الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 2162-2201

الشيخ: أربع، عسى الله أن يعصمنا من اللي يقول: ثمانيًا، كيف تقول: ركعتين، يصلي في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، نقول: هكذا صلى النبي عليه الصلاة والسلام، وأنت أُمِرْتَ أن تصلي كما صلى، فإذن صَلِّ في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين هذا القول كما ترون قوي جِدًّا جِدًّا، وكنت أقول به أولًا، أقول بأن القصر في السفر واجب؛ لحديث عائشة، ولقول النبي عليه الصلاة والسلام: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (2)، ولأن هذا فعله مستمر، ولكن يعارض القول بالوجوب أصول: أولًا: أن المؤتَمَّ بالْمُقِيم إذا كان مسافرًا يصلي أربعًا تبعًا للإمام، ومتابعة الإمام واجبة لا شك، والزيادة على الفريضة تُبْطِل الصلاة، ولهذا لو قام إمامك إلى ركعة خامسة وأنت تتيقن أنها الخامسة وجب عليك أن تفارقه وألَّا تتابعه.
فهنا نقول: لو كان القصر واجبًا لكانت متابعة الإمام في الإتمام حرامًا، كما لو صلى إنسان الفجر خلف مَن يصلي الظهر، فإن هذا الذي يصلي الفجر خلف من يصلي الظهر لا يمكن أن يتابعه على أربع، بل إذا قام للثالثة جلس.
ولكن هذا الأصل قد يعارَض فيُقَال: إنما لا تجوز الزيادة على الأربع فيما لو قام الإمام إلى الخامسة؛ لأن هذا غير مشروع، أي: لم تُشْرَع صلاة عددها خمسة، ومتابعة المسافر للإمام الْمُتِمّ مشروعة، بل هي الأصل في صلاة الحاضر المقيم، فبينهما فرق.
وكذلك نقول فيمن صلى الفجر خلف من يصلي الظهر، نقول: لا يمكن أن يقوم معه فيتم الأربع؛ لأن صلاة الفجر لا يمكن أن تكون أربعًا، لا في حضر، ولا في سفر، بخلاف من تابع الإمام في صلاة مقصورة والإمام يُتِمُّ، فإن هذه الصلاة نفسها تصلَّى أربعًا في الحضر.
إذن هذا الأصل فيه ضعف.
الأصل الثاني: أن الصحابة رضي الله عنهم أتموا خلف عثمان بن عفان رضي الله عنه حينما صلى أربعًا في مِنًى.

وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان في أول خلافته إلى ست أو ثمانِ سنين من خلافته كان يصلي ركعتين في منى، ثم صار في آخر خلافته يصلي أربعًا، وكان الصحابة يصلون خلفه مع إنكارهم عليه، حتى إن ابن مسعود لما بلغه أنه صلى أربعًا استرجع وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون (4). فلو كان القصر واجبًا أيش؟ ما تابعوه، ما تابعه الصحابة رضي الله عنهم؛ لأنه إذا كان واجبًا فإن الإتمام معصية لله، ولا يمكن أن يتابِع الصحابة عثمان فيما يرونه معصية لله عز وجل.
ولكن هذا الأصل أيضًا ربما يعارَض بما عُورِض به الأصل الأول بأنهم إنما يتابعونه فيصلون أربعًا في صلاة تصلى أربعًا، فلا غرابة أن يدَعُوا الركعتين الواجبتين إلى واجب الاتباع، لا سيما وأنهم لاحظوا معنى آخر، وهو الخلاف بين الناس وبين خليفتهم.
ولهذا لما سُئِل ابن مسعود رضي الله عنه: كيف تصلي مع عثمان أربعًا، يعني وأنت تنكر عليه؟ قال: الخلاف شر (5). رضي الله عن الصحابة، ما أفقههم وأعمق عِلْمَهُم! يتابعون عثمان في أمر عظيم، زيادة عما هو مشروع بالعدد.
وبعض إخوتنا الذين يرون أنهم مُتَّبِعُون للسلف والسنة يخرجون من المسجد الحرام لئلا يتابعوا الإمام على دعاء الختمة.
وبعضهم لئلا يتابع الإمام على ثلاث وعشرين ركعة، وكأن ثلاثًا وعشرين ركعة من الفسوق والمعصية العظيمة التي يخالف فيها الإمام، ويخرج من المسجد الحرام من أجلها.
وبعضهم يجلس بين الناس ويتحدث إلى أخيه، وربما يجهر بالحديث من أجل أن يشوِّش على هذه الصلاة البِدْعِيَّة، الله أعلم، هل هذا قصدهم أم لا.
على كل حال، أقول: إن هذا من قلة الفقه في الدين، وقلة اتباع السلف والبعد عن منهاجهم، السلف يكرهون الخلاف، وإن اختلفت الأقوال قلوبهم متَّفِقَة، وما أُمِرُوا بالاتفاق فيه فعلوه ولو كانوا لا يرونه، وهذا من فقه الصحابة رضي الله عنهم.

وهذه المخالفات التي تقع من قلة الفقه بيننا، وبُعْدِنا عن عصر النبوة؛ عصر النور، ولهذا كلما كانت الأمة أقدم كانت للصواب أقرب بلا شك.
على كل حال، نقول: الذي يترجَّح لي، وليس ترجحًا كبيرًا، هو أن الإتمام مكروه وليس بحرام، وأن مَن أَتَمَّ فإنه لا يكون عاصيًا، أنا أقول هذا من الناحية النظرية.
لكن من الناحية العملية هل يجدر بالإنسان أو يليق به أن يفعل شيئًا يُخْشَى أن يكون عاصيًا فيه، ويقول: ما دام أنه غير واجب ما يهم؟ لا والله، لا ينبغي من الناحية المسلكية والتربوية، افعل ما يكون هو السنة، فإن ذلك أصلح لقلبك، حتى وإن كان يجوز لك خلافه.
ليس معنى ذلك إما أن يكون الشيء حرامًا أو واجبًا، أو لك الحرية، ما دام القول بوجوب القصر بهذه المثابة فلا ينبغي للإنسان أن يتم.
يعني أقل ما نقول: إن إتمامه مكروه؛ لأن النصوص تكاد تكون متكافئة، فاحرص على أن تصلي ركعتين في سفرك، ولا تَزِد على ذلك، ولكن إذا ائتممت بمن يُتِمُّ فسيأتي إن شاء الله أنه يلزمك الإتمام، لئلا تقع في المخالفة، وهذا من نظر الشرع لاتفاق الأمة؛ لئلا تقع في مخالفة إمامك أَتِمَّ، وإن كان ذلك خلاف الأولى بك لو صليت منفردًا.
يقول المؤلف: (سن قَصْر الرباعية)، خرج بالرباعية الثنائية والثلاثية فلا تُقْصَرَان؛ لعدم ورود ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولدينا قاعدة مهمة وهي أنه كما أن الفعل سُنَّة، فالترك مع وجود سبب الفعل سنة.
هذه أيضًا قاعدة مفيدة؛ ترك الشيء مع وجود سببه يكون سنة، مع أنه ترك وليس بفعل.
ولهذا أمثلة كثيرة، أذكر منها على سبيل العجلة: إذا دخل الإنسان المسجد هل يُسَنُّ له أن يتسوَّك عند دخول المسجد؟ لا، وبعض العلماء قال: بلى، يُسَنُّ له أن يتسوَّك.
مبنى ذلك على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل بيته بدأ بالسواك (6)، ولهذا يُسَنُّ لنا إذا دخلنا بيتنا أول ما ندخل أن نتسوك اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقاس بعض العلماء دخول المسجد على دخول البيت، وقالوا: إذا كان الإنسان يتسوَّك إذا دخل بيته من أجل أن يقابل أهله بطهارة فم، فكذلك إذا دخل المسجد من أجل أن يناجي ربه بطهارة فم.
فنقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل المسجد، ولم يرد عنه أنه كان إذا دخل المسجد بدأ بالسواك، ولو كان هذا سنة لفعله النبي عليه الصلاة والسلام.
إذن فالسنة تركه، السنة ألا يتسوك عند دخول المسجد، بناء على أن سبب سواكه دخول المسجد، أما لو كان الإنسان إذا دخل المسجد سيصلي ركعتين فورًا، وأراد أن يتسوك من أجل الصلاة، لا من أجل دخول المسجد، فإن هذا مشروع.


طالب: قد يقول قائل يا شيخ: عدم الصلاة مثلًا في المسجد الحرام لا يؤدي إلى فتنة، بينما صلاة عبد الله بن مسعود مع عثمان يترتب عليها.
الشيخ: نحن نقول: الموافقة؛ موافقة الأئمة، هذه سنة مفروضة، ولهذا أُمِرْتَ بالإتمام معه، وأنت مشروع لك أن تصلي ركعتين، قلنا: أتم الصلاة زيادة في عدد ركعاتها من أجل الموافقة.
الطالب: طيب نقطة الخلاف شر.. الشيخ: ما يخالف، الخلاف شر؛ لأنه رضي الله عنه في ذلك الوقت فيه نوع من الخلاف على عثمان رضي الله عنه، خصوصًا في آخر خلافته، لكن نحن نقول: حتى إن الخلاف شر هذا سبب لا شك، حتى مخالفة الإمام خلاف السنة.
الطالب: لكن لا يؤدي يا شيخ.
الشيخ: لا والله يؤدي، كيف.
الطالب: إذا خرج أحد الناس مثلًا.
الشيخ: نعم يؤدي إلى أنك خالفت ما كان الصحابة يفعلونه، يوافقون أئمتهم، إذا كنت الآن مع الإمام وأنت مسافر وهو يصلي أربعًا، تترك السنة التي هي صلاة ركعتين من أجل موافقة إمامك.
ولهذا أنا من هذا المكان ومن غير هذا المكان أنا أحث على عدم اختلاف القلوب في خلاف الآراء، يعني هذا هو اللي ضَرَّ الناس، ما ضَرَّ الأمة إلا هذا.

كون كل واحد يقول: لا، أنا برأيي هو الذي يُتَّبَع، وإذا كان في مقام يؤمَر بالاتباع والموافقة خالف، هذا غير صحيح، ولا يخدم المصلحة، وربما في يوم من الأيام يتبين لك أن الذي أنت عليه اليوم خطأ.
وهذا يقع كثيرًا، يكون الإنسان اليوم يرى أن هذا القول صواب، وفي يوم من الأيام يرى أن القول الذي عليه صاحبه هو الصواب.
فكوننا مثلًا نبعثر وحدة الأمة ونلقي الاختلاف بينها في خلاف آراء، الصحابة يختلفون في أكبر من هذا، اختلفوا في الصلاة في وقتها، ولكن قلوبهم مؤتلفة متفقة.
لَمَّا ندبهم الرسول عليه الصلاة والسلام إلى الخروج لبني قريظة قال: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» (7). وخرجوا جميعًا، فأدركتهم الصلاة، فقال بعضهم: نصلي ولا نُخْرِجُ الصلاة عن وقتها، وقال آخرون: لا نصلي إلا في بني قريظة، اتباعًا لظاهر النص.
فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يُعَنِّفْ أحدًا منهما من الطائفتين.
ومع ذلك لم يكن في قلب واحد على الآخر شيء أبدًا، فمثل هذه المسائل ينبغي ألا نبعث الخلاف أو المخالفة الظاهرة فيما بين المسلمين ما دام الاتفاق ممكنًا.
طالب: بعض الناس (... ) مدينة في بلدته مئة وخمسون كيلو متر، وقد تبعد عن دولة خمسة وعشرين أو ثلاثين كيلو متر، في عرف الناس هنا أن هذه الدولة التي تبعد ثلاثين كيلو تعتبر سفرًا، لكن في عرفهم أن المئة وخمسين كيلو هذه لا تعتبر سفرًا؟ الشيخ: إي نعم، صحيح، هذا مما يختلف فيه العرف.
الطالب: هل يصير سفرًا؟ الشيخ: إي، تعتبر (... )، نقول: إذا ذهبت إلى الدولة التي ليس بينك وبينها إلا مسافة قصيرة فأنت مسافر، وإذا كان فيه قرية على الحدود وصلتها فقد تكون غير مسافر.
طالب: أقول يا شيخ، عفا الله عنك، الأصل أنها لو كانت واجبة لما أكمل مع الإمام المقيم، ثم قلنا: يعارضه أن هذا أصل مشروع، لكن إذا قلنا: إن القصر واجب يصير ما هو مشروع أصلًا، مثله مثل الزيادة..

الشيخ: لا قصدي أنه مشروع في الجملة يعني، أن زيادة العدد مشروع في الجملة لا يبطل الصلاة.
الطالب: أما إذا كان مُفَرَّعًا على القول بالوجوب ما يدل.. الشيخ: مُفَرَّع على القول بالوجوب، ونقول: إن القول بالوجوب إذا كان الإنسان مع إمام يُتِمُّ وجب عليه الإتمام، فلو كان هذا واجبًا لقلنا: لا يصح أن تتم؛ لأن الصلاة المحصورة بعدد معين لا يجوز أن تزيد عليه ولو مع الإمام، بدليل أنك لو صليت مع إنسان يصلي الظهر وأنت تصلي الفجر مثلًا فإنه لا يجوز أن تتابعه.
الطالب: لكن عدم مشروعية الزيادة على أربع ما هي بمثل عدم مشروعية الزيادة إلى ثمانية وإذا قلت بالوجوب؟ الشيخ: لا، ما هي بمثلها، ولذلك لو زاد على الركعتين عند القائلين بالوجوب فإن كثيرًا منهم يقول: لا تبطل الصلاة، لكن يكون آثمًا.
طالب: ما هو الدليل على صحة الختمة؟ الشيخ: صحة الختمة؟ الطالب: في القرآن.
الشيخ: لا، ما فيه دليل، بل الدليل على أنها ليست مشروعة في الصلاة، على أن دعاء ختم القرآن في الصلاة ليس بمشروع؛ لأني أعلم فيه أنه ورد عن بعض السلف أو عن بعض الصحابة أنهم كانوا إذا أتموا القرآن في بيوتهم جمعوا أهليهم ودعوا الله (8)، أما في نفس الصلاة فلم نعلم في ذلك، لا عن الصحابة، ولا عن النبي عليه الصلاة والسلام.
الطالب: فلماذا لا تكون بدعة يا شيخ؛ لأنها في الصلاة؟ الشيخ: نعم، لماذا لا تكون؛ لأنها فيها تأويلًا، فالذين استحبوها من العلماء ليسوا من أهل البدع، من أهل السنة، وقاسوا حال الصلاة على حال ما كان خارج الصلاة، إي نعم.
الطالب: نقول: كل يؤخذ من قوله ويرد.
الشيخ: نعم، أنا لست أوافق على أنها مشروعة، لكن أنا أقول: إذا كانت محل خلاف ومحل اجتهاد فلا تخرج من المسجد من أجلها.

الإمام أحمد رضي الله عنه ورحمه يرى أن القنوت في الفجر ليس بسُنَّة، ومع هذا يقول: إذا ائتم بإمام يقنت في الفجر فإنه يتابع الإمام، ويُؤَمِّن على دعائه، كل هذا من أجل الاتفاق.
يعني الحقيقة أنتم ما تعرفون قدر الاتفاق، الاتفاق هذا مهم جدًّا.


الطالب: في باب صلاة أهل الأعذار في حق مَن سافر: إذا فارق عَامِرَ قَرْيَتِهِ أو خيام قومه.
وإن أحرم ثم سافر، أو في سفر ثم أقام، أو ذكر صلاة حضر في سفر، أو عكسها، أو ائتم بمقيم، أو بمن يشك فيه، أو أحرم بصلاة يلزمه إتمامها ففسدت وأعادها، أو لم يَنْوِ القصر عند إحرامها, أو شك في نيته، أو نوى إقامة أكثر من أربعة أيام، أو ملَّاحا معه أهله لا ينوي الإقامة ببلد لزمه أن يتم.
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
الذين قالوا بوجب القصر ما هو دليلهم؟ طالب: الدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان في مكة يقصر الصلاة.
الشيخ: لا.
الطالب: أو في مِنى.
طالب آخر: دليلهم حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أول ما فُرِضَت الصلاة ركعتين، زِيدَت في الحضر، وأُقِرَّت في السفر على الفريضة الأولى (3)، واستدلوا أيضًا بحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (2)، فقالوا: كما أن هذا الحديث في الهيئة فهو يدخل في حكم القَدْر.
الشيخ: ولم يتم النبي صلى الله عليه وسلم صلاة واحدة في أسفاره.
طالب: الإتمام في السفر ركعتين تمام غير قصر.
الشيخ: هذه ثلاثة، الذين قالوا بأنه سنة؟ طالب: استدلوا بأن هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في السفر القصر، وأن هدي الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقصر، وقال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي».
الشيخ: وبماذا ينفون أدلة الوجوب؟

الطالب: ينفون أدلة الوجوب، هناك تعليلان؛ التعليل الأول: أن الإنسان أو المصلي إذا كان مؤتَمًّا بمقيم وهو مسافر فإنه يُتِمُّ.
مثل لو صلى العصر يصلي أربعًا مع الإمام، فقالوا: لو كان القصر واجبًا لكان تبطل صلاته، كما لو صلى مَن يصلي الفجر خلف من يصلي الظهر، فإنه لا يُتِمُّ، إنما يصلي ركعتين ويسلِّم، فلو كان على الوجوب لصلى ركعتين ثم سلَّم.
ثم تعليل آخر، قالوا: إن عثمان صلى أربعًا فأتم الصحابة خلفه، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وفي أول خلافة عثمان كان يصلي ركعتين، فأتموا خلفه، وكذلك عبد الله بن مسعود.
(4) الشيخ: ولو كان الإتمام حرامًا ما تابعوه على ذلك.
الطالب: لأنها معصية.
طالب آخر: ثم قول النبي صلى الله عليه وسلم: هي صدقة، والصدقة لا يلزم قبولها.
الشيخ: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ».
(9) هذا نوقش الدليل، قالوا: إن الرسول قال: «فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ»، فَرُدَّ هذا بأن الأمر هنا للإباحة، بمعنى اقبلوا صدقته، يعني لا تردوها.
على كل حال، نحن رجَّحنا أن القول بأنه مستحب لا واجب أقرب قليلًا إلى الصواب، ولا سيما عندما يُقْرَأ قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: 101]، فإن هذا يدل على أن الصلاة كانت أولًا أكثر من ذلك.
ومع هذا نقول: يُكْرَهُ للإنسان أن يُتِمَّ، ولا ينبغي للإنسان أن يُعَرِّض صلاته للخطر، أما بالنسبة لصلاته إذا أتم فإنَّا ذكرنا أننا لا نعلم ماذا يقول القائلون بوجوب القصر.
لكن رأيت مذهب أبي حنيفة رحمه الله حسب كتب أصحابه أنه إن جلس للتشهد ثم قام فأتم فصلاته صحيحة، جعلًا للثنتين الزائدتين نفلًا، ولما تشهَّد تمت الصلاة الأولى وإن لم يسلِّم، أما إذا لم يتشهد التشهد الأوسط فإن صلاته تبطل.

وفيه قول ثان في مذهبهم: أن صلاته إذا أتم تبطل مطلقًا؛ لأنه أتى بركعات زائدة محرَّمة، فبطلت الصلاة.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (إذا فارق عامِرَ قريَتِه)، هذا الشرط شرط للقصر الفعلي، يعني: لا يقصر إلا إذا فارق عامرَ قريَتِه.
المفارقة ليس المراد بها إذا غابت عن نظره؛ لأنها ربما لا تغيب عن نظره إلا بعد مسافة طويلة، وقد ذُكِرَ أن زرقاء اليمامة تبصر من مسيرة ثلاثة أيام.
فالمراد بالمفارقة: المفارقة البدنية، لا المفارقة البصرية، المفارقة البدنية بمعنى أن يتجاوز البيوت، ولو بمقدار ذراعٍ، فإذا خرج عن مُسَامَتَة البيوت ولو بمقدار ذراع فإنه يعتبر مفارِقًا.
وقوله: (عامر قريته) لم يقل: بيوت قريته، بل قال: (عامر)؛ لأنه قد يكون هناك بيوت قديمة في أطراف البلد هُجِرَت وتُرِكَت ولم تُسْكَن، فهذه لا عبرة بها، العبرة بالعامر من القرية.
فإذا قُدِّرَ أن هذه القرية كانت معمورة كلها، ثم نزح أهلها أو انصاعوا إلى جانب آخر، وهُجِرَت البيوت التي من هذا الجانب فلم يبق فيها سكان، فالعبرة بمفارقة هذه البيوت التي هُجِرَت ولم تعمر، أو العبرة بالعامر؟ طلبة: بالعامر.
الشيخ: العبرة بالعامر، فإن كان في القرية بيوت عامرة، ثم بيوت خربة لا تسكن، ثم بيوت عامرة، العبرة بمفارقة البيوت العامرة، وإن كان يتخللها بيوت غير عامرة.
وقوله: (إذا فارق عامر قريته) أضافها إلى نفسه (قريته) يعني: التي يسكنها، فلو فُرِضَ أن هناك قريتين متجاورتين، ولو لم يكن بينهما إلا ذراع أو أقل، فإن العبرة بمفارقة أيش؟ قريته هو، وإن لم يفارق القرية الثانية الملاصقة أو المجاورة، ولهذا قال: إذا فارق عامر قريته.
(أو خيام قومه) كيف خيام قومه؟ يعني: إذا كانوا يسكنون الخيام فالعبرة بمفارقة الخيام، إذا فارق الخيام حَلَّ له القصر.

وعُلِمَ من كلامه رحمه الله أنه لا يجوز أن يقصر ما دام في قريته، ولو كان عازمًا على السير، ولو كان مرتحلًا، ولو كان راكبًا يمشي بين البيوت، فإنه لا يقصر حتى يبرز، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يقصر إلا إذا خرج (1)، إذا خرج وارتحل قصر، أما ما دام في البلد فإنه كان لا يقصر عليه الصلاة والسلام.
ولأن السفر هو أن يسفر الإنسان ويبرز ويخرج، كما سبق أن السفر مفارقة محل الإقامة، ومن كان في محل إقامته فإنه ليس مسافرًا.
قال المؤلف: (إذا فارق عامر قريته أو خيام قومه).
في القصيم الآن إذا خرج الإنسان إلى المطار هل يقصر في المطار؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم يقصر؛ لأنه فارق عامر قريته، جميع القرى التي حول المطار منفصلة عنه، أما من كان من سكان المطار فإنه لا يقصر في المطار، لماذا؟ لأنه لم يفارق عامر قريته.
وهل له أن يفطر في المطار؟ طالب: إي نعم.
الشيخ: نعم، له أن يفطر، يعني لو أراد أن يسافر في رمضان وخرج وبقي في المطار ينتظر الطائرة، وأقصد بذلك مطار القصيم، فإنه يفطر؛ لأنه فارق عامر قريته.
لو قُدِّرَ أن الطائرة لم تنزل ولم يحصل السفر ذلك اليوم، هل يعيد الصلاة التي كان قصرها؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأنه أتى بها بأمر الله موافِقةً لشرعه، فتكون مقبولة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (10)، فمفهومه من عمل عملًا عليه أمر الله ورسوله فهو قَبُول.
هل يلزمه إذا رجع وهو مُفْطِر ولم تأت الطائرة فرجع إلى بلده هل يلزمه الإمساك؟ طالب: لو رجع أثناء النهار يا شيخ يلزمه من أجل الحفاظ على حرمة الشهر.
طالب آخر: يلزمه الإمساك.
طالب آخر: لا يلزمه.
الشيخ: فيه قولان للعلماء، والصحيح أنه لا يلزمه، وذلك لأنه أفطر بعذر شرعي على وجه مباح، فزالت حرمة النهار في حقه، فبقي آخر النهار غير محترَم بالنسبة له.

يقول: (وإن أحرم حضرًا ثم سافر)، فيه سؤال: هذا رجل سافر من أجل أن يترخص، هل يترخص؟ طلبة: لا.
الشيخ: لأن السفر حرام، ولأنه يعاقَب بنقيض قصده، مَن أراد التحيل على إسقاط الواجب أو فِعْل المحرَّم.
الرجل التائه، إنسان تائه ضائع، خرج من بلده يتمشى، فجأة هبَّت رياح أضلته عن الطريق، فصار تائهًا، يطلب الطريق ولكنه لم يَهْتَدِ إليه، ماذا نقول؟ يقولون: إنه لا يقصر؛ لأنه لم يَنْوِ المسافة المعيَّنة، وكذلك من خرج لطلب بعير شارد يطلبه، يقولون: فإنه لا يقصر؛ لأنه لم يَنْوِ المسافة.
ولكن الصحيح أنه يقصر؛ لأن كل هؤلاء على سفر.
يقول: (وإن أحرم ثم سافر)، (أحرم) يعني: دخل في الصلاة، فالدخول في الصلاة يعتبر إحرامًا، ولهذا نُسَمِّي التكبيرة الأولى تكبيرة الإحرام.
فهذا رجل أحرم يعني كَبَّر للإحرام ثم سافر، كيف يكبر ثم يسافر، يمكن؟ يمكن، كما لو كان في سفينة، أو كان في سيارة، السفينة تجري في نهر في البلد، يشق البلد، وكانت راسية، فكَبَّرَ للصلاة، ثم مشت السفينة ففارقت البلد وهو في أثناء الصلاة.
إذن هذا أحرم في الحضر ثم سافر، فماذا يلزمه؟ يقول المؤلف: إنه يلزمه الإتمام، يلزمه أن يتم؛ لأنه ابتدأ الصلاة في حال يلزمه إتمامها، فلزمه الإتمام.
المسألة الثانية: قال: (أو في سفر ثم أقام)، يعني: أحرم بالصلاة في سفر ثم أقام، يمكن؟ طلبة: نعم.
الشيخ: كيف؟ طلبة: عكس الثانية.
الشيخ: عكس الأولى، السفينة مُقْبِلَة على البلد، والنهر قد شق البلد، فكَبَّرَ للإحرام وهو في السفينة قبل أن يدخل البلد، ثم دخل البلد، نقول: يلزمه الإتمام، لماذا؟ قالوا: لأنه اجتمع في هذه العبادة سببان؛ أحدهما يبيح القصر، والثاني يمنع القصر، فغُلِّبَ جانب المنع.

ما الذي يبيح القصر؟ السفر، وهو الذي ابتدأ الصلاة فيه، والذي يمنعه الإقامة، وهو الذي أتم الصلاة فيها، فيُغَلَّب هذا الجانب؛ لأن عند الفقهاء قاعدة: إذا اجتمع مُبِيحٌ وحاظر فالحكم للحاظر، ولَّا للحاضر؟ طلبة: للحاضر.
الشيخ: بالظاء ولا بالضاد؟ طلبة: بالضاد.
الشيخ: بالظاء الْمُشَالَة، إذا اجتمع مبيح وحاظر غُلِّبَ جانب الحظر.
ودليل هذه القاعدة قول النبي عليه الصلاة والسلام: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» (11)، وقوله: «مَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» (12)، ولها أيضًا أدلة أخرى.
هاتان مسألتان فيهما إتمام.
قال المؤلف: (أو ذَكَرَ صلاة حضر في سفر).
رجل مسافر، وفي أثناء السفر ذكر أنه صلى الفجر وعليه جنابة، يتم ولَّا لا؟ طلبة: ما فيها قصر.
الشيخ: تمام، إذن أنتم الحمد لله فيه انتباه.
في أثناء السفر ذكر أنه صلى الظهر في البلد بغير وضوء، يتمها أربعًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (13)، «فَلْيُصَلِّهَا»، يصلي هذه الصلاة بعينها إذا ذكرها، ولأن هذه الصلاة لزمته تامة فوجب عليه قضاؤها تامة، وهذا واضح.
قال المؤلف: (أو عكسها)، يعني: أو ذكر عكسها، بأن ذكر صلاة سفر في حضر، يعني لما وصل إلى بلده ذكر أنه صلى الظهر ركعتين في السفر لكن بلا وضوء.
يقول المؤلف: يلزمه أن يصلي أربعًا، لماذا؟ لأنها صلاة وجبت عليه في الحضر، القضاء، فلزمه الإتمام، ولأن القصر من رُخَص السفر، وقد زال السفر فيلزمه الإتمام.
هذا ما ذهب إليه المؤلف، ولكن القول الراجح خلافه، وأنه إذا ذكر صلاة سفر في حضر صلَّاها قصرًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا»، قال: فليصلها هي.

وهذا الرجل ذكر أنه صلى صلاة مقصورة بغير وضوء، فيلزمه أن يصليها صلاة مقصورة، ولأننا نقول كما قالوا في الأولى: هذه صلاة وجبت عليه في سفر، وصلاة السفر مقصورة، فلا يلزمه إتمامها، وهذا القول هو الراجح.
كم مسألة ذكرها؟ طالب: أربع.
الشيخ: إذا أحرم في الحضر ثم سافر، أو في السفر ثم أقام، أو ذكر صلاة حضر في سفر، أو ذكر صلاة سفر في حضر.
(أو ائتم بمقيم)، يعني: ائتم المسافر بمقيم، فإنه يتم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» (14)، ولقوله: «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» (15)، قال: ما أدركتم فصلوا، فيشمل كل ما أدرك الإنسان وما فاته فليتم.
ولأن ابن عباس سُئِلَ: ما بال الرجل المسافر يصلي ركعتين، ومع الإمام أربعًا؟ فقال: تلك هي السنة.
(16) ولأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يصلون خلف عثمان بن عفان وهم في سفر، يصلون أربعًا في منى (4)، فهذه أدلة أربعة كلها تدل على أن المأموم يتبع إمامه.
فإن قال إنسان: إذا أدرك من صلاة الإمام ركعة، من الصلاة الرباعية فبكم يأتي؟ طلبة: يأتي بثلاث.
الشيخ: يأتي بثلاث، وإن أدرك ركعتين أتى بركعتين، وإن أدرك ثلاثًا أتى بركعة، وإن أدرك التشهد أتى بأربع؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا».
(أو بمن يشك فيه) يعني: ائتم بمن يشك فيه؛ هل هو مسافر أو مقيم، وهذا إنما يكون في محلٍّ يكثر فيه المقيمون والمسافرون، مثل المطار، المطار فيه مقيمون، وفيه مسافرون، أحيانًا يكونون بعلامة، وأحيانًا يكونون بغير علامة، إن كانوا بعلامة فالأمر ظاهر.
فمثلًا إذا رأينا جنديًّا في المطار فهو مقيم، إذا رأينا شخصًا يحمل حقيبة سفر فهو مسافر، إذا شككنا ولم يوجد قرينة تؤيد أنه مسافر أو أنه مقيم فإنه يلزمه أن يتم، لماذا؟

قالوا: لأن من شرط القصر أن ينويه بنية جازمة، لا مع التردد، والإنسان إذا ائتم بمن يشك فيه لا يدري هل هو مسافر فيصلي معه ركعتين، أو مقيم فيصلي معه أربعًا.
فإن قال حينما رأى إمامًا يصلي بالناس في مكان خليط ما بين مسافرين ومقيمين: إن أتم إمامي أتممت، وإن قصر قصرت، هل يصح؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: قالوا: إنه يصح، وإن كان معلَّقًا؛ لأن هذا التعليق يطابق الواقع، فإن إمامه إن قصر ففرضه هو القصر، وإن أتم ففرضه الإتمام.
قالوا: هذا التعليق لا يضر؛ لأنه تعليق مطابق للواقع شرعًا، وعليه فيدخل معه؛ إن أتم أتم، وإن قصر قصر.
وليس هذا من باب الشك، لكن هذا من باب تعليق الفعل بأسبابه، علَّق الفعل اللي هو الإتمام والقصر بأسباب القصر أو الإتمام، ما سبب القصر؟ قصر الإمام في هذه الحال، وسبب الإتمام إتمام الإمام.
(أو بمن يشك فيه، أو أحرم بصلاة يلزمه إتمامها ففسدت وأعادها).
قوله: (أو أحرم) يعني بذلك: المسافر أحرم بصلاة يلزمه إتمامها، مثل لو ائتم بمقيم، فرضنا أنه مسافر وائتم بمقيم، فقد أحرم بصلاة أيش؟ يلزمه إتمامها، فسدت الصلاة، ثم أعادها، فإنه يلزمه الإتمام.
مثاله: أحرم مع الإمام في إقامة، يعني خلف إمام مقيم، دخل يصلي الظهر خلف هذا الإمام المقيم، كم يلزمه؟ طلبة: أربع ركعات.
الشيخ: أربع ركعات، صح؟ طلبة: نعم.
الشيخ: هذا المأموم في أثناء الصلاة أحدث وانصرف وتوضأ، ورجع ووجد الناس قد صلوا، فأراد أن يصلي لنفسه، ماذا نقول له؟ يلزمك أن تصلي أربعًا، لماذا؟ لأن هذه الصلاة إعادة لصلاة يجب إتمامها، فإنك حينما شرعت في صلاة الظهر أولًا لزمك أن تصلي أربعًا، فالصلاة وجبت في ذمتك أربعًا فيلزمك أن تصلي أربعًا.
طالب: كيف يتم إنسان لهذا الحال؟ الشيخ: إي؛ لأنه شرع مع الإمام في صلاة يلزمه إتمامها.
الطالب: فُسِخَت النية خلاص، نوى نية ثانية.
الشيخ: كأن الأخ يعارض في هذه المسألة.
الطالب: إي نعم.

الشيخ: في المسألة الثانية دخل مع الإمام المقيم وهو مسافر، ولما شرع في الصلاة ذكر أنه على غير وضوء، يجب عليه أن ينصرف، انصرف وتوضأ، فلما رجع وجد الناس قد صلوا، فما الذي يلزمه هنا؟ طالب: ركعتان.
الشيخ: نعم، لا يلزمه الإتمام؛ لأن المؤلف يقول: (أو أحرم بصلاة يلزمه إتمامها ففسدت)، فدل قوله: (ففسدت) على أن الفساد طارئ.
أما إذا ذكر أنه صلى بغير وضوء، فإن الصلاة لم تنعقد أصلًا، وعلى هذا فلا يلزمه الإتمام، في المسألة الثانية وهي ما إذا ذكر في أثناء الصلاة أنه على غير وضوء لا يلزمه الإتمام.
المسألة الأولى إذا فسدت بعد أن انعقدت، يقول المؤلف: إنه يلزمه الإتمام، ويقول الأخ: لا أُسَلِّم لهذا، ولعل قول الأخ قريب من الصواب، وذلك لأن الصلاة الأولى التي شرع فيها إنما يلزمه إتمامها أيش؟ تبعًا لإمامه لا من أصل، فهي في ذمته مقصورة، لكن يلزمه الإتمام تبعًا لإمامه، والآن وبعد أن فسدت زالت التبعية، فلا يلزمه إلا صلاة مقصورة.
وهذا التعليل أقوى من التعليل الذي ذكروه رحمهم الله، فيكونهذا القول أرجح أنه إذا أحرم بصلاة يلزمه إتمامها ففسدت وأعادها في حال يجوز له القصر، فإنه لا يلزمه الإتمام.
طالب: شيخ، الدليل على مفارقة العامر إذا قصر؟ الشيخ: أن الرسول عليه الصلاة والسلام ما كان يقصر إلا إذا خرج.
(1) يعني لم يُحْفَظ عنه أنه قصر في مكانه، هذا الراجح طالب: الحكم ثابت في مفارقة البلد في الذهاب والإياب؟ الشيخ: إي نعم، في الذهاب والإياب.
الطالب: يعني لو قدم قادم من مكة مثلًا ونزل بالمطار وهو يؤذَّن لصلاة الفجر في شهر رمضان، هل يفطر؟ الشيخ: هو ناوٍ الإفطار، يعني ما نوى الصوم؟ الطالب: قدم من مكة الآن، هو قادم إلى أهله.
الشيخ: نعم، له أن يُفْطِر.
الطالب: حتى لو كان ما بينه وبين البلد خمسة سنتي يعني؟ الشيخ: لا هذه خمسة سنتي والله ما أدري.
الطالب: إذن مفارقة البلد لغويًّا ما هو دليلها، هل هي..

الشيخ: لا واضح، إذا فارق عامرَ قريته.
الطالب: لو كان فارق مدى الخمسة سنتي ينطبق عليه.. الشيخ: لا، هذه الخمسة ما أظنها، المسألة تقريبية، السنتي ما هو بشيء.
طالب: لو قلنا مفارقة عرفية؟ الشيخ: إذا قلنا مفارقة عرفية فالناس من يوم يخرجون (... )، ولهذا لما أقبلوا على الكوفة مع علي بن أبي طالب أقبلوا على الكوفة ينظرونها قريبةً صلى ركعتين، فسألوه، قال: إنا لم ندخلها (17)، وهذا يدل على أن العبرة بنفس البلد.
طالب: في قولنا: إن الإنسان إذا كان مسافرًا أحرم في الصلاة وهو مسافر ثم دخل البلد فإنه يتم، مع أن القول بقصر الصلاة بالوجوب قول قوي، ألا يكون مرجِّحًا للقصر، والعكس؟ الشيخ: لا؛ لأن هذه الصلاة الآن اجتمع فيها سببان؛ مبيح وحاظر، فغُلِّب جانب الحظر.
الطالب: لكن هناك حاظر وهو إتمام الصلاة.
الشيخ: أيهم؟ الطالب: قصر الصلاة على الوجوب، وهو حظر الإتمام.
الشيخ: إي، لكن القائلين بالوجوب يقولون بوجوب القصر في السفر، الآن زال السفر في أثناء الصلاة، فموجِب القصر وهو السفر زال، وموجِب الإتمام وهو الإقامة وُجِدَ، واضح؟ تأمل.
الطالب: أتأمل لكن ما أقتنع.
الشيخ: لا، اقتنع.
طالب: شيخ، تعليل الفقهاء تعليلًا آخر فيمن أحرم بمقيم ثم.. الشيخ: من ائتم بمقيم؟ الطالب: إي، مسافر أحرم بمقيم.
الشيخ: يعني ائتم بإمام مقيم؟ الطالب: إي نعم، وبعد فسدت صلاته، يعني أحدث وخرج من المسجد وتوضأ، يجب عليه أربع لأجل هذا؛ لأن كل من نوى شيئًا فهو كالمنذور عليه، يعني هذا لزم عليه يصلي أربعة لأنه كالمنذور.
الشيخ: إي نعم، يعني هذا أيضًا تعليل لا بأس به؛ أنه لما شرع فيها تامة لزمته؛ لأنه التزم بها تامة، لكن هؤلاء يقولون: التزم بها تامة ثم بطلت.
الطالب: وكذلك هذا عامٌّ في الصيام كذلك، وهذا التعليل.
الشيخ: وكذلك الصيام لو أنه شرع في الصيام ثم أفطر وجب عليه القضاء.
الطالب: الصيام مستحق؟ الشيخ: لا، ما يلزم، الصحيح أنه لا يلزم.

طالب: إذا أذَّن المؤذِّن ثم شرع في السفر، المسافر بعدما يشرع يلتزم إتمام الصلاة؟ الشيخ: هذه المسألة: لو دخل وقت الصلاة وهو في البلد في الحضر، ثم سافر بعد ذلك، فإن القول الراجح أنه يصلي ركعتين اعتبارًا بفعل الصلاة، ولو كان بالعكس؛ دخل عليه الوقت وهو في السفر، ثم وصل البلد فإنه يصليها أربعًا؛ لأن العبرة بفعل الصلاة.


الطالب: قال المصنف رحمه الله تعالى في بيان المسافر الذي يجب عليه أن يتم صلاته: أو لم يَنْوِ القصرَ عند إحرامها, أو شك في نيته، أو نوى إقامة أكثر من أربعة أيام، أو ملَّاحًا معه أهله لم يَنْوِ الإقامة ببلد لزمه أن يتم.
وإن كان له طريقان فسلك أبعدهما، أو ذكر صلاةَ سفرٍ في آخر قصر.
وإن حُبِسَ وَلم يَنْوِ إقامة، أو أقام لقضاء حاجة بلا نيةِ إقامةٍ قَصَرَ أبدًا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
متى يبدأ المسافر برُخَصِ السفر؟ طالب: إذا خرج من عامِرِ قريته.
الشيخ: إذا فارق عامر قريته.
وإذا كان فيه خيام، يعني مثلًا ناس نازلين في البر كالبادية؟ الطالب: إذا فارق خيام.. الشيخ: إذا فارق خيام قومه.
رجل أحرم بالصلاة حاضرًا ثم سافر في أثناء الصلاة؟ طالب: هذا يصليها قصرًا.
الشيخ: يصليها قصرًا، لماذا؟ الطالب: على كلام المؤلف أنه يتم.
الشيخ: وعلى كلام غير المؤلف؟ الطالب: يعني يصليها قصرًا؛ لأنها غُلِّبَت العلة من الطرف الآخر.
الشيخ: لكنه ابتدأها وهو مقيم؟ الطالب: نعم.
طالب آخر: يصليها تمامًا.
الشيخ: يصليها تمامًا، ولم نذكر نحن قولًا آخر، عَلِّل؟ الطالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ».
(18) الشيخ: أيش اللي يريبنا هنا؟ الطالب: اجتمع السفر والحضر، فالذي لا يريبنا هو الحظر، وكذلك القاعدة؛ إذا اجتمع الحاظر والمبيح غُلِّبَ جانب الحظر.

الشيخ: الحظْر أي المنع.
طالب: قالوا كذلك: إنه ابتدأ الصلاة تامة فلزمه إتمامها كما بدأها.
الشيخ: لما شرع فيها تامة لزمه الإتمام؛ لأنه التزم بها.
على العكس من ذلك؛ أحرم بالصلاة مسافرًا، ثم وصل البلد؟ طالب: يتمها أربعًا.
الشيخ: يتمها أربعًا، العلة؟ الطالب: لأنه زال السبب المانع من القصر فيُغَلَّبُ جانب الحظر.
طالب آخر: لأنه اجتمع جانب الحظر وجانب المبيح للقصر، وقالوا: يُغَلَّبُ جانب الحظر.
الشيخ: يغلب جانب الحظر.
الطالب: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ».
الشيخ: هل يفرق بين ما إذا صلى ركعة أو لا؟ يعني هل يفرق بين ما إذا وصل إلى بلده بعد أن صلى ركعة وهو في السفر، أو وصل إلى بلده في أول الركعة؟ طالب: لا، ما يُفَرَّق.
الشيخ: لا يُفَرَّق؛ لأنه اجتمع سببان أحدهما مبيح والثاني حاظر فغُلِّب جانب الحظر أو الحاظر.
رجل أدرك مع إمام مقيم ركعة، والرجل المدرِك للركعة مسافر؟ طالب: يتم أربعًا.
الشيخ: يتم أربعًا.
الطالب: يقوم ويجيب ثلاثة ويتم أربعًا.
الشيخ: ما الدليل؟ الطالب: الدليل الرسول صلى الله عليه وسلم يعني ما أدركتم فأتموا.
الشيخ: ما أدركتم فأتموا؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: لا، ما أدركنا أدركنا، كيف نتم؟ الطالب: إذا مثلًا إنسان مسافر إذا صلى وراء المقيم يتابع الإمام.
الشيخ: إي نعم، لكن ما هو الدليل إذا أدرك ركعة، لماذا لا نقول: ائت بركعة وسَلِّم؟ طالب: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا».
(15) الشيخ: وجه الدلالة من هذا الحديث؟ الطالب: الإتمام.
الشيخ: إي، ما وجه الدلالة؟ الطالب: أننا أدركنا أول الصلاة الرباعية.. الشيخ: لكن لو قال قائل: هذا في الحضر، إذا ما أدركتم فصلوا، يعني في الحضر، وما فاتكم فأتموا؟ الطالب: نقول: نستشهد بحديث ابن عباس يا شيخ أنه لما سُئِلَ عن..

الشيخ: أنت الآن أتيت بدليل، وَجِّه هذه الدلالة؟ الطالب: «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا»، فالآن نحن أدركنا.. الشيخ: لو قال لك قائل: هذا فيما إذا كان مقيمًا؟ الطالب: الحديث عام يا شيخ.
الشيخ: إي، هذا هو، إذن نقول: لعموم حديث «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا».
رجل مقيم صلى خلف إمام مسافر؟ طالب: يقوم ويكمل الركعتين اللي فاته.. الشيخ: إذا سلم الإمام؟ الطالب: يكمل إذا كانت رباعية.. الشيخ: هي رباعية، ما فيه قصر إلا في الرباعية.
طالب: إي، يعني المسافر هو المأموم.
الشيخ: المأموم كان مقيمًا، والإمام كان مسافرًا، فهل يتبع إمامه في القصر كما تبعه في الإتمام في المسألة الأولى، أم ماذا؟ طالب: لا، ما يتبعه في القصر.
الشيخ: لا يتبعه في القصر؟ طالب: المسافر هو الإمام؟ الشيخ: إي نعم، والمأموم مقيم.
الطالب: يقوم ويكمل يعني الركعتين إذا كانت الصلاة رباعية اللي هو الحاضر، ما يتبع الإمام.
الشيخ: ما الدليل؟ لو قال قائل: إنا أقيسها على المسألة الثانية عكس هذه؟ طالب: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما سلَّم قال: «أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ إِنَّا قَوْمٌ عَلَى سَفَرٍ».
(19) الشيخ: لمن قاله؟ طالب: قال لمن خلفه.
الشيخ: من هم؟ طالب: الصحابة.
الشيخ: الصحابة، أهل الرياض ولَّا أهل القصيم! ! الطالب: أو حديث الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا».
(15) الشيخ: ما فاتنا شيء، الإمام صلى ركعتين وجلس وسَلَّم، وأنا داخل معه من أول الصلاة.
الطالب: لأنه ما له أي حق أن يقصر.
الشيخ: كلمة ما له أي حق هذه ما هو جواب.
طالب: اللي ذكره الأخ حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِنَّا قَوْمٌ عَلَى سَفَرٍ فَأَتِمُّوا» يشير إلى الصحابة من أهل مكة.
الشيخ: إلى أهل مكة، كان يصلي بهم عام الفتح فيقول: «يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَتِمُّوا فَإِنَّا قَوْمٌ سَفَرٌ».

رجل ذكر صلاة حضر في سفر؟ طالب: يتم.
الشيخ: متأكد؟ الطالب: إي نعم، لزم عليه أربع، وهو الإعادة لما لزم.
الشيخ: إي نعم، هذا تعليل جيد، ما فيه دليل؟ الطالب: والدليل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا».
(20) الشيخ: وجه الدلالة؟ الطالب: قال: يصلي ما هو معيَّن، الصلاة المعيَّنة الذي لزم عليه.
الشيخ: إي نعم، تمام، فليصلها، هذه تُعَيِّن الصلاة، ولهذا لو قضى صلاة نهار في ليل أَسَرَّ، ولو قضى صلاة ليل في نهار جهر.
رجل ذكر صلاة سفر في حضر؟ طالب: فيه قولان؛ على قول المؤلف أنه يتم لأنه اجتمع مبيح وحاظر، وعلى القول الثاني أنه يقصر الصلاة.
الشيخ: يعني فيها قولان؛ القول الأول أنه يتم.
الطالب: لاجتماع المبيح والحاضر، والقول الثاني أنه يصلي صلاة المسافر.
الشيخ: والقول الثاني أنه يصلي.. الطالب: صلاة المسافر؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا».
الشيخ: لعموم قوله: «فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا»، يعني: يصلي هذه الصلاة المعيَّنة على صفتها إذا ذكرها، ولأن القضاء؟ طالب: يحكي الأداء.
الشيخ: يحكي الأداء، هذه قاعدة فقهية، القضاء يحكي الأداء، يعني يكون شبهه مماثلًا له.
إنسان في المطار، فوجد رجلًا يصلي بجماعة، وشك هل هو من المسافرين أم من المقيمين، فهل يلزمه الإتمام، أو يجوز له القصر؟ طالب: نقول: إذا كان هناك أناس معروفون جنود مثلًا، فإنه إذا كان إمامًا يعني من أهل المطار فإنه يتم، ولكن قد يعلِّق يقول: إذا أَتَمَّ الإمام أُتِمُّ، وإذا قصر قصرت.
الشيخ: نحن ذكرنا أنه ثلاثة أقسام؛ أن يوجد عليه علامة السفر، أن يوجد عليه علامة الإقامة، فهنا؟ طالب: هنا يتم.
الشيخ: إن وجد عليه علامة الإقامة أتم، أو علامة السفر قصر، إذا لم يجد شيئًا لا هذا ولا هذا؟

طالب: يقول: إن أتم الإمام أتمت، وإن قصر قصرت.
الشيخ: فلا حرج أن يقول: إن قصر قصرت، وإن أتم أتممت، وإذالم يقل؟ الطالب: إن أتم الإمام أتم، وإن قصر قصر.
الشيخ: ويش يدريه الآن؟ المسألة هو الآن أدركه فسلَّم الإمام، ما يدري هل صلى قبل أن يدخل معه ركعتين، أو أنه أدركه في الركعة الأولى، هو لو أتم ما هي مشكلة، لكن قد يكون أدركه في الركعة الثالثة، وقد تكون هذه الثالثة هي الأولى.
طالب: يلزمه أن يتم.
الشيخ: يلزمه أن يتم.
الطالب: لأنه شك.
الشيخ: لأنه شك، يعني شك في السبب المبيح للقصر، فيلزمه أن يتم.
رجل أحرم بالصلاة خلف إمام مقيم وهو مسافر، فلما أتم الصلاة ذكر أنه ليس على وضوء، فكيف يقضي هذه الصلاة؟ طالب: يقضيها بالقصر على الاتفاق.
الشيخ: يقضيها بالقصر، ليش؟ الطالب: لأن الصلاة التي أحرم بها ما كان فيها شرط الوضوء.
الشيخ: يعني لم تنعقد.
الطالب: لم تنعقد.
الشيخ: زين، نقول: هنا له أن يصلي قصرًا، ليش؟ لأنه تَبَيَّن أن صلاته خلف هذا الإمام لم تنعقد.
في هذه الصورة أحدث في أثناء الصلاة، ثم بعد ذلك ذهب يتوضأ، فجاء فوجدهم قد صلوا، فهل يصلي أربعًا أو ركعتين؟ طالب: على قول المؤلف أنه يتم الصلاة، وجب عليه أن يصلي أربعًا؛ لأنه يجب عليه إعادة ما أتم من الصلاة، والقول الراجح أنه يصلي ركعتين؛ لأن التبعية هنا زالت.
الشيخ: نعم، أحسنت.
قال المؤلف رحمه الله: (أو لم يَنْوِ القصر عند إحرامها).
المسألة الثامنة مما يجب فيه الإتمام: إذا لم يَنْوِ القصر عند إحرامها، يعني: رجل دخل في صلاة الظهر وهو مسافر، لكن على العادة نوى صلاة الظهر، ولم يستحضر تلك الساعة أنه مسافر لينويها ركعتين، فماذا يلزمه؟ يقول المؤلف: يلزمه أن يتم، وهذه المسألة لها ثلاث صور: الصورة الأولى: أن ينوي الإتمام.
الصورة الثانية: أن ينوي القصر.
الصورة الثالثة: أن ينسى، ما على باله لا قصر ولا إتمام.

فإذا نوى الإتمامَ لزمه الإتمام، على رأي من يرى جواز إتمام المسافر.
وإذا نوى القصر قصر، «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».
(21) وإذا لم يَنْوِ هذا ولا هذا، لم يَنْوِ القصر ولا الإتمام، فالمؤلف يرى أنه يتم، وعلَّلُوا ذلك بأن هذا هو الأصل، الأصل وجوب الإتمام، فإذا لم يَنْوِ القصر لزمه الأصل، وهو الإتمام، هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله.
والقول الثاني في المسألة: أنه إذا لم يَنْوِ القصر قَصَرَ؛ لأن الأصل في صلاة المسافر القصر، وما دُمْنَا نُعَلِّل بأنه الأصل فنقول: ما هو الأصل في صلاة المسافر؟ القصر، إذن يقصر وإن لم يَنْوِ.
وهذا يقع كثيرًا، يكبِّر الإنسان في الصلاة الرباعية وهو مسافر، ولا يخطر على باله القصر، لكن بعدما يُكَبِّر ويقرأ الفاتحة أو يركع أو ما أشبه يذكر أنه مسافر، فينوي القصر، على كلام المؤلف يجب عليه الإتمام.
والصحيح أنه لا يلزمه الإتمام، بل يقصر؛ لأنه الأصل.
التاسعة: قال: (أو شك في نيته)، شك في نيته، أي: في نية القصر، يعني: شك هل نوى القصر أم لم يَنْوِ؟ فيلزمه الإتمام، وهذه المسألة غير المسألة الأولى؛ الأولى جزم بأنه لم يَنْوِ، الثانية شك هل نوى أم لا، فيرى المؤلف أنه يلزمه الإتمام، العلة لأن الأصل عدم النية.
وقد ذكرنا قاعدة فيما سبق: أن مَن شك في وجود شيء أو عدمه فالأصل العدم، فهنا شك هل نوى القصر أم لا، نقول: الأصل عدم النية، وإذا لم يَنْوِ القصر لزمه الإتمام.
ووجوب الإتمام في هذه المسألة أضعف من وجوب الإتمام في المسألة التي قبلها، وهي: إذا جزم بأنه لم يَنْوِ، فإذا كان القول الصحيح في المسألة الأولى أنه يقصر كان القول بجواز القصر في هذه المسألة من باب أولى.
وعلى هذا فنقول: إذا شك هل نوى القصر أو لم يَنْوِهِ، فإنه يقصر، ولا يلزمه الإتمام؛ لأن الأصل في صلاة المسافر هو القصر.

المسألة العاشرة: قال: (أو نوى إقامة أكثر من أربعة أيام).
(أو نوى) أي: المسافر، (إقامة أكثر من أربعة أيام) في أي مكان كان، سواء نوى الإقامة في البر، أو نوى الإقامة في بلد، إذا نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام في مكان لزمه أن يتم.
إذا نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام في البلد؛ كرجل سافر إلى العمرة، ونوى أن يقيم في مكة أسبوعًا، فيلزمه الإتمام؛ لأنه نوى إقامة أكثر من أربعة أيام.
مثال الإقامة في غير بلد: رجل مسافر انتهى إلى غدير، أتعرفون الغدير؟ مجتمع مياه السيول، فأعجبه المكان فنزل، وقال: سأبقى في هذا المكان؛ لأن الجو معتدل، والوقت ربيع، سأبقى لمدة أسبوع في هذا المكان، يلزمه أن يتم؛ لأنه نوى إقامة أكثر من أربعة أيام.
هل هو مسافر أو غير مسافر؟ طلبة: مسافر.
الشيخ: هو مسافر لا شك، ولم يَنْوِ الإقامة إلا خمسة أيام فقط، ثم يرجع لأهله، أو أسبوعًا ثم يرجع لأهله، فهو مسافر.
ما الدليل على أنه يقصر في هذه المدة، ويتم فيما زاد على أربعة أيام؟ الدليل على هذا هو أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم مكة في حجة الوداع، قدمها يوم الأحد الرابع من ذي الحجة، وأقام فيها الأحد والإثنين والثلاثاء والأربعاء، وخرج يوم الخميس إلى منى، فأقام في مكة أربعة أيام يقصر الصلاة (22). إذن نأخذ من هذا أن المسافر إذا نوى إقامة أربعة أيام فإنه يقصر؛ لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، ونحن نعلم علم اليقين أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد عزم على أن يبقى هذه الأيام الأربعة.
لماذا عَلِمْنَا؟ لأنه قدم إلى الحج، ولا يمكن أن ينصرف قبل الحج، إذن فضروري أنه نوى إقامة أربعة أيام.
فإذا قال قائل: إقامة النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأيام الأربعة هل وقعت اتفاقًا؟ يعني بلا قصد، أو عن قصد؟

فالجواب: أنها وقعت اتفاقًا بلا شك، يعني أن رحلته عليه الصلاة والسلام صادفت القدوم في اليوم الرابع من ذي الحجة؛ لأنه لم يَرِد عنه أنه قال: إننا سنقدم في اليوم الرابع، أو حدد يومًا معينًا للقدوم حتى نقول: إن هذا القدوم وقع عن قصد، لكنه وقع كما يقع للمسافر، يقدم قبل بيوم أو بعد بيوم كما هي العادة.
فإذا قال قائل: ألا يمكن أن نقول: إنه لو أقام خمسة أيام يقصر، ما دمتم قلتم: إنه وقع اتفاقًا لا قصدًا؟ قلنا -بلسان المؤلف رحمه الله-: الأصل أن إقامة المسافر في أي مكان تقطع السفر، هذا الأصل عندهم؛ لأن المعروف أن المسافر يسير ولا ينزل إلا ضحوة أو عشية، أما أن ينزل أكثر من ذلك فإن هذا خلاف الأصل، فإذا كان الأصل أن المسافر إذا أقام في البلد، أو في مكان غير البلد، الأصل أن إقامته تقطع السفر، فنقول: سُمِح بالأيام الأربعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقامها ولم ينقطع السفر في حقه.. أو مَلَّاحًا معه أهلُه لا يَنْوِي الإقامةَ ببَلَدٍ لَزِمَه أن يُتِمَّ.
وإن كان له طريقان فَسَلَكَ أبعدَهما، أو ذَكَرَ صلاةَ سَفَرٍ في آخَرَ قَصَرَ، وإن حُبِسَ ولم يَنْوِ إقامةً أو أَقامَ لقَضاءِ حاجةٍ بلا نِيَّةِ إقامةٍ قَصَرَ أَبَدًا.
قلنا بلسان المؤلف رحمه الله، قلنا: الأصلُ أنَّ إقامةَ المسافرِ في أيِّ مكانٍ تقطع السفر، هذا الأصلُ عندهم؛ لأن المعروف أن المسافر يسير ولا ينزل إلا ضَحْوةً أو عَشِيَّةً، أمَّا أن ينزل أكثر من ذلك فإنَّ هذا خلافُ الأصلِ، فإذا كان الأصلُ أنَّ المسافر إذا أقام في البلد أو في المكان غيرِ البلدِ الأصلُ أن إقامتَه تقطع السفر؛ فنقول: سُومِح في الأيام الأربعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقامها ولم ينقطع السفرُ في حقِّه، وقَصَر، فيبقى ما زادَ عليها على القاعدة؛ وهي أنَّ الأصلَ أنَّ المسافرَ إذا وَصَلَ إلى بلدٍ، الأصل فيه أنه ينقطع سَفَرُه.

فإذا كان هو الأصلَ نقول: خولِفَ فيما كان أربعةَ أيامٍ بفِعْل الرسول عليه الصلاةُ والسلامُ، فيبقى ما عداه على الأصل؛ وهو المنعُ من الترخُّص، ووجوبُ الإتمامِ، وامتناعُ المسحِ على الخفَّينِ أكثر من يومٍ وليلةٍ، ومنعُ الإفطار في رمضان، المهم جميعُ أحكامِ السفرِ تنقطع إلَّا حكمًا واحدًا فإنه يبقى، وهو صلاة الجمعة؛ فإن صلاة الجمعة تَلْزم هذا الرجل، ولا يصحُّ أن يكون إمامًا فيها، ولا أن يكون خطيبًا فيها، ولا أن يَتِمَّ به العدد على القول باشتراط العدد، فصار هنا مسافرًا من وجْهٍ، مقيمًا من وجْهٍ؛ ففي الجمعة ليس من المقيمين؛ لأنها لا تنعقد به الجمعة، ولا يصحُّ أن يكون إمامًا فيها ولا أن يكون خطيبًا فيها، ولا تسقطُ عنه، بلْ تجب عليه، فيما عدا ذلك حُكْمه حُكْم المقيم، لكنْ في الجمعة لا، هذا ما ذهب إليه المؤلف.
وهذه المسألةُ من مسائل الخلاف التي كثرتْ فيها الأقوالُ؛ فقد زادت الأقوالُ فيها على عشرين قولًا لأهل العلم رحمهم الله، وسببُ ذلك أنه ليس فيها دليلٌ فاصلٌ ينقطع به النزاع، فلهذا اضطربت فيها أقوال أهل العلم، فأقوال المذاهب المتبوعة هي: أولًا: مذهب الحنابلة رحمهم الله؛ المشهور عندهم أنه إذا نَوَى إقامة أكثر من أربعةِ أيامٍ انقطعَ حُكم السفر في حقِّه ولَزِمه الإتمامُ، لكنْ لا ينقطع بالنسبة للجمعة؛ لأن الجمعة يُشترط فيها الاستيطانُ، وهذا غيرُ مستوطِن.
وبناءً على هذا القول ينقسم الناس إلى: مسافرٍ، ومستوطِنٍ، ومقيمٍ غيرِ مستوطِنٍ.
المسافرُ أحكامُ السفرِ في حقِّهِ ثابتةٌ.
والمستوطِنُ أحكامُ الاستيطان في حقِّه ثابتةٌ، ولا يُستثنى من هذا شيءٌ.
والمقيمُ غيرُ المستوطِن تثبتُ في حقِّه أحكامُ السفر من وجْهٍ وتنتفي من وجْهٍ آخر.

لكن هذا التقسيم يقول شيخ الإسلام: إنه ليس عليه دليلٌ لا من الكتابِ ولا من السُّنةِ ولا من الإجماعِ.
تقسيمُ الناسِ إلى ثلاثةِ أقسامٍ: مسافرٍ، ومستوطِنٍ، ومقيمٍ غيرِ مستوطِنٍ، هذا لا دليل عليه.
القول الثاني من أقوال المذاهب المتبوعة، يقول: إذا نَوَى إقامة أربعة أيامٍ فأكثر فإنه يَلْزمه الإتمام، لكنْ لا يُحسَب منها يومُ الدخول ويومُ الخروج، وعلى هذا تكون الأيام؟ طلبة: ستة.
الشيخ: ستة؛ يومُ الدخولِ، ويومُ الخروجِ، وأربعةٌ بينهما.
وهذا هو المشهور من مذهب الشافعي.
القول الثالث: إذا نَوَى إقامة أكثر من خمسةَ عشَرَ يومًا أتَمَّ، وإنْ نَوَى دونها قَصَرَ.
وهذا مذهبُ أبي حنيفة رحمه الله.
فيه أيضًا مذاهب أُخرى لا حاجةَ لنا بها؛ لأنها مذاهبُ فرديَّةٌ؛ مثل ما ذَهَبَ إليه ابنُ عباس رضي الله عنهما بأنه إذا نَوَى إقامةَ تسعةَ عشَرَ يومًا قَصَرَ، وما زادَ فإنه لا يَقصُر (1).

ولكنْ إذا رجعنا إلى ما يقتضيه ظاهرُ الكتابِ والسُّنةِ وجدْنا أن القول الذي اختاره شيخ الإسلام رحمه الله هو القول الصحيح؛ وهو أن المسافرَ مسافرٌ، سواء نَوَى إقامةَ أكثر من أربعةِ أيامٍ أو دونها؛ وذلك لعموم الأدلَّة الدالَّة على ثبوتِ رُخَصِ السفرِ للمسافر بدون تحديدٍ؛ لم يحدِّد النبي عليه الصلاة والسلام، بلْ لم يحدِّد اللهُ في كتابه ولا رسولُه صلى الله عليه وسلم المدةَ التي ينقطع بها حُكم السفر؛ ففي القرآن: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: 101]، ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ وهذا عامٌّ يشمل كلَّ ضاربٍ، ومن المعلوم أن الضربَ في الأرض أحيانًا يحتاج إلى مدَّةٍ؛ قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: 20]، فالذين يضربون في الأرض للتجارة -مَثَلًا- هل التاجر يكفيه أن يُقيم أربعةَ أيامٍ فأقلَّ في البلد؟ ربما يكفيه وربما لا يكفيه، قد يكفيه يومٌ واحدٌ يُصفِّي ويمشى، وقد تكون السلعة ثقيلة المشي يتأخر أربعة أيامٍ، خمسةَ أيامٍ، عشرةَ أيامٍ، وقد يكون هو يطلبُ سلعةً لا تَحْصل في أربعة أيام يجمعها من هنا وهناك، فعلى كلِّ حالٍ الآيةُ عامَّة؛ ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾.

والنبي صلى الله عليه وسلم أقام مُدَدًا مختلفة يَقْصُر فيها؛ فأقام في تبوكَ عشرين يومًا يقصُر الصلاة، وأقام في مكة عامَ الفتح تسعةَ عشَرَ يومًا يقصُر الصلاة، وأقام في مكة عام حجَّة الوداع عشرة أيامٍ يقصُر الصلاة؛ لأن أَنَسًا سُئِل رضي الله عنه: كمْ أقمتم في مكة؟ -يعني في حجَّة الوداع- قال: أقَمْنا بها عشرًا (2). لأنه أضاف أيامَ الحجِّ إلى الأيام المتقدمة؛ يعني إلى الأيام الأربعة، ومن المعلوم أن النبي عليه الصلاة والسلام قدم مكة في يوم الأحد الرابع من ذي الحجة، وخرج في اليوم الرابع عشر من ذي الحجة، فتكون الإقامة عشرة أيام.
فإن قال قائل: ما تقولون في دليل من يَرَى أنه إذا أقام أكثر من أربعة أيامٍ لَزِمه الإتمام، وهو الاحتجاج بأن الرسول صلى الله عليه وسلم أقام أربعة أيامٍ قبل أن يخرج إلى مِنى؟

فالجواب على هذا أن نقول: إن هذا دليلٌ عليهم وليس دليلًا لهم، هو في الحقيقة دليلٌ عليهم لِمَنْ تأمَّله وليس دليلًا لهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قَدِم مكةَ في اليوم الرابع كما قلنا اتفاقًا، ولا أحد يشكُّ في هذا، وهل عندنا دليلٌ على أنه لو قَدِم في اليوم الثالث أتَمَّ؟ ما فيه دليل، بلْ نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم بأن الناس يقدمون للحج قبل اليوم الرابع؛ يعني ليس كل الحجاج لا يقدمون إلا من الرابع فأقل؛ يقدمون قبل الرابع، يقدمون في أول ذي الحجة، في ذي القعدة، في شوال؛ لأن أشهر الحج تبتدئ من شوال، ولم يقُل للأمَّة: من قَدِم مكةَ قبل اليوم الرابع فلْيُتِمَّ.
ومن المعلوم لو كانت شريعة الله أن مَن قَدِم قبل اليوم الرابع من ذي الحجة إلى مكة لَزِمه أن يُتِمَّ، لو كانت هذه شريعةَ الله لَوَجَبَ على النبي صلى الله عليه وسلم أن يُبيِّنها لدُعاء الحاجة للبلاغ والتبيين، فلما لم يبيِّن ولم يقلْ للناس: مَنْ قدم قبل اليوم الرابع فإنه يلزمه الإتمام، عُلِم أنه لا يَلْزمه، فيكون هذا الحديث دليلًا على أنه لا يَلْزم الإتمامُ مَن نوى إقامةَ أكثر من أربعة أيام.
ثم نقول: سبحان الله! أربعة أيامٍ كمْ مِن ساعة؟ طالب: ستٌّ وتسعون.
الشيخ: ستٌّ وتسعون ساعة.
نقول: مَن نوى إقامةَ ستٍّ وتسعين ساعةً فله أن يقصُر، ومَن نوى إقامة ستٍّ وتسعين ساعةً وعشر دقائق فليس له أن يقصُر؛ لأن الأولَ مسافرٌ والثانِيَ غيرُ مسافرٍ؛ مقيمٌ، أين هذا التحديد في الكتاب والسُّنة حتى نقول بأنه واجب؟

والصلاةُ -كما نعلم- أعظمُ أركانِ الإسلامِ بعد الشهادتين، فكيف نقول للأمَّة: هذا الرجل الذي نوى إقامةَ ستٍّ وتسعين ساعةً وعشر دقائق لو قَصَر قُلنا: صلاتك باطلة؟ ! مسألةٌ عظيمةٌ ما هي هيِّنة، ومِثْل هذا لا يمكن أن يُترك بلا بيان، وتَرْك البيان بيانٌ في الحقيقة؛ تَرْك البيان في موضعٍ يحتاج إلى البيان يُعتبر بيانًا؛ إذ لو كان خلافَ الواقعِ والواجبِ لبُيِّن، وعلى هذا فنقول: إن القول الراجح ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من أن المسافرَ مسافرٌ ما لم ينوِ واحدًا من أمرينِ: الإقامة المطْلقة، أو الاستيطان.
والفرق بينهما أن (الاستيطان) ينوي أن يتَّخذ هذا البلدَ وطنًا، انتهى، طلَّق جميع البلدان سِوَاه بالثلاث واتَّخذ هذا البلدَ وطنًا.
(الإقامة المطْلقة) أنه يأتي لهذا البلد ويرى أن الحركةَ فيه كبيرةٌ أو طلب العلمِ فيه قويٌّ، فينوي الإقامة مطْلقًا بدون أن يقيِّدها بزمنٍ أو بعملٍ، لكن نيَّته أنه مقيمٌ؛ لأن البلد أجاز له إمَّا بكثرة العلم، أو بقوَّة التجارة، أو إنسان موظَّف للحكومة ووضعته هنا كالسُّفراء مثلًا، الأصل عَدَم السفر في هذا ولَّا السفر؟ عَدَم السفر؛ لأنه نوى الإقامة، فنقول: هذا ينقطع حُكم السفر في حقِّه.
أمَّا من قيَّد الإقامةَ بعملٍ ينتهي أو بزمنٍ ينتهي فهذا مسافرٌ ولا تتخلَّف أحكام السفر عنه.

ثم إننا إذا تأمَّلنا القولَ بأنه تنقطع أحكامُ السفر إذا نوى إقامةَ أكثر من أربعة أيامٍ وجدْنا هذا القول متناقضًا، وجْهُ التناقض ذكرناه قبل قليلٍ؛ أنه في الجمعة في حُكم المسافرين، وفي غير الجمعة في حُكم المقيمين، أين هذا التفصيل؟ ! فمِثْل هذه الأمور تحتاج إلى دليلٍ وتوقيفٍ، ولهذا ما أَحْسنَ قولَ صاحبِ المغني رحمه الله لَمَّا ذكر أن تحديد السفر بالمسافة مرجوحٌ؛ قال: إن التحديد توقيفٌ، حدٌّ من حدود الله يحتاج إلى دليلٍ، فأيُّ إنسانٍ يحدِّد شيئًا أطْلقه الشارعُ فعليه الدليل، أيُّ إنسانٍ يخصِّص شيئًا عمَّمَه الشارعُ فعليه الدليل.
لماذا يا إخوان؟ لأن التقييد زيادةُ شرطٍ، والتخصيص أيضًا إخراجُ شيءٍ من نصوص الشارع، ولا يحلُّ لأحدٍ أن يُضيف إلى ما أطْلقه الشارع شرطًا، ولهذا قلنا في المسح على الخفَّينِ: الصحيح أنه لا يُشترط فيه ما اشترطه الفقهاء من كونه ساترًا لمحلِّ الفرض بحيثُ لا يتبيَّن فيه ولا موضع الخَرْز، وقُلنا: إن ما سُمِّي خُفًّا فهو خُفٌّ، سواءٌ كان مُخرَّقًا أو كان رقيقًا أو ثخينًا أو سليمًا؛ لأن الشرع إذا أَطْلق شيئًا فلا يحلُّ لنا أن نقيِّده، كما أنه إذا عمَّمَ شيئًا لا يحل لنا أن نُخرِج بعضَ أفراده بتخصيصٍِ إلا بدليل، ولنا في هذه المسألة رسالةٌ كتبناها أظن في عامِ ألْفٍ وأربعِ مئةٍ وخمسةٍ تقريبًا، ربما -إن شاء الله- نقرؤها في الدرس القادم لأنها مفيدةٌ جدًّا، وتُبيِّن مَن اختارَ هذا القولَ من العلماء؛ اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، شيخنا عبد الرحمن بن سعدي، الشيخ محمد رشيد رضا، وبعضُ الإخوان المتخرِّجين من الجامعة الإسلامية كتبوا في هذا مُؤَلَّفًا، وعلى كلِّ حالٍ نحن لا نعرف الحقَّ بكثرة الرجال، إنما نعرف الحقَّ بموافقة الكتاب والسُّنة.

طالب: يُجيز الفقهاء خمسةَ عشَرَ يومًا، وأربعةَ أيامٍ، وهم يقولون: مَن (... ) إقامة رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين يومًا، والجواب عن هذا هم يقولون: كلُّ مَن نَوَى خمسةَ عشَرَ يومًا ولَّا أربعةَ أيامٍ نَوَى يُتِمُّ الصلاةَ، ومَن لم يَنْوِ ولو كان سكن في مَحَلٍّ واحدٍ سَنَةً كاملةً؛ يعني يقول: بُكرة وبَعده، ومضى عليه سنة.. الشيخ: هذه إن شاء الله ستأتينا في كلام المؤلف


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: هذه إحدى المسائلِ الأربعةِ التي كتبها أبو البراء غسَّانُ بن يوسفَ البرقاوي في القصر.
(المسألة الرابعة: مقدار المدة التي يَقصُر فيها المسافر سائرًا كان أمْ لبِثَ لقضاء حاجةٍ ولم يستوطِن المكانَ).
قال: (يَقصُر المسافرُ الصلاةَ ما دام غائبًا عن بلده الذي اتخذه موطنًا وفي نيَّته الرجوعُ إليه ولو بعد حينٍ، سواءٌ أكان شاخصًا سائرًا، أو أقام في بلدٍ آخر مدَّةً معلومة لَدَيْهِ عددُ أيامها ولو لبِثَ سنين ما لم يتخذْه موطنًا، أو لم يكنْ يعلم المدَّةَ وفي نفْسِه يقول: اليوم أَخرُجُ، غدًا أَخرُجُ).
الشيخ: المسألةُ الآن معلومةٌ أظنُّ.
الطالب: (الأدلَّة على ذلك: أولًا: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: خرجْنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة، فصلَّى ركعتينِ ركعتينِ حتى رَجَعَ.
قلتُ: كم أقام بمكة؟ قال: عَشْرًا (3). ثانيًا: عن ابن عباسٍ رضي الله عنه قال: سافرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام تسعَ عشرةَ يصلِّي ركعتينِ ركعتينِ.
قال ابن عباس: فنحن إذا سافرنا فأقمْنا تسعَ عشرةَ صلَّينا ركعتينِ ركعتينِ، فإذا أقمْنا أكثرَ مِن ذلك صلَّينا أربعًا (4).

ثالثًا: عن أبي فروة الهمْدانيِّ، قال سمعتُ عونًا الأزديَّ قال: كان عُمر بن عبيد الله بن مَعْمرٍ أميرًا على فارسٍ، فكتب إلى ابن عمر يسأله عن الصلاة، فكتب ابنُ عمر: إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من أهله صلَّى ركعتينِ حتى يرجعَ إليهم (5). رابعًا: عن ثُمامةَ بنِ شراحيلَ قال: خرجتُ إلى ابن عمر فقلْنا: ما صلاةُ المسافر؟ فقال: ركعتينِ ركعتينِ، إلَّا صلاةَ المغربِ ثلاثًا.
قلتُ: أرأيتَ إنْ كُنَّا بذي المجاز.
قال: وما ذو المجاز؟ قلت: مكانٌ نجتمعُ فيه ونبيعُ فيه، ونَمْكثُ عشرين ليلةً أو خَمسَ عشرةَ ليلةً.
قال: يا أيها الرجل، كنتُ بأذربيجانَ -لا أدري قال: أربعةَ أشهرٍ، أو: شهرينِ- فرأيتهم يصلُّونها ركعتينِ ركعتينِ، ورأيتُ نبِيَّ الله صلى الله عليه وسلم نُصْبَ عيني يصلِّيهما ركعتينِ ركعتينِ.
ثم نزع هذه الآية: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ حتى فرغ من الآية (6). خامسًا: عن بِشْر بن حربٍ قال: سألتُ ابن عمر: كيف صلاةُ المسافرِ يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: إمَّا أنتم تتَّبعون سُنَّةَ نبيِّكم صلى الله عليه وسلم أخبرتُكم، وإمَّا أنتم لا تتَّبعون سُنَّةَ نبيِّكم لم أُخبِرْكم.
قال: قلنا: فخيرُ السُّنن سُنَّةُ نبيِّنا صلى الله عليه وسلم يا أبا عبد الرحمن.
فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خَرَجَ من هذه المدينةِ لم يَزِدْ على ركعتينِ حتى يرجع إليها (7). سياقُ أقوال جماعةٍ من العلماء ذهبوا إلى ما ذكرْنا:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وأمَّا من تبيَّنتْ له السُّنةُ وعَلِم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع للمسافر أن يصلِّي إلا ركعتين، ولم يَحُدَّ السفرَ بزمانٍ أو بمكانٍ، ولا حدَّ الإقامةَ أيضًا بزمنٍ محدودٍ؛ لا ثلاثة، ولا أربعة، ولا اثنا عَشَرَ، ولا خمسةَ عَشَرَ؛ فإنه يَقصُر كما كان غيرُ واحدٍ من السلف يفعل، حتى كان مسروقٌ قد ولَّوْه ولايةً لم يكنْ يختارها، فأقام سنين يقصُر الصلاةَ (8)، وقد أقامَ المسلمون بنهاوندَ ستَّةَ أشهرٍ يقصُرون الصلاةَ، وكانوا يقصُرون الصلاةَ مع علمهم أنَّ حاجتهم لا تنقضي في أربعة أيامٍ ولا أكثر، كما أقامَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابُه بعد فتْحِ مكةَ قريبًا من عشرين يومًا يقصُرون الصلاةَ (9)، وأقاموا بمكة عشرة أيامٍ يُفطرون في رمضان (10)، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا فَتَحَ مكةَ يعلم أنه يحتاج أن يُقيم بها أكثر من أربعة أيامٍ، وإذا كان التحديدُ لا أصل له فما دام المسافرُ مسافرًا يقصُر الصلاةَ ولو أقام في مكانٍ شهورًا، والله أعلم.
انتهى، مجموع فتاوى شيخ الإسلام.
وقال العلَّامة الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله بعد حديث ثُمامة: وهذا الحديثُ يدلُّ على أن السفر لا ينقطعُ بإقامةِ مدَّةٍ معيَّنةٍ في جِهَةٍ واحدةٍ أيًّا كانت المدَّةُ؛ طالتْ أو قصُرتْ، وتوجيهُ الاستدلال دقيقٌ جدًّا وقد يخفى على بعض الناظرينَ، ولذلك حَذَفَ المجدُ آخرَه المرفوعَ حين ذَكَره في المنتقى مكتفيًا بالأثر عن ابن عمر، والموقوفُ ليس حجَّةً وحدَه، والمرفوعُ الذي حَذَفَه ليس نصًّا في الموضوع.

ووجْهُ الاستدلال أن ابن عمر أجاب سائله إذْ سأله عن طُولِ مُكْثِ المسافرِ في مكانٍ بعينه؛ لأنه هو والصحابةُ الذين كانوا بأذربيجانَ أقاموا مدَّةً أطولَ من هذه شهرينِ أو أربعةَ أشهرٍ في هذه الرواية، فكانوا يقصرون، ثم وكَّد الاستدلالَ بأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يقصُر في السفر، فكأنه يقول للسائل: ثَبَتَ مِن فِعْل رسولِ الله صلى الله عليه وسلم القصرُ في السفر، ولم يثبتْ لديهم أنه جَعَلَ لذلك حدًّا معيَّنًا فيما إذا أطال المسافرُ الْمُكْثَ في مكانٍ ما، وأنَّه هو ومَنْ معه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذوا هذا على إطلاقه فأطالوا المكثَ وقَصَرُوا، وأنه لو كان عند واحدٍ منهم سُنَّةٌ في تحديد وقتٍ معيَّنٍ للمُكْثِ لَمَا سَكَتَ على ذلك ولَأَبانَهُ لهم حتى لا يُصَلُّوا صلاةَ المسافرين، وهذا قويٌّ دقيقٌ فيما أرى.
انتهى من تحقيق أحمد شاكر على المسند.
وقد أفتى بذلك من التابعينَ أبو العاليةِ الرِّياحيُّ، واسمُه: رُفَيْعُ بن مِهرانَ البصريُّ؛ قال عثمانُ الطويلُ عن أبي العالية الرِّياحيِّ قال: خطبنا أبو بكر فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لِلْمُقِيمِ أَرْبَعٌ، وَلِلظَّاعِنِ رَكْعَتَانِ، مَوْلِدِي بِمَكَّةَ، وَمُهَاجَرِي بِالْمَدِينَةِ، فَإِذَا خَرَجْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ فَصَاعِدًا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْهَا» فقلتُ لرُفَيْعٍ: إني آتي البلدَ فأُقيمُ به شهرينِ أفأقصُر الصلاةَ.
قال: نعم، وإنْ أقمتَ به خمسين سَنَةً حتى ترجع إلى قارِّكَ (11).

قال الشيخ السيِّد سابق حفظه الله: المسافر يقصُر الصلاةَ ما دام مسافرًا، فإنْ أقامَ لحاجةٍ ينتظر قضاءها قَصَرَ الصلاةَ كذلك لأنه يُعتبر مسافرًا، وإنْ أقام سنين فإنْ نَوَى الإقامةَ مدَّةً معيَّنةً فالذي اختاره ابن القيم أن الإقامةَ لا تخرج عن حُكم السفر سواءٌ طالتْ أمْ قصُرتْ ما لم يستوطن المكانَ الذي أقامَ فيه، وللعلماء في ذلك آراء كثيرة لَخَّصها ابنُ القيم.
انتهى من كتاب فقه السُّنة.
ردُّ شُبَهِ المخالفين: قال العلامة ابن القيم رحمه الله: أنَّه صلى الله عليه وسلم أقامَ بتبوكَ عشرين يومًا يقصُر الصلاةَ (12)، ولم يقُل للأمَّة: لا يقصُر الرجُلُ الصلاةَ إذا أقام أكثر من ذلك.
ولكن اتَّفقتْ إقامتُه هذه المدَّة، وهذه الإقامةُ في حالِ السفرِ لا تخرج عن حُكم السفر سواءٌ طالتْ أو قصُرتْ إذا كان غير مستوطِنٍ ولا عازمٍ على الإقامة بذلك الموضع.
وقد اختلفَ السلفُ والخلَفُ في ذلك اختلافًا كثيرًا؛ ففي صحيح البخاري (13) عن ابن عباسٍ رضي الله عنه قال: أقامَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره تسْعَ عشرةَ يُصلِّي ركعتينِ، فنحن إذا أقَمْنا تسعَ عشرةَ نُصلِّي ركعتينِ، وإذا زِدْنا على ذلك أتْمَمْنا.
وظاهر كلام أحمد أن ابن عباسٍ أراد مدَّةَ مُقامه بمكة زمنَ الفتح؛ فإنه قال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثمانَ عشرةَ زمنَ الفتحِ; لأنه أراد حُنَيْنًا ولم يكنْ، ثُمَّ أجْمَعَ الْمُقام، وهذه إقامته التي رواها ابن عباس.
وقال غيره: بلْ أرادَ ابنُ عباسٍ مُقامَه بتبوكَ؛ كما قال جابر بن عبد الله: أقامَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بتبوكَ عشرين يومًا يقصُر الصلاةَ.
رواه الإمام أحمد (14). وقال عبد الرحمن بنُ الْمِسْورِ بن مخرمة: أقمْنا مع سعدٍ ببعض قُرَى الشام أربعين ليلةً يقصُرها سعدٌ ونُتِمُّها (15).

وقال نافعٌ: أقامَ ابنُ عمر بأذربيجانَ ستَّةَ أشهرٍ يُصلِّي ركعتينِ، وقد حَالَ الثلْجُ بينه وبين الدخول.
وقال حفص بن عبيد الله: أقامَ أنسُ بن مالكٍ بالشام سنتينِ يُصلِّي صلاة المسافر (16). وقال أنس: أقامَ أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم برَامَهُرْمُزَ سبعةَ أشهرٍ يقصُرون الصلاة (16). وقال الحسن: أقمتُ مع عبد الرحمن بن سَمُرَةَ بكابُلَ سنتينِ يقصُر الصلاةَ ولا يجمع (17). وقال إبراهيم: كانوا يُقيمون بالرَّيِّ السَّنَةَ وأكثرَ مِن ذلك، وسجستانَ السنتينِ.
فهذا هَدْيُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابِه كما ترى، وهو الصواب.
وأمَّا مذاهبُ الناسِ فقال الإمام أحمد: إذا نَوَى إقامة أربعة أيامٍ أتَمَّ، وإنْ نَوَى دونها قَصَرَ.
وحَمَلَ هذه الآثارَ على أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابَه لم يُجمِعوا الإقامةَ البتَّةَ، بلْ كانوا يقولون: اليومَ نخرج، غدًا نخرج.
وفي هذا نَظَرٌ لا يخفى؛ فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فَتَحَ مكةَ، وهي ما هي! وأقامَ فيها يؤسِّس قواعدَ الإسلام، ويهدم قواعدَ الشِّرك، ويمهِّد أمْرَ ما حولها من العرب، ومعلومٌ قطْعًا أن هذا يحتاج إلى إقامة أيامٍ، لا يتأتَّى في يومٍ واحدٍ ولا يومينِ، وكذلك إقامته بتبوكَ؛ فإنه أقامَ ينتظر العدوَّ، ومن المعلوم قطْعًا أنه كان بينه وبينهم عِدَّةُ مراحلَ يحتاج قطْعها إلى أيامٍ، وهو يعلم أنهم لا يوافون في أربعة أيام.
وكذلك إقامةُ ابنِ عمر بأذربيجانَ ستَّةَ أشهرٍ يقصُر الصلاةَ من أجْل الثلْج، ومن المعلوم أن مِثْل هذا الثلْج لا يتحلَّل ويذوب في أربعةِ أيامٍ بحيثُ تنفتح الطُّرُق.
وكذلك إقامةُ أنسٍ بالشام سنتينِ يقصُر الصلاةَ، وإقامةُ الصحابةِ برَامَهُرْمُزَ سبعةَ أشهرٍ يقصُرون، ومن المعلوم أنَّ مِثْل هذا الحصار والجهاد يُعلم أنه لا ينقضي في أربعةِ أيامٍ.

وقد قال أصحابُ أحمد: إنه لو أقامَ لجهادِ عدوٍّ أو حبسِ سُلطانٍ أو مَرَضٍ قَصَرَ، سواءٌ غَلَبَ على ظنِّه انقضاءُ الحاجةِ في مدَّةٍ يسيرةٍ أو طويلةٍ.
وهذا هو الصواب، لكنْ شَرَطوا فيه شرطًا لا دليل عليه مِن كتابٍ ولا سُنَّةٍ ولا إجماعٍ ولا عملِ الصحابة؛ فقالوا: شَرْطُ ذلك احتمالُ انقضاءِ حاجتِهِ في المدَّة التي لا تقطع حُكمَ السفر، وهي ما دون الأربعةِ الأيامِ.
فيُقال: مِن أين لكم هذا الشرطُ؟ ! والنبيُّ لَمَّا أقامَ زيادةً على أربعة أيامٍ يقصُر الصلاةَ بمكة وتبوك ولم يقُل لهم شيئًا، ولم يبيِّن لهم أنه لم يَعْزِم على إقامة أكثر من أربعةِ أيامٍ، وهو يعلم أنهم يقتدونَ به في صلاته ويتأسَّوْنَ به في قَصْرِها في مدَّةِ إقامته، فلمْ يقُل لهم حرفًا واحدًا: لا تقصُروا فوق إقامةِ أربع ليالٍ.
وبيانُ هذا من أهمِّ المهمَّات، وكذلك اقتداء الصحابة به بَعْده ولم يقولوا لِمَنْ صلَّى معهم شيئًا من ذلك.
ثم ساق -رحمه الله- مذاهبَ جماعةٍ آخرينَ من أهل العلم، وما سبق يتضمَّن الردَّ عليهم.
انتهى من زاد المعاد.
فوائد ومهمات: الأولى: قال ابن القيم رحمه الله: والأئمَّة الأربعة متَّفقون على أنه إذا أقامَ لحاجةٍ ينتظر قضاءها يقول: اليومَ أخرجُ، غدًا أخرجُ، فإنه يقصُر أبدًا، إلَّا الشافعيَّ في أحد قولَيْهِ فإنه يقصُر عنده إلى سبعةَ عشَرَ أو ثمانيةَ عشَرَ يومًا ولا يقصُر بعدها، وقد قال ابنُ المنذر في إشرافه: أجمعَ أهلُ العلم أن للمسافر أن يقصُر ما لم يُجمِع إقامةً وإنْ أتى عليه سنون.
انتهى من زاد المعاد.
الثانية: قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: والمدَّة التي في حديث أنسٍ يُستدَلُّ بها على من نوى الإقامةَ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم في أيام الحجِّ كان جازمًا بالإقامة تلك المدة.
انتهى من فتح الباري.

الثالثة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: والعلماء متنازِعون في المسافر؛ هلْ فرضُه الركعتانِ ولا يحتاج قَصْره إلى نِيَّةٍ أمْ لا يقصُر إلا بنِيَّةٍ، على قولَينِ؛ والأولُ قولُ أكثرِهم كأبي حنيفة ومالكٍ، وهو أحد القولينِ في مذهب أحمد؛ اختاره أبو بكرٍ وغيرُه، والثاني قولُ الشافعيِّ، وهو القولُ الآخَر في مذهب أحمد؛ اختاره الخرقي وغيرُه.
والأولُ هو الصحيحُ الذي تدلُّ عليه سُنَّةُ النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه كان يقصُر بأصحابه ولا يُعلِمهم قبل الدخول في الصلاة أنه يقصُر، ولا يأمرهم بنيَّة القصر؛ ولهذا لَمَّا سلَّم من ركعتينِ ناسيًا قال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أمْ نسيتَ؟ فقال: «لَمْ أَنْسَ، وَلَمْ تُقْصَرْ».
قال: بلى، قد نسيتَ (18). وفي رواية: «لَوْ كَانَ شَيْءٌ لَأَخْبَرْتُكُمْ بِهِ» (19). ولم يقُلْ: لو قُصِرتْ لأَمَرتُكم أن تنوُوا القصْر.
وكذلك لما جَمَعَ بهم لم يُعلِمهم أنه جَمْعٌ قبل الدخول، بلْ لم يكونوا يعلمون أنه يجمع حتى يقضي الصلاةَ الأولى، فعُلِمَ أيضًا أن الجمع لا يفتقر إلى أن ينوي حين الشروع في الأُولى كقول الجمهور، والمنصوصُ عن أحمد يوافق ذلك.
انتهى من الفتاوى الكبرى.
الشيخ: مرَّ علينا أن الصحيح أن المسافر لا يحتاج إلى نيَّةِ القصْرِ لأنَّ الأصلَ أن صلاته ركعتانِ، وكذلك الجمعُ أيضًا إذا وُجِدَ سببُه فلا يحتاج إلى نيَّةِ الجمعِ، حتى لو كان لا يريد أن يجمع ثم لما سلم من الأولى هم بالجمع فيجمع ولا حرج.


الطالب: الرابعة: حديثانِ ضعيفانِ أذكرهما للتنبيه:

الأول: حديث ابن عباسٍ مرفوعًا: «يَا أَهْلَ مَكَّةَ، لَا تَقْصُرُوا فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ مِنْ مَكَّةَ إِلَى عُسْفَانَ».
هذا حديثٌ ضعيفٌ رواه الدارقطني (20)، وعنه البيهقي (21) والطبراني (22)، وقد ضعَّفه غيرُ واحدٍ؛ منهم البيهقيُّ، وابنُ الجوزيِّ، والحافظُ في الفتح، والصحيح أنه موقوفٌ على ابن عباسٍ كما رواه ابن أبي شيبة (23) بلفظ: لا تقصُر إلى عرفةَ وبطنِ نَخْلةَ، واقصُر إلى عُسفانَ والطائفِ وجُدَّةَ، فإذا قدمتَ على أهلٍ أو ماشيةٍ فأتِمَّ.
وسَنَدُهُ صحيحٌ، وانظر تفصيلَ الكلام على الحديث في إرواء الغليل للشيخ الألباني حفظه الله.
الثاني: حديث أبي سعيدٍ مرفوعًا: كان -يعني النبيَّ صلى الله عليه وسلم- كان إذا سافرَ فرسخًا قَصَرَ الصلاةَ وأفطرَ.
حديثٌ ضعيفٌ جدًّا، رواه ابن أبي شيبة (24)، وعبد بن حميد (25)، وسعيد بن منصور (26)، من طريق أبي هارون العبدي عن أبي سعيد به، وأبو هارون اسمه عمارة بن جُوَين، وهو متروكٌ، ومنهم من كذَّبه كما في التقريب، ولم يُصِب الحافظ في سكوته عن الحديث في التلخيص، وانظر للكلام على الحديث إرواء الغليل.
الخامسة: مع قولنا بوجوب القصْرِ في السفر فإنَّ المسافر إذا ائْتَمَّ بمقيمٍ أتَمَّ، ومن الأدلة على ذلك ما رواه قتادةُ قال: سمعتُ موسى -وهو ابنُ سلمة- قال: قلتُ لابن عباسٍ: كيف أصلِّي بمكة إذا لم أُصَلِّ في جماعة؟ قال: ركعتينِ، سُنَّةُ أبي القاسم صلى الله عليه وسلم (27). وعن الشعبي أن ابن عمر كان إذا كان بمكةَ يصلِّي ركعتينِ ركعتينِ، إلَّا أن يجمعه إمامٌ فيصلِّي بصلاته، فإن جَمَعَهُ الإمامُ يصلِّي بصلاته (28). السادسة: اقتداء المقيم بالمسافر؛ عن سالم بن عبد الله، عن أبيه أنَّ عمر بن الخطاب كان إذا قَدِم مكةَ صلَّى بهم ركعتينِ ثم يقول: يا أهل مكة، أتِمُّوا صلاتكم؛ فإنَّا قومٌ سَفْرٌ (29). خاتمة:

جارٍ التحميل