مثلًا الذين حددوا الحيض بأن أقله يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يومًا نقول: هاتوا الدليل، وإلا لا قبول، الذين حددوا مسافة القصر بيومين نقول: هاتوا الدليل، الذين حددوا الإقامة التي تقطع حكم السفر بأربعة أيام نقول: هاتوا الدليل، الذين حددوا الفطرة بصاع نقول: هاتوا الدليل.
كل إنسان يحدد أي شيء بتحديد؛ سواء مكان، أو زمان، أو عدد، أي شيء، فيحتاج إلى دليل.
فمثلًا نقول: هؤلاء الذين حددوا دخول وقت الجمعة بارتفاع الشمس قيد رمح، نقول: أين الدليل؟ لأن المعروف أن الجمعة تكون عند الزوال أو بعد الزوال، فحديث أبي هريرة: من اغتسل يوم الجمعة، ثم راح في الساعة الأولى، ثم قال: الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة (8)، كله يدل على أن هناك فسحة طويلة بين طلوع الشمس ووقت الصلاة.
ذكر المؤلف أثرًا عن عبد الله بن سيدان أنه شهد الجمعة مع أبي بكر وعمر وعثمان، وفيها ما يدل على تقديم الجمعة على الزوال، يقول: شهدت الجمعة مع أبي بكر رضي الله عنه، فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر، فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: قد انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان، فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: قد زال النهار، فما رأيت أحدًا عاب ذلك ولا أنكره.
رواه الدارقطني (9)، وأحمد، واحتج به.
لكن هذا الحديث لا يستقيم الاستدلال به على أن وقت صلاة الجمعة يكون من ارتفاع الشمس قيد رمح؛ أولًا: الأثر ضعيف، كما قاله النووي وغيره، وراويه يقول عنه البخاري: إنه لا يتابع على حديثه، فهو ضعيف.
هذا واحد.
ثانيًا: لو صح هذا الأثر فليس فيه دليل على ما اسْتُدِلَّ به عليه؛ لأن قوله: كانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، يدل على أنها قريبة من النصف، ولو كانت في أول النهار لقال: كانت صلاته وخطبته في أول النهار، فهناك فرق بين أن أقول: قبل النصف وبين أن أقول: في أول النهار؛ لأن (قبل النصف) يعني أنها قريبة؛ ولهذا قال: ثم شهدتها مع عمر، فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: قد انتصف النهار، ومع عثمان إلى أن أقول: قد زال النهار، وهذا يدل على أن صلاة أبي بكر رضي الله عنه كانت قريبة من الزوال؛ ولهذا كان من مفردات الإمام أحمد رحمه الله أن صلاة الجمعة تصح قبل الزوال، لم يقل بذلك أحد من الأئمة الثلاثة، بل هو من المفردات، والأئمة الثلاثة كلهم يقولون: لا تصح إلا بعد الزوال.
لكن هناك قولًا وسطًا يقول: تصح في الساعة السادسة، استنادًا إلى حديث أبي هريرة: من راح في الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ويش يقرب الخامسة؟ بيضة، فإذا خرج الإمام انتهى حضرت الملائكة يستمعون الذكر (8).
يكون حضور الإمام على مقتضى حديث أبي هريرة في الساعة السادسة؛ ولهذا رجح الموفق رحمه الله في المغني -وهو من أكابر أصحاب الإمام أحمد- أنها لا تصح قبل السادسة، كما ذهب إليه كثير من الأصحاب -ومنهم الخرقي- أنها لا تصح قبل السادسة، ففي أول النهار لا تصح، وهذا القول هو الراجح؛ أنها لا تصح في أول النهار، إنما تصح من السادسة، والأفضل أيضًا -على القول بأنها تصح في السادسة- أن تكون بعد الزوال؛ وفاقًا لأكثر العلماء.
يقول: (وآخره آخر وقت صلاة الظهر) وهذا مجمع عليه، آخر وقتها آخر وقت صلاة الظهر، متى؟ أن يصير ظل كل شيء مثله بعد فيء الزوال.
قال: (فإن خرج وقتها قبل التحريمة صلوا ظهرًا)، إن خرج وقت الجمعة قبل أن يدركوا تكبيرة الإحرام في الوقت فإنهم يصلون ظهرًا، ولاحظوا أن هذه المسألة مسألة تكاد تكون فرضية لا واقعية، لماذا؟ لأنه؛ أولًا: يبعد أن يترك أهل بلد كامل صلاة الجمعة إلى ألَّا يبقى من الوقت إلا مقدار ما يجب من الخطبة وتكبيرة الإحرام.
هذا بعيد وين هم؟ نايمين ولا ويش بيلعبوا؟ ! هذه واحدة.
ثانيًا: من الذي يُقدِّر أن الشمس تنتهي أو ينتهي ظل الشاخص إلى ألَّا يبقى إلا قدر التحريمة؟ هذا صعب جدًّا، هذا صعب؛ يعني: ولا كمبيوتر، وفي الزمن السابق ليس عندهم دقة هذا الحساب.
هذه المسألة في الحقيقة هي من الأمور التي تعتبر فرضية، ولكن الفقهاء -رحمهم الله وجزاهم الله عن أمة محمد خيرًا- يفرضون المسائل المتوقعة خوفًا من أن تقع ولو في ألف سنة مرة؛ من أجل تمرين الذهن على تطبيق المسائل على أصولها، وهذا من حسن التربية والتعليم؛ أن المعلم يذكر الأصول، ثم يفرِّع عليها التفريعات، وإن كانت نادرة الوقوع أو فرضية الوقوع.
إذن نأخذ بقية كلام المؤلف: (إذا خرج وقتها قبل أن يكبروا تكبيرة الإحرام صلوها ظهرًا)؛ لأن الظهر تُقْضَى والجمعة لا تُقْضَى، ولكن لاحظوا أنه لا بد من أن يتقدم تكبيرة الإحرام واجب الخطبة؛ يعني خطبتين بأركانهما، ثم تكبيرة الإحرام، وهذا ما ذهب إليه المؤلف، بناء على أن إدراك تكبيرة الإحرام معتبر، كما هو المذهب؛ المذهب جميع الإدراكات تعتبر بتكبيرة الإحرام، إلا إدراكًا واحدًا؛ وهو إدراك الرجل صلاة الجمعة، إدراك الرجل صلاة الجمعة لا يكون إلا بإدراك ركعة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، حطوا بالكم، جميع الإدراكات تعتبر بتكبيرة الإحرام، إلا إدراك الرجل الجمعة فيعتبر بإدراك ركعة كاملة.
والصحيح في هذا أن جميع الإدراكات لا تكون إلا بركعة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (10)، هذا منطوق الحديث؛ «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ»، مفهومه: من لم يدرك ركعة لم يدرك الصلاة، وهذا عام في جميع الإدراكات، ولعلكم تتعجبون كيف نعبِّر (جميع الإدراكات)! هل هناك إدراكات كثيرة؟
نقول: نعم؛ منها: لو حاضت المرأة بعد غروب الشمس بمقدار تكبيرة الإحرام، فعلى المذهب قد أدركت المغرب، وعلى القول بأنه لا بد من ركعة لم تدرك، وينبني عليهما هل إذا طهرت من الحيض تقضي هذه الصلاة أو لا تقضيها؟ على المذهب تقضيها، وعلى القول الثاني لا تقضيها.
هناك قول ثالث في هذه المسألة بالذات يقول: لا قضاء عليها، إلا إذا أخرت الصلاة حتى ضاق وقتها، ثم حاضت، فحينئذٍ يلزمها القضاء، ويعللون ذلك بأن هذه المرأة لها الحق في تأخير الصلاة إلى أن يضيق الوقت عن فعلها، فهي إذا أخرت غير آثمة، فإذا جاءها المانع في وقت هي غير آثمة فيه فإنها لا تعد مفرِّطة.
ثم الظاهر من نساء الصحابة أنهن إذا حضن في الوقت لا يقضين صلاة الوقت، وإن كان يحتمل أنهن عند تحري الحيض يقدمن الصلاة في أول الوقت خشية أن يحدث لهن حيض، الله أعلم.
المسألة الثانية: امرأة طهرت من الحيض قبل غروب الشمس بمقدار تكبيرة الإحرام، على المذهب يلزمها صلاة العصر، وكذلك الظهر أيضًا؛ لأنها تجمع إليها.
وعلى القول الثاني لا تلزمها صلاة العصر ولا الظهر؛ لأن الظهر تلزمها تبعًا، لا تلزمها صلاة العصر؛ لأنها لم تدرك من الوقت مقدار ركعة.
امرأة طهرت من الحيض قبل غروب الشمس بمقدار ركعة؟
طالب: بمقدار ركعتين.
الشيخ: لا، بمقدار ركعة، انتبهوا بمقدار ركعة.
طلبة: يلزمها.
الشيخ: على القولين يلزمها؟
طلبة: يلزمها على القولين.
الشيخ: يلزمها على القولين، صح أو تخالف؟
الطالب: لا.
الشيخ: اطمأننت الآن، كأنك بالأول أشكل عليك، والصحيح أنها لا تلزمها صلاة الظهر أيضًا.
الطالب: فصل
يشترط لصحتها شروط ليس منها إذن الإمام؛ أحدها الوقت، وأوله أول وقت صلاة العيد، وآخره آخر وقت صلاة الظهر، فإن خرج وقتها قبل التحريمة صلوا ظهرًا، وإلا فجمعة.
الثاني حضور أربعين من أهل وجوبها، الثالث أن يكونوا بقرية مستوطنين، وتصح فيما قارب البنيان من الصحراء، فإن نقصوا قبل إتمامها استأنفوا ظهرًا، ومن أدرك مع الإمام منها ركعة أتمها جمعة، وإن أدرك أقل من ذلك أتمها ظهرًا إذا كان نوى الظهر.
ويشترط تقدم خطبتين..
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام علي نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (يشترط لصحتها شروط ليس منها إذن الإمام) ولم نناقش في هذه الجملة.
السؤال ما تقول في قوله: (ليس منها إذن الإمام) ما معناها؟
الطالب: معناه أنه لا يستأذن الإمام في إقامة صلاة الجمعة تقام؛ أذن أم لم يأذن.
الشيخ: لماذا نص المؤلف على نفي هذا الشرط؟
الطالب: لأن العلماء اختلفوا في ذلك.
الشيخ: يعني من العلماء من قال.
الطالب: قال: إنه يجب استئذان الإمام.
الشيخ: لا تقام إلا بإذن الإمام، طيب.
هل هناك قول آخر في المسألة؟
طالب: هناك قول آخر أنه لا بد من إذن الإمام، وقول ثالث أنه لا بد من إذن الإمام إذا تعددت الجمع، أما إن لم تتعدد وكان هناك جمعة واحدة فلا يشترط إذن الإمام فيها؛ أي: في أصل الجمعة لا يشترط إذن الإمام.
الشيخ: يعني تفصيل؛ يشترط إذن الإمام لإقامة جمعة زائدة على واحدة؛ يعني: فيما زاد على الواحدة يشترط إذن الإمام؛ لئلا تكون المسألة؟
الطالب: فوضى.
الشيخ: فوضى، كل يقيم الجمعة في مسجد ويقول: نكتفي عن الذهاب، هذا القول هو الراجح، هذا الأخير هو الراجح.
سبق لنا الخلاف في وقت الجمعة، ما هو المشهور من المذهب في أول وقت صلاة الجمعة؟
طالب: أول وقت صلاة العيد من طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح حتى أقصى وقت صلاة..
الشيخ: أول وقت من ارتفاع الشمس قيد رمح.
طيب آخره؟
الطالب: آخر وقت صلاة الظهر.
الشيخ: آخر وقت صلاة الظهر، إذن توافق الظهر في الانتهاء، ولا توافقه في الابتداء، تمام، طيب.
متى ينتهي وقت صلاة الظهر؟
طالب: إذا صار ظل كل شيء مثليه.
الشيخ: نعم، إذا صار ظل كل شيء مثله.
الطالب: مثليه.
الشيخ: لا، مثله.
الطالب: ووقت العصر أيضًا.
الشيخ: لا، زائدًا؟
طالب: بعد فيء الزوال.
الشيخ: زائدًا على فيء الزوال، طيب، اشرح هذا.
طالب: الشمس إذا خرجت من المشرق، فعندما يكون هناك ناصب أو شاخص، يكون هذا الشاخص..
الشيخ: الشاخص؛ يعني: الشيء المنصوب.
الطالب: يكون من جهة الغرب.
الشيخ: يكون له ظل.
الطالب: من جهة الغرب.
الشيخ: من جهة الغرب، كلما ارتفعت الشمس.
الطالب: ينقص هذا الظل، حتى لا يكون لهذا الشاخص ظل.
الشيخ: لا، حتى ينتهي نقصه، ثم يأخذ؟
الطالب: في الازدياد.
الشيخ: في الزيادة، بمجرد ما يأخذ في الزيادة تكون الشمس؟
الطالب: بدأت في الزوال.
الشيخ: قد زالت، طيب.
هل يمكن يكون هناك ظل؛ يعني: يبقى ظل قبل الزوال ولَّا لا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: إي، يبقى، أما في الشتاء فظاهر؛ يبقى ظل كثير؛ لأن الشمس تنحرف إلى الجنوب، في الصيف يقل هذا الظل، لكن المهم أنا قلت لكم في الدرس الماضي: إنك تجعل أيش؟
الطالب: شاخصًا.
الشيخ: انتهينا من الشاخص، لكن هذا الظل ينقص ينقص إلى أن ينتهي.
الطالب: نجعل علامة.
الشيخ: علامة على محل؟
الطالب: بداية ازدياد الظل.
الشيخ: بداية ازدياد الظل، من هذا المحل إلى أن ينتهي الظل إذا صار طول الشاخص؟
الطالب: فيكون هذا آخر صلاة الظهر.
الشيخ: آخر صلاة الظهر وأول صلاة العصر، طيب.
ذكرنا أن هناك قولًا آخر في وقت صلاة الجمعة.
طالب: بدايته يعني؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: قالوا: في أول وقت النهار أول ما تطلع الشمس.
الشيخ: لا، الأقوال الشاذة اللي يقول: من صلاة الفجر، هذه ما نذكرها.
طالب: الساعة السادسة يا شيخ.
الشيخ: يعني: قبل الزوال بساعة، طيب، فيه قول ثالث؟
طالب: أجمع العلماء على أنها..
الشيخ: اترك (أجمع)، بس إذا قلت: أجمع معناها ما فيه قول.
الطالب: القول الوسط.
الشيخ: القول الثالث.
الطالب: قالوا: إنها تصح في الساعة السادسة.
الشيخ: هذا هو ذكره الأخ.
الطالب: بعد الزوال.
الشيخ: القول الثالث أن وقتها بعد الزوال كالظهر، طيب، ذكرنا أن هذا مذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة، وكل قول يقول: إن وقت الجمعة قبل الزوال فهو من مفردات الإمام أحمد رحمه الله.
ما هي حجة من قال: إنها تكون في الساعة السادسة؟
طالب: نعم، أحسن الله إليك؛ لأنهم قالوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر الساعة الخامسة، وذكر أن من أتي فيها فكأنما قرب بيضة.
الشيخ: دليلهم حديث أبي هريرة فيمن اغتسل وراح في الساعة الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، قال: فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة وطويت الصحف.
الطالب: يستمعون الذكر.
الشيخ: متي يحضر إذا أخذنا خمس ساعات؟
الطالب: حضروا في الساعة السادسة.
الشيخ: السادسة، طيب.
الطالب: الجمهور قالوا: إنه يجوز.
الشيخ: يجوز في الساعة السادسة، طيب، حجة الذين قالوا: إنها لا يدخل وقتها إلا بالزوال كالظهر؟
طالب: النووي ضعَّف الحديث.
الشيخ: لا، دعْنا، هذا دفاع، نريد الحجة التي يثبتون بها قولهم قبل أن يردوا قول غيرهم، إحنا ذكرنا في الخلاف أظن سبق، قلنا في الخلاف: لا بد أن تثبت قولك أولًا بدليل، ثم تدفع قول مخالفك.
طالب: حديث سلمة بن الأكوع (... ) مع الرسول صلى الله عليه وسلم بعد الزوال؟
الشيخ: كنا نُجَمِّع إذا زالت الشمس (11)، طيب هذا نص، وتعليل أنها؟
الطالب: كيف التعليل؟
الشيخ: التعليل يعني علة.
الطالب: يعني لا يكون قبل الزوال صلاة..
الشيخ: أنها كصلاة الظهر، كما أن الظهر لا تصح قبل الزوال فكذلك صلاة الجمعة؛ لأن الظهر تكون بدلًا عنها إذا فاتت، مع الاتفاق على أن فعلها بعد الزوال أفضل؛ يعني: العلماء حتى الذين قالوا بجوازها قبل الزوال يقولون: هي بعد الزوال أفضل.
هناك فرق بين أن نقول: من شرط الصلاة دخول الوقت، ومن شرط الصلاة الوقت؟
طالب: أما (دخول الوقت) فمعناه أنها تقضى هذه الصلاة، وأما إذا قيل: (الوقت) فمعناه أنه إذا انتهي الوقت لا يصح أن تقضى.
الشيخ: لا تقضى، تمام، والجمعة كذلك؛ الجمعة إذا خرج وقتها لا تقضى.
قال المؤلف رحمه الله عز وجل: (فإن خرج وقتها قبل التحريمة صلوا ظهرًا، وإلا فجمعة) (إن خرج وقتها) أي: وقت الجمعة.
(قبل التحريمة) أي: قبل تكبيرة الإحرام فإنهم يصلونها ظهرًا، لماذا؟ لأن الوقت قد فات، فإن الوقت لا يدرك إلا بتكبيرة الإحرام، فمن فاتته تكبيرة الإحرام فقد فاته الوقت، وهذا الذي مشى عليه المؤلف رحمه الله، بناء على أن الإدراك يكون بتكبيرة الإحرام.
والصحيح أن الإدراك لا يكون إلا بركعة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (10).
وعلى هذا فنقول: إن خرج وقتها قبل إدراك ركعة -بدل قول المؤلف: (قبل التحريمة) - فإنهم يصلونها ظهرًا.
إذا قُدِّر أنه بقي من الوقت مقدار الواجب من الخطبة فماذا تصلى؛ ظهرًا أو جمعة؟
الطلبة: ظهرًا.
الشيخ: ظهرًا؛ لأنه لا يمكن إقامة الجمعة الآن؛ إذ إن الجمعة لا بد أن يتقدمها خطبتان، فإذن لا بد أن يبقى من وقت الجمعة مقدار الواجب من الخطبتين، ومقدار تكبيرة الإحرام على قول المؤلف، أو ركعة على القول الذي رجحناه.
قال: (صلوا ظهرًا وإلا فجمعة) ولكن لو قال قائل: هل يمكن أن يخرج وقت صلاة الجمعة في قرية على الناس جميعًا؟
طلبة: ما يمكن.
الشيخ: هو -على كل حال- نادر، يمكن، لكنه نادر، وصورة إمكانه إن قُدِّرت أن يكون الجو ملبدًا بالغيوم، وليس عندهم ساعات، ويتعجلون الوقت، فيظنون أن الوقت مبكر، ثم تنجلي الغيوم وإذا هم قرب صلاة العصر، هذا ممكن.
ثم قال المؤلف: (الثاني حضور أربعين من أهل وجوبها) إلى أين؟ حضورهم الصلاة والخطبة، لا بد أن يحضروا الصلاة والخطبة، ويقول المؤلف: (أربعين)؛ فإن حضر تسعة وثلاثون لم تصح الجمعة.
ولا بد أن يكونوا من أهل وجوبها، وسبق بيانهم، من أهل وجوبها؟ كل ذكر، حر، بالغ، عاقل، مسلم، مستوطن، ليس بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ، ستة شروط أو سبعة؛ إن جعلنا (مكلف) شرطًا واحدًا فهي ستة، وإن جعلناها شرطين فهي سبعة، لا بد أن يكون هؤلاء الأربعون متصفين بهذه الصفات؛ كلهم ذكور، كلهم أحرار، كلهم مسلمون، كلهم مكلفون، كلهم مستوطنون ببناء؛ يعني: بالقرية، كلهم ليس بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ، لا بد من هذه الشروط.
فإن حضر تسعة وثلاثون حرًّا وعبد..
الثالثُ: أن يكونوا بقريةٍ مسْتَوْطِنِينَ، وتَصِحُّ فيما قارَبَ البُنيانَ من الصَّحْراءِ،
فإن نَقَصُوا قبلَ إتمامِها اسْتَأْنَفُوا ظُهْرًا، ومَن أَدْرَكَ مع الإمامِ منها رَكعةً أَتَمَّهَا جُمُعَةً وإن أَدْرَكَ أَقَلَّ من ذلك أَتَمَّهَا ظُهْرًا إذا كان نَوَى الظُّهْرَ، ويُشْتَرَطُ تَقَدُّمُ خُطْبَتَيْنِ، ومِن شَرْطِ صِحَّتِهما حَمْدُ اللهِ، والصلاةُ على رسولِه مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، وقراءةُ آيةٍ، والوَصِيَّةُ بتَقْوَى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وحُضورُ العددِ الْمُشْتَرَطِ، ولا يُشْتَرَطُ لهما الطهارةُ
لا بد أن يكون هناك دليل، دليله يقول: قال أحمد: بعث النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير إلى أهل المدينة، فلما كان يوم جمعة جمَّع بهم وكانوا أربعين، وكانت أول جمعة جمعت بالمدينة (1)، هذا الحديث هذا دليله أن الرسول عليه الصلاة والسلام بعث مصعب بن عمير رضي الله عنه إلى أهل المدينة، فجمَّع بهم وكانوا أربعين.
ولكن إن صح هذا الأثر فإنه لا يصح الاستدلال به؛ وذلك لأن بلوغهم هذا العدد وقع اتفاقًا لا قصدًا؛ يعني: أمروا أن يجمعوا فجمعوا فإذا هم أربعون، لم يقل: إنهم أمروا أن يجمعوا فلما بلغوا أربعين أقاموا الجمعة، لو كان لفظ الحديث هكذا لكان فيه شيء من الاستدلال.
أما أمروا بالتجميع فجمعوا فإذا هم أربعون، فهذا لا يدل أبدًا على أن هذا شرط، ليش؟ لأنه وقع اتفاقًا، لا قصدًا، اتفاقًا يعني: وافق العدد هكذا وليس هذا عن قصد.
دليل آخر قال جابر: مضت السنة أن في كل أربعين فما فوق جمعة وأضحى (2)، هذا لو صح الحديث لكان دليلًا؛ لأنه قال: إن في كل أربعين جمعة وأضحى وفطرًا، ولكن هذا الحديث لا يصح، هذا غير صحيح.
وبهذا عرفنا أن دليل المؤلف إما صريح غير صحيح مثل حديث جابر: مضت السنة، وإما صحيح غير صريح، مثل حديث مصعب بن عمير، والحديث الذي تثبت به الأحكام لا بد أن يكون صحيحًا وصريحًا؛ لا بد أن يكون صحيحًا لأن الضعيف ليس بحجة، بل ولا مقبول، كما هو معروف من علم المصطلح، صريح لأن غير الصريح يكون محتملًا، ومن القواعد المقررة عند العلماء في الاستدلال أنه إذا وجد الاحتمال سقط الاستدلال، وعلى هذا فاشتراط الأربعين لإقامة الجمعة غير صحيح؛ لأن ما بني على غير صحيح فليس بصحيح.
ثم يقال: إنه ثبت في صحيح مسلم أن الصحابة رضي الله عنهم لما قدمت العير من الشام إلى المدينة، وكانوا في شفقة لقدومها لشدة حاجتهم انفضوا إليها، والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، ولم يبق معه إلا اثنا عشر رجلًا؛ (3) أقل من أربعين، أليس كذلك؟ وبقي النبي عليه الصلاة والسلام على صلاته؛ يعني: بقي مقيمًا لصلاة الجمعة.
فماذا نقول في هذا الحديث؟ قالوا: نقول: لعل هؤلاء الذين خرجوا رجعوا فورًا قبل أن يمضي النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته.
وهذا الاحتمال خلاف الأصل وخلاف الظاهر؛ خلاف الأصل -وهذا مر علينا في قواعد ابن رجب- خلاف الأصل؛ لأن الأصل أن من خرج لا يعود حتى يثبت دليل عوده، هذا واحد، خلاف الظاهر؛ لأنه ليس من الظاهر أنهم يخرجون بس ينظرون ويش اللي جه؟ ويرجعون، سيبقون هناك يشترون من المتاع الذي حضر، فهذا الرد للاستدلال بهذا الحديث، رد يخالفه أيش؟
طلبة: الأصل.
الشيخ: الأصل والظاهر.
ويش الأصل اللي يخالفه؟
طلبة: عدم الرجوع.
الشيخ: عدم الرجوع، خرجوا، فالأصل عدم رجوعهم إلا بدليل أنهم رجعوا قبل أن يستمر الرسول صلى الله عليه وسلم في خطبته.
خلاف الظاهر؛ لأن هؤلاء انفضوا إلى التجارة، والمنفض إلى التجارة بس بينظر ويش التجارة؟ ويرجع، بعيد هذا، هذا خلاف الظاهر؛ ولهذا عاتبهم الله عز وجل فقال: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: 11]، شوف شدة التوبيخ ﴿تَرَكُوكَ﴾، هذا صعب على النفوس أن الرسول يترك عليه الصلاة والسلام، ﴿قَائِمًا﴾ أنت قائم فيهم تعظهم وترشدهم، ثم يتركونك وأنت قائم؛ يعني: ما انتهت خطبتك، هذا توبيخ أشد ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.
إذن الرد على هذا الحديث هذا رد باطل.
يبقى النظر هل نقول بمقتضى هذا الحديث ونقول: إن من شرط إقامة الجمعة أن يكونوا اثني عشر رجلًا؟
طلبة: لا يا شيخ.
الشيخ: ذهب بعض العلماء إلى ذلك، لا تقولوا: لا، على طول، ذهب بعض العلماء إلى ذلك؛ أنه لا بد من اثني عشر رجلًا من أهل الوجوب.
من الذي قال: لا، يبين لنا وجه قوله: لا؟
طالب: لأنه حصل اتفاق.
الشيخ: نعم؛ لأن هذا وقع اتفاقًا، خرجوا وبقي اثنا عشر رجلًا، ربما يبقى أكثر، ربما يبقى أقل، لكن هذا اللي وقع؛ يعني: وافق أن الذي بقي كم؟ اثنا عشر رجلًا، وما وقع اتفاقًا لا قصدًا فإنه لا يصح الاستدلال به.
طالب: وجه آخر.
الشيخ: وهو؟
الطالب: وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه البقية عن الخروج؛ يعني: لما بقي اثنا عشر فقط ما قال: لا تخرجوا؛ لأن الجمعة تبطل إنما سكت، فلو خرج غيرهم ما بينهاهم.
الشيخ: لا، على كل حال الأول أصح، هذا فيه شيء.
قال بعض العلماء: يشترط أربعة رجال، وهذا مذهب أبي حنيفة، لا بد من أربعة رجال؛ إمام، وثلاثة يوجه إليهم الخطاب؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9] و ﴿آمَنُوا﴾ جمع، وأقل الجمع ثلاثة، والإمام هو الذي يسعى له لخطبته، وعلى هذا فيكون لا بد من أربعة رجال.
وقال بعض العلماء: هذا الاستدلال ليس بصحيح؛ لأن قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وإن كان جمعًا، فالمراد به الجنس؛ ولهذا يؤمر الرجل بالحضور إلى الجمعة ولو كان واحدًا.
القول الرابع: أنه يشترط أن يكونوا ثلاثة؛ خطيب ومستمعان؛ لأن الثلاثة أقل الجمع، ولأنه روى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه: «مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ لَا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلَاةُ إِلَّا اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ» (4)، والصلاة عامة تشمل أيش؟
طلبة: الجمعة وغيرها.
الشيخ: الجمعة وغيرها، الصلاة والجمعة من الصلاة، فإذا كانوا ثلاثة في قرية لا تقام فيهم الصلاة، فإن الشيطان قد استحوذ عليهم، وهذا يدل على وجوب صلاة الجمعة على الثلاثة، ولا يمكن أن نقول بوجوبها على الثلاثة، ثم نقول: لا تصح من الثلاثة، أو لا؟ لا يمكن أن نقول: تجب على الثلاثة ثم نقول: لا تصح، لماذا؟ لأن إيجابها عليهم ثم قولنا: إنها غير صحيحة.
طلبة: تضاد.
الشيخ: تضاد، معناه: أمرناهم بشيء باطل، والأمر بالشيء الباطل حرام، إذن هذا القول له هذا الحديث، وهو قوي، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على أن الجمعة تجب على الثلاثة فما فوق عرفتم؟
فيه قول خامس يقول: الجمعة تجب على اثنين فما فوق؛ لأن الاثنين جماعة يحصل بهم الاجتماع، ومن المعلوم أن صلاة الجماعة في غير الجمعة تنعقد باثنين بالاتفاق، فالجمعة كسائر الصلوات، فمن ادعى خروجها عن بقية الصلوات في أن جماعتها لا بد فيها من ثلاثة فعليه الدليل، وهذا مذهب أهل الظاهر، واختاره الشوكاني في شرح المنتقى، وهو قول قوي، لكن ما ذهب إليه شيخ الإسلام أرجح؛ لأنه لا بد من جماعة تستمع، وأقلها اثنان، والخطيب هو الثالث، والحديث اللي ذكرناه حديث أبي الدرداء أيضًا يؤيد ما قاله الشيخ.
بقينا فيه قول سادس يقول: تصح الجمعة حتى من واحد؛ ويقول: إن الجمعة فرض الوقت، فما الفرق بين الجماعة والواحد، كما أن الظهر فرض الوقت، ولا فرق بين الواحد والجماعة، ومن ادعى شرطية العدد في الجمعة فعليه الدليل، لكن هذا قول شاذ، وهناك أقوال أخرى تبلغ نحو العشرة في هذه المسألة، والناس كثر فيهم يعني كثر الخلاف والجدل في هذه المسألة.
وأقرب الأقوال إلى الصواب هو أنها تنعقد بثلاثة وتجب عليهم، وعلى هذا فإذا كانت هذه القرية فيها مئة طالب، وليس فيها من مواطنيها إلا ثلاثة نعم؟
طلبة: (... ) عليهم.
الشيخ: تجب الجمعة عليهم، تجب على الثلاثة بأنفسهم، وعلى الآخرين بغيرهم
طيب فيها مواطنان ومئة مسافر مقيم؟
طالب: لا تجب.
الشيخ: لا تجب، لا هذا ولا هذا، لا، خل على القول الثاني على اللي اخترنا لا تجب.
إذا حضر تسعة وثلاثون، والإمام يرى العدد، والتسعة والثلاثون يرون الثلاثة، الإمام يرى أن الواجب أربعون، والتسعة والثلاثون يرون أن الواجب ثلاثة، ويش نصنع؟ الإمام يقول: ما أنا مصلي بكم؛ لأني أرى أن العدد لا بد أن يبلغ الأربعين، وهم يقولون: صلِّ لأن الصحيح أن العدد ثلاثة.
نقول: الإمام لا يصلي، ويقوم واحد من هؤلاء الذين لا يرون الأربعين، ثم يلزم الإمام أن يصلي ولَّا ما يلزم؟
طلبة: يلزمه.
الشيخ: لأنها أقيمت صلاة الجمعة.
إذا كان بالعكس؛ الإمام لا يرى العدد أربعين، والتسعة والثلاثون يرون العدد أربعين؟
طالب: ما يصلون.
الشيخ: ما يصلون جمعة كلهم، لا يصلون جمعة؛ لأن التسعة والثلاثين يقولون: نحن لن نصلي ويش يبقى؟ يبقى واحد لا تنعقد به الجمعة، فنقول: لا تلزمكم الجمعة كلكم، صلوا ظهرًا.
وهذه المسألة اللي ذكرها العلماء رحمهم الله تدلنا على أن الإنسان ينبغي أن يكون واسع الأفق، شوف كيف الآن أسقطوا الجمعة من أجل الخلاف، وأوجبوها من أجل الخلاف، فالمسائل الخلافية التي يسوغ فيها الاجتهاد لا ينبغي للإنسان أن يكون فيها عنيفًا بحيث يضلل غيره.
أهل السنة والجماعة من هديهم وطريقتهم ألا يضللوا غيرهم ما دامت المسألة يسوغ فيها الاجتهاد، حتى إنهم قالوا: الخلفاء أربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، من خالف في ترتيبهم في الخلافة فهو ضال، يعني من قال: إن عليًّا أولى من أبي بكر في الخلافة فهو ضال، حتى قال الإمام أحمد رحمه الله: هو أضل من حمار أهله، ومن خالف في التفضيل فقال: علي أفضل من عثمان مثلًا فإنه لا يُضَلَّل؛ لأن هذه مسألة فيها خلاف بين أهل السنة، فلا يُضَلَّل.
نقول: إذا كنت ترى أن الأحاديث الواردة في فضل علي رضي الله عنه تفوق الأحاديث الواردة في فضل عثمان رضي الله عنه فلك رأيك، ما نقول: إنك ضال، لكن من فضل عليًّا على أبي بكر وعمر فقد قدح في عليّ نفسه؛ لأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول على منبر الكوفة، وهو يخطب الناس: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر.
(5) يعلِن، فمن فضله عليهما فقد قدح فيه هو نفسه رضي الله عنه.
على كل حال أنا أقول لكم: لا ينبغي أن تشددوا في مسائل الخلاف الاجتهادية، أو أن تضللوا غيركم، من رحمة الله عز وجل أنه لا يؤاخذ بالخلاف إذا كان صادرًا عن اجتهاد، بل من أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر.
خلاصة الكلام في مسألة العدد أن أصح الأقوال في العدد: الثلاثة؛ لأنه مؤيَّد بدليل وتعليل.
الشرط الثالث أن يكونوا بقرية مستوطنين، أن يكونوا بقرية، فإن كانوا في خيام كالبادية فإنه لا جمعة عليهم.
ودليل هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر البوادي الذين حول المدينة بإقامة جمعة، ولأنهم ليسوا مستوطنين في الحقيقة؛ لأنهم ربما يكونون هذا العام في هذا المكان، وفي العام الآخر أو الثالث في مكان آخر؛ لأنهم يتبعون الربيع والعشب، فمثل هؤلاء ليس عليهم جمعة، فلا بد أن يكونوا بقرية.
وإن كانوا في مصرٍ؟
طالب: من باب أولى.
طالب آخر: تلزمهم.
الشيخ: من باب أولى.
وإن كانوا في مدينة؟
طلبة: (... ).
الشيخ: من باب أولى، ولكني أقول لكم: إن القرية في اللغة العربية أعم من ذلك كله، تشمل المدينة والمصر؛ لأنها مأخوذة من الاجتماع.
وانظر إلى مكة أم القرى سماها الله قرية ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: 13]، مع أن الله قال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى: 7] أم القرى تسمى قرية.
والقرية في اللغة غير المفهوم عندنا، فقول المؤلف: قرية هي أعم مما يعرف بأنها المدينة الصغيرة، المراد القرية المدينة سواء كانت صغيرة أو كبيرة.
ولا بد أن يكونوا مستوطنين، أي: متخذيها وطنًا، سواء كانت وطنهم الأول أم وطنهم الثاني، فالمهاجرون من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه اتخذوا المدينة وطنًا ثانيًا.
فقوله المستوطنين يعم من استوطن أولًا ومن استوطن ثانيًا.
ضد المستوطن: المسافر والمقيم، المسافر هو الذي على جناح سفر مر بالبلد ليقضي حاجة ويمشي، والمقيم من أقام يومًا أو ثلاثة أيام، أو أربعة أيام أو خمسة أيام، هو مقيم.
والمسألة فيها خلاف فيمن أقام في قرية وهو عازم على السفر، هل هو مقيم أو مسافر؟
شيخ الإسلام يرى أنه مسافر، ويقول: ليس في الكتاب ولا في السنة تقسيم الناس إلى مستوطن ومقيم ومسافر، ما فيه إلا مسافر ومستوطن، والمستوطن هو المقيم.
المهم لا بد أن يكونوا مستوطنين.
وهل يُشترَط أن يكونوا مولودين في القرية؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يشترط، المهم أنه مستوطن.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، نقول: هل يمكن أن يستدل بحديث الصحابة حينما قاموا إلى التجارة، على أن البيع بعد أذان الجمعة يصح، ولو استدل به مستدل فما الجواب عليه؟
الشيخ: لا، ما يصح.
طالب: لأنا قلنا: إنهم يعني الظاهر والعلم عند الله أنهم سيشترون، يعني لن ينظروا إليه..
الشيخ: ما يخالف، لكن هل اشتروا؟
الطالب: هذا هو الظاهر.
الشيخ: (... ) على كل حال قد يشترون وقد يمتنع صاحب البضاعة حتى يخرج الناس كلهم.
طالب: شيخ، ألا يقال في المظنون في الصحابة خلاف ظاهر حديث جابر، ألا يقال: إن الخطبة المقصود بها خطبة بعد الصلاة وليست قبل الصلاة؟
الشيخ: لا، لو كان كذلك ما وبخهم الله.
طالب: بس ممكن (... ).
الشيخ: لا، هي خطبة قبل الصلاة، وكل غير معصوم.
طالب: لكن، ليس بصريح يا شيخ.
الشيخ: لا، صريح؛ لأن الرسول ما كان من عادته يخطب بعد الصلاة أبدًا.
طالب: في أول الأمر كان (... ) الصلاة.
الشيخ: لا أبدًا، كانت خطبته قبل الصلاة.
طالب: ثم يا شيخ قضية الجمعة في السفر قلتم بأن الجمعة في السفر بدعة.
الشيخ: نعم.
الطالب: (... ) على هذا أن المسافرين الآن في البلاد البعيدة إذا قاموا الجمعة فقد ابتدعوا.
الشيخ: بيجينا إن شاء الله هذه، هذا عند قوله بقرية مستوطنين.
طالب: لكن إذا حضر تسعة وثلاثين ومعهم عبد، والعبد هذا قد أذن له سيده؟
طالب آخر: على المذهب ما تصح.
الشيخ: المؤلف يرى أن العبد ولو أذن له سيده ليس من أهل الوجوب، لكن على القول الراجح أنه إذا أذن له سيده وجبت عليه، يعتد به.
طالب: شيخ، الجماعة لو قلنا: إنهم تسعة وثلاثون يرون وجوب صلاة جمعة، والإمام ما يرى انعقادها، كيف نقول لهم: صلوا والإمام لا تلزمه الصلاة معهم ويرى عدم صحة صلاتهم.
الشيخ: ما يخالف، هو يرى عدم صحة الصلاة عنده، أرأيت لو أن شخصًا أكل لحم إبل وأم شخصًا يرى وجوب الوضوء منه، والإمام لم يتوضأ، تصح ولَّا ما تصح؟
الطالب: تصح.
الشيخ: هذه مثلها.
طالب: أحسن الله إليك، تقسيم الوقت إلى ست ساعات، ما المقصود بالساعة هنا، مع أن أحيانًا يكون الوقت بين طلوع الشمس إلى الزوال أقل من ست ساعات.
الشيخ: إي نعم، إذا قدرنا من طلوع الشمس إلى مجيء الإمام خمس ساعات متساوية قد تكون على قدر الساعات التي في وقتنا، وقد تكون أقل وقد تكون أكثر.
طالب: تختلف يا شيخ من الصيف إلى الشتاء.
الشيخ: إي نعم، نقول: اقسم من طلوع الشمس إلى مجيء الإمام، اقسمه إلى خمسة أقسام:
طالب: طيب يا شيخ والأدلة التي تقول: إنهم كانوا يصلون قبل الزوال وأنهم كانوا يذهبون إلى إبلهم ويريحونها قبل الزوال وهم يصلون.
الشيخ: لا، هو لفظ الحديث حين تزول الشمس.
الطالب: لا، الحديث الثاني ما كنا نقيل ولا نستقيل إلا..
الشيخ: إلا بعد صلاة الجمعة.
الطالب: حديث آخر أنه يقول..
الشيخ: حديث سهل: ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد صلاة الجمعة (6).
طالب: وحديث جابر يا شيخ: كنا ننصرف وليس للحيطان ظل (7).
الشيخ: ظل يستظل به.
الطالب: يدل على أنهم ينصرفون عند الزوال.
الشيخ: إي، ظل يستظل به، ما أطلق، قيد: ظل يستظل به، على كل حال إقامتها في الساعة السادسة يعني لها وجهة نظر، لكن كونها تقام بعد طلوع الشمس هذا بعيد جدًّا، ولهذا الموفق رحمه الله رأى أنه لا دليل إطلاقًا على أنها تقام في أول النهار، ما فيه دليل.
طالب: شيخ، إذا طبق الحديث على الواحد مثلًا، صلوا مثلًا ثم انصرفوا وليس للحيطان ظل يستظل به، ولم تكن قبل الساعة السادسة؟
الشيخ: هو على كل حال إذا كان هناك أمر من ولاة الأمور بألا تقام إلا بعد الزوال فإنه يجب امتثاله.
طالب: وإن لم يكن؟
الشيخ: وإن لم يكن فالإنسان حتى أرى أنه يجب أن يوحد البلد لأنه إذا لم يوحد صار هذا يطلع مبكرًا وهذا متأخرًا، وربما يصير هذا فرصة للعاب، إذا قيل: صل قال: مصلي مع المسجد الثاني، إي نعم.
طالب: قول من يقول: إن الجمعة تصح بما تكون به الجماعة صحيح هذا يا شيخ؟ وكيف الرد عليه؟
الشيخ: هو الرد عليه أن الجمعة لها أحكام تختلف عن الجماعة، منها أنه لا بد من خطيب، ولا بد من ناس يستمعون، أقل من يستمع اثنان، ثم حديث أبي الدرداء اللي أشرنا إليه يدل على هذا.
طالب: (... ) عنك بعض الناس يستوطن يكونون في خيام (... ) مستوطن نفسه في نيته الاستيطان وهو (... ) في الخيام.
الشيخ: لكنه حول بلدهم.
طالب: في نفس البلد، هو عنده الاستيطان، نيته الاستيطان (... ).
الشيخ: هذا تلزمه الجمعة بغيره، إي نعم.
طالب: شيخ، بالنسبة (... ) صلاة الجمعة (... ) يرون صلاة الجمعة، كيف يؤمون والإمام موجود والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ» (8) كيف يا شيخ؟
الشيخ: هذه نقول: لأن هؤلاء يرون الوجوب وهو لا يراه، فإما أن يصلوا في المسجد جماعة جمعة يعني وإما أن يصلوا في مكان آخر غير مسجد، هذا الرجل.
الطالب: إذا كان الإمام شافعيًّا وترك التشهد الأول، هذا واجب يا شيخ..
الشيخ: لو كنت أصلي خلف إمام شافعي لا يرى وجوب التشهد الأول وقام وتركه قمت معه.
الطالب: طيب، هذا واجب، وهو موطن خلاف كبير عندنا، لماذا نتبع الإمام؟
الشيخ: نتبع الإمام؛ لأن الرسول لما قام عن التشهد الأول ساهيًا قاموا معه.
الطالب: لا، الإمام يوم الجمعة لم نتبعه؟ نتبعه حتى لأن هذه مسألة خلاف وحتى..
الشيخ: إي نعم، هذه إلى الآن ما بعد وجب علينا متابعته، بخلاف من دخلوا معه في الصلاة تجب عليهم المتابعة، أما الآن فلم ندخل معه في الصلاة حتى نقول: لا بد أن نتبع رأيك.
طالب: نعين (... ) إمام بدله.
الشيخ: إي نعم، نعين إمامًا بدله.
طالب: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد.
قال المصنف رحمه الله: (فإن نقصوا قبل إتمامها استأنفوا ظهرًا، ومن أدرك مع الإمام منها ركعة أتمها جمعة، وإن أدرك أقل من ذلك أتمها ظهرًا إذا كان نوى الظهر، ويشترط تقدم خطبتين، ومن شرط صحتهما).
الشيخ: (من شرط) عندك (ومن) بالواو.
طالب: نعم.
الشيخ: بعض النسخ ما هي واو.
طالب: بالإسقاط.
الشيخ: نعم.
الطالب: ومن شرط صحتهما حمد الله، والصلاة على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وقراءة آية، والوصية بتقوى الله عز وجل، وحضور العدد المشترط.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ماذا نقول فيما لو خرج وقت الجمعة قبل صلاتها؟ يعني قبل مقدار التحريمة
طالب: يصلون ظهرًا.
الشيخ: إذا خرج وقتها قبل تكبيرة الإحرام ماذا يصلون؟
طالب: يصلون ظهرًا.
الشيخ: يصلون ظهرًا.
طالب: على قول المؤلف.
الشيخ: نعم، وعلى قولك؟
طالب: وعلى قولي يصلون جمعة.
الشيخ: إي.
طالب: إذا كان ركعة (... )..
الشيخ: لا، هم ما أدركوا ولا تكبيرة الإحرام، خرج الوقت قبل أن يدركوا ولا تكبيرة الإحرام.
طالب: يصلون الظهر.
الشيخ: ظهرًا، ما فيه خلاف.
طالب: اللي أعرفه (... ) لكن الصحيح..
طالب آخر: نعم يا شيخ، إذا لم يدركوا تكبيرة الإحرام يصلون ظهرًا، وهذا على قول المؤلف، والصحيح أنهم لا يصلون الجمعة إلا إذا أدركوا من وقتها مقدار ركعة.
الشيخ: أقول: لم يدركوا ولا تكبيرة الإحرام، يا جماعة الذي لم يدرك تكبيرة الإحرام ما هو مدرك ركعة ويش (... ) أنتم؟
طالب: هذا ليس فيه خلاف، يصلون ظهرًا.
الشيخ: إذن قول الأخ يقول: إنه يرى أنهم يصلون جمعة.
طالب: هذا شاذ يا شيخ، ما يصح.
الشيخ: إي أو مخالف للإجماع، الظاهر على كل حال من شرط الجمعة ذكرنا لكم من شرطها أيش؟
طالب: الوقت.
الشيخ: الوقت لا تصح في غير وقتها، الظهر تقضى إذا فات الوقت، أما هي لا.
إذا أدركوا ما بين التكبيرة والركعة؟ يعني أدركوا أكثر من تكبيرة الإحرام ودون الركعة، فماذا يصلون؟
طالب: المصنف يقول: إذا أدرك تحريمة فيصلي جمعة.
هناك قول آخر هو قول صحيح إذا أدرك ركعة..
الشيخ: هذا المثال اللي ذكرت لك أدركوا أقل من الركعة وأكثر من تكبيرة الإحرام ماذا يصلون؟
طالب: على قول المصنف يصلي جمعة، وعلى قول آخر ما يصلي.
الشيخ: أحسنت، أيهما أرجح؟
الطالب: القول الثاني.
الشيخ: دليله؟
الطالب: دليله الحديث، ومن أدرك ركعة.
الشيخ: دليله «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (9)، وهذا عام في جميع الإدراكات، تمام هذا الصحيح.
جماعة يبلغون العشرة مستوطنون في قرية، هل تلزمهم الجمعة أو لا؟
طالب: ما ذهب المؤلف أنه لا تلزمهم.
الشيخ: نعم، لماذا؟ ما الذي أدراك أن المؤلف يرى أنها لا تلزمهم؟
طالب: لأنه اشترط أن يكون العدد أربعين.
الشيخ: اشترط أن يكون العدد أربعين، وهؤلاء؟
الطالب: أقل من أربعين، عشرة.
الشيخ: عشرة، القول الثاني؟
طالب: القول الثاني أنه تجب عليهم الجمعة.
الشيخ: تجب عليهم الجمعة وتصح معلوم إذا وجبت صحت، أيهما أرجح فيما ترى؟
الطالب: القول الثاني.
الشيخ: ما دليل رجحانه؟
طالب: دليل رجحانه أنهم جماعة، وكذلك إذا كانوا عشرة فإنها تجب عليهم، أحمد وأبو داود «إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً فِي قَرْيَةٍ لَا يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ» (10) (... ) أكثر من ثلاثة.
الشيخ: أحسنت، ما جوابك عما استدل به المؤلف يعني ومن تبعه في أن الرسول عليه الصلاة والسلام بعث مصعب بن عمير إلى أهل المدينة فجمع بهم وكانوا أربعين؟
طالب: أولا: نقول بمخالفة صحة الحديث، إذا صح نقول: إن هذا وقع اتفاقًا لا قصدًا، وما وقع اتفاقًا لا (... ) شرعًا في التشريع.
الشيخ: صح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إي نعم.
فيه جماعة سافروا لطلب العلم ونزلوا في قرية ليس فيها أحد من المسلمين، وكانوا مئتين، وسيبقون خمس سنوات في هذه القرية لطلب العلم، فهل تلزمهم الجمعة أو لا؟
طالب: لا تلزمهم.
الشيخ: لا تلزمهم، يبلغون مئتين.
الطالب: ولو بلغوا مئتين.
الشيخ: هل تصح منهم؟
الطالب: تصح منهم بغيرهم.
الشيخ: لا، ما فيها أحد، كل القرية ليسوا مسلمين.
الطالب: ما تصح منهم.
الشيخ: لا تصح.
طالب: إي نعم، إن صلوا جمعة فهي باطلة.
الشيخ: إي نعم، هل لديك شيء تستشهد به من كلام المؤلف؟
الطالب: إي نعم، أنه اشترط أن يكونوا مستوطنين.
الشيخ: اشترط أن يكونوا مستوطنين، وهؤلاء؟
الطالب: غير مستوطنين.
الشيخ: ليسوا بمستوطنين، تمام، صح، لكن فيها رأي آخر كما ذكرنا لكم؛ أنه ليس بشرط، ما دام اجتمعوا في قرية فإنها تلزمهم ولو كانوا غير مستوطنين، لكن المذهب أنها لا تلزمهم، وبناء على ذلك فالطلبة الذين يدرسون في الخارج في بلاد كافرة ولو بلغوا مئتين أو ثلاث مئة إذا لم يكن معهم مستوطنون إما أربعون على كلام المؤلف أو ثلاثة على القول الثاني فإنه لا تصح منهم الجمعة ولا تلزمهم.
طالب: الصحيح؟
الشيخ: الصحيح والله أنا أتوقف في هذا، لكن لو أنهم جمعوا ما فيه شيء إن شاء الله.
يقول المؤلف رحمه الله: (أن يكونوا بقرية مستوطنين) القرية قلنا: إنها تعم المدينة والبلد والمصر والقرية الصغيرة، وذكرنا شاهدًا لهذا من كتاب الله عز وجل، وهو قوله تعالى ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: 13]، ومعلوم أن قريته التي أخرجته هي مكة، وهي أم القرى، وسماها الله قرية.
يقول المؤلف: (وتصح فيما قارب البنيان من الصحراء): (وتصح) أي: الجمعة (فيما قارب البنيان من الصحراء) يعني أن أهل القرية لو أقاموا الجمعة خارج البلد في مكان قريب فإنها تصح، يعني لا يشترط أن تكون إقامتها في نفس البلد، بل إذا أقيمت خارج البلد فإن ذلك لا بأس به، بشرط أن يكون الموضع قريبًا، مثلًا: مصلى العيد يكون في الصحراء قريبًا من البلد، فلو أنهم خرجوا وصلوا الجمعة هناك فإن صلاتهم صحيحة؛ لأنهم في الحقيقة لم يخرجوا عن القرية.
وقول المؤلف رحمه الله: (فيما قارب البنيان من الصحراء) يفهم منه أن ما كان بعيدًا لا تصح فيه الجمعة، يعني: لو أن أهل القرية خرجوا في نزهة بعيدًا عن البلد، وأقاموا الجمعة هناك في مكان النزهة البعيد عن البلد فإنها لا تجزئ؛ لأنهم انفصلوا عن البلد، انفصلوا عنها.
فإذا قال قائل: هل القرب هنا محدد بالعرف أو محدد بالمسافة أو ماذا؟
قلنا: إن العلماء إذا أطلقوا الشيء ولم يحددوه يرجع في ذلك إلى العرف، كما أن الشارع كذلك يعني الكتاب والسنة، إذا أطلق الشيء فيهما وليس له حد شرعي فإن مرجعه إلى العرف، هذه قاعدة مفيدة، وعلى ذلك قال الناظم: وَكُلُّ مَا أَتَى وَلَمْ يُحَدَّدِ بِالشَّرْعِ كَالْحِرْزِ فَبِالْعُرْفِ احْدُدِ
هذا يُعتبر قاعدة.
وقول الناظم: كالحرز يعني بذلك حرز الأموال، فمثلًا: أودعتك وديعة، ووضعتها في مكان غير محرز، وسُرقت، فعليك الضمان.
ما الذي يدلنا أن المكان محرز أو غير محرز؟
طلبة: العرف.
الشيخ: العرف، إذا قال الناس: هذا الرجل مفرط أن يضع المال في هذا المكان، فهذا غير محرز.
في السرقة أيضًا يشترط للقطع في السرقة أن تكون من حرز، فلو سرقها السارق من غير حرز فلا قطع عليه؛ لأن المفرط من؟
طالب: المسروق.
الشيخ: أهل المال.
مثلًا: إنسان أخذ صرة من الدراهم ووضعها عند باب الدكان، ونسي أن يدخلها الدكان، جاء رجل في الليل وسرقها، نقطع يده؟
طلبة: لا.
الشيخ: والسارق.
طالب: ليس من حرز.
الشيخ: ليس من حرز، إذن ما يقطع؛ لأنها ليس من حرز أهلها، هم المفرطون.
لو أنه وضعها داخل البيت ووضعها على الصندوق، لكن لم يدخلها، والبيت دائمًا مفتوح الباب فسرقت.
طالب: لا يقطع.
الشيخ: لا تقطع اليد.
طالب: تقطع.
طالب آخر: لا تقطع.
الشيخ: إذن فيها قولان لأهل العلم: قول تقطع وقول لا تقطع، الواقع أن هذا الذي يضعها على الصندوق والباب دائمًا مفتوح هل هو مفرط ولَّا غير مفرط؟
طلبة: مفرط.
الشيخ: مفرط، الباب مفتوح، كل يدخل، لاسيما إذا ضعف الأمن؛ لأن هذه المسألة تختلف باختلاف قوة السلطان، قد تكون السلطة ضعيفة، يتجرأ السراق، يدخلون البيوت، قد تكون السلطة قوية فيرتدع الناس.
على كل حال، في وقتنا هذا لا يعتبر هذا المكان حرزًا للدراهم إذا كان الباب دائمًا مفتوحًا، فلو سرق السارق من هذه الدراهم التي على هذا الصندوق فإنها لا تقطع يده، أعرفت؟ ارفق بالناس جزاك الله خيرًا.
على كل حال، هذا معنى قول الناظم: (كالحرز)، فالحرز ما حده الشرع، فيرجع فيه إلى العرف.
إذن قول المؤلف: (تصح فيما قارب البنيان) لو قال قائل: حددوا لنا القرب.
قلنا: المؤلف أطلق، وإذا أطلق يرجع فيه إلى العرف، فلو أن أهل القرية مثلًا هنا في عنيزة ذهبوا إلى عشرة كيلو وأقاموا الجمعة هناك، ناس خرجوا ما لهم شغل قالوا: نخرج يوم الجمعة للنزهة ونقيم الجمعة هناك عشرة كيلو، ما تقولون؟
طلبة: تصح.
الشيخ: عشرة كيلو عن البلد.
طالب: ما قاربوا البنيان.
الشيخ: ما قاربوا البنيان، هذا بعيد، ولهذا لو جاء أحد يشوفهم يصلون (... ) ويش اللي يصلون هذا ما فيه شك أنه بعيد عشرة كيلو، تراه بعيدًا يا جماعة، بعيد ولا ينسب للبلد، لكن لو جاؤوا على طرف البنيان وأقاموا الجمعة، كل يعرف أن هؤلاء هم أهل هذه البلد، واضح؟
وهذا أيضًا إشارة إلى خلاف؛ لأن بعض العلماء يقول: لا يجوز أن تقام الجمعة إلا في البنيان، حتى أهل القرية لو خرجوا قريبًا من البنيان فإنها لا تجزئ، لا بد أن تقام في نفس البنيان، لكن كلام المؤلف صحيح، بدليل أن الرسول عليه الصلاة والسلام أقام صلاة العيد في الصحراء قريبًا من البلد.
ثم قال المؤلف: (فإن نقصوا قبل إتمامها استأنفوا ظهرا) انتبهوا لهذه المسألة (نقصوا) الواو تعود على العدد، يعني إن نقصوا عن العدد واحدًا استأنفوا ظهرًا، يعني معناه بطلت صلاتهم، ووجب عليهم أن يستأنفوا ظهرًا.
مثاله: دخلوا في الجمعة على أنهم أربعون، ثم أحدث أحدهم وخرج، يقول المؤلف: يستأنفون ظهرًا؛ لأنه يشترط أن يكون العدد المطلوب من أول الصلاة إلى آخرها، من أولها إلى آخرها.
وقوله رحمه الله: (استأنفوا ظهرًا) يستثنى من ذلك ما إذا كان الوقت متسعًا لإعادتها جمعة، فإن اتسع الوقت لإعادتها جمعة بحيث حضر الرجل الذي ذهب يتوضأ، والوقت متسع، فإنه يلزمهم إقامتها جمعة؛ لأن الجمعة فرض الوقت، وقد أمكن إقامته، إذن كلام المؤلف ليس على إطلاقه، يحتاج إلى قيد، فنقول: استأنفوا ظهرًا ما لم تمكن إعادتها جمعة، فإن أمكن وجب أن تعاد جمعة.
هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، وقال بعض العلماء: بل يتمونها جمعة؛ لأن الصلاة انعقدت على وجه صحيح، فإبطالها بعد انعقادها يحتاج إلى دليل، وإذا لم يكن هناك دليل فإنه يبنى آخرها على أولها، فإذا دخلوا على أنهم أربعون ثم أحدث أحدهم وذهب يتوضأ قلنا: أتموا أيش؟
طلبة: جمعة.
الشيخ: أتموا جمعة.
القول الثالث في المسألة قول وسط، وخير الأمور الوسط، والغالب أن الوسط من أقوال العلماء الغالب عليه أنه يكون هو الصحيح الراجح، يقول: إن نقصوا بعد أن أتموا الركعة الأولى أتموا جمعة، يعني إذا كان النقص في الركعة الثانية كما بعد أتموا جمعة، وإن نقصوا في الركعة الأولى استأنفوا ظهرًا ما لم يمكن إعادتها جمعة، وهذا اختيار الموفق رحمه الله، صاحب أصل هذا المختصر، صاحب من؟ المقنع الذي هذا مختصره الكتاب، وهذا القول هو الراجح.
ودليله قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (9).
أما القول الذي يقول: إنهم يتمونها جمعة مطلقًا، ويقولون: إنهم ابتدؤوا الصلاة على وجه صحيح فنحتاج إلى دليل على بطلانها.
فنقول: الدليل أن هذه الصلاة من شرط صحتها العدد، فإذا فقد الشرط في أثنائها بطلت، كما لو أحدث في أثنائها، أو انكشفت عورته، أو ما أشبه ذلك.
فالقول الوسط في هذه المسألة أن يقال: إن نقصوا قبل أتموا.
طلبة: قبل إتمام ركعة.
الشيخ: قبل أن يصلوا ركعة، إن نقصوا قبل أن يصلوا ركعة استأنفوا ظهرًا ما لم تمكن إعادة الجمعة، وإن نقصوا بعد أن صلوا ركعة يتمونها ظهرًا.
طلبة: جمعة.
الشيخ: جمعة، يتمونها جمعة، الدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ»، وهؤلاء أدركوا ركعة تامة من الجمعة، فيصلون جمعة كما أن الإنسان لو أدرك من صلاة الجمعة ركعة كاملة ماذا يصلي؟
طالب: يصلي جمعة.
الشيخ: يصلي جمعة، مع أنه سيصلي الركعة الثانية وحده.
يقول: (استأنفوا ظهرًا)، (ومن أدرك مع الإمام منها ركعة أتمها جمعة، وإن أدرك أقل من ذلك أتمها ظهرًا إذا كان نوى الظهر)، (من أدرك مع الإمام منها ركعة)، (مع الإمام) إمام الجمعة.
(منها) أي: من الجمعة، (ركعة) ركعة تامة بسجدتيها أتمها جمعة.
دليله: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ».
(وإن أدرك أقل من ذلك) متى يدرك أقل من ذلك؟ يدرك أقل من ذلك إذا جاء بعد رفع الإمام رأسه من ركوع الثانية، صح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: تأملوا يا جماعة.
يدرك أقل من ركعة إذا جاء بعد أن رفع الإمام رأسه من ركوع الركعة الثانية، وكأن بعضكم يفكر أنها الركعة الأولى.
طلبة: لا.
طالب: الصحيح من الثانية.
الشيخ: متفقون على هذا من الركعة الثانية؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إذا جاء بعد أن رفع الإمام رأسه من ركوع الركعة الثانية فهنا لم يدرك شيئًا، أدرك أقل من ركعة فيتمها ظهرًا، لكن اشترط المؤلف (إذا كان نوى الظهر) صح؟
طالب: نعم.
الشيخ: يشترط شرط آخر، ودخل وقته إذا كان نوى الظهر وقد دخل وقت الظهر؛ لأن فيه احتمالًا أن تصلى الجمعة قبل الزوال، فإذا صليت قبل الزوال وأدرك منها أقل من ركعة فإنه لا يتمها جمعة، بل يتمها ظهرًا، وهنا نقول: الظهر ما دخل وقته، إذن يتمها نفلًا، ثم إذا دخل وقت الظهر صلى الظهر، فيشترط إذن، يشترط لمن أدرك مع الإمام أقل من ركعة يشترط لإتمامها ظهرًا شرطان، قلهما.
طالب: إذا كان نوى الظهر، والشرط الثاني دخول وقت الظهر.
الشيخ: أحسنت، إذا كان نوى الظهر، والثاني إذا كان قد دخل وقته.
أنا قلت: يُشترَط شرطانِ، وأَصر إلا أن يقول: يُشترَط شرطينِ، والصواب شرطان.
وأنا أقول لكم: الزموا في المثنى الألف دائمًا من أجل ألا يغلطكم أحد، يعني مثلًا لو قلت: قام الرجلان صحيح.
طالب: (... ).
الشيخ: نعم، ورأيت الرجلان قائمان؟
الأول صحيح والثاني غلط على اللغة الفصحى، لكن يمكن لو يجيء واحد يرد عليه، والإنسان ما يحب أحدًا يرد عليه، قال: يا أخي، أنت ما لك أنك تحتكر اللغات، أنا على لغة من يلزم المثنى الألف مطلقًا، يعني فيه ناس من العرب يقول: قدم الرجلان فأكرمت الرجلان ونظرت إلى الرجلان، فهذه فيها فسحة لطالب العلم اللي ما يعرف النحو.
على كل حال أقول: يُشترط لمن أدرك مع الإمام أقل من ركعة لإتمامها ظهرًا شرطان: الشرط الأول: أن يكون نوى الظهر، والثاني: أن يكون قد دخل وقتها.
فإن لم ينو الظهر دخل مع الإمام بنية الجمعة؛ لأنه يظن أن هذه هي الركعة الأولى، يعني جاء والإمام قد قال: سمع الله لمن حمده من الركعة الثانية، فظن أنها الركعة الأولى، فدخل بنية الجمعة، ثم تبين أنها الركعة الأخيرة، فماذا يصنع؟ كلام المؤلف يدل على أنه يتمها نفلًا؛ لأنه لم ينو الظهر، وعلى هذا يحتاج الإنسان إذا جاء إلى الجمعة بعد أن رفع الإمام رأسه من الركوع وهو لا يدري هل هي الأولى ولَّا الثانية يحتاج أن ينتظر؛ لأنه الآن لو دخل مع الإمام لم يدرك شيئًا ينتظر، فإن جلس الإمام للتشهد دخل معه بنية الظهر، وإن قام دخل معه بنية الجمعة.
القول الثاني في المسألة: يقول: ادخل معه بنية الجمعة، فإذا تبين أنك لم تدرك ركعة، فانوها ظهرًا بعد سلام الإمام، وقال: إن هذا هو الذي لا يسع الناس إلا العمل به، خصوصًا العامة؛ أي عامي يدخل مع الإمام حتى لو كان يعلم أنها الركعة الثانية وقد فاته ركوعها، ماذا ينوي العامي؟ سينوي الجمعة، ثم إذا سلم الإمام فمن العامة من يتمها جمعة أيضًا، ومنهم من يتمها ظهرًا، لكن لا ينوي الظهر إلا بعد أن يسلم الإمام، وهذا القول هو الصحيح؛ لأن الظهر فرع عن الجمعة، فرع عنها، فإذا انتقل من جمعة إلى ظهر فقد انتقل من أصل إلى بدل، وكلاهما فرض الوقت.
وهذه في الحقيقة قد تنخرم علينا القاعدة التي يقال فيها: (إن الانتقال من معين إلى معين يبطل الأول، ولا ينعقد الثاني به) معلوم الكلام هذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، يعني مثلًا: إنسان دخل في الصلاة بنية الظهر ناسيًا، ثم ذكر أنه الآن في وقت العصر، وأنه صلى الظهر من قبل، في أثناء الصلاة نواها عصرًا، ماذا نقول له؟
نقول: طبعًا الظهر بطلت؛ لأنك أبطلتها، والعصر لم تنعقد؛ لأنك لم تنوها عصرًا من أولها، والمعين لا بد أن تنويه من أوله، كل معين لا يصح أن ينوى من الأثناء لكن نقول: هذه المسألة يمكن أن تستثنى من القاعدة بناء على أن الظهر بدل عن الجمعة إذا فاتت فهي فرع لها، وهو لم ينتقل من شيء مغاير من كل وجه.
يقول رحمه الله: (ومن أدرك مع الإمام منها ركعة، وإن أدرك أقل من ذلك أتمها ظهرًا إذا كان نوى الظهر).
طالب: (... ).
الشيخ: شرط ثان.
طالب: ودخل (... ).
الشيخ: إذا كان نوى الظهر الشرط الثاني ودخل وقتها.
هنا تكلم في الشرح على مسألة مهمة تعتري الناس في أيام موسم الحج والعمرة في المسجد الحرام، وهي ما إذا زحم الإنسان عن السجود أو عن الركوع، نقرؤها لأنها مفيدة: قال: (ومن أحرم مع الإمام، ثم زحم عن السجود، لزمه السجود على ظهر إنسان أو رجله).
إنسان دخل مع الإمام الجمعة، لكن الناس متضايقون، فلما جاء يسجد ما وجد مكانًا يسجد فيه، لما كانوا قيامًا فيه مكان عند السجود ما وجد، نقول: يجب عليك أن تسجد على ظهر إنسان، أو على رجل إنسان.
لكن هذا يخشى منه أن الإنسان المسجود عليه يقاتله، وكثير من العوام ما يعرفون عن حكم هذا، لو كان طالب علم يمكن يقول: نعم، له أن يسجد على ظهري، لكن إذا كان عاميًّا فيا ويله منه.
على كل حال هذا كلام العلماء رحمهم الله، يقول: يسجد على ظهر إنسان أو رجله.
ثم قد يكون الإنسان الذي أمامه أحيانًا يكون مع الضيق تكون أمامك امرأة ما يمكن تسجد على ظهرها، لكن هذا كلام المؤلف.
فيه رأي آخر يقول: إذا زحم فإنه ينتظر حتى يقوم الناس، ثم يسجد، ويكون التخلف هنا عن الإمام لعذر.
وفيه رأي ثالث يقول: تومئ إيماء، تجلس وتومئ بالسجود إيماء؛ لأن الإيماء للسجود قد جاءت به السنة عند التعذر، بخلاف التخلف عن الإمام، التخلف عن الإمام ما يأتي إلا لعذر، لا يمكن للإنسان أن يتابع الإمام فيه، وهنا تمكن المتابعة بأن يجلس ثم يومئ بالسجود، وهذا القول أقرب، ويليه القول بأنك تنتظر، ثم تسجد بعد الإمام، وأما القول بأنك تسجد على ظهر إنسان أو رجله فإنه ضعيف؛ لما يلزم عليه من التشويش التام على المسجود عليه، ثم ما ظنكم إذا كان الساجد كبير الجسم وكان المسجود عليه صغير الجسم، يعني خطر في الحقيقة، أنا لا أقول هذا من أجل أنه على سبيل الفكاهة لكن على سبيل الحقيقة، المسألة هذه عندما يتدبرها الإنسان كلما تدبرها الإنسان وجد أن هذا القول ضعيف.
على كل حال إذا أدرك ركعة تامة بسجدتيها فإنه يتم.
يقول: (فإن لم يمكنه) إن لم يمكنه أيش؟ السجود على ظهر إنسان أو رجله (فإذا زال الزحام) ينتظر حتى يزول الزحام، وهذا الحمد لله فيه فسحة، إذا كان لا يمكنه أن يسجد فإذا زال الزحام.
ثم إننا نقول: في الحقيقة أن السجود على ظهر الإنسان لا تتأتى به صورة السجود، لماذا؟ لعلو الإنسان، السجود يكون وجهه مساويًا محاذيًا لرجليه، وهنا لا يمكن، خصوصًا إذا كان الساجد أيضًا رفيعًا، فالسجود لا تتحقق صورته بالسجود على ظهر إنسان.
يقول: (وإن أحرم، ثم زحم، وأخرج عن الصف، فصلى، فذا لم تصح) هذه عاد مسألة الفذية، لو أنه زحم وعجز على أن يطيق الوقوف في الصف حتى خرج، فإنه على المذهب لا تصح صلاته؛ لأنه فذ.
والصحيح أن صلاته تصح؛ لأنه معذور في الفذية.
فإذا كان قد صلى الركعة الأولى في الصف فإنه إذا زحم حتى خرج من الصف حتى على المذهب ينوي الانفراد ويتمها جمعة؛ لأنه أدرك ركعة كاملة، فيتمها جمعة.
طالب: شيخ، المخيمات الطلابية غالبًا ما تكون في الخميس والجمعة، فلو ما (... ).
الشيخ: ما يقيمون الجمعة إذا كانوا بعيدين، لكن يلزمهم إذا كانوا قريبين من البلد أن يدخلوا إلى البلد.
طالب: إذا كان البعد مثلًا فوق الثلاثين.
الشيخ: لا، إذا كان البعد فوق الثلاثين يصلون ظهرًا.
الطالب: والعشرين.
الشيخ: والعشرين، حتى لأنهم يقول العلماء: إذا كان بينهم وبين المسجد أكثر من فرسخ فإنها لا تلزمهم.
طالب: أحسن الله إليك (... ) إذا كانوا مقابل البنيان أن يصلوا في مكانهم أو يدخلوا داخل المدينة ويصلوا.
الشيخ: لا، يجب أن يدخلوا المدينة؛ لأنه لا يجوز تعدد الجمع كما سيأتينا إن شاء الله.
طالب: (... ) ركعة إنسان يصلي (... ).
الشيخ: دخل مع الإمام وهو يصلي صلاة الجمعة.
طالب: ولم يعلم هل هذه الركعة الأولى أم الركعة الثانية، فنقول: القول فيه قول لبعض العلماء أنه ينتظر.
الشيخ: على المذهب.
طالب: ينتظر (... ).
الشيخ: حتى يعرف أنها الثانية أو الأولى.
طالب: (... ).
الشيخ: نعم، هو الرجل سيصلي لكن بس تأخر لأجل أن يصحح النية، هل ينوي ظهرًا أو ينوي جمعة.
قال المؤلف: (ويشترط تقدم خُطبتين) أو خِطبتين؟ خُطبتين بالضم؛ لأن الخِطبة بالكسر: خِطبة النكاح، يعني أن يخطب الرجل امرأة، والخُطبة بالضم خطبة الوعظ، وما أشبه ذلك.
يشترط يعني لصحة الجمعة تقدم خطبتين، أن يتقدمها خطبتان، فإن لم يتقدمها خطبتان لم تصح.
ويدخل في ذلك ما إذا لم يتقدمها شيء من الخطب، وما إذا تقدمها خطبة واحدة.
فإن خطب خطبة واحدة تصح ولَّا لا؟
طلبة: لا تصح.
الشيخ: لا تصح؛ لأنه يلزم تقدم خطبتين، لم يتقدم شيء؟
طالب: (... ).
الشيخ: لا تصح.
تأخرت الخطبتان بعد الصلاة، لا تصح، إذن تقدم خطبتين يخرج منه ما لو لم يتقدم شيء أو تقدم خطبة واحدة، أو تأخرت الخطبتان، ففي هذه الصور الثلاث لا تصح الجمعة، لا بد أن يتقدم خطبتان.
ما هو الدليل؟ هناك عدة أدلة:
الدليل الأول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9]، فأمر بالسعي إلى ذكر الله من حين النداء، ومعلوم بالتواتر القطعي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أذن المؤذن يوم الجمعة خطب، إذن فالسعي إلى الخطبة واجب، وما كان السعي إليه واجبًا فهو واجب؛ لأن السعي وسيلة إلى إدراكه وتحصيله، فإذا وجبت الوسيلة وجبت الغاية.
هذا دليل.
الدليل الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم الكلام والإمام يخطب، وهذا يدل على وجوب الاستماع إليهما، ووجوب الاستماع إليهما يدل على وجوبهما وأنه لا بد من خطبتين.
الدليل الثالث: مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم عليهما مواظبة غير منقطعة، فلم يأت يوم من أيام الجمعة لم يخطب فيه النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا الدوام المستمر صيفًا وشتاءً، شدةً ورخاءً، يدل على وجوبهما.
الدليل الرابع، وهو تعليل، أنه لو لم يجب لهما خطبتان لكانتا كغيرهما من الصلوات، لا يستفيد الناس من التجمع لهما.
ومن أهم أغراض التجمع لهذه الصلاة الموعظة وتذكير الناس، فلو لم تجب الخطبتان لم يكن هناك فائدة.
فهذه عدة أدلة، صارت خمسة الآن؟
طلبة: أربعة.
الشيخ: أربعة، تدل على وجوب خطبتين للجمعة.
ثم قال المؤلف: (من شرط صحتهما: حمد الله) يعني أن الخطبتينِ لهما شروط لا تصحان بدونها، الشرط الأول: حمد الله؛ أن يحمد الله بأي صيغة، سواء كانت الصيغة اسمية أم فعلية، أي: سواء قال: الحمد لله، أو قال: أحمد الله، أو قال: نحمد الله، المهم أن يحمد الله فيهما، وسواء كان الحمد في أول الخطبة أم في آخرها، المهم أن يوجد فيها حمد، لكن الأفضل أن يكون في الأول.
ما هو الدليل؟ الدليل قول النبي عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ أَمْرٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ» (11)، وهذا أحد ألفاظ الحديث، والأبتر: الناقص البركة، مبتور، ما فيه خير ولا بركة.
ومن الأدلة على ذلك أيضًا حديث جابر في صحيح مسلم: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب حمد الله وأثنى عليه (12)، وهذا كما تعلمون دليل، قد لا يستطيع الإنسان أن يجزم ببطلان الخطبة إذا خلت من الحمد، لكن على كل حال لا شك أنه أفضل وأحسن.
من شرط صحتهما أيضًا الصلاة على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، يعني أن يصلي على الرسول باسمه، بأي اسم من أسمائه، فيقول: اللهم صل على محمد، اللهم صل على أحمد، اللهم صل على العاقب، اللهم صل على الحاشر، المهم أن يسميه.
قال بعضهم: فإن صلى عليه مضمرًا لا مظهرًا لم تصح، فلو قال: أشهد أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأي هؤلاء لم تصح الخطبة؛ لأنهم يرون أن من شرط صحتها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مظهرًا لا مضمرًا، ولكن هذا غير صحيح.
كذلك أيضًا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لا بد أن يكون لها دليل؛ لأنه يترتب عليها أنه لو خلت الخطبة من الصلاة على الرسول عليه الصلاة والسلام لبطلت الخطبة، ثم بطلت الصلاة، وهذا أمر ليس بالهين، فيحتاج إلى دليل يستند عليه المرء ليصحح عبادة المسلمين أو يبطلها، فما هو الدليل؟
قالوا: لأن كل عبادة، انتبه للدليل، ما فيه إلا تعليل، قالوا: لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله افتقرت إلى ذكر رسوله.
هذا التعليل عليل، وليس بصحيح، وما أكثر العبادات التي لا تفتقر إلى ذكر الرسول وهي تفتقر إلى ذكر الله.
لو أراد الإنسان يتوضأ يقول: باسم الله والصلاة والسلام على رسول الله؟
طلبة: (... )
الشيخ: كيف ما يقول: والصلاة والسلام على رسول الله؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يقوله، اجزموا يا جماعة.
طلبة: لا، ما يقوله.
الشيخ: ما يقول، إذن هي مفتقرة لذكر الله غير مفتقرة إلى ذكر رسول الله.
لو أراد الإنسان أن يذبح ذبيحة يقول: باسم الله والصلاة والسلام على رسول الله؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يقول، بل كره بعض العلماء أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم عند الذبح، قال: لأن هذا يؤدي إلى الشرك، حتى يكون الإنسان يذبح لله ولرسول الله.
الأذان يفتقر إلى ذكر الرسول صحيح، لكن هل يفتقر إلى ذكر الصلاة عليه؟ لا يفتقر، فالعلة هنا منتقضة، وانتقاض العلة يدل على بطلانها، ولهذا ليس هناك دليل صحيح يدل على اشتراط الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة.
ما فيه دليل.
لكن نمشي مع المؤلف، وإن رجحنا خلاف كلامه.
والصلاة على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، الصلاة على رسوله، سواء جاءت بلفظ الطلب، أو بلفظ الخبر الذي بمعنى الطلب، مثالها بلفظ الطلب؟ الصلاة على النبي بلفظ الطلب؟
طالب: اللهم صل على محمد.
الشيخ: اللهم صل على محمد، هذا طلب.
مثالها بلفظ الخبر الذي بمعنى الطلب؟
طالب: صلى الله على محمد.
الشيخ: صلى الله على محمد، صح.
شوف الطلب أن تقول: اللهم صل، تطلب من الله، والخبر اللي بمعنى الطلب تقول: صلى الله عليه، صلى الله خبر، لكن معناه الطلب.
(وقراءة آية) يعني من شرط صحتهما أيضا قراءة آية، فإن لم يقرأ آية لم تصح الخطبة، لا بد أن يقرأ آية، وإن قرأ آيتين؟
طلبة: صحيح.
طالب: (... ).
الشيخ: المؤلف يقول: قراءة آية واحدة، يعني أقل شيء، فإن قرأ آيتين فقد قرأ آية وزيادة، ولكن يشترط في الآية أن تستقل بمعنى، فإن لم تستقل بمعنى لم تجزئ، فلو قرأ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: 21] آية أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لكن ما تستقل بمعنى، من الذي نظر؟ لا يعلم.
لو قرأ ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: 64].
طلبة: ما تستقل.
الشيخ: ما تجزئ؟ ويش معنى مدهامتان؟ سوداوان، هنا يفهم منها معنى، لكن ما هما الموصوفتان بهذه الصفة؟ لو قال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2].
طلبة: تصح.
الشيخ: تصح؟
طلبة: نعم.
طالب: لا.
الشيخ: إي نعم تصح واضح؛ كلام مستقل مفهوم واضح، ما هو الدليل على اشتراط الآية؟ الدليل: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ يوم الجمعة بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: 1] يخطب بها، (13) ولكن هذا ليس بدليل؛ لأن لدينا قاعدة في أصول الفقه، وهي أن الفعل المجرد لا يدل على الوجوب، فكوننا نجعل قراءة الآية شرطًا في خطبة الجمعة الذي لا بد من وجودها قبل الصلاة فإن لم توجد لم تصح الجمعة هذا فيه نظر.
الرابع: (الوصية بتقوى الله عز وجل)، نعم الوصية لا بد منها.
الوصية: يعني أن يوصي الخطيب المستمعين بتقوى الله، سواء قال: أوصيكم ونفسي بتقوى الله، أو قال: يا أيها الناس اتقوا الله، فكل من هذا وهذا وصية، فلا بد أن يوصي بتقوى الله؛ لأن هذا هو لب الخطبة أن يعظ الناس، ويذكرهم ويلين قلوبهم، ويوصيهم بما ينفعهم.
فإن أتى بمعنى التقوى دون لفظها بأن قال: يا أيها الناس افعلوا أوامر الله، واتركوا نواهي الله، يصح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم يصح، أو قال: يا أيها الناس أطيعوا الله، أقيموا أوامره، اتركوا نواهيه، يجزئ ولَّا لا؟
طلبة: يجزئ.
الشيخ: يجزئ.
وكذلك أيضًا (حضور العدد المشترط)، يعني لا بد أن يحضر الخطبتين العدد المشترط، كم عددها على ما مشى عليه المؤلف؟
طلبة: أربعين.
الشيخ: أربعين لا بد أن يحضر أربعون من أهل وجوبها، فإن حضر الخطبة عشرون، ثم لما أقيمت الصلاة قبل أن يشرع في الصلاة أتموا أربعين، يجزئ أو لا؟
طلبة: لا يجزئ.
الشيخ: لا يجزئ، لماذا؟
طالب: لأنه يشترط أربعين.
الشيخ: حضور أربعين، لا بد أن يحضر أربعون.
لو حضر أربعون نصف الخطبة؟
طلبة: لا يجزئ.
الشيخ: لم يجزئ.
والصحيح أن تقدير العدد بأربعين ليس بصواب كما مر علينا، لكن إذا قلنا: إنه يشترط حضور ثلاثة صار لا بد من حضور الثلاثة.
هذه المؤلف يقول: (من شرط صحتهما)، من شرط و (من) هذه تدل على التبعيض، والتبعيض يدل على أن بعضًا لم يذكر، وأن ما ذكر..
طالب: (... ).
الشيخ: البعض، فهل هناك شروط أخرى؟ نقول: نعم.
من شرط ذلك أن تكون الخطبتان بعد دخول الوقت، فإن خطب قبل دخول الوقت لم تصح الخطبتان، ثم لا تصح الجمعة بعد ذلك.
وذكر بعض أهل العلم أن الشرط الأساسي في الخطبة أن تشتمل على الموعظة الملينة للقلوب، المفيدة للحاضرين، وأن هذا هو الأساس، وأن البداءة بالحمد، أو الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، أو ما أشبه ذلك كلها من كمال الخطبة، وكذلك قراءة الآية من كمال الخطبة.
ولكننا نقول هذا القول وإن كان له حظ من النظر لا ينبغي للإنسان أن يعمل به إذا كان أهل البلد يرون القول الثاني الذي هو ما مشى عليه المؤلف، لماذا؟ لأنه لو ترك هذه الشروط التي ذكرها المؤلف لوقع الناس في حرج، وصار كل يخرج من الجمعة وهو يرى أنه لم يصل الجمعة.
ومراعاة الناس في أمر ليس بحرام مما جاءت به الشريعة، فقد راعى النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه في الصوم والفطر في رمضان، وراعاهم عليه الصلاة والسلام في بناء الكعبة، ترك بناءها على قواعد إبراهيم، كل ذلك مراعاة لهم، وهذه قاعدة معروفة في الشرع، وهي مراعاة الناس في غير المحرم.
أما إذا راعاهم في المحرم فهذه تسمى مداهنة، ما هي مداراة، المداراة طيبة، لكن مداهنة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: 9] فأقول: حتى لو كان الإنسان يرى أن هذه الشروط لا دليل عليها، أو أن بعض هذه الشروط لا دليل عليه، فإنه لا ينبغي أن يؤم الناس بما يرى وجمهور الحاضرين معه يرون أنه شرط، وذلك واضح؛ لأن فيه إزالة الحرج عن قلوبهم، وفيه التأليف، وهل أنت إذا فعلت هذا تكون وقعت في حرام، يعني لو أتيت بهذه الشروط تكون وقعت في حرام؟ أبدًا ما وقعت في حرام.
ثم قال: (ولا يشترط لهما الطهارة) فلو خطب وهو محدث فالخطبة صحيحة؛ لأنها ذكر ليست صلاة.
ولو خطب وعليه جنابة؟
طالب: صحيحة.
الشيخ: صحيحة؟ قراءة الآية؟
طالب: لا تصح.
الشيخ: مشكلة قراءة الآية الواقع أنه إذا خطب وهو جنب ففيه مشكلتان:
المشكلة الأولى: اللبث في المسجد، لكن قد يقال: إنه يتوضأ يزول هذا بالوضوء.
المشكلة الثانية: قراءة القرآن وهو جنب، والمذهب يرون أن قراءة القرآن حرام من الجنب، فكيف تصح القراءة وليس عليها أمر الله ورسوله؟ بل عليها النهي.
قالوا: أما في الأول وهو تحريم لبث الجنب فيزول بالوضوء، وأما الثاني فلأن النهي هنا لا يتعلق بقراءة الآية في الخطبة، بل هو عام، لو ورد نهي: لا تقرأ القرآن وأنت جنب حال الخطبة، ثم قرأ قلنا: إن الخطبة لا تصح؛ لأنه فعل فعلًا محرمًا بنفس العبادة، أما قراءة الجنب للقرآن فهي محرمة على سبيل العموم، فهي لم تحرم لشيء متعلق بالخطبة.
وهذا التعليل صحيح، لكنه أحيانًا ينقض على المذهب، فقد قالوا: إن الرجل لو صلى في ثوب مغصوب فصلاته باطلة، مع أن الحكم تحريم لباس المغصوب هل هو خاص بالصلاة؟ لا، عام، ومع ذلك يقولون: إنها لا تصح الصلاة؛ لأنه ثوب محرم، ولكن الصحيح أن الصلاة تصح بالثوب المغصوب.
لو توضأ بماء مغصوب لا يصح الوضوء على كلام المشهور من المذهب؛ لأن الماء المغصوب يحرم استعماله.
والقول الثاني وهو الراجح: أنه يصح أن يتوضأ بماء مغصوب مع الإثم.
هذه المسألة قالوا: يصح أن يقرأ الآية من القرآن وهو (... ) مع الإثم، وهو مما يقوي القول الذي رجحناه الآن، وهو صحة الوضوء بالماء المغصوب، وصحة الصلاة بالثوب المغصوب، وصحة الصلاة بالبقعة المغصوبة أيضًا، نعم.
طالب: (... ) إلا قراءة الآية يخرج من الإثم؟
الشيخ: أخشى أنها ما تجزئ.
طالب: يقصد الذكر.
الشيخ: إي بس القراءة يقصد قراءة (... ).
طالب: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا.
الشيخ: إي.
طالب: يقصد الذكر؟
الشيخ: أقول: أخشى ألا يكون لأن الذي يقصد الذكر بالقرآن ما يحصل له ثواب القراءة.
طالب: (... ).
الشيخ: والله ما أدري الظاهر أنها ما تصح.
طالب: شيخ، كيف تزول الجنابة بالوضوء؟
الشيخ: لا، ما تزول الجنابة بالوضوء، لكن يجوز المكث في المسجد إذا توضأ الجنب، ولا الجنابة باقية، ولهذا لو أراد يصلي ما صح أن يصلي.
طالب: في المذهب يشترط أن يجمع بين هذه الشروط كلها (... ) أي لا بد أن يصلي (... ).
الشيخ: إي لا بد من هذه الشروط كلها، وفيه أيضًا شروط أخرى ما ذكرها الماتن، ولهذا الماتن خرج من العهدة بقوله؟
طالب: (... ).
الشيخ: كيف ما خرج؟ فاهم ما أقول ولا ما فهمته، خرج من العهدة بقوله؟
طالب: ما أدري.
الشيخ: بقوله يا جماعة؟
طالب: من شرط صحتها.
الشيخ: من شرط صحتها، علشان يخليك أنت تبحث عن الباقي.
طالب: شيخ، ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه يخطب بـ ﴿ق﴾ (... ) ولا يخطب (... ).
الشيخ: إي نعم، هذا مما يؤيد ما رجحناه أن المهم من الخطبة الموعظة وتذكير الناس.
طالب: لو قال قائل بشرطية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة، واستدل بما جاء عند الترمذي وصححه جمع من العلماء عن عمر بن الخطاب، أن الدعاء موقوف بين السماء والأرض حتى تصلي على نبيك صلى الله عليه وسلم (14).
الشيخ: نعم، هذا الدعاء، الخطبة لا يشترط أن تشتمل على الدعاء أصلًا، لو خطب الخطبتين جميعًا بدون دعاء صح، حتى على المذهب.
طالب: لكن هو (... ) الدعاء.
الشيخ: لا ما هو قطعًا أبدًا.
الطالب: الصلاة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: ما هو قطعًا يا أخي لو خطب بدون دعاء صحت الخطبة.
طالب: ثم أيضًا يا شيخ قول الخطيب: صلوا على من أمركم الله بالصلاة عليه، هذا الآن الأمر..
الشيخ: والله أنا عندي في نفسي شيء من هذا، يعني لو قال: أكثروا من الصلاة على الرسول؛ لأنه إذا قال: صلوا على من أمركم ترى بعض الناس يقول: ترى أمرنا أن نصلي الآن ولهذا تجدهم يلجون في الصلاة.
طالب: لكن هم ما يؤيدون يا شيخ أن يصلي على النبي.
الشيخ: لا، ما يؤيد هذا، حتى هذا اللي ذكرت ما كان الرسول يفعله ما كان يقول للناس: صلوا علي في وسط خطبة الجمعة.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، لو قلنا: إن الإمام يصح أن يخطب وهو جنب فتأتينا الصلاة هل الفصل بين الاغتسال للجنابة للصلاة وبين الخطبة هل هذا صحيح؟
الشيخ: ما تقولون يا جماعة؟
طلبة: (... ).
الشيخ: إي يمكن يذهب ويغتسل ويرجع.
طالب: فصل كبير.
الشيخ: لو فصل كبير ما هو بشرط الاتصال ما هو بشرط.
طالب: ويستأنف يا شيخ؟
الشيخ: لا، يصلي هذه واحد يمكن كما قال الإخوان: يصلي واحد غيره.
طالب: (... ).
الشيخ: ما يمكن؟
طالب: يمكن.
الشيخ: يمكن.
طالب: وهل هو لم يخطب يا شيخ؟
الشيخ: ولو كان سيأتينا أنه لا يشترط أن يتولاهما واحد.
طالب: جزاك الله خيرًا.
طالب آخر: إذا كان الخطيب يا شيخ أحسن الله إليك يعني بعد الخطبة الأولى (... ) ما استطاع أن يكمل الخطبة ماذا يعمل المصلون؟
الشيخ: هذا سؤال مهم يقول: لو أن الخطيب في أثناء الخطبة عجز عن إتمامها فهل يتمها الثاني أو يستأنف؟
طالب: يتمها الثاني.
الشيخ: يتمها الثاني.
طالب: تصح من اثنين.
الشيخ: تصح من اثنين.
طالب: (... ).
الشيخ: إي.
طالب: (... ).
طالب آخر: شيخ، يتمها لأنها لم يشترط الصلاة والخطبة من واحد، فأيضًا لا يشترط الخطبة أن تكون من واحد.
الشيخ: لكن الخطبة واحدة، ما هما بخطبتين، يعني لو خطب واحد الأولى وواحد خطب الثانية، وثالث صلى هذا صحيح، لكن هذا في أثناء الخطبة الأولى أصابه عذر لم يتمكن.
طالب: كلها شروط (... ) يعني كلها (... ).
الشيخ: السؤال أجب ولا تعلل.
ولا أن يَتَولَّاهما مَن يَتَوَلَّى الصلاةَ، ومِن سُنَنِهما أن يَخْطُبَ على مِنْبَرٍ أو مَوْضِعٍ عالٍ ويُسَلِّمَ على المأمومينَ إذا أَقْبَلَ عليهم ثم يَجْلِسَ إلى فَراغِ الأذانِ ويَجْلِسَ بينَ الْخُطبتينِ ويَخْطُبَ قائمًا ويَعتمِدَ على سيفٍ أو قَوْسٍ أو عصًا ويَقْصِدَ تِلقاءَ وَجهِه ويُقَصِّرَ الْخُطْبَةَ ويَدْعُوَ للمسلمينَ.
(فصلٌ)
والجُمُعَةُ رَكعتان، يُسَنُّ أن يَقْرَأَ جَهْرًا في الأُولَى بالْجُمُعَةِ وفي الثانيةِ بالمنافِقِينَ، وتَحْرُمُ إقامتُها في أَكْثَرَ من مَوْضِعٍ من البَلَدِ إلا لحاجةٍ، فإن فَعَلُوا فالصحيحةُ ما باشَرَها الإمامُ أو أَذِنَ فيها، فإن اسْتَوَيَا في إذْنٍ أو عَدَمِه فالثانيةُ باطلةٌ وإن وَقَعَتَا معًا أو جُهِلَت الأُولَى بَطَلَتا،
طالب: إذا كان الخطيب، يا شيخ، أحسن الله إليك، بعد الخطبة الأولى أتاه عذر ما استطاع أن يكمل الخطبة، ماذا يعمل، هل يصلي؟
الشيخ: هذا سؤال مهم، يقول: لو أن الخطيب في أثناء الخطبة عجز عن إتمامها، فهل يتمها الثاني أو يستأنف؟
طالب: يتمها الثاني.
الشيخ: يتمها الثاني (... ).
طالب: (... ).
طالب آخر: شيخ، يتمها؛ لأنا لم نشترط الصلاة والخطبة من واحد، فأيضًا ما نقدر نشترط الخطبة قد تكون من واحد.
الشيخ: لكن خطبة واحدة، ما هو خطبتان؛ يعني لو خطب واحد الأولى، وواحد خطب الثانية، وثالث صلى هذا صحيح، لكن هذا في أثناء الخطبة الأولى أصابه عذر لم يتمكن.
طالب: كلها شروط من شروط الجماعة؛ يعني كلها اشترط الجماعة الخطبة.