الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 2362-2401

الشيخ: السؤال، أجب ولا تعلق.
طالب: هي تصح.
الشيخ: تصح، نشوف، محل نقاش إن شاء الله.


طالب: لهما الطهارة ولا أن يتولاهما من يتولى الصلاة، ومن سننهما أن يخطب على منبر أو موضع عالٍ، ويسلّم على المأمومين إذا أقبل عليهم، ثم يجلس إلى فراغ الأذان، ويجلس بين الخطبتين، ويخطب قائمًا، ويعتمد على سيف أو قوس أو عصا، ويقصد تلقاء وجهه، ويقَصِّر الخطبة ويدعو للمسلمين.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا أنه يُشترط لصحة صلاة الجمعة أن تتقدمها خطبتان.
طالب: صلاة (... ) ركعتين؟ الشيخ: السؤال، سبق أنه يشترط لصحة صلاة الجمعة أن تتقدمها خطبتان، فما هو الدليل على هذا الشرط؟ طالب: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي حتى يخطب خطبتين (1). الشيخ: لو قال لك قائل: هذا فعل، والفعل لا يدل على الوجوب؟ لأن القاعدة عندنا في أصول الفقه: أن الفعل المجرد لا يدل على الوجوب.
طالب: الآية في سورة الجمعة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9]، وهنا: الأمر بالوجوب ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ فهي الخطبة، فلذلك يبدو أن السعي لهذه الخطبة.
الشيخ: والسعي إليها يدل على؟ طالب: يدل على وجوب السعي إليها، وكذلك وجوب الاستماع لهذه الخطبة، ووجوب الخطبة كذلك.
الشيخ: المهم الآن وجوب الخطبة، هل هذا يدل على وجوب الخطبة؟ طالب: نعم، يدل على وجوب الخطبة، الله تبارك وتعالى أمر بالسعي إليه، تمام؟ فهذا واجب، والسعي إلى واجب واجب كذلك.
الشيخ: والسعي الواجب لا يكون إلا لواجب، دليل آخر؟

طالب: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «مَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَى» (2)، فدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالإنصات للجمعة، وأن الذي يتكلم في الجمعة فإنه قد تلغو جمعته، هذا دليل على وجوبها.
الشيخ: يعني أن من تكلم والإمام يخطب فقد لغى، بل من قال لصاحبه: أنصت.
يوم الجمعة فقد لغى، والمتكلم ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: 5]، ويش وجه الدلالة؟ طالب: وجه الدلالة المترتب على هذه العقوبة على فاعل، الذي يتكلم أو الذي يومئ بالإنصات كذا، يدل على وجوب الخطبة.
الشيخ: وجوب الخطبة؛ لوجوب الاستماع لها، إذن كالآية، فيه دليل ثالث؟ طالب: الدليل يا شيخ (... )؛ لأنه لو لم يتقدمها خطبتان صارت مثل بقية الصلوات (... ) يدل على الوجوب، حيث إن الغرض من استماع الخطبة تجمع الناس وتذكيرهم.
الشيخ: وتذكيرهم، نعم.
طالب: كذلك مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم مواظبة غير منقطعة تدل على وجوبها.
الشيخ: نعم، يمكن، هذه تدل على الوجوب؛ لقوله: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (3)، وهو لم يصل الجمعة إلا بخطبة، يكفي هذا.
ذكر المؤلف: أن لهاتين الخطبتين شروطًا، اذكر؟ طالب: الشرط الأول أن يحمد الله عز وجل.
الشيخ: حمد الله، بأي صيغة؟ طالب: اسمية، أو.. الشيخ: أو أيش؟ الطالب: أو طلبية أو (... ). الشيخ: طلبية؛ يعني يقول لناس: احمدوا الله؟ الطالب: لا، بل يقول قبلها: الحمد لله، طلبية.. طالب آخر: هو يُسن في الأول أن يبدأ.. الشيخ: الآن حمد الله على المسألة، الآن.
طالب: نعم؟ الدليل يعني؟ الشيخ: لا، هو قال: من شرط صحتها نحمد الله، فأقول له: بأي صيغة كانت؟ أو لا بد من صيغة معينة؟ طالب: كل صيغة تدل على حمد الله سواء كانت.. الشيخ: مثل؟ طالب: مثل الحمد لله، أو: نحمد الله.

الشيخ: أو أحمد الله؛ يعني سواء كانت فعلية أو اسمية، هي قول، فعلية أو اسمية، ما نريد بالفعل مقابل القول، نقول: الفعل مقابل الاسم والحرف، ما هو الدليل على وجوب ذلك؟ شرط.
طالب: الدليل على شرط الحمد؟ الشيخ: إي نعم.
طالب: أن الرسول صلى الله عليه وسلم -كما في مسلم- كان إذا خطب حمد الله وأثنى عليه (4)، وأيضًا أنه داوم على الخطبة، على حمد الله والثناء عليه، فدل على الوجوب.
الشيخ: لو قال قائل: هذا فعل، والفعل يدل على الاستحباب.
طالب: لا دا قول صحيح؛ لذلك (... ) ما يجب الحمد.
الشيخ: لا يجب الحمد؛ يعني إذا صعد المنبر وقال: يا أيها الناس اتقوا الله، واشكروه.
وما أشبه ذلك.
طالب: كفى.
الشيخ: كفى.
طالب: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ أَمْرٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ.. » (5). الشيخ: «فَهُو أَبْتَرُ»، وهذا وعيد على من أراد أن يخطب أن يترك الحمد؛ لأن الوعيد بنقص البركة يدل على وجوب الحمد.
هل يجب فيهما التشهد؟ طالب: التشهد؟ لا.
الشيخ: لا يجب؛ يعني لا يجب أن أقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
الطالب: يعني هذا يجب، ولكن التشهد.. الشيخ: لا، ما هو بالتشهد في التحيات.
الطالب: التحيات، لا يجب.
الشيخ: لا، هل يجب أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أو لا يجب؟ طالب: بعض العلماء قالوا: يجب، وبعضهم قالوا: لا يجب.
الشيخ: من قال يجب؟ الطالب: أبو يوسف.
الشيخ: أبو يوسف، إي نعم، وشيخ الإسلام ابن تيمية أيضًا يرى أنه يجب أن يتشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، لكن المؤلف لا يرى وجوب هذا.
هل تشترط الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبتين؟ طالب: نعم.
الشيخ: تشترط؟ ما الدليل، أو التعليل؟ طالب: التعليل قالوا: إن كل عبادة اللي تحتوي فيها ذكر الله لا بد أن يقترن معها ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، ومثلوا ذلك بالأذان والتشهد وغيره.

ولكن هذا القول غير صحيح؛ لأن هناك كثير من العبادات.
الشيخ: هذا التعليل عليل؛ لأن من العبادات ما يذكر فيها اسم الله وحده.
خطب رجل وحوله ثلاثون نفرًا فقط، وبعد انتهاء الخطبة أتموا أربعين؟ طالب: بعد انتهاء الخطبة؟ الشيخ: نعم.
الطالب: لا ما يصح، ما يجزء.
الشيخ: تصح الخطبتان أو لا؟ طالب: لا ما تصح.
الشيخ: ليش؟ طالب: العدد لم يكتمل، العدد أربعون.
الشيخ: لأنه يشترط لصحتهما حضور العدد المشترط.
إن قلت: أربعين، فحضور أربعين، إن قلت: ثلاثة، فحضور ثلاثة، إن قلت: اثنا عشر، فحضور اثني عشر، حسب العدد المشترط، حسب الخلاف بين العلماء.
خطب الخطبة الأولى قبل أن يدخل الوقت، والخطبة الثانية والصلاة بعد دخول الوقت؟ طالب: ما تصح؛ لأنه يشترط أن تكون الخطبتان بعد دخول الوقت.
الشيخ: نعم، يشترط أن تكونا.. طالب: بعد دخول الوقت.
الشيخ: بعد دخول الوقت، هل عندك دليل على هذا؟ طالب: لأن الخطبتين من صلاة الجمعة.
الشيخ: تابعتان.
طالب: لصلاة الجمعة، والصلاة لا (... ) إلا بدخول الوقت.
الشيخ: رجل قام خطيبًا في الناس، فجاء بقصة بدر من أولها إلى آخرها، ثم نزل، بعد أن حمد الله وأثنى عليه جاء بقصة بدر ثم نزل.
طالب: إذا كان لم يقرأ آية ذكرها لمستقل أو حكما مستقلا، فخطبته لا تصح.
الشيخ: لا، قرأ الآيات.
طالب: على الخطبتين والصلاة؟ الشيخ: على الخطبتين، أو في واحدة.
طالب: ولم يوصِ بتقوى الله عز وجل؟ الشيخ: أنت، سبحان الله، تبغي تعد الشروط اللي قلت! طالب: إن كان أوصى فيها بتقوى الله عز وجل معها.
الشيخ: إي نعم، وقرأ آية، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم.
طالب: نقول: إنها تصح.
الشيخ: إذن فإنها تصح، وإلا فلا، يقول المؤلف: (إنه من شرط صحة الخطبتين أن يوصي بتقوى الله)، هل لا بد أن يقول: يا أيها الناس اتقوا الله؟ أو إذا أتى بما يدل على الأمر بالتقوى يكفي؟ طالب: لا، إذا أتى بما يدل على الأمر بالتقوى كفى.
الشيخ: مثل؟

طالب: مثل: افعلوا أوامر الله سبحانه وتعالى، واجتنبوا ما نهى الله عنه.
الشيخ: أو أطيعوا الله ورسوله، لو قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 70]، وحمد الله وأثنى عليه؟ طالب: وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: وصلى على الرسول، ثم نزل.
الطالب: يكفي؟ الشيخ: يكفيه؟ الطالب: إي.
الشيخ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾؟ طالب: إي؛ لأن فيها وصية بالتقوى، فيها زيادة.
الشيخ: أيش تقولون: يكفي؟ لأن فيها قراءة آية، وفيها أيضًا الوصية بالتقوى، إذن لا يشترط أن تكون الوصية بالتقوى منفصلة عن الآية؛ لو جاء بآية بها الأمر بالتقوى كفى.
يقول المؤلف -رحمه الله- هل يشترط لهما الطهارة؟ الجواب: لا، فلو خطب محدثًا وبعد انتهاء الخطبتين ذكر أنه على غير طهارة، فالخطبتان صحيحتان، ويتوضأ ويصلي.
قال: (ولا أن يتولاهما من يتولى الصلاة).
طالب: في السؤال الدرس الماضي: إذا تخلف الإمام لعذر، ثم جاء إمام آخر هل يستأنف أو يتم؟ الشيخ: إي نعم، جزاك الله خيرا، تنبيه طيب.
قال: (ولا أن يتولاهما من يتولى الصلاة).
يعني لا يشترط أن يتولى الخطبتين من يتولى الصلاة، فلو خطب رجل وصلى آخر فهما صحيحتان، الخطبتان صحيحتان والصلاة صحيحة، ولكن هل يشترط أن يتولاهما واحد؟ أو يجوز أن يخطب الخطبة الأولى واحد، والثانية واحد؟ نقول: يجوز؛ يعني: ولا يشترط أن يتولاهما واحد، فلو خطب رجل وخطب الثانية رجل آخر؛ صحَّ، ولكن هل يشترط أن يتولى الخطبة الواحدة واحد؟ بمعنى: لو أن رجلًا خطب الخطبة الأولى في أولها، وفي أثنائها نزل؛ تذكر على أنه على غير وضوء مثلًا، فنزل ثم قام آخر فأتم الخطبة، هل تجزئ؟

لم أرَ حتى الآن من تكلم عليها، ولكن هم ذكروا في الأذان أنه لا يصح من رجُلَين؛ يعني لا يصحّ أن يؤذن الإنسان أول الأذان ثم يكمله آخر؛ لأنها عبادة واحدة، فكما أنه لا يصح أن يصلي أحد ركعة ويكمل الثاني الركعة الثانية، فكذلك لا يصح أن يؤذن شخص أول الأذان ويكمله آخر.
أما الخطبة فقد يقال: إنها كالأذان؛ يعني: لا بد أن يتولى الخطبة الواحدة واحد، فلا تصح من اثنين، سواء لعذر أو لغير عذر، إن كان لغير عذر: فلا، فالظاهر أن الأمر واضح؛ لأن هذا شيء من التلاعب، واحد خطب أول الخطبة ثم ينزل، ويقوم الثاني يخطب، لكن إذا كان لعذر مثل أن يذكر الإمام الذي بدأ الخطبة أنه على غير وضوء، ثم ينزل يتوضأ، فهنا نقول: الأحوط للثاني أن يبدأ الخطبة من جديد؛ حتى لا تكون عبادة واحدة من شخصين، هذا هو الأحوط.
يقول: (ولا أن يتولاهما من يتولى الصلاة، ومن سننهما)، إذا كان لا يشترط أن يتولاهما من يتولى الصلاة، فهل يشترط أن يكون العدد الحاضر لهما هو العدد الحاضر للصلاة؟ طالب: نعم.
الشيخ: نعم؟ يعني مثلًا لو خطب بأربعين، ثم خرج، ومعه أربعون رجلًا أصحاب له فخرجوا معه، ثم جاء أربعون وصلوا الجمعة؟ نقول: هذا لا يصح؛ لأنه لا بد أن يحضر الخطبتين.
(ومن سننهما) المؤلف الماتن لم يذكر ما يبطل الخطبتين، لكن ذكر الشارح: أنهما تبطلان بالكلام المحرم؛ يعني: لو أن الخطيب في أثناء الخطبة تكلم كلامًا محرمًا، كقذف أو لعن، أو ما أشبه ذلك فإنها تبطل؛ لأن ذلك ينافي مقتضى الخطبة، المقصود بالخطبة وعظ الناس، وزجرهم عن الحرام، فإذا كان الخطيب نفسه بيفعل الحرام فإنها تبطل.
ولم يذكر أيضًا: هل يشترط أن تكون الخطبتان باللغة العربية؟ والجواب عن هذا أن نقول: إن كان يخطب بعرب فلا بد أن تكون باللغة العربية، ولا إشكال في هذا، وإن كان يخطب بغير العرب؛ فقال بعض العلماء: لا بد أن يخطب أولًا بالعربية، ثم يخطب بلغة القوم الذين عنده.

وقال الآخرون: لا يشترط أن يخطب بالعربية، بل يجب أن يخطب بلغة القوم الذين يخطب فيهم، وهذا القول هو الصحيح؛ لقوله تعالى: ﴿ومَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ﴾ [إبراهيم: 4]، ولا يمكن أن ينصرف الناس عن موعظة وهم لا يعرفون ماذا قال الخطبيب، والخطبتان ليستا مما يُتعبد بألفاظهما حتى نقول: لا بد أن يكون باللغة العربية، أما إذا مر بالآية فلا بد أن تكون؟ طلبة: باللغة العربية.
الشيخ: بالعربية، كذا؟ لأن القرآن لا يجوز أن يُغَيَّر، لا بد أن يكون باللغة العربية.
قال المؤلف -رحمه الله: (ومن سننهما) أي: الخطبتين، (أن يخطب على منبر) (منبر): وزن مِفْعَل، من النبر، وهو الارتفاع؛ أي: على شيء مرتفع، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب في أول الأمر على جذع نخلة في مسجده، ثم صنع له منبر من خشب الغابة -الأثل- وصار يخطب عليه، ولما خطب عليه أول جمعة صاح جذع النخلة كما تصيح الإبل العشار، حتى نزل النبي صلى الله عليه وسلم وسكَّته فسكت، والناس يسمعون هذا ثم صار يخطب على المنبر (6). وإنما كان ذلك سنةً اقتضاءً بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ ولأن ذلك أبلغ في إيصال الخطبة إلى الناس؛ لأنه إذا كان مرتفعًا سمعه الناس أكثر، وكذلك إذا كان مرتفعًا رآه الناس بأعينهم، ولا شك أن تأثر السامع إذا رأى المتكلم أكثر من تأثره وهو لا يراه، وهذا أمر مشاهد، ولهذا كان من هدي الصحابة على ما ذُكِر أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب استقبلوه بوجوههم (7) ليكون ذلك أبلغ في حضور القلب والانتفاع بالخطبة.
هذا المنبر، قال العلماء: ينبغي أن يكون على يمين مستقبل القبلة في المحراب، كما هو المعمول به الآن، يجعلونه على اليمين؛ من أجل أن الإمام إذا نزل منه ينفتل عن.. طلبة: يمينه.
طلبة آخرون: يساره.
الشيخ: ما هذا، هذا ما فيه يا جماعة.

إذا نزل منه انفتل عن يمينه، ما فيها إشكال هذا، إذا كان المنبر عن يمين مستقبل القبلة في المحراب، فإن الإمام إذا نزل ينفتل عن يمينه؛ لأن المحراب عن يمينه، وهذا ما يحتاج إلى هذا الخلاف.
يقول: (أو موضع عالٍ) يعني: إذا لم يوجد منبر، فعلى موضع مرتفع، ولو كومة من التراب؛ من أجل أن يبرز أمام الناس، وكما ذكرنا قبل قليل؛ لأن ذلك أبلغ في الصوت، وأبلغ في التلقي عن الخطيب؛ لأن من يشاهد يتلقى منه أكثر.
ثم قال: (وأن يُسَلِّم على المأمومين إذا أقبل عليهم) يعني يسلم الإمام إذا صعد المنبر على المأمومين، يتجه إليهم ويسلّم؛ لأن ذلك روي عن النبي عليه الصلاة والسلام (8)، وأجمعت الأمة على العمل به، فهو وإن كان من حيث الحديث المرفوع، وإن كان ضعيفًا، لكن الأمة عملت به، واشتهر بينها أن الخطيب إذا جاء وصعد المنبر فإنه يسلم على الناس، وهذا التسليم العام.
أمّا الخاص؛ وهو أنه إذا دخل المسجد سلّم على من يلاقيه أولًا، فهو أيضًا من السنة بناءً على النصوص العامة؛ أن الإنسان إذا أتى قومًا فإنه يُسلّم عليهم، فيكون إذن، يكون للإمام سلامان: السلام الأول: إذا دخل باب المسجد سلّم على من حوله، على من يمر به، والثاني: إذا صعد المنبر، فإنه يسلّم تسليمًا عامًّا على جميع المصلّين.
(ثم يجلس إلى فراغ الأذان) يعني إذا سلم جلس حتى يفرغ المؤذن، وفي هذه الحال يتابع المؤذن على أذانه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ» (9)، وهذا عام، فينبغي للإمام وهو على المنبر أن يجيب المؤذن، وكذلك المأمومون يجيبون المؤذن، فيقولون مثل ما يقول، إلا في الحيعلتين؛ فإنهم يقولون: لا حول ولا قوة إلا بالله.

(ويجلس بين الخطبتين) نعم؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يجلس بين الخطبتين (10)، ولأنه لو لم يجلس لم يتبين التمييز بينهما؛ إذ قد يظن الظان أنه سكت لعذر منعه من الكلام، لكن إذا جلس تميزت الخطبة الأولى من الثانية، فهذا دليل وتعليل.
الدليل ما هو؟ فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
والتعليل؟ التمييز بين الخطبة الأولى والثانية، وذلك لأنه لو لم يجلس فإنه وإن وقف عن الكلام قد يظن الظانّ أنه وقف لعذر.
(ويخطبُ قائمًا) يعني: يسن أن يخطب قائمًا؛ لفعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولأن ذلك أبلغ بالنسبة للمتكلم؛ لأن القائم يكون عنده من الحماس أكثر من الجالس؛ ولأنه أبلغ أيضًا في إيصال الكلام إلى الحاضرين، لا سيما في الزمن السابق ليس فيه مكبر صوت، فلذلك نقول: يسن في الخطبتين أن يكون قائمًا للدليل والتعليل؛ أما الدليل؛ ففعل النبي صلى الله عليه وسلم، وأما التعليل؛ فما سمعتم أنه أبلغ، لا بالنسبة للخطيب؛ لأنه يتحمس أكثر إذا كان قائمًا، وأبلغ أيضًا في إسماع الحاضرين.
قال: (ويَعْتَمد على سيف أو قوس أو عصا) يعني يُسَنّ أن يعتمد على سيف أو قوس أو عصا، واستدلوا بحديث يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحته نظر، ثم إنه على تقدير صحته قال ابن القيم: إنه لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم بعد اتخاذ المنبر أنه اعتمد على شيء، ووجه ذلك: أن الاعتماد إنما يكون عند الحاجة، فإن احتاج الخطيب إلى اعتماد مثل أن يكون ضعيفًا يحتاج أن يعتمد على عصا، فهذا سنة؛ لأن ذلك يعينه على القيام الذي هو سنة وما أعان على السنة فهو سنة، أمّا إذا لم يكن هناك حاجة فلا حاجة إلى حمل العصا.

ثم إن تعليلهم بأنه إشارة إلى أن هذا الدين فتح بالسيف، هذا فيه نظر أيضًا، الدين لم يفتح بالسيف؛ لأن السيف لا يستعمل في الدين إلا عند المنابذة، إذا أبى الكفار أن يسلموا أو يبذلوا الجزية فإنهم يقاتلون، أما إذا بذلوا الجزية فإنهم يتركون، هذا هو القول الذي تدل عليه الأدلة.
ثم إن الإسلام -في الحقيقة-لم يفتح المسلمون البلدان إلا بعد أن فتحوا القلوب، فتحوا القلوب أولًا بماذا؟ بالدعوة إلى الإسلام وبيان محاسن الإسلام، بيان محاسن الإسلام بالقول وبالفعل، وليس كزماننا اليوم نبين محاسن الإسلام بالقول، هذا إن بيناها فإنها تبين بالقول، أما بالفعل فنسأل الله أن يوفق المسلمين للقيام بالإسلام.
الفعل؛ إذا رأى الإنسان الأجنبي من البلاد الإسلامية، إذا رأى ما عليه المسلمون من الأخلاق التي لا تمت إلى الإسلام بصلة فإنه يقول: أين الإسلام؟ ! لأنه مع الأسف أن المسلمين اليوم فيهم الكذب، فيهم الغش، فيهم الظلم والجور، وكل هذه تنافي الدين الإسلامي.
فالإسلام في الحقيقة إنما فتحت البلاد به لا بالسيف، السيف يُستعمل متى؟ عند الضرورة إليه، إذا لم يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فحينئذ نستعمل السيف، وأيضًا لا نستعمل السيف يا إخواننا إلا بعد الكثرة، أما أن نستعمل السيف وأعداؤنا أكثر منا بكثير وأقوى منا فهذا يعتبر تهورًا، هذا من التهور، ولهذا أباح الله لنا أن لا نقابل أكثر من مثلينا.
ماذا قال الله عز وجل؟ ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 66].

فأقول: إن التعليل بأن الدين فَتَح بالسيف فيه نظر جدًّا، وفيه أيضًا استغلال للكفار حيث يقولون: إنكم أنتم أيها المسلمون فتحتم بلادنا في الأول بالقوة والسيف، ما فتحتموها بالدعوة، بل بالقوة.
يقول: (وأن يقصد تلقاء وجهه)، (يقصد) يعني: يستقبل، (تلقاء وجهه): ما يتجه لليمين أو لليسار، بل يكون أمام الناس؛ لأنه إن اتجه إلى اليمين أضر بأهل اليسار، وإن اتجه إلى اليسار أضر بأهل اليمين، وإن اتجه تلقاء وجهه.
طالب: (... ). الشيخ: لا، لم يضر بأحد، هذا هو طبيعته، والناس هم الذين ينصرفون إليه، فإن قال قائل: هل من السنة أن يلتفت يمينًا وشمالًا؟ نعم، الظاهر أن هذا ليس من السنة، وأن الخطيب يقصد تلقاء وجهه، ومن أراده التفت إليه.
وهل من السنة أن يحرك يديه عند الانفعال؟ طلبة: لا.
طلبة آخرون: بإصبعه.
الشيخ: الإصبع يشير به عند الدعاء.
لا، إنما يقول: يا أيها الناس اتقوا الله، خافوا الله، إن كان عندهم عصا ضرب بها، هل هذا من السنة؟ طلبة: لا.
الشيخ: ليس من السنة، وإن كان بعض الخطباء بلغني أنهم يفعلونه، لكنه ليس من السنة، أما الخطبة التي غير خطبة الجمعة، فهذا قد نقول: إنه من المستحسن أن الإنسان يتحرك بحركات تناسب الجُمَل التي يتكلم فيها، أما خطبة الجمعة فإن المغلّب فيها التعبد، ولهذا أنكر الصحابة رضي الله عنهم على مروان بن الحكم حين رفع يديه في الدعاء، مع أن الأصل في الدعاء رفع اليدين، لكن أنكروا عليه؛ لأن خطبة الجمعة يغلب فيها جانب التعبد، فلا يشرع فيها إلا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فقط.
(ويقصد تلقاء وجهه، ويقصر الخطبة) (يقصر الخطبة) يعني: يجعلها قصيرة، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ» (11). فالأولى أن يقصر الخطبة؛ لأن في تقصير الخطبة فائدتين:

الفائدة الأولى: أن لا يحصل الملل للمستمعين؛ لأن الخطبة إذا طالت، ولا سيما إن كان الخطيب يلقيها إلقاءً عابرًا، لا يُحرك القلوب ولا يبعث الهمم، فإن الناس يَمَلُّون، يتعبون منها، وإن كانوا جلوسًا يَمَلُّون.
الفائدة الثانية: أن ذلك أوعى للسامع.
وأيش معنى أوعى؟ يعني: أحفظ للسامع؛ لأنها إذا طالت أضاع آخرُها أولَهَا، وإذا قصرت أمكن وعيها وحفظها؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ» أي: علامة ودليل عَلَى فقهه، وأنه يراعي أحوال الناس.
أحيانًا تستدعي الحال إلى التطويل، فإذا أطال الإنسان أحيانًا، لاقتضاء الحال ذلك فإن هذا لا يخرج عن كونه فقيهًا؛ وذلك لأن الطول والقِصَر أمر نسبي.
وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يخطب أحيانًا بسورة (ق) (12)، وسورة (ق) مع الترتيل والوقوف على كل آية تكون طويلة لا شك.
(ويقصر الخطبة، ويدعو للمسلمين) يعني: ينبغي أيضًا أن يدعو في خطبته للمسلمين، أئمتهم ومأموميهم؛ يعني الرعية والرعاة؛ لأن ذلك الوقت ساعة ترجى فيه الإجابة، والدعاء للمسلمين لا شك أنه خير، فلهذا استحبوا أن يدعو للمسلمين.
ولكن قد يقول قائل: كون هذه الساعة مما تُرجى فيه الإجابة، وكون الدعاء للمسلمين فيه مصلحة عظيمة موجود في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وما وجد سببه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفعله فتركه، هو السنة.
وهذه من القواعد المفيدة لطالب العلم: كل شيء وجد سببه في عهد النبي عليه الصلاة والسلام ولم يفعله فتركه سنة؛ لأننا نقول: ما الذي جعل النبي صلى الله عليه وسلم لا يفعله؟ هل هو جاهل في الحكم؟ كلا.

هل هو متهاون به؟ كلا، لو كان شرعًا لله لفعله الرسول عليه الصلاة والسلام، فهذان السببان، وهما: أن هذه ساعة ترجى فيها الإجابة، وأن الدعاء للمسلمين عمومًا من الأمور المطلوبة، هذان السببان موجودان في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام أو معدومان؟ موجودان.
هل فعل؟ طلبة: لا.
الشيخ: حينئذ نقول: لا بد من دليل خاص يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو للمسلمين، فإن لم يوجد دليل خاص فإننا لا نأخذ به، ولا نقول: إنه سنة، وأنه من سنن الخطبة، غاية ما نقول: إنه من الجائز، لكن قد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستغفر للمؤمنين في كل جمعة (13). فإذا صح هذا الحديث فهو أصل في الموضوع، وحينئذ لنا أن نقول: إن الدعاء سُنّة، أما إذا لم يصح فإننا قد نقول: إن الدعاء جائز، وحينئذ، حينما نقول إنه جائز: لا يتخذ سنة راتبة يواظب عليها الخطيب؛ لأنه إذا اتخذه سنة راتبة وواظب عليه فهم الناس أنه سُنّة، وكل شيء يوجب أن يفهم الناس منه خلاف حقيقته في الواقع فإنه ينبغي تجنبه.
طالب: بعض الخطباء الموجودون الآن يلمزون لبعض الناس -علماء أو غيرهم- يلمزونهم، أو يغتابونهم (... )، أنهم فعلوا، وأنهم كذا جاهلون، هذا كلام (... ).. الشيخ: ويش يعني؟ يعني يغتابون الناس؟ الطالب: إي، أثناء الخطبة، يتكلمون، يقولون: إن العلماء أضل، يقولون: فعلوا كذا، وفعلوا كذا، أي إما تصريحًا يصرح بالشخص، أو وصفًا يفهمه الناس، وهذا كذب.
الشيخ: والله هذه إذا كان المقصود التحرير، مثل لو أن عالمًا قام يدعو إلى بدعة فقام الخطباء يبينون هذا: من الناس من يقوم يدعو إلى كذا ويحذر، هذا طيب.
الطالب: (... ).

طالب: شيخ، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خَيْرُ السَّرِايَا أَرْبَعُ مِئَةٍ، وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، وَلَا يُغْلَبُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ» (14)، دليل على أنه ممكن مواجهة الكفار ولو كنا أقل منهم؟

الشيخ: إي، هو الإمكان قد يمكن، لكن لن يُغلب اثنا عشر ألفا من قلة، الآن لا يوجد من أسباب النصر إلا القليل.
طالب: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [الأنفال: 60].
الشيخ: ما يخالف، إذا أعددنا لا بأس، ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ من قوة مادية ومعنوية، الآن في المسلمين -وبالأخص الذين تولوا أمر المسلمين- فيهم من يستحقون أن يجاهدوهم.
طالب: شيخ، (... ) زيادة الدرجة على ثلاث.
الشيخ: ما نرى هذا، نرى هذا أمرا عاديا، ما فيه تعبد.
طالب: ما نقول إنه بدعة؟ الشيخ: ما نقول إنه بدعة، لا.
طالب: قلنا: إن الصحيح أنه لا يشترط الصلاة على رسول الله في الخطب، والشارع لا يذم إلا على الفعل، لا يذم ذمًّا شديدًا إلا على الفعل المحرم أو ترك الورع، مع إنك قلت في الحديث: ما من قوم يستمعون (... ) إذا قاموا في مقام.. الشيخ: يجلسون مجلسا.
الطالب: نعم.
الشيخ: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ.. » (15). الطالب: ثم قاموا.. الشيخ: إي، لكن بس كون نجعله شرطًا في الخطبة خاصًّا فيه نظر.
قد نقول: إن القوم إذا قال المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، ثم تابعوه ثم صلوا عليه بعد الأذان، حصل المقصود.
طالب: شيخ، الصلاة على الرسول واجبة في المجلس.
الشيخ: فيها خلاف، بعض العلماء يرى أنها واجبة، وبعضهم يقول: ليست بواجبة، ظاهر الحديث أنها واجبة.
طالب: (... ). الشيخ: هذا، صلوا الناس، صلوا على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان (... ) وآله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
صلاة الجمعة تمتاز عن غيرها بشروط خاصة، منها؟ طالب: الوقت (... ). الشيخ: (... ) من الخطبتين فيما بعد.
طالب: يتقدمها خطبتان، لا بد أن يتقدمها خطبتان.
الشيخ: لا بد أن يتقدمها خطبتان، ما هو الدليل على هذا؟

طالب: الدليل فعل النبي صلى الله عليه وسلم، حيث كان يواظب عليهما مواظبة تامة، غير منقطعة، وهذا يدل على وجوبهما.
الشيخ: أيضًا أمر الله؟ طالب: بهما، بالسعي إليهما.
الشيخ: بالسعي إليهما من بعد نداء الجمعة.
طالب: وما كان السعي إليه واجب فهو واجب.
الشيخ: نعم، ونهى عن الكلام؟ طالب: فيهما.
الشيخ: حال الخطبة، ما تقول في رجل خطب خطبتين بعد صلاة الجمعة؟ ماذا يصنعون؟ صلى ثم خطب خطبتين.
طالب: لأنه يشترط تقدم الخطبتين.
الشيخ: المهم فعلوا هذا وجاءوا يسألون، ماذا نقول لهم؟ طالب: يصلونها ظهرًا.
الشيخ: يصلونها ظهرًا، ولو كان الوقت باقيًا؟ لو أنهم جاءوا يسألون قبل أن يؤذن العصر؟ طالب: لا، ما يصلون.
الشيخ: ويش يسوون؟ (... ) طالب: يعيدون الخطبة والصلاة إذن الصلاة مبنية على (... )؛ يعني يخطب إذا كان.. الشيخ: يعيد الخطبة والصلاة.
طالب: إذا بقي هناك وقت.
طالب آخر: نفس الذي قال: إذا بقي وقت للخطبة.
الشيخ: إي، باقي وقت؛ يعني باقي ساعة أو ساعتين.
طالب: يعيدون الجمعة.
الشيخ: ويش يعيدون؟ طالب: يعيدون الجمعة والخطبة.
الشيخ: الخطبة والجمعة.
طالب: نعم.
طالب آخر: تبقى الخطبتان، ويعيدون الصلاة.
الشيخ: يعيدون الصلاة فقط؟ ما تقولون؟ عندنا قولان الآن.
طلبة: الأخير.
الشيخ: الثاني هو الصحيح.
طالب: الفاصل.
الشيخ: الفاصل ما يضر، لا يشترط الموالاة، إذن يعيدون الجمعة فقط.
ما تقول في رجل خطب خطبة بليغة جدًّا جدًّا، ولكنه لم يقرأ فيها شيئًا من القرآن؟ طالب: على المذهب.. الشيخ: كلام المؤلف، إي نعم، المذهب.
طالب: لا تصح الخطبة.
الشيخ: لا تصح الخطبة، ويتفرع على هذا أنها لا تصح الجمعة، تمام؛ لأنه من شرط الخطبتين أن تشتمل على قراءة آية.
خطب رجل وصلى آخر؟ طالب: تصح يا شيخ.
الشيخ: تصح؟ طالب: إذا خطب رجل وصلى آخر تصح.
الشيخ: تصح؟ طالب: نعم؛ لقول المؤلف: (ولا يشترط لهما الطهارة، ولا أن يتولاهما من يتولى الصلاة).

الشيخ: نعم، ما تقولون في قوله؟ طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح، ولكن استدلاله غير صحيح؛ لأنه قال: لقول المؤلف، وهذا يقتضي أن قول المؤلف حجة ودليل، إلا أن تقول: إني أنا مقلد، على كل حال نقول: إنها لا تصح؛ لأن الخطبتين أتتا على وجه صحيح والصلاة أيضًا على وجه صحيح، لكن الأفضل أن يتولاهما من يتولى الصلاة.
رجل خطب مضطجعًا؟ طالب: يجوز.
الشيخ: تجزئ الخطبة؟ تجزئ.
طالب: ومن سننهما أن يقف في الخطبة.
الشيخ: لأن من سننهما أن يخطب قائمًا، صحيح.
ما تقول في رجل خطب مستدبرًا الناس؟ طالب: تصح، ولكن خلاف السنة، على قول المؤلف.
الشيخ: نعم، وهو كذلك، تصح ولكنه خلاف السنة، السنة: أن يقصد تلقاء وجهه، نعم.
أيهما أفضل أن يطول الخطبة أو يقصر؟ طالب: التقصير.
الشيخ: التقصير.
طيب، لو دعت الحاجة إلى التطويل؟ طالب: له ذلك.
الشيخ: له ذلك، لكن الأفضل أن يكون الراتب هو التقصير.


قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فصل.
والجمعة ركعتان).
(الجمعة ركعتان): بالنص والإجماع، أما النص: فإن هذا أمر متواتر مشهور عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يصلي الجمعة ركعتين فقط، وأما الإجماع: فهو أيضًا إجماع متواتر لم يختلف أحد من المسلمين فيه، فالجمعة ركعتان.
وفي هذا دليل على أن الجمعة صلاة مستقلة، وليست ظهرًا ولا بدلًا عن الظهر، ومن زعم أنها ظهر مقصورة فقد أبعد النجعة، ومن زعم أنها بدل عن الظهر فكذلك، بل الجمعة صلاة مستقلة لها شرائطها الخاصة، ولها صفتها الخاصة؛ ولذلك تصلى ركعتين ولو في الحَضَر.

قال: (يسن أن يقرأ جهرًا) هذه مما تختلف فيه عن صلاة الظهر، أنه تسن القراءة بها جهرًا؛ أي أن الإمام يجهر في القراءة من بين سائر الصلوات النهارية، ونحن إذا تأملنا الصلوات الجهرية وجدنا أنها الصلوات الليلية المكتوبة: المغرب، والعشاء، والفجر، وأنها أيضًا الصلاة ذات الاجتماع العام مثل: الجمعة، والعيد، والكسوف، والاستسقاء؛ لأن هذه يجتمع فيها الناس اجتماعًا عامًّا، فالسنة في الكسوف مثلًا أن تصلى في الجامع، يصليها أهل البلد كلهم في مسجد واحد، هذه السنة، كذلك في صلاة الاستسقاء، كذلك في صلاة العيد، وكذلك في صلاة الجمعة.
والحكمة من ذلك أنه يجهر في هذه الصلوات ذوات الاجتماع العام، الحكمة من ذلك هو إظهار الموافقة والائتلاف التام؛ لأنه إذا كان الإمام يجهر صارت قراءته قراءة للجميع، فكأنه عنوان على ائتلاف أهل البلد كلهم، واضح؟ أما في الليل، فالحكمة من ذلك هو أنه قد يكون أنشط للمصلين إذا استمعوا القراءة، ولا سيما إذا كان الصوت جيدًا، والقراءة لذيذة، فإن الناس سوف ينشطون أكثر، ولأجل أن يتواطأ القلب واللسان من جميع الحاضرين.
وقوله: (يُسَن أن يقرأ جهرًا): يؤخذ منه أنه لو قرأ سرًّا لصحت الصلاة، لكن الأفضل جهرًا.
(في الأولى بالجمعة، وفي الثانية بالمنافقين) يعني يقرأ في الأولى بـ (الجمعة)، ويقرأ في الثانية بـ (المنافقون)، ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم (16)، والمناسبة فيها ظاهرة، أما (الجمعة): فالمناسبة أظهر من الشمس؛ لأن فيها ذكر الأمر بالسعي إلى صلاة الجمعة، وأما (المنافقون): فالمناسبة ظاهرة، من أجل أن يصحح الناس قلوبهم ومسارهم إلى الله تعالى كل أسبوع، ينظر الإنسان في قلبه، هل هو من المنافقين أو من المؤمنين؟ فيحذر ويطهر قلبه من النفاق.

وفيه أيضًا من الفائدة أخرى: أن يقرع أسماعَ الناس التحذيرُ من المنافقين كل جمعة؛ لأن الله قال فيها عن المنافقين: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: 4]، وهذا مناسبة تامة.
وله أن يقرأ بـ (سبح) و (الغاشية)، ثبت ذلك أيضًا في صحيح مسلم؛ أن الرسول يقرأ بـ (سبح) و (الغاشية) (17)، فهل يجمع بين السورتين؟ أو هذه مرة وهذه مرة؟ نقول: هذه مرة، وهذه مرة، فإن الذي ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يقرأ إما هذا وإما هذا، فالسنة أن يقرأ مرة بهذا ومرة بهذا، ولكن لو أن الإنسان راعى أحوال الناس؛ فصار في أيام الشتاء الباردة يقرأ بـ (سبح) و (الغاشية)؛ لأن الناس ربما يحتاجون إلى التبول، بواسطة البرودة، وفي أيام الحر الشديد أيضًا يقرأ بـ (سبح) و (الغاشية)، لا سيما إذا كان المسجد ليس فيه تبريد كافٍ، فيقرأ بـ (سبح) و (الغاشية) من أجل التسهيل عليهم، وذلك أن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا (18)، والقاعدة العامة في الشريعة الإسلامية هي اليسر، فإذا علمنا أن الأيسر على المصلين أن نقرأ بـ (سبح) و (الغاشية)، وذلك في شدة البرد وشدة الصيف، فالأفضل أن نقرأ بهما، وهي سنة ثابتة (17). أما في الأيام المعتدلة الجو فينبغي أن يقرأ بهذا أحيانًا وبهذا أحيانًا؛ لئلا تهجر السنة؛ لأننا نذكر أن بعض شيوخنا كانوا يداومون على (سبح) و (الغاشية) لا يقرؤون سواها، فلما قرئ بهما -بسورة الجمعة و (المنافقون) - استنكروا هذا، قالوا: هذا تطويل، والرسول عليه الصلاة والسلام نهى معاذًا عن التطويل، لماذا؟ لأنها لما هُجِرَتِ السنة صارت عند العامة كأنها بدعة، فالذي ينبغي للأئمة أن يراعوا السُنَّة الثابِتَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم، أما (سبح) و (الغاشية) فالمناسبة فيهما ظاهرة.

لأن في (سبح): أمر الله تعالى بالتذكير فقال: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (9) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى: 9، 10]، والإمام قد ذكر في الخطبة فينبه الناس على أنهم إن كانوا من أهل خشية الله فسوف يتذكرون.
وفي (الغاشية) واضح أيضًا المناسبة؛ ذكر يوم القيامة وأحوال الناس فيها: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ [الغاشية: 2، 3] و ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (8) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ [الغاشية: 8، 9]، وفيها أيضًا التذكير ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 21، 22]، فالحاصل أن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم لهذه السور الأربع لا شك أنها من أعظم المناسبات.
يقول: (في الأولى بالجمعة وفي الثانية بالمنافقين) من هم المنافقون؟ المنافقون: هم الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، وإن تسموا بالإسلام فهم كفار، بل أخبث من الكفار، وكل من أظهر حسنًا وأبطل سيئًا فهو شبيه بهم؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ؛ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» (19). (الجمعة) فيها أيضًا مناسبة عظيمة غير مسألة الأمر بالسعي للجمعة، وهي أن الله تعالى ذكر عن اليهود ﴿الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ [الجمعة: 5]، لم يعملوا بها أن مثلهم ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ﴾ تحذيرًا لنا من أن نكون مثلهم؛ لأن المسلمين لو أنهم لم يحملوا القرآن أي لم يعملوا به صاروا مثل اليهود أو أخبث منهم؛ لأن من مُيِّز على غيره بفضل كان تكليفه بالشكر أكثر، وهذه الأمة ميزت على غيرها بالفضل، فكان الواجب عليها أن تكون أفضل من غيرها عملًا.
ففيها تحذير ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ﴾ فيها تحذير لنا أن لا نحمل القرآن الكريم.

يقول -رحمه الله-: (وتحرم إقامتها في أكثر من موضع من البلد إلا لحاجة)، هذا أيضًا من خصائص الجمعة؛ أنها تحرم إقامتها في أكثر من موضع من البلد، أما غير الجمعة فإنها تصلى في الدور.
أيش في الدور؟ الدور: الأحياء، ففي حديث عائشة -رضي الله عنها-: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب (20). في الدور يعني؟ الأحياء، ولهذا يقال: دار بني فلان؛ أي: حيهم، ما سوى الجمعة يصلى في الأحياء، كل حي يصلي في مسجده، الجمعة يجب أن تكون في مسجد واحد؛ لأنها لو فرقت في مساجد الأحياء لانتفى المعنى الذي من أجله شرعت الجمعة، ولتفرق الناس، ولصار كل قوم ينفضُّون عن موعظة تختلف عن موعظة الآخر، فيتفرق البلد، ولا يشربون من نهر واحد، واضح؟ وأيضًا لو تعددت الجمع لفات المقصود الأعظم وهو جمع المسلمين وائتلافهم؛ لأنهم لو تُركوا، كل قوم يقيمون الجمعة في حيهم، لو تُركوا كذلك ما تعارفوا ولا تآلفوا، وبقي كل جانب من البلد لا يدري عن الجانب الآخر، فهذه من حكم الجمعة، أن يجتمع الناس في مكان واحد، وعلى إمام واحد، ويصدرون عن رأي واحد، ويشربون من نهر واحد.
ولهذا لم تقم الجمعة في أكثر من موضع لا في زمن أبي بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا في زمن الصحابة كلهم، ولا في زمن التابعين، وإنما أقيمت في القرن الثالث بعد مئتين وست وسبعين تقريبًا، فكان المسلمون إلى هذا الزمن يصلون على إمام واحد.
حتى إن الإمام أحمد سئل عن تعدد الجمعة، فقال: ما علمت أنه صُلى في المسلمين أكثر من جمعة واحدة.
الإمام أحمد توفي سنة مئتين وإحدى وأربعين، إلى هذا الحد لم تقم الجمعة في أكثر من موضع من البلد.
أقيمت في بغداد أول ما أقيمت لما صار البلد منشقا، فيه نهر بين الشرقي منه والغربي منه، فجعلوا فيها جمعتين؛ لأنه يشق أن يعْبُر الناس النهر كل أسبوع، فجعلت جمعتين.

وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه في الكوفة أقام صلاة العيد في الصحراء، وجعل واحدًا من الناس يقيم في المسجد الجامع داخل البلد للضعفاء، فمن هنا ذهب الإمام أحمد -رحمه الله- إلى أن صلاة الجمعة يجوز تعددها لحاجة.
على كل حال، إقامتها في أكثر من موضع من البلد محرمة.
قد يقول قائل: ما هو الدليل على التحريم؟ نقول: الدليل أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (3)، وحافظ النبي صلى الله عليه وسلم على صلاة في مسجد واحد طيلة حياته، والخلفاء من بعده، والصحابة من بعده، وهم يعلمون أن البلاد اتسعت؛ ففي عهد عثمان اتسعت المدينة فزاد أذانًا ثالثًا، جعل أذان أول، ثم أذان عند حضور الإمام، ثم الإقامة، ولم يعدد الجمع.
والجمعة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وأيضًا كانت أحياءً، العوالي بعيدة عن الجمعة، ومع ذلك يحضرون إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على أن الجمعة لا بد أن تكون على إمام واحد وفي مكان واحد.
ولكن مع الأسف الآن أصبحت بلاد كثير من المسلمين، أو أصبح كثير من بلاد المسلمين لا يفرقون بين الجمعة وبين صلاة الظهر؛ أي أن الجمعة تقام في كل مسجد، فتفرقت الأمة، وصار الناس يقيمون صلاة الجمعة وكأنها صلاة ظهر.
وهذا لا شك أنه خلاف مقصود الشرع، وخلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا جزم المؤلف بتحريم إقامتها في أكثر من موضع من البلد.
قال: (إلا لحاجة)، والمراد بالحاجة هنا ما يشبه الضرورة؛ لأن هناك ضرورة وحاجة، الحرام لا يبيحه إلا الضرورة، والحاجة إنما تبيح المكروه فقط ولا تبيح المحرم، فالمراد بالحاجة هنا ما يشبه الضرورة، وأظنكم تعرفون الفرق بين الحاجة والضرورة.
طالب: لا الشيخ: ما تعرف.
الحاجة: هي التي يكون بها الكمال، والضرورة: هي التي يندفع بها الضرر، هذا الفرق.

يعني الحاجة أنك تحتاج للشيء لكن لو فات ما يضرك، والضرورة هي التي لو فات لضرك، هذا هو الفرق بين الحاجة والضرورة.
ولهذا نقول: المُحَرَّم لا تبيحه إلا الضرورة، قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 3].
والمكروه أخف تبيحه الحاجة.
ما هي الحاجة؟ لم يبين المؤلف -رحمه الله- الحاجة، ولكن تعرف مثلًا إذا ضاق المسجد عن أهله ولم يمكن توسيعه، هذه حاجة؛ لأن الناس لا يمكن أن يصلوا في الشمس في أيام الصيف، ولا في المطر في أيام الشتاء، فإذا كان الناس كثيرين والمسجد ضيقًا فهذا حاجة.
ثانيًا: إذا تباعدت أقطار البلد، وصار الناس يشق عليهم الحضور، فهذا أيضًا حاجة لا شك.
ولكن في عصرنا الآن، هل هناك حاجة؟ طالب: لا.
الشيخ: نعم، ليس هناك حاجة من جهة البعد، لكن هناك حاجة من جهة الضيق؛ لأن الذين يأتون بالسيارة من أماكن بعيدة يحتاجون إلى مواقف، وقد لا يوجد مواقف، قد يبقى الإنسان يدور والإمام يخطب ويصلي وهو يدور، لم يجد مكانًا يقف فيه، فهذه حاجة.
لكن إذا كان هناك مواقف، أو كانت السيارات قليلة فإنه يجب على الإنسان أن يحضر ولو بعيدًا، ويقال للقريبين: لا تأتوا بالسيارات، ينبه على القريبين أنهم لا يأتون بالسيارات؛ لأجل أن يفسحوا المجال لمن كانوا بعيدين.
ومن الحاجة أيضًا: أن يكون بين أطراف البلد حزازات وعداوات يخشى إذا اجتمعوا في مكان واحد أن تثور فتنة، فهنا لا بأس بأن تتعدد الجمع، لكن هذا مشروط بما إذا تعذر الإصلاح، أما إذا أمكن الإصلاح وجب الإصلاح وتوحيدهم على إمام واحد، لكن لو تعذر فحينئذ لا يمكن أن نجمعهم في مكان واحد تثور الفتنة فيما بينهم، فإذا كان يمكن الإصلاح وجب، إذن هذا -أعني خوف الفتنة- إنما يكون عند تعذر الإصلاح.
أما إذا أمكن الإصلاح فهذا هو الواجب، هل من الحاجة أن يكون الإمام مُسبلًا؟ الجواب: لا.

هل من الحاجة أن يكون فاسقًا؟ يعني فيقول الناس مثلًا: نحن لا نصلي خلف هذا الفاسق، نريد إمامًا عدلًا، وإلا لم يقم الجمعة في مسجدنا، بإمام نرضاه.
نقول: لا، هذا ليس من الحاجة؛ لأن الصحابة صلوا خلف الحجاج بن يوسف، وهو من أشد الناس ظلمًا وعدوانًا؛ يقتل العلماء ويقتل الأبرياء، وكانوا يصلون خلفه.
وعلى هذا فنقول: إن اختلاف الناس مع الإمام من أجل فسوقه ليس بحاجة في تعدد الجمعة، بل الصحيح أنه يجوز أن يكون الإمام فاسقًا ولو في غير الجمعة؛ يعني معناه يجوز أن تصلي خلف الفاسق ولو في غير الجمعة، ما لم يكن فسقه إخلالًا بشرط من شروط الصلاة يعتقده هو شرطًا، فحينئذ لا نصلي خلفه.
أما إذا كان إخلاله بشرط من شروط الصلاة نعتقده نحن شرطًا وهو لا يعتقده فهذا لا يضر، مثل: أن نعتقد أن أكل لحم الإبل ناقض للوضوء، والإمام يعتقد أنه لا ينقض ثم صلى بنا فإننا، نصلي خلفه.
لأن هذا اختلاف اجتهاد.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، نحكم على الإنسان ظاهريًّا إن أظهر صفة من صفات النفاق؟ الشيخ: لا، نحكم عليه بأنه منافق في هذه الخصلة.
طالب: (... ). طالب آخر: شيخ، بارك الله فيكم، (... ) علينا بأن الحجاج له سلطة على الصحابة، لو صلى في مسجد آخر (... )، إنما لو كان فاسقًا يعني ليس له سلطة تُقدِّمه.
الشيخ: لا هذا غير وارد؛ لأن مثل ابن عمر -رضي الله عنه- ما يهمه الحجاج، ما يهمه أن يصلي في مسجد آخر يقيم الجمعة وهو يدع الحجاج.
طالب: يؤذيه، يقتله.
الشيخ: لا ما يقتله أبدًا، لا، هو يتودد إليه.
طالب: أحسن الله إليك، إذا تعددت الجمع في بلد واحد وكان (... ). الشيخ: بيجينا إن شاء الله، إذا تعددت.
طالب: بعض الناس في الصلاة يقرأ آيات مناسبة للخطبة غير (الجمعة) و (المنافقون)؟ الشيخ: هذا خلاف السنة.
طالب: جائز هو؟ الشيخ: هو جائز، لكن خلاف السنة، السنة أن تقرأ بهذه السور الأربعة.

طالب: بعض الأئمة يخطب بالناس ثم يغير صوته فيما يتلو في آية من الآيات، هل هذا نقول: إنه بدعة لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ ولّا نقول: إنه لا بأس؛ لأنه يؤثر في الناس، و (... )؟ الشيخ: أيش تقولون في هذا؟ يقول: لو أن الإمام إذا أراد أن يتلو الآية في الخطبة رتلها كما يرتلها خارج الخطبة، هل نقول: هذا بدعة أو نقول إنه سنة؟ أو نقول إنه حسن، لا بأس به وهو حسن؟ المعروف عند علمائنا ومشايخنا أنهم لا يغيرون، يجعلون التلاوة واحدة وأنا لا أظن أن في هذا بأسًا ولكنه خلاف ما نعتاده، فهو بدعة عرفية، لا بدعة شرعية.
طالب: أحسن الله إليك، لو قال رجل: إن النبي صلى الله عليه وسلم ما عدد الجمع في عهده، فإن الصحابة كانوا يحبون شهود الجمعة مع النبي صلى الله عليه وسلم، قصة بني سلمة وبكر.
الشيخ: أنا أنصحك أنت وإخوانك، أنصحكم عن هذه الإيرادات البعيدة، فكروا في الأمر، الصلوات الخمس يصلون في أحيائهم، ثم إذا سلمنا جدلًا كما قلت، فهل الخلفاء الراشدون مثل الرسول ما عددوها واللي بعدهم التابعون ما عددوها؟ ولهذا أنا قلت لكم كثيرًا، وأقول كثيرًا: الاحتمالات العقلية لا توردونها على الأدلة الشرعية، ترى هذا يفتح لكم جدلا (... ). سألني سائل اليوم في الصباح سؤالا -الحقيقة اقشعر منه الجلد- قال: إن الله قال عن أهل النار: ﴿لَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: 28]، كيف يعودون وهم قد ذاقوا العذاب؟ طالب: لا حول ولا قوة إلا بالله.
طالب آخر: صدق الله، كما قال الله عز وجل.
طالب آخر: أنكر عليهم.
الشيخ: هذه خطيرة، الله يقول: ﴿لَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾، نقول: كيف يعودون وهم قد ذاقوا العذاب؟ ! ما نعرف، هل نسوا؟ هل حصل لهم شيء؟

المهم يجب أن نؤمن بأنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا ولا نفرض هذه الافتراضات، أنا أنصحكم أن تكون في نفوسكم هذا، يدخل عليكم الشيطان حتى في ذات الله عز وجل، فلذلك اترك هذه الاحتمالات.
كون الرسول يواظب على صلاة جمعة واحدة، ويأتي الناس من العوالي ومن غير العوالي يحضرون، والخلفاء الراشدون مثله والصحابة كلهم والتابعون، يعلم الإنسان علم اليقين أنها لا يمكن أن تتعدد الجمعة.
طالب: ورد عند النسائي في السنن الصغير أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ (الجمعة) و (الغاشية) (21)، حديث النعمان بن بشير؛ يعني يجمع بين الجمعة وبين والغاشية.
الشيخ: الظاهر لي -والله أعلم- أن هذا وهم.
طالب: بوب له النسائي.
الشيخ: إي، ولو بوب له النسائي؛ لأن التناسب بين الجمعة والغاشية في الطول بعيد، وكان من هدي الرسول عليه الصلاة والسلام أن الصلاة ما تختلف هذا الاختلاف.
طالب: يا شيخ لو احتج الذي يقرأ آية تناسب الخطبة، بقراءة النبي صلى الله عليه وسلم بسورة الجمعة يوم الجمعة، ما يمكن هذا نقول؟ الشيخ: أأنت أعلم أم الرسول؟ الرسول يقرأ بيوم الجمعة سواء كان موضوع الخطبة الجمعة وغير الجمعة؟ طالب: أحسن الله إلى الفقهاء يا شيخ، الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة.
الشيخ: يا أخي، لماذا تستغل الموقف، ثلاثة أسئلة جميعًا؟ طالب: الأسئلة كثيرة، يا شيخ.
طالب: (... ) بنفس القاعدة، الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة.
الشيخ: لا ما هو بصحيح، ما تنزلت، إنما الحاجة قد تبيح المحرم إذا كان محرمًا تحريم الوسائل، كمسألة العرايا مثلًا، يعرفونها أكثر الطلبة.
العرايا: بيع الرطب على رؤوس النخل بتمر قديم، بشروطها المعروفة، هذه فيها ربا الفضل لكنها للحاجة أبيحت.
وكالنظر للمرأة عند الخطبة؛ فإن تحريم النظر إنما هو تحريم وسيلة، فتبيحه الحاجة.

طالب: ذكر بعض العلماء: أنه إذا حضر ثلاثة رجال، بعد أن خطب الإمام وصلى، وجب عليهم أنهم يخطبون ويصلون.
الشيخ: فتعاد الجمعة مرتين؟ طالب: إي بعد؛ يعني يلزمهم؛ لأنها فرض الوقت.
الشيخ: هذا شاذ عملًا، وشاذ دليلًا؛ لأنه ما كان هذا معهودًا في عهد الصحابة، وأيضًا الرسول قال: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْجُمُعَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ» (22)، والجمعة لا تقام إلا مرة واحدة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل والجمعة ركعتان، يسن أن يقرأ جهرًا في الأولى بالجمعة، وفي الثانية بالمنافقين، وتحرم إقامتها في أكثر من موضع من البلد إلا لحاجة، فإن فعلوا فالصحيحة ما باشرها الإمام أو أذن فيها، فإن استويا في إذن أو عدمه فالثانية باطلة، وإن وقعتا معًا أو جهلت الأولى بطلتا، وأقل السُّنَّة بعد الجمعة ركعتان، وأكثرها ست، ويسن أن يغتسل، وتَقَدَّمَ، ويتنظف، ويتطيب، ويلبس أحسن ثيابه.
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
كم عدد صلاة الجمعة؟ طالب: ركعتان.
الشيخ: ركعتان؟ ما الدليل؟ طالب: (... ) الخطبة الأولى في الجمعة، والثانية في (... ). الشيخ: الدليل من السنة، وغير؟ فيه دليل آخر؟ طالب: الإجماع.
الشيخ: الإجماع المتواتر المعلوم الذي يعرفه الصغير عن الكبير.
ما هي الحكمة في أنه يقرأ فيها جهرًا؟ طالب: هو اجتماع الأمة؛ يعني يدل على ائتلاف الأمة على قراءة واحدة وعلى إمام واحد.
الشيخ: يعني؟ طالب: اجتماعهم.. طالب آخر: إظهار الائتلاف بين.. الشيخ: إظهار الائتلاف وتوحيد الكلمة والموافقة حيث كانوا يستوون عن قراءة واحدة بإمام واحد.
تمام.
هل لها نظير من الصلاة النهارية؟ طالب: صلاة العيدين.
الشيخ: صلاة العيدين، وغيرها؟ طالب: صلاة الكسوف.

الشيخ: وصلاة الكسوف، وغيرها؟ طالب: الاستستقاء.
الشيخ: الاستستقاء؛ لأن كل هذه الصلوات السنة فيها الاجتماع على إمام واحد.
ما الذي يُقرأ في صلاة الجمعة؟ طالب: (... ) أنهم يقرأ في صلاة الجمعة إما سورة (الجمعة) و (المنافقون)، هذه.. الشيخ: أو؟ طالب: أو (سبح) و (الغاشية).
الشيخ: يقرأ إما الجمعة والمنافقون، أو (سبح) و (الغاشية).
ما هو الأولى فيما ذكرناه، أن يقرأ هذا أو هذا؟ طالب: مرة بهذا، ومرة بهذا.
الشيخ: مرة بهذا وهذا، لكن ما الأفضل أن يراعي؟ طالب: يراعي البرد إذا كان فيه برد وشدة فيقرأ بالأيسر، ثم إذا كان في يسر فيقرأ مرة بهذا ومرة بهذا.
الشيخ: صح، حكم إقامة الجمعة في أكثر من موضع؟ طالب: حرام.
طالب آخر: حرام، لا يجوز إقامتها في أكثر من موضع.
الشيخ: هل عندك دليل على هذا؟ طالب: الدليل فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدين، لم يقيموا أكثر من جمعة.
الشيخ: نعم، مع تباعد البلد؛ كان في عهد الرسول تسعة مساجد في المدينة، ولا يقام فيها الجمعة إلا واحد فقط.
يقول المؤلف: (إلا لحاجة)، ما المراد بالحاجة هنا؟ طالب: (... ) بأن يكون، الإنسان يكون من بعيد.
الشيخ: تباعد البلد، وغير؟ طالب: كذلك إذا فيه حزازات أو عداوات.
الشيخ: إذا خيفت الفتنة، وغيرها؟ طالب: ضيق المسجد.
الشيخ: إذا ضاق المسجد.
طالب: إذا (... ). الشيخ: كيف؟ طالب: قبل أن (... ) من عدم الإصلاح.
الشيخ: إي نعم، مسألة إذا خيفت العداوة أو الفتنة بشرط أن لا يمكن الإصلاح، إذا أمكن الإصلاح زال الخوف.
طالب: دليل (... ). الشيخ: إي، ما هو لازم، يكفي دليل واحد، ما هو لازم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فإن فعلوا): يعني صلوها في أكثر من موضع لغير حاجة.

(فالصحيحة ما باشرها الإمام أو أذن فيها) يعني إذا تعددت الجُمع بأن أقاموا جمعتين بدون حاجة، فإن الصحيحة ما باشرها الإمام أو أذن فيها، إذا قال العلماء: الإمام، فمرادهم من له أعلى سلطة في الدولة، وذلك لأن الإمام العام فُقِد من زمان طويل، منذ سقوط الخلافة العباسية والإمام العام قد فُقِد، ست مئة وخمسين صارت الأمة الإسلامية -مع الأسف- دويلات، فالمراد بالإمام الأعظم هو من له السلطة العليا في البلد، أو في الدولة، هذا الإمام الأعظم.
فإذا تعددت الجمعة في موضع واحد لغير حاجة، فالصحيحة ما باشرها الإمام؛ يعني ما صلى فيها سواء كان هو الإمام أو كان مأمومًا، وكانوا فيما سبق لا يصلي الجمعة إلا الإمام، الإمام يتولى الإمامة في صلاة الجمعة، وصلاة العيدين، وقيادة الحجيج، لكن تفرقت الأمة.
وقوله: (أو أذن فيها) يعني: إن لم يباشرها، مثل أن يكون بلد الإمام في محل آخر، وهذا البلد الذي فيه تعدد الجمعة لم يكن الإمام حاضرا لكنه أَذِن، قال: أَذِنْت لكم أن تقيموا جمعتين فأكثر.
وهذه المسألة ليست مبنية على ما سبق في قول المؤلف: (لا يشترط لها إِذْن الإمام)؛ لأن إِذْن الإمام هناك لا تشترط في إقامة الجمعة الواحدة، أما في التعدد فلا بد من إذن الإمام، والفرق بينهما ظاهر.
الأولى: لو قلنا إنه يشترط لإقامة الجمعة إذن الإمام لكانت الفرائض باختيار من؟ باختيار الأئمة.
أما هذه، وهي تعدد الجمعة، فلا بد من إذن الإمام، لماذا؟ لأن لا يفتات عليهم، وتتفرق الأمة، وتتمزق، وهذا أمر يرجع إلى الدين من جهة، وإلى نظام الدولة من جهة أخرى.
إلى الدين من جهة أن الدين ينهانا عن التفرق في دين الله، قال تعالى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: 13].

من جهة النظام -الدولة- وأن ولي الأمر هو اللي له الكلمة: يكون في هذا افتئات على الإمام، يكون كل طائفة من الناس تود أن تتزعم البلد تجعل في محلها جمعة، فلهذا لا بد من إِذْن الإمام في: كمِّل؟ طلبة: تعدد الجمع.
الشيخ: في تعدد الجمع.
فإذا أذن الإمام في الجمعة الزائدة عن الواحدة فإنه يصح، ولهذا قال: (فالصحيحة ما باشرها الإمام أو أذن فيها).
معنى (ما باشرها)؟ طالب: المعنى: (... ) وهو إمام أو مأموم.
الشيخ: يعني صلى فيها؟ سواء كان إمامًا، أو مأمومًا، أو أذن فيها إذا لم يكن فيها.
يقول: (فإن استوتا في إذن أو عدمه فالثانية باطلة)، (فإن استوتا): كان المتوقع أن يقول: فإن استوتا؛ أي: الجمعتان، (في إذن أو عدمه) إذن من؟ في إذن الإمام، بأن يكون الإمام قد أذن فيهما جميعًا، (أو عدمه): بأن يكون لم يأذن فيهما جميعًا.
وبهذا نعرف أن القسمة ثلاثية: يأذن في إحداهما.
يأذن فيهما.
لا يأذن في واحدة منهما.
إن أذن في إحداهما؟ طلبة: غير صحيحة.
الشيخ: فهي الصحيحة، سواء تأخرت أو تقدمت.
وإن أذن فيهما جميعًا، أو لم يأذن فيهما جميعًا يقول المؤلف: (فالثانية باطلة) الثانية.
ولكن بماذا نعتبر السبق؟ هل نعتبر السبق بالزمن بأن نقول: ما تقدمت، أو ما تقدم إنشاؤها زمنًا فهي الصحيحة؛ لأن الثانية طارئة عليها؟ أو نقول: بالتقدم عملًا، فما سبقت بتكبيرة الإحرام فهي الصحيحة؟ الأول أو الثاني؟ طلبة: الأول.
الشيخ: فيها قولان للحضور، كما أن فيها قولان لمن سبقوا، المذهب: أن المعتبر التأخر عملًا، فيكون المراد بالثانية: ما تأخرت عن الأولى بتكبيرة الإحرام، ما تأخرت عن الأولى بتكبيرة الإحرام فهي الباطلة، وما سبقت بتكبيرة الإحرام فهي؟ طلبة: الصحيحة.
الشيخ: الصحيحة، ولكن كيف نعلم؟ نقول: أما في الزمن السابق فالعلم بتقدم إحداهما بالإحرام قد يكون صعبًا، أما في الزمن هذا فالعلم بتقدم إحداهما بالإحرام قد يكون سهلًا.
بأي وسيلة؟

بمكبر الصوت، إذا سمعنا قال الإمام في الأولى: الله أكبر، ثم قال الإمام في الثانية بعده مباشرة: الله أكبر، قلنا للثاني: صلاتك باطلة، وللأول صلاتك صحيحة.
لأن الأول لما سبق بالإحرام تعلق به الفرض، الصلاة الأولى التي سبقت بالإحرام تعلق بها الفرض لأنها سبقت.
وعلى المذهب: تدرك الصلاة بتكبيرة الإحرام، فإذا سبقت بتكبيرة الإحرام تعلق الفرض بها وصارت هي الصلاة المفروضة، والثانية باطلة.
وقال بعض العلماء: المعتبر السبق زمنًا، فما كانت قد أنشئت أولًا فالحكم لها؛ لأن الثانية هي التي حدثت على الأولى فهي تشبه مسجد الضرار الذي بناه المنافقون عند مسجد قباء، وقال الله لنبيه: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: 108]. وهذا القول هو الصحيح، بل هو المتعين.
هو الصحيح، أن المعتبر السابقة؟ زمنًا وإنشاءً، ولو تأخرت عملًا.
فلو فرضنا أن الجديدة التي أنشئت حديثًا وبدون إذن الإمام صلوا ركعة قبل أن تقام الثانية التي هي الأولى إنشاءً، فأيتهما الصحيحة؟ طلبة: الأولى.
الشيخ: الثانية، التي تأخرت عملًا وسبقت زمنًا؛ لأن الوارد عليها هو الذي أخطأ.
من هم الذين أرادوا تفريق المسلمين؟ طلبة: الثانية.
الثانية ولّا الأولى؟ طلبة: الثانية.
الشيخ: الثانية لا شك؛ لأن الناس مجتمعون على الأولى فجاء هؤلاء وأنشأوا مسجد جامع فرقوا الناس، فيكون الحكم للأولى، هذا هو القول الصحيح المتعين، لكن على المذهب: تعتبر السابقة عملًا، فأيتهما سبقت بالإحرام فهي الصحيحة، ولهذا قال: (فالثانية باطلة، وإن وقعتا معًا بطلتا معًا).
نحن نستمع الآن إلى المسجد الشمالي والجنوبي فقال كل إماميها: الله أكبر، جميعًا، تكبيرة رجل واحد، وصلوا الجمعة كلها، ماذا نقول لهم؟ صلاتكم جميعًا باطلة؛ لأنها لم تتقدم إحداهما حتى يكون لها مزية، وإذا لم يكن لها مزية صارت كل واحدة تبطل الأخرى، كالبينتين إذا تعارضتا؛ تساقطتا، تعرفون البينتين؟ طالب: نعم.

الشيخ: يعني شهد شهود بكذا، وشهد شهود اثنين بضده في قضية واحدة، تبطل الشهادات كلها.
وعلى القول الذي رجحناه، ما الذي يصح؟ طلبة: (... ) إنشاءً.
الشيخ: إنشاءً، شوف القول الصحيح سبحان الله يكون أيضًا تطبيقه سهلًا.
هذا القول الذي رجحنا نقول: أيهما الأول؟ أي المسجدين أولًا؟ قالوا: المسجد الشمالي.
نقول: نقول أهل المسجد الشمالي صحت جمعتهم، وأهل المسجد الجنوبي لم تصح جمعتهم.
واضح يا جماعة؟ طالب: نعم.
الشيخ: على كلام المؤلف حيث اعتبر السبق بالعمل أي بتكبيرة الإحرام إذا وقعتا معًا كبر الإمامان جميعًا؟ فالصلاتان باطلتان.
(أو جُهِلت الأولى بطلتا) إذا جُهلت الأولى بطلتا، كيف جُهلت الأولى؟ يعني: صلوا ولا ندري أيهما الذي تقدم في تكبيرة الإحرام، ما نعرف، نقول: بطلت صلاة المسجد الشمالي، وصلاة المسجد الجنوبي؛ ليش؟ هذا هو، بطلت.
إذا قالوا: أقرعوا بيننا؟ طلبة: ما يصح.
الشيخ: (... ) التي تقع القرعة تصح صلاته.
نقول: ها ما يصح، هذه عبادة، لا تصح القرعة فيها.
قالوا: إذن لما بطلتا دعونا نصلي من جديد جميعًا، نجتمع في هذا المسجد ونصلي جميعًا.
نقول: لا يمكن، ولا تصلوا جميعًا.
الجمعة وقتها باق؟ نقول: لا يمكن.
في المسألة الأولى إذا وقعتا معًا، لما قلنا: بطلتا، قالوا: دعونا نصلي جمعة.
نقول: ما يخالف، أبشر، صلوا جمعة جميعًا.
في المسألة الثانية: إذا جُهِلت الأولى؟ نقول: بطلتا.
فإذا قالوا: دعونا نصلي جمعة.
قُلنا: لا.

وأَقَلُّ السنةِ بعدَ الْجُمعةِ ركعتان وأَكْثَرُها سِتٌّ ويُسَنُّ أن يَغْتَسِلَ - وتَقَدَّمَ - ويَتَنَظَّفَ ويَتَطَيَّبَ ويَلْبَسَ أَحْسَنَ ثيابِه ويُبَكِّرَ إليها ماشيًا، ويَدْنُوَ من الإمامِ ويَقرأَ سورةَ الكهفِ في يومِها ويُكْثِرَ الدعاءَ ويُكثِرَ الصلاةَ على النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، ولا يَتَخَطَّى رِقابَ الناسِ إلا أن يكونَ إمامًا أو إلى فُرْجَةٍ، وحَرُمَ أن يُقيمَ غيرَه فيَجْلِسَ مَكانَه إلا مَن قَدَّمَ صاحبًا له في مَوْضِعٍ يَحْفَظُه له، وحَرُمَ رَفْعُ مُصَلًّى مفروشٍ ما لم تَحْضُر الصلاةُ، (فالثانية باطلة وإن وقعتا معًا) إن وقعتا معًا بطلتا معًا، نحن نستمع إلى المسجد الشمالي والجنوبي، فقال كل إماميهما: (الله أكبر) جميعًا، تكبيرة رجل واحد، وصلوا الجمعة كلهم، ماذا نقول لهم؟ صلاتكم جميعًا باطلة؛ لأنها لم تتقدم إحداهما حتى يكون لها مزية، وإذا لم يكن لها مزية صارت كل واحدة تبطل الأخرى، كالبينتين إذا تعارضتا تساقطتا.
تعرفون البيِّنتين؟ يعني شهد شهود بكذا، وشهد شهود اثنان بضدهم في قضية واحدة، تبطل الشهادات كلها.
وعلى القول الذي رجحناه ما الذي يصح؟ الأقدم إنشاء، شوف القول الصحيح سبحان الله يكون أيضًا تطبيقه سهلًا، على القول الذي رجحناه نقول: أيهما الأول؟ أي المسجدين أولًا؟ قالوا: المسجد الشمالي، نقول: أهل المسجد الشمالي صحَّت جمعتهم، وأهل المسجد الجنوبي لم تصح جمعتهم.
على كلام المؤلف حيث اعتبر السَّبْق بالعمل -أي بتكبيرة الإحرام- إذا وقعتا معًا كبر الإمامان جميعًا، فالصلاتان باطلتان.
(أو جُهلت الأولى بطلتا) إذا جُهلت الأولى بطلتا.
كيف جُهلت الأولى؟ يعني صلوا ولا ندري أيهما الذي تقدم في تكبيرة الإحرام، ما نعرف.
نقول: بطلت صلاة المسجد الشمالي وصلاة المسجد الجنوبي، ليش؟ هذا هو، بطلت.

إذا قالوا: أقرِعوا بيننا (... ) اللي تقع له القرعة تصح صلاته، نقول: هذا ما يصح، هذه عبادة لا تصح القرعة فيها.
قالوا: إذن لما بطلتا دعونا نصلي من جديد جميعًا، نجتمع في هذا المسجد ونصلي جميعًا؟ نقول: لا يمكن، ولا تصلوا جميعًا، الجمعة وقتها باقٍ؟ نقول: لا يمكن.
في المسألة الأولى إذا وقعتا معًا لما قلنا: بطلتا قالوا: دعونا نصلي جمعة، نقول: ما يخالف أبشِر، صلوا جمعة جميعًا، في المسألة الثانية إذا جُهلت الأولى نقول: بطلتا، فإذا قالوا: دعونا نصلي جمعة قلنا: لا، لا تصلوا جمعة.
والفرق بينهما ظاهر؛ لأنه في المسألة الأولى بطلت الجمعتان جميعًا، كل واحدة أبطلت الأخرى فلم تصح واحدة منهما، في المسألة الثانية إحداهما صحيحة، ما هي الصحيحة؟ التي سبقت، لكن الآن مجهولة، والجمعة لا تُعاد مرتين، فحينئذٍ نقول: لا تعيدوا الصلاة، ولو اجتمعوا في مسجد واحد، أفهمتم يا جماعة.
إذن قول المؤلف رحمه الله: (وإن وقعتا معًا أو جُهلت الأولى بطلتا) نقول: هما في البطلان سواء، لكن فيما لو أرادوا أن يعيدوا الجمعة، ماذا نقول لهم؟ نقول في المسألة الأولى: نعم، أعِيدوا الجمعة؛ لأنه لم تصح جمعة واحد منهما، وفي الثانية لا تعيدوا الجمعة؛ لأن إحداهما قد صحَّت وسقط بها الفرض، ولكنها مجهولة فوجب على الجميع إعادة الصلاة ظهرًا، وفي المسألة الأولى يجب عليهم إعادة الجمعة إن استطاعوا وإلا فظهرًا.
يقول: (وإن وقعتا معًا أو جُهلت الأولى بطلتا).
ثم قال: (وأقلُّ السُّنَّة بعد الجمعة ركعتان).
شرع المؤلف الآن في بيان السنن التوابع للجمعة، فقال: (أقل السنة بعد الجمعة ركعتان وأكثرها ست).
وأوسطها أربع، أقلها ركعتان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته، ثبت ذلك عنه في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما (1).

(وأكثرها ست)؛ لأنه ورد عن عبد الله بن عمر بإسناد صححه العراقي يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الجمعة ستًّا (2)، وكان ابن عمر إذا صلى في مكة تقدم بعد صلاة الجمعة فصلى ركعتين، ثم صلَّى أربعًا (3)، وفي المدينة يصلي ركعتين في بيته، ويقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يفعله (1). أما الأربع؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك فقال: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا» (4). فصارت السُّنَّة بعد الجمعة إما ركعتان، أو أربع، أو ست.
ولكن هل هذا مما وردت به السنة على وجوه متنوعة، أو على أحوال متنوعة؟ طلبة: على أحوال متنوعة.
طالب: فيه خلاف.
الشيخ: فيه خلاف؛ منهم من قال: إنها على أحوال متنوعة، ومنهم من قال: إنها على وجوه متنوعة.
والفرق؟ طالب: الفرق.. ابن عمر صلى في مسجد.. الشيخ: لا، الفرق بين هذين القولين، الذي يقول على وجوه متنوعة أو على أحوال متنوعة؟ الطالب: الحال كونه يعني بمكة أو بالمدينة.
الشيخ: لا، ولكنك قاربت.
الطالب: الحال كأنه يعني يسافر أو حاضر؛ أي حضر.
الشيخ: أبعدت شوي! طالب: شيخ، الحال إذا كان في المسجد أو في بيته، إذا كان في المسجد يصلي أربعًا، وإذا كان في بيته يصلي ركعتين على قول.
الشيخ: نعم، هذا رأي شيخ الإسلام ابن تيمية، يجعل الخلاف هنا تنوع حال، فيقول: إن صليت راتبة الجمعة في المسجد فصلِّ أربعًا، وإن صليتها في البيت فصلِّ ركعتين، ومنهم من يجعلها تنوع وجوه، فيقول: صلِّ أحيانًا أربعًا، وأحيانًا ركعتين؛ هذان قولان.

فيه قول ثالث لا أدري هل قيل به، لكنه ينطبق على القاعدة: وهو أنه إذا تعارض قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله يُقدَّم قوله، وعلى هذا فتكون السنة أربع ركعات؛ لأن هذا ثبت من قوله والركعتان ثبتتا من فعله، والأولى للإنسان -فيما أظنه راجحًا- أن يصلي أحيانًا هكذا وأحيانًا هكذا، يعني أحيانًا يصلي أربعًا، وأحيانًا يصلي ركعتين.
أما الست فإن ظاهر حديث ابن عمر أن الرسول كان يفعله أيضًا فيكون كما قال المؤلف.
وعُلم من قول المؤلف: (أقل السنة بعد الجمعة ركعتان) أنه ليس للجمعة سنة قبلها، وهو كذلك، انتبهوا، ليس للجمعة سُنة قبلها، ولكن ماذا يصنع؟ نقول: يصلي ما شاء بغير قصد عدد، يصلي ركعتين، ثم يجلس يقرأ ينتظر الإمام، يصلي أربع ركعات، يصلي ستًّا، يصلي أكثر، حسب ما يتيسر له.
فإن قال قائل: هل تختارون لي إذا جئت يوم الجمعة أن أشغل وقتي بالصلاة، أو أن أشغل وقتي بالقراءة، يعني قراءة القرآن؟ نرى أن ركعتين لا بد منهما، وهما تحية المسجد، لا بد منهما، وما عدا ذلك فلينظر الإنسان ما هو أرجح له؛ إذا كنت في مسجد يزدحم فيه الناس ويكثر المترددون بين يديك، فالظاهر أن قراءة القرآن أخشع للإنسان، أخشع لقلبه وأفيد، وإذا كنت في مكان سالم من التشويش فلا شك أن الصلاة أفضل من القراءة؛ لأن الصلاة تجمع قراءة وذِكر ودعاء، قيام، قعود، ركوع وسجود، روضة من رياض العبادات، فهي أفضل، لكن في المسجد الحرام في أيام المواسم إذا صلى الإنسان يتعب، يتعب بأيش؟ بمدافعة الناس، يتعب، فهنا قد يكون لو جلس وجعل يقرأ القرآن بتدبر، وتمهل حصل له من خشوع القلب ورقته وقوة الإيمان ما لا يحصل بالصلاة.
والإمام أحمد -رحمه الله- سئل عن مسألة من مسائل العلم، فقال للسائل: انظر ما هو أصلح لقلبك فافعله، وهذه كلمة عظيمة: انظر ما هو أصلح لقلبك فافعله.

ولا شك أن الإمام أحمد إنما يريد فيما لم يرد فيه التفضيل، أما ما ورد فيه التفضيل فالقول ما قال الله ورسوله.
لكن مع ذلك نحن نشاهد من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وحال الرسول أنه أحيانًا يُقدِّم المفضول على الفاضل، أحيانًا يصوم حتى يقال: لا يفطر، أحيانًا يُفطر حتى يقال: لا يصوم (5)، وكذلك في قيام الليل، أحيانًا يأتيه الوفود يشغلونه عن الراتبة يجلس معهم ولا يصلي الراتبة إلا بعد صلاة أخرى كما أخَّر راتبة الظهر إلى ما بعد العصر (6). فالإنسان العاقل الموفق -نسأل الله لنا ولكم التوفيق- يعرف كيف يتصرف في العبادات غير الواجبة، الواجبة ما فيها كلام لا بد من فعلها، لكن غير الواجبة يستطيع الإنسان يقارن ويُوازن بين المصالح ويفعل ما هو أصلح.
طالب: حديث ابن عمر صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ست ركعات في مكة (3) ما قال (... ) النبي صلى الله عليه وسلم مسافر، وهذا العمل نفل، ليس راتبًا.
الشيخ: أيش؟ الطالب: النبي صلى الله عليه وسلم بمكة يعتبر مسافرًا، صلاة المسافر، وهذا نفل لا يعتبر راتب الجمعة.
الشيخ: لا، ما هو الظاهر، يعني كلام ابن عمر رضي الله عنهما قد يكون أن مراده أنه في غير المدينة مطلقًا، وأنه صادف أنها في مكة.
طالب: قول المؤلف يا شيخ: (فإن استويا في إذن) يعني أذن لهم الإمام.
الشيخ: أذن لهم الإمام جميعًا.
الطالب: طيب إذا أذن لهم (... ) لحاجة.
الشيخ: لا، هو قد يأذن لغير حاجة، مشكلة، نعم، نقول: الإمام لا يجوز أن يأذن إلا لحاجة.
الطالب: إن أذن لحاجة؟ الشيخ: لا، إن أذن لحاجة ما فيه إشكال، جائزة، كلاهما صحيح.
طالب: يا شيخ، على رأي شيخ الإسلام ابن تيمية، صلاة (... ) ست أو فعل ابن عمر ست (... ) بأي حال ننزلها.
الشيخ: ما له وجه (... ) أنه أراد أن يجمع بين فعله في المدينة وفعله في مكة (... ).


طالب: (ويسن أن يغتسل –وتقدم– ويتنظف ويتطيب، ويلبس أحسن ثيابه، ويبكِّر إليها ماشيًا، ويدنو من الإمام، ويقرأ سورة الكهف في يومها، ويُكثر الدعاء، ويُكثر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يتخطى رقاب الناس إلا أن يكون إمامًا أو إلى فرجة).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أن صلاة الجمعة ليس لها راتبة قبلها، وإنما يُصلي الإنسان ما تيسر، وأن لها راتبة بعدها، وهي؟ طالب: ورد أن أقلَّها ركعتان، وأكثرها ست.
الشيخ: أكثرها ست، وهذا الدرس الماضي اللي يحتاج إلى مناقشة وهو سهل؛ لأن (إقامتها في أكثر من موضع)، انتهينا منه ولَّا لا؟ ناقشنا فيها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويُسنُّ أن يغتسل لها وتقدَّم) (يُسن) يعبر الفقهاء بـ (يُسن، ويجب، ويُشرع)، ثلاثة تعبيرات، إذا قالوا: (يُشرع) فهو لفظ صالح للوجوب والاستحباب، وإذا قالوا: (يجب) فهو للوجوب، وإذا قالوا: (يُسن) فهو للاستحباب.
والسنة عند الفقهاء في تعبير الفقهاء: هي ما أُثيب فاعلُه، ولم يعاقَب تاركه؛ فهي بين الواجب وبين المباح.
فقوله: (يسن أن يغتسل) يعني أنه إذا اغتسل ليوم الجمعة فهو أفضل، وإن لم يغتسل فلا إثم عليه.
هذه هي السنة في اصطلاح الفقهاء.
وقوله: (أن يغتسل) لم يُبيِّن كيف الاغتسال، ولكنه إذا أُطلق في لسان الشارع، أو في لسان أهل الشرع -وهم الفقهاء- فإنه يُحمل على الاغتسال الشرعي لا على مجرد أن الإنسان يغسل بدنه، على الاغتسال الشرعي.
وصفته على وجهين: واجبة: وهي أن يعم جميع بدنه بالماء، ولو بالانغماس في بركة أو نهر أو بحر.
ومستحبة: وهي أن يتوضأ أولًا كما يتوضأ للصلاة، ثم يفيض الماء على رأسه، ويخلل شعره ثلاث مرات، ثم يفيض الماء على سائر جسده.

وقول المؤلف: (يسن أن يغتسل) لم يُبيِّن متى يكون الاغتسال؛ فقال بعضهم: إن أول وقته من آخر الليل.
وقال آخرون: بل من طلوع الفجر؛ لأن النهار لا يدخل إلا بطلوع الفجر.
وقال آخرون: بل من طلوع الشمس؛ لأن ما بين الفجر وطلوع الشمس وقت لصلاة خاصة، وهي الفجر، ولا ينتهي وقتها إلا بعد طلوع الشمس.
وعلى هذا فيكون ابتداء الاغتسال من طلوع الشمس، وهذا أحوط الأقوال الثلاثة كما تعلمون؛ لأن من اغتسل بعد طلوع الشمس فقد أتى على الأقوال كلها.
وقوله: (يُسن أن يغتسل) لم يُبيِّن من الذي يغتسل؟ هل هم الرجال أو النساء؟ والسنة تدل على أن الاغتسال خاص بمن يأتي للجمعة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» (7)، ولقوله: «غُسْلُ الْجُمُعَةِ» (8)، وكلمة «الْجُمُعَةِ» هنا تحتمل أن يكون المراد بها الصلاة، أو أن يكون بها اليوم، لكن قوله: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ» يعين أن يكون المراد بها الصلاة.
وعلى هذا فالنساء لا يُسن لهن الاغتسال، وكذلك من لا يحضر لصلاة الجمعة لعذر فإنه لا يسن له أن يغتسل، وإنما يغتسل من أتى إلى الجمعة.
نعم، لو كان الإنسان على جلده وسخ، تحدث منه رائحة كريهة عند العرق، فهنا يسن أن يغتسل من باب التنظف.
وقول المؤلف: (يُسنُّ أن يغتسل) هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله من أن حُكم الاغتسال سُنَّة، وذهب بعض أهل العلم إلى أن الاغتسال واجب، وهذا القول هو الصحيح: أن غسل الجمعة واجب؛ لقول أفصح الخلق وأنصحهم محمد صلى الله عليه وسلم: «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» (8)، فصرح النبي صلى الله عليه وسلم بالوجوب.
ومن المعلوم أننا لو قرأنا هذه العبارة في مؤلف كهذا الذي بين أيدينا لم نفهم منها إلا أنه واجب يأثم بتركه، فكيف والتعبير به من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو أفصح الخلق وأنصح الخلق وأعلمهم بما يقول؟

ثم إنه علق الوجوب بوصف يقتضي التكليف، وهو الاحتلام الذي يحصل به البلوغ، فإذا أخذنا اللفظ وأخذنا المعنى تبين لنا ظاهرًا أن غسل الجمعة واجب، وأن من تركه فهو آثِم.
ولكن هل هو شرط لصحة الصلاة أو واجب مستقل بنفسه؟ الجواب: الثاني، أي أنه ليس شرطًا لصحة الصلاة، فلو صلى الجمعة بدون اغتسال صحت جمعته؛ لأن هذا الاغتسال ليس عن جنابة، لكنه يأثم؛ لتركه ما أوجبه النبي صلى الله عليه وسلم.
ويدل للوجوب أيضًا أن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- دخل وعمر بن الخطاب يخطب الناس على المنبر يوم الجمعة، فأنكر عليه تأخره، فقال: والله يا أمير المؤمنين، كنت في شغل، وما زدت على أن توضأت ثم أتيتُ، فقال له موبِّخًا: والوضوءَ أيضًا؟ -يعني: تفعل الوضوء أيضًا- وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» (9)، ووبَّخه على اقتصاره على الوضوء، واستدل لذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ».
وأما ما روي عن سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ تَوَضَّأْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» (10)، فهذا الحديث لا يُقاوِم ما أخرجه الأئمة السبعة وغيرهم، وهو حديث أبي سعيد الذي ذكرته آنفًا: «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» (11)، ثم إن الحديث من حيث السند ضعيف؛ لأن كثيرًا من علماء الحديث يقولون: إنه لم يصح سماع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة، وإن كنا رجحنا في المصطلح أنه متى ثبت سماع الراوي من شيخه، وكان ثقة ليس معروفًا بالتدليس، فإنه يُحمل على السماع، على أن الحسن -رحمه الله- رماه بعض العلماء بالتدليس، وعده من المدلسين.

ثم إن هذا الحديث أيضًا من حيث المتن إذا تأملته وجدته ركيكًا، ليس كالأسلوب الذي يخرج من مشكاة النبوة: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ»، «بها» أيش؟ «وَنِعْمَتْ»؟ أين مرجع الضمير؟ فيه شيء من الركاكة، يعني ضعيف في البلاغة، «وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» يعني يظهر عليه تمامًا أنه من كلام غير النبي صلى الله عليه وسلم.
فالذي نراه وندين الله به ونحافظ عليه أن غسل الجمعة واجب، وأنه لا يسقط إلا لعدم الماء، أو للضرر باستعمال الماء.
بقي أن يُقال: إذا لم يجد الماء أو تضرر باستعماله، فهل يتيمم لهذا الغسل، أو نقول: إنه واجب سقط بعدم القدرة عليه؟ الثاني: وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
ويقول شيخ الإسلام: جميع الأغسال المستحبة إذا لم يستطع أن يقوم بها فإنه لا يَتيمم عنها؛ لأن التيمم إنما شُرع للحدث؛ لقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: 6].
ومعلوم أن الأغسال المستحبة ليست للتطهير؛ لأنه ليس هناك حدث حتى يتطهر منه.
وعلى هذا فلو أن الإنسان وصل إلى الميقات وهو يريد العمرة أو الحج، ولم يجد الماء، أو وجدَه وكان باردًا لا يستطيع استعماله، أو كان مريضًا، فهل يتيمم؟ بناء على هذا لا، والفقهاء -رحمهم الله- يقولون: بل يتيمم، ولكن الصحيح خلاف ذلك.

جارٍ التحميل