الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 2602-2641

الشيخ: للتخويف، ولا ينبغي إذا أعطانا الله تعالى إنذارًا وتخويفًا أن نقابل هذا بالبرودة، وعدم الفزع، وعدم الصلاة.
الذين قالوا: إنها ليست بواجبة، عندهم حُجَّة؟ الطالب: حديث الأعرابي حينما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: أعليَّ غيره؟ قال: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» (24) فدل ذلك على أنها ليست بواجبة.
الشيخ: أنها ليست بواجبة؛ لأنها صلاة، وقد قال له: «لَيْسَ عَلَيْكَ غَيْرُهَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ».
هل يمكن أن يجاب عن هذا؟ طالب: نقول لهم: إن صلاة الكسوف صلاة ذات سبب، وأما الصلوات العادية فهي صلاة تؤدَّى خمس مرات في اليوم، وكذلك لو أن الإنسان.. الشيخ: ولا يجب غيرها.
الطالب: ولا يجب غيرها، وكذلك لو أن إنسانًا نذر نذرًا وقال: نذرت أن أصوم، فإنه يجب عليه أن يؤديه، ولكن على قولهم.. الشيخ: وليس من الصلوات الخمسة.
الطالب: وليس من الصلوات الخمس.
الشيخ: نعم، إذن يمكن أن الجواب عنه بأن يقال: حديث الأعرابي في الصلوات الراتبة اللازمة كل يوم، وأما ما وجب لسبب فإنه يتبع السبب، فصلاة الكسوف لها سبب وهو الكسوف، فإذا وجد وجبت، كما أن الإنسان لو نذر أن يصلي، لا نقول: ليس عليك صلاة؛ لأن الرسول قال: «إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» نقول: هذه تجب بالنذر.
إذن القول بالوجوب قول قوي، كما قال ابن القيم رحمه الله في كتاب الصلاة، قال: إن هذا القول قول قوي، وصدق رحمه الله.
هل لها صفة معينة؟ الطالب: نعم، إنها تُصلَّى بركعتين، وفي كل ركعة ركوعان.. الشيخ: وأربع سجدات؟ الطالب: وأربع سجدات في الصلاة كلها.
الشيخ: إذن في كل ركعة ركوعان وسجدتان.
بماذا تميزت عن بقية الصلوات، نعم؟ الطالب: تميزت عنها بزيادة الركوع.
الشيخ: زيادة الركوع في كل ركعة.
وغير؟ الطالب: قراءة الفاتحة (... ). الشيخ: أن فيها قراءة بعد الركوع.
الطالب: تطويل القراءة.
الشيخ: تطويل القراءة.
طالب: صلاتها لسبب..

الشيخ: لا، فيه أشياء لسبب، كتحية المسجد مثلًا.
طالب: (... ). الشيخ: نعم؟ الطالب: إطالة الركوع والسجود.
الشيخ: ذكروها.
الطالب: الجهر فيها في كل وقت.
الشيخ: الجهر فيها بالقراءة ليلًا.
الطالب: ليلًا ونهارًا.
الشيخ: أو نهارًا، تمام؟ الطالب: (... ) حي على الصلاة.
الشيخ: مثل غيرها، إي، حتى اللي غيرها لو زال السبب ما تكره.
طالب: إنها ركعتان والسنة أربع.
طالب آخر: أن طولها وقصرها يعتمد على تجلي الشمس؟ الشيخ: لا، ما هو فرق، هذا ما دامت مقرونة بسبب.
الطالب: إنها ركعتان يا شيخ وباقي الصلوات أربع.
الشيخ: الصلوات أربع! أيش؟ ! الفجر كم؟ ! الطالب: بعض الصلوات أربع يا شيخ.
الشيخ: ما هذا فرق.
الطالب: (... ). الشيخ: إي، وغيرها؟ الطالب: وغيرها (... ). الشيخ: وغيرها أيضًا (... ). طالب: (... ). الشيخ: وغيرها ما فيه فرق.
طالب: ما تشرع بعدها خطبة.
الشيخ: يشرع بعدها خطبة والعيد.
طالب: (... ). الشيخ: هذه قلناها، زيادة الركوع على واحد.
طالب: أنها تقام في كل وقت.
الشيخ: ذكرناها.
طالب: أنها إذا زال سببها، تُقام خفيفة.
الشيخ: إذا زال السبب، أُقيمت خفيفة، لا، ما تقام أبدًا إذا زال السبب.
الطالب: إذا تجلت.
الشيخ: ذكرها خالد، ولكن ما هو بفرق.. طالب: لا يا شيخ، أنا أقول: إن هي إذا فاتت الإنسان فواتًا تامًّا، فإنها لا تقضى (... ) على المذهب، صار قضاؤها.. الشيخ: إي، لكن كل شيء له سبب، المقرون بسبب إذا زال سببه زالت مشروعيته، لكن هذه مؤقتة، مثل الخمس.
الطالب: يجوز يا شيخ زيادة الركوع إلى ثلاثة وأربعة وخمسة.
الشيخ: ذُكرت، وليس فرقًا؛ لأن هذا يكفي عنها أن نقول: فيها زيادة عن الركوع الأول.
طالب: مشروعية الصدقة وقراءة القرآن إذا انتهت الصلاة إلى أن ينتهي الكسوف والخسوف.

الشيخ: إي نعم، هذه صحيحة، أن يشترط فيها الذكر والاستغفار والتكبير والصدقة والعتق، العتق في صلاة الكسوف، هذه لا تشرع في الصلوات الأخرى، صحيح، هذا من الفروق، وهو خارج عن نفس الصلاة لكنه فرق.
طالب: صدقة الفطر يا شيخ؟ الشيخ: ما هي مقرونة بالصلاة، الصدقة هذه من أجل الفطر.
طالب: في كل ركعة سجدة واحدة، أربع ركعات بسجدة واحدة.
الشيخ: لا! ! على كل حال يكفي، ما شاء الله، بارك الله فيكم.
إذا غابت الشمس كاسفة، فما الحكم؟ الطالب: إذا غابت الشمس كاسفة لا يُصلَّى.
الشيخ: لا يصلى، ما هو مأخذ المنع؟ الطالب: أن سلطان الشمس قد زال الآن، فليس لها حكم الآن.. الشيخ: هذه واحدة.
الطالب: وأن السبب زال.
الشيخ: لا، فيه مأخذ آخر، يعني لو فرضنا رأيناها كاسفة قبل أن تغرُب؛ لأن قوله: (غابت كاسفة) يُشعر بأنه حتى لو كسفت قبل أن تغرب، ثم غربت كاسفة.
الطالب: لأننا الآن لا نراها.
الشيخ: لا، رأيناها يا أخي.
طالب: لأنه أتى وقت الليل.
الشيخ: لا، هذا ما قال.
طالب: أنها سنة، ولا تُصلَّى السنن في أوقات النهي.
الشيخ: تمام، لها مأخذان؛ المأخذ الأول: أنها تقع في وقت النهي، والمذهب أنه لا يُصلَّى لذوات الأسباب في وقت النهي كالنفل المطلق.
السبب الثاني: أنه زال سلطانها.
إذا قلنا بالقول الصحيح أن الكسوف تُصلَّى في وقت النهي، فنقول: صلوا، فإذا غابت فخفِّفوا؛ لأنها إذا غابت صارت كما لو زال الكسوف، كما لو تجلت.
إذن نقول: القول الراجح في هذا أننا إذا علمنا بها قبل أن تغرب نصلي، ثم إذا غربت خفَّفنا كأنما تجلّى الكسوف.
إذا طلع الفجر والقمر خاسف؟ طالب: على المذهب أنه لا يُصلَّى.
الشيخ: لا يُصلَّى، لماذا؟ الطالب: لأنه غير موجود سلطانه.
الشيخ: غير موجود سلطانه، هذا واحد، وجه آخر؟ الطالب: وجه ثانٍ أنه وقت نهي.
الشيخ: أنه وقت نهي؛ لأن –على المذهب- النهي يدخل عندهم من طلوع الفجر، لا من صلاة الفجر.

على القول الراجح في هذه المسألة أنه يصلى، إلا إذا كسف بعد أن انتشر الضوء، حتى لم يكن لضوء القمر أثر، فهنا يتوجب القول بأنه لا يصلى.
هل يصلى للآيات؟ طالب: على ثلاثة أقوال.
الشيخ: نعم.. الطالب: منهم من قال: يصلى، حسب قول المؤلف يصلى للخسوف والكسوف والزلزلة.
الشيخ: نعم، هذه معروف الكسوف، اللي غير الكسوف؟ الطالب: بعضهم قال: أنها يصلى لها.. الشيخ: يصلى للزلزلة فقط؟ الطالب: يصلى للزلزلة فقط.
الشيخ: وبعضهم قال؟ الطالب: يصلى لكل ما فيه خوف، وكل ما.. الشيخ: كل آية فيها تخويف، والثالث؟ الطالب: الثالث أنه لا يصلى إلا للآيتين الكسوف والخسوف؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا» (23). الشيخ: حتى الزلزلة لا يصلى لها.. الطالب: نعم، حسب هذا القول.
الشيخ: على هذا القول؟ الطالب: نعم.
الشيخ: الراجح أنه يصلى لكل آية، كل آية يكون فيها تخويف فيُصلى لها، وإذا قيدنا هذا القيد؛ كل آية فيها تخويف، خرج من ذلك ما كان معتادًا، فإنه لا يُصلى له؛ لأن الناس عادة لا يخافون من الشيء المعتاد، يقولون: هذا شيء واقع ولا فيه تخويف.
أيضًا صلاة الاستسقاء ما أخذنا منها شيء، أخذنا إلى.. طلبة: (... ). الشيخ: نأخذ الآن، نستمر في الشرح.
طالب: سؤال يا شيخ، بعض المناطق تكون الزلازل فيها كثيرة يا شيخ، يمكن يكون تعودوا على هذا الشيء، هل يصلون يا شيخ لكل زلزال؟ الشيخ: إي، لكن هذا الزلزال قد لا يدركون وقته، ربما يطول على خلاف العادة.
الطالب: شيخ، إن طلعت وهي كاسفة، هل يُصلَّى؟ الشيخ: إذا طلعت وهي كاسفة -الشمس- المذهب لا يُصلَّى إلا إذا ارتفعت قيد رمح؛ لأنه وقت نهي.
والقول الصحيح يصلى، فإن تجلت قبل أن ترتفع قيد رمح، سقطت على المذهب، وعلى القول الثاني إذا قلنا: يشرع من حين ما يراها كاسفة، ولو لم ترتفع أتمها خفيفة.
طالب: لها نداء معين للصلاة؟ الشيخ: إي نعم.. طالب: ما ذكره.. الشيخ: ما ذكره المؤلف؟

طالب: (... ). الشيخ: ما ذكرها (... ) صحيح، ولا ذكر.
على كل حال لها نداء، يسن النداء لها، والنداء أن يقول: الصلاة جامعة، مرتين أو ثلاثًا، بحيث يعلم أو يغلب على ظنه أن الناس سمعوا، وإذا قلنا بهذا فإنه يختلف بين الليل والنهار، في الليل قد يكون الناس نائمين يحتاجون إلى تكرار الصلاة جامعة، وفي النهار -ولا سيما مع هدوء الأصوات- يمكن يكفيهم مرتين أو ثلاثة، يكفيهم أن يقولوا مرتين أو ثلاثًا، عرفتم.
ولا ينادى لغيرها من الصلوات بهذه الصيغة؛ لأن الصلوات الخمس ينادى لها بالأذان، وقال بعض العلماء، وهو المذهب: إنه ينادى للاستسقاء وينادى للعيدين: الصلاة جامعة، لكن هذا القول ليس بصحيح، ولا يصح قياسه على، أيش؟ على الكسوف؛ لأن الكسوف ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يُنادَى «الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ» (25)، لا يصح القياس على الكسوف لوجهين: الوجه الأول: أن الكسوف يقع بغتة خصوصًا الزمن الأول لما كان لا يسمع عنه إلا إذا وقع.
والوجه الثاني: أن العيدين لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ينادي لهما، وكل شيء وُجِد سببه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يفعله، ففعله بدعة؛ لأنه ليس هناك مانع يمنع الرسول عليه الصلاة والسلام من فعله، ولو كان هذا السبب سببًا له لَفَعَله، فالصواب أن العيدين والاستسقاء لا يُنادى لهما، والفرق بينهما وبين الكسوف كما عرفت.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، عند الزلزلة يصلى حين الزلزلة، ولَّا بعد انتهائها، الزلزلة كلها أربع دقائق؟ الشيخ: إي نعم، ما تدري.. الطالب: في وقت الزلزلة ولا بعدها؟ الشيخ: لا، هم قالوا: الزلزلة الدائمة، أما اللي تأتي لحظة وتنتهي، انتهت.
الطالب: ما فيه زلزلة تعدي أربع دقائق.. الشيخ: لا، ما تدري (... ) صعب، يمكن تكون زلازل خفيفة وتبطئ.. طالب: والبراكين يا شيخ؟ الشيخ: البراكين يمكن ما تبطئ.
طلبة: كيف تكون (... )؟ الشيخ: يطلعون برّة.. طلبة: (... ).

الشيخ: يطلعون للبَر.. طلبة: يعني تتشقق الأرض.
الشيخ: لما تشق، الحمد لله، يلجؤون إلى الله بالدعاء بغير الصلاة.
هذا مع الإمكان معروف.
طالب: قلنا: القول الراجح أن يصلى لكل آية تخويف، يا شيخ، هل على الوجوب؟ الشيخ: ما أظن أنها تكون على سبيل الوجوب، السؤال يقول: إذا قلنا بأنه يُصلَّى لكل آية، فهل نقول: إن الخلاف في الوجوب يسري هنا كما يسري في وجوب صلاة الكسوف؟ أقول: الظاهر أنه لا يسري، ولكن مقتضى القياس إذا قلنا بالوجوب أنه يكون واجبًا؛ لأن قياس تسوية فرع بأصل في الحكم.
الطالب: صلاة فجائية يا شيخ ينادى: الصلاة جامعة؟ الشيخ: مثل؟ الطالب: مثلما حصل للنبي صلى الله عليه وسلم في قصة تميم الداري لما أخبره.. الشيخ: لا، هذه اجتماع، الاجتماع الطارئ يقال: الصلاة جامعة، حتى وإن لم تكن صلاة، حتى إن الأئمة نصوا على أن الإمام إذا أراد أن يدعو الناس للنفير للجهاد، قالوا: ينادي: الصلاة جامعة.
طالب: إذا اختلف الناس هل هذه طبيعية -الآية هذه- هل هي طبيعية أو مخيفة، من يؤخذ بقوله؟ الشيخ: الأصل عدم المشروعية حتى نتيقن السبب.
الصلاةُ جامعة، هل نقول: الصلاةَ جامعة، أو الصلاةُ جامعةٌ؟ طلبة: يصح الوجهان.
الشيخ: قالوا: يجوز وجهان؛ يجوز أن تقول: الصلاةُ جامعةٌ، فتكون مبتدأ وخبرًا، ويجوز: الصلاةَ جامعةً، فتكون (الصلاة) مفعولًا لفعل محذوف تقديره احضروا، وجامعةً تكون حالًا.
طالب: يا شيخ، قال: يجوز؛ يعني وإن صلَّى صلاة وأربع أو خمسًا (... )، ونحن قلنا: لا تجوز أن تصلى إلا مرة واحدة في هذه عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف يا شيخ نجيز شيئًا الرسول صلى الله عليه وسلم ما فعله؟ الشيخ: تكلمنا على هذا.
الطالب: تكلمت فضيلة الشيخ، قلنا قاعدة.
الشيخ: فلما تكلمنا ينبغي أن يكون مفهومًا الكلام.
الطالب: يا شيخ، قلنا قاعدة.. الشيخ: ويش القاعدة؟

الطالب: أي شيء حصل في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم لا يزاد عليه، وهي عبادة لا يقاس.. الشيخ: ويش قلنا يا جماعة؟ طالب: ثبت يا شيخ عن علي.. الشيخ: ثبت عن علي رضي الله عنه أنه صلى أربع ركوعات.
(26) الطالب: هذا الحديث في مسلم، وهذا متفق عليه، فيُرجح في الأحاديث؟ الشيخ: لا، قلنا: يرجحه أنه مرفوع، حديث عائشة (27) راجح على حديث علي باعتبار أنه مرفوع، أما باعتبار أنه فعله هو فلا تعارض.
الطالب: شيخ، قلنا: إن هناك (... ). الشيخ: نعم، قال العلماء في الجواب عن ذلك: لأن علي رضي الله عنه رأى أن الكسوف سيطول زمنه، ففعل ذلك.
بقي علينا مسألة الحين ما بحثناها؛ لأن المؤلف ما جاء بها، لو انتهت الصلاة والكسوف باقٍ، ضد اللي يُقال.
لو انتهت الصلاة والكسوف باقٍ، هل تعاد الصلاة أو لا؟ وإذا قلنا بالإعادة، هل تعاد كسائر النوافل، أو تعاد كصلاة الكسوف؟ في هذا قولان للعلماء، بل ثلاثة أقوال: القول الأول: أنها لا تعاد.
والقول الثاني: تعاد على صفتها.
والقول الثالث: تُعاد على صفة النوافل املأخرى؛ يعني ركعتين.
فمن نظر إلى قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «فَصَلِّ حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ» (28)، قال: إن المشروع أن يصلي، لكن كونها كسائر النوافل أرجح من كونها صلاة كسوف؛ لأن الأولى انقضت.
ومن رأى إلى قوله: «فَصَلُّوا وَادْعُوا»، وقال: إن الصلاة حصلت، فيبقى الدعاء، قال: لا تُعاد.
وعمل الناس اليوم على أنها لا تُعاد، وأنها إذا تمت الصلاة قبل الانجلاء، فمن الناس من يذهب إلى حاجاته، ومن الناس من يبقى في المسجد يدعو، ويذكر الله عز وجل حتى تنجلي.
نرجع الآن إلى باب الاستسقاء، ونسأل الله.. طالب: الراجح؟ الشيخ: والله، أنا ما ترجح عندي شيء، لكني أفعل الثاني، إذا انتهت الصلاة قبل التجلِّي، فالغالب نجلس في المسجد ندعو الله عز وجل، نذكره.
[باب صلاة الاستسقاء] قال: (باب صلاة الاستسقاء، إذا أجدبت الأرض وقحط المطر) إلى آخره.

هذا، ذكر المؤلف سبب مشروعية صلاة الاستسقاء، وأنها إجداب الأرض، وأيش؟ وقحوط المطر.
(صلوها جماعة وفرادى وصفتها في موضعها وأحكامها كعيد).
وقول المؤلف: (إذا أجدبت الأرض) ظاهره، ولو كان ذلك في غير أرضهم، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يستسقي إلا لأرضه وما حولها مما يتضرر به البلد، أما ما كان بعيدًا فإنه لا يضرهم، وإن كان يضرّ غيرهم، ما لم يأمر به الإمام، فإن أمر به الإمام صلوا.
قال: (وإذا أراد الإمام الخروج لها)، من الإمام؟ طلبة: يحتمل أنه.. الشيخ: يحتمل أنه الإمام الأعظم، أو إمام الصلاة، وهو الأقرب.
(وعظ الناس)، والوعظ: هو ذكر الأحكام أو التذكير المقرون بالتخويف والترغيب.
قال: (وعظ الناس) قد يقول قائل: أين الدليل على أنه إذا أراد الخروج يعظ الناس؟ أليس النبي عليه الصلاة والسلام قد خرج إلى المصلى واستسقى، فهل وعظهم؟ نقول: نعم، إنه إذا كان يعظهم وعظًا عامًّا، كما لو صادف أنه يتكلم في خطبة الجمعة فيعظ الناس فهذا طيب، ولا يُقال: إنه وعظهم من أجل الاستسقاء، ولكن من أجل خطبة الجمعة والمناسبة.
قال: (وأمرهم بالتوبة من المعاصي)، وذكرنا أن التوبة يُشترط لها خمسة شروط.
(والخروج من المظالم) هذه من باب عطف الخاص على العام؛ وذلك لأن الخروج من المظالم من التوبة.
وقوله: (المظالم)، جمع مَظْلِمة، فتشمل المظلمة في حق الله، والمظلمة في حق العباد، مثال الأول: لو كان لم يخرج زكاته، أو لم يخرج كفارة كانت عليه، فهذه المظلمة في حق الله، فليبادر إليها، ومثال الثاني: لو كان عنده حق لشخص؛ مثلًا: دراهم، أو منافع أو غيرها، فإنه يخرج منها أيضًا بإيفائه.
فإن كان الحق غير مالي كالغيبة مثلًا، فإنه يخرج منها بأن يذهب إلى من تكلم فيه، ويقول: إني تكلمت فيك فحلِّلني، ولا يخرج من عُهدتها إلا بذلك.

وقال بعض العلماء: إن كان الذي تكلم فيه قد علم فليذهب إليه وليستحله، وإن لم يعلم فلا يذهب إليه، بل يستغفر له، ويذكره بخير في الأماكن التي كان يغتابه فيها؛ لأنه ربما لو ذهب إليه وطلب أن يحلله ربما تأخذه العزة بالإثم فيأبى؛ لأن بعض الناس لا يهمه أن يأتي إليه أخوه معتذرًا، بل إذا قال: إني تكلمت فيك، فأرجوك السماح؟ قال له: ليش تكلمت فيَّ؟ من قائل لك؟ من أحلك عرضي؟ ! ثم غضب وأبى أن يسامح.
وهذا القول هو الصحيح؛ أنه إن علم أنك اغتبته، فاستحِلَّه.
فإن قال: أنا لا أحللك إلا إذا أعطيتني عشرة دراهم، يعطيه؟ طلبة: نعم، يعطيه.
الشيخ: نعم، يعطيه؛ هذا حق له، أو أكثر -حتى لو طلب أكثر- يعطيه؛ لأن إعطاءه في الدنيا أهون من إعطائه في الآخرة.
قال: (وترك التشاحن) التشاحن بين الناس؛ يعني يأمر الإمام الناس أن يتركوا التشاحن فيما بينهم، وهي الشحناء والعداوة، والبغضاء؛ لأن التشاحن سبب لرفع الخير، ودليل ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم ليخبر أصحابه بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين فرُفِعَتْ (29)؛ يعني رُفع العلم بها؛ يعني أن الرسول عليه الصلاة والسلام أُنسيها من أجل التشاحن.
قال العلماء: فنأخذ من هذا أنه إذا كنا نطلب من الله الخير أن ندع التشاحن فيما بيننا.
فإذا قال قائل: كيف يمكن أن يُزيل الإنسان ما في قلبه من الحقد أو الغل على أخيه؟ كيف يمكن؟ هذه تعتري كثيرًا من الناس، يكون في قلبه حقد على أحد، أو عداوة، ثم لا يستطيع أن يتخلص منها؟ فنقول: يستطيع الإنسان أن يتخلص بأن يذكر ما في بقاء هذه العداوة من المآثم، وفوات الخير حتى إن الأعمال تُعرض على الله يوم الإثنين والخميس، فإذا كان بين اثنين شحناء قال: «أَنظِرا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا» (30)، يعني الرب عز وجل ما ينظر في عملك يوم الإثنين والخميس إذا كان بينك وبين أخيك شحناء.

ثانيًا: أن يعلم أن العفو والإصلاح فيه خير كثير للعافِي، وأنه لا يزيده ذلك العفو إلا عزًّا، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا» (31). ثالثًا: أن يعلم أن الشيطان -وهو عدوه- هو الذي يوقِد نار العداوة والشحناء بين المؤمنين؛ لأنه يحزن أن يرى المسلمين متآلفين متحابين، فيحزن إذا رآهم كذلك، ويفرح إذا رآهم متفرقين، والعداوة والشحناء بينهم.
فإذا ذكر الإنسان المنافع والمضار، فالإنسان عاقل، لا بد أن يأخذ بما فيه المصالح والمنافع، ويدع ما فيه المضار والمفاسد.
فعليك أن تجاهد نفسك، ولو أهنتها في الظاهر، فإنك تعزها في الحقيقة؛ لأن من تواضع لله رفعه، «وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا».
وجرب تجد، تجد أنك إذا فعلت هذا الشيء وعفوت، وأصلحت ما بينك وبين إخوانك تجد أنك تعيش في راحة، في طمأنينة، في انشراح صدر، في سرور قلب، لكن إذا كان في قلبك حقد عليهم أو عداوة فإنك تجد نفسك في غاية ما يكون من الغم والهم، وكيف أتخلص؟ وكيف أعمل؟ ثم يأتيك الشيطان بكل احتمالات يحتملها كلامه، يعني لو احتمل كلامه الخير والشر، ويش يقول لك الشيطان؟ احمله على الشر، مع أن المشروع أن يحمل الإنسان كلام إخوانه على الخير ما وجد له محملًا، متى وجدت محملًا للخير فاحمله على الخير، سواء في الأقوال أو في الأفعال، ولا تحمله على الشر.
بعض الناس -والعياذ بالله- يحمله على الشر، القول على الشر، أو الفعل على الشر، ثم يوزه الشيطان إلى أن يتجسس على أخيه، ويتابع أخاه، وينظر ماذا فعل؟ وماذا قال؟ فتجده دائمًا يُحلِّل أقواله وأفعاله، كأن عنده معامل، وليته يحمله على الأحسن، أو على الحسن، ولكن على السيئ والأسوأ، وذلك بإيحاء الشيطان والعياذ بالله.

والذي يجب على المؤمن إذا رأى من أخيه ما يحتمل الخير أو الشر أن يحمله على الخير، ما لم توجد قرائن قوية تمنع حمله على الخير، فهذا شيء آخر؛ يعني لو صدر مثل هذا من رجل معروف بالسوء ومعروف بالفساد ما يُحمل على الخير، لا بأس أنك تحمله على ما يحتمله كلامه، أما رجل مستور، ولم يُعلم عنه الشر، فإذا وُجِد في كلامه، أو في فِعاله ما يحتمل الخير والشر فاحمله على الخير حتى تستريح.
وربما يُصاب هذا الرجل الذي يتتبع عورات الناس وأخطاءهم القولية والفعلية ربما يسلط الله عليه من يتابعه هو بنفسه، «وَمَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ فَضَحَهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ» (32). فالمهم أن هذه المسائل التشاحن سبب لمنع الخير.
ولهذا قال المؤلف: ينبغي للإمام عند إرادة الاستسقاء أن يأمر الناس بترك التشاحن؛ لأن التشاحن يمنع الخير.


الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المصنف رحمه الله: باب صلاة الاستسقاء

والخروج من المظالم، وترك التشاحن، والصيام، والصدقة، ويعدهم يومًا يخرجون فيه، ويتنظف ولا يتطيب، ويخرج متواضعًا متخشعًا متذللًا متضرعًا، ومعه أهل الدين والصلاح، والشيوخ والصبيان المميزون، وإن خرج أهل الذمة منفردين عن المسلمين لا بيوم لم يُمنعوا، فيصلي بهم، ثم يخطب واحدة يفتتحها بالتكبير كخطبة العيد، ويكثر فيها الاستغفار وقراءة الآيات التي فيها الأمر به، ويرفع يديه فيدعو بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا... » إلى آخره، وإن سقوا قبل خروجهم شكروا الله، وسألوه المزيد من فضله وينادى: الصَّلاة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أن الاستسقاء هو؟ طالب: طلب السقيا بصلاة مخصوصة.

الشيخ: طلب السقيا، مطلقًا، لكن صلاة الاستسقاء هي اللي يقال فيها: صلاة مخصوصة.
هل الاستسقاء نوع واحد أو أنواع؟ طالب: الاستسقاء أنواع، إذا كان.. أراد به الله سبحانه وتعالى أو المخلوق.
الشيخ: إذا أراد الإنسان يستسقي ربه، هل هو نوع واحد أو أنواع؟ الطالب: أنواع.
الشيخ: أنواع.
الطالب: منها الاستسقاء.. الشيخ: منها الخروج إلى مصلى العيد، وأن يصلي صلاة الاستسقاء المعروفة.
ومنها؟ طالب: يستسقي بهم في يوم جمعة.
الشيخ: في خطبة الجمعة، تمام.
ما هو سبب صلاة الاستسقاء؟ طالب: إذا أجدبت الأرض وقحطت الأرض.
الشيخ: قحط المطر، ما معنى أجدبت الأرض؟ طالب: يعني الزرع جفَّ وكذا، فنقوم نطلب من الله عز وجل السقيا.
الشيخ: يعني لم تنبت.
قحط المطر يعني؟ الطالب: أي أنه لم ينزل المطر.
الشيخ: امتنع.
تُصلَّى صلاة الاستسقاء جماعة أو فرادى؟ طالب: يجوز أن تصلى فرادى.. الشيخ: يجوز أن تصلى جماعة، وأن تصلى فرادى كما قال المؤلف.
أظن وقفنا على: (وصفتها كعيد).
طالب: عند (وأمرهم بالتوبة من المعاصي).
الشيخ: إذا أرادوا الخروج لها يعني.
يقول المؤلف: (إن صفتها كصلاة العيد)، كيف؟ الطالب: التكبير.. الشيخ: التكبيرات الزوائد.. الطالب: نعم، التكبيرات الزوائد، والقراءة، والركوعات والسجودات.. الشيخ: نعم، هل فيها دليل على هذا؟ الطالب: فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: من رواه عنه؟ طالب: ابن عباس.. الشيخ: حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلَّاها كما يصلي العيد (33). يقول المؤلف: (وإذا أراد الإمام الخروج لها)، هل المراد الإمام الأعظم؟ الطالب: قد يراد به الإمام الأعظم، أو يراد به الإمام الذي يُصلي بالناس.
الشيخ: الذي يصلي بالناس.
الطالب: والثاني أقرب.
الشيخ: والثاني أقرب؛ للعموم.
قوله: (وعظ الناس) ما هي الموعظة؟ الطالب: خطب فيهم.
الشيخ: لا، إذا أراد الخروج -يعني الإمام- وعظ الناس؟ طالب: وعظهم بترك التشاحن.

الشيخ: أيش معنى وعظ؟ الطالب: خطب فيهم، بَيَّن لهم بالترغيب والترهيب.. التذكير المقرون بالترغيب والترهيب.
الشيخ: التذكير المقرون بالترغيب والترهيب ليُليِّن القلوب.
(أمرهم بالتوبة من المعاصي) التوبة معناها؟ طالب: الإقلاع عن الذنب.
الشيخ: الإقلاع عن الذنب، يعني الرجوع إلى الله عز وجل، من معصيته إلى طاعته.
لها شروط؟ طالب: لها خمسة شروط.
الشيخ: خمسة شروط.. الطالب: الإخلاص.
الشيخ: الإخلاص لله.. الطالب: الندم على فعل المعصية.
الشيخ: الندم على فعل المعصية.
الطالب: الإقلاع عنها.
الشيخ: الإقلاع عنها.
الطالب: العزم ألا يعود.
الشيخ: العزم ألا يعود.
الطالب: خمسة.. طالب آخر: أن تكون في وقت قبول التوبة.
الشيخ: أن تكون في وقت قبول التوبة.
هل الشرط العزم ألا يعود أو ألا يعود؟ الطالب: العزم ألا يعود.
الشيخ: العزم ألا يعود، أو الشرط ألا يعود؟ الطالب: العزم ألا يعود.
الشيخ: ما الفرق بينهما؟ الطالب: الأول: إذا عاد لم تُقبل توبته.. الشيخ: لو قلنا: إن الشرط ألا يعود لم تُقبل توبته، الأولى لو عاد.. الطالب: والثاني تقبل التوبة الأولى، ويجدد توبة أخرى.
الشيخ: يجدد توبة أخرى، أحسنت.
الخروج من المظالم، أي مظالم هي؟ مظالم الخلق، أو المظالم اللِّي بين الإنسان وبين الخالق عز وجل؟ الطالب: تشملهما.
الشيخ: تشملهما، أفلا ينبغي أن نقول: مظالم الخلق؛ لأن المظلمة التي بين الإنسان وبين ربه ذكرها بقوله: (بالتوبة من المعاصي)؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: نعم، التوبة، الخروج من المظالم بماذا يكون؟ الطالب: (... ). الشيخ: بين الخلق بعضهم مع بعض؟ الطالب: (... ) إعادة الأموال إلى أصحابها؟ الشيخ: إذا كانت المظلمة مالًا فبرد المال إلى أصحابه؟ الطالب: وإن لم تكن مالًا فيتصدق على الفقراء.. الشيخ: إذا كانت عِرْضًا، مثلًا اغتابه بالمجلس.. الطالب: يستحله (... ). الشيخ: يستحله؟ الطالب: (... ).

الشيخ: يعني يذهب يقول: يا فلان، أنا اغتبتك فحلِّلني؟ الطالب: نعم.
طالب آخر: إذا كان قد علم فليذهب إليه، وإن لم يكن قد علم، فإنه يستغفر له، ويذكره بخير في المجالس التي ذكره بسوء فيها.
الشيخ: أحسنت؛ لأنه ربما لو أعلمه لأخذته العزة بالإثم، وأبى أن يحلله، تمام.
(أمرهم بترك التشاحن)، ما هو التشاحن؟ الطالب: التشاحن هي العداوة.
الشيخ: العداوة، نعم.. طالب: (... ). الشيخ: لأن كل هذه الأمور سبب لمنع القطر.
يأمرهم بالصيام، هذا صحيح؟


بسم الله الرحمن الرحيم، يأمرهم أيضًا بالصيام، يعني يأمرهم أن يصوموا.
قال بعض العلماء: يأمرهم أن يصوموا ثلاثة أيام، ويخرج في اليوم الثالث.
وقال بعضهم: يجعل الاستسقاء يوم الإثنين أو الخميس؛ لأن يومي الإثنين والخميس مما يُسنّ صيامهما، فيكون خروج الناس وهم صائمون.
وعللوا ذلك بأن الصائم أقرب إلى إجابة الدعوة من المفطر، فإنَّ للصائم دعوة لا ترد، ولهذا تجدون أكثر ما يأمر ولي الأمر بالاستسقاء في يوم الإثنين؛ لأنه يوم يُسن صيامه، فإذا صامه الناس وخرجوا في هذا اليوم، صار ذلك أقرب إلى الإجابة، هكذا قال المؤلف رحمه الله.
ولكنّ في هذا نظرًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حين خرج إلى الاستسقاء لم يأمر أصحابه أن يصوموا.
أما ما ذكره المؤلف أولًا؛ التوبة من المعاصي، والخروج من المظالم فهذه مناسبة، لكن الصيام طاعة مفعولة موجَدة، تحتاج إلى إثباتها بدليل، وإذا كان الأمر قد وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يأمر أصحابه بالصيام، فلا وجه للأمر به.
نعم، قد نقول: لو اختار يوم الإثنين، ولم يجعله سنة راتبة دائمًا، لا يكون استسقاء إلا في الإثنين من أجل أن يصادف صيام بعض الناس، لو قيل بهذا لم يكن فيه بأس.
لكن كوننا نجعلها سنة راتبة لا يكون الاستسقاء إلا في يوم الإثنين، أو نأمر الناس بالصوم، ففيه نظر.
قال: (ويأمرهم أيضًا بالصدقة)

الصدقة قد يُقال: إنها مناسبة؛ لأن الصدقة إحسان إلى الغير، والإحسان سبب للرحمة؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف- 56]، والغيث رحمة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى-28].
والصدقة هنا ليست الصدقة الواجبة، بل هي صدقة مستحبة، أما الصدقة الواجبة فإن منعها سبب لمنع القطر من السماء كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث المروي عنه: «وَمَا مَنَعَ قَوْمٌ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ» (34). قال: (ويعدهم يومًا يخرجون فيه) (يعدهم) الضمير يعود على مَنْ الفاعل؟ على الإمام.
والضمير (هم) المفعول يعود على الناس، يعني يقول: سنخرج في اليوم الفلاني، ويحسن أيضًا أن يعيِّن الوقت الزمن- من هذا اليوم، الساعة الفلانية؛ ليتأهبوا على وجهٍ ليس فيه ضرر عليهم؛ لأن الناس ربما لو خرجوا مبكرين، وتأخر الإمام حصل عليهم أذية من البرد إن كانوا في زمن شتاء صارم.
يقول: (ويتنظف، ولا يتطيب) (يتنظَّف) إذا قال العلماء: (يتنظف)، فالمراد إزالة ما ينبغي إزالته شرعًا أو طبعًا، فإزالة ما ينبغي إزالته شرعًا مثل: الأظفار، العانة، الإِبط، وما ينبغي إزالته طبعًا مثل: العَرق، والروائح الكريهة.

ويَخْرُجُ مُتواضعًا مُتَخَشِّعًا مُتَذَلِّلًا مُتَضَرِّعًا ومعه أهلُ الدِّينِ والصلاحِ والشيوخُ والصبيانُ المميِّزونَ، وإن خَرَجَ أهلُ الذِّمَّةِ مُنفرِدِينَ عن المسلمينَ لا بيومٍ لم يُمْنَعُوا، فيُصَلِّي بهم ثم يَخْطُبُ واحدةً يَفتَتِحُها بالتكبيرِ كخُطبةِ العيدِ ويُكثِرُ فيها الاستغفارَ وقراءةَ الآياتِ التي فيها الأَمْرُ به، ويَرفعُ يَدَيْهِ فيَدْعُو بدعاءِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ ومنه: " اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا " إلى آخِرِه وإن سُقُوا قَبلَ خُروجِهم شَكَرُوا اللهَ وسَأَلُوه الْمَزيدَ من فَضْلِه.
ويُنادَى الصلاةُ جامعةٌ، وليس من شَرْطِها إذْنُ الإمامِ، ويُسَنُّ أن يَقِفَ في أَوَّلِ الْمَطَرِ وإخراجُ رَحْلِه وثيابِه ليُصِيبَهما الْمَطَرُ.
وإذا زَادَت المياهُ وخِيفَ منها سُنَّ أن يَقولَ " اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الظِّرابِ والآكامِ وبُطونِ الأَوديةِ ومَنابِتِ الشجَرِ، رَبَّنَا لا تُحَمِّلْنَا ما لا طَاقةَ لنا به ". الآيةَ.
قال: (ويأمرهم أيضًا بالصدقة) (الصدقة) قد يقال: إنها مناسبة؛ لأن الصدقة إحسان إلى الغير، والإحسان سبب للرحمة؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: 56]، والغيث رحمة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى: 28]، والصدقة هنا ليست الصدقة الواجبة، بل هي صدقة مستحبة، أما الصدقة الواجبة فإنَّ منعها سببٌ لمنع القطر من السماء، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث المروي عنه: «وَمَا مَنَعَ قَوْمٌ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ» (1).

قال: (ويعدهم يومًا يخرجون فيه) (يعدهم) الضمير يعود على مَنْ؟ الفاعل؟ على الإمام، والضمير (هم) المفعول يعود على الناس؛ يعني يقول: سنخرج في اليوم الفلاني.
ويحسن أيضًا أن يعين الوقت -الزمن- من هذا اليوم، الساعة الفلانية ليتأهبوا على وجه ليس فيه ضرر عليهم؛ لأن الناس ربما لو خرجوا مبكرين وتأخر الإمام حصل عليهم أذية من البرد إن كانوا في زمن شتاء صارم.
يقول: (يعدهم يومًا يخرجون فيه، ويتنظف ولا يتطيب) (يتنظف) إذا قال العلماء (يتنظف)، فالمراد إزالة ما ينبغي إزالته شرعًا أو طبعًا، فإزالة ما ينبغي إزالته شرعًا مثل: الأظفار، العانة، الإبط، وما ينبغي إزالته طبعًا مثل: العرق، والروائح الكريهة، وإنما قالوا: إنه يستحب أن يتنظف؛ لأن هذا مكان اجتماع عام، وإذا كان الناس فيهم الرائحة المؤذية فإن هذا يؤذي بعض الحاضرين، فلهذا استحبوا أن يتنظف، ولكن (لا يتطيب)، وهذا يمكن أن تجعله لغزًا؛ تقول: ما هي الحال التي لا ينبغي للإنسان أن يتطيب فيها؟ أو ما هي الصلاة التي لا ينبغي للإنسان أن يتطيب لها؟ هذا أحسن.
تقول: هي صلاة؟ الطلبة: الاستسقاء.
الشيخ: الاستسقاء؛ لأن صلاة الجمعة يُستحب لها الطيب، وغيرها لا يُؤمر به ولا يُنهى عنه، والاستستقاء قالوا: لا يتطيب، وعللوا هذا بأنه يوم استكانة وخضوع، والطيب يشرح النفس، ويجعلها تنبسط أكثر، والمطلوب في هذا اليوم الاستكانة والخضوع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج متخشعًا متذللًا متضرعًا.
وهذا أيضًا في النفس منه شيء، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه الطِّيب، وكان يحب الطِّيب، ولا يمنع إذا تطيب الإنسان أن يكون متخشعًا مستكينًا لله عز وجل، ولهذا لو أراد إنسان أن يدعو الله بغير هذه الحال نقول: الأفضل ألا تتطيب من أجل أن تكون مستكينًا لله؟ ! لا نقول بهذا.

قال: (ويخرج متواضعًا متخشعًا متذللًا متضرعًا) هذه كلها أوصاف تدل على أن الإنسان لا يخرج في فرح وسرور؛ لأن المقام لا يقتضيه، يخرج متواضعًا بقلبه وهيئته وقوله، والتواضع معروف، حتى إنك ترى الرجل وتعرف أنه من المتواضعين، وترى الرجل وتعرف أنه من المتكبرين، متواضعًا لمن؟ للحق، وللخلق.
كذلك متخشعًا، الخشوع سكون الأطراف، وأن يكون على الإنسان وقار وهيبة متذللًا من الذل، وهو الهوان؛ بمعنى أن يضع من نفسه، وهو قريب من التواضع، لكنه أشد؛ لأن الإنسان يرى نفسه أنه ذليل أمام الله عز وجل.
متضرعًا، التضرع يعني الاستكانة أو شدة الإنابة إلى الله عز وجل: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: 55]، يعني في شدة اللجوء إلى الله عز وجل.
ودليل هذه الأوصاف قول ابن عباس رضي الله عنهما: خرج النبي صلى الله عليه وسلم للاستسقاء متذللًا متواضعًا متخشعًا متضرعًا (2). قال: (ومعه أهل الدين والصلاح والشيوخ والصبيان المميزون) معه أهل الدين والصلاح؛ لأن هؤلاء أقرب إلى إجابة الدعوة.
وقوله: (الدين والصلاح) من باب عطف المترادفين؛ لأن كل صاحب دين فهو صاحب صلاح.
وقوله: (الشيوخ) الكبار الذين أمضوا أعمارهم في الدين والصلاح؛ لأنهم أقرب إلى الإجابة، ومعه الصبيان المميزون، الصبيان المميزون الذين لم يبلغوا؛ لأنه لا ذنوب لهم، فيكونون أقرب إلى الإجابة ممن ملأت الذنوب صحائفهم.
وقوله: (المميزون) خرج به الصغار، الصغار الذين لم يميزوا؛ فإنهم لا يخرجون؛ لأنه ربما يحصل منهم من الأذية والصياح والبكاء أكثر مما يحصل من المنفعة.
وقول المؤلف: (معه)، ظاهر كلامه أنهم يصحبونه في الممشى، لأنه قال: (يخرج ومعه).
ويحتمل أنه أراد المعية في الصلاة، لا في كونهم يخرجون مصاحبين له في سيره إلى المسجد، وهذا هو الأقرب أن المراد بالمعية هنا المعية في الصلاة؛ لأنها هي المقصودة.

عندي يقول: (ويُباح التوسل بالصالحين)، وهذه عبارة على إطلاقها فيها نظر، ولكنهم يريدون بذلك -رحمهم الله- التوسل بدعائهم، بدعاء الصالحين؛ لأن دعاء الصالحين أقرب إلى الإجابة من دعاء غير الصالحين.
ودليل هذه المسألة -أعني التوسل بدعاء الصالحين- ما حصل من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين خرج يستسقي ذات يوم فقال: اللهم إنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا لنتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، ثم قال: قم يا عباس فادعُ الله، فقام فدعا فسقاهم الله (3). وأما التوسل بالصالحين بذواتهم، فهذا لا يصح؛ وذلك لأن التوسل فعل ما يكون وسيلة للشيء، وذات الصالح ليست وسيلة للشيء ما هي العلاقة بين دعائي وبين ذات الرجل الصالح؟ ! وأقبح من ذلك أن يتوسل بالقبور؛ فإن هذا قد يؤدي إلى الشرك الأكبر، ودعاء أهل القبور.
ثم قال المؤلف: (وإن خرج أهل الذمة منفردين عن المسلمين لا بيوم لم يُمنعوا) أهل الذمة هم الذين بقوا في بلادنا، وأعطيناهم العهد والميثاق على حمايتهم ونصرتهم بشرط أن يبذلوا الجزية، وقد كان هذا موجودًا حين كان الإسلام عزيزًا، أما اليوم فإنه متعذر إلا أن يشاء الله في المستقبل.
لكن على كل حال إذا طلب أهل الذمة أن يستسقوا بأنفسهم منفردين عن المسلمين بالمكان لا باليوم فإنه لا بأس فيه، مثل أن يقولوا: نحن نخرج للشمال -شمال البلد- وأنتم في جنوب البلد، فإننا نمنحهم ذلك، وإن كانت صلاتهم باطلة ودعاؤهم باطلًا، ولكن إذا دعا المضطر ربه عز وجل فإنه يجيب دعاءه، ولو كان مشركًا، ولو علم الله أنه سيشرك بعد النجاة كما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: 65]، فينجيهم الله عز وجل؛ لأنه يجيب دعوة المضطر ولو كان كافرًا.

فنحن لا نمنعهم أن ينفردوا عنا بمكان، لا أن ينفردوا بيوم، لو قالوا: نحن نريد أن ننفرد باليوم أنتم يوم الأحد ونحن يوم الإثنين أو بالعكس، فإننا لا نوافقهم، لماذا؟ لأنه ربما ينزل المطر في اليوم الذي استسقوا فيه، فيكون في ذلك فتنة، ويقال: هم الذين على حق.
ومثل ذلك أهل البدع؛ لو أن أهل البدع طلبوا منا أن ينفردوا بمكان أذنَّا لهم، فإن طلبوا أن ينفردوا بزمان منعناهم؛ لأننا إذا منعنا أهل الذمة مع ظهور كفرهم، فمنعنا لأهل البدع من باب أولى، لو جاءنا قوم من الصوفية وقالوا: نحن نريد أن نستسقي في يوم الإثنين وأنتم يوم الأحد قلنا: لا، أو من الرافضة قالوا: نحن نريد أن نستسقي يوم الإثنين وأنتم يوم الأحد.
قلنا: لا؛ لأنه لو صادف أن ينزل المطر في يوم استسقائهم حصل بذلك مفسدة كبيرة.
فإن قال قائل: هل هذا أمر ممكن أو أمر فرضي؛ أي: أن ينزل المطر في يوم يستسقي فيه أهل الذمة أو أهل البدع، هل هو أمر فرضي أو أمر قد يقع؟ فالجواب: أنه أمر قد يقع.
فإن قال قائل: كيف يقع وفيه فتنة وإغراء بهذا المذهب الباطل، أو هذا الدين الباطل؟ فالجواب: أن ذلك من الفتن التي يفتن الله بها عباده، نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من الفتن، قد يفتن الله العباد بشيء يكون سببًا في ضلالهم من حيث لا يشعرون، فإن طلب أهل الذمة أن يخرجوا معنا، قالوا: نحن لا نريد الانفراد لا بالمكان، ولا بالزمان فإننا لا نمكنهم لقول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: 25].

أهل الذمة، هل هم كل كافر عقدنا معه الذمة؟ أو يختص بجنس معين من الكفار؟ المذهب يختص بجنس معين من الكفار، وهم ثلاثة: اليهود، والنصارى، والمجوس.
والصحيح أنه عام لكل كافر، كل كافر أبى الإسلام ورضخ للجزية، فإننا نعقد معه الذمة؛ لأن حديث بريدة بن الحصيب الذي ثبت في صحيح مسلم ذكر النبي عليه الصلاة والسلام له من جملة ما ذكر أنه إذا نزل على أهل حصن وأبوا الإسلام فإنه يطلب منهم الجزية (4). قال المؤلف رحمه الله: (فيصلي بهم ركعتين) (يصلي) الفاعل الإمام، (ثم يخطب واحدة).
قال: يصلي ثم يخطب.
فأفادنا أن الخطبة تكون بعد الصلاة كالعيد، ولكن قد ثبتت السنة أن الخطبة تكون قبل الصلاة، كما جاءت السنة بأنها تكون بعد الصلاة.
وعلى هذا فتكون خطبة الاستسقاء قبل الصلاة وبعدها، ولكن إذا خطب قبل الصلاة لا يخطب بعدها، يعني لا يجمع بين الأمرين؛ إما أن يخطب قبل، وإما أن يخطب بعد.
(ثم يخطب خطبة واحدة يفتتحها بالتكبير) ومن هنا خالف العيد، خالفت صلاة الاستسقاء صلاة العيد؛ لأن العيد على المذهب يَخطب لها خطبتن.
قال: (يفتتحها بالتكبير كخطبة العيد) وقد سبق أن خطبة العيد يفتتحها بالتكبير على المشهور من المذهب، وأن في المسألة خلافًا، وأن من العلماء من قال: يفتتحها بالحمد كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل في جميع خطبه، وهكذا نقول في خطبة الاستسقاء، بل لو قال قائل: إن خطبة الاستسقاء تُبدأ بالحمد بخلاف خطبة العيد لكان متوجهًا؛ لأن خطبة العيد تأتي في الوقت الذي أُمرنا فيه بكثرة التكبير.
قال: (ويُكثر فيها الاستغفار)، وهو طلب المغفرة، فيقول: اللهم اغفر لنا، اللهم إنا نستغفرك، وما أشبه ذلك، والمغفرة هي ستر الذنب والعفو عنه؛ يعني أن يستر الله الذنب ويعفو عنه فلا يؤاخذك به، مأخوذة من (المِغْفر)، وهو الذي يضعه المقاتل على رأسه اتقاء السهام، لئلا تصيبه السهام، ومعلوم أن المغفر يحصل به أمران: الستر والوقاية.

(وقراءة الآيات التي فيها الأمر به)، مثل قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: 10]، ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: 3]، ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: 61] إلى ما يحصل للإنسان من الآيات التي يستحضرها في تلك الساعة.
(ويرفع يديه فيدعو بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم) يرفع الإمام يديه، وكذلك المستمعون يرفعون أيديهم؛ لأنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رفع يديه حين استسقى في خطبة الجمعة رفع الناس أيديهم (5). (يرفع يديه فيدعو بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم)، وينبغي في هذا الرفع أن يبالغ فيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبالغ فيه حتى يُرى بياض إبطيه (6)، ولا يرى البياض إلا مع الرفع الشديد، حتى إنه جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ظهورهما نحو السماء (7). واختلف العلماء في تأويله، فمنهم من قال: إنه قال هكذا، ومنهم من قال: بل رفعهما رفعًا شديدًا، حتى كان الرائي يرى أن ظهورهما نحو السماء، لأنه إذا رفع شديدًا هكذا، صار ظهورهما نحو السماء، وهذا هو الأقرب، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ وذلك لأن الرافع يديه عند الدعاء يستجدي ويطلب، ومعلوم أن الطلب إنما يكون بباطن الكف لا بظاهره.
قال: (ومنه: «اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، هَنِيئًا مَرِيئًا» (8)) إلى آخره.
(«اللَّهُمَّ اسْقِنَا»): بهمزة الوصل من (سَقَى، يَسْقِي)، وبهمزة القطع من (أَسْقَى، يُسقي)، وكلاهما صحيح، قال الله تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ [المرسلات: 27]، وقال تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: 21]، الآية الثانية من (سَقَى) الثلاثي، والأولى من (أسقى) الرباعي.

(«اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا»)، الغيث هو المطر، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [الشورى: 28]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان: 34].
وقوله: («مُغِيثًا») أي: مزيلًا للشدة، وذلك لأن المطر قد ينزل ولا يزيل الشدة، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «لَيْسَتِ السَّنَةُ ألَّا تُمْطَرُوا، بَلِ السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا وَلَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ شَيْئًا» (9). وهذا يقع أحيانًا؛ تحصل أمطار كثيرة ولا تنبت الأرض، وأحيانًا تأتي أمطار خفيفة ويكون الربيع كثيرًا، المهم أنك تسأل الله أن يكون «غَيْثًا مُغِيثًا».
يقول (إلى آخره) أي: آخر الدعاء.
وذكره في الشرح فقال: («هَنِيئًا مَرِيئًا، غَدَقًا مُجَلِّلًا، سَحًّا عَامًّا، طَبَقًا دَائِمًا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ» (10)).
(«هَنِيئًا مَرِيئًا»): الهنيء: ما لا مشقة فيه، وما يمتن الناس به، ويستريحون له.
والمريء: المري، ذو العاقبة الحسنى.
والغدق: الكثير ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: 16].
والسَّح: يعني الذي ليس فيه العواصف؛ لأن العواصف مع الأمطار تؤذي وتُؤلم، وربما تفسد الجدران، وتهدم البيوت.
(«عَامًّا»): أي: شاملًا.
(«طَبَقًا»): يعني واسعًا.
(«دَائِمًا»): أي مستمرًّا، ولكن هذا الدوام مشروط بألا يكون فيه ضرر.
(«اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ» (11)).
طالب: «مُجَلِّلًا».
الشيخ: ما هي عندي، إي نعم («مُجَلِّلًا»)، المجلِّل: المغطي للأرض، ومنه جِلال الناقة الذي يُغطى به ظهرها.
(«اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ») («اسْقِنَا الْغَيْثَ»): يعني المطر الذي يكون مُغيثًا.

(وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ») القانط: هو المستبعد لرحمة الله، وهذه حال تعتري الإنسان، يستبعد رحمة الله عز وجل؛ لأنه يرى ذنوبه كثيرة، ويرى الفساد المنتشر، فيقول: بعيد أن الله يرحمنا، وهذا غلط قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: 56] الضائع، فمن عرف حلم الله عز وجل ورحمته فإنه لا يمكن أن يقنط، حتى لو كانت منه ذنوب كثيرة ومعاصي كبيرة فإن عفو الله أوسع.
(«اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ، لَا سُقْيَا عَذَابٍ، وَلَا بَلَاءٍ، وَلَا هَدْمٍ، وَلَا غَرَقٍ» (12)) إلى آخره، ذكر دعاءً طويلًا.
طالب: بالنسبة إلى رفع اليدين ما يكون بظاهر اليدين (... ) يتحول (... ). الشيخ: لا، لو كان هذه المناسبة، لقلنا: يدعو أولًا بالبطون، ثم بالظهور؛ لأن ما قاله شيخ الإسلام هو أقرب إلى الصواب.
طالب: وإن خرج أهل الذمة يا شيخ، ما هو الدليل على ذلك؟ الشيخ: على أيش؟ الطالب: وإن خرج أهل الذمة منفردين عن المسلمين.
الشيخ: ما هو الدليل على أيش؟ الطالب: يعني الدليل على.. الشيخ: على تمكينهم من الخروج؟ الطالب: نعم.
الشيخ: الدليل أن هذا الغيث يضرهم فقده، وينفعهم وجوده، فهم مضطرون، كالمشركين إذا ركبوا في الفلك.
طالب: (... ) النبي صلى الله عليه وسلم (... ) اليهود والنصارى.
الشيخ: بس هم قلة، ولا طلبوا يُحمل على أنهم قلة، ولم يطلبوا.
طالب: أحسن الله إليك، التوسل بالصالحين (... )؟ الشيخ: ممكن، إذا لم يُخشَ أن يفتتن الذي تُوسل به؛ لأنه بالوقت الحاضر لو يقوم فيدعو ربما يفتتن هو ويفتتن الناس به، فإذا خِيف من ذلك تُرك.
طالب: بشرط يكون في الملأ؟

الشيخ: في الملأ، إي نعم، حتى لو كان وحده وقلت: يا فلان، ادعُ الله لي، لمن ترجو منه الصلاح، فهذا لا بأس به، لكن بشرط إذا كان الدعاء لأمر عام، يا فلان، ادعُ الله أن يغيثنا، ادعُ الله أن ينقذنا من الشدة، أما الدعاء للشخص نفسه خاص، فقد ذكر شيخ الإسلام أنه إذا لم يقصد نفع أخيه فإنه من المسألة المذمومة.
طالب: ألا ترى أن يغلب جانب الترهيب في خطبة الاستسقاء؟ الشيخ: والله ينبغي أن يُغلَّب هذا وهذا.
أولًا: أرى أنه ينبغي أن يُغلب جانب الترغيب قبل الدعاء؛ لأنك لو ذكرت الترهيب قبل الدعاء أوجب أن يقنطوا من الرحمة، لكن اذكر الترغيب أولًا، ثم بعد ذلك إذا دعوا وانتهى الدعاء اذكر الترهيب وحذَّرهم؛ لأجل أن يَرِد الدعاء على قلوبٍ منفتحة راجية، هذا هو الذي أرى أحسن؟ طالب: أحسن الله إليك، يشرع (... ) هيئة اللباس (... )؟ الشيخ: لا، الأحسن يكون لباسًا عاديًّا.
الطالب: (... ). الشيخ: والله ما أحفظ سنة أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما أراد الخروج خرج بثياب بذلة، لكن يخرج متخشعًا، حتى الإنسان بلباسه العادي يختلف، لكن متخشع عنده وقار سكون.
طالب: (... ) الضلال يذهبون لشخص من الأشخاص، يبذلون له مالًا، فيكتب لهم أشياء (... )، هذا يُشرع (... ) للصلاة (... )، يُصلون (... ). الشيخ: تزول الفتنة يعني؟ طالب: إي نعم.
الشيخ: لتزول الفتنة؟ الطالب: غالبًا ما (... ). الشيخ: لا بأس، أقول: لا بأس، هذا طيب، من أجل ألا ينسب نزول المطر إلى هؤلاء المبتدعة.
طالب: حديث ابن عباس يا شيخ، يقول الرسول لابن عباس لم يذكر خطبتكم هذه (13)، كيفية الخطبة يعني أو (... ). الشيخ: الظاهر -والله أعلم- أنه في عهد ابن عباس كان هناك خطب مطولة كثيرة، فأنكرها رضي الله عنه، وذكر ما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم من خطبة موجزة جامعة نافعة.
طالب: (... ) الإمام أحمد (... ) يتوسل بجاه النبي؟ الشيخ: إي نعم، أولًا: هذه لا بد أن نطالب بصحة النقل عن أحمد.

وثانيًا: لو قاله أحمد فإن هذه الرواية ضعيفة من حيث الدليل؛ وذلك لأن التوسل بالجاه لا ينفع، إذا قدرنا هذا الرجل له جاه عند الله، ويش ينفعك؟ لو أن الإنسان قال: أسأله بجاه الرسول؛ بمعنى أني أسألك بأني أؤمن بأن للنبي صلى الله عليه وسلم جاهًا، فهذا يكون من باب الإيمان، من باب التوسل بالإيمان، فإذا صح عن أحمد، وأمكن أنه يحمل على هذا حمل.
إني أسألك بجاهه، أي: بأني أؤمن بأن له جاهًا عندك كما قال تعالى عن موسى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: 69]، وقال عن عيسى: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: 45].
طالب: قول أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء (14). الشيخ: نعم.
الطالب: على أي شيء يحمل؟ الشيخ: على الخطبة.
الطالب: جميع الخطب؟ الشيخ: نعم، الخطب فقط.
طالب: شيخ.
الشيخ: نعم؟ الطالب: (... ). الشيخ: المعروف من المذهب أنه يكون في أثناء الخطبة، يقلب رداءه ويستقبل القبلة ويدعو، وقال بعض العلماء: إنما يكون القلب بعد الدعاء؛ تفاؤلًا بأن الله أجاب الدعاء، وأن الله سيقلب الحال من الشدة إلى الرخاء.
طالب: شيخ، هل الإسلام يشترط لها إذن السلطان؟ الشيخ: المذهب لا يشترط (... ). الطالب: بالنسبة (... ) قوم (... ). الشيخ: إي نعم، المذهب لا يشترط، ولكن لو قيل: نظرًا لأن الأهواء كثرت، لو قيل: بأنه لا يُخرج إلا بإذن الإمام كان حسنًا، كما هو المتبع عندنا الآن، لكن إذا قدرنا أننا في بلد لا يهتم الإمام بهذا الشيء، وأردنا أن نتواعد في مكان في البيت أو غير البيت هذا لا بأس به.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- أقول: لو كان الاستسقاء يوم الخميس، ألا يكون أحسن من يوم الإثنين لا سيما أن الناس الخميس في أيام إجازة، الخروج من المصلى لا شك (... )؟ الشيخ: يقولون: يوم الخميس نخشى أن يناموا.
طالب: هذه عِلَّتهم.

الشيخ: هذا تعليلهم، إي نعم.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: وإن سقوا قبل خروجهم شكروا الله، وسألوه المزيد من فضله، وينادي: الصلاة جامعة، وليس من شرطها إذن الإمام، ويسن أن يقف في أول المطر، وإخراج رحله وثيابه ليصيبهما المطر، وإذا زادت المياه، وخِيف منها سن أن يقول: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الظِّرَابِ وَالآكَامِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ» (15). ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ الآية.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما الفرق بين خطبة العيد وخطبة الاستسقاء؟ طالب: أن خطبة العيد خطبتان، والاستسقاء واحدة.
الشيخ: نعم، والموضوع؟ طالب: (... ). طالب آخر: حتى الخطبة في فرق (... ) أنه في صلاة الاستسقاء يجوز قبل وبعد، أما في صلاة العيد بعد، الاستسقاء يجوز قبل وبعد.
الشيخ: فقد ورد؟ الطالب: في السُّنة.
الشيخ: قبل وبعد، أيضًا الموضوع؟ طالب: صلاة العيد السنة التكبير.
الشيخ: ويبين أحكام ما يتعلق بالعيدين، وفي الاستسقاء يكثر من الاستغفار والدعاء بطلب الغيث.
هل يجوز تمكين أهل الذمة من صلاة الاستسقاء؟ طالب: إذا كان في اليوم الذي يصلي فيه المسلمون يجوز، (... ) المكان الذي يصلي فيه المسلمون.
الشيخ: يعني إذا كانوا بمكان منفردين، وفي نفس اليوم، فإنه جائز لو كانوا في نفس اليوم، لكن يصلون قبل المسلمين؟ الطالب: لا.
الشيخ: يمنعون.
الطالب: في الوقت الذي يصلي فيه المسلمون.
الشيخ: أو بعده.
الطالب: أو بعده.
الشيخ: يقول المؤلف: إنه يجوز التوسل بالصالحين؟ طالب: بدعاء الصالحين.
الشيخ: بدعاء الصالحين، هل لهذا من دليل؟

طالب: نعم، عمر رضي الله عنه كان الاستسقاء في عهده، فدعا الله عز وجل وقال: اللَّهُمَّ إنا كُنَّا نسْتَسْقِي إليكَ بِنَبيِّنا فاسْقنا، وإنا نستسقي إليك بِعَمِّ نبينا فاسْقِنا، ثم قال: قُمْ يا عباس فادْعُ لنا، فقام العباسُ رضي الله عنهما فدعا الله عز وجل فَسُقُوا (16). الشيخ: هل نتوسل بجاه الصالحين عند الله؟ طالب: (... ). الشيخ: أليس لهم جاه عند الله؟ طالب: نعم يا شيخ، لكن لا يتوسل بجاههم (... ). الشيخ: ولأنه لا ينفع؛ لأن الجاه إنما ينفع صاحبه، أما نحن فلا ينفعنا.
هل يرفع يديه إذا دعا؟ طالب: نعم، يرفعها.
الشيخ: يرفع يديه.
الطالب: يرفع يديه، وكذلك المصلون.
الشيخ: ولو في الخطبة؟ الطالب: ولو في الخطبة.
الشيخ: ما الدليل؟ الطالب: الدليل فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: فعل النبي.
الطالب: ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه رفع يديه، ورفع المصلون أيديهم.
الشيخ: رفع يديه حتى بدا بياض إبطه (17). قال: («غَيْثًا مغيثًا»)، ما هو الغيث؟ طالب: (... ) في اللغة.
الشيخ: ومغيث؟ الطالب: (... ). الشيخ: ويش معنى مغيث؟ الطالب: مزيلًا.
الشيخ: مزيل لأيش؟ الطالب: (... ) أو يسقط المطر.
الشيخ: ويش معنى مزيل؟ مزيل أيش؟ الطالب: مزيلًا للشدة.
الشيخ: مزيلًا للشدة نعم.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (وإنْ سقوا قبل خروجهم شكروا الله وسألوه المزيد من فضله)

(إن سقوا) الضمير يعود على الناس، يعني إن سقاهم الله وأنزل المطر قبل أن يخرجوا فلا حاجة للخروج، لو خرجوا في هذه الحال لكانوا مبتدعين؛ لأن صلاة الاستسقاء إنما تشرع لطلب السقيا، فإذا سقوا فلا حاجة، يكون عليهم وظيفة أخرى، وهي وظيفة الشكر، فيشكرون الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة، يشكرون الله تعالى بقلوبهم وبألسنتهم وبجوارحهم؛ لأن الشكر يتعلق بهذه الأشياء الثلاثة: القلب، واللسان، والجوارح؛ أما القلب فأن يوقن الإنسان بأن هذه النعمة من الله عز وجل، تفضل بها، وأما باللسان فأن يثني بها على الله، فيقول: الحمد الله الذي سقانا، وما أشبه ذلك من الكلمات، وأما الجوارح فأن يقوم بطاعة الله سبحانه وتعالى، بفعل أوامره وترك نواهيه.
هذا هو الشكر.
الشكر إذن يتعلق بالقلب واللسان والجوارح.
ولهذا قال الشاعر: أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا

وقول المؤلف: (وسألوه المزيد من فضله) أي: سألوا الله أن يزيدهم من فضله، ومن ذلك أن يقولوا: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ صَيْبًا نَافِعًا» (18)، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوله.
قال: (وينادي: الصلاة جامعة) (ينادي) يعني بصلاة الاستسقاء، إذا حان وقتها ينادي لها: الصلاة جامعةٌ، أو جامعةً؟ طلبة: يجوز (... ). الشيخ: يجوز الصلاةُ جامعةً، والصلاةَ جامعةً، والصلاةُ جامعةٌ.
ثلاثة أوجه: أما (الصلاةُ جامعةٌ) فهي مبتدأ وخبر.
وأما (الصَّلاةَ جامعةً) فالصلاةَ: مفعول لفعل محذوف، وجامعةً: حال من الصلاة، أي: احضروا الصلاة حال كونها جامعة.
وأما (الصلاةُ جامعةً) فالصلاةُ: خبر مبتدأ محذوف التقدير: هذه الصلاةُ، وجامعةً: حال من الصلاة، لكن هذا الوجه هو أضعفها، أضعف الوجوه الثلاثة.

يعني أنه إذا جاء وقت صلاة الاستسقاء، ارتفعت الشمس قيد رمح ينادى، ينادي المنادي: (الصلاة جامعة) ليحضر الناس، قياسًا على صلاة الكسوف، والمذهب؛ يعني أصحاب المذهب يرون أنه ينادى للكسوف والعيد والاستسقاء، ولكن ما ذكره المؤلف، بل ما ذكره الأصحاب في المناداة للعيد والاستسقاء ضعيف جدًّا.
أولًا: لأنه خلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ فالعيد وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن ينادى لها، وصلاة الاستسقاء كذلك لم يكن ينادى لها.
وقد ذكرنا قاعدة فيما سبق: أن كل شيء وُجد سببُه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يَشرع له شيئًا من العبادات، فشرع شيء من العبادات من أجله يكون بدعة؛ لأننا نحن يلزمنا الوقوف عند الشرع، عند أسبابه وعند جنسه وهيئته، إلى آخر ما عرفتم فيما سبق.
فإذن نقول: هذا لا يصح؛ لأنه خلاف السنة فيكون بدعة، ولأن إلحاق ذلك بصلاة الكسوف غير صحيح أيضًا، أي أنه يمتنع القياس؛ لأن صلاة الكسوف تأتي على غير تأهُّب وباغتة، وصلاة العيد معلومة من قبل، والناس يتأهبون لها، وكذلك الاستسقاء، وقد سبق في كلام المؤلف أنه قال: إن الإمام يعدهم يومًا يخرجون فيه، فالصلاة معلومة، لكن صلاة الكسوف تأتي على غير تأهب واستعداد، تأتي بغتة كما هو معروف.
حتى لو قال قائل: إننا اليوم نعلم بالكسوف متى يحصل ابتداءً وانتهاءً، وفي أي وقت من نهار أو ليل.
نقول: حتى في هذه الحال ينادي: الصلاة جامعة؛ لأن الحسابين قد يخطئون، ونحن قد علقت الصلاة منا بوجود الكسوف، لا بالعلم به، بل بوجوده، «إِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا وَادْعُوا» (19). إذن هذا القول بأنه ينادى لصلاة الاستسقاء وصلاة العيد: لا يصح أثرًا ولا نظرًا، لا يصح أثرًا؛ لعدم وروده، مع وجود سبب في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا نظرًا؛ لوجود الفرق بين الأصل والفرع.

قال: (وليس من شرطها إذن الإمام) يعني ليس من شرط إقامتها أن يأذن الإمام بذلك، بل إذا قحط المطر وأجدبت الأرض خرج الناس وصلوا، ولو صلى كل بلد وحده لم يخرجوا عن السنة، فليس من شرطها إذن الإمام، بل لو وجد السبب وقال الإمام: لا تصلوا، فإن في منعه إياهم نظرًا؛ لأنه وجد السبب، فلا ينبغي أن يمنعهم، ولكن حسب العرف عندنا: لا تُقام صلاة الاستسقاء إلا بإذن الإمام، اللهم إلا أن يكون قوم من البادية بعيدين عن المدن ولا يتقيدون، فهنا ربما يقيمونها وإن كان البلد لم يقيموها.
قال: (ويسن أن يقف في أول المطر وإخراج رحله وثيابه ليصيبها) (يسن أن يقف) السنة في اصطلاح الفقهاء هي ما يُثاب فاعله امتثالًا، ولا يُعاقب تاركه.
وقوله: (أن يقف) يعني أن يقف قائمًا.
(في أول المطر) يعني أول ما ينزل المطر، ويخرج رحله؛ أي: متاعه الذي في بيته أو في خيمته إن كان في البر، وكذلك ثيابه يخرجها؛ لأن هذا روي عن ابن عباس رضي الله عنهما.
والثابت من سنة النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا نزل المطر حسر ثوبه -حسره: يعني رفعه- حتى يصيب المطر بدنه، ويقول: «إِنَّهُ كَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِرَبِّهِ» (20)، وهذه السنة ثابتة في الصحيح.
وعليه فيقوم الإنسان، ويُخرج شيئًا من بدنه، إما من ساقه، أو من ذراعه، أو من رأسه، حتى يصيبه المطر اتباعًا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
وقوله: «إِنَّهُ كَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِرَبِّهِ»؛ لأن الله خلقه الآن، فهو حديث عهد بخلق الله.
ولكن هل يقال: إن هذا التعليل يتعدى لغيره مما يحدثه الله عز وجل؟ أو نقول: إن هذا تعليل بعِلَّة قاصرة على معلولها؟ الجواب: الثاني، أن هذه العِلَّة قاصرة على معلولها؛ ولهذا لا يمكن نقول للإنسان: إنه ينبغي أن يصيب من بدنه ما ولد من حيوان أو نحوه مما هو حديث عهد بالله.

ويستفاد من الحديث: «إِنَّهُ كَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِرَبِّهِ» (20) ثبوت الأفعال الاختيارية لله عز وجل التي تقع بمشيئته خلافًا لمن أنكر ذلك، فإن إنكاره عن جهل عن عقله وهو في الحقيقة جهل، وليس بعقل، فالرب عز وجل تقوم به الأفعال الاختيارية، ويفعل ما يشاء في أي وقت شاء.
قال: (وإذا زادت المياه وخيف منها سُن أن يقول: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا لَا عَلَيْنَا») إلى آخره.
(إذا زادت المياه) يريد بذلك مياه السماء؛ يعني الأمطار، ومثل ذلك أيضًا لو زادت مياه الأنهار على وجه يخشى منه، فإنه يسن أن يقول هذا الذكر يقول: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا».
ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب الناس يوم الجمعة، فقال: يا رسول الله، هلكَ المالُ وتهدم البِناء فادعُ اللهَ يمسكها عَنَّا.
فلم يدعُ الله بإمساكها، ولكنه دعا الله بإبقائها على وجه لا يضر فقال: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا» (21) إلى آخره.
وقوله: («اللَّهُمَّ»): هذه منادى حُذفت منها ياء النداء، وعُوِّض عنها الميم، ولم تُجعل الميم في أول الكلمة تيمنًا بالبداءة باسم الله، وجعلت في آخرها ميمًا؛ لأن الميم تدل على الجمع، فكأن الداعي جمع قلبه على الله عز وجل.
وقوله: («حَوَالَيْنَا»): أي: أنزله حوالينا، أي حوالي المدينة، وحوالي هنا ملحق بالمثنى؛ لأنه نصب بالياء بدلًا عن الفتحة؛ لأنه ملحق بالمثنى؛ حيث إنه لا يدل على اثنين بل على واحد، أي: حولنا.
(«وَلَا عَلَيْنَا») يعني ولا على المدينة التي خِيف أن تتهدم من كثرة الأمطار.
(«اللَّهُمَّ عَلَى الظِّرَابِ وَالْآكَامِ وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ» (15)).

  • عَلَم: قوله: («عَلَى الظِّرَابِ»): هي الروابي الصغار؛ يعني الأماكن المرتفعة من الأرض، لكن ليس ارتفاعًا شاهقًا، وذلك لأن المرتفع من الأرض يكون فيه النبات أسرع نموًّا وأحسن طروًّا؛ لأنه مرتفع قد تبين للشمس والهواء فيكون أحسن.
  • المؤلف: (ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به) هذه لم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكنها مناسبة، فإذا قالها الإنسان لا على سبيل أنها سنة فلا بأس، أما إذا قالها على أنها سنة فلا.
  • الكتاب: ربنا لا تحملنا، وهي في الآية: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا﴾ [البقرة: 286]، وإنما حذفها المؤلف؛ لأنها في الآية حرف عطف على ما سبق، وهنا لم يسبقها شيء تُعطف عليه، فلهذا حذف الواو فقال: (ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به)، الآية.

﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ كذلك، من باب التخلية، ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ كذلك، ﴿وَارْحَمْنَا﴾ من باب التحلية، يعني من باب إيجاد الشيء، فهذه الدعوات كلها دعوات مفيدة مناسبة، لكن بشرط ألا يتخذها الإنسان على أنها سُنة.
ذكر الشرح مسألة مفيدة، قال: (يحرم أن يقول: مُطرِنا بنوء كذا، ويُباح في نَوْء كذا، وإضافة المطر إلى النوء دون الله كفر إجماعًا، قاله في المبدع).
يقول: (يحرم أن يقول: مُطرنا بنوء كذا) والنَّوْء: هو النجم؛ يعني مطرنا مثلًا بالنجم الفلاني، بنجم الشولة، بنجم النعائم، بنجم سعد الذابح، بنجم سعد البلع، سعد السعود، وما أشبه ذلك، يحرم أن يقول هذا.
ودليله ما رواه، ما ثبت في الصحيح من حديث زيد بن خالد الجهني، أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية على إثر سماء كانت من الليل -يعني مطر نزل في الليل- فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من صلاة الصبح قال لهم: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ»؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: «قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ»، كم قسمًا صاروا؟ طالب: قسمين.
الشيخ: قسمين؛ «مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ».
«فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَهُوَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ» (22). وهذا نص صريح في أن من قال: مُطرنا بنوء كذا فهو كافر، ولهذا حكى في المبدع إجماع أهل العلم على ذلك.
إذن قول الإنسان: مُطرنا بنوء كذا مُحرَّم، بل هو من كبائر الذنوب، وهل يكون كفرًا أكبر مخرجًا عن الملة؟ هو بحسب عقيدة القائل: إن كان يعتقد أن النوء هو الذي خلق هذا المطر فهو كافر كفرًا مخرجًا عن الملة؛ لأنه ادعى أن مع الله خالقًا.

وإن كان يعتقد أن النوء سبب فإنه كافر كفرًا دون كفر، وإنما كان كافرًا فيما إذا اعتقد أنه سبب؛ لأنه أثبت سببية لم يثبتها الله عز وجل، فإن النجوم ليس لها أثر، وإنما هي أوقات فقط، أما أن يكون لها أثر في إنزال المطر أو عدم إنزاله فلا، وإنما هي أوقات.
لو قال: مطرنا في نوء كذا؟ طلبة: صحيح.
الشيخ: فهذا جائز؛ لأن (في) للظرفية، ومن ذلك استعمال العامة عندنا (الباء) هنا وهم يريدون الظرفية، يقول مثلًا: مطرنا بالمربعانية، مُطرنا بالشط، مُطرنا بالعقارب؛ العقارب هي السعود الثلاثة: سعد الذابح، وبلع، والسعود.
تسمى عندنا في العامية العقارب إذا قال: مُطرنا بسعد السعود وهو يقصد: (في سعد السعود) كما هي اللغة العامية عندنا، فهنا لا يكون كافرًا.
والباء قد تأتي بمعنى (في) مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات: 137، 138] يعني في الليل.
إذن القائل: (مُطرنا بنوء كذا) له ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يكون كافرًا كفرًا مخرجًا عن الملة، متى؟ إذا اعتقد أن للنوء تأثيرًا في خلق المطر.
ثانيًا: يعتقد أنه سبب، أن يريد بذلك السببية، فهذا؟ الطلبة: كفر أصغر.
الشيخ: كفر أصغر.
الثالث: أن يريد الظرفية؛ أي أننا مطرنا في هذا الوقت، فهذا جائز، هذا جائز، وهو الذي يريده العامة عندنا، العامة عندنا يقولون: مطرنا بكذا؛ يعني بالنجم الفلاني، يريدون بذلك الظرفية.


[مدخل (23) ثم قال المؤلف رحمه الله: (كتاب الجنائز).
طالب: (... ). الشيخ: تكلمنا عليه فيما سبق.
(الجنائز) جمع جنازة، وهي بفتح الجيم وكسرها بمعنى واحد، وقيل: بالفتح اسم للميِّت، وبالكسر: اسم لما يُحمل عليه الميت، فإذا قيل: جَنازة أي مَيِّت.
وإذا قيل: جِنازة أي نعش.

وهذا تفريق دقيق؛ لأن الفتح يناسب الأعلى، والميت فوق النعش، والكسر يناسب الأسفل، والنعش تحت الميت، وينبغي للإنسان أن يتذكر حاله ونهايته في هذه الدنيا، وليست هذه النهاية نهاية، بل وراءها غاية أعظم منها وهي الآخرة، فينبغي للإنسان أن يتذكر دائمًا الموت، ولكن يتذكر الموت لا على أساس الفراق للأحباب والمألوف؛ لأن هذه نظرة قاصرة.
ولكن على أساس فراق العمل والحرث للآخرة، فإنه إذا نظر هذه النظرة استعد وزاد في عمل الآخرة، وإذا نظر النظرة الأولى حزن وساءه الأمر، وصار على حد قول الشاعر: لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً لَذَّاتُهُ بِادِّكَارِ الْمَوْتِ وَالْهَرَمِ

فيكون ذكره على هذا الوجه لا يزداد به إلا تحسرًا وتنغيصًا، أما إذا ذكره على الوجه الأول وهو أن يتذكر الموت ليستعد له ويعمل للآخرة، فهذا لا يزيده حزنًا، وإنما يزيده إقبالًا إلى الله عز وجل، وإذا أقبل الإنسان على ربه فإنه يزداد صدره انشراحًا، وقلبه اطمئنانًا، فينبغي أن يستعد.
وفي هذا المجال يحسن البحث في أمور: أولًا: هل المريض إذا مرض، هل يعاد أو لا يعاد؟ الجواب: بل يعاد.
وعيادة المريض من حقوق المسلم على أخيه، وفي العيادة من جلب المودة والإلف، والمحبة شيء لا يعرفه إلا من أُصيب ثم عيد، فإنك إذا عُدت أخاك في مرضه يجد لهذا قيمة كبيرة عظيمة، لا يزال يتذكرها، فالعيادة -أعني عيادة المريض- من السنن المؤكدة، وفيها ثواب عظيم.

وقال بعض أهل العلم: بل هي فرْض على الكفاية، كتجهيز الميت، وأنه يجب على المسلمين أن يعودوا مرضاهم، فمن علم أن شخصًا ما مريض، ولكنه لا يُعاد وجب عليه أن يعوده، وجب عليه أن يعوده، وهذا القول أصح، أي أن عيادة المرضى من فروض الكفاية، وأن الناس إذا علموا بمريض ولم يعودوه أثموا، وإن قام به البعض سقط عن الباقين؛ لأنه ليس من الإسلام والإيمان في شيء أن يكون أخونا المسلم تتلفه الأمراض وتتقاذفه ونحن لا نعوده، أين الأخوة الإيمانية؟ فلا بد من عيادة المريض، ثم إذا عيد المريض، هل الأولى أن نبسط الكلام معه، وأن نذكر الماضي والحاضر، أو أن نقتصر على السلام والدعاء، ثم ننصرف؟ في هذا خلاف بين العلماء، والصحيح أن الخلاف قريب من اللفظي، وأن المسألة تعود إلى ما تقتضيه الحال، فقد يكون المريض يرغب أن هذا الشخص يبقى عنده ويحدثه، وهو يفرح به ويأنس به، فهذا نقول: الأفضل في حقك الإطالة، الإطالة حتى يظهر على صاحبك الملل.
وهناك شخص آخر مفارقته عيد ومقاربته نار، مثل هذا لا ينبغي أن يجلس عند المريض ولا لحظة، ولولا أننا نحب أن يكتسب الأجر لقلنا.
طالب: لا تعد.
الشيخ: لا تعد المريض، هو في غنى عنك، وهذا التفصيل هو الصحيح، أن الإنسان ينظر إلى ما تقتضيه الحال، ثم إن المريض أيضًا أحيانًا يكون متسع الصدر منشرحًا، يحب الأنس، ويحب الكلام، فهنا نطيل معه، أحيانًا يكون ضيق الصدر، يتململ من أمراضه، ويظهر على وجهه أنه يحب الانفراد، أو يحب أن يكون عنده أهله، أو ما أشبه ذلك فهنا نقول: نقتصر على أقل شيء، إذن القول الراجح في المكث عند المريض أنه يختلف.
الطلبة: حسب (... ). الشيخ: باختلاف الأحوال، حسب ما تقتضيه الحال.
ثالثًا: إذا عُدنا المريض، فهل نذكره بالتوبة، والوصية إن كان يريد الوصية، والخروج من المظالم، وما أشبه ذلك؟ أو ماذا؟

نقول أيضًا: ينبغي للإنسان أن ينظر حال المريض، إذا كان يعرف من حال المريض أنه متهاون بمظالم الناس، متهاون بما أوجب الله عليه، فينبغي أن يذكره، ولكن على وجه لا يزعجه؛ لأن المريض قد ضعفت نفسه، كل شيء يفكر فيه، فلو قال له: يا فلان، أوصِ، ما تدري متى يأتيك الموت، ماذا يقول المريض؟ ينزعج جدًّا.
وهذا كامرأة أذكرها عادت مريضًا، فقالت: الله يعافيه، والله وليدي أصابه مثلك هذا، ولا قعد إلا يومين.
أيش هذا؟ إي نعم، هل هذا زين؟ يمكن يموت قبل يومين، علشان هذا الكلام، فلا ينبغي للإنسان أن يزعج المريض بأي شيء، لكن إذا كان يعرف أن المريض عنده تفريط، عنده مظالم للخلق، فإنه يذكره بوجه لطيف يحصل به المقصود، مثلًا إذا علمنا أنه مَدِين مطلوب للناس يحسن أن نقول: إن كتابة الديون والإشهاد عليها حسن، والأمور بيد الله، والآجال عند الله، وما أشبه ذلك من الكلام الذي لا يزعجه.
رابعًا: هل يسأل المريض كيف يصلي وكيف يتطهر؟ أو نقول: إن هذا من باب التدخل فيما لا يعنيه؟ طالب: (... ). الشيخ: الذي نرى أنه إن كان المريض من ذوي العلم الذين يعرفون فلا حاجة أن تذكره؛ لأنه سيحمل تذكيرك إياه على إساءة الظن به، وأما إذا كان من العامة الجهال، فهنا يحسن أن نبين له.
وأذكر لكم قصة وقعت عليَّ، أنا عدت مريضًا، فسألته عن حاله، فقال: الحمد لله على كل حال، أنا لي نصف شهر أجمع وأقصر، أجمع وأقصر.
هذا يحتاج إلى تنبيه؛ لأنه يظن أن القصر مع الجمع، وأن من جمع قصر، مثل هذا يعلمنا أنه رجل عامي، لا بد نعلمه نذكره، ومن ذلك أيضًا أنه اشتهر عند العامة أن من لا يستطيع الإيماء بالركوع والسجود فإنه يومي بأصبعه، هذا مشهور عند العامة، فينبغي أن نسأل حتى لا يقع في الخطأ.
البحث الخامس: التداوي، هل يؤمر المرضى بالتداوي، أو يؤمرون بعدم التداوي أم في ذلك تفصيل؟

من العلماء من قال: ترك التداوي أفضل، ولا ينبغي أن يتداوى الإنسان، واستدلوا لذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما مرض ولدوه، أمر بأن يلد جميع من كان حاضرًا إلا العباس بن عبد المطلب، قالوا: وهذا دليل على أنه كره ما فعلوه.
واللدود: ما يُلد به المريض، وهو نوع من الدواء.
واستدلوا أيضًا بأن أبا بكر رضي الله عنه لما مرض، وقيل له: ألا ندعو لك الطبيب؟ قال: إن الطبيب قد رآني، فقال: إني أفعل ما أريد (24)، وأبو بكر هو خير الأمة بعد نبيها وهو قدوة وإمام.
ومن العلماء من قال: بل يسن التداوي لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، ولأنه من الأسباب النافعة، ولأن الإنسان ولا سيما المؤمن المغتنم للأوقات كل ساعة تمر عليه تنفعه، ولأن المريض يكون ضيق النفس، لا يقوم بما ينبغي أن يقوم به من الطاعات، وإذا عافاه الله انشرح صدره، وانبسطت نفسه، وقام بما ينبغي أن يقوم به من العبادات، فيكون الدواء إذن مرادًا؟ طالب: لغيره.
الشيخ: لغيره، فيسن.
وفصل بعض العلماء، فقال: إذا كان الدواء مما علم أو غلب على الظن نفعه بحسب التجارب، فهو أفضل، وإن كان من باب المخاطرة فتركه أفضل؛ لأنه إذا كان من باب المخاطرة فقد يحدث فيه رد فعل، فيكون الإنسان هو الذي تسبب لنفسه بما يضره، ولا سيما الأدوية الحاضرة العقاقير التي قد تفعل فعلًا مباشرًا شديدًا على الإنسان، بغلطة وصفة طبيب.
ومن العلماء من قال: إنه يجب التداوي إذا ظن نفعه، والصحيح أنه يجب إذا كان في تركه هلاك، مثل: سرطان موضعي، السرطان الموضعي -بإذن الله- إذا قطع الموضع الذي فيه السرطان فإنه ينجو منه، لكن إذا ترك انتشر في البدن وكانت النتيجة هي الهلاك، فهذا يكون دواءً معلوم النفع؛ لأنه موضعي، يُقطع ويَزول، وقد خرب الخضر السفينة بخرقها لإنجاء جميعها، لتنجو.

فكذلك البدن إذا قطع بعضه من أجل نجاة باقيه كان ذلك سائغًا بل واجبًا، وهذا القول أقرب الأقوال؛ أن ما علم نفعه، أو غلب على الظن مع احتمال الهلاك بعدمه فهو واجب، وأما ما غلب على الظن نفعه، ولكن ليس هناك هلاك محقق لتركه فهو أفضل، وما تساوى فيه الأمران فتركه أفضل، لئلا يلقي الإنسان بنفسه إلى التهلكة من حيث لا يشعر.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- بالنسبة لعدد مرات النداء، كم مرة ينادي؟ الشيخ: ينادي بحسب ما يحصل به الإبلاغ، ولكن -كما قلنا لكم- أن الصحيح أنه ليس بسُنَّة.
طالب: (... ) يا شيخ (... ) الصواعق (... ). الشيخ: ليس فيه حديث صحيح في هذه المسألة.
لكن في آثار مثل: إذا رأى البرق قال: سبحان الله وبحمده فإنه يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: من قال حين يرى البرق: سبحان الله وبحمده لم تصبه صاعقة (25). ومثل: إذا سمع الرعد قال: سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك، فإنه يؤثر عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه (26). طالب: شيخ -أحسن الله إليك- إذا علم المريض أن زيارتي له تؤذيه.
الشيخ: ما هو بالمريض؟ أنت كنت تقول: إذا علم المريض؟ الطالب: إذا علم المعاد؟ الشيخ: نعم، العائد؟ الطالب: الْمُعاد؟ يعني أنا كنت أريد أزور صديقًا (... ) جارًا لي يعلم هذا الجار أو هذا المريض المُعاد، أنني إذا زرته سيتأذى بي.
الشيخ: سيتأذى المريض يعني؟ الطالب: إي نعم، يتأذى، هل يجوز له الزيارة؟ الشيخ: لا، إذا كنت تعلم أنه يتأذى لا تزُره.

جارٍ التحميل