يقول: (يجب عند أول واجبات الطهارة)، وكلمة (عند) تدل على القرب، كما في قوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأعراف: 206]، فالعنديَّة تدلُّ على القُرب، وعلى هذا فيجب أن تكون النيَّةُ مقترنةً بالفعل، أو متقدِّمةً عليه بزمنٍ يسير، وأما لو تقدمت بزمن كثير فإنها لا تجزئ.
الدليل على أنها لا بد أن تكون مقارنة أو مقاربة قوله: يعني من أين نأخذها من كلام المؤلف؟
من قوله: (عند).
وقوله: (عند أوَّل واجبات الطهارة)، ولم يقل: عند أوَّل فروض الطَّهارة؛ لأن الواجب مقدّم على الفروض في الطَّهارة؛ والواجب هو التَّسمية.
وقد سبق لنا أن المؤلف يقول: إن التسمية واجبة في الوضوء مع الذكر، وتسقط مع النسيان، وأنه لو ذكرها في أثناء الوضوء ابتدأ على المذهب، أو سمَّى وبنى على ما في الإقناع، وأن الصحابة اختلفوا في هذا، هل يُسمي ويبني، أو يُسمي ويستأنف، وسبق لنا أن القول الصحيح أن التسمية ليست بواجبة، وهو اختيار الموفق وجماعة من أصحابنا رحمهم الله؛ وذلك لأن الدليل الوارد فيها -كما قال الإمام أحمد- لا يثبت.
وإذا لم يَثبت فإن القول بإلزام الناس بها وإبطال الوضوء بتركها بناءً على دليل لم يَثبت، هذا لا يَنبغي؛ لأن الإنسان مسؤول أمام الله عز وجل في تكليف عباد الله سبحانه وتعالى أن يُكلفهم ما لم يقتضيه الشرع، لكن على المذهب هي واجبة مع الذكر، فإذا أراد أن يتوضأ فلا بد أن ينوي النية قبل التسمية؛ لأن التسمية واجبة.
قال: (وتُسَنُّ عند أوَّل مسنوناتها إنْ وُجِدَ قبل واجبٍ) ما هو أول مسنونات الطهارة؟
أوَّل مسنوناتِها غسل الكفين ثلاثًا قبل غسل (... )، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في صفة الوضوء، فإذا غسل كَفَّيه ثلاثًا قبل أن يُسمِّيَ صار الإتيان بالنية حينئذٍ؟
طلبة: واجب.
الشيخ: واجبًا ولَّا سنة؟
طلبة: واجب.
الشيخ: لا، وتُسَنُّ عند أوَّل مسنوناتها إنْ وُجِدَ قبل واجبٍ) يعني لو غسل كفيه ثلاثًا قبل التسمية صارت النية قبل غسل اليدين سُنَّة، ولكن كما سبق لنا مرارًا وتكرارًا، كون الإنسان يَحضر ويحضر الماء ويبدأ، هل يُعقل أن يفعل ذلك بلا نية؟
أبدًا ما يُعقل، ولهذا لا بد أن تكون النية سابقة حتى على أول المسنونات؛ إذ لا يُعقل أن أحدًا من الناس يحضر الماء ويشتغل بالعمل وهو ما نوى أن يتوضأ هذا بعيد، اللهم إلا إذا أحضر الماء ليغسل للأكل، ولما غسل كفيه قال: إذا ما بقي علي إلا شيء بسيط أبغي أكمل (... ) الوضوء، فهذا ربما يُقال: إن الرجل ابتدأ الطهارة بلا نية، وحينئذٍ يمكن أن تجب النية عند التسمية.
طالب: بعض الناس يبغي يغسل للأكل وينسى ويبتدئ الوضوء؛ لأنه متعود بدون نية.
الشيخ: بدون نية؟ !
الطالب: بدون نية الوضوء.
الشيخ: هذه ربما أيضًا تقع لكنها بعيدة، المهم أنه أراد الفعل الآن.
الطالب: السواك يا شيخ هو من السنن؟
الشيخ: إي نعم، لكن عند المضمضة وبعد الواجبات.
قال: (وتُسن عند أول مسنوناتها إنْ وُجِدَ قبل واجبٍ) (إن وجد) الضمير يعود على أول المسنونات، وقوله: (قبل واجب) ويش هو الواجب؟ التسمية؛ يعني لو غسَّل كفيه ثلاثًا قبل أن يُسمي فإن تقديم النية على غسل اليدين يكون؟
طالب: سُنَّة.
الشيخ: سُنَّة، والخلاصة أننا لو سُئلنا متى تكون النية؟
قلنا: لها محلان؛ محل تكون سُنَّة فيه، ومحل تكون واجبة، ما هو المحل الذي تكون فيه واجبة؟
هو قبل أول الواجبات، وما هو الذي تكون فيه السنة؟
قبل المسنون (إنْ وُجِدَ قبل واجب)، وقول المؤلف: (إنْ وُجِدَ قبل واجب) يشير إلى أن هذا المسنون لا يوجد قبل الواجب في الغالب أن الإنسان يُسمي قبل أن يَغسل كفيه، وحينئذٍ يكون الواجب متقدمًا.
قال: (واستصحاب ذكرها في جميعها)؛ يعني ويُسن أيضًا استصحاب ذِكرها في جميعها، ذِكرها ما هو باللسان بل المراد ذِكرها في القلب؛ يعني يُسن للإنسان أن يَستصحب تذكر النية في قلبه في جميع الطهارة، فإن غابت عن خاطره مثل واحد يتوضأ وعنده إنسان يحدثه، نوى الوضوء في أول الفعل ومع الحديث غابت النية عن قلبه، يضره ولَّا لا؟
طلبة: لا يضره.
الشيخ: لا يضره؛ لأن استصحاب تذكرها سُنة، وقد سبق لنا التنبيه على أنه ينبغي للإنسان أن يتذكر النية عند غسل كل عضو ناويًا بذلك امتثال أمر الله عز وجل مستحضرًا بذلك أنه متبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
لو سَبق لسانه بغير قصده، فعلى أي شيء يكون المدار؟
المدار على ما في القلب، لو فُرض أنه أراد أن يتوضأ، ونطق بالنية بناءً على استحباب النطق بها، على أنه يُريد أن يَغتسل، أو أنه في قلبه كان يُريد الوضوء، ثم عند الفعل نوى الغُسل، فعلى أي شيء يَعتمد؟ على عزم قَلبه أو على الوهم الذي طرأ عليه؟
طلبة: على عزم قلبه.
الشيخ: على عزم القلب، ولهذا لو سأل سائل عن رجل أراد أن يُحرِم بالحج مفردًا، ولكن لأنه كثيرًا ما يَعتمر قال: لبيك عمرة، وهو لا يريد العمرة إنما يُريد الحج، فبأي شيء انعقد إحرامه؟
بالحج؛ لأن العبرة بما في القلب، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89]، والآية الأخرى: ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: 225].
يُستحب (استصحاب ذِكرها)، ذِكر هنا بمعنى؟
طلبة: تَذكُّر.
الشيخ: تذكر، السبب تذكرها بقلبه في جميع الطهارة.
(ويجب استصحاب حكمها) يجب أن يستصحب الحكم، ومعنى استصحاب الحكم ألا ينوي قطعها، فالنية إذن باعتبار الاستصحاب لها ثلاث حالات: أن يَستصحب ذِكرها من أول الوضوء إلى آخره، وهذا أكمل الأحوال؛ أن تَعزُب عن خَاطره، لكنه ما نوى القطع، وهذا يُسمى استصحاب أيش؟
الحكم، استصحب حكمها؛ يعني بنى على حكمها الأول، ومشى عليه، ما نقضه.
الثالثة: أن يَنوي القطع وهو في أثناء وضوئه نوى قطع نية الوضوء، لكن استمر في غسل رجليه مثلًا لتنظيفهما من الطين، ما تقولون في هذا؟
طالب: لم يتم وضوؤه.
الشيخ: يصح وضوؤه ولَّا لا؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: ما يصح، لماذا؟ لأنه لم يَستصحب الحكم حيث إنه أيش؟
طلبة: قطع النية.
الشيخ: قطع النية في أثناء العبادة.
في حالة رابعة بعد أن أنهى جميع أعضائه نوى أن..
(صفةُ الوُضوءِ)
أن يَنْوِيَ ثم يُسَمِّيَ ويَغْسِلَ كَفَّيْهِ ثَلاثًا ثم يَتمَضْمَضَ ويَستنْشِقَ ويَغْسِلَ وَجْهَه من مَنابِتِ شَعَرِ الرأسِ إلى ما انْحَدَرَ من اللَّحْيَيْنِ والذَّقَنِ طُولًا ومن الأُذُنِ إلى الأُذُنِ عَرْضًا، وما فيه من شَعَرٍ خَفيفٍ والظاهرِ الكثيفِ مع ما اسْتَرْسَلَ منه، ثم يديهِ مع الْمِرْفَقَيْنِ، ثم يَمْسَحَ كلَّ رأسِه مع الأُذُنَيْنِ مَرَّةً واحدةً ثم يَغْسِلَ رِجليهِ مع الكَعْبَيْنِ، ويَغْسِلُ الأَقْطَعُ بَقِيَّةَ الْمَفروضِ، فإنْ قُطِعَ من الْمَفْصِلِ غَسَلَ رأسَ العَضُدِ منه، ثم يَرفَعَ نَظَرَه إلى السماءِ ويقولَ ما وَرَدَ، وتُباحُ مَعونتُه وتَنشيفُ أعضائِه.
(باب المسح على الخفين)
يَجوزُ مقيم يومًا وليلةً، ولِمُسافِرٍ ثلاثةً بلياليها من حَدَثٍ بعدَ لُبْسٍ على طاهِرٍ مُباحٍ ساتِرٍ للمفروضِ لو قال لنا قائل: ألستم تقولون: إن الإنسان لو نوى قطع الصلاة انقطعت؟
الجواب: نعم.
لماذا تقول هنا: لو نوى قطع الوضوء ما انقطع؟ لأنه بعد الفعل، ولهذا لو نوى قطع الصلاة بعد انتهاء الصلاة تنقطع ولّا ما تنقطع؟ ما تنقطع.
إذن نأخذ من هذا قاعدة: أن قطع نية العبادة بعد فعلها لا يؤثر، كذا ولّا لا؟
طيب يرد عليكم الصيام، لو نوى قطعه في أثناء اليوم ينقطع؟
طلبة: ينقطع.
طالب: ما أكمل اليوم.
الشيخ: ما أكمل اليوم، فهو كما لو نوى قطع الصلاة في أثناء الصلاة.
طيب لو نوى قطع الصوم بعد الغروب؟ ما ينقطع؟
طلبة: ما ينقطع.
الشيخ: إي نعم.
طالب: حتى لو كان نفلًا.
الشيخ: ولو كان نفلًا، بعد الغروب ولو كان نفلًا.
الطالب: لا، قبل الغروب، لو نوى قطعه وهو نفل؟
الشيخ: إي نعم، ينقطع، لكن له أن يستأنف نية جديدة، إذا لم يفعل شيئًا من المفطرات يستأنف نية جديدة، ويكون الثواب من النية الجديدة.
الطالب: حتى لو بعد الزوال؟
الشيخ: ولو بعد الزوال على القول الراجح.
طالب: يأثم؟ إن كان فرضًا يأثم إذا نوى قطع (... ).
الشيخ: إذا انتهى منه، أبدًا ما يأثم.
طالب: إذا قطع من النصف؟
الشيخ: إذا قطع من النصف، يعني قطع ظهره! تعبير غريب.
طالب: شيخ، إذا صلى الظهر مثلًا ونوى أنه ما صلى الظهر يأثم؟
الشيخ: ما انتهى؟ أبدًا ما له حكم هذا.
طالب: (... ) الإثم قد يتعلق بالنية..
الشيخ: أبدًا، انتهى الآن، انتهى العمل، لكن نعم ربما نؤثم ونقول: هذا تلاعب، كونك تقول مثلًا: رجعت على ربي بهذه العبادة وهوَّنت، قد نؤثم من جهة أن هذا الشيء شيء يشبه التلاعب، أما من الناحية الحكمية وأن نقول: إن صلاتك بطلت فلا.
ولهذا من القواعد المهمة: أن الشك بعد فراغ العبادة لا يؤثر، سواء شككت في النية أو شككت في أجزاء العبادة، ما يؤثر، إلا إذا تيقنت، فلو أن رجلًا بعدما أنهى صلاته قال: والله إني شكيت، ما أدري هو أنا نويت أنه الظهر ولا العصر، وهو الآن مصلٍّ الظهر، قال: تعيين النية شرط وأنا الآن شككت هل نويت بصلاتي هذه الظهر أم العصر أيش نقول؟
طلبة: (... ).
الشيخ: لا عبرة بهذا الشك.
طالب: لو نوى أن يصلي العصر.
الشيخ: لا، هو الآن (... ) ما انتهى: يقول: ما دريت الآن هل أنا نويت الظهر ولّا العصر، نقول: خلاص، ما دام أنك داخل على أنه الظهر فهي الظهر، لو شككت فيما بعد لا يؤثر، ولهذا أنشدناكم بيتًا في هذا الموضوع وهو:
وَالشَّكُّ بَعْدَ الْفِعْلِ لَا يُؤَثِّرُ وَهَكَذَا إِذَا الشُّكُوكُ تَكْثُرُ
فالشك في هذين الموضعين ما يؤثر؛ لأنه إذا كان لو قطعتها عمدًا -قطعت النية عمدًا- بعد الفعل ما يؤثر، فالشك من باب أولى.
ومثله أيضًا لو شك بعد الصلاة هل سجد مرتين أو سجد مرة واحدة، يؤثر ولّا لا؟
طلبة: لا يؤثر.
الشيخ: لا يؤثر، بعد الفراغ ما يؤثر.
طالب: شيخ، طيب في وقت الظهر نوى أنه العصر (... ) نوى بهذه الصلاةِ العصرَ، وبعدين ذكر أنه الظهر، هل..
الشيخ: إيه ويش تقولون في هذه؟ هذه تقع أيضًا كثيرًا، مثل واحد مثلًا قَيِّل قبل الظهر، ولما قام من النوم على العادة أن النوم يكون بعد الظهر صلى بنية العصر، وهي الظهر، ما تقولون في هذا؟
طلبة: لا تصح صلاته.
الشيخ: لا تصح صلاته؛ لأنه ما عين، لأنه ما على باله إلا أنها العصر.
طيب لو نوى –هذه مسألة مهمة بعد الثانية- لوى نوى فرض الوقت، وهذه تراها تقع كثيرًا، جاء إنسان مثلًا دخل لصلاة الظهر، وجد الناس يصلون وصفَّ، في تلك الساعة ما استحضر أنها الظهر أو الفجر أو العصر أو المغرب أو العشاء، إنما استحضر أنها فرض الوقت، فما تقولون فيه؟
طلبة: (... ).
الشيخ: المذهب لا يجزئه؛ لأنه لا بد يعين أنها الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء أو الفجر.
ولكن بعض أصحابنا وهو ابن شاقلا يقول: إنه إذا نوى فرض الوقت أجزأ.
وهذا هو الذي لا يسع الناس العمل إلا به؛ لأنه حقيقة كثيرًا ما يغيب عن الإنسان تعيين الصلاة، لكن هو بنيته أنها فرض الوقت، ولو أننا حملنا الناس قلنا: إذا ما نويت الظهر بعينها أعدت الصلاة لكان كثير من الناس يختل في هذا وربما يعيد.
طيب ما رأيكم في رجل سلم من ركعتين من الظهر بناءً على أنها الفجر، ثم ذكر، هل يكمل ركعتين ولا يستأنف؟ هل يبني ويكمل ركعتين ويسجد للسهو ولا يستأنف الصلاة؟
طالب: يعيد.
الشيخ: قالوا: إنه..
طالب: يكمل.
الشيخ: لا يستأنف قالوا؛ لأنه سلم بناء على أن صلاته ركعتان، ما هو على أنها أربع سلم من ركعتين.
ولهذا يقولون في هذه الصورة: يجب أن يستأنف الصلاة؛ لأنه سلم على أنها صلاة ركعتان فقط.
المؤلف رحمه الله ساق صفة الوضوء المشتملة على الواجب وغير الواجب.
قال: (وصفة الوضوء أن ينوي)، والنية شرط كما سبق؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (1).
(ثم يسمي) التسمية واجبة على المذهب.
قال: (ويغسل كفيه ثلاثًا).
قوله: (ثم يسمي ويغسل) لا تظنوا أن الواو هنا تفيد أن النية مقارنة للتسمية، لا، ولكن المؤلف عبر بالواو، وهي في محل (ثم)، يعني ثم بعد التسمية يغسل كفيه ثلاثًا، ودليل ذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كان إذا أراد أن يتوضَّأ غسل كفَّيه ثلاثًا (2).
وتعليل ذلك أن الكفين آلة الوضوء، فينبغي أن يبدأ بغسلهما قبل كل شيء حتى تكونا أيش؟ نظيفتين.
(ثم يتمضمض ويستنشق ويغسل وجهه) إلى آخره، (ثم يتمضمض) بأن يدخل الماء في فمه ثم يمجه.
وهل يجب أن يدير الماء في جميع فمه أو لا يجب؟
يقول العلماء: إن الواجب إدارته أدنى إدارة، هذا إذا كان الماء قليلًا ما يملأ الفم، أما إذا كان كثيرًا يملأ الفم فقد حصل المقصود.
ثم هل يجب أن يزيل ما في فمه من بقايا الطعام، بمعنى أنه يجب أن ينقش أو أن يخلل أسنانه حتى يدخل الماء إلى ما بينها، أو لا يجب؟ الظاهر أنه لا يجب في هذه الحال.
وهل يجب إذا كان عليه أسنان مركبة أن يزيل الأسنان؛ لأن الأسنان تمنع وصول الماء إلى ما تحتها، أو لا يجب؟
طالب: نزعها سهل ليست كالذهب.
الشيخ: الظاهر أنه أيضا لا يجب، وتشبه هذه الخاتم، الخاتم لا يجب نزعه عند الوضوء، وهو أظهر من كونه مانعًا من وصول الماء من هذه، لا سيما أن بعض الناس تكون التركيبة صعبًا يصعب عليه نزعه ثم وضعها.
طالب: شيخ، الخاتم يحرك، يجب تحريكه؟
الشيخ: لا، ما يجب تحريكه، الأفضل فقط.
طالب: (... ).
الشيخ: إي نعم؛ لأن هذا لباس معتاد، اعتاده النبي صلى الله عليه وسلم أن يلبسه، ولم يرد أنه كان يحركه عند الوضوء.
ثم (يستنشق) ما معنى الاستنشاق؟ الاستنشاق: أن يجذب الماء بنفس من أنفه، هذا الاستنشاق.
وهل يجب الاستنثار، أن ينثر الماء بعد ذلك؟
طالب: نعم.
طالب آخر: لا يجب.
الشيخ: لا يجب، قالوا: الاستنثار سنة، ولكن لا شك أن طهارة الأنف لا تتم إلا باستنثاره بعد استنشاقه؛ حتى يزول ما في الأنف من الأذى، لكن العلماء ذكروا أن الاستنثار سنة، على خلاف بينهم، لكن نحن نتكلم عن مشروع المذهب، هل يبالغ في المضمضة والاستنشاق؟
قال العلماء: يبالغ، إلا أن يكون صائمًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم للقيط بن صبِرة: «بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» (3).
كذلك لا يبالغ في الاستنشاق إذا كانت جيوب الأنف فيه فيها زوائد؛ لأنه إذا بالغ في هذه الحال فربما يستقر الماء في هذه الزوائد ثم يتعفن وينتن أو يصاب بضرر في ذلك.
وهذا قد يقع من بعض الناس، يكون في أنفه زوائد من الداخل، فإذا استنشق بقي الماء وترسب بين هذه الزوائد ثم تعفن، وربما يكون له رائحة كريهة، فمثل هذا نقول: يكفي أن تستنشق الماء حتى يكون داخل المنخرين.
طالب: من أخذ كفًّا من الماء ثم وضعه في أنفه بدون أن يستنثر يعني قد يصل الماء إلى أطراف أنفه؟
الشيخ: لا، لا بد أن يكون يصل إلى داخله.
الطالب: ما يجزئ (... )؟
الشيخ: لا ما يجزئ حتى يصل إلى داخله، أما إذا شغله حتى يصل إلى خياشيمه فهذا ليس بواجب.
قال: (ثم يستنشق ويغسل وجهه من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولًا، ومن الأذن إلى الأذن عرضًا).
(يغسل وجهه) وهو ما تحصل به المواجهة، والوجه أشرف أجزاء البدن، ويغسله، يقول المؤلف: (من منابت شعر الرأس) والمراد: مكان نبات الشعر، والمراد المنابت المعتادة، بخلاف الأفرع والأنزع.
الأفرع معناه: الذي له شعر نازل على الجبهة، والأنزع: الذي شعره مرتفع.
يقول الشاعر يوصي زوجته:
فَلَا تَنْكِحِي إِنْ فَرَّقَ الدَّهْرُ بَيْنَنَا أَغَمَّ الْقَفَا وَالْوَجْهِ لَيْسَ بِأَنْزَعَا
الأنزع: اللي انحسر شعر رأسه.
والأغم؛ أغم القفا والوجه: الذي يكون شعره نازلًا إلى جبهته.
وهذا نظرًا إلى أن العرب تختار هذا الشيء.
إذن من منابت شعر الرأس المعتاد، وبعض العلماء يقول: من منحنى الجبهة من الرأس؛ لأن المنحنى هو الذي تحصل به المواجهة، وهذا ضابط جيد.
وقوله: (إلى ما انحدر من اللحيين والذقن) الذقن: هو مجمع اللحيين هذا.
واللحيان: هما العظمان النابت عليهما الأسنان، هذان هما اللحيان، والذقن مجمعهما، فما انحدر من اللحيين مثل لو فرض أن رجلًا له شعر على لحييه طويل يغسله، وكذلك إذا كان في ذقنه شعر طويل فإنه يغسله، لماذا يغسل ما انحدر وتعدى محل الفرض، قالوا: لأن الوجه ما تحصل به المواجهة، والمواجهة تحصل بهذا الشعر، فيكون غسله واجبًا.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن ما جاوز الفرض من الشعر لا يجب غسله؛ لأن الله يقول: ﴿وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6]، والشعر في حكم المنفصل.
وأظن مر علينا في قواعد ابن رجب وذكر الخلاف في ذلك، وصحح أنه لا يجب غسل ما استرسل من اللحية والذقن.
لكن لا ريب أن الأحوط هو غسل ما استرسل من اللحيين والذقن، وهو أولى.
وقوله: (ومن الأذن إلى الأذن عرضًا)، (الأذن إلى الأذن) والبياض الذي بين العارض والأذن منين؟ من الوجه، اللي بين العارض والأذن من الوجه؛ لأن المؤلف يقول: (من الأذن إلى الأذن)، والشعر الذي فوق العظم الناتئ هذا يكون تبعًا للرأس، هذا حد الوجه.
الدليل على غسله سبق لنا قوله تعالى: ﴿اغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6].
قال المؤلف رحمه الله: (وما فيه من شعر خفيف، والظاهر الكثيف مع ما استرسل منه)، وما فيه من شعر خفيف، والظاهر من الكثيف.
الفرق بين الخفيف والكثيف: ما ترى من ورائه البشرة، خفيف، وما لا فهو كثيف، فإذا كان الشعر ترى من ورائه البشرة فهو خفيف يجب غسله وما تحته؛ لأن ما تحته ما دام يرى فإنه تحصل به المواجهة ويواجه فيجب غسله، وهذ الشعر يجب غسله أيضًا؛ لأنه تكون فيه المواجهة.
هل في الوجه شعر؟
طالب: نعم.
الشيخ: الحاجبان والأهداب والشارب والعنفقة والعارضان واللحية، كل هذا من شعر الوجه، وربما ينبت شعر في غير ذلك، لكن هذا الشعر المعتاد، فيجب أن يغسل الشعر الخفيف، والظاهر من الكثيف، وأما الباطن منه فلا يجب غسله، لماذا؟ لأن المواجهة ما تكون إلا في ظاهر الكثيف، ولكن سبق لنا أنه يستحب تخليل الشعر الكثيف ولّا لا؟ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته في الوضوء (4).
قال: (مع ما استرسل منه)، استرسل يعني نزل.
وظاهر كلام المؤلف، ولو نزل بعيدًا، فلو فرض أن لرجل لحية طويلة أكثر مما هو غالب في الناس، فإنه يجب عليه غسل الخفيف منها، وغسل الظاهر من الكثيف.
وقال المؤلف: (ثم يديه مع المرفقين)، قوله: (ثم يديه) اليمنى ثم اليسرى، ولم يذكر هنا اليمنى ثم اليسرى لأنه سبق في سنن الوضوء أنه يسن البداءة باليمين.
يغسل يديه (مع المرفقين)، كلمة (مع) لا توافق تعبير الآية؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6] وتعبير المؤلف مخالف لظاهر الآية؛ لأن ظاهر الآية ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ أن المرافق لا تدخل؛ لأن المعروف أن ابتداء الغاية داخل لا انتهاءها، فإذا قلت لك: من هذا إلى هذا فما دخلت عليه (من) فهو لك، وما دخلت عليه (إلى) فهو ليس لك، هذا هو القاعدة المعروفة عند أهل العلم، لكن قالوا: إن (إلى) هنا بمعنى (مع) وجعلوا نظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: 2]، أي: مع أموالكم.
ولكن هذا التنظير فيه نظر؛ فإن الآية في المال ليست كالآية في الغسل؛ لأنه معروف قال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ مضمومة إلى أموالكم معروف واضح؛ لأنه ما يأكل الإنسان مال غيره إلا إذا ضمه إلى ماله.
فالآية ضمن قوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا﴾ ضمن معنى الضم، أما آية الوضوء فليست كذلك.
لكن لنا أن نقول: إن الغاية فيها داخلة، بدليل السنة، فإنه ثبت أن أبا هريرة رضي الله عنه توضأ حتى أشرع في العضد، وقال: هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعل.
والإشراع في العضد معناه أن المرفق دخل، وكذلك روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه توضَّأ فأدار الماء على مرفقيه (5).
ثم قد يقول قائل: إن الغاية لا تدخل إذا ذكر ابتداء الغاية (من)، وأما إذا لم يذكر فإنها تكون داخلة، ولهذا لو قال قائل: هل الأفضل في غسل اليد أن تبدأ من الأصابع، أو أن تبدأ من المرفق، أو من وسط الذراع؟
طالب: من الأصابع.
الشيخ: كيف ذلك ليش؟
طالب: واجب؛ لأن في اللغة تطلق على اليد من الأصابع إلى..
الشيخ: إي، هو الدخول واجب، لكن من أين تبدأ (... ) من أطراف الأصابع ولّا من نصف الذراع وتروح للأصابع ثم ترجع وإلا من المرفق؟
طلبة: من أطراف الأصابع.
الشيخ: ليش؟
طالب: ﴿إِلَى﴾.
الشيخ: لقوله: ﴿إِلَى﴾، لكن قد يقال: إن الله ما قال: (من) ولا بد من الإتيان بـ (إلى) لأنه لو قال: اغسلوا أيديكم لكان الواجب غسل الكف فقط أو لا؟
لأن اليد إذا أطلقت فهي الكف؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]، وقطع يد السارق من الكف، وكذلك قوله في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: 6]، واليد في التيمم إلى الكف؛ بدليل فعل الرسول عليه الصلاة والسلام؛ حيث تيمم إلى الكف.
وأقول: ليس هذا في الظهور عندي جيدًا؛ لأن من الابتداء ما ذكر والانتهاء، لا بد من ذكره، حتى نعرف منتهى الواجب، وإن تمسك متمسك بالظاهر - الذي ليس بظاهر - وقال: أنا أرى أن الأفضل أن تبدأ بالأصابع، فأرجو ألا يكون فيه بأس.
طالب: (... ).
الشيخ: غسلناها -بارك الله فيك- من الأول قبل الوجه.
على كل حال المسألة في هذا لا أذكر شيئًا في السنة يدل على ذلك، والآية ليست ظاهرة فيه.
وقوله: (مع المرفقين) إذن يكون تعبير المؤلف بـ (مع) من باب التفسير والتوضيح.
ثم قال: (ثم يمسح كل رأسه بالماء مع الأذنين مرةً واحدةً)، (يمسح كل رأسه بالماء) يعني: لا يغسله، وإنما يمسحه مسحًا، وهذا من تخفيف الله عز وجل على عباده؛ لأن غسل الرأس مؤذ للإنسان؛ إذ إن الغالب أن الرأس فيه شعر فيبقى الماء في الشعر فيتأذى الإنسان به، لا سيما في أيام الشتاء.
ثم إذا غسل الشعر صار الماء ينزل من هذا الشعر؛ لأن الشعر يمسك الماء، صار ينزل على بقية جسمه فيتأذى به، فكان من رحمة الله عز وجل ومن حكمته سبحانه وتعالى أن طهارة الرأس مسح لا غسل.
قال المؤلف: (مع الأذنين مرة واحدة) لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان يمسح الرأس والأذنين (6). ولأن الأذنين من الرأس، ولأن الأذنين آلة السمع، فكان من الحكمة أن تطهرا حتى يطهر الإنسان مما تلقاه بهما من المعاصي؛ لأن الوجه كم فيه من الآلات التي قد تكون سببًا للمعاصي؟
طلبة: أربع.
طالب: ثلاث.
طلبة آخرون: خمس.
الشيخ: نشوف، النظر والشم والكلام.
طالب: (... ) الكلام والذوق.
الشيخ: الذوق، وأيش اللي بيذوق؟
الطالب: اللسان.
الشيخ: إي، لكن ويش اللي بيذوق؟
الطالب: يتذوق الخمر.
الشيخ: المهم إذا كان بدكم تدخلون الحواس إحنا قلنا: العين أو النظر، والشم اللي هو في الأنف، والكلام وهو أعظمها «وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ -أَوْ قَالَ: عَلَى مَنَاخِرِهِمْ- إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ»، وتكون أيضًا الذوق، نعم، يمكن الإنسان يسرق طعامًا ويأكله، نعم، ويمكن يكون يشرب الدخان، لكن ما أدري هل يكفر ذلك شرب الدخان وهو عازم على الإصرار عليه أم لا؟ مشكل.
في الرأس فيه الفكر، ولّا لا؟
طلبة: نعم.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، ما أظن هذا، لكن فيه السمع، ولهذا يشرع مسح الأذنين، ولو أردنا أن نقول: كل شيء كل عضو كنا نقول: عندنا القلب أعظم شيء، نقول: كان يغسل صدره، لكن على كل حال هذا ما يبدو لنا، والعلم عند الله.
طالب: مسح الأذنين أعلى الوجوب ولا سنة؟
الشيخ: مسح الأذنين؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: على الوجوب.
طالب: (... ).
طالب آخر: (... ) في المعاصي؟
الشيخ: الشم، يشم شيئًا محرمًا، فيه أشياء محرمة يفعلها الناس بالشم.
طالب: بيشموا البنزين.
الشيخ: لا!
طالب: الله يا شيخ يفعلون هذا، تفعل يا شيخ.
طالب آخر: يتجسس على طعام الجيران.
الشيخ: يشم طعام الجيران فيه شيء؟
طلبة: لا.
طالب: بل له الحق.
طالب آخر: عطر نساء.
الشيخ: نعم ربما، ربما يشم طيب النساء ويتمتع بذلك..
طالب: غصب عنه.
الشيخ: لا، خلي غصب، يتقصد هذا.
طالب: (... ).
الشيخ: إي نعم، أنا سمعت أن فيه شيء يسمى الشمة يستعمله بعض الناس.
طلبة: شمة عن طريق الفم.
الشيخ: شمة عن طريق الفم، طيب على كل حال ما حاجة من التطويل.
الإنسان يبين ذلك للناس، افرض أن الرجل شم رائحة دخان عند جاره وقال: شممت رائحة دخان عند جاري ما هو هذا يكون نوع من الغيبة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ذكرك أخاك بما يكره، قد يكون هذا الرجل متسترًا، ما يحب أن أحدًا يطلع عليه، فعلى كل حال إن الشم لا شك أنه قد يكون فيه شيء محرم، إي نعم.
طالب: بالنسبة لغسل (... ) إلى العضد، يقول: وفي حديث وائل: غسل يديه حتى جاوز المرفق.
رواه البزار (7) وغيره، ولما في الصحيح: غسل يديه حتى أشرع في العضد (8) وغير ذلك من الأحاديث.
طالب: المسترسل من شعر الرأس.. ؟
الشيخ: لا، ما يمسح.
(ثم يغسل رجليه مع الكعبين).
(يغسل رجليه) اليمنى واليسرى، (مع الكعبين) نقول في قوله: (مع الكعبين) كما قلنا في قوله: (مع المرفقين)، وإن كلمة (مع) ليس فيها مخالفة للقرآن؛ لأن القرآن عبر الله فيه بـ (إلى) لكن دلت السنة على أن (إلى) هنا بمعنى (مع)؛ لأنه ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة أنه توضأ فغسل ذراعيه حتى أشرع في العَضُد، ورجليه حتى أشرع في الساق، وقال: هكذا رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم يفعل.
فعلى هذا تكون الكعبان داخلتين في غسل الرجلين، وأين الكعبان؟ هما العظمان الناتئان في أسفل الساق، هذان هما الكعبان.
وفي كل قدم كعبان، وهذا الذي أجمع عليه أهل السنة وقالوا: إن الكعبين هما العظمان الناتئان في أسفل الساق عند اتصاله بالقدم، فيجب غسل الرجلين؛ لأن الله قال: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6] القراءة السبعية ﴿أَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب عطفًا على ﴿وُجُوهَكُمْ﴾، ولّا على ﴿أَيْدِيَكُمْ﴾ ويش أقرب شيء لها؟
طالب: ﴿أَيْدِيَكُمْ﴾.
الشيخ: ﴿أَيْدِيَكُمْ﴾ أقرب مغسول لها ﴿أَيْدِيَكُمْ﴾ لكن العطف لا يكون على المعطوف، بل هو على المعطوف عليه الأول، ﴿أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، وهذا واضح أنه يجب غسل الرجلين، فإن قلت: ماذا تصنع في قراءة سبعية أخرى لا تقِل ثبوتًا عن قراءة النصب ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ بالكسر؟ فالجواب على ذلك أن قوله: ﴿وَأَرْجُلِكُمْ﴾ بالجر لها ثلاثة أوجه في تخريجها:
الوجه الأول: أن جرها على سبيل المجاورة، بمعنى أن الشيء يتبع ما جاوره لفظًا، لا حكمًا، والمجاور لها هي ﴿رُؤُوسِكُمْ﴾ مجرورة، فتجر؛ لأن جارها مجرور، والجار إذا شبع ما يبقى جاره جائعًا، أليس كذلك؟ إذا جر ما يدع جاره ما يجر، يجرروه معه علشان يعينه في هذا، قالوا: ومنه قول العرب: هذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ.
فكلمة (خرِبٍ) صفة لجُحر ولّا لضب؟
طلبة: لجحر.
الشيخ: وجحر مرفوعة ولّا مكسورة: هذا جحر ضب خرب.
فهمت؟ هي صفة لجحر، وكان مقتضى القواعد أن يقال: هذا جحرُ ضبٍّ خربٌ؛ لأنه صفة لجحر، وصفة المرفوع مرفوعة، لكن العرب نطقت به: خربٍ، كيف؟ قالوا: على سبيل المجاورة؛ لأنه لما جاور المجرور جر مثله، فهذه لما جاورت المجرور عطفت عليه مجرورة تبعًا له في اللفظ مع مخالفتها له في الحكم، هذا وجه.
الوجه الثاني: أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب، فدل ذلك على أنه يجب أن تغسل الرجل، بمقتضى هذه القراءة ﴿وَأَرْجُلِكُمْ﴾ بالجر معناه اجعلوا غسلكم إياها كالمسح، لا يكون غسلًا تتعبون به أنفسكم؛ لأن الإنسان فيما جرت به العادة قد يكثر من غسل الرجل ودلكها، حيث إنها التي تباشر الأذى، فكان مقتضى العادة أن يزيد في غسلها، فقال الله تعالى: ﴿وَأَرْجُلِكُمْ﴾ حتى إذا اجتمع غسل ومسح لا يبالغ في الغسل ليقابل ذلك ما تقتضيه العادة من المبالغة في الغسل، فيقصد بالجر الذي يظهر أن المراد به المسح كسر ما يعتاده الناس من المبالغة في غسل الرجل؛ لأنها التي تلاقي الأذى، هذا وجه آخر.
والوجه الثالث يقولون: إن القراءتين تنزل كل واحدة منهما على حال من أحوال الرجل، وتبين ذلك السنة فالرجل لها حالان: حال تكون فيها مكشوفةً، وحال تكون فيها مستورةً بالخف، فإذا كانت مكشوفة فالواجب غسلها، وإذا كانت مستورةً بالخف فالواجب مسحها، فتتنزل القراءتان على حالي الرجل، وتبين ذلك السنة.
وهذا القول أصح الأوجه وأقلها تكلفًا، وهو متمشٍّ على القواعد، وعلى ما يعرف من كتاب الله عز وجل، حيث تنزل كل قراءة على معنى يناسبها، ويلتقي المعنيان إما في حالين أو ما أشبه ذلك.
فالصواب إذن أن قراءة الجر محمولة على ما إذا كانت الرجل ممسوحة، ولا تمسح الرجل إلا إذا كانت مستورة.
وقراءة النصب تحمل على ما إذا كانت الرجل مكشوفة، وحينئذ يجب غسلها.
وهذا أحسن الأوجه وأصحها، وعلى هذا فيكون في الآية دليل على جواز المسح على الخفين.
وذهبت الرافضة -أذلهم الله- إلى خلاف أهل السنة في هذا العضو من ثلاثة أوجه:
قالوا: المراد بالكعبين العظمان الناتئان على ظهر القدم بين الساق والإبهام، قالوا: لأن الله قال: ﴿أَرْجُلِكُم إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، ولو كان المراد بالكعبين العظمين الناتئين في أسفل الساق لقال: إلى الكعاب؛ لأنها أربعة.
وقالوا: إن الرجل تمسح إلى الكعب، هذا اللي فسروا به، وقالوا أيضًا: إنها ما تغسل، وإنما تمسح مسحًا، أخذوا بقراءة الجر وأهدروا القراءة الثانية.
وقالوا أيضًا: إنه لا يجوز المسح على الخفين، مع أنه قد تواترت به الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام.
طالب: إلى الكعبين (... ) والمسح لا يكون إلى الكعبين (... ).
الشيخ: إي نعم، تكون السنة بينت هذا، أن المراد بالكعبين إلى طرف الساق.
طالب: (... ).
الشيخ: رددنا عليه (... ) نادى بصوته «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» (9) الكعبان، تفسيرهم الكعبين بأنهما العظمان الناتئان على ظهر القدم هذا خلاف ما تقتضيه اللغة، واللغة معروفة مشهورة بأن الكعبين هما العظمان الناتئان في أسفل الساق، والقرآن نزل باللغة العربية، وأما التثنية لأن في كل رجل كعبين، بخلاف المرافق، قال: اغسلوا أيديكم إلى المرافق؛ لأن في كل يد مرفقًا واحدًا، وأما الرد عليهم بالمسح فسيأتينا إن شاء الله تعالى في باب المسح على الخفين؛ أن المسح على الخفين مما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: (ويغسل الأقطع بقية المفروض) يغسل الأقطع من الرجلين أو من اليدين أو من الوجه؟
طالب: من اليدين.
الشيخ: من اليدين أو الرجلين.
نشوف كلام المؤلف ماذا يريد؟
قال: (فإن قطع من المفصل غسل رأس العضد منه) هذا المفرع يدل على أنه يريد بالأقطع هنا أقطع اليدين.
يقول المؤلف: إن الأقطع يغسل بقية المفروض، ولا يأخذ عما زاد عن الفرض في مقابل المقطوع؛ لأنه ليس محلًّا للفرض، فإذا قُدر أنه قطع من نصف الذراع لا يقول: أرتفع إلى العضد بمقدار نصف الذراع؛ لأن العضد ليس محلًّا للغسل، وإنما يغسل بقية المفروض؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، وهذا الرجل اتقى الله ما استطاع، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (10)، ولما قطع بعض العضو سقط فرضه؛ ولهذا يقول: (بقية المفروض).
(فإن قطع من المفصل غسل رأس العضد منه) إذا قطع من مفصل المرفق يغسل رأس العضد؛ لأن رأس العضد مع المرفق في موازنة واحدة، وقد سبق أنه يجب غسل اليدين مع المرفقين، فالآن رأس العضد داخل في المرفق، فيجب أن يغسل رأس العضد وجوبًا؛ لأنه مما يجب تطهيره وغسله، فإذا قطع من المفصل غسل رأس العضد، وإن قطع من فوق العضد يعني من فوق المفصل فإنه لا يجب عليه غسل العضد.
وهكذا نقول فيما إذا قطعت الرجل إن قطع بعض القدم غسل ما بقي، وإن قطع من مفصل العقب غسل طرف الساق لأنه منه، وهكذا نقول في الأذن لو قُطعت بعض أذنه مسح الباقي، فإن قطعت كلها سقط المسح.
قال: (ثم يرفع نظره إلى السماء ويقول ما ورد)
طالب: ما يمسح مكانها يا شيخ؟
الشيخ: لا، ما يمسح مكانها، اللهم إلا الصماخ، الصماخ ربما نقول: يجب عليه أن يدخل أصبعه فيه؛ لأنه باق.
(ثم يرفع نظره إلى السماء) وهذا ليس بواجب، ولكنه سنة إن صح الحديث (... ).
بمن هو مجهول، والمجهول كما تعلمون لا يعلم عن حاله: هل هو عدل، أو حافظ، أو ليس بعدل ولا حافظ، فإذا كان في السند من هو مجهول فإنه يحكم بضعف الحديث.
ولكن الفقهاء -رحمهم الله- قالوا: إنه يرفع النظر بناء على هذا الحديث.
وبناء على تعليل آخر وهو: أنه يرفع نظره إلى السماء إشارةً إلى علو الله سبحانه وتعالى.
(ويقول ما ورد) ومما ورد حديث عمر رضي الله عنه المشهور: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ، فَإِنَّ مَنْ أَسْبَغَ الْوُضُوءَ ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ الذِّكْرَ؛ تُفْتَحُ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» (11).
وناسب أن يقول هذا الذكر بعد الوضوء لأن الوضوء تطهير، وهذا الذكر تطهير للقلب؛ لأن فيه الإخلاص لله عز وجل: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ».
وفيه أيضا الجمع بين سؤال الله عز وجل أن يكون الإنسان من التوابين الذين طهروا قلوبهم، ومن المتطهرين الذين طهروا أبدانهم، ولهذا يقول: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ».
طالب: هل يرفع سبابته عند التشهد ويستقبل القبلة؟
الشيخ: لا.
الطالب: لم يرد هذا؟
الشيخ: لم يرد هذا نعم.
طالب: شيخ (... ).
الشيخ: ما تقولون في هذا؟ هل يقول هذا الذكر عند التيمم وعند الغسل أو لا يقول؟
طالب: ما يقول.
الشيخ: وقال بعض أهل العلم: إنه يقول ذلك لأن المعنى يقتضيه، أما الغسل فقالوا: إن الغسل مشتمل على الوضوء وزيادة، فإن من صفات الغسل المسنون أن يتوضأ الإنسان قبله، وأما التيمم فلأنه بدل عنه، وقد قال الله تعالى بعد التيمم: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: 6] فكان مناسبًا.
ويرى بعض أهل العلم: إنه يقتصر على ما ورد في الوضوء فقط.
والغسل أقرب من التيمم، يعني قوله بعد الغسل أقرب من قوله بعد التيمم؛ لأن المغتسل يصدق عليه أنه متوضئ.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، يعني دعاء لكل عضو، لا، ما فيه.
طالب: شيخ، هل يرفع اليدين.
الشيخ: ظاهر كلام الفقهاء أنه لا يرفع يديه، وهذه المسألة تقدم لنا فيها البحث هل الأصل رفع اليدين في الدعاء، أو الأصل عدم الرفع، أو الأصل الرفع إلا في مقام يذكر فيه الدعاء ولا يذكر فيه الرفع، يعني فإذا ذكر الدعاء ولم يذكر الرفع دل على عدم مشروعيته.
طالب: قراءة القرآن (... ).
الشيخ: قراءة القرآن لا ينبغي وهو يتوضأ؛ لأن من اشتغل بعبادة ينبغي أن يكون قلبه مشتغلًا بها، وكذلك أيضًا إجابة المؤذن الأفضل ألا يجيب، وإن أجاب المؤذن فلا حرج؛ لأنه ذكر يفوت بفواته، أما القرآن فإنه لا يفوت، يقرأ بعد الوضوء.
طالب: غسل الرجلين بدون دلك ولا تخليل أصابع، يجزئ؟
الشيخ: إي نعم، لكن سبق لنا أن تخليل الأصابع سنة، وأنه في الرجلين أوكد، وأما (... ) فيجزئ ما دام أن يعرف يقينًا أو ظنًَّا بأن الماء وصل إلى ما بين الأصابع، يكفي.
طالب: شيخ (... ) بعض الأحاديث؟
الشيخ: إي نعم؛ لأنه بدله.
الطالب: (... ).
الشيخ: أقول: لأنه بدله.
الطالب: ما نقول: الدعاء؟
الشيخ: لا ما هو بالظاهر؛ لأن حديث عمر: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ الْوُضُوءَ» (11) فظاهر هذا الحديث إن لم يكن صريحًا أنه وضوء بالماء.
طالب: (... ) يا شيخ؟
الشيخ: ما أدري، أنا أتوقف في هذا، ولكن لو قاله بعد الغسل أرجح أنه يقوله بعد الغسل.
قال: (وتباح معونته وتنشيف أعضائه)، (تباح معونته) أي: معونة المتوضئ، بتقريب الماء إليه، بل وبصبه عليه وهو يتوضأ، وما هو الدليل للإباحة؟
نقول: إن القول بالإباحة لا يحتاج إلى دليل؛ لأنه الأصل.
ولكن مع ذلك نقول: إن الدليل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعاون في الوضوء، مثل معاونة المغيرة بن شعبة له، حيث كان النبي عليه الصلاة والسلام يتوضأ وهو يصب عليه وَضوءه (12).
فإن قلت: ألا يكون هذا مشروعًا ومسنونًا؛ لأنه من باب التعاون على البر والتقوى، بمعنى أنك لا تقتصر على الإباحة قل: إنه مشروع؟
فالجواب أن نقول: هو لا شك أنه من باب التعاون على البر والتقوى، لكن هذه عبادة ينبغي للإنسان أن يباشرها بنفسه هو بنفسه، ولم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كلما أراد أن يتوضأ يطلب من يعينه فيه، فالإباحة مستوية الطرفين.
وقال بعض أهل العلم: إنها تكره معونة المتوضئ إلا إذا احتاج إلى ذلك، وعللوا هذا بأنها عبادة، ولا ينبغي للإنسان أن يستعين غيره بها، لكن المذهب أصح أنه مباح.
قال: (وتنشيف أعضائه)، تنشيفها يعني تيبيسها وتجفيفها.
الدليل: عدم الدليل، كيف عدم الدليل؟ هل واحد يطلب منه الدليل يقول: الدليل عدم الدليل؟ نعم، الدليل عدم الدليل على المنع؛ لأن الأصل الإباحة، فيجوز أن ينشف الإنسان أعضاءه.
فإن قلت: كيف تجيب عن حديث ميمونة حين ذكرت أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم اغتسل، قالت: فأتيته بالمنديل فردها وجعل يَنْفُضُ الماء بيده (13)؟
طالب: (... )؟
الشيخ: بالمنديل.
طالب: نجيب عنه أنه إما لسبب في المنديل، كعدم نظافته، أو لكونه رغب في تلك الحال أن يبرد أعضاءه مثلًا بالماء، وهذا فعل، مجرد فعل.
الشيخ: نقول: نعم هذه قضية عين تحتمل عدة أمور؛ إما أنه لسبب في المنديل، إما لعدم نظافته، أو يخاف أن يبله بالماء، وبلله بالماء غير مناسب، أو ما أشبه ذلك.
المهم فيه احتمالات، ولكن إتيانها إياه بالمنديل قد يكون دليلًا أن من عادته أن ينشف، وإلا لما جاءت به.
وعلى كل حال فالصحيح ما قاله المؤلف؛ أن تنشيف الأعضاء لا بأس به؛ لأن الأصل عدم المنع والإباحة.
وقد مر علينا عدة مرات أن الأصل فيما عدا العبادات من العقود والأفعال الأصل فيها الحل والإباحة حتى يقوم دليل على المنع.
طالب: (... ).
الشيخ: المهم ما علينا منه نقول: ما نحتاج إلى دليل على الجواز.
(... ) نقول: من منع فعليه الدليل، فسواء صح هذا الحديث أو حسن أو ضعف ما علينا منه.
طالب: (... ).
الشيخ: ما هو صحيح.
طالب: ألا يجب يا شيخ في بعض الأحوال تنشيفها (... )؟
الشيخ: لا قد يجب إذا خاف الضرر الإنسان، أما إذا لم يخف ما يجب.
طالب: يا شيخ، نفض اليدين ما يعتبر تنشيفًا؟
الشيخ: لا، ما هو تنشيف كامل، لكن إزالة الماء بلا شك، يَنْفُضُ الماء بيده (14) يعني يسلتها هكذا، لا شك أنه نوع من التنشيف، لكن ما هو بالتنشيف المقصود التنشيف ينشف مرة يجف، وهذا ما يجعل الجلد يجف نهائيًّا.
باب مسح الخفين
ثم قال المؤلف: (باب المسح على الخفين).
أتى به المؤلف بعد صفة الوضوء لأنه حكم يتعلق بأحد أعضاء الوضوء، ولهذا جاء به، وذكر المؤلف في هذا الباب المسح على العمامة، والمسح على الخمار، والمسح على الجبيرة، فكان هذا الباب مشتملًا على أربعة مواضيع: المسح على الخفين وعلى العمامة والخمار والجبيرة.
والخفان: ما يلبس على الرجل من الجلود، ويلحق بهما ما يلبس عليها من الكتان والصوف وشبههما، فهو عام لكل ما يلبس على الرجل مما تستفيد منه بالتسخين، ولهذا بعث النبي عليه الصلاة والسلام سرية فأمرهم أن يمسحوا على التساخين (15). التساخين يعني الخفاف، وسميت تساخين لأنها تسخن الرجل.
المسح على الخفين جائز باتفاق أهل السنة.
وخالف في ذلك الرافضة؛ ولهذا ذكره بعض أهل العلم في كتب العقيدة؛ المسح على الخفين؛ لأنه خالف فيها أهل البدع وصار شعارًا لهم، وهو جائز بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة.
أما الكتاب ففي قوله تعالى: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ﴾ على قراءة الجر ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6].
وأما في السنة فقد تواترت بذلك الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأنشدوا في ذلك:
مِمَّا تَوَاتَرَ حَدِيثُ مَنْ كَذَبْ وَمَنْ بَنَى لِلَّهِ بَيْتًا وَاحْتَسَبْ وَرُؤْيَةٌ شَفَاعَةٌ وَالْحَوْضُ وَمَسْحُ خُفَّيْنِ وَهَذِي بَعْضُ
قال الإمام أحمد: ليس في قلبي من المسح شيء، فيه أربعون حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وحكم يثبت فيه أربعون حديثًا، بل أربعة أحاديث لا يبقي في النفس شيئًا من الشك، ولهذا قال: ليس في قلبي من المسح شيء، يعني: ما فيه أدنى شبهة عندي للجواز.
المؤلف يقول: (يجوز لمقيم).
(يجوز) فعبر بكلمة يجوز، وهل الجواز منصب على بيان المدة أو على بيان الحكم؟
إن كان على بيان المدة فلا إشكال فيه، يعني أن الجواز متعلق بهذه المدة، وإن كان منصبًّا على بيان الحكم فقد يكون فيه إشكال، وهو أن المسح على الخفين للابسهما سنة، ما نقول: إنه جائز.
نقول: إنه سنة، وخلعهما ليغسل الرجل بدعة، خلاف السنة.
فإذا كان التعبير بالجواز منصبًّا على الحكم من حيث هو ففيه هذا الإشكال، ولكن يمكن أن يجاب عنه فيقال: إن المؤلف عبر بالجواز دفعًا لقول من يقول بالمنع، وهذا لا ينافي أن يكون مشروعًا.
والعلماء دائمًا يعبرون بمثل ذلك في مقابلة من يقول بالمنع، وإن كان الحكم عندهم ليس مقصورًا على الجواز، بل هو إما واجب أو مستحب.
ونضرب مثلًا لذلك غير هذا الذي نحن فيه، تعبير بعضهم حيث قال: ولمن أحرم بحج مفردًا ولم يسق الهدي أن يفسخه لعمرة ليكون متمتعًا، فالتعبير باللام الدالة على الجواز في مقابل من منع ذلك؛ لأن بعض أهل العلم يقول: لا يجوز فسخ الحج القارن أو المفرد إلى عمرة ليصير متمتعًا وإن هذا حرام، وهو من إبطال العمل.
والبحث فيه إن شاء الله يأتي في محله.
الكلام على أن العلماء قد يعبرون بلفظ الإباحة لدفع قول من يقول بالمنع.
قال: (يجوز لمقيم يومًا وليلةً ولمسافر ثلاثة أيام).
(لمقيم) كلمة (مقيم) تشمل المستوطن والمقيم؛ لأن الفقهاء رحمهم الله يرون أن الناس لهم ثلاث حالات: إقامة، واستيطان، وسفر.
ويفرقون في أحكام هذه الأحوال.
ولكن الصحيح كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنه ما فيه إلا إما استيطان وإما سفر، وإن إقامة لا توجد لا في الكتاب ولا في السنة.
والإقامة عند الفقهاء: كل مسافر أقام إقامةً تمنع القصر فإنه يسمى مقيمًا، ولا يسمى مستوطنًا، يسمى مقيمًا، فلا تنعقد به الجمعة، ولا تجب عليه بنفسه، ولا يكون إمامًا فيها ولا خطيبًا، حتى لو سيقيم سنتين أو ثلاثة، فإنه لا تجب عليه الجمعة بنفسه، ولا يصح أن يكون إمامًا فيها ولا خطيبًا، والمستوطن اللي اتخذ هذا البلد وطنًا له.
فكلمة (مقيم) عند المؤلف يشمل المقيم المستوطن وغير المستوطن، ومراده بالمقيم من كان مسافرًا فأقام إقامة تمنع القصر.
حكم هذا المقيم في المسح على الخفين كحكم المستوطن، كما أن حكمه كحكم المستوطن في وجوب إتمام الصلاة، وفي تحريم الفطر في رمضان، لكن ليس هو كالمستوطن في مسألة الجمعة، فلا تجب عليه بنفسه، ولا يؤم فيها ولا يخطب فيها.
قال: (يومًا وليلة) الدليل: حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل للمقيم يومًا وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن.
أخرجه مسلم (16). وهذا نص صريح بين مفصل.
قال: (وللمسافر ثلاثة بلياليها)، قوله: (وللمسافر) إن نظرنا إلى إطلاقه كان شاملًا للمسافر القصير والطويل؛ لأن السفر قصير وطويل، وشاملًا لسفر القصر ولغيره؛ لأن هناك سفرًا طويلًا، لكنه لا يقصر فيه، مثل السفر المحرم، أو المكروه على المذهب، لو سافر إنسان إلى بلد ليشرب المسكر والعياذ بالله أو ليستمتع بالبغايا.
هذا السفر محرم لا تستباح به الرخص، فيمسح ثلاثة أيام، ولّا يوم وليلة؟ أما ظاهر كلام المصنف فيمسح ثلاثة أيام؛ لأنه قال: (لمسافر)، لكن المذهب يقيدون المسافر هنا بالذي يحل له القصر، بمسافر يقصر (ثلاثةً بلياليها من حدث بعد لبس على طاهر) إلى آخره.
قوله: (من حدث)، (من) هذه للابتداء، يعني أن ابتداء المدة سواء كانت يومًا وليلة أم ثلاثة أيام، ابتداؤها من الحدث بعد اللبس، هذا هو المذهب، يجعلون الابتداء من الحدث؛ لأن الحدث هو سبب وجوب الوضوء، فعلق الحكم به، وإلا فإن المسح لا يتحقق إلا متى يتحقق المسح؟
طلبة: في أول مرة يمسح.
الشيخ: في أول مرة يمسح، لكنهم يقولون: لما كان الحدث سببًا للوضوء أنيط الحكم به، ونظير هذا قولهم في بيع الثمار: إنه إذا باع نخلًا تشقق طلعه فالثمر لمن؟
طالب: للبائع.
الشيخ: للبائع، مع أن الحديث: «مَنْ بَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ» (17)، لكن هم قالوا: إن التشقق سبب للتأبير، فأنيط الحكم به.
عندنا (من حدث) الذي يلبس الخف له ثلاث حالات: حال اللبس، وحال الحدث، وحال المسح.
أما حال اللبس فلا تعتبر، يعني لا تبتدئ المدة من اللبس قولًا واحدًا في المذهب.
بقي عندنا الحدث أو المسح، المذهب أنه يبتدئ من الحدث، والقول الثاني: أنه يبتدئ من المسح؛ لأن الأحاديث: «يَمْسَح الْمُقِيمُ»، «يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ» (18)، ولا يمكن أن يصدق عليه أنه ماسح إلا بفعل المسح، ولهذا الصحيح أن ابتداء المدة من المسح بعد الحدث، وليس من الحدث.
ويدل لذلك أن الفقهاء أنفسهم -رحمهم الله- قالوا: لو أن رجلًا لبس الخفين وهو مقيم، ثم أحدث، ثم سافر، ومسح في السفر أول مرة، قالو: إنه يتم مسح مسافر، ثلاثة أيام.
وهذا يدل على أنهم اعتبروا ابتداء المدة منين؟ من المسح، وهو ظاهر.
فالصواب أن العبرة بالمسح وليس بالحدث، بالمسح بعد الحدث.
فيتضح ذلك بالمثال: رجل توضأ لصلاة الفجر فلبس الخفين، وبقي على طهارته إلى الساعة التاسعة ضحى، ثم أحدث ولم يتوضأ، وتوضأ في الساعة الثانية عشرة، فالمذهب: تبتدئ المدة من الساعة التاسعة.
والقول الصحيح: تبتدئ المدة من الساعة الثانية عشرة إلى أن يأتي دورها من اليوم الثاني إن كان مقيمًا، أو من اليوم؟
طالب: الرابع.
الشيخ: الثالث.
الطالب: الرابع.
الشيخ: لا، دورها من اليوم الثالث.
الطالب: ثلاثة أيام (... ).
الشيخ: طيب، نشوف.
الدور من اليوم الأول يكمل يوم، والدور من اليوم الثاني..
الطالب: إلى، من اليوم الأول إلى ثاني يوم.
الشيخ: يوم، ومن الثاني إلى الثالث؟
الطالب: يومان.
الشيخ: يومان، ومن الثالث إلى الرابع؟ ثلاثة.
إذن في الرابع، تكون في الرابع، كم من ساعة؟
طالب: اثنتان وسبعون ساعة.
الشيخ: اثنتان وسبعون ساعةً، وأما المقيم فأربع وعشرون ساعةً.
عند العامة التوقيت بالصلوات، والمدة خمس صلوات، وهذا غير صحيح؛ لأن الإنسان ربما يصلي أكثر من ذلك وهو مقيم يمكن يصلى عشر صلوات أو أكثر أو ما يمكن؟
طلبة: (... ).
الشيخ: وهو مقيم؟ يمكن يصلي عشر صلوات أو أكثر.
طالب: قضاء.
الشيخ: لا، في أوقاتها، الآن مثلًا رجل لبس الخفين لصلاة الفجر، وبقي على طهارته إلى أن صلى العشاء، راح يوم كامل ما يحسب عليه؛ صلى الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء.
طيب من بكرة مسح لصلاة الفجر متى يبتدي؟ من صلاة الفجر إلى اليوم الثالث من صلاة الفجر، مسح لصلاة الفجر من اليوم الثالث وبقي على طهارته إلى صلاة العشاء، كم صلى؟ خمس عشرة صلاة وهو مقيم، هم يقولون: خمس صلوات، ما هو بصحيح.
طالب: شيخ، (... ) خمس صلوات (... ) العشاء (... ).
طالب آخر: (... ) المسح.
الشيخ: ما يخالف، حتى من الحدث (... ) من بكرة عشر صلوات حتى لو قلنا: من الحدث.
طالب: طيب لو أنه مسح من الفجر.
الشيخ: ما مسح الفجر توضأ الفجر ولبس.
طالب: قلنا: إنه لم يمسح من الفجر (... ) قلنا: إنه ابتدأ من الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء هذا يعني (... ).
الشيخ: لا هم لو قالوا: خمس صلوات من المسح كان ربما تكون المسألة معقولة، لكن يقولون: خمس صلوات من يوم تلبس.
طالب: (... ).
الشيخ: حتى هذه ربما تزيد، على كل حال المدة يوم وليلة ابتداء من المسح على القول الراجح الذي اختاره شيخ الإسلام وجماعة من أهل العلم، أو من أول حدث بعد اللبس على المشهور من مذهب الإمام أحمد.
طالب: لو أن رجلًا مسافرًا (... ) ثم مسح (... ) يعني هل يحسب ولم ينتقض الوضوء إلا بالعشاء لكنه مسح (... )؟
الشيخ: ما رأيكم في هذا؟ هذا رجل يقول: مسح تجديدًا، ما هو عن حدث، هل يبتدئ من المسح أو لا يعتبر؟
طالب: من المسح.
الشيخ: طيب، ما يخالف؛ إن نظرنا إلى ظاهر الحديث اعتبر من المسح، وإن نظرنا إلى أن هذا المسح لم يؤثر، ولهذا لو خلعها بعد ثم أعادها ما يضر، وقد حكي إجماعًا بأنه من المسح بعد الحدث، يعني لا بد يتقدم الحدث؛ لأن المسح الذي قبل الحدث لم يؤثر، ما رفع حدثًا حتى نقول: إنه مؤثر.
طالب: بالنسبة للمسافر، قلت: إنه لو سافر، يعني سفر الطاعة وسفر المعصية، وهما كلاهما سفر، فما دليل التفريق؟
الشيخ: إي نعم، المذهب يقولون: إن العلة أن القصر أو المسح رخصة، والرخصة لا ينبغي أن تناط بالمعصية؛ إذ إن العاصي لا يناسبه أن يرخص له، بل المناسب له أن يشدد عليه، واستندوا مع التعليل إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173].
يعني: فلا إثم عليه في أكل الميتة، قالوا: فلم يبح الله عز وجل أكل الميتة للمضطر إلا إذا كان غير باغٍ ولا عاد، بناء على أن معنى ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ أي باغ على الإمام ولا معتد في سفره.
والمسألة خلافية، والصحيح أن معنى ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ أي غير باغ للأكل طالب له ﴿وَلَا عَادٍ﴾ معتد في أكله أكثر مما يضطر إليه، بدليل آية المائدة ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة: 3].
فهم هذا حجتهم، والمسألة يعني البحث فيها وتحقيقه يأتي إن شاء الله في باب قصر المسافر؛ لأن مذهب أبي حنيفة شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من أهل العلم يقول: لا فرق بين سفر الطاعة وسفر المعصية؛ لأن العمومات ما فيها تفصيل، فالمسافر سفر طاعة أو سفر معصية أو سفرًا لا طاعة فيه ولا معصية، كل منهم يترخص برخص السفر.
طالب: طيب يا شيخ (... ) الذي سافر بقصد الفطر في رمضان؟
الشيخ: لا، اللي سافر بقصد الفطر لا يفطر لكنه يقصر على رأيهم.
طالب: (... ).
الشيخ: نعم، لكن قلت لك: إن الإجماع على خلافه، ولولا الإجماع كان نأخذ بظاهر الحديث.
قال: (من حدث بعد لبس على طاهر) انتبه للشرط الأول، يعني شرط الجواز المسح على الخفين أن يكون في المدة المحددة، من شروط المسح على الخفين أن يكون في المدة المحددة، وهي يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام للمسافر، ثانيًا أن يكون على طاهر، والطاهر ضد النجس والمتنجس: النجس نجس العين، كما لو كانت الخفان من جلد حمار، فهو نجس العين أو متنجس؛ كما لو كانت من جلد بعير، لكنه أصابته نجاسة، إلا أن المتنجس إذا طهر يجوز المسح عليه، لكن ما دام على نجاسته ما يمكن؛ لأنه لا يمكن تصلى بشيء متنجس.
طيب فهل يدخل في ذلك الأشاعرة، وإذا قيل: أهل سنة ورافضة دخل فيهم الأشاعرة، فيريدون بأهل السنة إذا قرن بالرافضة ما عدا الرافضة من الفرق الإسلامية حتى الأشاعرة، ولكن الصحيح أن الأشاعرة من حيث مذهب السلف ليسوا من أهل السنة والجماعة؛ لأن طريقتهم مخالفة لطريقة السلف، وإن كان بعض العلماء قال: إن أهل السنة والجماعة ثلاث فرق: السلفية والأشعرية والماتُرِيدِيَّة، وقد ذهب إلى ذلك السفاريني في شرحه لنظمه، لكن هذا غير صحيح، وهو في الحقيقة متناقض مع قوله لما ذكر أن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، قال:
وَلَيْسَ هَذَا النَّصُّ جَزْمًا يُعْتَبَرْ فِي فِرْقَةٍ إِلَّا عَلَى أَهْلِ الْأَثَرْ
فهذا شبه تناقض بين المتن وبين الشرح، لكن الصواب أن أهل السنة والجماعة لا ينطبق إلا على السلفية الأثرية، وأما الأشعرية والماتريدية فليسوا من أهل السنة والجماعة على الإطلاق، وإن كان فيهم أشياء كثيرة يوافقون أهل السنة والجماعة فيها.
إذن ما حكم المسح لو فطر ويباح له القصر ولّا لا ما ذكرنا هذا؟ وقلنا: لو أن أحدًا سافر سفرًا محرمًا فإنه يمسح، كم؟
طالب: مسح مقيم.
الشيخ: مسح مقيم، يوم وليلة، العاصي بسفره يمسح يومًا وليلة فقط، مثل أن يذهب إنسان إلى الخارج لفعل الفاحشة والعياذ بالله، أو لشرب الخمر، هذا عاص بسفره، ما يترخص برخص السفر، هذا قول جمهور أهل العلم، ومذهب أبي حنيفة وشيخ الإسلام ابن تيمية أنه يترخص برخص السفر، ولو كان السفر محرمًا، قالوا: لعموم الأدلة، وهو يكون آثمًا، ولكن رخص السفر ثابتة في حقه، ولكن هذا بخلاف العاصي في سفره، شوف اللغة العربية لها شأن عظيم: (بسفره) و (في سفره) بينهما فرق؟
طالب: إي فيه فرق.
الشيخ: ويش الفرق؟
طالب: الظاهر بسفره نوى منذ أراد السفر المعصية، لكن في سفره يعني أثناء طريقه ارتكب المعصية.
الشيخ: إي، يعني العاصي بسفره الذي قصد بسفره المعصية من الأصل، سافر ليعصي الله.
وأما العاصي في سفره هو الذي فعل معصية وهو مسافر، مثلًا شارب الدخان إذا سافر هل هو عاص بسفره أو عاص في سفره؟
طلبة: عاص في سفره.
الشيخ: في سفره، كذا عاص في سفره، لكن لو سافر من بلده لأن بلده ما فيها دخان، راح سافر ليشتري دخانًا من بلد آخر؟
طالب: صار عاصيًا بسفره.
الشيخ: صار عاصيًا بسفره، هذا هو الفرق بينهما.
قال: (على طاهر) هذا الشرط الأول، يشترط في الملبوس أن يكون طاهرًا، والطاهر يطلق على طاهر العين، فيخرج به نجس العين، وقد يطلق الطاهر على مالم تصبه نجاسة، كما لو قلت: يجب أن تصلي في ثوب طاهر، أي لم تصبه نجاسة.
والمراد هنا الأول، يعني الطاهر الذي هو خلاف نجس العين، عرفتم؟ لأن من الخفاف ما هو نجس العين، كما لو كان خفًّا من جلد كلب، هذا نجس العين، ومنه ما هو طاهر العين متنجس، يعني: مصاب بنجاسة، كما لو كان الخف من جلد بعير مزكى ولكن أصابته نجاسة.
الأول نجاسته نجاسة عين، والثاني نجاسته نجاسة حكمية، ما هي عينية.
فعلى هذا ما المراد بقول المؤلف: (على طاهر) المراد بقوله: (على طاهر) أي: طاهر العين، فخرج به ما كان نجس العين، وعلى هذا فيجوز المسح على الخف المتنجس، لكن لا يستبيح به الصلاة؛ لأنه يشترط في الصلاة أن يكون مجتنبًا للنجاسة، إنما يستبيح به مس المصحف مثلًا؛ لأنه لا يشترط في مس المصحف أن يكون الإنسان متطهرًا من النجاسة، وإنما يشترط أن يكون متطهرًا من الحدث فقط، هذا واحد، ما رأيكم لو اتخذ الإنسان خفًّا من جلد ميتة مدبوغ؟
إن قلنا بأن الدبغ يطهره جاز المسح عليه، وإن قلنا بأنه لا يطهر كما هو المذهب فإنه لا يجوز المسح عليه.
(مباح) ما هو الدليل على اشتراط الطهارة؛ لأن المسح على نجس العين لا يزيده إلا تلويثًا، بل إن اليد إذا باشرت هذا النجس وهي رطبة مبلولة تنجست، وربما يؤخذ من قول النبي عليه الصلاة والسلام: «فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» (19). لكن معنى الحديث أدخلتهما -أي: القدمين- طاهرتين، كما يفسره بعض الألفاظ.
(مباح) احترازًا من المحرم، والمحرم نوعان: محرم لكسبه ومحرم لعينه، وكلاهما لا يصح المسح عليه، فالمحرم لكسبه كالمغصوب، والمسروق لا يجوز المسح عليه، كما لو أخذ من إنسان خفه قهرًا، هذا يسمى غصبًا أو سرقة خفية يسمى سرقة ولا يجوز المسح عليه.
وأما المحرم لعينه فمثل الحرير للرجل، لو أن الرجل اتخذ شرابًا من حرير لكان ذلك حرامًا عليه، وكذلك لو اتخذ شرابًا فيها صور؟
طلبة: حرام.
الشيخ: كذلك ما نقول: إن هذا من باب ما يمتهن، لا ما نقول؛ لأن هذا من باب اللباس، ولباس ما فيه الصورة حرام بكل حال، فلو كان على الشراب مثلًا صورة أسد أو ما أشبه ذلك أو كانت الشرابة من شعار أحد الأندية، وكان فيها صورة لاعب كرة، فلا يجوز المسح عليه؛ لأن لبس ما فيه صورة حرام، طيب ما هو الدليل أو التعليل؟
أما الدليل فلا نعلم لذلك دليلًا بينًا، وأما التعليل فظاهر؛ لأن المسح على الخفين رخصة، فلا تستباح بالمعصية؛ فالمسح على الخفين رخصة من الله وتسهيل، فكيف تستبيح هذه الرخصة بمعصية الله، ولأن القول بجواز المسح على ما كان محرمًا مقتضاه إقرار حال الإنسان على أيش؟ على لبس محرم، والمحرم يجب إنكاره، فصار التعليل إذن مركبًا من أمرين:
الأمر الأول: أن المسح على الخفين رخصة، فلا تستباح به المعصية.
والثاني: أن القول بجواز المسح على الخف المحرم مقتضاه إقرار اللابس على المعصية، وهذا لا يمكن، بل المعصية أو الشيء المحرم يجب إنكاره وإزالته فورًا، وربما نقول بالقياس على بطلان صلاة المسبل -إذا صح به الحديث- فإن المسبل إنما تبطل صلاته لأنه لبس ثوبًا محرمًا، فإذا كانت الصلاة فاسدة بلباس الثوب المحرم؛ فإن المسح أيضًا يكون باطلا فاسدًا بلباس الخف المحرم.
على كل حال يشترط في الخف أن يكون مباحًا، وقلنا: إن ضده المحرم، وهو نوعان: محرم لكسبه ومحرم لعينه.
طالب: (... ) طاهرًا من النجاسة (... ) بجامع أن الخف والنعل (... )؟
الشيخ: إي، هذا بالنسبة للصلاة، لكن قد نقول: امسح عليه، لكن لا تصلِّ فيها.
طالب: يعني الصلاة في الشراب أمر يأثم عليه..
الشيخ: أيش؟
الطالب: هذه من جعل الصورة في الشراب أو مسبل يأثم على هذا الفعل، لكن الصلاة صحيحة (... )؟
الشيخ: على كل حال إذا صح الحديث وجب القول بموجبه، إذا صح حديث أنه لا يقبل صلاة مسبل، وأما الذي فيه صورة فلأنه محرم.
طالب: هو آثم يا شيخ.
الشيخ: كيف نقره على محرم؟
الطالب: آثم على الصورة، أما الصلاة يعني..
الشيخ: لا أصلًا ما نصحح الوضوء، أصل الوضوء ما هو بصحيح؛ لأنه مسح على شيء محرم، أما الصلاة فستأتينا إن شاء الله تعالى؛ هل يشترط في الساتر أن يكون مباحًا، يأتينا إن شاء الله في شروط الصلاة.
طالب: (... ) مباحات؟
الشيخ: لا ما أبحناها، قلنا: الجمهور على عدم الإباحة.
طالب: إحنا اخترنا رأي أبي حنيفة.
الشيخ: لا، ما اخترنا (... ).
الشرط الثالث (ساتر للمفروض)، ويش معنى (للمفروض)؟ أي: للمفروض غسله من الرجل، يعني يشترط في الخف أن يكون ساترًا للمفروض، أي لما للمفروض غسله من الرجل.
ومعنى (ساتر) ألا يتبين شيء من المفروض من ورائه؛ سواء كان ذلك من أجل صفائه، أو كان ذلك من أجل خفته، أو كان ذلك من أجل خروق فيه.
هذه ثلاثة أشياء، يعني لا يصف البشرة لصفائه، كما لو اتخذ الإنسان جوارب من بلاستيك أو لا؟
ما هو البلاستيك بيصف البشرة؟
طالب: نعم.
طالب آخر: (... )؟
الشيخ: بلاستيك يعني من جنس الزجاج..
يَثْبُتُ بنفسِه من خُفٍّ وجَوْرَبٍ صَفيقٍ ونحوِهما، وعلى عِمامةٍ لرَجُلٍ مُحَنَّكَةٍ أو ذاتِ ذُؤابةٍ وعلى خُمُرِ نساءٍ مُدَارَةٍ تحتَ حُلُوقِهِنَّ في حَدَثٍ أَصْغَرَ، وجَبيرةٍ لم تَتَجاوَزْ قَدْرَ الحاجةِ ولو في أَكبرَ إلى حِلِّها إذا لبِس ذلك بعدَ كمالِ الطهارةِ، ومَن مَسَحَ في سَفَرٍ ثم أقامَ أو عَكَسَ أو شَكَّ في ابتدائِه فمَسْحُ مُقيمٍ، وإن أَحْدَثَ ثم سافرَ قبلَ مَسْحِه فمَسْحُ مسافرٍ، ولا يَمْسَحُ قلانسَ ولفافةً ولا ما يَسْقُطُ من القَدَمِ أو يُرَى منه بعضُه، فإن لَبِسَ خُفًّا على خُفٍّ قبلَ الْحَدَثِ فالحكْمُ للفَوقَانِيِّ،
أنا عندي هذه الظروف اللي يحمل بها الخبز وما أشبه ذلك عندي من البلاستيك.
طلبة: (... ).
طالب: البلاستيك قاسٍ.
الشيخ: أنا أريد الآن بقولي: البلاستيك، هو هذا النوع، الظروف اللي تجعل فيها الخبز.
طالب: (... ) العموم أو الخصوص.
الشيخ: أنا ما أعرف هذا، على كل حال إن اللي يصف البشرة مثل البلاستيك أو قولوا ما شئتم؛ النايلون.
طالب: (... ).
الشيخ: إي نعم، بس ما هو أبيض مثل الزجاج، لكن أنا عدلت للزجاج، وإن كان الفقهاء مثَّلوا به؛ لأن الآن عندنا البلاستيك هذا يُغنِي عنه، ويمكن المشي فيه الزجاج؟ قد لا يمكن المشي فيه، على كل حال هذا لا يجوز المسح عليه؛ لأنه يصف البشرة، ويشترط الستر.
ثانيًا: أن يكون ساترًا للمفروض، بحيث لا يكون خفيفًا؛ وهو الرهيف، فإن كان خفيفًا تُرى من ورائه البشرة لم يصح المسح عليه؛ لأنه ليس ساترًا للمفروض.
الثالث: ألَّا يكون فيه خروق؛ لأنه إذا كان فيه خرق بان من ورائه المفروض، فلا يصح المسح عليه حتى قال بعض أهل العلم -وهو المشهور من المذهب-: لو كان هذا الخرق بمقدار رأس المخراز، فإنه لا يصح المسح عليه.
وهذه المسألة لا بد أن نشوف ما هو الدليل؟ يقولون: الدليل: أما ما كان خفيفًا أو ما كان فيه خروق، فلأن ما تبين فرضه الغسل، والغسل لا يجامع المسح؛ إذ لا يجتمع في عضو واحد غسل ومسْح.
وأما ما يصف البشرة لصفائه، فقالوا: لأنه يشترط الستر، وهذا غير ساتر؛ بدليل أن الإنسان لو صلَّى في ثوب يصف البشرة لصفائه فصلاته غير صحيحة؛ لأنه ما ستر؛ هذا هو التعليل.
وذهب الشافعية إلى أن الذي لا يستر لصفائه يجوز المسح عليه؛ لأن محل الفرض مستور ما يمكن يصل إليه الماء، وكونه يُرى من ورائه البشرة ما هذا عورة يجب سترها حتى نقول: إن الذي يصف البشرة لا يصح المسح عليه.
وليس في السنة، ولا حرف واحد يدل على اشتراط ستر الرجل بالخف أبدًا، فما دام ليس في السنة، وليست الرجل عورة حتى يجب سترها، فإن ما لا يستر لصفائه لا يمنع المسح عليه أو لا يمتنع المسح عليه، وهذا لا شك تعليل جيد من الشافعية.
وقال بعض أهل العلم: إن هذا ليس بشرط، أصل هذا الشرط ساقط، فلا يشترط أن يكون ساترًا للمفروض، واستدلوا لذلك بأن النصوص الواردة في جواز المسح على الخفين مُطلقة، وما ورد مطلقًا فإنه يجب أن يبقى على إطلاقه، وأي أحد من الناس يضيف إليه شرطًا آخر فعليه الدليل، وإلا فيجب أن نُطلق ما أطلقه الله ورسوله، ونُقيد ما قيده الله ورسوله.
ولأن كثيرًا من الصحابة كانوا فقراء، وغالب الفقراء لا تخلو خفافهم من خروق، وإذا كان هذا غالبًا في قوم في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، أو كان كثيرًا وإن لم يكن غالبًا، ولم يُنبِّه عليه الرسول عليه الصلاة والسلام، دل ذلك على أنه ليس بشرط، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ أنه لا يشرط أن يكون ساترًا للمفروض.
أولًا: لأنه لا دليل على ذلك، والنصوص مطلقة؛ فيجب إطلاق ما أطلقه الله ورسوله.
ثانيًا: أن كثيرًا من الصحابة فقراء، وغالب الفقراء تكون خفافهم فيها خروق، ما تخلو من خروق غالبًا، وإذا كان هذا موجودًا في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، ولم يُنبِّه عليه؛ دل على أنه ليس بشرط، يبقى علينا الآن الرد على تعليلهم، نقول:
قولكم: إن ما ظهر فرضه الغَسْل فلا يجامع المسْح، هذا مبني على قولكم بأنه لا بد من ستر المفروض، فأنتم استدللتم بالدعوى على المدَّعَى؛ يعني أتيتم بالدليل الذي هو مبني على أيش؟ على اختياركم، كيف تستدلون على المسألة بحكم أنتم بنيتموه على هذا الأمر، فمن يقول: إن ما ظهر فرضه الغسل؟
وهذا الخف جاء على وفق ما أطلقته السُّنة، فإذا جاء على وفق ما أطلقته السنة، فمن يقول: إن ما خرج من القدم ولو بقدر الخرز يكون فرضه الغسل، بل نقول: إن هذا يتبع الخُفّ، ويُمسح عليه.
وأما قولكم: إنه لا يجتمع مسح وغسل في عضو، فهذا منتقض؛ فإذا كانت الجبيرة مثلًا في نصف الذراع، اجتمع فيه مسح وغسل؛ مسح على الجبيرة، وغسل على ما ليس بجبيرة، فعلى فرض أنه لا بد من ستر كل شيء نقول: ما ظهر فيُغسل، وما استتر بالخُفّ فيُمسح كالجبيرة، هذا على تسليم أن ما ظهر فرضه الغسل، ولكننا لا نُسلِّم؛ لأننا نقول: إن قولكم ما ظهر فرضه الغسل مبنيّ على أنه يشترط أن يكون ساترًا للمفروض.
وهذا الذي ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية هو الراجح؛ لأن هذه الأمور ما تسلم غالبًا من أيش؟
طلبة: من خروق.
الشيخ: من الخروق ما تسلم، فإذا كانت لا تسلم، فكيف نلزم الناس ونشق عليهم؟ ! ثم إنه يوجد الآن في عهدنا هذا يوجد شُراب رهيفة جدًّا؛ جوارب رهيفة، ويستعملها كثير من الناس، ويرون أن ذلك مفيد للرِّجل، وقد بَعث النبي عليه الصلاة والسلام سارية، فأمرهم أن يمسحوا على العصائب، وعلى التَّساخِين (1). التساخين هي الخفاف؛ لأنها يحصل بها تسخين الرِّجل، وتسخين الرِّجل يحصل من مثل هذه الجوارب، إذن صار هذا الشرط محلّ خلاف بين أهل العلم..
طالب: القاصر يا شيخ؟
الشيخ: القاصر إن عُد خُفًّا فهو خُفّ، مثل: لو كان يظهر الكعب، لكنه يُسمَّى خُفًّا.
طالب: يُمسح عليه ولَّا لا؟
الشيخ: يُمسح عليه نعم.
طالب: يصير الاحتياط في مثل هذا وسوسة؛ يعني لو إنسان احتاط، قال: عندي جوارب، هذا ليس فيها خرق، فأمسح على التي ليس فيها الخرق، وأترك المخروق أو أتقصد المخروق؛ لأنه يسير.
الشيخ: أقول: حسب ما يظهر من الأدلة؛ إن كان الرجحان عنده بينًا فلا حاجة للاحتياط، وإن كان الرجحان عنده يسيرًا فالاحتياط أوْلَى بلا شك.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، أنا ما ألبس الجوارب ولا الخِفاف إلا نادرًا، إلا تشققت رجلي، مرة لبستها وإلَّا ما ألبسها، ترى لاحظوا ما هو عدول عن السنة، لا والله، لكن علشان (... ) بالمسح، وربما ينسى الواحد، ويمضي الوقت ما دري عنه، ولا سيما أن الواحد بيلبس كنادر، وبيمسح على الخفين، ومن عند الوضوء يقعد يفكه ويربطه.
طالب: شيخ، تركنا شرطًا كان ناقصًا الدرس الماضي.
الشيخ: وهو؟
الطالب: أن يكون في المدة.
الشيخ: ما بعد انتهينا يا أخي.
الشرط الثالث: إحنا الآن في شروط الخُفّ، ما هو في شروط المسح، الآن الشروط اللي إحنا نشترط أيش؟
الطلبة: شروط الخف.
الشيخ: شروط الخف: طاهِر، مُباح، ساتر للمفروض، الشرط الرابع؟
طالب: لو سمحت يا شيخ، ما ضابط الخف حينئذٍ؟ يعني..
الشيخ: الْخُفّ: كل ما يُلبس على الرِّجل من جلود أو كتان أو صوف أو غيره لتدفئتها فهو يعتبر خُفًّا، ولَّا الأصل أن الخف ما كان من جلد، والجورب ما كان من غير الجلود.
طالب: هل يشترط يا شيخ أن يتعدَّى الكعب؟
الشيخ: ما هو شرط إلا على كلام المؤلف؛ كلام المؤلف لا بد أن يكون مغطيًا للكعب؛ المفروض كله.
الشرط الرابع: (يثبت بنفسه)؛ بمعنى أنه ما ينطلق عندما تمشي فيه؛ يعني ما يكون واسعًا بحيث إذا مشيت (... )؛ فلو أن رجلًا قدمه صغيرة وجد أكبر خف يلبسه بني آدم ولبسه، وقال: أنا أبغي أمسح على ها الخف هذا، والخف يتعدّى الكعبين؛ يعني ساتر المفروض، وقال: أبغي ألبس، ومعلوم أنه ما يقدر يرفع رجله، لو يرفع رجله؟ طلعت من الخُفّ، لكن يبدأ يسحب الخف، يجوز ولَّا لا؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: ما يصح، لكن ثبوته بنفسه لو كان لا يثبت بنفسه، ولكن يثبت إذا شددته، إذا شددته ثبت، وإذا تركته لم يثبت، يجوز ولَّا لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: نعم، ولو بالشد، وكذلك لو كان لا يثبت إلا بنعلين يجوز أني ألبس النعلين عليه، وأمسح عليهما معه إلى خلعهما، إذا خلعت النعلين ما أمكن المسح.
فصار قوله: (يثبت بنفسه)؛ يعني بحيث لا يكون واسعًا لو أنه مشى فيه لانطلق من قدمه، فإن كان واسعًا بحيث ينطلق من قدمه إذا مشى فيه؛ فإنه لا يصح المسح عليه.
هل نقول مثله إذا كان يثبت بنفسه لا بِشَدِّه؟ لازم ننتبه لهذا، يقول: إن الذي يصح أن يمسح إذا شد هو أن يكون ساترًا للمفروض، لو كان غير ساتر للمفروض، لكن إذا (... ) بعضه على بعض ستر، يقول: إنه لا بأس به.
أما هذا إذا كان لا يثبت إلا بالشدّ يقولون: إنه لا يصح المسح عليه، لكن إذا كان يثبت بالنعلين فإنه يمسح عليه إلى خلعهما فقط، إذا خلعهما ما يمسح، إذن يثبت بنفسه نُعيد الشرط مرة ثانية، يثبت بنفسه أو بنعلين إلى خلعهما، فإن كان يثبت بشدِّه فهو على المذهب لا يجوز؛ يعني: لو فرض واحد رجله صغيرة، ولبس خفًّا واسعًا، لكنه ربطه برجله بحيث يمشي ولا يسقط، يقولون: إنه لا يصح المسح عليه.
ولكن الصحيح أنه يصح المسح عليه، ودليلنا في ذلك هو أن النصوص الواردة في المسح على الخُفَّين مُطلقة، فما دام يمكن أن ينتفع بهذا، ويمشي به، فما المانع؟
قد يكون الإنسان ما عنده إلا هذا الخف الواسع، أنتم لا تقيسوا الأمور بحالتنا اليوم، الحمد لله اليوم كل يستطيع الإنسان يجيب ما يريد، لكن لو فُرض هذا الرجل قدمه صغيرة، وليس عنده إلا خف ولده كبير القدمين، أبوه كبير القدمين، وله خُفّ واسع وهو صغير القدمين، ولا عنده إلا هذا الخفاف، وقال: أنا إذا لبسته وشددته مشيت، وإن لبستها ولم أشدّها سقطت من قدمي، وجاء يستفتي ماذا نقول له؟
طالب: على المذهب لا يجوز.
الشيخ: نقول: على المذهب لا يجوز، وعلى القول الراجح: يجوز، ووجه رجحانه أنه لا دليل على هذا الشرط.
فإذا قال قائل: ما هو الدليل؟ نقول: الدليل عدم الدليل.
طالب: لو كان يا شيخ من غير شد ووضع فيه خرقًا، على المذهب؟
الشيخ: إي نعم، ما يصح.
الطالب: كذلك؟
الشيخ: إي نعم؛ لأنهم يرون لا بد بنفسه أو بنعلين.
الطالب: لو شدّه هو (... ) واسع (... ).
الشيخ: يصح لو فرض أنها مطاطة؛ يعني يقصه؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ولين بعضها على بعض فهو يصح، لكن إذا كان بشدِّه ما يصلح.
طالب: إذا لبس رجل الخف وشده، فجاء يستفتي ماذا نقول؟ على المذهب لا يجوز، والصحيح يجوز..
الشيخ: لا العامي.
الطالب: كثير يا شيخ تقول هذا حتى ندرس؛ يعني إذا جاءت مسألة، تقول: على المذهب كذا، والصحيح كذا لماذا؟ لا نذكر الصحيح فقط في الفتوى؟
الشيخ: لا، في الفتوى ما نقول: إلا الصحيح.
الطالب: لا، أحيانًا أنت وكثير من المرات..
الشيخ: هنا يعني؟
الطالب: هنا أو غيره، أنا ملاحظ هذا.
الشيخ: هنا، اللي عندي الآن طلبة.
الطالب: لا، حتى في الحرم مثلًا إذا سألت عن بعض الأسئلة..
الشيخ: لا، ما نقول؛ لأن الحرم غالب اللي حولي طلبة علم، لكن لو يجيني عامّي في السوق يسألني، أقول: هذه المسألة مثلًا فيها خمسة أقول لأهل العلم، هذه مشكلة.
الطالب: طيب حتى عند الطلبة ما تقول خمسة أقوال، غالبًا تقول: المذهب كذا، والصحيح كذا.
الشيخ: إذا كان فيها أقول يعني متقاربة في الرجحان نذكرها، لكن قد يكون ما عدا القولين قد يكون ضعيفًا، فلا أقول: ما حاجة أن أقوله وأروح أجيب دليلًا وأرد عليه.
نقول: (يثبت بنفسه) هذا الصحيح أنه ليس بشرط، فإذا ثبت ولو بشدِّه أو بملئه؛ جاز المسْح عليه.
قال: (مِنْ خُفٍّ) (مِن) حرف جرّ، ومعناها التبيين، وعلى هذا فهي بيان لقوله: (على طاهِر مِن خُفّ)، فالجار والمجرور هنا بيان لطاهر.
و(من) البيانية إذا جاءت فإن الجار والمجرور يكون في موضع نصب على الحال؛ يعني حال كونه من خُفٍّ.
(وجورب) الخف واضح، هو ما يكون من الجلد، وأما الجورب فهو ما يكون من غير الجلد من الخِرَق وشبهها، فيجوز المسْح على هذا وعلى هذا، وذلك إما بالقياس، وإما بالعموم اللفظي كما في حديث: أن يَمْسحوا على التَّسَاخِين (1)؛ فإن التساخين يعم كل ما يُسخَّن الرِّجل.
وإما بالقياس على الخُفّ؛ إذ لا فرق بينهما في حاجة الرِّجل إليهما، والعِلّة فيهما واحدة.
فإذا قال قائل: ما الدليل على جواز المسح على الجوارب؟
نقول: الدليل من السُّنة؛ إما بالقياس، فيكون هذا من باب الشمول المعنوي، وإما بالعموم اللفظي كما في حديث: أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى التَّسَاخِينِ.
وأما (الموق) فإنه خُفّ قصير يُمسح عليه أيضًا، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا حديث أنه مسح على الْمُوقَيْن (2).
قال: (وجورب صفيق)، لماذا اشترط المؤلف أن يكون صفيقًا؟ لأنه يُشترط أن يكون ساترًا للمفروض وغير الصفيق لا يستر.
وقوله: (صفيق) هي صفة لجورب، وليست صفة لِخُفّ، لماذا؟ لأن الخُفّ لا يكون إلا صفِيقًا؛ لأنه من الجلود، الجورب هو الذي يكون صفيقًا وقد لا يكون.
قوله: (ونحوهما) نحو بمعنى (مِثْل)؛ يعني من كُلِّ ما يُلبس على الرجل سواء سُمِّي خُفًّا، أو جوربًا، أو موقًا، أو جرموقًا، أو غير ذلك، فإنه يجوز المسح عليه؛ لأن العلة واحدة.
طالب: شيخ (... )، الأئمة الثلاثة يمنعون المسح على الجوارب، هل هذا صحيح؟
الشيخ: ما أدري والله مذهبهم، لكنه صحيح من حيث الحكم، صحيح أنه لا فرق.
طالب: الجورب يصير تحت الكعبين، يجوز المسح عليه؟
الشيخ: الجورب إذا كان تحت الكعبين فهو ينبني على الخلاف، المذهب لا يجوز؛ لأنه لا بد أن يكون ساترًا للمفروض، والقول الثاني: يجوز ما دام باقيًا على اسمه والرِّجل تنتفع به يجوز المسح عليه.
طالب: ما يصلح شرطًا خامسًا؟
الشيخ: وهو؟
طالب: ألا يكون (... ).
الشيخ: هو إذا كان الخرق أوسع من الساتر، الظاهر أنه يخرج عن كونه خُفًّا، ما يُسمى خُفًّا؛ يعني مثلًا لو كان الشراب هذا مشقوق مرة نصفه هذا معناه أنه..
طالب: (... ).
الشيخ: لا، إذا كان متفرقة لا بأس بها.
طالب: (... ).
الشيخ: إي نعم؛ لأنه يصدق عليه أنه خُفّ.