إصبعيه مبلولتين بالماء بين شفتيه فيمسح أسنانه، وفي منخريه فينظّفهما) وهذا يقوم مقام المضمضة والاستنشاق.
وقوله: (يدخل إصبعيه) يعني ملفوفًا عليهما خرقة، وهي الخرقة التي كان يمس بشرته بها فيدخل إصبعيه في فمه ويمسح أسنانه، ويكون ذلك برفق، وكذلك يدخلها في منخريه فينظّفهما ويكون هذا أيضًا برفق.
(ولا يدخلهما الماء) لماذا؟ لأنه لو أدخل فمه الماء نزل إلى بطنه، ولو أدخله في منخريه كذلك نزل إلى بطنه فيحرك ما كان ساكنًا.
ويغني عن ذلك ما ذكره المؤلف أن يجعل خرقة مبلولة ينظّف بها أنفه وأسنانه وبقية فمه.
طالب: أحسن الله إليك، استدلالهم بالآية: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: 28] هذه نجاسة معنوية وليست نجاسة حسية، وإنما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ربط في المسجد أحد المشركين (3) دل ذلك أن هذه ليس نجاسة الكافر؛ لأن النجاسة المعنوية ليست (... ) فكيف يستدل بهذه الآية؟
الشيخ: يقول: إن الاستدلال بأن الكافر لا يغسل بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ﴾ فيه نظر؛ لأن النجاسة المذكورة في الآية نجاسة معنوية؟
فنقول: من لم يطهر باطنه من النجاسة المعنوية لا يصح أن يطهر ظاهره من النجاسة الحسية؛ ولهذا قال العلماء: من شرط صحة الغسل الإسلام.
طالب: شيخ أحسن الله إليك (... ).
الشيخ: لا، ما (... ) ليست نجسة لكنهم ليسوا أهلًا للتطهير.
طالب: شيخ (... ) وضعت الولد (... ) هل تغسله؟ الشيخ: إي، هذا سؤال جيد، يقول: لو أن الرجل توفي عن امرأة حامل، عن زوجته حاملًا، ثم وضعت الحمل قبل أن يغسل، فهل تغسله؟ الجواب: لا، لا تغسل، لماذا؟ لأنها بانت منه، انقضت عدتها قبل أن يدفن زوجها، فصارت أجنبية (... ).
ضد الحمى أو غير الحمى ليس ينافي التوكل، بل هو من التوكل؛ لأن فعل الأسباب الواقية من الشر هذا من الأمور التي جاءت بها الشريعة، ولو حل هذا لكان أقرب إلى المنع مما لو لم يحل؛ لأنه إذا حل يشبه الفرار من الطاعون بعد وقوعه في المكان، لكن الذي نرى أنه لا بأس به؛ لا قبل حلول الوباء ولا بعده (... ).
يمر بنا دائمًا كلمة فرض كفاية، فما معناها؟
طالب: فرض كفاية أي إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين.
الشيخ: نعم، ما الفرق بين فرض الكفاية وبين فرض العين؟
الطالب: فرض العين هو أن يكون المطلوب من كل شخص بعينه وفرض الكفاية هو أن يكون المطلوب من (... ) إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين.
الشيخ: نعم، وفرض الكفاية يقصد به وجود الفعل بقطع النظر عن الفاعل، تمام طيب.
يقول المؤلف: إن غسل الميت فرض كفاية، فما هو الدليل؟
طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي وقصته راحلته: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» (2).
الشيخ: قول النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي وقصته راحلته: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ».
ودليل آخر؟
الطالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم للنساء اللاتي يغسلن ابنته فاطمة..
الشيخ: فاطمة! فاطمة ماتت بعده، ابنته بس يمكن زينب.
الطالب: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا» (1).
الشيخ: «أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ».
ما هو الدليل على أن التكفين فرض كفاية؟
طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ» (2).
الشيخ: قول الرسول: «كَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ».
الدليل على أن الصلاة فرض كفاية؟
طالب: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلي على (... ) وقد قال لأصحابه يومًا: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» (4).
الشيخ: نعم، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة على الميت «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» وما أشبه ذلك.
هل حمل الميت فرض؟
طالب: نعم، فرض كفاية.
الشيخ: كيف؟
الطالب: لأنه تابع لتغسيله، ودفنه فرض أيضًا، لا يكون دفنه إلا بعد حمله.
الشيخ: لا يتم دفنه إلا بحمله، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
تمام.
متى يجوز تغسيل الميت من الرجال والنساء؟
طالب: تغسيل الميت من الرجال والنساء (... ).
الشيخ: لا، متى يجوز تغسيله من الرجال والنساء؟
الطالب: الميت من الرجال يغسله وصيه.
الشيخ: لا إله إلا الله!
طالب: شيخ، إذا كان أقل من سبع.
الشيخ: إذا كان دون سبع سنين، فإنه يغسله الرجال والنساء؛ لأنه لا حكم لعورته.
ومن هو الرجل البالغ الذي يمكن أن يغسل امرأة بالغة؟
طالب: الرجل البالغ (... ) فقط هو الذي لا يجوز..
الشيخ: إي، لكن من هو الرجل الذي يتجاوز سبع سنين، يجوز أن يغسله امرأة أو بالعكس.
طالب: إذا كان زوجًا.
الشيخ: إذا كان زوجًا أو؟
طالب: أو زوجة.
الشيخ: أو سيدًا، الزوج مع زوجته، والسيد مع أمته، تمام.
هل هناك دليل على أن الرجل يغسل المرأة أو بالعكس، الزوج يعني يغسل زوجته أو بالعكس؟
طالب: أبو بكر الصديق أوصى أن تغسله أسماء (5).
الشيخ: صحيح، والعكس.
الطالب: والعكس..
طالب آخر: (... ).
الشيخ: إي، بس نريد دليلًا.
الطالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة.
الشيخ: «لَوْ مِتِّ قَبْلِي فَغَسَّلْتُكِ» (6) تمام.
من هو الميت الذي لا يغسل، يعني لا يمكن لأحد أن يغسله؟
طالب: الكافر لا يغسل المسلم.
الشيخ: لا، قصدي أنه غير قابل للتغسيل، ما هو معناه أنه..
الطالب: إذا كان محروقًا أو غريقًا أو..
الشيخ: لا.
طالب: إذا مات رجلًا بين النسوة.
الشيخ: إذا مات رجل بين النسوة فإنه؟
الطالب: لا يغسل.
الشيخ: يمم، ولا يغسل.
والخنثى المشكل ألا تغسله المرأة؟
الطالب: لا.
الشيخ: لا، لماذا؟
الطالب: لأنه مشكل.
الشيخ: لأنه يحتمل أن يكون رجلًا لا تغسله المرأة لاحتمال أن يكون رجلًا، ولا يغسله الرجل لاحتمال أن يكون.. طيب لو كان زوجًا؟
طالب: لو كان زوجًا ما صار مشكلة.
طالب آخر: (... ).
الشيخ: نقول: لا يمكن أن يكون زوجًا ما دام مشكلًا؛ لأنه لا يمكن أن يتزوج إلا إذا اتضح أنه ذكر أو أنثى، إن اتضح أنه ذكر زوجناه أنثى، وإن اتضح أنه أنثى زوجناه ذكرًا.
طالب: ما فيه تغليب ظني؟
الشيخ: لا ما فيه، فيه علامات إذا وجدت تبين.
حكم تغسيل الكافر؟
طالب: حرام يا شيخ.
الشيخ: حرام الدليل؟
الطالب: قول المؤلف..
الشيخ: لا، قول المؤلف ما هو بدليل، قول المؤلف يحتج له ولا يحتج به.
الطالب: المؤلف يعلل أنه لا يجوز.
الشيخ: لا، حكم ما هو تعليل، حتى المؤلف ما علل، حكم.
طالب: قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: 84].
الشيخ: نعم، والتكفين مقدمة للصلاة، إي نعم.
ماذا يصنع الغاسل أول ما يصنع في التغسيل؟
طالب: يستر عورة الميت.
الشيخ: نعم، يستر عورة الميت.
الطالب: ثم ينزع ثيابه.
الشيخ: يجرده من الثياب.
طالب: ثم يرفعه حتى يجعله كهيئة الجالس.
الشيخ: يرفع رأسه طيب، ورفع رأسه حتى.
الطالب: ويعصر على بطنه ثم يصب الماء صبًّا كثيرًا حتى يخرج إذا كان أذى.
الشيخ: طيب إذن ما هي العلة أنه يرفع رأسه إلى قرب جلوسه ويعصر بطنه برفق.
الطالب: يعني حتى يخرج ما كان يتهيأ للخروج.
الشيخ: إي نعم أحسنت.
في حال غسل فرجه هل يباشر غسل فرجه أو لا؟
طالب: لا.
الشيخ: ماذا يصنع؟
الطالب: يضع خرقة.
الشيخ: يضع على يديه خرقة فينجيه.
العورة تكون مكشوفة ولا مستورة في هذه الحال؟
الطالب: مستورة.
الشيخ: مستورة، العورة لا تزال مستورة؛ لأنه لا حاجة إلى كشفها؛ إذ بإمكانه أن يدخل تحت السترة وينجيه.
بعد هذا؟
طالب: ثم يوضئه.
الشيخ: يوضئه، كيف يوضئه في الاستنشاق والمضمضة؟
الطالب: (... ).
الشيخ: يبل خرقة ويمسح بها أسنانه وينظف منخريه، وهذا عوض عن المضمضة والاستنشاق.
هل توضئته واجبة؟
طالب: توضئته ليست بواجب.
الشيخ: ليست بواجبة! أليس قد قال النبي صلى الله عليه وسلم للنساء اللاتي يغسلن ابنته: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا» (1).
الطالب: نعم قال ذلك، ما يحمل على الوجوب.
الشيخ: ما هو الذي يصرفه عن الوجوب؟
الطالب: النصوص العامة يعني في الأمر بالغسل.
الشيخ: مثل؟
الطالب: «اغْسِلُوهُ».
الشيخ: قول الرسول لـ..
الطالب: (... ).
الشيخ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» (2) ولم يذكر الوضوء، ثم إن البداءة باليمين «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا» (1) ليست واجبة بالاتفاق، فكذلك مواضع الوضوء.
يقول المؤلف رحمه الله: (ثم ينوي غسله)، (ثم) للترتيب، والنية بمعنى القصد.
وظاهر كلام المؤلف أن النية تكون بعد عمل ما سبق من الاستنجاء والتوضئة، ولكن هذا فيه نظر، بل النية تتقدم الفعل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (7)، ولعل هذه نية أخرى ينوي بها عموم الغسل؛ لأن ما سبق لا بد أن يكون بنية.
(ويسمي) يقول: باسم الله، وهذا أيضًا فيه نظر؛ لأن التسمية تكون بعد الاستنجاء قبل أن يوضئه، كما هو الحال في طهارة الحي.
(ويغسل برغوة السدر رأسه ولحيته فقط) أفادنا المؤلف -رحمه الله- أنه لا بد أن يعد الغاسل سدرًا يدقه ويضعه في إناء فيه ماء، ثم يضربه بيديه حتى يكون له رغوة، هذه الرغوة يغسل بها رأسه ولحيته، وأما الثفل الباقي فإنه يغسل به سائر الجسد.
وإنما خُصّ الرأس واللحية بالرغوة؛ لأننا لو غسلناهما بالثفل لبقي الثفل متفرقًا في الشعور وصعب إخراجه منها، أما الرغوة فليس فيها ثفل.
وقوله: ويغسل رأسه ولحيته، إذا قال قائل: ما هو الدليل على استحباب السدر في تغسيل الميت؟
فالجواب أن الدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» (2) مع أنه محرِم.
(ثم يغسل شقه الأيمن، ثم الأيسر) لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا» (1)، فيغسل الشق الأيمن، ثم الأيسر.
(ثم كلّه) يعني: بقية بدنه، (ثلاثًا) لقول النبي صلى الله عليه وسلم للنساء اللاتي يغسلن ابنته: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا».
(يُمر في كل مرة يده على بطنه) من أجل أن يخرج ما كان متهيئًا للخروج، وعلى هذا فإنه يعصر بطنه كم مرة؟ أربع مرات، المرة الأولى التي قبل الاستنجاء عندما يرفع رأسه إلى قرب الجلوس، وثلاث مرات عند غسله.
(فإن لم ينق بثلاث زيد حتى ينقى)، (إن لم ينق) الفاعل: الميت (بثلاث) فإنه يزيد حتى ينقى؛ لأن المقصود بذلك تطهيره، وعدم النقاء يكون في الغالب إذا كان الرجل صاحب حرفة بالطين والجبس، وما أشبه ذلك، أو كان مريضًا مرضًا طويلًا فإن الأوساخ تتراكم عليه، فإذا غسلوه ثلاث مرات ولم ينق فإنه يزاد حتى ينقى.
ودليل ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم للنساء اللاتي يغسلن ابنته: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ سَبْعًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ»، وهذا يرجع إلى رأي الغاسل، ولكن ليس مجرد رأي، إنما هو الرأي الذي تقتضيه المصلحة.
قال المؤلف: (حتى ينقى، ولو جاوز السبع) لو جاوز أي: زاد عليها، أنا عندي: (ولو جاز السبع)، يمكن عندكم نسخة مثلي.
(ولو جاوز السبع) أي: ولو تعداها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَوْ سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ»، ولأن المقصود من تغسيل الميت التطهير، وقد لا ينقى بسبع مرات، فيزاد حتى ينقى.
قال: (ويجعل في الغسلة الأخيرة كافورًا)؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «اجْعَلْنَ فِي الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ» (8)، والكافور: طِيب معروف أبيض يشبه الشب، فيدق ويجعل في الإناء الذي يغسل به آخر غسلة.
قال العلماء: وإنما اختير الكافور من بين سائر الأطياب؛ لأنه بارد ولأن من خصائصه أنه يطرد الهوام عن الميت؛ لأن الميت في القبر تأتيه الهوام، فهذا الكافور له رائحة تطرد الهوام عنه، ففيه فائدتان: التبريد، والثاني: طرد الهوام، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «اجْعَلْنَ فِي الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ كَافُورًا».
ثم قال: (والماء الحار والأشنان والخلال يستعمل إذا احتيج إليه) إذن الأفضل أن نغسل الميت بماء بارد، لكن إذا احتجنا إلى الحار، مثل أن تكون عليه أوساخ كثيرة متراكمة فإننا نستعمله، ولكنه ليس الحار الشديد الحرارة الذي يؤثر على الجلد برخاوة بالغة، ولكنه حار يكون أنقى من البارد.
وبماذا يسخن الماء؟ يسخن بأي وقود، سواء بالكهرباء، أو بالغاز، أو بالحطب، أو بغير ذلك.
وإنما سألت هذا السؤال لأنه عند عوامنا يقولون: إنه لا يسخن الماء الذي يغسل به الميت إلا بسعف النخل فقط، وغير ذلك لا يسخن به، لكن هذا لا أصل له، يسخن بما تحصل به السخونة، بأي وقود كان.
وقوله: (والأشنان) الأشنان معروف.
طالب: غير معروف.
الشيخ: غير معروف، لعل الله يسهل نشوف إن كان هناك بقية من الأولين نأتي بها يومًا من الأيام لنريكم إياها، إلا إن كان أحد عنده جزاه الله خيرًا يكفينا الطلب.
طالب: أجيبه من على الطريق، أجيب يا شيخ.
الشيخ: إي جيب إن شاء الله.
الطالب: رطب ولا يابس.
الشيخ: لا، يابس مسحوق.
الأشنان معروف شجر ينبت في البر، يؤخذ وييبس ثم يدق، ويكون من جنس الرمل حبيبات، تغسل به الثياب، ويغتسل به الإنسان أيضًا في جلده، وينظِّف.
هل يجري فيه الربا أو لا يجري؟
فيه قول، الذي يجعل علة الربا هي الكيل يقول: إن الربا يجري في الأشنان، وسيأتي به إن شاء الله صاحبكم.
الأشنان يستعمل عند الحاجة، الحاجة لأي شيء؟ للتنظيف؛ لأنه قد يكون على الجلد أوساخ أو دهون لا يزيلها الماء وحده، فيزيلها الأشنان، فإن لم يحتج إليه فلا يستعمله.
وهل مثل ذلك الصابون؟
نعم، الصابون مثل الأشنان، بل هو أقوى منه تنظيفًا، فإذا استعمل الصابون من أجل إزالة الوسخ فلا حرج فيه.
وهل يستعمل مع الصابون ليفة؟
الجواب: لا؛ لأن الليفة تشطب الجلد، ربما يأتي هذا الذي يغسله من شدة الحرص على التنظيف يكرفه بشدة فيتأثر الجلد، يكفي أن يمسح باليد.
(الخلال يستعمل إذا احتيج إليه) الخلال: خلال الأسنان، إذا احتيج إليه بأن كان في أسنانه طعام فإنه يستعمل؛ لأن في ذلك تنظيفًا لأسنانه.
ثم قال: (ويقص شاربه، ويقلّم أظفاره، ولا يسرح شعره) إلى آخره.
خصال الفطرة كم؟ خمسة: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط.
هل تستعمل هذه الخصال مع الميت؟
الجواب: في ذلك تفصيل: أما الختان فلا يستعمل مع الميت، بل هو حرام؛ لأن الختان أخذ الجلدة، والجلدة جزء حي من الميت، فأخذها تمثيل بالميت ولا حاجة إليه؛ لأن الختان من حكمه أنه أطهر للإنسان، ولهذا يسمى عندنا في العامية الطهار، لكن إذا مات الإنسان فلا حاجة له؛ ولهذا قال العلماء: إنه يحرم ختان الميت.
الشارب والأظافر تؤخذ، لكن متى؟ إذا طالت، أما إذا كانت عادية، أو كان الميت قد أخذها عن قرب فإنها لا تؤخذ، يبقى على ما هو عليه.
الإبط كذلك، إن كثر فإنه يؤخذ، وإلا فيبقى على ما كان عليه.
ويش بقي؟
طلبة: العانة.
الشيخ: العانة أيضًا إذا طالت وكثرت فإنها تؤخذ.
وقال بعض العلماء: إنها لا تؤخذ؛ لما في ذلك من كشف العورة، بخلاف الإبط والأظافر، ولكن الأولى أن تؤخذ إذا كانت كثيرة، وكشف العورة هنا للحاجة.
قال: (ولا يسرح شعره)، يعني أن الغاسل لا يسرح شعر الميت؛ لأن هذا يؤدي إلى أن تتقطع الشعر بالتسريح والمشط، ولكن المرأة يجعل رأسها ضفائر ثلاثة وتلقى خلفها (1) كما أمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم.
(ثم ينشف بثوب) يعني: بعد أن يغسل يستحب أن ينشف؛ لأنه إذا بقي رطبًا عند التكفين أثر ذلك في الكفن، فالأفضل أن ينشف بثوب.
وهذه الطهارة تخالف طهارة الحي، فإن طهارة الحي.. أو ندعها لكم -إن شاء الله- تبحثونها، طهارة الميت تخالف طهارة الحي من عدة وجوه:
منها: أن طهارة الحي لا تزيد على ثلاث، وهذه تزيد إلى سبع أو أكثر.
ومنها: أن الأفضل في طهارة الميت التنشيف، وأما طهارة الحي فقيل: الأفضل عدم التنشيف، وقيل: إن التنشيف وعدمه سواء، وإنه مباح؛ إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل.
ثم قال: (ويضفر شعرها ثلاثة قرون، ويسدل وراءها)، يضفر شعرها، أي: شعر المرأة، يعني يجعل ضفائر ثلاثًا، ويسدل من ورائها.
ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر النساء اللاتي يغسلن ابنته بذلك: أن يضفرن شعرها ثلاثة قرون، ويسدلنه من ورائها.
طالب: (... ).
الشيخ: لا يحلق حلقًا أو يقص، وقصه قد يكون أسهل.
طالب: ولا يسرح شعر (... ) في حديث (... ).
الشيخ: في أيش؟
الطالب: تسريح الرجل شعر المرأة.
الشيخ: الرسول عليه الصلاة والسلام ما أمر بأن يسرح شعر المرأة.
الطالب: (... ).
الشيخ: وهي حية؟ ما نعرفه، الذي نعرف أن الرسول أمر بأن يضفر ثلاثة قرون ويسدل من ورائها.
الطالب: وإن صح الحديث.
الشيخ: إذا صح فهو يكون كالظفر، يكون خاصًّا بالمرأة.
طالب: ما الدليل على أن (... ).
الشيخ: ما هي كلها.
الطالب: (... ).
الشيخ: الدليل أن هذا من باب النظافة، وقصد النظافة في تغسيل الميت ظاهر من قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ» (1)، وهذا لا شك أنه أنظف
الطالب: (... ).
الشيخ: لا أدري، لكن المعنى صحيح.
طالب: (... ).
الشيخ: وحلق العانة للحي جائز، يعني لو إنسانًا واحدًا ما يحسن حلق عانته وليس عنده زوجه فإنه يحلق عانته رجل.
الطالب: (... ).
الشيخ: المهم ذكروا أن هذا لا بأس به، العلماء قالوا: له أن يحلق عانة من لا يحسن حلق عانته.
الطالب: (... ).
الشيخ: أنا عندي أنه ما أحد يعجز عن حلق العانة، خصوصًا وقتنا -الحمد لله- الآن فيه وسائل تسهل للإنسان هذا الشيء يمكن فيما سبق أن الموسى يصعب على الإنسان يحلق عانته به لكن فيه المكائن معروفة الآن، فيه مكائن حلاقة سهلة.
طالب: (... ).
الشيخ: إي نعم، لا بأس، قوله: «لَا تُحَنِّطُوهُ» (2) يدل على أن -كما سيأتي في التكفين- يدل على أنه يجعل حنوطًا في الكفن، ما هو في التغسيل.
طالب: بالنسبة (... ) الحامل (... ).
الشيخ: لا يعصر؛ لأن هذا خطر على الجنين، ربما ينزلق، فالأولى ألا يعصر.
طالب: الزوائد (... ) مع الميت (... ).
الشيخ: هذا مهم، سؤال مهم، يقول: الزوائد المركبة في الميت، مثل الأسنان والأنف، هل تدفن معه أو لا؟
نقول: أما ما لا قيمة له فلا بأس أن يدفن معه؛ كالأسنان من غير الذهب والفضة، والأنف من غير الذهب، وأما ما كان له قيمة فإنه يؤخذ، إلا إذا كان يخشى منه المثلة، كما لو كان السن لو أخذناه لصار فيه مثلة فإنه يبقى معه، ثم إن شاء الورثة بعد أن يفنى الميت أن يحفروا القبر ويأخذوا الذهب فلهم ذلك، وإن شاؤوا أن يبقى فلهم ذلك.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، هذه تبقى معه.
طالب: أحسن الله إليك (... ).
الشيخ: لا، ما يجوز هذا، لا بد أن يكون مسلمًا (... ).
إلى يوم الدين.
مبتدأ النقاش، ما حكم تغسيل الأب الكافر؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، ما الدليل؟
الطالب: الدليل قوله عز وجل: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: 84].
الشيخ: نعم، وجه الدلالة؟
طالب: (... ) الميت، فمن باب أولى ما وراءها.
الشيخ: فما دونها مما يتعلق بإكرامه من باب أولى، أحسنت.
لماذا يوارى؟
طالب: (... ).
الشيخ: إي، لماذا يوارى؟ لماذا لا نرميه في الزبالة ونتركه؟ لأن المؤلف يقول: يجب أن يوارى، يعني: يدفن ويستر.
الطالب: (... ) لسببين، إذا مات.
الشيخ: لئلا يتأذى الناس برائحته، هذا واحد، وغير؟
طالب: (... ).
الشيخ: لا، هو لازم يدفن، لكن لماذا يوارى؟ أولًا: لئلا يتأذى الناس برائحته.
والثاني؟
طالب: لئلا يكسر ذلك أهله.
الشيخ: نعم، لئلا يتأذى أهله بذلك.
طالب: لئلا (... ) أهل البدع (... ).
الشيخ: الأخ يقول: ولئلا يتخذ وثنًا.
طالب: (... ).
الشيخ: ما أدري هو سوف يتعفن.
طالب: هي نفس العلة في بروز القبر أن القبر.
الشيخ: لا، هذا معناه أنه يلقى في الزبالة كما تلقى الشاة إذا ماتت، نقول هذا لأنه يتأذى الناس برائحته، ويتأذى أهله بمشاهدته، هاتان علتان واضحتان.
طالب: كذلك يا شيخ لئلا تأكله السباع (... ) ابن آدم.
الشيخ: هذه ربما تأكله السباع فتأخذ على بني آدم، ولكنني أخبرك بأن السباع تأكل الحي أحسن من الميت، وهي متعودة على أكل السباع.
على كل حال قد يوجد علل غير ما ذكرنا، لكن اللي واضح لي الآن هما العلتان الأوليان.
ما حكم ستر عورة الميت عند غسله؟
طالب: واجبة.
الشيخ: مطلقًا.
الطالب: إلا إذا كان دون سبع سنين.
الشيخ: إلا إذا كان دون سبع سنين، أحسنت.
المؤلف يقول: (إذا أخذ في غسله ستر عورته وجرده) هل يدل ذلك على أن ستر العورة قبل التجريد؟
طالب: نعم، تستر عورته قبل التجريد.
الشيخ: نعم تستر عورته، تلف عليها خرقة قبل أن يجرد؛ لأننا لو جردناه قبل ستر عورته لانكشفت العورة.
حكم توضئة الميت عند التغسيل؟
طالب: أمر مندوب.
الشيخ: أمر مندوب، ما الدليل على أنه للندب؟ وقد أمر به النبي صلى الله عليه وسلم النساء اللاتي يغسلن ابنته، قال: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ» (1).
الطالب: لأن المطلوب في تغسيل الميت هو نظافة الميت وليس المقصود منه الوضوء للعبادة الشرعية، وأما غسل الميت هو للتنظيف.
الشيخ: للتنظيف، إذن لو أن الميت اغتسل قبل موته بخمس دقائق وتنظف بالصابون والشامبو وكل شيء ثم مات فلا يغسل.
طالب: ولكن يغسل من باب..
الشيخ: من أنظف ما يكون.
طالب: قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» (2) لم يبين يتوضأ.
الشيخ: في الذي مات، وقصته راحلته، قال: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ»، ولم يأمرهم بتوضئته، وهذا في آخر أيام الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بعد قصة ابنته التي ماتت.
الطالب: (... ).
الشيخ: ما هي؟
الطالب: (... ).
الشيخ: هذا من باب دلالة الاقتران.
هل يمضمضه وينشقه؟
طالب: لا، ما يمضمضه ولا ينشقه.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأنه قد المضمضة في الميت هذا الماء المضمضة.
الشيخ: فيحرك ما كان ساكنًا في بطنه.
الطالب: لا ولكن.
الشيخ: إي نعم، لو دخل الماء إلى أنف الميت ما يتأذى، كله واحد، لكن لو دخل إلى معدته ربما يتحرك شيء، أما الاستنشاق فمتعذر؛ لأن الميت لن يستنشق.
كيف نغسل الميت بالسدر إذا قلنا: إنه يغسل بالسدر؟
طالب: السدر مع الماء.
الشيخ: يؤتى بالسدر، فأيش يعمل فيه؟
الطالب: فيوضع مع الماء.
الشيخ: إذا وضع في الماء يترك هكذا ولا يعمل فيه شيء آخر؟
الطالب: يقلب حتى تطلع رغوته.
الشيخ: حتى تطلع رغوته، ثم؟
الطالب: ثم يغسل برغوته رأس الميت ولحيته، وأما الثفل فيغسل به باقي الجسد.
الشيخ: تمام، لماذا اختير السدر؟
طالب: لأنه هو المنظف على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: هذا واحد.
طالب: لأنه يبعد الحشرات برائحته.
الشيخ: لا.
طالب: لفائدتين: الأولى: أنه يبرد ويبعد الهوام.
الشيخ: يبعد الهوام، لا.
طالب: شيخ، لأنه أحسن شيء.
الشيخ: للتنظيف؛ لأنه أكمل في التنظيف من غيره، ولأنه بارد، يبرد البدن، هكذا قالوا.
بعد أن يعمل فيما يعمل من البداءة بميامن الميت وغسل رأسه ولحيته برغوة السدر، كيف يغسل بقية بدنه؟
طالب: (... ).
الشيخ: لكن يغسل الظهر قبل البطن ولا البطن قبل الظهر.
الطالب: يبدأ بالأيمن والأيسر.
الشيخ: يبدأ بالأيمن ثم الأيسر، ما الدليل أنه يبدأ بالأيمن؟
الطالب: حديث الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ» (1).
الشيخ: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا».
إذا لم ينق بثلاث؟
طالب: يزيد رابعة وخامسة..
الشيخ: يزيد رابعة ويقتصر عليها لو نقى بالرابعة؟
الطالب: يقتصر عليها.
الشيخ: يقتصر عليها؟
طالب: يزيد واحدة.
الشيخ: يزيد واحدة، لماذا؟
طالب: (... ).
الشيخ: طيب الآن أنقى بأربع يزيد الخامسة لماذا؟
الطالب: لأنه هذا الذي..
الشيخ: هذا الذي أمر به، ولأنه يقطعه على وتر.
إذا لم ينق بثلاث، فما منتهى الزيادة؟
طالب: يطيب بكافور.
الشيخ: لا، إذا لم ينق بثلاثة هل يزيد خمسة سبعة تسعة؟
الطالب: يزيد خمسة.
الشيخ: خمسة ما أنقى؟
الطالب: سبعة.
الشيخ: سبعة لم ينق؟
الطالب: فأكثر.
الشيخ: تسعة، ويش تقولون؟ صحيح؛ لأنه قال: (ولو جاوز السبع)، وفي الحديث: «أَوْ سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ» (1).
التعليق بالرؤية هنا تعليق اختيار أو مصلحة؟
طالب: مصلحة.
الشيخ: تعليق مصلحة، هل هناك ضابط لما فيه التخيير بين أن يكون اختيارًا أو مصلحة؟
الطالب: إذا كان التخيير يرجع إلى الفاعل يكون التخيير تشهيًا، وإذا كان لغير الفاعل يكون تخيير مصلحة.
الشيخ: صح، الضابط هذا إذا كان المقصود التيسير على الفاعل وهو يعود لنفسه، لا يعود لغيره، فهو تخيير تشه، يعني: مخير اللي يشتهيه، وإذا كان يعود إلى الغير فهو تخيير مصلحة، هذا الضابط؛ لأن الإنسان في نفسه هو حر، مثل: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: 89] هذا تخيير تشه؛ لأن المقصود به التيسير على المكلف، وهو يتعلق بنفسه، ما يتعلق بغيره، وأما إذا قيل: بع مال اليتيم أو أقرضه أو ضارب به فهذا تخيير مصلحة؛ لأنه يتعلق بالغير.
الكافور يجعل في الغسلة الأولى؟
طالب: يجعل في الغسلة الأخيرة.
الشيخ: الأخيرة، الدليل؟
الطالب: قول الرسول صلى الله عليه وسلم للنساء اللاتي يغسلن ابنته: «وَاجْعَلْنَ فِي آخِرِ غَسْلَةٍ».
الشيخ: «فِي الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ»..
الطالب: «كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ».
الشيخ: ما هي الفائدة من ورق الكافور؟
طالب: أنه يطرد الهوام وأنه بارد.
الشيخ: وغير؟
الطالب: يطرد الهوام.
الشيخ: وغير؟
طالب: أنه يحنط المغتسل، يصلب المغتسل.
الشيخ: نعم يصلبه أيضًا، هو له رائحة طيبة رائحة زكية، يعني قريبًا أن يكون نوعًا من الطيب.
هل يقص شارب الميت عند تغسيله؟
طالب: نعم يا شيخ، إذا (... ) شاربه طويل فإنه يقص.
الشيخ: إن طال يقص وإلا فلا، طيب، ويقاس عليه الأظفار؟
الطالب: نعم.
الشيخ: والإبط؟
الطالب: نعم.
الشيخ: والعانة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: والختان؟
الطالب: (... ).
الشيخ: إي نعم، الختان لا يجوز، يحرم، وأما الأظفار والإبط والشارب والعانة فتزال إن طالت.
كلام المؤلف ظاهره أنه لا يأتي الإبط ولا العانة ولا الختان؛ لأنه اقتصر على الشارب والظفر فقط، وهذا أحد القولين في المسألة.
ظاهر كلام المؤلف أنه لا يأتي سوى الشارب والأظافر.
ولكن المشهور من المذهب أنه يأخذ الإبط، ولا يأخذ العانة.
والصحيح أنه يأخذ العانة إذا طالت؛ لأن أخذ العانة ونتف الإبط وتقليم الأظفار، قص الشارب، كله من النظافة، والمشروع أن يخرج الميت نظيفًا.
يبقى عندنا مسألة العانة: كيف يحلقها؟ نقول: لنا في هذا مخرجان: إما أن يقال: إن هذه حاجة والنظر إلى العورة عند الحاجة جائز، وإما أن يقال: يمكن ألا يحلقها حلقًا، بل يقصها قصًّا، والقص ليس بضرورة أن يشاهدها.
يقول المؤلف: إن الميتة (يضفر شعرها ثلاثة قرون)، ما معناها؟
طالب: (... ).
الشيخ: نعم، ما الدليل؟
طالب: حديث أم عطية عندما قالت: إننا غسلنا ابنة النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: فضفرناها ثلاثة قرون (1).
الشيخ: ضفرنا شعرها.
الطالب: ثلاثة قرون، وألقيناه خلفها.
الشيخ: تمام أحسنت، ألقيناه خلفها.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (وإن خرج منه شيء بعد السبع حشي بقطن).
(خرج منه) أي: من الميت، (شيء) أي من بول، أو غائط، أو دم، أو ما أشبه ذلك، (حشي بقطن) يعني: سد بالقطن من أجل أن يتوقف.
(فإن لم يستمسك) بالقطن (فبطين حر) الطين الحر: الذي ليس مخلوطًا بالرمل، يعني طينًا قويًّا؛ لأن الطين القوي يسد الخارج، واختاروا الطين لأنه أقرب إلى طبيعة الإنسان؛ حيث إن الإنسان خلق منه، وسيعاد إليه، فلهذا اختاروا الطين.
(ثم يغسل المحل ويوضأ) يغسل المحل، يعني الذي أصابه ما خرج، يغسل للتنظيف وإزالة النجاسة إن كان نجسًا، ثم يوضأ.
(وإن خرج بعد تكفينه لم يعد الغسل) إن خرج شيء بعد التكفين لم يعد الغسل؛ لأن في ذلك مشقة؛ إذ إننا لو أزلنا الكفن ثم نظفناه، ثم كفّناه مرة أخرى، فربما يخرج شيء، وحينئذٍ يكون فيه المشقة، فإذا خرج بعد التكفين تركناه.
قال الفقهاء رحمهم الله، وهو من عندهم: إذا خرج قبل السبع وجب غسله وإعادة الغسل، وإن خرج بعد السبع وجب غسله والوضوء، وإن خرج بعد التكفين لم يجب غسله ولا إعادة الوضوء.
فله أحوال ثلاثة، ولهذا قال: (إن خرج بعد تكفينه لم يعد الغسل) ويترك.
ثم قال: (ومحرم ميت كحي) أي: في أحكامه، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» (2)، فهذا يدل على أنه باق على إحرامه، وإذا كان كالحي قد يغسل بماءٍ وسدر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الذي وقصته راحلته: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ»، ولأن استعمال السدر للمحرم ليس بحرام، بل هو جائز.
(ولا يقرّب طيبًا) لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَلَا تُحَنِّطُوهُ»، ولأن المحرم ممنوع من الطيب.
(ولا يلبس ذكرٌ مَخيطًا) يعني: لا يلبس الذكر قميصًا أو سراويل أو عمامة أو غيرها مما يحرم على الحي، ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا».
قال: (ولا يغطى رأسه) لا يغطى رأسه، بل يبقى مكشوفًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ»، ولكن لا بأس أن يظلل بشمسية أو شبهها، كما يفعل بالمحرم الحي، وأما التغطية باللف عليه، فهذا لا يجوز.
(ولا وجه أُنثى) يعني: لو ماتت أُنثى محرمة فإن وجهها لا يغطى، وهذا إن لم يُمر بها حول رجال أجانب، فإن مُر بها حول رجال أجانب فإن وجهها يستر، كما لو كانت حية.
وظاهر كلام المؤلف اجتناب هذه الأشياء حتى بعد التحلل الأول، ولعله غير مراد؛ لأن المحرم بعد التحلل الأول لا يحرم عليه إلا النساء فقط، وعلى هذا فيصنع به كما يصنع بالمتحلل تحللًا أول.
وفي قول النبي عليه الصلاة والسلام: «يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» دليل على أنه لا يُقضى عنه ما بقي من نسكه، ولو كان الحج فريضةً، خلافاً لما ذهب إليه بعض أهل العلم، وقالوا: إنه يقضى عنه ما بقي من النسك إذا كان الحج فريضة.
فإننا نقول في رد هذا القول: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل لهم: اقضوا عنه بقية نسكه، ولو كان قضاء بقية النسك واجبًا لبيّنه النبي صلى الله عليه وسلم، ولأننا لو قضينا عنه بقية نسكه لفوتنا عليه فائدة كبيرة جدًّا، وهي أنه يبعث يوم القيامة ملبيًا؛ لأننا لو قضينا عنه بقية النسك لتحلل وانتهى من النسك، فيكون في قضاء بقية النسك عنه إساءة إلى الميت.
بل نجعله يبقى ونقول: هذا الرجل شرع في أداء النسك ومات قبل إكماله، ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: 100]، أما بالنسبة لنا فلا نتعرض له.
ثم قال: (ولا يغسل شهيد ومقتول ظلمًا إلا أن يكون جنبًا): (ولا يغسل شهيد) (لا) نافية، والنفي يحتمل الكراهة ويحتمل التحريم.
ولهذا اختلف أصحابنا -رحمهم الله- هل تغسيل الشهيد حرام أو مكروه؛ فقال بعضهم: إنه مكروه.
وقال بعضهم: إنه حرام.
والصحيح أنه حرام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتلى أحد أن يدفنوا في دمائهم وألا يغسلوا (9)، ولأن التغسيل واجب، ولا يترك الواجب من أجل فعل المكروه، لا يترك إلا لمحرم، وعلى هذا فالقول الصحيح في المسألة أنه لا يغسل تحريمًا أو كراهة؟ تحريمًا.
وقوله: (شهيد) المراد بالشهيد هنا شهيد المعركة، لا من في حكم الشهيد، المراد شهيد المعركة الذي يقتل وهو مقاتل لتكون كلمة الله هي العليا.
أما من قاتل لوطنية أو قومية أو عصبية فليس بشهيد، ولو قتل، لكن من قاتل حماية لوطنه الإسلامي من أجل أنه وطن إسلامي فقد قاتل لحماية الدين، فيكون من هذا الوجه في سبيل الله.
ولهذا يجب أن نبيّن لإخواننا في الجيش أنهم إنما يتأهبون للقتال لا دفاعاً عن وطنهم من أجل أنه وطنهم، ولكن من أجل أنه وطن إسلامي، يقاتلون لحماية الإسلام حتى يكونوا عند الموت شهداء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ليُرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ» (10).
فاسأل من قاتل حمية، فالذي قاتل حمية نقول: لماذا تقاتل حمية؟ هل هو حدب على قومك، أو رغبة في بقاء الإسلام في بلادك؟
إن قال بالأول فليس بشهيد، وإن قال بالثاني فهو شهيد، قال: أنا أقاتل حدبًا على قومي، ليبقى الإسلام في بلادي.
قلنا: إذن أنت في سبيل الله.
وقوله: (ومقتول ظلمًا) يعني أن المقتول ظلمًا لا يغسل أيضًا؛ لأن المقتول ظلمًا شهيد، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» (11).
هكذا قال المؤلف، والصحيح أن المقتول ظلمًا يغسل كغيره من الناس، ولا يمكن أن يساوى بشهيد المعركة، وإن كان يطلق عليه اسم شهيد، فالمطعون أيضًا شهيد، والمبطون شهيد، والغريق شهيد، والحريق شهيد، وليس كل ما أطلق عليه اسم الشهيد يكون حكمه كشهيد المعركة؛ لأن شهيد المعركة يا إخوانا مدَّ رقبته إلى عدوه ليقطعها في سبيل الله، والمقتول ظلما أُكره على المقاتلة حتى قتل، فبينهما فرق عظيم.
ولهذا يجب ألا نظن أن الشهداء في مرتبة واحدة، وإن كانوا شهداء، كل في مرتبته: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: 132].
فالصحيح أن جميع الموتى من المسلمين يغسلون ويكفّنون ويصلّى عليهم إلا شهداء المعركة فقط، فهؤلاء لا يغسلون، ولا يكفّنون، ولا يصلّى عليهم.
لكن لماذا؟ لأن المقصود بالصلاة عليهم: الشفاعة لهم، وكفى ببارقة السيوف على رؤوسهم شفاعة، كفى بذلك، فهم يشفع لهم هذا البذل الذي بذلوه، بذلوا أغلى ما عندهم، وهي النفوس، لإعلاء كلمة الله.
طالب: (... ) ما يتعارض.
الشيخ: لا، ما يتعارض؛ لأن هذاك في التغسيل وهذا في إزالة النجاسة.
الطالب: (... ).
الشيخ: لا، ما هو على كل حال (... ).
طالب: شيخ، كل عبد يبعث على ما مات عليه، والحاج يبعث ملبيًا، هل يتعدى الحكم هذا إلى غيره مثل من مات مصليًا أو مات مثلًا..
الشيخ: والله يرجى له ذلك، لكن ما نجزم بهذا الشيء.
الطالب: بموجب هذا الحديث.
الشيخ: أقول: لأن القياس في العبادات أو في الثواب فيه نظر، وحديث: «يُبْعَثُ الْعَبْدُ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ» (12) يعني: من التوحيد والإخلاص، ولا يلزم منه أنه إذا مات مصليًا فإنه يبعث مصليًا، وإذا مات طالب علم فإنه يبعث طالب علم، لكن يرجى ذلك إن شاء الله.
الطالب: لكن فعل أبي سعيد لما جاءه الموت لبث ثوبًا جديدًا وقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ الْمَيِّتَ يُبْعَثُ بِالثَّوْبِ الَّذِي مَاتَ عَلَيْهِ» (13).
الشيخ: هذه مخالفٌ فيها رضي الله عنه، أقول: فإن كثيرًا من العلماء يقول: المراد بالثياب هنا ثياب التقوى، ما هو ثياب اللباس الحسية (... ).
(ولا يغسل شهيد ولا مقتول ظلمًا) إلى آخره.
إذا خرج من الميت شيء بعد غسله فقد ذكرنا، إذا خرج منه شيء فقد ذكرنا أنه على ثلاثة أقسام؟
طالب: إذا كان قبل الغسل (... ) أما إذا كان قبل (... ).
الشيخ: لا، إذا كان قبل السبع.
الطالب: إذا كان قبل السبع قلنا: يجب غسله.
الشيخ: يجب إعادة الغسل، غسله كله.
طيب.
الطالب: إذا كان قبل التكفين فإنه (... ).
الشيخ: اللي قبل التكفين حتى (... ) قبل التكفين إذا كان بعد السبع وقبل التكفين.
الطالب: إذا كان بعد السبع وقبل التكفين هنا يجب وضوؤه وغسله.
الشيخ: كيف الغسل؟ إذن لا فرق بين هذه والأولى.
الطالب: غسله.
طالب: إذا كان قبل السبع يعيد.
الشيخ: إذا كان قبل السبع وجب إعادة تغسيله.
الطالب: وإذا كان بعد السبع (... ).
الشيخ: وإذا كان بعد التكفين؟
الطالب: إذا كان بعد التكفين لا..
الشيخ: لا يجب لا غسله ولا وضوؤه.
طيب.
طالب: (... ) غير واضحة.
الشيخ: أصل كل ما وجب الغسل وجب الوضوء، إذا كان قبل السبع يجب التغسيل إذا كان بعده، وقبل التكفين يجب وضوؤه، والثالث: إذا كان بعد التكفين لم يجب شيء لا وضوء ولا غسل.
طالب: بعد السبع يقتصر على الوضوء.
الشيخ: يقتصر على الوضوء.
الطالب: ما يجب الغسل؟
الشيخ: لا، ما يجب الغسل، لكن إذا لم ينق بالسبع كما قال المؤلف يزاد حتى ولو جاوز السبع.
طالب: لم يذكر شيئًا.
الشيخ: كيف ما يذكر هذه؟
الطالب: غسله والوضوء.
الشيخ: أصله يمكن غسله (... ).
الطالب: (... ).
طالب: غسل من الخارج.
الشيخ: إي غسل الخارج ما هو بتغسيل الميت.
طيب، إذا مات محرم كيف نغسله ونكفنه؟
طالب: نغسله (... ).
الشيخ: نغسله بأيش؟ بماء وسدر، وهل نجعل معه كافورًا أو لا؟
الطالب: لا.
الشيخ: لا نعجل؛ لأن الكافور نوع من الطيب.
وبماذا نكفنه؟
طالب: نكفنه بما عليه من ثياب.
الشيخ: في ثوبيه.
طيب، وهل نغطي جميع جسده؟
طالب: لا نغطي جميع جسده، بل لا نغطي رأسه.
الشيخ: لا نغطي جميع جسده، بل نغطي، لا نغطي رأسه أيش؟
الطالب: لا يغطى المحرم..
الشيخ: سؤال: هل إذا مات المحرم يغطى جميع بدنه؟
الطالب: يغطى جميع بدنه ما عدا رأسه.
الشيخ: أحسنت، ما عدا رأسه ووجهه؟
الطالب: الوجه من الرأس.
الشيخ: ما قال أحد من أهل العلم: إن الوجه من الرأس.
الطالب: لا بد إذا غطي الرأس غطي الوجه.
الشيخ: أبدًا، ما هو بصحيح، هذا الرأس مغطى الآن والوجه واضح.
لا يغطى لا الرأس ولا وجهه؟
الطالب: لا يغطى الرأس.
الشيخ: والوجه؟
الطالب: لا يغطى.
الشيخ: كيف؟
طالب: ما يغطى، الرأس لا يغطى.
الشيخ: إذن لا يغطى لا رأسه ولا وجهه، لماذا؟
الطالب: لأن النبي صلى الله عليه وسلم عندما مات الذي وقصته راحلته قال: «وَلَا تُغَطُّوا رَأْسَهُ» (2).
الشيخ: «وَلَا تُغَطُّوا رَأْسَهُ» وهل قال: ولا وجهه؟
الطالب: لا.
الشيخ: إذن، طيب أسألك الآن لو كنت محرمًا هل يجوز أن تغطي وجهك أو لا؟
طالب: لا، ما يجوز.. يجوز أغطيه نعم.
الشيخ: واحد محرم قال هكذا بوجهه يجوز ولاَّ ما يجوز؟ يجوز؟
الطالب: نعم.
الشيخ: يجوز، طيب إذا مات ما الذي يحرم تغطية وجهه بعد موته، هل طرأ شيء يوجب.. ؟
الطالب: ما طرأ شيء، ولكن الوجه داخل في عموم الرأس؛ لأن الرأس داخل يعني..