ويجوز أن نقدر جواب الشرط فعلًا ماضيًا فنقول: إن التقدير: وإلا وقف عن يمين الإمام.
وحينئذ لا نحتاج إلى الفاء الرابطة، يعني: إذا لم يجد فرجة فإنه يقف عن يمين الإمام، ما هو الدليل؟ الدليل: لأن يمين الإمام موقف المأموم الواحد.
وما الدليل على أن موقف المأموم الواحد هو يمين الإمام؟ حديث: ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما حينَ صلَّى معَ النبيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في صلاةِ الليلِ فَوَقَفَ عنْ يسارِ النبيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فأخذَ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بِرأسهِ مِنْ ورائِهِ فجعلَهُ عنْ يمينِهِ (8).
فلما كان يمين الإمام موقف المأموم الواحد قلنا لهذا الرجل الذي لم يجد مكانًا في الصف: تقدم وكن على يمين الإمام، هكذا قرره المؤلف، ولكن هذا التعليل فيه نظر؛ لأن يمين الإمام موقف للمأموم الواحد، أما في هذه المسألة فالمأموم جماعة كثيرة، ولا يصح قياس هذا على هذا.
ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أحدًا صلى إلى جنبه مع وجود صف أبدًا إلا مسألة واحدة، وهي حينما أَنابَ أبا بكر رضيَ اللهُ عنهُ في مرضِ مَوْتِهِ فَوَجَدَ خِفَّةً فَخَرَجَ وَصَلَّى بِالنَّاسِ وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ أَبِي بَكْرٍ (9). لكن هذه المسألة ضرورة؛ لأن أبا بكر ليس له مكان في الصف، ولا يمكن أن يتأخر هو في الصلاة؛ ولأن أبا بكر نائب الرسول عليه الصلاة والسلام، فلا بد أن يكون إلى جنبه من أجل أن يُبَلِّغ مَنْ خلفَه من المأمومين تكبيرَ النبيِّ عليه الصلاة والسلام.
فهذه ثلاثة أمور لا تتفق أو لا توجد في هذه الصورة التي ذكرها المؤلف؛ ولهذا نرى أن وقوف أحدٍ إلى جانب الإمام في مثل هذه الصورة من البدع التي لم ترد عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّ الإمام ينبغي أن يكون لفظًا متضمنًّا لمعناه؛ أن يكون إمامًا حقيقة، يكون هو القدوة، هو المتبوع، فلا يشاركه في مكانه أحدٌ كما لا يشاركه أيضًا في أفعاله أحدٌ، هو سابقٌ على المأموم، «إذا كبَّر فكبِّروا» (10).
فهو سابق على المأموم مكانًا وعملًا، فكيف نقول لشخص: تقدم وكن مع الإمام؟ ثم في هذا محذور أو محاذير، إذا كانت الصفوف أكثر من واحد فكم صفًّا سيتخطى رقابهم؟ في عدد الصفوف، إذا كان عشرة صفوف يتخطى عشرة صفوف، والنبي صلى الله عليه وسلم لما رأى رجلًا يتَخَطَّى الرقابَ قالَ: «اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ» (11).
ثالثًا: إذا تقدم وصلى إلى جنب الإمام وجاء آخر ولم يجد مكانًا صلى إلى جنب الإمام، تقدم وصلى فاجتمعا شخصان، وإذا جاء ثالث كذلك ثلاثة وأربعة وخمسة حتى يكون الإمام صفًّا كاملًا، ولا ريب أن هذا غير مشروع، نعم إذا كان لا يوجد مكان في المسجد؛ يعني المسجد ليس فيه إلا مقدار صفين فقط الصف الأول فيه الإمام والصف الثاني فيه المأمومون ودخل رجل ولم يجد مكانًا إلا إلى يمين الإمام فهنا نقول: هذا محض ضرورة ولا بأس.
إذا قلنا: بأنه لا يقف عن يمين الإمام فماذا يعمل؟ الصحيح أنه يصلي خلف الصف وحده وأن صلاته صحيحة، ويمكن المؤلف سيذكرها.
يقول: (وإلَّا عن يمين الإمام، فإن لم يمكنه فله أن ينبه من يقوم معه) إذا لم يمكنه أن يتقدم إلى الإمام ويصلي إلى جنبه، مثل: أن يكون الإمام في مكان ضيق في طاق القبلة، والطاق يعني: المحراب لا يمكن أن يصف فيه أكثر من واحد، فهنا لا يتمكن أن يقف عن يمين الإمام، يقول: إذا (لم يمكنه) نقول: لضيق مكان أيش؟ لضيق مكان الإمام، (فله أن ينبه من يقوم معه)، (له) أي: لهذا الرجل (أن ينبه من يقوم معه) فيقول: يا فلان تأخر جزاك الله خيرًا لتصلي معي، ولكن يكره أن يجذبه بدون أن ينبهه، يكره بِجَذبه.
وهل يلزم المنبَّهَ أن يتأخر مع هذا الرجل؟
طالب: لا.
الشيخ: يقولون: إنه يلزمه أن يتأخر من أجل أن يصحح صلاة صاحبه، فهاهنا مسألتان: الأولى تتعلق بالداخل، والثانية تتعلق بالمصلين في الصف، أما الداخل فنقول: نَبِّه من يصلي معك، ويتأخر.
وأما المصلون فنقول لمن نُبِّهَ: يجب عليك أن تتأخر تكميلًا لصلاة صاحبك.
وفي المسألتين نظر، أما المسألة الأولى وهو أن ينبه من يقوم معه فإن الصحيح أنه ليس له ذلك؛ لأنه إذا نبهه أحرجه، ولأنه قد يكون من السؤال المذموم، فإن هذا الذي نبهته سوف يكون له عليك منة، ولأنه إذا فتح هذا الباب فقد يتأذى الناس كل من جاء وجد ليس معه أحد قلنا: اجذب أو نبه من يكون معك، ولأن هذا ليس من فعل الصحابة رضي الله عنهم أو التابعين.
وأما بالنسبة للثاني فإن الصحيح أنه لا يلزمه أن يرجع معه؛ لأننا لو قلنا بلزوم الرجوع لقلنا: إنه إذا لم يرجع فعليه إثم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164]، وكما أنه لا يلزمني أن أشتري لمن لم يجد الماء في الوضوء لا يلزمني أن أشتري له ماءً يتوضأ به، ولا أن أحصل له الماء فكذلك هذا، وتكميل العبادات ليس على غير العابد، تكميل العبادات على العابد نفسه، أما غيره فهو في حل منه، فماذا يعمل إذا كان ليس له أن ينبه من يقوم معه فماذا يصنع؟
المذهب يقف حتى ييسر الله له من يقوم معه أو يصلي وحده، والقول الصحيح الذي لا شك فيه أنه يصلي خلف الصف منفردًا متابعًا للإمام، ودليل ذلك أمور:
الأمر الأول: قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، وهذا الرجل الذي لم يجد مكانًا في الصف لم يستطع أكثر من ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، و ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
ثانيًا: أنه إذا قلنا: لا تصف، لزم من هذا أحد أمور: فإما أن يدع الصلاة مع الجماعة ويصلي وحده فتفوته صلاة الجماعة، وإما أن يتقدم إلى الإمام وقد ذكرنا أن هذا ليس من السنة، أو يجذب أحدًا معه، وقلنا: إن هذا أيضًا لا يجوز.
فما بقي عليه إلا أن يكون مع الإمام متابعًا له ولو كان منفردًا في الصف؛ لأن انفراده في المكان فقط أولى من انفراده في المكان والمتابعة؛ لأنا إذا قلنا: اذهب وصلِّ وحدك، انفرد عن الجماعة بماذا؟ في المكان والمتابعة، ولم تحصل له فضيلة الجماعة.
لكن إذا قلنا: صلِّ معهم منفردًا، انفرد بالمكان دون المتابعة، وقد ذكرنا فيما سبق أن أكثر أهل العلم صححوا صلاة المنفرد خلف الصف لعذر ولغير عذر، فيكون القول بتصحيح صلاة المنفرد خلف الصف للعذر قولًا وسطًا بين قولين متطرفين؛ يعني أحدهما يقول: لا بأس مطلقًا، والثاني يقول: لا تصح الصلاة ولو لعذر.
والغالب في أقوال العلماء إذا تدبرتها أن القول الوسط يكون هو الصواب؛ لأنَّ القول الوسط تجده أنه أخذ بأدلة هؤلاء وأدلة هؤلاء، فجمع بين الأدلة.
وانظروا مثلًا إلى العقائد، العقائد انقسم الناس في صفات الله إلى طرفين ووسط، غالٍ في الإثبات أثبتها مع التمثيل، وغالٍ في التنزيه نفاها، هذان طرفان، ووسط أثبتها مع نفي المماثلة، فصار وسطًا؛ لأنهم أخذوا لنصوص نفي التمثيل ونصوص إثبات الصفات فأثبتوا مع نفي التمثيل.
في القَدَر انقسم الناس طرفين ووسطًا، طرف غالوا في إثبات القدر وقالوا: إن الإنسان مجبر على فعله وليس له اختيار.
وطرف آخر غالَوْا في إثبات إرادة العبد وقدرته وقالوا: إن العبد مستقل بعمله ولا تعلق لِقَدَرِ الله فيه.
والقسم الثالث وسطٌ قالوا: إن الإنسان له إرادة واختيار في فعله، ولكنه مكتوب عند الله وبتقدير الله، فتوسطوا فصاروا على الصواب.
في باب الوعيد انقسم الناس أيضًا إلى طرفين ووسط، قسم أخذوا بنصوص الوعيد وتركوا نصوص الرجاء، وقسم آخر أخذوا بنصوص الرجاء وتركوا نصوص الوعيد، وقسم توسطوا.
فالقسم الأول أخذوا بنصوص الوعيد وأهدروا نصوص الرجاء وقالوا: من فعل كبيرة من كبائر الذنوب فإنه مخلدٌ في النار ولا تنفع فيه الشفاعة.
والقسم الثاني الذي يتطرف من جهة أخرى أخذوا بنصوص الرجاء وتركوا نصوص الوعيد وقالوا: فاعل الكبيرة لا يدخل النار، والنصوص الواردة في الوعيد إنما تنصب على الكفار لا على المؤمنين.
والثالث وسط قالوا: نصوص الوعيد نصوص ثابتة ورادة على مَن (... ) به، ولكن هذا الذي استحق هذا الوعيد تحت المشيئة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48].
في آل الرسول صلى الله عليه وسلم انقسم الناس إلى طرفين ووسط -آل الرسول قرابته- قسم غالوا في أهل الرسول غُلُوًّا كبيرًا حتى قالوا: إن أبا طالب نبي من الأنبياء، أبو طالب الذي شهِدَ لهُ الرسولُ عليه الصلاةُ والسلامُ بأنه في ضَحْضَاحٍ من نار يَغْلِي منهَا دماغُهُ (12)، قالوا: إنه نبي.
وأنا قرأت كتابًا مؤلفًا في هذا، نعم ونزَّلُوهم فوق منزلتهم.
وقسم بالعكس أبغضوهم وسبُّوهم وقدحوا فيهم.
الأول يتزعمه الروافض، والثاني يتزعمه النواصب ومنهم الخوارج، يعني الخوارج قاتلوا علي بن أبي طالب وخرجوا عليه واستباحوا قتاله.
والقسم الثالث وسط قالوا: إن آل البيت لهم حق علينا لا شك، المؤمن منهم له حقان: حق الإيمان، وحق القرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكننا لا نغلو فيهم كما غلت الرافضة ولَّا أيش؟ ولا نسبهم ونبغضهم كما فعل النواصب، بل نحن وسط.
في أسماء الإيمان والدين اختلف الناس أيضًا على طرفين ووسط؛ طرف قالوا: إذا فعل المؤمن كبيرة سميناه كافرًا، وهؤلاء هم الخوارج.
على العكس من ذلك الطرف المقابل قالوا: إذا فعل المؤمن كبيرة فهو مؤمن كامل الإيمان، وإيمانه كإيمان جبريل وكإيمان أبي بكر، لا فرق.
وهؤلاء مَن؟
طلبة: المرجئة.
الشيخ: المرجئة.
قسم ثالث قالوا: لا، هو مؤمن فاسق، مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته.
أو نقول: مؤمن ناقص الإيمان.
نُقَيِّده، فلا نقول: مؤمنٌ.
ونُطْلِق.
فأنت ترى دائمًا القول الوسط هو الذي يكون صحيحًا، ووجه ذلك واضح؛ لأن القول الوسط يأخذ من أدلة هؤلاء وأدلة هؤلاء، والقول الطرف يأخذ بأحد الأدلة ويَدَعُ الأدلة الأخرى.
فالقول الراجح في مسألتنا الفقهية -ونحن انتقلنا إلى مسألة عقدية- القول الراجح في مسألتنا هذه الفقهية أنَّ مَن صلى خلف الصف لتمام الصف فصلاته صحيحة، هذا هو القول الوسط.
طالب: هل يشرع أن يُقَرّب الجماعة إلى بعض مع أنه يعني قد يطول في الركعة والركعتين؟
الشيخ: إذا كان لا يؤذيهم فلا بأس، أما إذا كان يؤذيهم بحيث يخليهم يرصهم مرة فلا.
طالب: شيخ هل يا شيخ نُجْرِي هذا الحكم في معظم العبادات ودون العبادات قضية الوسط؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: إذا كان هناك عندنا مثلًا (... ) كلاهما تكلم فيهما، فيأتي واحد ويقول: أنا أريد أن آخذ بالوسط، هذا تكلم وهذا تكلم فيه، فأنا آخذ في الوسط.
وهل كل إنسان يعرف الوسط؟
الشيخ: إي، ما هو كل إنسان، (... ) على أهل العلم الذين هم أهل العلم، يعني مثلًا تيجي نقول: الغالب أن الوسط الغالب ما هو الدائم، الغالب أن الوسط هو الصواب (... ) طرفين هو الصحيح هو الصواب، لكن هذا هو الغالب.
فمثلًا فيه أحاديث تدل على وجوب الوتر، وأحاديث تدل على عدم وجوبه، توَسَّط أناسٌ وقالوا: مَن له ورد من الليل وجب عليه، ومن ليس له ورد من الليل لم يجب عليه.
فهذه ننظر، قد يقول قائل: إن الراجح هنا أن الوتر ليس بواجب مطلقًا؛ لأن قولَ الرسولِ عليه الصلاة والسلام للأعرابيِّ لما قال: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قال: «لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ» (13) في مقام البلاغ، والأعرابي متى يأتي إلى المدينة مرة ثانية؟ يدل على عدم وجوب الوتر.
طالب: شيخ كيف نُلْزِم مَن صلى وهو مثلًا قد أكل لحم جزور وهو جائع، كيف نُلزمه بأن يُعيد الصلاة؟
الشيخ: إي معلوم؛ لأنه صلى بغير وضوء.
الطالب: لكن عنده معْفُو عنه لجهله.
الشيخ: نعم لو صلى وهو يعلم لربما نقول: كافر.
كما قال أبو حنيفة: من صلى وهو محدث عالمًا بحدثه فهو كافر.
لو صلى وهو عالم فهو آثِمٌ بالاتفاق، أما الآن نقول: ليس بآثم، وهذا هو اللي رفعنا عنه بسبب جهله، ولكن وجوب الإعادة يجب عليه.
الطالب: لماذا (... )؟
الشيخ: أليس الرسولُ عليه الصلاة والسلام أمَر الذي يقولُ: واللهِ لَا أُحْسِنُ غيرَ هذا، فعلِّمْنِي، أمَرَه أَنْ يُعِيدَ (14)؟
الطالب: نعم.
الشيخ: مع أنه جاهل، فهناك فرْقٌ، وأنا كرَّرْتُ هذا كثيرًا، فرْقٌ بين المأمور الذي يجب تلافيه بالجهل والنسيان، وبين المحظور الذي لا يمكن تلافيه لأنه انتهى وراح.
فالمحظور إذا فعلته ناسيًا أو جاهلًا فلا إثم عليك، وكأنك لم تفعله؛ لأنه ليس له بدل، لكن المأمور لا بد أن تفعله، لما صلى الرسول الركعتين سلم من الركعتين ناسيًا، ما قيل: يُعْفَى عنك، تكفي الركعتان، كمِّل.
طالب: شيخ فتح الله عليك، إذا كان في الصف فرجةٌ لكن في الفرجة سارية (... ) فإذا صلى كأنه قد يخرج عن الصف اللي وراءه هل يصلي (... )؟
الشيخ: هذا سؤال جيد، يقول: لو كان في الصف فرجة من أجل سارية، السارية يعني العمود، فهل أدخلها مع أني عند السجود سوف أتأخر كذا؟ نقول: في هذه الحال إذا كان هناك ضرورة بحيث لم تجد مَن يقف معك فلا بأس، وإلا فلا تدخل.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى في باب صلاة الجماعة: (فإن صلى فذًّا ركعة لم تصح، وإن ركع فذًّا ثم دخل في الصف أو وقف معه آخر قبل سجود الإمام صحَّتْ)
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ما تقول فيمَن جاء إلى المسجد فوجد فرجة؟
طالب: يدخل فيها.
الشيخ: يدخل فيها، فإن وجد الصف تامًّا؟
الطالب: صلى وراء الصف منفردًا، بس تابع للإمام.
الشيخ: هذا القولُ الراجحُ، على كلام المؤلف؟
طالب: عن يمين الإمام، على كلام المؤلف أن يقف عن يمين الإمام.
الشيخ: يتقدم إلى يمين الإمام، أو يجذب؟
الطالب: أو يجذب أحدًا إلى الخلف.
الشيخ: إذا لم يمكن.
ما هو القول الراجح في هذه المسألة؟
طالب: أن يقف في الصف إذا ما وجد فرجة.
الشيخ: إذا لم يجد مكانًا في الصف أن يقف خلف الصف وحده.
إذا قال قائل: كيف نجيب عن قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا صَلَاةَ لِفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ» (15)؟
طالب: نجيب على ذلك: أنه إذا استطاع؛ يعني إذا لم يجد فرجة في الصف فإنه من الضرورات يقف خلف الصف، أما إذا وجد فرجة فإنه يدخل.
الشيخ: لكن الحديث ما هو عام: «لَا صَلَاةَ لِفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ» أو «لِمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ».
الطالب: صحيح بس من (... ) «لَا صَلَاةَ لِفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ» إذا لم يجد فرجة في الصف؛ يعني صلى بدون عذر.
الشيخ: إيه، يعني قد يوحي هذا الحديث بأن المعنى أنه وجد مكانًا لكن صلى خلف الصف، هذا جواب، جواب آخر؟
طالب: أنه عام مخصوص بقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] فجميع الواجبات تسقط بالعجز.
الشيخ: نعم، هذه اثنين.
طالب: قلنا: صحة الحديث (... ).
الشيخ: أن العلماء مختلفون في صحته، لكن على القول بأنه صحيح؟
الطالب: أن ذلك مخصص بقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].
الشيخ: هذه قالها رشيد.
طالب: ممكن أن يقاس على المرأة، صلاة المرأة خلف الصف (... ).
الشيخ: لا.
طالب: نقول ممكن يكون لنفي الكمال (... ).
الشيخ: نعم وهذا قاله الأئمة الثلاثة، الأئمة الثلاثة قالوا: إن النفي هنا لنفي الكمال، كقوله صلى الله عليه وسلم: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» (16). والنفي هنا نفي للكمال، وهذا القول ذهب إليه الأئمة الثلاثة ورواية عن أحمد.
لكننا نرجح خلاف هذا القول؛ لأنَّ الأصل في النفي نفي الوجود قبل كل شيء، فإن لم يمكن بأن كان الشيء موجودًا لا محالة فهو نفي للصحة؛ لأنَّ نفي الصحة نفي للوجود الشرعي، فالشيء إذا وُجد وهو فاسد فهو شرعًا أيش؟
طلبة: غير موجود.
الشيخ: غير موجود، فإن لم يمكن حمله على نفي الصحة فحينئذٍ يُحمل على نفي الكمال، فالرجوع إلى نفي الكمال يكون في المرتبة الثالثة، ولكننا نقول: هذا الحديث عام مخصوص بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].
قال المؤلف: (فإن صلى ركعة فذًّا لم تصح).
قوله: (فإن صلى ركعة فذًّا لم تصح) لا شك أن هذا مكرر مع ما سبق في قوله: (ولا الفذ خلفه أو خلف الصف إلا أن يكون امرأة) فإن قوله: (ولا الفذ خلف الصف) هو معنى قوله هنا: (فإن صلى ركعة فذًّا لم تصح) لكن المؤلف ذكر هذا تمهيدًا لقوله: (وإن ركع فذًّا ثم دخل في الصف أو وقف معه آخر قبل سجود الإمام صحت).
هاتان مسألتان الأولى قال: (إن ركع فذًّا) يعني وحده (ثم دخل في الصف) قبل سجود الإمام (صحت) صلاته؛ لزوال الفردية قبل تمام الركعة؛ لأنَّ هذا الرجل زالت فَرْدِيَّتُهُ قبل تمام ركعته، فصحت صلاته.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين أن يكون ذلك لعذر أو لغير عذر، فجعل المؤلف -رحمه الله- الغاية سجود الإمام، إذا زالت الفردية قبل سجود الإمام فصلاته صحيحة، وإن زالت بعد سجود الإمام أو لم تزل أبدًا فصلاته غير صحيحة.
مثال ذلك: رجل وقف خلف الصف وكبَّر وركع ورفع بدون عذر -الصف لم يتم- ثم جاء آخر فدخل معه قبل أن يسجد الإمام، فظاهر كلام المؤلف أن صلاته صحيحة؛ لأنه دخل معه مَن أزال فَذِّيَتَهُ قبل سجود الإمام.
كذلك أيضًا لو دخل في الصف قبل سجود الإمام؛ يعني ركع فذًّا ثم تقدم فدخل في الصف قبل سجود الإمام، يعني ولو بعد الركوع فصلاته صحيحة، هذا كلام المؤلف؛ لأن فذيته زالت قبل أن يسجد إِمامُه.
ولكن المذهب في هذه المسألة خلافُ ما مشى عليه المؤلف، وهو أنه إن كان لغير عذرٍ فرفع الإمام من الركوع قبل أن تزول فذيته فصلاته غير صحيحة؛ يعني يجعلون الغاية هي رفع الإمام من الركوع، فإذا رفع الإمام من الركوع قبل أن تزول فذيته فصلاته غير صحيحة، وإن زالت فذيته قبل أن يرفع الإمام من الركوع فصلاته صحيحة، هذا إذا كان لغير عذر، أما إذا كان لعذر فهو كما قال المؤلف العبرة بأيش؟
طلبة: بسجود الإمام.
الشيخ: بسجود الإمام، العبرة بسجود الإمام، فما هو العذر الذي يمكن أن يكون هنا؟ قالوا: إن العذر هو خوف فوت الركعة، فإذا كان هذا الرجل يخشى إذا تقدم حتى ينتهي إلى الصف أن تفوته الركعة فله أن يكبر ويركع فذًّا ثم يدخل في الصف قبل أن يسجد الإمام، فإن سجد الإمام قبل أن تزول فذيته ولو لعذر فصلاته غير صحيحة، هذا هو المشهور من المذهب، أي أنهم يفرقون بين الذي بين الذي انفرد لعذر والذي انفرد لغير عذر، فإذا كان لغير عذر فالعبرة بأيش؟
طلبة: برفع الإمام من الركوع.
الشيخ: برفع الإمام من الركوع، وإن كان لعذر فالعبرة بسجود الإمام، والصحيح في هذه المسألة أنه إذا كان لعذرٍ فصلاته صحيحة مطلقة، والعذر تمام الصف، فإذا كان الصف تامًّا فصلاته صحيحة بكل حال، حتى وإن بقي منفردًا إلى آخر الصلاة فصلاته صحيحة، أما إذا كان لغير عذر فإن الغاية رفع الإمام من الركوع، إذا رفع الإمام من الركوع قبل أن تزول فذيته فصلاته غير صحيحة، وإن زالت فذيته قبل رفع الإمام من الركوع فصلاته صحيحة، دليل ذلك:
أما المسألة الأولى: إذا كان لعذر فقد عرفتم دليلها فيما سبق، وأما الثانية: فدليلها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (17). وهذا الرجل أدرك الركوع مع الإمام، أي إنه لم يرفع الإمام من الركوع حتى زالت فذيته وصار غير منفرد، هذا هو القول الصحيح في هذه المسألة.
فصار القول الصحيح التفصيل فيه، إذا كان لعذر -والعذر تمام الصف- فصلاته صحيحة مطلقًا، إذا كان لغير عذر فإنه يعتبر برفع الإمام من الركوع، إن زالت فذيته قبل رفع الإمام من الركوع فصلاته صحيحة؛ لأنه أدرك الركوع وهو قد زالت فذيته، وإن رفع الإمام من الركوع قبل أن تزول فذيته فصلاته غير صحيحة.
فإذا قال قائل: ما هو الدليل على أنه إذا أدرك الركوع مع الإمام وزالت فذيته فصلاته صحيحة؟
نقول: الدليل على ذلك: حديثُ أبي بكرة رضي الله عنه أنهُ أدركَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم رَاكِعًا، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ، ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّفِّ، فَلَمَّا سَلَّم قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلَّم: «زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ» (18).
فدعا له ونهاه أن يعود؛ لأنَّ المشروع ألَّا تدخل في الصلاة حتى تصل إلى الصف، ولم يأمره بالإعادة ولا بإعادة الركعة، فدل هذا على أن ركعته صحيحة، وهو كذلك.
ثم قال المؤلف رحمه الله:
(فصل في أحكام الاقتداء)
يعني معناه اقتداء المأموم بالإمام، وقد سبق أنه يجب على المأموم متابعة الإمام، وأن المأموم بهذا الاعتبار ينقسم إلى كم؟
طالب: أربعة أقسام.
الشيخ: إلى أربعة أقسام، وهي: متابعة، ومسابقة، وموافقة، وتخلف.
لكن ليس المراد بهذا الفصل هذه المسألة، المراد في أي مكان يصح اقتداء المأموم بإمامه، هل يشترط لصحة الاقتداء أن يكون في مكان واحد، أو يجوز أن يقتدي به ولو كانا في مكانين متباينين؟ هذا هو المقصود في هذا الفصل.
يقول المؤلف: (يصح اقتداء المأموم بالإمام في المسجد).
(في المسجد) يعني: في المسجد الواحد، فإذا كان الإمام والمأموم في مسجد واحد صح اقتداء المأموم بالإمام ولو كان بينهما مسافات، ولاحِظوا أنه لا بد أن يكون مع المأموم مَن يزيل أيش؟
طلبة: فرديته.
الشيخ: فرديته، لا بد من هذا، لكن لا يشترط أن يلي الإمام، فلو أن أحدًا ائتَمَّ بالإمام وهو في مؤخر المسجد والإمام في مقدمه وبينهما مثلًا خمسون مترًا فالصلاة صحيحة؛ لأن المكان واحد والاقتداء ممكن.
وسواء رأى الإمام أم لم يره أو رأى المأمومين أم لم يرهم؛ ولهذا قال: (وإن لم يره) أي: يرى الإمام (ولا مَن وراءَه إذا سمع التكبير) معلوم أنه لا بد من سماع التكبير لماذا؟ لأنه لا يمكن الاقتداء به إلَّا بسماع التكبير، إما منه أو ممن يبلغ عنه، فصار الشرط -صحة اقتداء المأموم بإمامه في المسجد- شرطًا واحدًا فقط، وهو سماع التكبير؛ لأنه بذلك يمكنه الاقتداء والمكان واحد.
فإن كان خارجه يقول المؤلف: (وكذا خارجه إن رأى الإمام أو المأمومين)، فاشترط المؤلف -رحمه الله- فيما إذا كان المأموم خارج المسجد أن يرى الإمام أو المأمومين؛ ولهذا قال: (إن رأى الإمام أو المأمومين).
وظاهر كلامه -رحمه الله- أنه لا يشترط اتصال الصفوف، فلو فرض أن شخصًا جارًا للمسجد ويرى المأمومين أو الإمام مِن شُبَّاكِه وصلى في بيته ومعه أحدٌ يُزيل فذيته فإنه يصح اقتداؤُه بهذا الإمام؛ لأنه يسمع التكبير ويرى الإمام أو المأمومين.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا بد أن يرى الإمام أو المأمومين في جميع الصلاة؛ لئلا يفوته الاقتداء، ولكن المذهب لا يشترط أن يراهم في جميع الصلاة، يكفي إذا رأى ولو في بعض الصلاة، إذن إذا كان خارج المسجد يشترط لذلك شرطان، الشرط الأول؟
طلبة: السماع.
الشيخ: سماع التكبير، الشرط الثاني: رؤية الإمام أو المأمومين إما في كل الصلاة على ظاهر كلام المؤلف، أو في بعض الصلاة.
وظاهر كلامه أنه لا يشترط اتصال الصفوف، ولكن القول الثاني في المسألة وهو الذي مشى عليه صاحب المقنع أصل هذا الكتاب؛ أنه لا بد من اتصال الصفوف، وأنه لا يصح اقتداء من كان خارج المسجد إلا إذا كانت الصفوف متصلة.
وذلك لأن الواجب في الجماعة أن تكون مجتمعة في الأفعال وهو المتابعة -متابعة المأموم للإمام- والثاني المكان، وإلا لقلنا: إنه يصح أن يكون إمامٌ ومأمومٌ واحدٌ في المسجد، ورجلانِ في حجرة بينهما وبين المسجد مسافة، ورجلان اثنان بينهما وبين المسجد مسافة في حجرة ثالثة، ولا شك أن هذا توزيع للجماعة لا سيما على قول من يقول: إنه يجب أن تُصلَّى الجماعة في المساجد.
فالصواب في هذه المسألة أنه لا بد من اتصال الصفوف، فإن لم تكن متصلة فإن الصلاة لا تصح.
ولنطبق هذه المسألة على الواقع، يوجد حول الحرم عمارات فيها شقق يصلي فيها الناس وهم يرون الإمام أو المأمومين إما في الصلاة كلها أو في بعضها.
فعلى كلام المؤلف تكون الصلاة صحيحة ونقول لهم: إذا سمعتم الإقامة فابقَوْا في مكانكم وصلُّوا مع الإمام ولا تذهبوا إلى المسجد الحرام.
وعلى القول الثاني: لا تصح الصلاة؛ لأن الصفوف غير متصلة، وهذا القول هو الصحيح، وبه يندفع ما أفتى به بعض المعاصرين من أنه يجوز الاقتداء بالإمام خلف المذياع، وكتب في ذلك رسالة سماها: الإقناع بصحة صلاة المأموم خلف المذياع.
وعلى هذا نقول: لا نصلي الجمعة في المسجد هنا؛ لأن اقتداءنا بإمام المسجد الحرام أفضل، كم جماعة في المسجد الحرام؟
طالب: ملايين.
الشيخ: ألوف، بينما المسجد هذا يمكن سبع مئة نفرٍ مثلًا.
طالب: (... ).
الشيخ: نعم، إذن ما حاجة، نبقى في بيوتنا ونصلي الجمعة مع الحرم خلف المذياع، أيضًا والذي يقول: خلف المذياع، لا يشترط الرؤية؛ لأن المذياع لا يُرى فيه المأمومُ ولا الإمامُ، فإذا جاء التلفزيون يكون من باب أولى، وعلى هذا نقول: اجعل التلفزيون أمامك وصلِّ خلف إمام الحرم، واحمد الله على هذه النعمة يشاركك في هذه الصلاة آلاف الناس، وفي صلاتك في مسجدك ما تبلغون الألف.
ولكن هذا القول لا شك أنه قول باطل ولا أحد يقول به؛ لأنه يؤدي إلى ترك الجُمَع، وأنا رأيت شخصًا يصلي بجماعة لكنهم جماعة لا يرون الصلاة إلا خلف الإمام المعصوم جالسًا على جدار قصير ومعه مكبر صوت والقبلة خلفه والجماعة أمامه، فيقول: الله أكبر، فيكبرون للإحرام، هو ما بيصلي هو، أمامهم جالس على الجدار، ثم يقول: الله أكبر فيركعون، ثم يقول: سمع الله لمن حمده فينهضون، ثم يقول: الله أكبر فيسجدون وهكذا.
هذا الذي يصلي خلف المذياع يصلي خلف إمام ليس بين يديه وبينهما مسافات كثيرة، وهو فتْحُ بابٍ للشر؛ لأن المتهاون بصلاة الجمعة يستطيع أن يقول: ما دامت الصلاة تصح خلف المذياع والتلفزيون فأنا أريد أن أصلي في بيتي ومعي ابني أو أخي أو ما أشبه ذلك نكون صفًّا.
لكن القول الراجح إذا أخذنا به قطعنا على هذا خط الرجعة كما يقولون؛ لأننا نقول له: لا يصح الاقتداء بإمامة المسجد الحرام إلا إذا اتصلت الصفوف من مكة إلى لاهور.
طالب: (... ).
الشيخ: إي نعم، وهذا غير ممكن إلا (... ) في الحشر ما ندري الله أعلم، على كل حال القول الراجح أنه لا بد من شروط ثلاثة؛ الأول: سماع التكبير، والثاني؟
الطلبة: الرؤية.
الشيخ: الرؤية وفيها نظر حتى الرؤية فيها نظر ما دام يسمع التكبير فالرؤية ما هي ضرورية، لكن لا بد من؟
طالب: اتصال الصفوف.
الشيخ: اتصال الصفوف، وعلى هذا فنقول في المسجد الحرام: إذا امتلأ المسجد واتصلت الصفوف وصلى الناس في الأسواق وصلًّوْا أيضًا على عتب الدكاكين فإن هذا لا بأس به.
يقول: (إن رأى الإمامَ أو المأمومين، وتصح خلف إمام عالٍ عنهم).
(تصح) الضمير يعود على صلاة المأمومين، (خلف إمام عالٍ عنهم) يعني: فوقهم مثل أن يكون هو في الطابق الأعلى وهم في الطابق الأسفل، وهذا يقع كثيرًا في الدكة اللي يسمونها الدكة، أو اللي هي الدكة أو الْخَلوة، خَلوة في الأسفل، بعضهم يسميها البدروم أظن.
طالب: الكبو.
الشيخ: والكبو.
طالب: والمخبأ.
الشيخ: والمخبأ.
طالب: (... ).
الشيخ: على كل أنتم عارفينه الآن، الإمام فوق هؤلاء تصح الصلاة ولا حرج فيها، ودليل صحة الصلاة خلف الإمام إذا كان عاليًا أن النبي صلى الله عليه وسلم: لما صُنِعَ المنبرُ صارَ يصلي عليهِ، يَصْعَدُ ويقرأُ ويركعُ، فإذا أرادَ أن يسجدَ نزلَ منَ المنبرِ فسجدَ فِي الأرضِ، وقالَ: «فَعَلْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي» (19).
لكن المؤلف يقول: (ويُكره إذا كان العلوُّ ذراعًا فأكثرَ).
(يُكره) أي شيء؟
الطلبة: (... ).
الشيخ: يُكره علوُّ الإمام إذا كان ذراعًا فأكثر، ولكن ليس لهذا دليلٌ بيِّنٌ؛ لأن الحديث الذي استدلوا به: «إِذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ فَلَا يَقُومَنَّ فِي مَكَانٍ أَرْفَعَ مِنْ مَكَانِهِمْ» (20) لا تقوم به الحجة، ولو صح لأمكن الجمع بينه وبين حديث الصحيحين الثابت في أنَّ الرسولَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ صلَّى بهمْ على المنبر ِ (21).
فعلى ما ذهب إليه الأصحاب -رحمهم الله- من الأخذ بهذا الحديث يقولون: إن الجمع هو أن المنبر لا يتجاوز الذراع غالبًا، فيُحمَل هذا الحديث على ما إذا كان العلوُّ كثيرًا، ولكن يبقى النظر أن يقال: مَن الذي قدَّره بالذراع؟ يقول: لأن الغالب أن درجات المنبر لا تزيد على الذراع، الدرجة السفلى منه لا تزيد عن الذراع.
والخلاصة: أن المؤلف -رحمه الله- يرى أنه لا بأس أن يكون الإمام أعلى من المأموم إلا أنه يكره إذا كان العلو ذراعًا فأكثر.
والقول الثاني: أنه لا يكره مطلقًا بناء على أن الحديث الذي استدل به الأصحاب -رحمهم الله- ضعيف، والضعيف لا تقوم به حجة.
واستثنى بعض العلماء من هذه المسألة قال: إذا كان الإمام منفردًا بمكانه، أما إذا كان معه أحد فإنه لا يكره ولو زاد على الذراع؛ لأنَّ الحقيقة أن الإمام لم ينفرد بمكانه، خدو بالكم، هذا ذهب إليه بعض العلماء وقال: إنما يكره حيث أيش؟
الطلبة: انفرد الإمام.
الشيخ: حيث انفرد الإمام بالمكان، أما إذا لم ينفرد فلا بأس، وهذا لا شك أنه قول وجيه؛ لأنه إذا انفرد الإمام بمكان والمأمومون بمكان آخر، فأين صلاة الجماعة؟ أين الاجتماع؟ ما فيه اجتماع، لو كان المأموم هو الأعلى فهل يكره؟ لا يكره، فإذا كان الإمام هو الذي في الأسفل في الْخَلوة مثلًا وفيه أناس يصلون فوق فلا حرج ولا بأس.
يقول رحمه الله: (ويكره إذا كان العلو ذراعًا فأكثر)
الذراع هل المعتبر ذراع الحديد أم ذراع اليد؟ المعتبر ذراع اليد؛ لأن هذا هو المعروف في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.
والمراد باليد: اليد المتوسطة؛ لأن بعض الناس يكون ذراعه طويلًا، وبعض الناس يكون ذراعه قصيرًا، فالعبرة بالذراع المتوسط.
قال رحمه الله: (ويُكره إذا كان العلو ذراعًا فأكثر كإمامته في الطاق)
(إمامته في الطاق) ما معنى إمامته في الطاق؟ معنى إمامته في الطاق يعني كدخول الإمام في الطاق، والمراد بالطاق: طاق القبلة الذي يسمى المحراب، وأنتم تعرفون أن طاق القبلة يكون مقوسًا مفتوحًا في عرض الجدار، فيكون أحيانًا واسعًا بحيث يقف الإمام فيه ويصلي ويسجد في نفس المحراب.
يقول المؤلف: إن هذا مكروه؛ أن يكون الإمام في طاق القبلة؛ لآثار وردت عن الصحابة -رضي الله عنهم- ولأنه إذا دخل في الطاق استتر عن بعض المأمومين فلا يرونه، لو أخطأ في قيام أو قعود أو ركوع أو سجود؛ فلهذا يكره.
ولكن إذا كان لحاجة مثل أن تكون الجماعة كثيرة واحتاج الإمام أن يتقدم حتى يكون في الطاق فإن هذا لا بأس به، ويمكن أن نأخذ من كلام المؤلف أن هذا الطاق الذي هو المحراب ليس بمكروه، وهو كذلك.
فاتخاذ المحراب ليس بمكروه، وإن كان بعض العلماء استحبه، وقال: إنه مستحب لما فيه من الدلالة على القبلة وعلى مكان الإمام.
وبعضهم كره وقال: إنه غير معروف في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وإن الرسول عليه الصلاة والسلام نَهَى عنِ اتِّخَاذِ المساجِدِ مذابحَ كَمذابحِ النصارى (22) يجعلون لهم الطاق، فهذا يقتضي كراهته، ولكن الصحيح أنه مباح؛ لا نأمر به ولا ننهى عنه.
والقول بأنه مستحب أقربُ إلى الصواب من القول بأنه مكروه؛ لأن الذي ورد فيه النهي مذابح كمذابح النصارى؛ يعني: أن نتخذ محاريب كمحاريب النصارى، أما إذا كانت تختلف عنهم فلا كراهة؛ لأن العلة في المحاريب المشابهة لمحاريب النصارى هي التشبه بهم، فإذا لم يكن تشبهٌّ فلا كراهة.
نعم قد يقول قائل: إذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام لم يفعلها فما بالنا نفعلها؟ نقول: نعم إن النبي عليه الصلاة والسلام لم يفعلها إما لعدم حاجته إليها، أو لأن الأمور في ذلك الوقت قد تكلف في البناء أو لغير ذلك من الأسباب.
المهم ما دامت ليست مأخوذة على وجه التعبد؛ يعني لم يتخذها الإنسان على وجه التعبد وفيها مصلحة تبين للناس محل القبلة فكيف نكرهها؟ ولو تصورت الآن أن المسجد ليس فيه محراب ثم دخل رجل غريب فسوف تشتبه عليه القبلة؛ ولهذا مر علينا في باب استقبال القبلة أنه يستدل عليها بالمحاريب الإسلامية، ففيها فائدة.
وأنا أذكر مرة في الرياض أول ما ظهرت الفُرش في المساجد وكان لها شيء يشبه المحراب، والفَرَّاشُ فرشها بالعكس، جعل وجوهها إلى عكس القبلة، فدخل رجل ونحن جالسون فاستقبل أوجه هذه الفُرش وجعل القبلة خلف ظهره؛ لأنه لم يتقدم إلى مقدم المسجد ينظر المحراب.
على كل حال أنا قصدي بهذا أن هذه المحاريب فيه فائدة، وهي الاستدلال بها على القبلة.
يقول: (كإمامته في الطاق):
أما إذا كان الإمام تجاه الطاق ولكن لم يدخل فيه ولم يتغيب عن الناس ولكنه محل سجوده يكون في الطاق فإن هذا لا بأس به.
طالب: شيخ -فتح الله عليك- إذا هناك فيه صف في الصلاة ولكن لم يكتمل، ثم دخل رجلان وصليا خلف الصف اللي ما اكتمل في أثناء الصلاة أحدث أحدهما وخرج، فهل هذا الفذ يقطع صلاته (... ) صلى؟
الشيخ: يقول: رجلان صفَّا والصف لم يتم، ثم إن أحدهما تبين له أنه على غير وضوء أو أحدث في أثناء الصلاة وانفصل، فهل يبقى هذا فذًّا؟ نقول: لا، إذا أمكنه أن يدخل في الصف فيدخل، أما إذا لم يمكن فيكون معذورًا ويكمل فذًّا.
طالب: (... ) صلى فذًّا ركعة، وجاء بعد ركعة رجلٌ وقف إلى جنبه، وبعد يعيد ركعة واحدة ولا بطلت؟
الشيخ: لا.
تبطل صلاته.
الطالب: جميعًا.
الشيخ: إي نعم؛ لأنه لما صلى ركعة بلا عذر بطلت أصلًا، وإذا بطلت الركعة بطل ما يُبنى عليها.
طالب: توجيه يا شيخ حديث أمْر النبي صلى الله عليه وسلم الَّذي صلَّى وراءَه صلَّى لوحدهِ: صلِّ خلْف الإمامِ (23). توجيه الأئمة الثلاثة لهذا الفعل، أمَرَه أن يعيد الصلاة.
الشيخ: نعم، يقول هذا على سبيل الاستحباب.
الطالب: أمره أن يعيد الصلاة.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: الاستحباب؟
الشيخ: إي نعم، أمره على سبيل الاستحباب لأجل أن تكون أكمل.
الطالب: وأنتم كيف توجهونه على قولكم؟
الشيخ: أُوَجِّهُ بأن هذا قضية عين، فيحتمل أن الصف ما تمَّ؛ لأن قوله: رأى رجلًا يصلي وحده خلف الصف، ما يدري هل الصف تام ولا غير تام؟
طالب: يا شيخ جزاك الله خيرًا، المسجد الحرام إذا أقيمت الصلاة واصطفينا في الصف يكون الصف المتقدم عنا فراغًا، فإذا (... ) صار اللي قدام أيضًا فراغ، فإذا (... ) كذلك أوتي الركعة (... ).
الشيخ: والله اللي أرى أنا في المسجد الحرام أنك تحرص على الصف المقدم، لكن إذا انفتحت فرجة لا تتقدم لأنه مشكل، إذا انفتحت فرجة وتقدمت فتحْتَ فرجة بالصف الذي أنت فيه، وربما أيضًا يكون الصف اللي أمامك لم يتم أيضًا وصفك أنت تام، وهذا يقع كثيرًا، يكون الصف اللي بين إيديك تجد ما فيه إلا أربعة خمسة، والصف اللي أنت فيه كله مملوء دائر المسجد، فهذا الذي أنت فيه أحسن من ذاك.
طالب: شيخ (... ) في المسجد، ويكون مصلى النساء داخل سُور المسجد، ومنفصلة هذه الغرفة، هم يسمعون في السمَّاعات، هذه لا بد أن يكون داخل المسجد أم؟
الشيخ: ما دامت الغرفة داخل السور فلا بأس، تعتبر من المسجد هذه.
طالب: شيخ (... ) إذا توفرت الدواعي في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفعله، ما يكون فعله بعده بدعة؟
الشيخ: هذا إذا قُصِد به العبادة صار بدعة لا شك.
الطالب: وما الوسائل إليها يا شيخ؟
الشيخ: الوسائل نرى أنها لها حكم المقاصد، فمثلًا الآن عندنا هذه الخطوط التي للصفوف نقول: إنها ليست ببدعة؛ لأنها ليست مقصودة بذاتها، وإنما هي وسيلة.
الطالب: ما نقول لها حكم المقاصد يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: والمقصد عبادة.
الشيخ: لا؛ لأنَّ العبادة لا تتم إلا بهذا، يكون هذا له حكم العبادة، ما هي ليست العبادة هي التابعة، هذا تابع للعبادة.
الطالب: (... ).
الشيخ: نعم نقول: هذا لما كان وسيلة للعبادة صار تابعًا لها، وليست العبادة هي التابعة له حتى نقول: إنها مبنية على بدعة، فتكون بدعة، نقول: هو تابع للعبادة، فما دامت العبادة تكمل بهذا الشيء فإنه يكون تابعًا لها.
فنحن نقول: لا نقول للناس: افعلوه على أنه مستحب -أعني المحراب- لكن افعلوه على أنه مباح، صار الناس لا يعرفون القبلة إلا به، ويعرفون صدر المسجد والصف الأول وما أشبه ذلك.
طالب: يا شيخ في بعض الأمصار بعضهم يرسم رسمًا يرسم الطاق رسمًا (... )؟
الشيخ: هذا أيضًا طيب، إذا رُسِمَ لا بأس يحصل به المقصود.
طالب: شيخ القاعدة المعروفة عند أهل العلم: أن العموم في مقام نزل العموم في الأحوال.
الشيخ: العموم؟
الطالب: في الأقوال ينزل بمنزلة العموم في الأحوال.
الشيخ: هو أصل القول هو دال على العموم، القول العام يكون دالًّا على العموم.
طالب: أمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي صلى خلف الصف ولم يستفسر (... ).
الشيخ: لا ما هي ذلك ما (... ) هذه، هذه نقول: لأنه لما كان فيه احتمال أن الصف لم يتم فإذا وُجِد الاحتمال سقط الاستدلال.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما هو الذي يُشترط لصحة الاقتداء؛ اقتداء المأموم بالإمام إذا كان في المسجد؟
طالب: يشترط سماع التكبير.
الشيخ: سماع التكبير فقط؟
الطالب: واتصال الصفوف إذا كان خارج المسجد.
الشيخ: أنا أقولك في داخل المسجد.
الطالب: (... ) اتصال الصفوف، سماع التكبير فقط.
الشيخ: فقط؟ ما يشترط شيء؟
الطالب: عمومًا إن فيها نظرًا إذا دعت الضرورة، على ما ذكر المؤلف مَن يرى الإمام أو المأمومين.
الشيخ: أنا أقول: إذا كان في المسجد؟
طالب: مع سماع التكبير.
الشيخ: سماع التكبير فقط؟ ما يشترط غيره؟
الطالب: أبدًا.
الشيخ: أبدًا علم ولا ظن؟
الطالب: علم إن شاء الله.
الشيخ: صحيح، إذا كان في المسجد لا يشترط إلا سماع التكبير حتى لو تباعد ما بينهما بأن كان المأموم في مؤخرة المسجد والإمام في مقدمه، لكن لا شك أن تقارب الصفوف بعضها من بعض هو السنة والأفضل.
إذا كان خارج المسجد؟
طالب: يُشترَط ثلاثة شروط أو شرطان؛ الشرط الأول: سماع التكبير، واتصال الصفوف، وقلنا: رؤية المأمومين (... ).
الشيخ: كلام المؤلف ما الذي اشترط؟
الطالب: شرطين.
الشيخ: وهما؟
الطالب: سماع التكبير، واتصال الصفوف.
الشيخ: هذا كلام المؤلف؟
الطالب: سماع التكبير، ورؤية المأمومين.
الشيخ: دون رؤية الإمام؟
الطالب: دون رؤية الإمام.
الشيخ: دون رؤية الإمام.
طالب: رؤية الإمام أو المأموم.
الشيخ: العلم يا أحمد العلم إذا لم تعطه كلك فاتك.
الطالب: رؤية الإمام أو المأموم.
الشيخ: يعني يشترط شرطان: سماع التكبير، ورؤية الإمام أو المأمومين صح، هذا على كلام المؤلف.
هل يُشترَط شرطٌ ثالثٌ على قوله ولَّا لا؟
طالب: إذا كان خارج المسجد (... ) يسمع التكبير (... ).
الشيخ: هو اشترط (... ) كلام المؤلف سماع التكبير ورؤية الإمام أو المأمومين.
طالب: اتصال الصفوف على الصحيح.
الشيخ: اتصال الصفوف على القول الراجح الذي اختاره الموفق وجماعة من العلماء، فصار الآن الذي في المسجد لا يُشترط إلا سماع التكبير فقط، عرفتم؟ سواء كان من الإمام أو مِن مُبَلِّغٍ عنه، أما من الإمام فظاهر، أما من الْمُبَلِّغ عنه ذكرنا لكم قصة مَن؟
طالب: أبو بكر.
الشيخ: أبي بكر رضي الله عنه.
أما خارجه فلا بد من شرطين؛ الأول: سماع التكبير، والثاني: اتصال الصفوف على الصحيح، والثالث على رأي المؤلف: أن يرى الإمام أو المأمومين، وهذا قلنا لكم: إن فيه نظرًا؛ لأنه لا يتوقف متابعة الإمام على الرؤية، لا تتوقف على الرؤية؛ ولهذا يصح اقتداء الأعمى بالإمام.
وتَطَوُّعِه مَوْضِعَ الْمَكتوبةِ إلا مِن حاجةٍ، وإطالةُ قُعودِه بعدَ الصلاةِ مُستَقْبِلَ القِبلةِ، فإن كان ثَمَّ نِساءٌ لَبِثَ قليلًا ليَنْصَرِفْنَ، ويُكْرَهُ وُقوفُهم بينَ السواري إذا قَطَعْنَ الصفوفَ.
(فصلٌ) ويُعْذَرُ بتَرْكِ جُمُعَةٍ وجماعةٍ مريضٌ ومدافِعٌ أحدَ الأَخْبَثَيْنِ، ومَن بِحَضْرَةِ طعامٍ مُحتاجٌ إليه، وخائِفٌ من ضَياعِ مالِه أو فَواتِه أو ضَرَرٍ فيه، أو موتِ قَريبِه أو على نفسِه من ضَررٍ أو سُلطانٍ أو مُلازَمَةِ غَريمٍ ولا شيءَ معه، أو من فواتِ رُفْقَةٍ، أو غَلَبَةِ نُعاسٍ، أو أَذًى بِمَطَرٍ أو وَحْلٍ، وبِريحٍ باردةٍ شديدةٍ في ليلةٍ مُظلِمَةٍ.
على كلام المؤلف، هل يشترط شرط ثالث على قول؟
طالب: إي، إذا كان خارج مسجد، إلا أنه يسمع التكبير أيضًا.
الشيخ: هو اشتراط لازم، حتى كلام المؤلف، سماع التكبير، ورؤية الإمام والمأمومين.
طالب: اتصال الصفوف على الصحيح.
الشيخ: اتصال الصفوف على القول الراجح الذي اختاره الموفق وجماعة من العلماء.
فصار الآن الذي في المسجد لا يشترط إلا سماع التكبير فقط، سواء كان من الإمام، أو من مبلغ عنه؛ أما من الإمام فظاهر، أما المبلغ عنه ذكرنا لكم قصة من؟
طالب: أبو بكر.
الشيخ: أبي بكر رضي الله عنه، أما خارجه فلا بد من شرطين:
الأول: سماع التكبير.
والثاني: اتصال الصفوف على الصحيح.
والثالث -على رأي المؤلف-: أن يرى الإمام أو المأمومين.
وهذا قلنا لكم: إن فيه نظرًا؛ لأنه لا يتوقف متابعة الإمام على الرؤية؛ ولهذا يصح اقتداء الأعمى بالإمام، واقتداء المأمومين إذا كانوا في ظلمة، أهم شيء هو سماع التكبير.
هل يجوز أن يكون الإمام أعلى من المأموم؟
طالب: نعم، يجوز، ولكن ضيق الحال.
الشيخ: سواء كان العلو يسيرًا أو كثيرًا؟
طالب: لا، إن كان ذراعًا فأقل فلا يكره، وإن كان أكثر من ذراع فيكره.
الشيخ: فيكره، ما هو دليلك على هذا التفصيل؟
الطالب: لحديث روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ فَلَا يَقُومَنَّ فِي مَكَانٍ أَعْلَى مِنْهُمْ» (1).
الشيخ: هذا نهي عام!
الطالب: قالوا: حمل النهي على الكراهة.
الشيخ: لا، أقول: عام! ليس فيه أنه إذا كان يسيرًا أو كثيرًا.
الطالب: إي نعم، لكن ورد حديث آخر، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على منبره (2). وقالوا: جمعًا بين الأخبار أن غالبًا ما يكون المنبر -درج السلم- أقل من ذراع.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: فيكون هذا مخصصًا.
الشيخ: مخصصًا لعموم هذا الحديث.
القول الثاني في المسألة؟
طالب: القول الثاني في المسألة: أنه لا يكره هذا.
الشيخ: لا يكره، ولو زاد علوه عن ذراع ما دام يمكن الاقتداء.
طيب، بماذا نجيب عن الحديث؟
طالب: نجيب عن الحديث أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: أن الحديث ضعيف.
نعم، نجيب عن هذا بأنه حديث ضعيف، فلا تقوم به حجة.
طالب: فيه قول ثالث.
الشيخ: ما هو؟
طالب: أنها لا تكره مطلقًا إلا للحاجة.
الشيخ: هذا هو، اللي قاله.
طالب: الحاجة لعلو الإمام.
الشيخ: لا، هذا هو الأول.
طالب: يمكن يقال: لا يجوز، ويؤخذ بالحديث، ويوجه الحديث يا شيخ، حديث سهل: صلاته على المنبر، لأنه قال: «فَعَلْتُ لِتَأَتَمُّوا بِي وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي» (2).
الشيخ: نعم.
الطالب: وممكن نقول بالتحريم.
الشيخ: لا، ما نقول بالتحريم، إحنا نقول: ها الحديث ضعيف، حديث النهي ضعيف، ويبقى -لا شك- أن الأولى أن يكون الإمام مساويًا للمأموم، لا فيه علو للإمام، ولا فيه علو للمأموم.
علو المأموم؟
طالب: كذلك عكس الإمام.
الشيخ: يعني لا بأس به؟
طالب: لا بأس به.
الشيخ: لا بأس به.
لماذا قلنا: إنه لا بأس به؟ علل كما تحب؛ يعني مثلًا يكون الإمام هنا والمأموم فوق.
طالب: يقولون: إن الإمامة في الصلاة تفيد ارتفاع المنزلة، فلما ارتفع عنهم صار كأن قصده التكبر، أما المأموم فليس في هذه المنزلة؛ منزلة الإمام.
الشيخ: هذه تقتضي العكس، كيف أن الإمامة تقتضي أن يكون الإمام أرفع، ثم يصير في الأسفل؟
طالب: ذكره صاحب الحاشية يا شيخ.
طالب آخر: شيخ، ما ورد النهي.
الشيخ: صح، هذا هو؛ لأنه لم يرد في هذا نهي، والجماعة حاصلة بالعلو والمساواة؛ يعني: الجماعة تحصل بعلو المأموم عن الإمام، أو مساواته له، وإذا لم يرد نهي فالأصل الصحة والحل، وهذا هو الذي جعلنا نقول: إن علو الإمام ولو زاد على الذراع جائز بناء على أن الحديث ضعيف لا تقوم به حجة.
ذكرنا أن الموفق رحمه الله قال: إن هذا الحكم فيما إذا لم يكن مع الإمام أحد، فإن كان معه أحد فلا كراهة؛ يعني مثلًا لو كان الإمام يصلي فوق ومعه جماعة، وفيه ناس يصلون تحت، فإن هذا ليس فيه كراهة، ما دام مع الإمام واحد فأكثر؛ لأن صورة الجماعة حصلت باجتماع شخص إلى الإمام.
بخلاف ما لو كان وحده فوق في السطح، والناس تحته، من يعرف أن هؤلاء جماعة، وأن هذا إمامهم؟ المؤلف يقول: (إنه تكره الإمامة في الطاق)، أيش معنى ها الكلام هذا؟
طالب: المنبر.
الشيخ: المنبر، لا، المنبر ما هو طاق.
الطالب: المحراب.
الشيخ: ويش معنى إمامته في الطاق، يعني في المحراب، ويش معناها؟
الطالب: يعني يدخل في داخل المحراب.
الشيخ: أن يقف الإمام داخل المحراب، لماذا؟
طالب: لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: أصل المحراب ما هو موجود في عهد الرسول، من الأصل.
طالب: قالوا: لأنه يحتجب عن رؤية المأمومين له.
الشيخ: أولًا: ذكروها عن ابن مسعود رضي الله عنه.
والثاني: أنه يحتجب عن رؤية المأمومين له.
في القول الثاني في المسألة، أظن ذكرناه لكم؟
طالب: أنه يجوز مع الإمام، يعني يصلي في المحراب.
الشيخ: أنه لا يكره؛ لأن الكراهة تحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك، كما أنه لو كان خارج الطاق، وكان يسجد في الطاق، فإنه ليس فيه كراهة.
لو كان الإمام واقفًا خارج الطاق، ويسجد في الطاق، فإنه لا كراهة.
إذا احتيج إلى ذلك؟
طالب: إذا احتيج إلى ذلك فلا كراهة.
الشيخ: فلا كراهة، كيف الحاجة إلى ذلك؟
طالب: كأن مثلًا يكون في المسجد زحام كثير أو..
الشيخ: فيحتاج الإمام أن يتقدم حتى يدخل في المحراب، فهذا لا بأس به.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وتطوعه موضع المكتوبة) (تطوعه) الضمير يعود على الإمام، لا على المأموم.
(تطوعه) أي الإمام.
(موضع المكتوبة) أي: في المكان الذي صلى فيه المكتوبة؛ ووجه ذلك:
أولًا: أن فيه حديثًا عن النبي عليه الصلاة والسلام في النهي عنه، ولكنه ضعيف، لكن هم استدلوا به.
وثانيًا: أنه ربما إذا تطوع في موضع المكتوبة يظن من شاهده أنه تذكر نقصًا في صلاته الفريضة فيرتبك الناس؛ فلهذا نقول له: لا تتطوع في موضع المكتوبة، ولا سيما إذا باشر الفريضة، بمعنى أنه إذا قام يصلي تطوعًا فورًا فإنه -بلا شك- سوف يشوش على المأمومين؛ فلهذا يكره أن يتطوع.
أما المأموم فإنه لا يكره له أن يتطوع في موضع المكتوبة، لكن ذكروا أن الأفضل أنه يتخلى عن المكان؛ ليكون فاصلًا بين الفرض وسنته.
قال المؤلف رحمه الله: (إلا من حاجة) الحاجة دون الضرورة؛ لأن الضرورة هي التي إذا لم يقم بها الإنسان أصابه الضرر، والحاجة هي التي تكون من مكملات مراده، وليس في ضرورة إليها، مثل أن يريد الإمام أن يتطوع، ولكن وجد أن الصفوف التي أمامه كلها تامة، ليس فيها مكان، فحينئذٍ يكون محتاجًا إلى أن يتطوع في موضع المكتوبة.
ولكن الذي نرى أن هذه ليست بحاجة؛ لأن أمام الإمام ما هو أفضل من ذلك، وهو أن يتطوع في بيته، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة (3)؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يتنفل في المسجد، إنما كان يتنفل في بيته، الراتبة التي قبل الصلاة والتي بعدها، كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما (4).
فإذن قول المؤلف: (إلا من حاجة) نقول: الحقيقة أنه لا يمكن أن يكون هناك حاجة، اللهم إلا في أمر نادر جدًّا كما لو كان الشخص ليس له بيت، وإنما مكانه المسجد، أو يكون الشخص عنده عائلة كثيرة، لو ذهب يصلي في بيته حصل له تشويش من العائلة، أو ما أشبه ذلك، وإلا فلا شك أن الأفضل أن يصلي في بيته.
وصلاة المرء في بيته فيها فائدة عظيمة للعائلة؛ لأن العائلة تتعود التطوع بالصلاة، لا صغارهم ولا كبارهم، ويكون في هذا عون لهم على التطوع.
قال المؤلف: (وإطالة قعوده بعد الصلاة مستقبل القبلة) (إطالة قعوده) أيضًا (قعوده) الضمير يعود على الإمام.
يعني يكره أن يطيل قعوده بعد السلام مستقبل القبلة، بل يخفف، ويجلس بقدر ما يقول: أستغفر الله، ثلاث مرات، اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام (5)، ثم ينصرف، هذه هي السنة، فإطالة قعوده بعد السلام مستقبل القبلة خلاف السنة.
ثم فيه أيضًا محظور آخر: وهو أنه إذا أطال الجلوس مستقبل القبلة حبس الناس؛ لأن المأمومين منهيون أن ينصرفوا قبل انصراف الإمام (6)، فإذا بقي مستقبل القبلة كثيرًا حبس الناس.
وفيه أيضًا محظور آخر: وهو أنه إذا بقي مستقبل القبلة فقد يظن من خلفه أنه يتذكر شيئًا نسيه في صلاته؛ فيرتبك المأموم في هذا؛ لذلك نقول: إنه يكره أن يطيل القعود بعد السلام مستقبل القبلة.
إذن ينصرف إلى أين؟ ينصرف إلى جهة قصده، أي أنه يستقبل المأمومين، ولكن ابتداء الانحراف من اليسار أو من اليمين؟
نقول: كل ذلك ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورد أنه ينصرف عن يمينه، ثم يستقبل الناس، وأنه ينصرف عن يساره ويستقبل الناس، فأنت إن شئت انصرف عن اليمين، وإن شئت انصرف عن اليسار، كل هذا سنة.
يقول: (فإن كان ثم نساء لبث قليلًا لينصرفن) (فإن كان ثم) أي هناك، يعني في المسجد.
(نساء لبث قليلًا) أي لبث مستقبل القبلة قليلًا.
(لينصرفن) أي: النساء قبل الرجال، كما ثبت ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام، أنه كان يتأخر إذا كان فيه نساء من أجل أن ينصرفن (7)؛ وذلك لأن الرجال لو انصرفوا قبل انصراف النساء لزم من هذا الاختلاط اختلاط الرجال بالنساء، والشرع يكره أن يختلط الرجال بالنساء، ويحذر منه، حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «خَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» (8)، لماذا؟ لأن أولها أقرب إلى الرجال من آخرها، فهو أقرب إلى الاختلاط.
وفي هذا دليل واضح جدًّا على أن الإسلام يكره تقارب النساء من الرجال، وأن المبدأ الإسلامي هو عزل الرجال عن النساء، خلاف المبدأ الكافر الغربي الذي يريد أن يختلط النساء بالرجال، والذي انخدع فيه -مع الأسف- كثيرٌ من المسلمين اليوم، وصاروا لا يبالون باختلاط المرأة مع الرجل، بل يرون أن هذه هي الديمقراطية، وهي التقدم، وفي الحقيقة أنها هي الاستئثار والتأخر؛ لأن اختلاط المرأة بالرجال هو إشباع لرغبة الرجل على حساب المرأة، فأين الديمقراطية؟ !
الديمقراطية أن تبقى المرأة مصونة محروسة، لا يعبث بها الرجال، لا بالنظر، ولا بالكلام، ولا باللمس، ولا بأي شيء يوجب الفتنة، هذه الديمقراطية، أما أن آتي بها كأنها صورة يتمتع بها الرجل سكرتيرة له، أو ما أشبه ذلك، يتلذذ بخطابها، وبمسها، فهذا لا شك أنه على حساب المرأة، وأنه ظلم لها، فأين الديمقراطية؟ !
لكن لضعف الإيمان والبعد عن تعاليم الإسلام صار هؤلاء المخدوعون منخدعين بما عليه الأمم الكافرة، ونحن نعلم بما تواتر عندنا أن الأمم الكافرة الآن تئن أنين المريض المدنف؛ لتتخلص من هذا الاختلاط، ولكنه لا يمكنها الآن، اتسع الخرق على الراقع.
لكن الذي يؤسف له أيضًا: الطبقة الثالثة، وهي الطبقة المحافظة التي يريد شرارها اليوم أن تلحق بركب هؤلاء الذين ينادون بما يسمونه الحرية، وهي في الحقيقة حرية هوًى لا حرية هدًى، كما قال ابن القيم رحمه الله:
هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ
فَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ
ما هو الرق الذي خُلقوا له؟ الرق لله عز وجل أن تكون عبدًا لله، هؤلاء هربوا منه، وبلوا برق النفس والشيطان؛ فصاروا الآن ينعقون ويخططون من أجل أن تكون المرأة والرجل على حد سواء؛ في المكتب، في المتجر، في كل شيء.
ولا شك أن هؤلاء -أشهد بالله- أنهم غاشون لدينهم، وغاشون لإخوانهم من المسلمين، وأن هؤلاء يعتبرون غششة خونة؛ لأن الواجب أن الشعب المسلم يتلقى تعليمه من أي شيء؟ من كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ونحن إذا رأينا تصرف الشارع الحكيم محمد صلى الله عليه وسلم وجدنا أنه يسعى بكل ما يستطيع إلى إبعاد المرأة عن الرجل.
لماذا يبقى الرسول عليه الصلاة والسلام في مصلاه إذا سلم حتى ينصرف النساء؟ لماذا؟
لا شك من أجل عدم الاختلاط، هذا مع أن الناس في ذلك الوقت أطهر بكثير من الناس في أوقاتنا هذه، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: هذا لا يشك فيه أحد: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» (9).
فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يحمي بلادنا وبلاد المسلمين عامة من كيد الكفار، ومن يتبعونهم يلهثون وراءهم؛ ليأخذوا من قيئهم، هم يتقيؤون المفاسد، وأولئك يتلقفونها، يتحسون قيء الكفار -والعياذ بالله- في هذه الأمور وغيرها.
إذن، نقول -على قول المؤلف-: (فإن كان ثم نساء لبث قليلًا لينصرفن) لماذا؟
عندنا دليل وتعليل:
الدليل: فعل الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه، أنه إذا كان في المسجد نساء لبث الإمام قليلًا مستقبل القبلة من أجل أن ينصرف النساء؛ لأن الناس لن ينصرفوا حتى ينصرف الإمام، المأموم لا ينصرف من مكانه حتى ينصرف الإمام، فإذا لم ينصرف الإمام سيبقى المأموم حتى تخرج النساء.
ثانيًا: التعليل: لأجل ألا تختلط النساء بالرجال؛ لما في ذلك من الفتنة العظيمة.
وقوله: (فإن كان ثَمَّ) قلنا: إن (ثَمَّ) بمعنى هناك، وهي مفتوحة الثاء، وليست مضمومة، وما أكثر الذين يغلطون فيها، فيقولون: (ثم)، ولكنهم جاهلون في اللغة العربية، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: 20].
يقول: (لبث قليلًا لينصرفن).
ثم قال المؤلف: (ويكره وقوفهم بين السواري إذا قطعن الصفوف).
(يكره وقوفهم) أي: وقوف المأمومين.
(بين السواري) وهي الأعمدة.
(إذا قطعن الصفوف) فاشترط المؤلف أن تقطع الصفوف.
وما مقدار القطع؟ قيده بعضهم بثلاثة أذرع، قال: إذا كانت السارية ثلاثة أذرع فإنها تقطع الصف، وما دونها لا يقطع الصف.
وقال بعض العلماء: التي تقطع الصف هي التي تكون بمقدار قيام ثلاثة رجال، ومقدار قيام ثلاثة رجال أقل من ثلاثة أذرع، أما السواري اللي مثل سوارينا هذه، فهي صغيرة، لا تقطع الصفوف، لا سيما إذا تباعد ما بينها، وعلى هذا فلا يكره الوقوف بينها.
وعلى القول بأنه يكره؛ بمعنى ومتى صارت السواري على حد يكره الوقوف بينها، فإن ذلك مشروط بعدم الحاجة، فإن احتيج إلى ذلك بأن كانت الجماعة كثيرة، وكان المسجد ضيقًا، ولا بد من الوقوف بين السواري؛ فإن ذلك لا بأس به من أجل الحاجة؛ لأن وقوفهم بين السواري في المسجد خير من وقوفهم خارج المسجد، فنقول: هذه حاجة، ولا بأس بها.
وما زال الناس يعملون به في المسجدين: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، عند الحاجة، فلا يضر، وإنما كره ذلك لأن الصحابة كانوا يتوقون هذا، حتى إنهم (... ) على ذلك؛ ولأن المطلوب في المصافة التراص، من أجل أن يكون الناس صفًّا واحدًا، فإذا كان هناك سَوارٍ تقطع الصفوف فات هذا المقصود للشارع.
طالب: شيخ، قوله: (لبث قليلًا)، هل هذا إذا كان في مسجد واحد (... )؟
الشيخ: يعني إذا كان هناك نساء، لكن لهن باب خاص ومكان خاص، الظاهر أنه لا بأس به؛ يعني الظاهر أنه لا يلبث؛ لأن المحظور ينتفي هنا.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بعض الناس يعلل (... ) موضع المكتوبة؛ لأن الأرض تشهد له (... ).
الشيخ: هذا غير صحيح؛ لأنه لو كان كذلك لقلنا: كل إنسان يصلي ركعتين تطوعًا ينبغي له أن ينتقل، وكان معناه أن الناس في قيام رمضان كل واحد يبادل الثاني مكانه، هذا غير صحيح.
طالب: شيخ -عفا الله عنك- بعض المساجد السواري تقطع صفين؛ يعني يقف الصف الثاني بحيث يكون صفين بينها وبين الصف الأول؛ يعني يقفون بين السواري، الأولى يعني لتقارب الصفوف أو (... ).
الشيخ: إي نعم، إذا كان المسجد واسعًا فالأولى ألا يقفوا بين السواري، حتى لو تباعد ما بين الصفين، إذا كان واسعًا.
طالب: أحسن الله إليك، بعض المستدلين بجواز الانتقال (... ) في النافلة بأن الأرض تحدث أخبارها يوم القيامة عن ما عمل عليها الإنسان؟
الشيخ: ما هو بصحيح هذا، الرسول كان يصلي صلاة الليل كلها في مكان واحد.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- أقول: السواري على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يبعد أن تكون ثلاثة أذرع أو بمقدار ثلاثة.
الشيخ: هو صحيح، لكن قد يكون أن السواري في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم هي من النخل، لكن لعلهم يجعلون النخلتين جنب بعضهم؛ ليكون أقوى وأشد، والنخلتان تسع محل ثلاثة رجال.
طالب: نعم، لكن أقول: الحديث (... ) مطلق، فلو قلنا: نقدر فيما أطلق عليه السارية عادة لكان يعني أقرب من التقدير هكذا، ما يكون محتاجًا إلى دليل؟
الشيخ: هذا دليله، هو السواري التي تقطع الصفوف، أما اللي ما تقطع ما يضر، يعني لو فرضنا أن السارية خفيفة جدًّا ما تقطع الصف.
طالب: لكن الدليل يعني على هذا التقدير يعني (... ).
الشيخ: معروف السواري عندهم في عهد الرسول أنها سواري بهذا القدر.
طالب: شيخ، قلنا: إن الأفضل أن يصلي الشخص الراتبة في بيته، لكن إذا فاتت الشخص يعني صلاة الجماعة، فهل الأفضل أن يصلي في المسجد أو في بيته لواحد منفردًا؟
الشيخ: قول الرسول: «إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ» (4) يشمل من فاتته.
طالب: يعني يصلي في المسجد يا شيخ؟
الشيخ: يصلي في المسجد.
طالب: ولو كان يستطيع أن يصلي جماعة مع أهله في البيت؟
الشيخ: الظاهر يصلي في المسجد؛ لأنه ربما إذا صلى أيضًا يأتي من يصلي معه.
طالب: طيب، الحديث يا شيخ.
الشيخ: ربما يصلي من يأتي، ويصلي معه.
طالب: حديث أنس يا شيخ الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء يومًا وقد فاتته صلاة، فصلى في بيته مع أهله (10)، صلى جمعًا، ما يدل؟
الشيخ: نعم، هذا فعل صحابي، ما يحكم على السنة، فعل الصحابي ما يحكم على السنة، يكون فيه اعتبارات، (... ) عام.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- الحديث المروي وإن كان فيه ما فيه: «مَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللَّهُ» (11) ألا يدل -أحسن الله إليك- هذا على أن خروج الشخص الواحد من الصف يكون قاطعًا للصف؛ لأن الخطاب هذا خطاب واحد «مَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ»، ولم يكن وصله؟
الشيخ: ويش.. ؟
طالب: يعني على أن الذي يقطع مكان الشخص الواحد، وهو ما يعادل سارية من سوارينا هذه.
الشيخ: لها سلامًا؛ لأن السارية ثابتة، ما (... ) صحتها، لكن الإنسان اللي بيخرج باختياره يقطع الصف.
طالب: إي، لكن النبي عليه الصلاة والسلام جعل هذا قطعًا.
الشيخ: إي، معلوم؛ لأنك أنت الآن لو يكون الصف بين السواري تقول: صف متصل؛ لأن السارية أمر ضروري، لكن لو يصير صف وفيه مكان رجل فاضٍ، قلت: هذا الصف مقطوع.
هل تصح الصلاة خلف الإمام إذا كان عاليًا على المأموم؟
طالب: نعم، تصح.
الشيخ: تصح، ما هو الدليل؟
الطالب: الدليل فعل الرسول صلى الله عليه وسلم (... ) أنه صلى على المنبر، صار يصلي عليه، ويقرأ، ثم يركع، ثم ينزل ويسجد، ويقول: «فَعَلْتُ هَذَا لِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي» (2).
الشيخ: أحسنت.
يقول المؤلف: (كإمامته في الطاق) أيش معناها؟
طالب: أي: يكره أن يؤم الإمام داخل الطاق.
الشيخ: ما هو الطاق؟
الطالب: هو المحراب.
الشيخ: المحراب، نعم.
فإن قام خارجه، ثم سجد فيه؟
طالب: لا بأس به.
الشيخ: لم يكره.
إطالة قعود الإمام بعد السلام مستقبل القبلة، ما حكمه؟
طالب: حكمه الكراهة.
الشيخ: الكراهة، إلا؟
الطالب: إلا أن النساء يخرجن.
الشيخ: إذا كان فيه نساء فإنه ينتظر حتى؟
طالب: حتى يخرج النساء.
الشيخ: حتى يخرجن.
حكم الوقوف بين السواري؟
طالب: على قول المؤلف: الصحيح أنه يكره.
الشيخ: طيب، يكره مُطلقًا؟
الطالب: إلا لحاجة، إذا كان المسجد فيه ضيق.
الشيخ: لكن ما فيه شرط للكراهة؟
طالب: إذا كان السواري بمقدار.
الشيخ: إذا كانت تقطع الصفوف، أما الدقيقة فلا يكره.
لو فرضنا أن الصف لا يتجاوز ملء ما بين الساريتين، فهل يكره أو لا؟
بمعنى أنهم ثلاثة رجال فقط، وإذا وقفوا بين السواري يعني ما يحتاجون أكثر من هذا.
طالب: لا كراهة فيه.
الشيخ: من أين تأخذه من كلام المؤلف؟
الطالب: (إذا قطعن).
الشيخ: من قوله: (إذا قطعن الصفوف) طيب، بماذا يحصل قطع الصفوف؟
طالب: هي ثلاثة رجال، يا ثلاثة أذرع.
الشيخ: إي نعم، صح، وبعض العلماء يقول: إنه يرجع في هذا إلى العرف.
يقول المؤلف: (فصلٌ: ويعذر بترك جمعة وجماعة مريضٌ)
هذا الفصل عقده المؤلف لبيان الأعذار التي تسقط الجمعة والجماعة، ولا شك أن الجمعة أوكد بكثير من الجماعة؛ لإجماع المسلمين على أنها فرض عين؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9].
أما الجماعة فإنه سبق الخلاف فيها، وأن القول الراجح أنها فرض عين، لكن آكديتها ليست كآكدية صلاة الجمعة، ومع ذلك تسقط هاتان الصلاتان للعذر، والأعذار أنواع:
قال المؤلف: (يعذر بترك جمعة وجماعة مريض) هذا نوعٌ من الأعذار، مريض، ولكن ما هو المرض المسقط لوجوب الجمعة والجماعة؟
المرض المسقِط لوجوب الجمعة والجماعة هو الذي يلحق المريض مشقة لو ذهب يصلي، ودليل هذا؛ أي أنه تسقط الجمعة والجماعة بالمرض الذي يلحقه به مشقة، قول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (12)، وقول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ ﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: 17]؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما مرض تخلف عن الجماعة (13)، مع أن بيته كان إلى جنب المسجد.
ولقول ابن مسعود رضي الله عنه: لقد رَأيتُنا وما يتخلَّفُ عنها إلا منافقٌ معلوم النفاق أو مريضٌ (14). فكل هذه الأدلة تدل على أن المريض يسقط عنه وجوب الجمعة والجماعة، وكذلك أيضًا من أنواع المرض المسقِط: إذا كان المريض لا يلحقه مشقة بحضور الجماعة، لكنه يخشى مما يعرف عند العامة بالرائحة.
يعني مثلًا مريض فيه جرح، بعض الجروح إذا كان فيه رائحة شديدة فإنه يزداد ألمه، ويحصل فيه التهاب قوي، ويسمونه العامة: الشمم، فإذا كان المريض يخشى من ذلك وليس لديه ما يقاومه به فإنه بهذا يكون معذورًا.
والعلة في ذلك: الضرر أو المشقة، هذا واحد.
يُعذر أيضًا بترك الجمعة والجماعة (مدافع أحد الأخبثين) (مُدافع) تدل على أن هناك أخذًا وردًّا، وأن الإنسان يتكلف دفع أحد الأخبثين، والأخبثان هما: البول والغائط، ويُلحق بهما الريح، فإن بعض الناس يكون عنده غازات تنفخ بطنه وتشق عليه جدًّا، حتى إنه أحيانًا يكون أشق عليه من احتباس البول والغائط، فإذا كان يدافع البول والغائط والريح، فإنه يُعذر بترك الجمعة والجماعة.
وفيه دليل وتعليل؛ أما الدليل: فهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» (15)، والنفي هنا بمعنى النهي؛ يعني لا تصلوا بحضرة الطعام، ولا حال مدافعة الأخبثين.
أما التعليل: فلأن المدافعة تقتضي انشغال القلب بهذه المدافعة عن الصلاة، وهذا خلل في نفس العبادة، وترك الجماعة خللٌ في أمر خارج عن العبادة؛ لأن الجماعة واجبةٌ للصلاة أو في الصلاة؟
الطلبة: للصلاة.
الشيخ: واجبة للصلاة، والمحافظة على ما يتعلق بذات العبادة أوْلَى من المحافظة على ما يتعلق بأمر خارج عنها؛ فلهذا نقول: المحافظة على أداء الصلاة بطمأنينة وحضور قلب أولى من حضور الجماعة أو الجمعة.
تعليل آخر: أن احتباس هذين الأخبثين مع المدافعة يضر البدن ضررًا بينًا؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- جعل هذين الخبثين راحةً للإنسان، فإذا حبسهما صار في هذا مخالفة للطبيعة التي خلق الله الإنسان عليها وجبله عليها، فيكون في ذلك ضرر.
وهذه قاعدة طبية: أن كل ما خالف الطبيعة فإنه ينعكس بالضرر على البدن، ومن ثم تبينت أضرار الحبوب التي تستعملها النساء من أجل حبس الحيض، فإن ضررها ظاهرٌ جدًّا، وقد شهد به الأطباء.
قال: (ومن بحضرة طعام محتاج إليه) يعني ويعذر بترك جمعة وجماعة من كان بحضرة طعام؛ يعني من حضر عنده طعامٌ وهو محتاجٌ إليه، لكن بشرط أن يكون متمكنًا من تناوله، مثاله: رجلٌ جائعٌ حضر عنده الطعام وهو يسمع الإقامة، فقال: أنا بين أمرين: إن ذهبت إلى المسجد انشغل قلبي بالطعام؛ لأني جائع وقد حضر، وإن بقيت وآكل أكلت ثم ذهبت إلى الصلاة مستريحًا.
نقول: كُلْ ولا حرج، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا حَضَرَ العَشَاءُ فَابْدَؤُُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا الْعِشَاءَ» (16)، فأمر النبي أن نبدأ به.
وكان ابنُ عُمرَ رضي الله عنه يَسمعُ قراءةَ الإِمام وهو يتعشَّى (17)، مع أن ابن عمر رضي الله عنه من أشد الناس تمسكًا بالسنة.
إذن، إذا حضر العشاء فتعشَّ ولو أقيمت الصلاة؟ نعم، ولو أقيمت الصلاة.
وهل نقول: كُلْ بمقدار ما تنكسر نهمتك، أو لك أن تشبع؟
نقول: لك أن تشبع؛ لأن الرخصة عامة، قال في الحديث: «فَابْدَؤُوا به قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا الْعِشَاءَ».
إذن؛ له أن يأكل حتى يشبع، وذكرنا قيدًا لا بد منه، وهو أن يتمكن من؟
الطلبة: تناوله.
الشيخ: من تناوله، فإن لم يتمكن بأن كان صائمًا وحضر الفطور، وأذن لصلاة العصر، وقال: أنا مشتهٍ الأكل، فهل يؤخر صلاة العصر حتى يفطر ويأكل؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟
الطلبة: ممنوع شرعًا.
الشيخ: لأن هذا ممنوع شرعًا، حتى لو اشتهى شهوةً قويةً للطعام فإنه لا يمكن أن يأكل ما دام صائمًا.
إذن نقول: لا بد من هذا القيد؛ أن يتمكن من تناوله، ولا بد من قيد آخر، وهو ألا يجعل ذلك عادةً، بحيث لا يقدم العِشاء إلا إذا قاربت إقامة الصلاة؛ لأنه إذا اتخذ هذا عادةً صار قد تعمد أن يدع الصلاة، لكن هذا إنما يكون فيما لو جرى الأمر بغير اطراد عادي، فنقول: ابدأ بالعَشاء، ابدأ بالطعام الذي حضر، سواء عشاء أم غداء، أو (بحضرة طعام محتاج إليه).
قال: (وخائف من ضياع ماله، أو فواته، أو ضرر فيه)
(خائف من ضياع ماله) يعني عنده مال يخشى إذا ذهب أن يُسرق، أو معه دابة يخشى لو ذهب يصلي انفلتت الدابة وضاعت، فنقول في هذه الحال: إنك معذور في ترك الجماعة؛ لأنك لو ذهبت وصليت مع الجماعة فإن قلبك سيكون منشغلًا بهذا المال الذي تخاف ضياعه.
كذلك إذا كان يخشى من فواته، بأن يكون شخصٌ قد أضاع دابته، وقيل له: إن دابتك في المكان الفلاني، وحضرت الصلاة، وقال: أخشى إن ذهبت أن أصلي أن تذهب الدابة عن المكان الذي قيل لي: إنها فيه، فهذا خائف من فواته، نقول: لك أن تترك الصلاة، وتذهب إلى مالك لتدركه.
ومن ذلك أيضًا: لو أن الإنسان وضع الخبز في التنور، فأقيمت الصلاة، وقال: إن ذهبتُ للصلاة احترق الخبز؛ فماذا نقول؟
نقول: لك الحق أن تدع الصلاة مع الجماعة من أجل ألا يفوت مالك بالاحتراق، والعلة -كما عرفتم- انشغال القلب.
(أو ضرر فيه) ضرر في المال، مثل: أن يخشى إذا ذهب يصلي من صبيان حول السيارة، الصبيان هؤلاء معروفون بأنهم أشرار، يكسرون السيارة، فقال: إن دخلت المسجد كسروا السيارة، وهذا ضرر في ماله، نقول: أنت الآن معذور في ترك الجماعة، لك أن تبقى تحرس السيارة؛ لأنك معذور.
إذن؛ اللي يخاف من ضياع المال أو فواته أو الضرر فيه فإنه معذور.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين المال الخطير والمال الصغير الذي لا يعتبر شيئًا؛ لأنه أطلق فقال: (من ضياع ماله).
وقد يقال: إنه فرق بين المال الخطير الذي له خطر وشأن، وبين المال القليل في صلاة الجمعة خاصة؛ لأن صلاة الجمعة إذا فاتت فيها الجماعة لا تعاد، لكن صلاة غير الجمعة إذا فاتت الجماعة أيش؟ يصليها كما هي.
قال: (أو موت قريبه) يعني أن قريبه يخشى أن يموت وهو غير حاضر، أي أنه في سياق الموت، فيخشى أن يموت وهو غير حاضر، والصورة الثانية في موت قريبه أن يخشى أنه لو اشتغل بصلاة الجماعة هلك قريبه؛ لأنه ساقط في ماء، ربما يغرق فيه، لكن هذه الصورة لا تختص بالقريب، بل إذا خاف أن يغرق أي إنسان معصوم فإن له أن يدع الجماعة ويشتغل بإنقاذ هذا المعصوم.
أما الصورة الأولى، وهي إذا كان قريبه في سياق الموت، قال: أخشى أن يموت وأنا غير حاضر، فأحب أن أبقى عنده لألقنه الشهادة وما أشبه ذلك، فهذا عذر.
(أو موت قريبه، أو على نفسه من ضرر أو سلطان) خاف على نفسه من ضرر، كيف ضرر؟ عند بيته كلب عقور، وخاف إن خرج أن يعقره الكلب، فقال: أنا أخشى من ضرره، نقول: إذن أنت معذور، صَلِّ في بيتك ولا حرج عليك.
وكذلك لو فُرض أن في طريقه إلى المسجد ما يضره، مثل أن يكون الرجل ليس عنده حذاء، والطريق كله شوك، أو كله قِطع زجاج، فهذا يضره، فنقول له: أنت الآن معذور بترك الجماعة.
(أو سلطان) كيف سلطان؟ السلطان يعني مثل الأمير، الأمير يطلبه ويبحث عنه، فقال: إن خرجت أمسكني السلطان، وهو ظالم له، أما لو كان بعدل فلا يحل له أن يتأخر، لكن إذا كان السلطان ظالمًا جائرًا، وخاف إن خرج أن يمسكه ويحبسه، أو يغرمه مالًا، أو يؤذيه، أو ما أشبه ذلك، ففي هذه الحال يُعذر بترك الجمعة والجماعة؛ لأن في ذلك ضررًا عليه.
أما إذا كان السلطان يأخذه بحق فليس له أن يتخلف عن الجماعة؛ لأنه إذا تخلف عن الجماعة أسقط حقين: حق الله في الجماعة، والحق الذي يطلبه به مَنْ؟
الطلبة: السلطان.
الشيخ: السلطان.
كذلك: (من ملازمة غريم ولا شيء معه)
له غريم يطالبه يقول: أعطني حقي، كل ما خرج من بيته، وإذا الغريم على عتبة الباب، يلازمه، ويتكلم عليه: يا فلان، يا مماطل، يا كذاب، يا مخلف الوعد، أعطِني حقي، وهو ما عنده فلوس، فهذا عذرٌ، لماذا؟ لما يلحقه من الأذية بملازمة الغريم له؛ لأن هذا الغريم بلازم، يمشي معه من الباب إلى المسجد، ومن المسجد إلى الباب.
نعم، فنقول: أنت الآن في عذر؛ لأن هذا يؤذيك بغير حق، فإن كان معه شيء يستطيع أن يوفي به فليس له الحق في ترك الجماعة؛ لأنه إذا ترك الجمع في هذا الحال أسقط حقين: حق الله في الجماعة، وحق الآدمي في الوفاء.
إذا كان عليه دَيْنٌ غير حال، مؤجلٌ، لكن غريمه ليس ذاك الرجل العاقل، قد خبر أن له دينًا عند هذا الرجل ولا يعرف مؤجل ولا حال، وكان يلازمه؛ لأنه يوجد ناس هكذا، يوجد ناس من الغرماء الذين يطلبون الناس ما عندهم تمييز بين المعجَّل والمؤجَّل، كان في ذهنه أن عند فلان له دراهم، فكان يلازمه، مع أن الحق مؤجل، فهل له أن يتخلف؟
الطلبة: لا، ليس له.
الشيخ: ليس له أن يتخلف، لماذا؟ الأذية حاصلة.
طالب: لم يحل الأجل.
الشيخ: إي، لكن هذا ما يعرف، حل ما حل.
الطلبة: يرده، (... ) ما حل لك.
الشيخ: طيب، إذا قال ما حل لك، قال: حال.
الطلبة: يمنعه (... ) يردعه.
الشيخ: لا، هذا يُنظر؛ إذا كانت السلطة قوية بحيث لو اشتكاه على السلطة لمنعته منه، فنعم، هذا لا شك أننا نقول: أنت المخطئ، اشكُ على السلطة ويكفونك إياه.
أما إذا كانت السلطة ليست قويةً، أو أن هذا الرجل مثلًا تحابيه السلطة، ما تأخذ الحق منه؛ فهذا عذرٌ لا شك؛ لأن بعض الناس بلوى، لا يفقه ولا يعرف.
طالب: شيخ، بالنسبة للسلطان، يعني (... )، ما يستنون إلا يؤخِّره، يقف وراء السلطان.
الشيخ: كيف؟ أيش؟
طالب آخر: حراس الأمير يقصد.
الطالب: يحرسون الأمير، والأمير يسلم، وهم الواقفون أمامه.
الشيخ: إي، إذا كان هناك خوف لا بأس؛ لأنه إذا كان الإنسان إذا خاف على ماله يُعذر بترك الجماعة، كيف عاد إذا خاف على ولي الأمر؟
طالب: الحارسين في الأبواب (... ).
الشيخ: ما يكفي الحرس في الباب، يمكن يجي أحد، حتى وإن دخل.
طالب: يُوسِّع يا شيخ في مثل هذه الأعذار، ممكن مثلًا يعطى المنافقين كذا، قد يحتجون مثلًا في فصل الشتاء أنهم.
الشيخ: ما بعد جاء، بيجينا -إن شاء الله- فصل الشتاء، اصبر شوي.
طالب: يتضررون (... ).
الشيخ: على كل حال، هذا شيء بينه وبين الله.
الطالب: تطالبه في العدد وتطالبه في الحضور (... ).
الشيخ: أقول: هذا شيء بينه وبين الله.
بيجينا -إن شاء الله- مسألة العذر بالريح الباردة في آخر الفصل.
طالب: يجعل قاعدة عامة أي أمر يشغل القلب (... ).
الشيخ: إي نعم، بيجينا -إن شاء الله- حتى غلبة النعاس، لو فرضنا واحدًا أخذه النعاس وقال: أنا إن جلست إلى صلاة العشاء ما استطعت أني أصلي، نقول: صلِّ الآن منفردًا ونم؛ لأنه -كما قلت لكم-: المحافظة على نفس العبادة -شيء يتعلق بنفس العبادة- أولى بالمحافظة على أمر خارج، فمثلًا: إذا كان مكالمة خطيرة، وينتظرها، ولا في أحد ينوب منابه بحيث إنه لو كُلِّم يجي يخبره، فلا حرج.
طالب: شيخ، من يأكل بصلًا في الليل ولا يروح لصلاة الفجر، بنقول: هذا معذور يعني؟
الشيخ: إي نعم، لا، ما نقول: معذور، نقول: هذا محروم؛ لأن هذا ليس بعذر، هذا إنما منعه النبي عليه الصلاة والسلام من المسجد لكف أذاه، ما هو لأنه معذور، لكن أكل البصل يُنظر؛ إن كان أكل البصل من أجل ألا يصلي فهو حرام، وإن أكله رغبة فيه فلا بأس، كما أن الرجل الآن إذا سافر في رمضان يفطر أو لا؟ يفطر، لكن نقول: إذا سافرت من أجل أن تفطر حرم عليك الفطر.
طالب: شيخ، لو كان في نفس صلاة الجماعة -إذا كان مع الجماعة- ورأى رجلًا سوف يسقط في حفرة مثلًا، فهل له أن يقطع الصلاة ولَّا لا؟
الشيخ: إي نعم، له أن يقطع الصلاة، نعم، إذا كان لا يمكنه أن ينبهه بالنحنحة فله أن يقطع الصلاة.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، ما يفرق بين الإمام والمأموم في هذه الأعذار، يعني: الإمام لو تأخر عن الجماعة، فهم ينتظرون.
الشيخ: لا، بس الإمام ينبغي له أن ينبه الجماعة على أني إذا تأخرت مثلًا لمدة عشر دقائق، خمس دقائق، اللي هو يرى يصلون، إنما المأموم والإمام واحد يا..
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، استدللنا بقول الله عز وجل: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ على ترك الجمعة والجماعة، لكن إذا كان مثلًا مصاب بأنفلونزا، وكان يستطيع أن يخرج معه الجماعة، لكنه على المشقة، فكيف؟
الشيخ: إي، يصلي في بيته.
طالب: لكن هذا يستطيع الحضور، والله عز وجل قال..
الشيخ: لكن تقول: مع مشقة؟