إذنغسل الجمعة -على القول الراجح- واجب، ولا يمكن الإنسان يُلاقي ربه وقد بلغه عن نبيه أنه قال: «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» (12)، ثم يتهاون به ويتركه؛ هذه صعبة على النفوس.
ما العذر؟ هل هو نقص في التعبير؟ لا، التعبير واضح، ولم يأتِ حديث صحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام أن الوضوء كافٍ، وإن كان قد ورد في صحيح مسلم ما يدل على ذلك، ولكنه مرجوح من حيث الرواة؛ لأن الرواة اختلفوا فيه؛ فبعضهم قال: «مَنِ اغْتَسَلَ» (13)، وبعضهم قال: «مَنْ تَوَضَّأَ» (14)، ورواية: «مَنِ اغْتَسَلَ» أرجح.
قال: (وتقدم)، ويش معنى تقدم؟ يعني سبق ذكر استحباب الغسل ليوم الجمعة، تقدم في كلام المؤلف.
الشارح يقول: (فيه نظر)، وإذا قال العلماء: (فيه نظر)؛ يعني أنه غير مُسلَّم.
أحيانًا يقولون: (فيه شيء)، العلماء يعبرون أحيانًا يقولون: (فيه شيء)، إذا نَقل كلام غيره قال: (فيه شيء).
(فيه شيء) أخف من قولهم: (فيه نظر)، وقول الشارح: (فيه نظر) نقول: فيه نظر؛ يعني في قول الشارح نظر؛ لأن الماتِن ذكره في أقسام المياه حين قال في أقسام المياه: (وإن استُعمل في طهارة مستحبة كتجديد وضوء وغسل جمعة)، (كتجديدِ وضوء وغُسل جمعة)، هذا صريح في أن غسل الجمعة مُستحب، لكن كأن الشارح لما لم يذكره المؤلف في باب الغسل كما جرت به عادة الفقهاء في ذِكر الأغسال المستحبة في باب الغسل، كأنه لما رأى الماتِن لم يذكره، قال: إن فيه نظرًا.
إذن قول الشارح (فيه نظر) فيه نظر؛ لأن المؤلف ذكره.
يقول: (ويُسن أيضًا أن يتنظَّف ويتطيب) كما جاءت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم (15). والتنظف أمر زائد على الاغتسال، التنظف بقطع الرائحة الكريهة وأسبابها؛ هذا التنظف: أن يقطع الإنسان الرائحة الكريهة وأسبابها؛ من أسباب الرائحة الكريهة الشعور التي أمر الشارع بإزالتها والأظفار، وعلى هذا فيُسنُّ حلق العانة، نتف الإبط، حف الشارب، تقليم الأظفار.
لكن من المعلوم أن هذا في كل جمعة قد لا يجد الإنسان شيئًا يزيله، وقد وقَّت النبي عليه الصلاة والسلام هذه الأشياء الأربعة ألا تزيد على أربعين يومًا (16).
(وتطيُّب) يعني ويسن أيضًا أن يتطيب، بأي طيب، سواء من الدهن أو من البخور، في ثيابه وفي بدنه، وذلك من أجل اجتماع الناس في مكان واحد؛ لأن العادة أنه إذا كثُر الجمع ضاق النَّفَس، وكثر العرق، وثارت الرائحة الكريهة، فإذا وُجِد الطيب، وقد سبقه التنظف، فإن ذلك يُخفِّف من الرائحة، بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى مَنْ أَكَل بصلًا أو ثومًا أن يقرب المسجد (17)، وكانوا إذا رأوا إنسانًا أكل بصلًا أو ثومًا، أمروا فأُخرج من المسجد إلى البقيع (18)، إلى المقبرة هناك.
ومن الأسف أن بعض الناس اليوم يأتي إلى الجمعة وثيابه مروحة نتنة، وجسمه أشد، وشعره أشد، ونفَسه أشد، ثم لا يستطيع أحد أن يصلي إلى جنبه، وليس من عند الله بل هو من نفسه، هو الذي يجلب على نفسه الأوساخ والأنتان، ولا يهتم بنفسه، وهذا أذية للمصلين وأذية للملائكة، بل إن العلماء قالوا: حتى ما كان من الله ولا صُنع للآدمي فيه، إذا كان يؤذي المصلين فإنه يُخرَج؛ بعض الناس -نسأل الله لنا ولكم العافية- يكون في أنفه بخر، أو في فمه، أو تحت إبطيه فيؤذي من حوله، هذا نقول له: إذا كان فيك رائحة تؤذي لا تقرب المسجد، قال: هذا من الله؟ نقول: طيب، إذا ابتلاك الله به تؤذي العباد به؟ تؤذي الملائكة؟ أنت على كل حال مأجور على الصبر على هذا الشيء، واحتساب الأجر من الله، ولكن لا تؤذِ الناس، ولستَ بآثم إذا لم تُصلِّ مع الناس؛ لأنك إنما تركتَ ذلك بأمر الله.
فإذا قال: هذا يُنقص إيماني؛ لأن صلاة الجماعة أفضل؟ قلنا: إنك لا تُلام على هذا النقص، كما أن الحائض لا تصلي وينقص إيمانها بذلك ولا تُلام على النقص؛ لأن النقص الذي ليس بسبب الإنسان لا يُلام عليه.
إذن يُسن في الجمعة التنظف والتطيب، ويُسن أيضًا لبس أحسن الثياب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعد أحسن ثيابه للوفد والجمعة (19)، أنت بتشوف الرسول عليه الصلاة والسلام كيف يعامل الناس؟
إذا جاء الوفد لبس أحسن ثيابه؛ ليظهر أمام الوفد بالمظهر اللائق، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام محذرًا من الكِبر: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ».
قالوا: يا رسول الله، الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنًا؟ فقال: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» (20)، يعني يحب التجمل، وليس الجمال الطبيعي الخِلقي، ولكنه يحب التجمل؛ لأن الرسول بنى هذا الكلام على قولهم: يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنًا؛ ولأن هذا هو الذي يستطيعه الإنسان، فيُثاب عليه إذا فعله، أما الجمال الخِلقي فهذا ليس باختيار الإنسان.
المهم «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ»، دل ذلك على أنه ينبغي للإنسان أيضًا أن يُحسِّن ثيابه ويُحسِّن نعله، لكن بشرط ألا يؤدي ذلك به إلى الإسراف والفخر والخيلاء؛ ولهذا وردت أحاديث تدل على فضل التواضع في اللباس.
وهذا في مكانه، يعني لو كان الإنسان يأتي إلى قوم فقراء، ويخشى إذا جاء بلباسه الزاهي عليهم أن تنكسر قلوبهم، فهنا الأفضل أن يلبس ما يناسب الحال، ويكون مأجورًا على ذلك.
(ويلبس أحسن ثيابه)، عندي أنا: (وأفضلها البياض، ويعتمّ، ويرتدي).
(أفضلها البياض)، لا شك أن أفضل الثياب للرجال البياض، ولكن أحيانًا لا يجد الإنسان البياض مناسبًا للوقت، مثل أيام الشتاء فإنه يندر أن تجد ثيابًا بيضاء تناسب الوقت، فهنا نقول: ارفق بنفسك، ويجوز أن تلبس ثيابًا متعددة، ويكون الأعلى هو الأبيض.
وقوله: (ويعتم) يعني يلبس العمامة.
وما هي العمامة؟ العمامة هي ما يُطوى على الرأس ويُكوَّر عليه؛ هذه العمامة، وعندنا -عند البادية- العمامة الشماغ والغترة تسمى عمامة؛ لأنها لباس الرأس، فالعرف، اللغة العرفية عندنا أوسع من اللغة العربية؛ لأنهم يرون أن ما غُطِّي به الرأس فهو عمامة، ولكنه ليس بصحيح، العمامة ما يدار على الرأس.
فقول المؤلف أنه يسن أن يعتم يحتاج إلى دليل، دليله فعل النبي عليه الصلاة والسلام، كان يلبس العمامة ويمسح عليها كما هو معروف (21)، ولكن هل لباسه إياها تعبدًا، أو لباسه إياها؛ لأنها عرف؟ الثاني هو الصحيح، أنه لا يلبسها صلى الله عليه وسلم تعبدًا بل اتباعًا للعرف، اتباع العرف في اللباس هو السنة ما لم يكن حرامًا؛ لأنا نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما لبس ما يلبسه الناس، والإنسان لو خالف ما يلبسه الناس لكان ثيابه شهرة.
أما قوله: (ويرتدي)، يعني يلبس الرداء، وظاهر كلام المؤلف: ولو كان عليه قميص، وهذا أيضًا فيه نظر، لكن بدل الرداء عندنا الْمِشلح، ولكن أكثر الناس اليوم لا يلبسون المشالح، لو لبس الإنسان المشلح أمام الناس قالوا: ويش هذا؟ نعم، هذا شيخ، هذا متزوج، هذا بدوي، يستنكرونه، بينما كان الناس بالأول يستنكرون من لا يلبس المشلح.
أنا أذكر ونحن صغار نطلب العلم، صغار مرَّة نلبس المشلح، ونفرح إذا لبسناه أيضًا، ليش؟ لأن الناس كانوا يعتادونه، أما الآن فأصبح ليس له أهمية.
قال المؤلف: (ويُبكِّر إليها) يعني يُسن أن يُبكِّر إلى الجمعة.
ودليله حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الأُولَى فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً» (22). فهذا يدل على أن الأفضل التبكير، وينبغي بعد الاغتسال والتنظف والتطيب، ولبس أحسن الثياب.
وقوله: (ماشيًا)، دليله أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في حديث: «مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ، وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ، وَدَنَا مِنَ الْإِمَامِ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ» (23)، «وَدَنَا مِنَ الْإِمَامِ»، فقال: «مَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ»، ولأن المشي أقرب إلى التواضع من الركوب؛ ولأن المشي يكون فيه الخطوات؛ كل خطوة يُرفع له بها درجة، ويحط عنه بها خطيئة، فكان المشي أفضل من الركوب، ولكن لو كان منزله بعيدًا أو كان ضعيفًا أو مريضًا، واحتاج إلى الركوب، فإن رفقه بنفسه أولى من الإشقاق عليها.
قال: (ويدنو من الإمام)، هذا أيضًا من السُّنة أن يدنو من الإمام، ودليل ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلَامِ وَالنُّهَى» (24)، ولما رأى قومًا تأخروا في المسجد عن التقدم قال: «لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللَّهُ» (25)، وهذا أقل أحواله أن يكون التأخر عن الأول فالأول مكروهًا؛ لأن مثل هذا التعبير يعد وعيدًا من النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ» ويكررون التأخر «حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللَّهُ»، ليس في هذا العمل، بل في جميع الأعمال؛ لأن الإنسان إذا لم يكن في قلبه محبة للسبق إلى الخير بقي كسلان دائمًا، كما قال الله عز وجل: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: 110]، ولهذا ينبغي للإنسان كلما سنحت له الفرصة في العبادة أن يفعل، ويتقدم إليها حتى لا يُعوِّد نفسه الكسل، وحتى لا يُؤخِّره الله عز وجل.
قال: (ويدنو من الإمام، ويقرأ سورة الكهف)
الدنو من الإمام أحيانًا يعارضه الأيمن في الصف، بمعنى أنه إن صار في الأيمن صار بعيدًا عن الإمام، وإن صار في الأيسر صار أقرب إلى الإمام، ويعارضه أيضًا الصف الثاني إذا كان خلف الإمام فإنه أدنى إلى الإمام من طرف الصف الأول، فتعارض الآن مطلوبان، فماذا نُقدِّم؟
نقول: القاعدة عندنا أنه إذا تعارض شيئان قدم الأرجح منهما، فبالنسبة للأول اليمين مع اليسار نقول: قد دلت السنة على أن اليمين أفضل من اليسار عند التقارب أو التساوي، وأما مع البُعد فقد دلَّت السنة على أن الأقرب أفضل، ودليل ذلك أن الناس كانوا إذا وُجد جماعة ثلاثة، فإن الإمام يكون بينهما، بين الرجلين، ولو كان اليمين أفضل على الإطلاق لصار مقام الرجلين مع الرجل عن اليمين.
إذن نرجح الآن الدنو على اليمين، لو فُرض أن اليمين عشرة رجال واليسار رجلان، فاليسار أفضل؛ لأنه أقرب إلى الإمام.
المسألة الثانية: القرب من الإمام في الصف الثاني إذا كان خلف الإمام مباشرة أقرب من طرف الصف الأول من اليمين أو من اليسار، ماذا نُقدِّم؟
طلبة: الصف الثاني.
الشيخ: الصف الثاني.
طلبة: الأول.
الشيخ: نقدِّم الصف الأول، دليل ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ »، قالوا: كيف؟ قال: «يَتَرَاصُّونَ، وَيُتِمُّونَ الْأَوَّلَ» (26). إذن هنا مُرجِّح في إتمام الأول، ولو بعُد عن الإمام، وهو أن الرسول حث عليه، وعلى هذا فنكمل الأول فالأول، الأول قبل الثاني، الثاني قبل الثالث، الثالث قبل الرابع، وهلُمَّ جرًّا.
قال: (ويدنو من الإمام، ويقرأ سورة الكهف في يومها)
يعني يسن أن يقرأ سورة الكهف في يوم الجمعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ»، وهذا الحديث روي مرفوعًا (27) وروي موقوفًا (28). ويش معنى مرفوع؟
طالب: مرفوع إلى النبي عليه الصلاة والسلام.
الشيخ: يعني مرفوعًا أنه من قول النبي صلى الله عليه وسلم، موقوفًا؟
طلبة: على الصحابي.
الشيخ: على الصحابي، وقد أعلَّ بعض العلماء المرفوع بأن الحديث روي موقوفًا.
ونحن نقول: إذا كان الرافع ثقة، فهذه العلة غير قادحة، فلا توجب ضعف الحديث، والذي يوجب ضعف الحديث هو العلة القادحة، وهذا لا يقدح؛ وذلك؛ لأن من روى الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ربما يُحدِّث به غير منسوب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، أليس كذلك؟
وهذا يقع كثيرًا، لا سيما في غير مقام الاستدلال، أما في مقام الاستدلال فلا بد أن يرفعه، لكن في غير مقام الاستدلال يمكن يُحدِّث به الصحابي.
أنتم الآن يمكن يقول الواحد منكم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (29)، يُحدِّث واحد هكذا، هل نقول: إن هذا التحديث يبطل رفع الحديث؟ لا.
إذن، فإذا تعارض الرفع والوقف فإننا نقول: لا تعارض بينهما إطلاقًا.
ثانيًا: هبْ أنه من قول أبي سعيد، فمثل هذا لا يقال بالرأي، فيكون له حكم الرفع؛ لأن أبا سعيد لا يعرف هذا الثواب، إذن لا بد أن يكون مرفوعًا حكمًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
سورة الكهف لها مزية، منها: أن من قرأ من أولها عشر آيات على الدجال عُصم من فتنته (30)، الدجال الأعور الذي يبعثه الله في آخر الزمان على اسمه دجال (... ) في الأرض أربعين يومًا، اليوم الأول كسنة، والثاني كشهر، والثالث كجمعة، والرابع كسائر الأيام، إلى آخره (31).
هذا فتنته عظيمة جدًّا جدًّا، ولهذا ما من نبي إلا أنذر قومه منه، وأمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نتعوذ بالله من فتنته في كل صلاة (32). اقرأ عليه أول عشر آيات من أول سورة الكهف يكفيك تعصم من فتنته، وفي بعض ألفاظ الحديث: «مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْكَهْفِ» (30)، والجمع بينهما سهل يحتاط الإنسان، فيقرأ عشرًا من أولها وعشرًا من آخرها، فلها مزية وفيها عبر؛ فيها قصة أصحاب الكهف، فيها قصة الرجلين ذي الجنتين، فيها قصة موسى مع الخضر، فيها قصة ذي القرنين، فيها قصة يأجوج ومأجوج، فيها أشياء، عِبَر، ولهذا ورد الأمر أو الترغيب في قراءتها في يوم الجمعة.
في يوم الجمعة قبل الصلاة أو بعد الصلاة؟
طلبة: (... ).
الشيخ: قبل أو بعد، أما الغسل فيكون قبل الصلاة؛ لأنه غسل للجمعة.
طالب: شيخ، بالنسبة للدنو من الإمام، الدنو من المنبر أو الدنو من (... ).
الشيخ: لا، من الإمام نفسه.
الطالب: (... ) المنبر.
الشيخ: كيف المنبر؟ ويش لون المنبر؟
الطالب: (... ).
طالب آخر: يكون تحت المنبر.
الشيخ: العِبرة بالإمام.
الطالب: (... ).
الشيخ: يعني الدنو منه حال الخطبة، ولا حال الصلاة؟
الطالب: استماع الخطبة، أو من أجل الصلاة؟
الشيخ: لا، من أجل الصلاة.
طالب: جاء في الصحيحين صرف الوجوب عن ظاهره، حديث عائشة لما كان الناس يأتون من العوالي وعليهم الغبار وتظهر منهم الرائحة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَوْ أَنَّكُمُ اغْتَسَلْتُمْ» (33)، وفي رواية: «لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ» (34). ولم يأمرهم ولم يقل: وقعتم (... )؟
الشيخ: ألا يحتمل أن هذا قبل؟
الطالب: احتمال.
الشيخ: احتمال، ما دام عندنا لفظ صريح في الوجوب مطلقًا.
الطالب: ثم أيضًا يا شيخ أنه جاء من طريق آخر حديث أبي سعيد: «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ» ما أثبت الوجوب، قال: «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَسِوَاكٌ، وَيَمَسُّ مِنَ الطِّيبِ» (35)؟
الشيخ: نعم، العلماء يقولون: كلمة (على) ظاهرة في الوجوب.
الطالب: يعني السواك واجب؟
الشيخ: وأبو سعيد نفسه قال: أما الغُسل فواجب، وأما السواك فلا أدري (36)، نفسه.
الطالب: (... ).
الشيخ: إي نعم، لا، إدراج من الحديث.
الطالب: قلت: مخالفة العادة خلاف السنة، لو أحد مثلًا يلبسون مثلًا البدلات هذه لو لبس مثلًا في بلاده ثوبًا وقميصًا نقول له: خالفت السنة؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: أقول: الذين يلبسون البدلات، الرداء والإزار والسروال (... )، وخالف ما كان عليه.
الشيخ: ما كان عليه الناس؟
الطالب: يقال له: خالفت السنة؟
الشيخ: نعم، السنة أن توافق الناس، إلا أنه في عرفنا الآن نظرًا لأن البلاد الإسلامية تنوعت ألبستها، لو أن أحدًا من السعوديين ذهب إلى بلاد أخرى مسلمة -ولا عاد الكافرة معروفة- وبقي على ثيابه ما يُقال: خالفت السنة؛ لأنه لا يعد هذا شهرة بين الناس، لا يعد شهرة ولا يستنكرون عليه.
طالب: اللباس (... ).
الشيخ: دعنا من اللباس اللي لذاته، هذا إذا كان اللباس محرمًا أو مكروهًا لذاته، هذا حتى في بلدك.
طالب: إذا كان الشخص -يا شيخ- يريد أن يكون خلف الإمام من أجل الخطبة أن يرى الخطيب أو أن يكون خلف المحاضر لكي يكون أدعى لانتباهه، ولا يكمل الصف، ما قولكم في هذا؟
الشيخ: يعني يكون في الصف الثاني قصدك؟
الطالب: إي نعم، ولكن هناك أناس يأتون يكملون الصف.
الشيخ: ما تقولون؟
الطالب: (... ) بذلك.
طالب آخر: ما فهمنا السؤال.
الشيخ: يقول: أكون في الصف الثاني أمام الإمام الخطيب؛ لأنني أنتفع بالخطبة أكثر مما لو كنت بعيدًا، فهل أقدم انتفاعي بالخطبة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: أو أقدم الصف ولو بعُد؟
طلبة: (... ).
الشيخ: والله على كل حال محل نظر هذه تحتاج إلى تأمل يا أخي، ربما -إن شاء الله- في الدرس القادم يكون الله قد فتح علينا بها.
طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْبَذَاذَةُ مِنَ الْإِيمَانِ» (37)، حديث (... ) كيف يُجمع بينه وبين حديث: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» (20).
الشيخ: نعم، ليس بينهما تعارض يا أخي.
الطالب: عندي تعارض.
الشيخ: البذاذة في الهيئة والمقام؛ يعني الإنسان ما يتشدق بكلامه، ولا ينتفخ في هيئته، بعض الناس يتخيل لك أنه منتفخ كأنه رجلان، وفي لسانه يتشدق، وبعض الناس هيِّن لين سهل.
يعني ليست البذاذة خاصة باللباس، لا، البذاذة في الهيئة والحال، والتجمل في اللباس.
طالب: إذا تعارض غسل الجنابة واجب وغسل الجمعة واجب، هل يغتسل غسلين أو غسلًا؟
الشيخ: (... ).
الطالب: بنِيَّتين.
الشيخ: ماذا تقولون؟
طلبة: مرَّ.
طلبة آخرون: غسل واحد.
الشيخ: إذا كان على الإنسان جنابة يوم الجمعة، فهل يغتسل للجنابة أولًا، ثم للجمعة ثانيًا أو غسل واحد؟
طلبة: (... ).
الشيخ: فيه خلاف، كما اختلفتم اختلف من قبلكم (... ).
يقول المؤلف: إن الجمعة ركعتان، فما هو الدليل؟
طالب: الدليل تواتر هذا الفعل عن النبي عليه الصلاة والسلام، ثم عن الصحابة، وإجماع الأمة على ذلك.
الشيخ: نعم، إذن الدليل تواتر السنة بذلك وإجماع الأمة عليه، هل يقرأ سرًّا أو جهرًا؟
طالب: يقرأ جهرًا.
الشيخ: جهرًا، الدليل؟
الطالب: فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: أنه كان يقرأ جهرًا، الحكمة؟
الطالب: الحكمة من ذلك حتى يكون إذا قرأ جهرًا تكون قراءة الإمام قراءة للمأمومين فيتواطؤون على شيء واحد، ويدل على اجتماعهم (... ).
الشيخ: أنها صلاة ذات اجتماع كبير، فشرع فيها القراءة جهرًا ليتحد المصلون على إمام واحد، الحكمة في أنه يقرأ في الأولى بـ (الجمعة)، وفي الثانية بـ (المنافقين)؟
طالب: مناسبة الجمعة فلصلاة الجمعة، وفيها الحث على المبادرة، وترك اللهو بالتجارة إلى الصلاة، وأما المنافقون ففيها.
الشيخ: والتحذير من ترك العمل.
الطالب: من ترك العمل، نعم.
الشيخ: بالقرآن، ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ﴾ [الجمعة: 5].
الطالب: أما القراءة بالمنافقين، فالمنافقون هم أشر الناس (... ) الله عز وجل.
الشيخ: القراءة بالمنافقين؛ لأن المنافقين هم أضر الناس على الإسلام والمسلمين، فكان من المناسب أن يكرر التحذير منهم في كل جمعة، هل يَقرأ بغير ذلك؟ هل يُسن أن يقرأ بغير ذلك؟
طالب: نعم؟
الشيخ: بأيش؟
الطالب: بـ (سبح) و (الغاشية).
الشيخ: بـ (سبح) و (الغاشية)، ثبتت بذلك السنة (38).
يقول المؤلف: (إن إقامتها في أكثر من موضع من البلد حرام إلا لحاجة)، ما هو الدليل؟
طالب: الدليل على ذلك؟
الشيخ: نعم.
الطالب: الدليل من الكِتاب والسنة؟
الشيخ: من الذي تبغي، كتاب، سنة، إجماع؟
الطالب: كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، كان أهل المدينة رأوا من بعد منازلهم يصلون في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ورغم أن في الدور مساجد، لكن يصلون صلاة الجمعة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: كذا؟
طالب: نعم.
الشيخ: فيه بعد دليل آخر؟
طالب: (... ).
الشيخ: نعم.
طالب: عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم معنى الحديث أمر ببناء المساجد في الدور، فتعدد (... ) على غير حاجة يؤدي إلى (... ).
الشيخ: إذن تعليل يعني؟
الطالب: نعم.
الشيخ: هذا تعليل ليس بدليل؟
طالب: الدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (39)، وهناك تعليل أنه ينتفي المراد بهذا الشيء.
طالب: من أدلة هذا الإجماع.
الشيخ: فيه نظر، ما فيه إجماع، لكن الخلاف شاذ يعتبر.
طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (40)، في رواية: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (41)، وهذا ليس عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم فيكون مردودًا.
الشيخ: أنه مُحدَث يعني؟
الطالب: نعم.
الشيخ: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9]، فإذا كان لا يوجد في عهد الرسول إلا واحدة صار السعي لهذه الواحدة واجبًا، يعني ولا نحدث ثانية؛ لأننا لو أحدثنا ثانية لما وجب علينا أن نسعى إلى هذه الواحدة.
يقول المؤلف رحمه الله: (إن وقعتا معًا أو جُهِلت الأولى بطلتا)، هل تختلف الصورتان في الحكم أو لا؟
طالب: تختلف، بالنسبة لـ (إن وقعتا معًا بطلتا).
الشيخ: (وإن جهلت الأولى بطلتا) كما قال المؤلف.
طالب: نعم، إذا وقعتا معًا، وكان الوقت يتسع لإعادة الجمعة فإنهم يعيدونها جمعة..
الشيخ: إذا وقعتا معًا؟
الطالب: إذا وقعتا معًا.
الشيخ: وأمكن إعادتهما جمعة؟
الطالب: أعادوها.
الشيخ: أعادوها.
الطالب: أما إذا جهلت الأولى فإنهم لا يعيدونها جمعة، بل يعيدونها ظهرًا.
الشيخ: بكل حال؟
الطالب: بكل حال.
الشيخ: توافقه؟
طالب: نعم.
الشيخ: كما قال، توافقونه؟
طلبة: نعم.
طالب: وإن (جهلت الأولى بطلتا).
الثانية: إذا جهلت إحداهما (... ) يصلونها ظهرًا.
الشيخ: ولو أمكن إعادتها جمعة؟
الطالب: لا، ما يعيدونها جمعة.
طالب: (... ) على قول المؤلف تبطل.
الشيخ: نريد على كلام المؤلف، هل بين الصورتين فرق؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: الأولى إذا وقعتا معًا، فما ندري أيهما الأولى (... ).
الشيخ: كيف إذا وقعتا معًا، لا ندري أيهما الأولى؟ إذن كيف نقول: وقعتا معًا؟
الطالب: وقعتا يعني كبروا مع بعض، ما ندري هل كبروا مع بعض أو لا، فما كان لأحدهم على الآخر مزية.
الشيخ: لا، فيها مزية، وقعتا معًا، علمنا أنه كل واحد منهم قال: (الله أكبر) جميعًا.
طالب: تعاد الجمعة، أما إن جهلتا فلا يجوز (... ).
طالب آخر: شيخ، مثلما قال الأخ لو وقعتا معًا أنا لا نعلم تقدم أحدهما على الأخرى وتتساقطان، أما إذا جهلت أحدهما، فالثانية فتعاد ظهرًا على كل حال؛ لأننا لا نعلم تأخر أحدهما (... ).
الشيخ: هل هذا اللي إحنا قلناه لكم؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: قلنا: إذا وقعتا معًا لا يمكن تصحيحهما، ولا يمكن إعادتهما، وإذا جهلت الأولى أعادوا ظهرًا، يعني عكس ما قال الأخ.
طلبة: (... ).
طالب: كلامه صحيح.
الشيخ: المذهب، نحن نتكلم على المذهب، أما غير المذهب المسألة فيه واضحة، اللي غير المذهب، قلنا: إنهم إذا عددوها فإنهم يعذرون، واللي يُخاطب ولي الأمر، انظر الشرح عندك.
طالب: وإن وقعتا معًا ولا مزية لإحداهما بطلتا؛ لأنه لا يمكن تصحيحهما، ولا تصحيح إحداهما، فإن أمكن إعادتها جمعة فعلوا وإلا صلوا ظهرًا.
الشيخ: والثانية؟
الطالب: أو جُهلت الأولى منهما بطلتا، ويصلون ظهرًا لاحتمال سبق إحداهما، فتصح ولا تعاد.
الشيخ: إذن كلام خالد صحيح، إذا وقعتا معًا فإنه يمكن إعادتها، إذا جهلت الأولى لا يمكن؛ لأن التي وقعت صحيحة حصل بها الفرض.
يقول المؤلف: (يُسن أن يغتسل وتقدم) ما معنى قوله: (تقدم)؟
طالب: يعني تقدم في باب الطهارة.
الشيخ: تقدم في باب الطهارة، أو في كتاب الطهارة.
الطالب: نعم، أن غسل الجمعة مسنون.
الشيخ: أين العبارة التي تدل عليه؟
الطالب: قوله: إن لم تجد وضوءًا وغسلًا مسنونًا، غسل الجمعة مسنون.
الشيخ: ما قال هكذا!
طالب: قول المؤلف: (وإن استعمل في طهارة مستحبة كتجديد وضوء، وغسل جمعة، وغسلة ثانية وثالثة).
الشيخ: الشاهد قوله؟
الطالب: (وغسل جمعة).
الشيخ: (وغسل جمعة) مع أن الشارح في هذا الموضع قال: فيه نظر، وكأنه غفل عن هذا.
للجمعة سنن تمتاز بها سوى الاغتسال؟
طالب: أن يتنظف ويتطيب، ويبكِّر إليها ماشيًا، ويدنو من الإمام.
الشيخ: ويلبس؟
الطالب: ويلبس أحسن ثيابه.
الشيخ: أحسن ثيابه، إذن هو يوم عيد وتجمل.
طالب: (... ).
الشيخ: نعم، يقرأ سورة الكهف في يومها أيضًا من السنن، وهي تمتاز بذلك، والأفضل أن يكون من طلوع الشمس إلى غروب الشمس، أما الاغتسال فإنه قبل الصلاة كما مر علينا.
يقول المؤلف رحمه الله: (ويُكثر الدعاء) يعني ويسن أن يكثر من الدعاء؛ وذلك لأن في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه (42)، فينبغي أن يُكثر من الدعاء رجاء ساعة الإجابة.
ولم يذكر المؤلف -رحمه الله- نوع الدعاء الذي يُكثره، فهو راجع إليه، وكل إنسان له حاجات خاصة إلى ربه، فليسألْ ربه ما شاء.
قال: (ويكثر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإكثار الصلاة عليه يوم الجمعة (43)، كما أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مشروعة كل وقت بالاتفاق؛ لأن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم معناها أنك تسأل الله أن يثني عليه في الملأ الأعلى، فصلاة الله على رسوله؛ يعني ثناءه عليه في الملأ الأعلى؛ هذا معنى الصلاة.
وفسرها بعض العلماء بالرحمة، قال: صلاة الله على نبيه يعني رحمته إياه، وهذا فيه نظر؛ لأن الله تعالى فرق بين الصلاة والرحمة، فقال: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: 157]، والأصل في العطف المغايرة؛ ولأن العلماء مُجمعون على أنه يجوز للإنسان أن يدعو بالرحمة لمن شاء من المؤمنين، فيقول: اللهم ارحم فلانًا، ومختلفون في جواز الصلاة على غير الأنبياء، ولو كانت الصلاة هي الرحمة لم يختلف العلماء في جوازها.
إذن فالصلاة أخص من الرحمة.
إذا صلى الإنسان على النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه بها عشرًا (44)، فلنكثر من الصلاة على نبينا صلى الله عليه وسلم حتى يصلي الله علينا عشرًا فيُثني علينا في الملأ الأعلى.
(ولا يتخطى رقاب الناس)، قوله: (ولا يتخطى) هذه الواو للاستئناف، وليست عطفًا على ما سبق؛ لأننا لو جعلناها عطفًا على ما سبق لكان تقدير الكلام: (ويسن ألا يتخطى)، وليس الأمر كذلك، بل (لا) نافية (ولا يتخطى)، والواو استئنافية، وأقول: إن (لا) نافية، ولا أقول: إنها ناهية؛ لأن الألف موجودة: (يتخطى)، ولو كانت ناهية لحُذفت الألف للجزم.
فإذن (لا) نافية، هذا النفي من المؤلف يحتمل أنه للكراهة، ويحتمل أنه للتحريم، يحتمل هذا وهذا، وهذه المسألة خلافية، فالمشهور من المذهب أن تخطي الرقاب مكروه، والصحيح أن تخطي الرقاب حرام؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لرجل رآه يتخطى رقاب الناس: «اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ» (45)، ولا سيما إذا كان ذلك أثناء الخطبة؛ لأنه إذا كان التخطي أثناء الخطبة صار فيه أذية للناس وإشغال لهم عن استماع الخطبة؛ إشغال لمن باشر تخطي رقبته، وإشغال لمن يراه ويشاهده، فتكون المعرَّة فيه واسعة.
على كل حال القول الراجح: أن التخطي حرام، ولا يجوز، سواء في أثناء الخطبة أو في غير ذلك.
قال المؤلف: (إلا أن يكون إمامًا) فإن كان إمامًا فلا بأس أن يتخطى؛ لأن مكانه متقدم، ولكن بشرط ألا يمكن الوصول إلى مكانه إلا بالتخطي، فإن كان يمكن الوصول إلى مكانه بأن كان في مقدَّم المسجد باب يدخل منه الإمام، فإنه كغيره في التخطي، وقد اعتاد الناس اليوم -والحمد لله- أن يجعلوا للإمام بابًا في مقدم المسجد حتى يدخل منه، وكانوا في الزمن السابق لما كانت البيوت لاصقة للمساجد من القبلة كان الإمام يدخل من الباب الشرقي، ويتخطى الرقاب، ولكن الناس لا يرون في هذا بأسًا؛ لأنه أيش؟ إمامهم، فلا يتأذون بذلك.
إذن قول المؤلف: (إلا أن يكون إمامًا) يحتاج إلى قيد أو لا؟ يحتاج إلى قيد، ما هو القيد؟ إلا أن يكون إمامًا، وليس له طريق سوى التخطي، فإن كان له طريق سوى التخطي فإنه لا يتخطى؛ لأن العلة واحدة.
(أو إلى فرجة) قوله: (أو إلى فرجة)؛ يعني إلى مكان متسع في الصفوف المقدمة، فإن كان هناك فرجة، فلا بأس أن يتخطى إليها.
فإذا قال قائل: الحديث عام: «اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ»، وربما يقول قائل: إن ظاهر الحال أن هناك فرجة؛ لأنه ليس من العادة أن يتخطى الإنسان الرقاب إلا إلى فرجة.
ولكن الفقهاء رحمهم الله استثنوا هذه المسألة، قالوا: لأنه إذا كان ثمة فرجة فإنهم هم الذين جنوا على أنفسهم؛ لأنهم مأمورون أن يُكمِّلوا الأول فالأول، فإذا كان فرجة فقد خالفوا الأمر، وحينئذٍ يكون التفريط منهم وليس من المتخطي.
ولكن الذي أرى أنه لا يتخطى حتى ولو إلى فرجة؛ لأن العلة -وهي الأذية- موجودة، وكونهم لا يتقدمون إليها قد يكون هناك سبب من الأسباب، مثل: أن تكون الفُرجة في أول الأمر ليست واسعة، ثم مع التزحزح اتسعت، فحينئذٍ لا يكون منهم تفريط، فالأوْلى الأخذ بالعموم؛ ألا يتخطى إلى الفرجة.
يقول: (ويحرُم أن يُقيم غيرَه فيجلس مكانه إلا من قدَّم صاحبًا له في موضع يحفظه له).
(يحرم أن يقيم غيره) (أن يقيم) من؟ الإنسان (غيره) ممن جلس في المكان، ويجلس مكانه.
وقوله: (فيجلس مكانه) هذا قيد أغلبي؛ لأن الغالب أن الإنسان يقيم غيره من أجل أن يجلس في مكانه، ومع ذلك لو أقام غيره لا ليجلس في مكانه، قال: قُم عن هذا، وخلِّ المكان مفتوحًا، فإن التحريم باقٍ.
ودليل هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» (46)، ونهيه صلى الله عليه وسلم أن يقيم الرجل أخاه فيجلس مكانه (47). ففي الحديث الأول بيان الأحقية، وفي الحديث الثاني تحريم الإقامة؛ أن يقيم غيره فيجلس مكانه.
التعليل: لأن ذلك يحدث العداوة والبغضاء بين المصلين، وهذا ينافي مقصود الجماعة، إذ إن المقصود من الجماعة هو الائتلاف والمحبة، فإذا أقام غيره، ولا سيما أمام الناس، فلا شك أن هذا يؤذيه، ويجعل في قلبه ضغينةً على هذا الرجل الذي أقامه.
يقول: (إلا من قدم صاحبًا له) إلى آخره، يعني إلا شخصًا قدم صاحبًا له في موضع يحفظه له، مثل أن يقول لشخص ما: يا فلان، أنا عندي شغل، ولا يخلص شغلي إلا عند مجيء الإمام، فاذهب واجلس في مكان لي في الصف الأول، فإذا فعل وجلس في الصف الأول فله أن يقيمه؛ لأن هذا الذي أقيم أيش؟ وكيل له، ونائب عنه.
وظاهر كلام المؤلف أن هذا العمل جائز، أي يجوز لشخص أن يُنيب غيره ليجلس في مكان فاضل، ويبقى هذا المنيب حتى يفرغ من حاجاته، ثم يتقدم إلى المسجد.
وفي هذا نظر؛ أولًا: لأن هذا النائب لم يتقدم لنفسه، وربما يراه أحد فيظنه عمل عملًا صالحًا، وليس كذلك.
وثانيًا: أن في هذا تحيلًا على تحجُّر الأماكن الفاضلة لمن لم يتقدم، والأماكن الفاضلة مَنْ أحق الناس بها؟ مَنْ سبق إليها.
وظاهر كلام المؤلف أنه يحرم أن يقيم غيرَه، ولو كان الغَيْر صغيرًا، وهذا هو الصحيح، والمذهب أنه يجوز أن يقيم الصغير ويجلس مكانه، ولكن الصحيح أنه لا يجوز أن يقيم الصغير؛ أولًا: لعموم النهي: «لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ أَخَاهُ» (48)، وثانيًا: لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ»، وهذا الصبي سابق، فلا يجوز لنا أن نهدر حقه، وأن نظلمه ونقيمه.
وأما من قال بالجواز، واستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى» (24)، فقد استند إلى غير مستند له؛ لأن قوله صلى الله عليه وسلم: «لِيَلِنِي مِنْكُم أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى» حث لأولي الأحلام والنُّهى أن يتقدموا، ولو قال: لا يلني إلا أولو الأحلام.
لو قال هكذا، لكان لنا الحق في أن نقيم الصغير، أما لما قال: «لِيَلِنِي»، فأمر ذوي الأحلام والنُّهى أن يلوه، فالمعنى أن هؤلاء مأمورون بأن يتقدموا حتى يلوا الإمام، والحديث واضح وليس به دلالة لما ذهب إليه هؤلاء.
نقول: إن في إقامة الصغير عن مكانه مفسدة عظيمة بالنسبة للصغير، ما هي؟ أنه يبقى في قلبه كراهة للمسجد والتقدم إليه، وكراهة لمن أقامه، ولذلك لا ننسى ضربة أصابتنا من شخص ولحقنا في المسجد حتى أخرجنا منه -مع أننا ما لعبنا ولا شيء- فالصغير لا ينسى أبدًا، فإذا أقامه من مجلسه أو أمام الناس ولا سيما إذا كان له تمييز كالسابعة والثامنة، ينكسر قلبه ويتأثر بهذا تأثرًا كبيرًا، ويكره الرجل الذي أقامه، ويكره المسجد، ويكون في هذا تنفير للصبيان عن الصلاة، ففيه مفاسد.
ثم ولهذا القول الراجح في هذه المسألة الذي صوَّبه صاحب الإنصاف، وكذلك مال إليه صاحب الفروع، وصرح المجد به أيضًا جد شيخ الإسلام ابن تيمية: أنه لا تجوز إقامة الصغير من مكانه.
ثم هناك مفسدة أيضًا أخرى غير ما سبق: إذا أقمنا الصغار من الصف الأول وجعلناهم في صف واحد مستقل، فناهيك باللعب، يلعبون لعبًا عظيمًا، لكن إذا أبقيناهم في الصف الأول، وصار كل طفل إلى جنب رجل قل لعبهم بلا شك، لهذا كلما تأملت هذا القول -أعني أنه لا يجوز إقامة الصغير- تبين لك أنه هو الصواب.
طالب: بالنسبة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلائِكَةُ؟ ». قالوا: وكيف تصف الملائكة؟ قال: «يُتِمُّونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ» (26) (... ).
الشيخ: لا، هو المقصود عند إقامة الصلاة؛ هذا الأصل.
الطالب: (... ).
الشيخ: ولكن نقول: حتى قبل الصلاة ينبغي أن يكمل الأول فالأول؛ لأنهم إذا لم يفعلوا هذا حصل اضطراب عند إقامة الصلاة؛ لأنه سيبقى فُرَج في المقدم فيحصل اضطراب، ولا سيما إذا كانت الصفوف غير مستوية.
طالب: شيخ، جاء عند النسائي بسند صحيح (49) أن طلق بن علي سحبه أحد الصحابة، وكان صغيرًا؟
الشيخ: نعم، وكذلك أُبَي بن كعب (50) في صحيح مسلم، لكن الصحابي إذا جاءنا الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم صار قول الصحابي كقول غيره من أهل العلم؛ يعني يؤخذ منه ويُترك.
الطالب: ثم يا شيخ كلامه في قضية سد الفرجة الواحدة، ألا يتضمن منعًا لو كان فُرَج أيضًا يعني ليست فرجة واحدة.
الشيخ: إي نعم، حتى لو كان فرجًا، ظاهر الحديث أنه لا يتخطى مطلقًا.
الطالب: ولو (... ).
الشيخ: ولو كان فرج، نعم (... ).
طالب: وحرم رفع مصلًّى مفروش ما لم تحضر الصلاة، ومن قام من موضعه لعارض لحقه، ثم عاد إليه قريبًا فهو أحق به، ومن دخل والإمام يخطب لم يجلس حتى يصلي ركعتين يُوجز فيهما، ولا يجوز الكلام والإمام يخطب إلا له أو لمن يكلمه، ويجوز قبل الخطبة وبعدها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
المناقشة من أين؟
طالب: (... ).
الشيخ: نعم، يقول المؤلف رحمه الله: إنه ينبغي أن يُكثر الدعاء يوم الجمعة، فلماذا؟
طالب: (... ).
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأنه في أوقات الإجابة.
الشيخ: رجاء أن يصادف ساعة الإجابة، هل مراده بالدعاء الدعاء بأمر الآخرة، أو بأمر الدنيا، أو بهما؟
طالب: بهما.
الشيخ: بهما جميعًا، وبأمر الدنيا وحدها؟
طالب: بخير الدنيا والآخرة، يدعو له بما شاء.
الشيخ: لكن لو أراد أن يدعو بأمر الدنيا وحدها فقط؟
الطالب: (... ).
الشيخ: لا يجوز؟
طالب: (... ) يدعو بالدنيا ما فيها شيء.
طالب آخر: له ذلك؟
الشيخ: نعم، لا بأس.
يقول: يُسنُّ أيضًا أن يُكثِر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
طالب: نعم.
الشيخ: الدليل؟
الطالب: لأن يوم الجمعة، أو جميع الأيام يسن فيها الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وخصص يوم الجمعة..
الشيخ: لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك: «أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» (51). ما معنى الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؟
طالب: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هي ثناء الله جل وعلا عليه في الملأ الأعلى.
الشيخ: ثناء الله عليه في الملأ الأعلى، ما تقول فيمن قال: إنها الرحمة؟
طالب: هذا القول فيه نظر؛ لأن الله سبحانه وتعالى فرق بين الرحمة والصلاة بآية في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: 157]، ولأن العلماء اختلفوا في الصلاة على أحد غير الأنبياء، وأجازوا الدعاء بالرحمة لكل أحد.
الشيخ: بالإجماع ولا بالخلاف؟
الطالب: الصلاة أو الرحمة؟
الشيخ: لا، الرحمة، يعني أجمع العلماء على أنه يجوز أن يدعى لكل مؤمن بالرحمة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: يقول المؤلف: (لا يتخطى رقاب الناس).
طالب: يحتمل الكراهة، ويحتمل الحرمة.
الشيخ: التحريم.
الطالب: التحريم.
الشيخ: وما الذي يدل عليه؟
الطالب: الذي يدل عليه.
الشيخ: السنة؟
الطالب: السنة التحريم.
الشيخ: التحريم.
الدليل؟
الطالب: دليل ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلًا يتخطى الصفوف فأمره بالجلوس، فإنه...
الشيخ: فقال: «اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ» (45)، نعم هذا هو الصحيح، وكلام المؤلف يحتمل هذا وهذا.
استثنى المؤلف من هذه المسألة؟
طالب: من رأى فرجة، تقدم إلى فرجة.
الشيخ: هذه واحدة، وغير؟
الطالب: أو الإمام.
الشيخ: أو الإمام.
هل استثناء الإمام مطلق أم مقيد؟
طالب: مقيد.
الشيخ: بماذا؟
الطالب: إذا كان وجد فرجة داخل المسجد يعني؟
الشيخ: كيف فرجة الإمام؟ الإمام ما بيفرج.
الطالب: الطريق يعني، يستطيع منه أن يدخل إلى مكانه فهذا جائز (... ).
الشيخ: إذا وَجد طريقًا يمكن أن يصل به إلى مكانه.
الطالب: ما يجوز له أن يتخطى الرقاب.
الشيخ: إي، لا يجوز أن يتخطى، وإن لم يجد؟
الطالب: إن لم يجد (... ).
الشيخ: جاز للضرورة، أليس كذلك؟ نحن قلنا: للضرورة، وقلنا أيضًا: إن الناس لا يتأذون بذلك؛ لأنهم يعذرونه يعرفون عذره.
المسألة من وجد فُرجة: هل كلام المؤلف مُسلَّم أو لا؟
طالب: غير مُسلَّم.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لعموم نهي الرسول صلى الله عليه وسلم: «اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ».
الشيخ: عموم قوله: «اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ».
والأذية تحصل ولو بالتخطي إلى فرجة.
ماذا تقولون؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح.
إذا قال قائل: هم الذين أسقطوا حقهم من هذه الفرجة، فكان له أن يتخطى إليها؟
طالب: لكن عندنا عموم نهي نأخذ به.
الشيخ: أيش؟
الطالب: نأخذ بعموم النهي.
الشيخ: نعم.
طالب: (... ) وهو أن الفرجة كانت ضيقة، ثم لما يعني ضم الناس بعضهم إلى بعض اتسعت هذه الفرجة فيكون (... ).
الشيخ: ثم لو فُرض أنهم أخطؤوا أيضًا، ولم يسدوا الفرجة فلا نؤذيهم نحن.
وأيضًا ذكرنا أن الحديث؟
طالب: أي حديث؟
الشيخ: حديث «اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ»؟
الطالب: نعم، يا شيخ ويش فيه؟
الشيخ: ذكرنا أن الرجل لا يمكن أن يتخطى الرقاب في الغالب إلا؟
الطالب: لو كان هناك فرجة.
الشيخ: إلا إذا كان هناك فرجة، يعني ويش الفائدة يتخطى الرقاب، وكل جنب الثاني؟ رجل أقام غيرَه فجلس مكانه؟
طالب: يحرم عليه أن يقيم الرجل ليجلس مكانه.
الشيخ: أن يقيم أحدًا فيجلس مكانه، الدليل؟
الطالب: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمُ أَخَاهُ فَيَجْلِسَ مَكَانَهُ».
الشيخ: «لَا يُقِيمَنَّ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَيَجْلِسَ مَكَانَهُ» (52). والتعليل؟
طالب: التعليل أن في هذا مفاسد كثيرة، من أولها أنه من أسباب الحقد والضغينة، وهو ينافي المقصود للجماعة.
الشيخ: إي، صح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: استثنى المؤلف، ما استثنى؟
طالب: أن المشهور من المذهب يستثنى المسألة الأولى الصغير، والمسألة الثانية من قدم صاحبًا له يحفظ مكانه، وأما على ما مشى عليه المؤلف، فظاهر كلامه يستثنى مسألة واحدة.
الشيخ: وهي؟
الطالب: وهي من قدم صاحبًا له يحفظ مكانه.
الشيخ: صح، كلام المؤلف يدل على أنه لا يستثنى إلا مسألة واحدة، وأن الصغير لا يجوز إقامته من مكانه، والدليل على هذا أن لدينا قاعدة؛ وهي أن الاستثناء معيار العموم، معيار يعني علامة العموم، فمثلًا إذا قال: حرم أن يقيم غيره فيجلس مكانه إلا من قدم معناه جميع الصور تحرم إلا هذه المسألة.
واضح يا جماعة؟ وهذه من قواعد أصول الفقه أن الاستثناء معيار العموم، يعني ميزانه ودليله.
ما تقول في إقامة الصغير؟
طالب: إقامة الصغير ما تجوز.
الشيخ: الصحيح أنها لا تجوز.
فإذا قال لك قائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى» (24)؟
الطالب: هذا ما فيه دليل على إقامة الصغير، غاية ما فيه حث أولي النهى.
الشيخ: الحديث صحيح.
الطالب: إي، أقول: الحديث صحيح، لكن ليس فيه دلالة على المدَّعَى، يعني النبي صلى الله عليه وسلم، إنما قال هذا الحديث حثًّا لأولي الأحلام والنُّهى على أن يكونوا خلفه، لا أن يقام الصغار.
الشيخ: أحسنت، نقول: هذا ليس فيه دلالة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم، إنما قاله حثًّا لأن يتقدم أولو الأحلام، الأحلام يعني البالغين، أولو الأحلام يعني ذوي الأحلام جمع (حُلُم)، والنُّهى: العقول.
لو أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يُقام الصغار من أماكنهم إذا تقدموا لكانت صيغة القول؟
طالب: إذا قام الصغار؟
الشيخ: لو أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقام الصغار من أماكنهم إذا تقدموا لكانت صيغة القول؟
الطالب: لكانت صيغة القول: لا يلني منكم إلا أولو الأحلام والنهى.
الشيخ: أحسنت، لكان يقول: لا يلني منكم إلا أولو الأحلام والنهى.
بارك الله فيكم.
قال المؤلف رحمه الله: (وحرم رفع مُصلًّى مفروش ما لم تحضر الصلاة).
(وحرم رفع مصلى مفروش) (حرم) يعني صار حرامًا.
(رفع مصلى مفروش)، المصلى ما يُصلَّى عليه مثل السجادة.
(مفروش) يعني في مكان.
(ما لم تحضر الصلاة) في الشرح كلام ودِّي نقوله، يقول رحمه الله: (وكُرِه إيثار غيره بمكانه الفاضل، لا قبوله، وليس لغير المؤثر سبقه).
يقول رحمه الله الشارح: (وكُرِه إيثارُ غيرِه بمكانه الفاضل)؛ يعني مثلًا: أنا في الصف الأول، فأردتُ أن أتأخر إكرامًا لشخص حضر ليجلس في مكاني، يقول المؤلف: إن هذا مكروه.
لماذا؟
وحَرُمَ أن يُقيمَ غيرَه فيَجْلِسَ مَكانَه إلا مَن قَدَّمَ صاحبًا له في مَوْضِعٍ يَحْفَظُه له، وحَرُمَ رَفْعُ مُصَلًّى مفروشٍ ما لم تَحْضُر الصلاةُ،
ومَن قامَ من مَوْضِعِه لعارِضٍ لَحِقَه ثم عادَ إليه قَريبًا فهو أَحَقُّ به، ومَن دَخَلَ والإمامُ يَخْطُبُ لم يَجْلِسْ حتى يُصَلِّيَ ركعتينِ يُوجِزُ فيهما، ولا يَجوزُ الكلامُ والإمامُ يَخْطُبُ إلا له أو لِمَنْ يُكَلِّمُه، ويَجوزُ قبلَ الْخُطبةِ وبعدَها.
﴿باب صلاة العيدين﴾
وهي فَرْضُ كفايةٍ إذا تَرَكَها أهلُ بلدٍ قاتَلَهم الإمامُ،
قال المؤلف رحمه الله: (وحَرُمَ رفعُ مصلًّى مفروشٍ ما لم تَحْضُر الصلاة).
(وحَرُمَ رفعُ مصلًّى مفروش) (حَرُمَ)؛ يعني: صار حرامًا.
(رفعُ مصلًّى مفروشٍ) المصلَّى: ما يُصَلَّى عليه مثل السجادة.
(مفروش) يعني: في مكان.
(ما لم تَحْضُر الصلاة) في الشرح كلام ودي نقوله.
يقول رحمه الله: (وَكُرِهَ إيثارُ غيره بمكانه الفاضل، لا قبوله، وليس لغير المؤثَر سبقه).
يقول رحمه الله الشارح: (وكُرِهَ إيثارُ غيرِه بمكانه الفاضل)؛ يعني: مثلًا أنا في الصف الأول فأردت أن أتأخر إكرامًا لشخص حضر ليجلس في مكاني، يقول المؤلف: إن هذا مكروه، لماذا؟ لأنه دليل على أن الإنسان لا يهتم بالشيء الفاضل، والدليل على هذا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ والصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا» (1)، فبَيَّن الرسول عليه الصلاة والسلام أن الصف الأول من أهميته أن الناس لو لم يجدوا إلا المساهمة -يعني القرعة- لاقترعوا عليه، فكيف تُؤْثِر غيرك بهذا المكان وتتأخر أنت؟ ! هذا يدل على أن ما عندك رغبة في الخير، هذا هو التعليل في قول المؤلف: (وكُرِهَ إيثارُ غيره بمكانه الفاضل).
ولكن الصحيح في هذه المسألة أن الإيثار -إيثار الغير- إذا كان فيه مصلحة، كالتأليف مثل: لو كان الأمير يعتاد أن يكون في هذا المكان من الصف الأول وقمت فيه أنت، ثم حضر الأمير وتخلفت عنه وآثرت به الأمير، فهنا قد يكون في ذلك مصلحة، وهي تأليف القلوب، فيكون هذا الإيثار أيش؟ غير مكروه، بل ربما يكون أفضل من عدم الإيثار.
وما دمنا في الإيثار، فإنه ينبغي أن نتكلم عليه بتوسط، فنقول: الإيثار بالواجب حرام، والإيثار بالمستحب مكروه، والإيثار بالمباح مطلوب، والإيثار بالمحرم؟
طالب: واجب.
طالب آخر: ما يجوز.
الشيخ: ولا واجب، تُعِينُه على الإثم؟ ! الإيثار بالمحرم حرام على المؤثِر والمؤثَر.
الإيثار بالواجب حرام، مثاله: رجل عنده ماء لا يكفي إلا لوضوء رجل واحد، وهو يحتاج إلى وضوء، وصاحبه يحتاج إلى وضوء، فهنا لا يجوز أن يؤثره بالماء من أجل أن يتيمم هو، يحرم، لماذا؟ لأن استعمال الماء واجب عليه وهو قادر، ولا يمكن أن يسقط عن نفسه الواجب من أجل أن يؤثر غيره به.
ومثال آخر: لو كان شخص في مفازة ومعه صاحب له، وأتاهما العدو وسلب ثيابهما ولم يبقَ إلا ثوب واحد، فهنا لا يجوز أن يؤثِر صاحبه به، لكن هذه المسألة ليست كالأولى لأنه من الممكن أن يصلي به أولًا ثم يعطيه صاحبه.
ولا تستغربوا هذه المسألة، يُحَدِّثُنا مَنْ تَقَدَّمونا سِنًّا لما كانت نجد في فتن أن قطاع الطريق يلاقون الناس في الطرقات ويأخذون أموالهم ويأخذون ثيابهم، حتى إنه هنا في حول بلدنا هذه أخذوا ثياب خمسة عشر رجلًا، أخذوها سلبوها مرة، فماذا صنعوا؟ قالوا: لا يمكن ندخل البلد ونحن عراة، فجلسوا حتى جاء الليل، فلما كان الليل أرسلوا واحدًا منهم وأتى لهم بثياب، هذا شيء ما هو غريب.
فمثلًا: لو أن شخصين في مفازة وليس معهما إلا ثوب واحد، هو لأحدهما ملكًا فإنه لا يُؤْثِر به صاحبه.
ولكني أقول: هنا يمكن أن يُصَلِّي به هو أولًا ثم أيش؟ ثم يعطيه صاحبه.
لكن مسألة الماء؛ الماء إذا استُعْمِل تلف، فهو المثال الصحيح.
الإيثار بالمستحب نقول: إنه مكروه أو خلاف الأولى، كالإيثار بالمكان الفاضل في الصف الأول مثلًا، فهذا قد نقول: إما مكروه، أو خلاف الأولى.
الإيثار بالمباح محمود؛ ولهذا مدح الله الأنصار رضي الله عنهم في قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9].
طيب، يقول: (لا قَبوله)، ويش معنى (لا قبوله)؟ يعني: لا قبول الإيثار؛ فلو قلت لشخص: تقدَّم في مكاني في الصف الأول، فإنه لا يُكْرَه له أن يَقْبَل، لا بأس أن يقبل.
قال: (وليس لغير المؤثَر سبقه)، يعني: لو قلت لواحد: تفضَّل مكاني بالصف الأول وكان ثالث يراقبني، فأسرع وتقدم في مكاني، يجوز ولَّا لا؟
طالب: (... ).
الشيخ: أنتم فاهمين الصورة زين؟
طلبة: (... ).
الشيخ: طيب أنا مكاني في الصف الأول، فجاء رجل عزيز عليَّ فقلت: تقدم، تأخرت عنه، فيه واحد غير الذي أنا قلت له: تقدم رآني أقول لذاك: تقدم فتقدم هو وجلس، ماذا تقولون؟
طلبة: (... ).
الشيخ: حرام عليه؛ لأن الأول إنما تنازل لهذا الشخص، هذا وأشد منه ما يفعله بعض الناس؛ إذا جاء والصف تام جذب واحدًا من الصف فيتأخر هذا من أجل أن يُصَفَّ معه، فيتقدم ذاك في مكانه! هذا وقع هذا، وقع (... ) ثم تقدم وصلى في مكانه، هذا أشد لأنه سيؤدي إلى بطلان صلاة الرجل، ثم هذا رجل أحسن إليك وتأخر معك تسيء إليه هذه الإساءة! لكن مشكلة الجهل، نسأل الله العافية.
طيب يقول: (وحَرُم رفعُ مصلًّى مفروشٍ ما لم تَحْضُر الصلاة).
المصلَّى -كما قلت لكم- ما يصلى عليه، مثل السجادة؛ وصورة المسألة: أن رجلًا وضع سجادته في الصف، وخرج من المسجد، فجاء الناس، نقول: لا يجوز أن ترفعوا هذا المصلى؛ لأن هذا المصلى نائب عن واضعه، فكما أنه لا يجوز لكم أن تقيموا الرجل من مكانه، فلا يجوز أن ترفعوا مصلَّاه عن مكانه؛ لأن الرجل حجز المكان، فلا يجوز أن ترفعها لأن هذا المصلَّى نائب عن صاحبه، قائم مقامه، فكما أنك لا تقيم الرجل من مكانه فتجلس فيه فكذلك لا ترفع مُصَلَّاه.
وبناء على هذا نقول: إذن، يجوز أن يضع المصلى ويحجز المكان.
صح، نقول: يجوز ولَّا لا؟
طلبة: (... ).
الشيخ: نعم بناء على كلام المؤلف يجوز؛ لأنه لو كان وَضْعُ المصلى وحجزُ المكان حرامًا لم يكن له حرمة، لم يكن للمصلَّى حرمة، فلما جعل المؤلف للمصلَّى حرمة دلَّ ذلك على أن وضعه جائز؛ لأنه لو كان وضعه حرامًا لكان من المعروف أن نَرْفَعَه لأنه إزالة منكر، لكن المذهب يرون أنه يجوز للإنسان أن يحجز مكانًا في الصف ويخرج ولا حرج عليه، وهذا الرأي يصلح لبعض الطلبة الآن الذين يحجزون في الأماكن المتقدمة في الدرس ثم يخرجون، وكذلك بعض الناس في يوم الجمعة يحجزون من الليل، أنا سمعت أنه في الليل يحجز، وإذا قيل: يا جماعة اتقوا الله، قالوا: المذهب يجوز، ولا إنكار في مسائل الاجتهاد.
ولكن الصحيح في هذه المسألة أن الحجز لا يجوز، وأن للإنسان أن يرفع المصلى المفروش؛ لأن وضعه بغير حق، وما كان وضعه بغير حق فرفعه حق، أفهمتم؟ لكن لو خِيفت المفسدة برفعه من عداوة أو بغضاء أو ما أشبه ذلك فدرء المفاسد أولى من جلب المصالح، وإذا علم الله من نِيَّتِك أنه لولا هذا المصلى المفروش لكنت في مكانه، فإن الله قد يُثيبك ثواب المتقدمين؛ لأنك إنما تركت هذا المكان المتقدم من أجل العذر، فهذا القول هو الراجح أنه لا يجوز وضع المصلى والخروج من المسجد، وأن لغير واضعه رفعه؛ لأن القاعدة أن ما وُضِعَ بغير حق فرفعه حق، ولكن إذا كان يترتب على ذلك مفسدة كالعداوة والبغضاء وما أشبه ذلك فدرء المفاسد أولى من جلب المصالح، نتركه، وإذا علم الله من نية الإنسان أنه لولا هذا لكان يكون في هذا المكان فإنه قد يثاب على ذلك.
استثنى المؤلف رحمه الله قال: (ما لم تَحْضُر الصلاة)، فإن حضرت الصلاة بإقامتها فلنا رفعه؛ لأنه في هذه الحال لا حُرْمة له، ولأننا لو أبقيناه لكان في الصف أيش؟ فرجة، وهذا خلاف السنة.
وقوله: (ما لم تحضُر الصلاة) يعني: فلنا رفعه، لكن هل لنا أن نصلي عليه بدون رفع؟
لا، ليس لنا أن نصلِّيَ عليه بدون رفع؛ لأن هذا مال غيرنا، وليس لنا أن ننتفع بمال غيرنا بدون إذنه، ولكن نرفعه.
يُستثنى من القول الراجح في تحريم وضع المصلى ما إذا كان الإنسان في المسجد، فيضع مصلًّى في الصف الأول أو أي شيء يدل على الحجز ثم يذهب في أطراف المسجد لينام، أو لأجل أن يقرأ قرآنًا أو يراجع كتابًا، فهنا له الحق؛ لأنه ما زال في المسجد.
وكذلك قول المؤلف: (ومَن قام من موضعه لعارض لَحِقَه ثم عاد إليه قريبًا فهو أحقُّ به).
هذا أيضا يُسْتَثْنَى، إذا حجز الإنسان المكان وخرج من المسجد لعارِض لَحِقَه ثم عاد إليه فهو أحق به.
العارض الذي يلحَقه مثل أيش؟ مثل يحتاج للوضوء أو أصيب بأي شيء اضطره إلى الخروج فإنه يخرج، وإذا عاد فهو أحقُّ به.
ولكن المؤلف اشترط؛ قال: (ثم عاد إليه قريبًا)، ولم يحدِّد القُرْب، وكل شيء أتى ولم يُحَدَّد يرجع فيه إلى العرف كما قيل في منظومة حفظها من حفظها منكم: وَكُلُّ مَا أَتَى وَلَمْ يُحَدَّدِ بِالشَّرْعِ كَالْحِرْزِ فَبِالْعُرْفِ احْدُدِ
هذه قاعدة.
طيب إذن نقول: إذا عاد إليه قريبًا فهو أحقُّ به، وظاهر كلام المؤلف أنه لو تأخر طويلًا فليس أحق، فلغيره أن يجلس فيه.
وقال بعض العلماء: بل هو أحق ولو عاد بعد مدة طويلة إذا كان العذر باقيًا؛ يعني: ما دام العذر باقيًا فهو معذور ولو طال، فإذا عاد فهو أحق، وهذا القول أصحُّ؛ لأن استمرار العذر كابتدائه، فإنه إذا جاز أن يخرج من المسجد ويبقي المصلَّى إذا حصل له العذر، فكذلك إذا استمر به العذر، لكن من المعلوم أنه لو أقيمت الصلاة، وهو لم يزل غائبًا فإنه يرفع.
وهنا مسألة: لو فرض أنه رجع قريبًا أو بعيدًا على قولنا: إنه ما دام العذر فهو معذور ووجد في مكانه أحدًا فقال: قم، فقال: لا أقوم، فقال: قم، لا أقوم، وحصل نزاع، ما الذي ينبغي؟ الذي ينبغي أن يَدْرَأ النزاع، وله أجر، ويجد مكانًا آخر، إلا إذا أمكن أن يتفسح الناس بأن كان الصف فيه شيء من السعة، فهنا يقول: افسحوا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المجادلة: 11].
قال: (ثم عاد إليه قريبًا فهو أحق به)، الدليل عندي يقول: لقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» (2)، رواه مسلم.
يقول عندي بالشرح: (ولم يقيِّدْه الأكثر بالعود قريبًا).
مَنِ الأكثر؟ يعني: أكثر الأصحاب أصحاب الإمام أحمد لم يقيدوه بالعود قريبًا، كما هو ظاهر الحديث.
ولكن الذي ذكرنا قول وسط، وهو أنه إذا عاد بعد مدة طويلة بناء على استمرار العذر فهو أحقُّ به، أما إن انتهى العذر، ولكنه تهاون وجعل يتمطى ويذهب إلى فلان يزوره وإلى فلان يتقهوى عنده، ثم رجع فهذا ليس حق، فيكون الذي قلناه قولًا وسطًا بين القول بأنه أحق به مطلقًا وبين القول بأنه أحق به إن عاد قريبًا.
ثم قال: (ومَنْ دخل والإمام يخطب لم يجلسْ حتى يصليَ ركعتين يوجز فيهما).
(مَنْ دخل والإمام يخطب)، (مَن) هذه شرطية، وجملة (والإمام يخطب) في موضع نصب على الحال.
وقوله: (لم يجلس)، يعني: في مكانه.
(حتى يصلي ركعتين يوجز فيهما)، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» (3)، وهذا عام؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا دخل المسجد فجلس، فقال: «أَصَلَّيْتَ؟ » قال: لا.
قال: «قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» (4). ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ خَرَجَ الْإِمَامُ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» (4). فالسنة في هذا ظاهرة.
وقد استنبط بعض العلماء من هذا أن تحية المسجد واجبة، ووجه الاستنباط أن استماع الخطبة واجب، والاشتغال بالصلاة يوجب الانشغال عن استماع الخطبة، ولا يشتغل عن واجب إلا بواجب، وقد ذهب إلى هذا كثير من أهل العلم، وقالوا: إن تحية المسجد واجبة ولا بد، ولكن بعد التأمل في عدة وقائع تبين لنا أنها سنة مؤكدة، وليست بواجبة، ويمكن الانفكاك عن القول بأنه ينشغل بأن يقال: قد ينشغل، وقد يسمع بعض الشيء وهو يصلي، والإنسان يسمع وهو يصلي، ويفهم وهو يصلي؛ ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس فإذا سمع بكاء الصبي تجوز في صلاته (5)، وهذا دليل على أن المصلِّي ليس ينشغل انشغالًا كاملًا، فالذي يترجح عندي أخيرًا أن تحية المسجد سنة مؤكدة، وليست بواجبة.
قال بعض العلماء: تُسَنُّ تحية المسجد لكل داخل مسجد إلا المسجد الحرام، فإن تحيته الطواف، ولكن هذا ليس على إطلاقه، بل نقول: إلا المسجد الحرام، فإن تحيته الطواف لمن دخل ليطوف، فإنه يستغني بالطواف عن الركعتين، أما مَن دخل ليصلي أو ليستمع إلى علم أو ليقرأ القرآن أو ما أشبه ذلك فإن المسجد الحرام كغيره من المساجد؛ لعموم قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ» (3)، ولأنه عليه الصلاة والسلام لما دخل المسجد الحرام للعمرة وللحج، لطواف الحج ولطواف العمرة، لم يصلِّ ركعتين (6)؛ فعليه ينبغي أن نفهم هذه المسألة التي أطلقها بعض العلماء، ما هي؟ أن المسجد الحرام تحيته الطواف، نقول: هذا ليس على إطلاقه، بل تحيته الطواف لمن دخل ليطوف، هكذا تدل عليه السنة.
يقول: (ولا يجوز الكلامُ والإمام يخطب إلا له، أو لمن يكلمه لمصلحة).
إذا قيل: لا يجوز، فهي عند العلماء بمعنى يَحْرُم، وعلى هذا فالكلام والإمام يخطب حرام.
وقول المؤلف: (والإمام يخطب) جملة حالية كما سبق في قوله: (ومَنْ دَخَل والإمامُ يخطب).
يقول: (والإمام يخطب)، كيف (ولا يجوز الكلام والإمام يخطب)؟ !
قوله: (والإمام يخطب) التعبير الدقيق أن يقال: (والخطيب يخطب)؛ لأنه قد يخطب غير الإمام، أليس كذلك؟ ربما يكون الإمام لا يجيد الخطبة فيقوم بالخطبة واحد ويصلي آخر، وهذا هو مراد المؤلف رحمه الله.
وقوله: (لا يجوز)، إذا قيل ما هو الدليل؟ قلنا: الدليل على ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما أخرجه الإمام أحمد: «مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَهُوَ كَمِثْلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا (7) -وهذا التشبيه للتقبيح والتنفير- وَمْن قَالَ لَهُ: أَنْصِتْ، فَقَدْ لَغَا»، مع أن الذي يقول له: «أَنْصِتْ»، ينهى عن منكر، ومع ذلك يلغو، «وَمْن لَغَا فَلَا جُمُعَةَ لَهُ» (8). ومعنى «لَا جُمُعَةَ لَهُ» أي: لا ينال أجر الجمعة، وليس المعنى أن جمعته لا تصح، بل هي صحيحة، لكن الأجر الذي رُتِّبَ عليها يُحْرَم منه، وأجر الجمعة كما نعرف أكثر من أجر بقية الصلوات.
إذن الدليل هو: «مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبْ فَهُوَ كَمِثْلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا، وَالْذِي يَقُولُ لَهُ: أَنْصِتْ لَيْسَتْ لَهُ جُمُعَةٌ (7)».
طالب: «فَقَدْ لَغَا».
الشيخ: «فَقَدْ لَغَا، وَمَنْ لَغَا فَلَا جُمُعَةَ لَهُ».
وكذلك أيضًا جاء في الحديث الصحيح: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ» (9)، وأظن رواية أحمد: «وَمَنْ قَالَ لَهُ: أَنْصِتْ فَلَيْسَتْ لَهُ جُمُعَةٌ» (7)، ما هي «فَقَدْ لَغَا»، «لَغَا» في حديث آخر.
طيب قال المؤلف: (إلا له) أي: للإمام (أو لمن يكلمه لمصلحة).
قوله: (لمصلحة) مقيِّد للمسألتين جميعًا، وهما له؛ أي للإمام ولمن يكلمه، لا بد أن يكون لمصلحة، فلا يجوز للإمام أن يتكلم كلامًا بلا مصلحة، لا بد أن تكون مصلحة تتعلق بأيش؟ تتعلق بالصلاة، أو بغيرها مما يَحْسُن الكلام فيه، وأما لو تكلم الإمام لغير مصلحة، فإنه لا يجوز، لو أن الإمام لما دخل صاحب له وهو يخطب، قال: مرحبًا بصاحبي، كيف حالك؟ كيف الأهل؟ متى قدمت؟ تفضل عندنا بعد الصلاة، نعم، يجوز ولا ما يجوز؟ هذا لا يجوز.
إذن: (إلا له) بشرط أن يكون لمصلحة، أما إذا لم يكن مصلحة فلا.
الشيخ: وإذا كان لحاجة؟
طالب: (... ).
الشيخ: لا، إذا كان لحاجة؟
طلبة: يجوز..
الشيخ: يجوز من باب أولى، إذا كان لحاجة فإنه يجوز؛ من الحاجة أن يخفى على المستمع معنى جملة في الخطبة فيسأل، ومن الحاجة أيضًا أن يخطئ الخطيب في آية خطأ يُحِيل المعنى، مثل: أن يُسْقِط جملة من الآية، أو ما أشبه ذلك، المهم إذا كان هناك حاجة فلا بأس.
المصلحة دون الحاجة في الحقيقة، مِنَ المصلحة مثلًا إذا اختل صوت مكبر الصوت، إذا اختل الصوت فللإمام أن يتكلم، ويقول للمهندس: انظر إلى مكبر الصوت ما الذي أخلَّ به؟ وكذلك مَنْ يكلم الإمام للمصلحة أو الحاجة يجوز له ذلك؛ ودليل هذا -أي: مَنْ يكلم الإمام للحاجة- دليله أن رجلًا دخل المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه، وقال: «اللَّهُمَّ أَغَثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا» ثلاث مرات (10). يقول أنس راوي الحديث: والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قَزَعَة، وما بيننا وبين سَلْعٍ من بيت ولا دار -سَلْع: جبل صغير في المدينة تأتي من قبله السحاب، يعني إذن السماء صحو- يقول: فخرجت من وراء سَلْع سحابة مثل الترس – تعرفون الترس؟ تعرفون الصاج الذي يخبز فيه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: مثله، هذا يجعل مثل الصاج من جلد قوي أو من حديد يتقي به المقاتل سهام العدو؛ يعني: مثل إذا شاف السهام أو الرمح قال هكذا بيده أو هكذا، يتترس به، يقول: خرجت مثل التُّرس فارتفعت في السماء، وانتشرت ورعدت، وبرقت، ثم نزل المطر، فما نزل النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر إلا والمطر يتحادر من لحيته، سبحان الله! آية من آيات الله ومن آيات الرسول؛ من آيات الله هذه القدرة العظيمة، ومن آيات الرسول أن الله استجاب دعاءه، وبقي المطر ينزل أسبوعًا كاملًا، ما رأوا الشمس.
فلما كانت الجمعة الثانية دخل الرجل أو رجل آخر قال: يا رسول الله تهدَّم البناء وغرق المال فادعُ الله يمسِكُها.
ما يصبر الإنسان، إن وقف المطر طلبه وإن زاد طلب رفعه، ولكن الرجل قال: ادعُ الله يمسكها عنا، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يدع الله أن يمسكها، بل قال: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ، وَالظِّرَابِ، وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ» (11)، ما هو إمساك مرة، لا، إنما دعا أن يبقى المطر على الأماكن التي فيها مصلحة، وليس فيها مضرة.
يقول: فجعل يشير إلى السماء حوالينا إلى النواحي كلما أشار إلى ناحية انفرج السحاب، ما هو بأن الرسول اللي يأمره، لكن الله يأمره عز وجل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج الناس يمشون في الشمس من الجمعة.
فهذا الأعرابي الأول سأل النبي عليه الصلاة والسلام أن يدعو الله بالغيث، والثاني سأل الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله بالإمساك، هذا لحاجة ومصلحة فلا بأس به.
طالب: شيخ بارك الله فيك، جلوس الإمام بين الخطبتين أو جلوسه قبل أن يتكلم يباح الكلام فيه ولا يمنع؟ الشيخ: إي نعم، لا بأس بالكلام فيه؛ لأن قول الرسول: «وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ» (12) حال مقيِّد.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- إذا دخل الرجل والمؤذن يؤذن هل يصلي ركعتين أم ينتظر؟
الشيخ: إذا دخل المسجد والمؤذن يؤذن ففي غير الجمعة يقف ويجيب المؤذن ويدعو بالدعاء ثم يصلي الركعتين، وفي الجمعة يصلي الركعتين ولو كان المؤذن يؤذن؛ لأن الاستماع للخطبة أهم من إجابة المؤذن.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- بالنسبة لو إنسان حجز مكانًا في درس أو شيء وخاف الإنسان أنه إذا شال هذا الحجز أن يغضب هذا الطالب.
الشيخ: إي.
الطالب: طيب يترتب عليه مفسدة أعظم.
الشيخ: وهي؟
الطالب: أنه يبقى طول السنة يحجز في نفس المكان.
الشيخ: لا أبدًا إذا جاء المدرس ترفع الحجزات، إذا جاء المدرس، أما قبل فأنا ما أرى أن الإنسان يرفع حجز أخيه وإن كنت أُخَطِّئ من يحجز.
طالب: (... ).
الشيخ: إلا إذا كان في المسجد، لكن ما أرى أنه يُرْفَع لأن هذه مشكلة، تكون مشكلة بين الطلبة، نحن ودنا أن الطلبة تكون قلوبهم قلبًا واحدًا متآلفة.
طالب: قلنا: لو عطس أحد الحاضرين يوم الجمعة لا يُشَمَّت، لو عطس الإمام وحمد الله (... )؟
الشيخ: هذا سؤال غريب، إذا عطس الإنسان المأموم يوم الجمعة فهو يحمد الله، ولكن إذا قلنا بجواز حمد الله فليكن خفية، لكن ربما بعض الناس يكون معتادًا أنه يجهر بالحمد وينسى، فلما عطس قال: الحمد لله، فسمعه مَن حوله، هل يشمته؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ما يجوز يشمته، لكن لو عطس الإمام وحمد الله وهو عند المكرفون سوف يسمعه كل المسجد، وإذا قلنا بوجوب التشميت مِنْ كل سامع كما اختاره ابن القيم فمعنى ذلك أن نقول لأهل المسجد: كلكم قولوا: يرحمك الله، نعم، وأيش تقولون؟ يجوز ولَّا لا؟
طالب: يجوز.
طالب آخر: الإمام (... ).
الشيخ: الظاهر أن يقال: إن سكت الإمام من أجل هذا العطاس فلا بأس أن يُشَمَّت، وإن لم يسكت فلا، لأنه إذا لم يسكت فالخطبة قائمة، لكن بعض الناس إذا عطس ما يستطيع أن يتراد نَفَسه إلا بعد قليل، وبعض الناس أيضًا إذا عطس بدأ يكح، الحلق ينشف.
على كل حال الناس يختلفون، فاللي أرى في هذه المسألة أنه -أي الإمام- ينبغي أن يَحْمَدَ سِرًّا لئلا يوقع الناس في حرج، فإن حمد جهرًا فإن استمر في الخطبة فلا يشمت لأجل ألا يشغل عن استماع الخطبة وإلا فلا بأس.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- أقول: ذكرتم بأن من بعض الوقائع تبين لكم أن تحية المسجد ليست بواجبة وإنما هي سنة مؤكدة.
الشيخ: نعم.
الطالب: ما هذه الوقائع؟
الشيخ: إي نعم، هذه الوقائع (... ).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (لا يجوز الكلام والإمام يخطب).
فيه أن نفي الجواز قد يراد به عدم التحريم فلا يمنع الكراهة، ولكنهم إذا ذكروا نفي الجواز بمثل هذا السياق فمرادهم التحريم، فهو بمعنى يَحْرُم الكلام والإمام يخطب.
وسبق أنه يُسْتَثْنى من ذلك الإمام ومن يكلمه لمصلحة أو حاجة ومن باب أولى الضرورة، كما لو رأيت إنسانًا (... ) تخشى أن يقع في هلكة فتكلمت لتنقذه، فقلت: انتظر أو تقدم أو تأخر أو ما أشبه ذلك.
ثم قال المؤلف: (ويجوز)، يعني: الكلام (قبل الخطبة وبعد الخطبة).
يعني: يجوز للإنسان أن يتكلم قبل الخطبة ولو بعد حضور الإمام الخطيب، ولو بعد الأذان، ما دام لم يَشْرَع في الخطبة، ويجوز كذلك بعدها، أي بعد انتهاء الخطبة، سواء كان ذلك بعد انتهاء الخطبة الأولى، أو بعد انتهاء الخطبة الثانية، أي سواء كان بين الخطبتين أو بين الخطبتين والصلاة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قَيَّد الحكم بما إذا كان الإمام يخطب، والمقيد ينتفي الحكم فيه بانتفاء القيد؛ ولهذا نقول: يجوز قبل الخطبة وبعدها، ولكن ليس هذا الجواز على حد سواء؛ لأن الإنسان لو شرع يتكلم قبل أن يبدأ الإمام بالخطبة، فربما يستمر به الأمر حتى يتكلم والإمام يخطب.
ثم هنا مسألة لا بد أن ننبه عليها، وهي أن بعض الفقهاء رحمهم الله يقولون: إن الإمام إذا شرع في الدعاء في حال الخطبة يجوز الكلام؛ لأن الدعاء ليس من أركان الخطبة، ويقولون: إنه يجوز الكلام في غير أركان الخطبة -وقد عرفتم أركانها- ولكنه قول ضعيف؛ لأن الدعاء ما دام متصلًا بالخطبة فهو منها، وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستغفر للمؤمنين في كل جمعة في الخطبة (13).
فالصحيح أنه ما دام الإمام يخطب، سواء في أركان الخطبة أو فيما بعدها فالكلام حرام، أما بين الخطبتين وقبل الخطبة الأولى وبعد الخطبة الثانية فلا بأس، ولكن الأفضل عدم الكلام لئلا يستمر به الكلام حتى يتكلم والإمام يخطب.
وبهذا انتهى ما كتبه المؤلف رحمه الله في باب صلاة الجمعة، وحينئذ نرجع لنبحث ما سبق كما طلبتم.
فأولًا: هل صلاة الجمعة صلاة مستقلة أو هي نائبة عن الظهر؟
طالب: صلاة مستقلة.
الشيخ: صلاة مستقلة، ليست نائبة عن الظهر؟
الطالب: نعم.
الشيخ: وليست الظهر أيضًا بدلًا عنها.
ما هو التعليل أو الدليل لكونها صلاة مستقلة؟
طالب: (... ) صلاة مستقلة، أنها لا تجوز وقت (... ) خرجت عن وقتها لا يجوز (... ).
الشيخ: نعم، هذا واحد.
طالب: تغير الصفة.
الشيخ: تغير الصفة.
طالب: أنها لا تصلى في السفر.
الشيخ: نعم، أنها لا تشرع في السفر.
طالب: يجب أن يتقدمها خطبتان.
الشيخ: يجب أن يتقدمها خطبتان.
طالب: لا تقضى إذا فاتت.
الشيخ: لا تقضى إذا فاتت.
طالب: لا يجمع ما بعدها.
الشيخ: لا يجمع ما بعدها إليها.
طالب: القراءة جهرية.
الشيخ: هذا داخل في اختلاف الصفة.
طالب: لا بد من (... ).
الشيخ: نعم، لا بد من (... ).
طالب: لا بد من الجهر فيها (... ).
الشيخ: لا، المشروع وليس واجبًا.
الطالب: المشروع تُصَلَّى قبل الزوال.
الشيخ: تُصَلَّى قبل الزوال على خلاف في ذلك.
إذن يمكن أن نكلف ببحث عنوانه: الفروق بين الجمعة والظهر.
ممكن؟
طالب: ممكن.
الشيخ: طيب، من يستعد؟ (... ).
حضر مريض صلاة الجمعة فصلى مع الإمام فهل تسقط عنه؟ يعني: تجزئه عن الظهر؟ مريض حضر إلى المسجد فصلى مع الإمام صلاة الجمعة هل تجزؤه عن الظهر؟
طالب: (... ).
الشيخ: مريض هو، سقطت عنه الجمعة لمرض؟
الطالب: لكنه حضر.
الشيخ: حضر.
الطالب: (... ).
الشيخ: السؤال: هل تجزئ؟
طالب: نعم تجزئ.
الشيخ: تجزئ؟
الطالب: (... ).
الشيخ: لماذا؟
الطالب: (... ) فرض الأصل الذي عليه الجمعة.
الشيخ: لأن فرضه الأصلي الجمعة وسقط عنه لعذر.
الطالب: نعم (... ).
الشيخ: تمام، لماذا قال المؤلف في شروط صحتها: ليس من شرطها إِذْنُ الإمام؟
طالب: خروجًا من الخلاف يا شيخ.
الشيخ: إشارة للخلاف؟
الطالب: نعم.
الشيخ: أيش الخلاف؟
الطالب: (... ).
الشيخ: وما هو الرأي الصحيح لديك؟
الطالب: لا يشترط.
الشيخ: لا يشترط، مطلقًا؟
الطالب: نعم.
طالب آخر: إذا كانت جمعة واحدة فيشترط إِذْن الإمام، أما إذا في تعدد الجمع فلا يشترط له إذن.
الشيخ: إي.
طلبة: عكسها يا شيخ.
الشيخ: أيش؟
الطالب: إذا كانت في جمعة واحدة لا يُشْتَرط إِذْن الإمام، أما في تعددها يشترط.
الشيخ: فيشترط لجواز إقامتها إِذْن الإمام، ما الفرق؟
الطالب: إذا كانت جمعة واحدة فإنه يجب عليهم إقامتها بدون إذنه، أما في تعدد الجمع فإنه يخشى أن يفتأت على الإمام وكذلك التفرق..
الشيخ: والفوضى.
الطالب: والفوضى.
الشيخ: تمام -بارك الله فيك- زين، خطب رجل وصلَّى رجل آخر، تصح الجمعة؟
الطالب: تصح.
الشيخ: تصح، لماذا؟
الطالب: لأنه أتم الفرض في الصلاة، أتمها إلى آخرها، وأما الخطبة فقد أتم من أولها إلى آخرها إمام أو خطب الخطيب والصلاة أتمها، يعني فصل بين كل واحدة والأخرى؟
الشيخ: إي هو فصل، خطب شخص وصلى آخر، تصح الجمعة أو لا؟
طالب: تصح.
الشيخ: تصح، لماذا؟ لأنه لا يشترط أن يتولاهما واحد كما قال المؤلف: (ولا يشترط أن يتولاهما مَنْ يتولى الصلاة)، ما دام لا يشترط أن يتولاهما واحد، معناه لو خطب واحد وصلى آخر صحت.
خطب واحد الخطبة الأولى وخطب ثان الخطبة الثانية وصلى ثالث؟
طالب: يجوز أيضًا، لأن كلا منهما مستقل بذاته.
الشيخ: إي، يعني: لا يشترط اتحاد الخطيب؟
الطالب: لا يشترط.
الشيخ: ولا اتحاد الخطيب والإمام.
الطالب: نعم، إذا كانت خطبتين، أما إذا كانت..
الشيخ: خطبتان؟
الطالب: نعم لا يشترط.
الشيخ: الجمعة خطبتان.
الطالب: ما يشترط.
الشيخ: خطب الأولى واحد والثانية واحد وصلى الثالث.
الطالب: نعم.
طالب: نعم، إن كان لعذر يا شيخ؟
الشيخ: لا، لغير عذر، بس خطب واحد وصار صوته غير جميل قال: قم يا فلان.
الطالب: هذا تلاعب يا شيخ.
الشيخ: لا، ما هو تلاعب، حقيقة، (... ) إي نعم.
طالب: كما نقول: إن الأذان لا يصلح أن يتولاه اثنان يعني بواحد يؤذن، يعني (... ).
الشيخ: إذن تقول أنت: لا يصح.
الطالب: الأولى أنه لا يصح.
الشيخ: ما هو الأولى، هل تصح أو لا؟
الطالب: لا تصح.
الشيخ: لا تصح.
الطالب: بل الراجح قولكم أنه يصح.
الشيخ: أما نحن ما قلنا هذا، الآن نقول: تصح أو لا تصح؟ هو يقول: لا تصح، وقاسها على الأذان.
طالب: لا تصح، يا شيخ.
الشيخ: لا تصح.
الطالب: لأنها عبادة لا يشترك فيها اثنان.
طالب: بالنسبة للصلاة تصح أن يتولاها مَن لا يتولى الخطبة، ولكن الخطبة على قول أنهما خطبة واحدة، ركنًا واحدًا فإن تولى الخطبة الثانية آخر فلا تصح.
الشيخ: نعم.
طالب: تصح كلا الخطبتين (... ).
الشيخ: إي نعم، نحن قلنا: تصح، اللي ترددنا فيه الخطبة الواحدة إذا تولاها رجلان، فقلنا: يمكن إذا قسناها على الأذان لا تصح، وأما الخطبة الثانية فمستقلة.
على كل حال تصح الخطبتان والصلاة.
هل يجوز للإنسان أن يضع شيئًا في مكان فاضل؟
طالب: نعم، يجوز.
الشيخ: يجوز على كلام المؤلف.
الطالب: على كلام المؤلف نعم، بشرط ألا يخرج..
الشيخ: لا خلِّ، هذا قول ثان، لكن كلام المؤلف يجوز؟
الطالب: نعم يجوز.
الشيخ: يجوز، هل لأحد من الناس أن يرفع هذا الشيء؟
الطالب: لا، يجوز أن يرفعه.
الشيخ: لا يجوز أن يرفعه؛ لأن وضعه جائز وما جاز وضعه حرم إزالته.
هل فيه قول ثان؟
طالب: لا يجوز أن يضع مصلًّى مثلًا إلا إذا كان..
الشيخ: في المسجد؟
الطالب: نعم.
الشيخ: أو خرج لعارض يزور قريبًا.
الطالب: إلا إذا خرج لعارض..
الشيخ: يزور قريبًا فإنه؟
الطالب: يعود.
الشيخ: يجوز.
هذا القول هو الراجح (... ). هل يجوز رفعه؟
طالب: يجوز رفعه.
الشيخ: ما لم تخش؟
الطالب: ما لم تخش فتنة.
الشيخ: ما لم تخش فتنة، تمام، يجوز رفعه ما لم تخش فتنة.
هل يجوز أن نقيم أحدًا ويجلس مكانه؟
طالب: على المذهب نعم، في الصغير (... ).
الشيخ: السؤال هل يجوز أو لا يجوز؟
الطالب: على المذهب؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: لا يجوز إلا في مسألتين.
الشيخ: لا يجوز إلا في مسألتين.
الطالب: المسألة الأولى: الصغير، والمسألة الثانية: أن يقدم صاحبًا له ليحفظ مكانه.
الشيخ: الثالث؟
الطالب: القول الثاني؟
الشيخ: الثالث، المذهب؟
الطالب: إي نعم، فيما إذا وضع مصلًّى مفروشًا.
الشيخ: (... ).
طالب: مسألة الصغير ومسألة لو قدم صاحبًا له ومسألة الإيثار.
الشيخ: لا، الإيثار ما هو، ما أقامه.
طالب: إذا جلس موضعه.
الشيخ: (... ).
طالب: إذا يعني أقام الأمير مثلًا أو دخل..
الشيخ: لا، هذا إيثار قاله وليس إياه.
طالب: على القول الأول؛ على أنه وضعها..
الشيخ: اصبر، ما هو القول الأول، ما بعد وصلنا إلى الخلاف.
طالب: يا شيخ، الشيخ خالد يجلس واحدًا في مكانه بدون إذنه.
الشيخ: لا.
طالب: إذا كان معروفًا، مثلًا له مكان معروف؛ تدريس.