الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 1922-1961

(مقيم) المقيم أولى من السائر، كيف المقيم أولى من السائر، أيش معناه؟ يعني مثلًا: إنسان في هذا البلد مقيم لحاجة، فمر بالبلد إنسان مسافر عابرًا، نقول: إن المقيم أولى منك؛ لأن المقيم -على كلام على المشهور من المذهب- إذا نوى إقامة أكثر من أربعة أيام لزمه؟ طلبة: الإتمام.
الشيخ: أن يتم، فصار بذلك أولى من المسافر الذي لا يتم، ويحتمل أن يكون مراد بالحاضر في قول المؤلف: (وحاضر) المراد به الذي يسكن الحاضرة، ويكون ضده؟ طلبة: البدوي.
الشيخ: ضده البدوي، وإذا كان الأمر كذلك فالتعليل ظاهر؛ لأن البدو غالبًا يكونون جُفاة جُهالًا، كما قال الله تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: 97]، وبناء على هذا يكون قوله: (مقيم) ضد.
طلبة: المسافر.
الشيخ: المسافر.
(وبصير) بصير أولى من الأعمى؛ لأن البصيرَ يتحرزُ من النجاساتِ وغيرِها أكثر من الأعمى؛ ولأن البصيرَ يُدرك استقبالَ القِبلة أكثر مِن الأعمى، وبعض العُمْي لو عدلته إلى القبلة وسجد فقام وجدته؟ طلبة: منحرفًا.
الشيخ: منحرفًا، بخلاف المبصر فإنه يكون مدركًا للقبلة أكثر من غيره، وأيضًا المبصر لو أن بعض أعضائه في الوضوء لم يُصِبْه الماء لكان يعلم به بخلاف؟ طلبة: الأعمى.
الشيخ: الأعمى، فالمهم أن البصير أولى من الأعمى للأسباب المذكورة، وذلك بعد اتفاقهما فيما سبق.
(ومختون) المختون: هو مقطوع القُلْفَة؛ لأن الإنسان إذا خُلِق فإنه يكون على رأس ذَكَرِهِ قُلْفَةٌ؛ يعني: جِلدة تُغطي الحَشَفَةَ، هذه الجِلدة تجب إزالتُها بالنسبة للذكور دون الإناث؛ يعني أقصد أن الختان واجب على الذكور دون الإناث؛ لأنها لو بقيت لاحتقنَ فيها البولُ وصارت سببًا لتنجسه، وربما يتولد فيها جراثيم بين جِلدةِ القُلْفَةِ والحَشَفَةِ فيتأثر، فإذن المختون أَوْلى من غير المختون.

ومَن له ثياب أَوْلى من ضده؛ مَن له ثياب أَوْلى ممن ليس له ثياب، هذا هو المتبادر من كلام المؤلف، ولكن هذا غير مرادٍ؛ لأن مَن لا ثياب له أصلًا لا تصح إمامته على المذهب، فلا نقول: إنه أَوْلى فقط، بل نقول: إن مَنْ له ثياب يجب أن يكون هو الإمام، هذا إذا قلنا: إن المراد بضد من ليس معه ثياب أصلًا، لكن هذا ليس مراد المؤلف مراد المؤلف: من له ثياب كاملة في الستر فهو أَوْلى من غيره، مثاله: شخص عليه إزار فقط، وآخر عليه إزار ورداء، كل منهما صلاته صحيحة، لكن الثاني أكمل سَتْرًا من الأول، فيكون هو أَوْلى؟ طلبة: بالإمامة.
الشيخ: بالإمامة، وفُهِمَ مِن قول المؤلف: (أولى من ضدهم) أن هؤلاء المذكورين الستة تصح إمامتُهم؛ لأن (الأولى) تدل على الاختيار، وعلى هذا فيصِح أن يؤم العبدُ حُرًّا، أو لا؟ طلبة: (... ). الشيخ: يصح أن يؤم العبدُ حُرًّا؛ لأن المؤلف رحمه الله يقول: (أولى من ضدهم)، لو كان العبد عبده فهل يصح أن يكون إمامًا له؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، يصح، لكن الأَوْلى الحر، كذلك أيضًا المقيم وضده المسافر، لو صَلى المسافرُ بالمقيم فهل تصح صلاته؟ طلبة: نعم.
الشيخ: حتى من كلام المؤلف؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: لأن المؤلف يقول؟ طلبة: أَوْلى.
الشيخ: (أَوْلى)، والثالث: (البصير).
طلبة: قبله الحَاضِر؛ بدوي بحاضرٍ.
الشيخ: (وحاضر) الحاضر، لو صَلى بدوي بحاضرٍ؟ طلبة: صحت صلاته.
الشيخ: صحت صلاته، لكن خلاف الأَوْلى، ولو صَلى أعمى ببصير؟ طلبة: صحت صلاته.
الشيخ: صحت صلاته، لكن الأَوْلى عكس.
يقول: (ومختون) لو صَلى أقلف بمختونٍ فصلاتُه؟ طلبة: صحيحةٌ.
الشيخ: صحيحةٌ، لكن الأَوْلى العكس.
(ومن له ثياب) لو صَلى مَن له ثياب قليلة بمَن له ثيابٌ كثيرة؟ طلبة: صحت الصلاة.
الشيخ: فهذا صحيح، ولكن الأَوْلى عكسه.

ثم قال المؤلف رحمه الله: (ولا تصح الصلاة خلف فاسق ككافر) الفاسق في اللغة: الخارج، مأخوذ من قولهم: فَسَقَتِ الثمرةُ عن قشرها؛ أي؟ طلبة: خرجت.
الشيخ: خرجت، في الاصطلاح: مَن خرج عن طاعة الله بفعل كبيرة أو إصرار على صغيرة، هذ الفاسق، ويُطلق الفاسق على الكافر، كما في قوله تعالى: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: 25]، وكما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: 50].
طلبة: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾.
الشيخ: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾، وكما في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمْ النَّارُ﴾ [السجدة: 20]، لكن عند الفقهاء وفي الاصطلاح: أن الفاسق مَن خرجَ عن طاعة الله بفعل كبيرةٍ أو إصرار على؟ طلبة: صغيرة.
الشيخ: صغيرة.
يقول رحمه الله: (لا تصح خلف فاسق) وظاهر كلام المؤلف: أنها لا تصح خلفَ الفاسق، سواءٌ كان بمثلِهِ أو بغيرِ مثله؛ لأنه أطلقَ: (خلف فاسق)، وعلى هذا فلو اجتمع شخصان يغتابان الناس وحضرت الصلاة فإنه لا يُصلي أحدُهما بالآخر؛ لأنه إن صَلى زيدٌ بعَمرٍو؟ طلبة: بطلت.
الشيخ: بطلت، وإن صَلى عَمرٌو بزيدٍ بطلت؟ طلبة: بطلت.
الشيخ: بطلت، إذن لا فائدة من أن يصليا جماعة، ماذا يصنعان؟ طلبة: (... ). الشيخ: يصليان فُرادى، ولو اجتمع شخصان كلاهما يشربُ الدخان لم يُصل أحدُهما بالآخر، لأيش؟ طلبة: فُساق.
الشيخ: لأن كل واحد منهما فاسق، ولو اجتمع شخصان حالقان لحيَتيْهِما لم يصل أحدُهما بالآخر، لأيش؟ طلبة: فساق.
الشيخ: لأنهما فاسقان، ولا يصح أن يكون الفاسقُ إمامًا، ولو طُبق هذا القولِ.
طلبة: (... ). الشيخ: لفاتَ كثيرًا من الناس أن يصلوا؟ طلبة: جماعة.
الشيخ: جماعة؛ ولهذا كان القول الثاني الصحيح الذي لا شك فيه: أن الصلاةَ تصح خلف الفاسق ولو كان ظاهر الفسق؛ وذلك لدليلين: أثري ونظري.

أما الأثري: فعموم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» (1)، وخصوص قوله في أئمة الجور الذين يُصلون الصلاةَ لغيرِ وقتها، قال: «صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ، فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ» (3)، وقوله: «يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ وَلَهُمْ، وَإِنْ أَخْطَؤُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ» (4)، هذان دليلان.
الثالث: أن الصحابة رضي الله عنهم -ومنهم ابن عمر- كانوا يُصلون خلف الحجاجِ (5)، وابن عمر رضي الله عنه من أشد الناس تحريًا لاتباع السنةِ واحتياطًا لها، والحجاجُ معروفٌ من أفسق عباد الله، ومع ذلك يصلون خلفه، فالصحيح أن الصلاة خلف الفاسق صحيحة؛ للدليل الأثري.
أما الدليلُ النظري: فنقول: كل مَن صحت صلاتُهُ صحت إمامتُه، ولا دليل على التفريق بين صحة الصلاة وصحة الإمامة، فما دام هذا رجلًا يصلي بالناس كيف لا أصلي وراءه؟ لأنه يفعلُ معصيةً، معصيتُه على نفسِه، نعم لو فعل معصيةً تتعلق بالصلاة بأن كان هذا الإمام إذا دخل يصلي قام يكلم بالتليفون، هل تصح الصلاةُ خلفَه؟ طلبة: ما تصح.
الشيخ: لأيش؟ طلبة: لأن صلاته ما تصح.
الشيخ: لأن صلاته ما تصح، لأنه فعل مُحَرمًا في الصلاة، لو كان يصلي وهو لا يستنجي أيضًا لا تصح صلاته؛ لأن هذه معصية تتعلق بأيش؟ طلبة: بالصلاة.
الشيخ: بالصلاة، أما إذا كانت المعصية خارجية فهي عليه، ما علي منه، إذا كان يشرب الدخان على هذا القول؟ طلبة: ما تصح.
الشيخ: على قولنا نحن الذي صححنا؟ طلبة: تصح الصلاة.

الشيخ: إلا إن شرب الدخان في الصلاة فلا تصح؛ لأن صلاته حينئذٍ تبطل، وهذا القول لا يسع الناس اليوم إلا هو؛ لأننا لو ذهبنا نُطَبق هذا القول على الناس ما وجدنا إمامًا يصلح للإمامة، أين السالم من الغيبة؟ أندر من الكبريت الأحمر، نادر، أين السالم من عدم أداء الوظيفة؟ نادر، أين السالم من الكذب؟ نادر، إذن فالقول الذي لا يسع الناس العمل بغيره هو القول الصحيح الذي اختاره شيخ الإسلام رحمه الله وغيره؛ وهو أن إمامة الفاسق صحيحة حتى بالعدل، وبمثله؟ طلبة: من باب أَوْلى.
الشيخ: من باب أَوْلى، وبمثله من باب أَوْلى، أما كلام المؤلف فيقول: إنها لا تصح خلف الفاسق.
طالب: شيخ، ذكرنا العبد أَوْلى بالإمامة من الحر؛ لأنه غالبًا أفقه منه في الدين؟ الشيخ: بالعكس، قلنا: الحر أَوْلى بالإمامة من العبد.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: أَوْلى منه الحر، مع أنه ثبت أن الكثير من التابعين موالي التابعين أهل العلم.
الشيخ: صحيح.
الطالب: كيف يكون التابعين هذا؟ الشيخ: أولًا: الموالي ليسوا عبيدًا؛ لأنه إذا عتق صار حرًّا، والشيء الثاني نحن قلنا: الغالب ليس أمرًا دائمًا.
طالب: شيخ، الأقلف إذا تأكدنا من وجود النجاسة، هل تصح صلاته؟ الشيخ: إي نعم؛ لأنها لم تخرج إلى الخارج.
الطالب: نأمر بإزالتها؟ الشيخ: إي، لا، ما هو إزالتها، مثل غيره، نقول: هذا يؤثر بالصلاة فلا تصح صلاته أصلًا.
طالب: شيخنا، كان الرسول عليه الصلاة والسلام يصلي في مكة وهو مسافر ويقول لأهل مكة: أتموا (6)، كيف المؤلف هنا رجح أن يكون المقيم أَوْلَى؟ الشيخ: هذا مع التساوي، ومن المعلوم أنه لا يساوي النبي صلى الله عليه أحد، أو لا؟ فلو جاء إنسان عالم ودخل وأردنا أن يصلي وهو مسافر فهو أَوْلى، إذا لم تأت الأولوية الأولى: الأقرأ، والعالم فقه صلاته، وما أشبه ذلك.

طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، على القول الصحيح إذا اجتمع فاسقان وكان أحدهما أشد فسقًا من الآخر، هل ننظر بهذا الاعتبار ولَّا؟ الشيخ: لا، ننظر.
الطالب: كحالق اللحية وشارب دخان.
الشيخ: إي، لا، نقدم أخفهما إثمًا، مثل حلق اللحية وشرب الدخان أيهما أعظم؟ طلبة: حالق اللحية.
الشيخ: حالق اللحية أعظم؛ ولهذا نقول: إننا نقدم شارب الدخان على حالق اللحية، وهذا الحديث لو حدثت به عاميًّا لضغط على رأسه حتى كاد ينفجر، لأيش؟ طالب: لأنهم كلهم يشربون.
الشيخ: لا؛ لأن عنده أن شرب الدخان أعظم من حلق اللحية، وكان الناس فيما سبق من الزمان يكفرونه، إذا رأوه يشرب الدخان قال: هذا كويفر، بس ما أدري لأيش ما يقول: كافر بالتكبير، يقول: هذا كويفر.
طالب: كفر دون كفر.
الشيخ: الله أعلم، على كل حال العامة يظنون أن شرب الدخان أعظم من حلق اللحية وهو بالعكس، حلق اللحية أعظم إثمًا؛ لأن حالق اللحية -والعياذ بالله- يصو؛ يعني: يصرح ويُعلن المعصية للرسول عليه الصلاة والسلام، كأنه بفعله يقول لكل من قابله: اشْهَد علي بأنني عاصٍ، هذي لسان حاله، كل يعلم أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أَعْفُوا اللِّحَى» (7)، «أَرْخُوا اللِّحَى» (8)، «وَفِّرُوا اللِّحَى» (9)، وأين التوفير؟ وأين الإعفاء؟ وأين الإرخاء؟ هذه معصية.
طالب: شيخ، إذا كان الفاسق مبتدعًا يعني؟ الشيخ: إي نعم، نفس الشيء، إذا كان الفاسق مبتدعًا فهو كالفاسق في الأفعال.
الطالب: حتى ولو كانت بدعته مكفرة؟ الشيخ: لا، كيف تقول أنت: فاسق الذي بدعته مكفرة، يكون كافرًا، وسيأتي بكلام المؤلف.
طالب: شيخ، بالنسبة إذا الإمام يكون نراه جالس في المسجد وهو يأكل بصل مثلًا هل (... )؟

الشيخ: وأيش تقولون يا جماعة؟ طلبة: ما يدخل المسجد.
الشيخ: إي، ما يدخل المسجد، يقول: شارب الدخان كآكل البصل.
طالب: إي نعم.
الشيخ: كيف نجعله يصلي إمامًا بحالق اللحية؟ الطالب: (... ).

الشيخ: نقول: هذا إذا كان في غير المسجد، شارب الدخان إذا كان له رائحة كريهة لا يدخل المسجد أصلًا.
الطالب: (... ) رأيناه (... ). الشيخ: كل من له رائحة كريهة تؤذي فإنه لا يدخل المسجد، حتى إن العلماء قالوا: من به بخر بغير اختياره، بخر يعني: رائحة كريهة تخرج من معدته وتكون في فمه، إذا كلمك تحس بالروائح الكريهة تخرج من كلامه، يقول: هذا لا يدخل المسجد.
طالب: كصاحب (... ). الشيخ: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في تعليل منع الآكل البصل من المسجد قال: «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» (10). طالب: شيخ، على المذهب أنه يُقدم المختون على الأقلف غير المختون، وإذا صلى الأقلف صحت صلاته، لكن سبق معنا في باب النجاسات أنه إذا حَمَل نجاسة أو لاقاها بثوبه أو بدنه فسدت صلاته؟ الشيخ: الأقلف؛ لأنه لم يخرج من معدنه، لم يخرج البول، والشيء إذا لم يخرج فهو طاهر، لا حكم له؛ ولهذا لو حمل صبيًّا كل بطنه عَذِرَة صحت الصلاة.


الطالب: ولا تصح خلف فاسق ككافر، ولا خلف امرأة ولا خنثى للرجال، ولا صبي لبالغ ولا أخرس ولا عاجز، من ركوع أو سجود أو قعود أو قيام، إلا إمام الحي المرجو زوال علته، ويصلون وراءه جلوسًا ندبًا، فإن ابتدأ بهم قائمًا ثم اعتل فجلس أتموا خلفه قيامًا وجوبًا، وتصح خلف من به سلس البول بمثله، ولا تصح خلف محدث ولا متنجس يعلم ذلك، فإن جهل هو والمأموم حتى انقضت صحت المأموم وحده.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعدُ:

فالمؤلف رحمه الله يقول: إن إمام المسجد أحق بالإمامة ولو وُجِد من هو أقرأ منه، فما هو الدليل؟ قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ» (1) والإمام سلطان في مسجده؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ»، والإمام سلطان في مسجده، اجتمع رجلان أحدهما أعمى والثاني بصير، فأيهما أولى؟ طالب: البصير.
الشيخ: إذا كان الأعمى أقرأ؟ الطالب: إذا كان أقرأ فيكون أولى.
الشيخ: إذن يكون البصير أولى مع تساويهما في؟ طالب: (... ). الشيخ: بقية الصفات، في القراءة والسنة والفقه وما سبق، لماذا كان الحاضر أَوْلى من البدوي؟ طالب: لأن الحاضر أَوْلى من البدوي؛ لأنه سوف يتم الصلاة؛ لن يقصر.
الشيخ: الحاضر –يعني: ساكن الحاضرة- أَوْلى من البدوي.
الطالب: لأنه أفقه وأعلم.
طالب آخر: لأن البدو غالب ما يكونون جهالًا.
الشيخ: لأن الغالب في البادية الجهل، هل عندك دليل لهذا؛ أن الغالب في البادية الجهل؟ قوله تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: 97]، لماذا كان المقيم أَوْلى من المسافر؟ طالب: لأن المسافر إذا أم الناس سوف يقصر الصلاة، فالناس لا يصلون الصلاة الجماعة كاملة، بل يشهدون نصفها جماعة والنصف الآخر فُرادى.
الشيخ: نعم؛ لأن المقيم إذا صلى.
الطالب: المسافر.
الشيخ: إذا صلى بالمسافر أتم، والمسافر إذا صلى بالمقيم قَصَر، فيفُوت بعض الصلاة قال المؤلف: (من له ثياب أولى من غيره).
طالب: يُقصد بهذا مَنْ له ثياب؛ أي: ما يغطي به كتفيه ورأسه أَوْلى من.
الشيخ: يعني الثياب الكاملة؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: ثياب كاملة أَوْلى ممن له ثياب؟ الطالب: ناقصة.
الشيخ: ناقصة، ولَّا من له ثياب أَوْلى من العُريان؟ الطالب: لا، هو قصد مثل هذا الأول ما ذكرناه.

الشيخ: إي، الأول.
الطالب: ويصح يكون الثاني.
الشيخ: لا، ما يصح، إذا صار واحد عُريان وواحد عليه ثياب تستر العورة ما نقول: أَوْلى.
طلبة: واجب.
الشيخ: واجب، يقول المؤلف: إن الصلاة لا تصح خلف الفاسق، فمن هو الفاسق؟ طالب: الخارج.
الشيخ: خارج عن أيش؟ الفاسق الخارج عن الإسلام؟ طالب: الذي يفعل المعصية، فتخرجه عن طاعة الله.
الشيخ: يعني: الخارج عن طاعة الله بأي معصية كانت.
الطالب: (... ). الشيخ: تراكم يا جماعة إذا رفعتم أيديكم أجبتم نصف جواب، يفهم المجيب أنه على خطأ، هذا نصف الجواب.
طالب: شارب الدخان أفضل من الفاسق.
الشيخ: لا دعنا من التمثيل، مَنْ هو الفاسق؟ الطالب: الفاسق هو الخارج.. الشيخ: الخارج عن أيش؟ الخارج من المسجد؟ الطالب: لا، الخارج عن طاعة الله.
الشيخ: عن طاعة الله، في أي معصية؟ الطالب: في معصية.. الشيخ: يمكن إنك تحضر ولا يحضر قلبك.
طالب: هو الخارج عن طاعة الله بفعل كبيرة أو إصرار على صغيرة.
الشيخ: صح، بفعل كبيرة أو إصرار على صغيرة، ما هو الدليل؟ طالب: على ماذا؟ الشيخ: على أن الفاسق لا تصح الصلاة خلفه؟ الطالب: الفاسق لا تصح الصلاة خلفه؛ قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» (1). الشيخ: هذا لا يصح، الفاسق يعني لو صلى واحد خلف فاسق صلاته باطلة.
طالب: فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: ما هو؟ الطالب: فعل النبي قال: الفاسق اللي يسوي شيء من المحرمات.
طالب آخر: أنه فاسق أي الكافر، جعله مثل الكافر؛ الكافر لا تصح صلاته.
الشيخ: لا.
طالب: استدلوا بالحديث الضعيف هو مروي عن النبي صلى الله عليه أنه قال: «لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا»، وذَكَر: «وَلَا فَاجِرٌ مُؤْمِنًا» (11)، وهذا حديث ضعيف.
الشيخ: أحسنت، استدلوا بحديث ضعيف: «لَا يَؤُمَّنَّ فَاجِرٌ مُؤْمِنًا»، هل يُفَرق بين الفاسق المعلن بفسقه أو المستتر أو كلهم سواء؟

الطالب: لا، الفاسق المعلِن، يفرق بينهم.
الشيخ: يعني مثلًا لو كان فاسقًا فسقًا مستترًا فيه، فإن الصلاة خلفه تصح؛ يعني: نحن نعلم أن هذا الرجل يشرب الخمر، لكن ما هو يعلن هذا، يشربه خُفْية.
الطالب: الصلاة خلف هذا على هذا القول لا يفرق، إلا إذا اجتمع الذي فسقه خفي.
الشيخ: لا، قل: هل يُفَرق بين الفاسق المستتر في فسقه وبين الفاسق المعلِن؟ بمعنى: لو أن هذا الرجل نعلم أنه يشرب الخمر سرًّا، هل تصح الصلاة خلفه أو لا؟ طالب: على قول المذهب: أنها لا تصح، وأنه لا يُفَرق.
الشيخ: أولًا التعبير على قول المذهب، المذهب ما له قول.
الطالب: على قول المؤلف.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: على قول المؤلف: أنه لا يُفَرق.
الشيخ: أنه لا فرق؛ لأنه أطلق، هذا كلام المؤلف رحمه الله يقول: (إنها لا تصح الصلاة خلف الفاسق) عموم كلامه سواء (... ). طلبة: (... ) قول ثان صحة صلاة الفاسق.
الشيخ: كلام المؤلف رحمه الله مُطْلَق؛ يشمل الفاسق بالاعتقاد والفاسق بالأقوال والفاسق بالأفعال، هذا واحد.
ثانيًا: يشمل الفاسق المعلِن بفسقه، كالذي يشرب الدخان علنًا، أو يشرب الخمر علنًا أو يحلق لحيته، نقول: علنًا ولَّا؟ طلبة: علنًا.
الشيخ: علنًا؛ لأن ممكن يتلثم ولا ندري عنه، ومن كان فاسقًا بشيء يستتر فيه كالذي يشرب الدخان سرًّا أو يشرب الخمر سرًّا كل منهما لا تصح الصلاة خلفه، ويشمل أيضًا أنها لا تصح خلفه لا بمثله ولا بعدلٍ؛ يعني: الفاسق لا يَؤُمن الفاسق ولا يَؤُمن العدل؛ لأن المؤلف لم يستثنِ شيئًا، لم يقل: إلا بمثله، فيشمل هذه الصورة، وبناء على كلام المؤلف لو اجتمع فاسقان فإنهما؟ طلبة: لا يصليان.
الشيخ: لا يصليان جماعة، فلو أن رجلين كانا جالسَيْن، فلما غربت الشمس وكانا يغتابان الناس، والغِيبة من كبائر الذنوب، لما غربت الشمس أرادا أن يصليا جماعة، فإننا على ما ذهب إليه المؤلف نقول؟ طلبة: لا تصليا.

الشيخ: لا تصليا جماعة، كل واحد منكما يصلي وحده؛ لأن الصلاة خلف الفاسق لا تصح، فإن كان زيد هو الإمام وهو فاسق لم تصح، وإن كان عمرو هو الإمام وهو فاسق لم تصح، تصليان منفردَيْن.
القول الثاني في المسألة: أن الصلاة خلف الفاسق صحيحة، سواء كان المصلي خلفه فاسقًا مثله أو كان عدلًا، واستدلوا لذلك بحديث: «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، صَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (12)، وهذا الحديث وإن كان فيه شيء من النظر لكن إطلاق الأدلة تؤيده.
واستدلوا أيضًا بأن ابن عمر وغيره من الصحابة يصلون خلف الفَسَقَة، وابن عمر معروف بأنه من أشد الناس تحريًا للسنة، ومن أشد الناس صراحة في الحق، ولو كانت الصلاة خلف الفاسق لا تصح ما صلوا خلفه، وهذا استدلال بفعل الصحابة المؤيد بإطلاق النصوص.
فيه أيضا تعليل؛ التعليل أن نقول: الفاسق صلاته صحيحة، ومن كانت صلاته صحيحة فإمامته؟ طلبة: صحيحة.
الشيخ: صحيحة؛ إذ من صح أن يصلي منفردًا صح أن يصلي إمامًا أو مأمومًا، وأنتم تقولون بأنه لو اجتمع إمامٌ عدلٌ ومأمومٌ فاسق صحت الصلاة، فصححتم الجماعة من شخصين أحدهما فاسق، فإذا صحت من شخصين أحدهما فاسق وهو المأموم فلتصح من شخصين أحدهما فاسق وهو؟ طلبة: الإمام.
الشيخ: الإمام، فصار عندنا: دليلان أثريان، ودليلان نظريان.
أما الذين يقولون: لا تصح خلف الفاسق فحجتهم ما سمعتم: «لَا يَؤُمَّنَّ فَاجِرٌ مُؤْمِنًا» (11)، والحديث هذا ضعيف، وعلى تقدير صحته فإن المراد بالفاجر الكافر؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (16)﴾ [الانفطار: 13 - 16]، والفاجر الذي لا يغيب عن جهنم.
طالب: (... ).

الشيخ: كافر؛ لأن الفاجر المؤمن؛ الفاجر الذي فيه إيمان يمكن أن يغيب عن جهنم؛ ولقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (8) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (9) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (10) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (11)﴾ [المطففين: 7 - 11]، فتبين الآن أن الفاجر يُطْلَق على مَنْ؟ طلبة: على الكافر.
الشيخ: على الكافر، وحينئذٍ لا يكون في الحديث دليل على عدم صحة إمامة الفاسق، إذن القول الراجح أيش؟ طلبة: صحة الصلاة.
الشيخ: صحة الصلاة خلف الفاسق.
رجل صلى خلف شخص حالق لحيته، صلاته؟ طلبة: صحيحة.
الشيخ: صحيحة.
خلف شارب الدخان؟ طلبة: صحيحة.
الشيخ: صحيحة.
خلف آكل الربا: صحيحة، خلف الزاني: صحيحة، خلف السارق: صحيحة، وهكذا؛ لأنه لا دليل على عدم الصحة.
ثم قال المؤلف: (ككافر) أي: كما لا تصح خلفَ الكافرِ.
طلبة: (... ). الشيخ: عام في الأفعال وفي الأقوال وفي الاعتقاد، (ككافر) أي: كما لا تصح خلفَ الكافرِ، وهنا أراد المؤلف رحمه الله أنْ يقيسَ شيئًا على شيء لا يساويه في العِلة، صح؟ طلبة: (... ). الشيخ: أرادَ أنْ يقيسَ الفاسقَ؟ طالب: على الكافر.
الشيخ: على الكافر، ومِن شَرْطِ صِحةِ القياس: تساوي الأصل والفرع في العِلة؛ من أجل أنْ يتساويا؟ طالب: في الحُكم.
الشيخ: في الحُكم، فإذا اختلفا في العِلة فالقياس غير صحيح، وهنا لا يتساويان في العلة، بل بينهما فَرْقٌ عظيم؛ لأن الكافر لا تصح صلاته، والفاسقُ؟ طلبة: تصح صلاته.
الشيخ: تصح صلاته، فبينهما فرق، الرجل الذي يأتم بكافر متلاعب؛ لأنه يعلم أن هذا الكافر، صلاته؟ طلبة: باطلة.
الشيخ: باطلة، فيكون متلاعبًا، كيف تؤم بشخص ترى أن صلاته باطلة؟ أما إذا كان فاسقًا فصلاته صحيحة، فأنا ائتممت بشخص صلاته صحيحة، والأصل أن مَن صحتْ صلاته صحت إمامته؛ لأن الإمامة فرع عن الصلاة.

ويحتمل أن يريد المؤلف رحمه الله قياس المختلف فيه على المتفق عليه، لا في الحكم؛ يعني كأنما يقول: لا تصح خلف الفاسق كما أنها لا تصح خلف الكافر بالاتفاق، وحتى هذا أيضًا فيه نظر؛ لأنه قد يقول الخصم: أنا لا، أيش؟ أنا لا أُسلم هذا، أقول: تصح خلف الفاسق ولا تصح خلفَ الكافرِ، وأُفَرقُ بينهما.
الكافرُ لا تصح الصلاةُ خلفَه، مطلقًا، سواءٌ كان كفرُه بالاعتقاد أو بالقول أو بالفعل أو بالترك.
الاعتقاد ظاهر؛ مثل أن يعتقد أن مع الله إلهًا آخر، القول: أن يستهزئ بالله أو رسوله، أو بدينه، فمن كان يستهزئ بالله أو رسوله أو دينه فهو كافر، ولو صلى الفعل؟ طلبة: السجود لصنم.
الشيخ: مثل أن يسجد لصنم، الترك: كترك الصلاة، لكن إذا كان كفره بترك الصلاة ثم صلى.
طلبة: أسلم.
الشيخ: أسلم، لكنهم يقولون: إنه حين تكبيرة الإحرام؟ طلبة: كافر.
الشيخ: كافر؛ لأنه لا يسلم إلا إذا صلى، هو يكون مسلمًا بصلاته، لكن لا يُحكم بإسلامه إلا بعد الصلاة، وعلى هذا فلا تصح الصلاة خلف الكافر، ونحن نعلم أنه لا يمكن أن يُصلي مسلم خلف كافر وهو يعلم أنه كافر، لكن لو فُرِضَ أن شخصًا من الناس صلى خلف رجل ولم يعلَمْ أنه كافرٌ إلا بعدَ الصلاة؛ يعني: لما صلى خلفه لاقاه صاحب له قال: صليت؟ قال: نعم، قال: مَنْ إمامُك؟ قال: إمامي فلان، قال: فلان كافر يسب الله ورسوله في كل مجلس، أعوذ بالله، قال: والله ما علِمت، فهل تلزمُه إعادة الصلاة أو لا؟ طلبة: تلزمه.
طلبة آخرون: لا تلزمه.
الشيخ: نعم، اختلفتم كما اختلف العلماء من قبلكم؛ فمن العلماء من قال: إنه لا يعيد الصلاة؛ لأنه معذور؛ لم يعلم، ومنهم من قال: بل يعيد الصلاة؛ لأن من شرط صحة الإمامة أن يكون الإمام مسلمًا وكان الإمام كافرًا، فتجب عليه الإعادة.
لكن لو قال قائل: هل يمكن أن نُفَصِّلَ ونقول: إن كانت علامة الكفر عليه ظاهرة لم تصح، ولم يُعذَرْ بالجهلِ لوجود القرينة، وإلا فلا؟ طلبة: يعذر

طلبة آخرون: لا.
الشيخ: يمكن، لكن إذا قال: طيب ما هي علامة الكفر؟ هل هو الدجال اللي المكتوب بين عينيه كافر؟ ما ندري، وأيش علامة الكفر؟ طالب: المشهور.
الشيخ: مشهور، إذن معلوم، إذا كان مشهورًا صار معلومًا، لكن لو فُرِض أننا وجدنا شخصًا عليه مشلح وشماغ ويتسوك وله لحية وتقدم بنا، وبعد النهاية قالوا: هذا رجل كافر، تصح الصلاة ولَّا ما تصح؟ طلبة: تصح.
طلبة آخرون: ما تصح.
الشيخ: على الخلاف في هذه المسألة، لكن القول الراجح أنه إذا كان جاهلًا فإن صلاتَه؟ طلبة: صحيحة.
الشيخ: صحيحة، لا تظنوا أن ضربي للمثل بهذا الرجل الكافر أنه خيال، هذا أمر واقع، نشاهد أحيانًا رجالًا يقولون: إنهم كفار، وإذا رأيتهم تظن أنهم؟ طلبة: مسلمون.
الشيخ: مسلمون، من جهة إعفاء اللحية، ومن جهة اللباس، كثير؛ يعني: يوجد هذا، فصار الكافر الآن لا تصح الصلاة خلفه بلا شك إذا كان المصلي عالمًا، هذا الصحيح، بقي علينا مسألة في الفُساق، إذا كان هذا الفاسق إمامًا لا تُمْكِن مقاومته، إذا كان إمامًا لا تُمْكِن مقاومته، مثل له سُلطان وهو فاسق، هل تصح الصلاة خلفه؟ طلبة: (... ). الشيخ: نقول: ما أسرع، ما تقول؟ نقول: في هذا تفصيل؛ إذا كان يمكن أن تصلي الصلاة خلف غيره فالصلاة خلفه لا تصح، وإلا صحت، لكن القول الراجح -كما علمتم- أولًا: أن الصلاة خلفه صحيحة بكل حال، المذهب يستثنون من هذا مسألتين؛ الجمعة والعيد إذا تعذرا خلف غيره، فاهمين؟ طلبة: إي نعم.
الشيخ: الجمعة والعيد إذا تعذرا خلف غيره، مثل هذا البلد ليس فيه إلا جامع واحد، وإمامه فاسقٌ حينئذٍ نصلي خلفَه، العيد ما فيه إلا مصلى واحد وإمامه فاسق كذلك نصلي خلفَه؛ لأننا لو تركنا الصلاة خلفه فاتتنا الجُمعة وفاتنا العيد.
لو كان ليس في البلد إلا هذا المسجد وإمامُه فاسق في غير الجمعة والعيد؟ طلبة: نصلي.
الشيخ: لا، المذهب: لا نصلي، يصلي منفردًا ولا يصلي خلفَه، إي نعم، لكن الصحيح ما سمعتم.

قال المؤلف رحمه الله: (ولا تصح خلف فاسق ككافر) نُكَمل أيضًا مسألة الفاسق: إذا كان هذا الإمامُ فاسقًا في معتقدِك غيرَ فاسقٍ في معتقدِه، فهل تصلي خلفَه؟ أنتم فاهمين الصورة هذه؟ طلبة: إي نعم.. طلبة آخرون: لا.
الشيخ: هو فاسق فيما تعتقِد وليس فاسقًا فيما يعتقد، مثال ذلك: رجل يرى أن شرب الدخان حلال وأنت ترى أنه حرام، فهل تصلي خلفه؟ طالب: نعم، على المذهب أصلي خلفه.
الشيخ: على المذهب تصلي خلفَه؛ لأنك لو سُئِلتَ عنه، فقيل لك: هل هو فاسق بحسب اعتقاده؟ طالب: لا.
الشيخ: لقلت: لا، معذور؛ لأنه يعتقد أن هذا حلال؛ ولذلك لو أن رجلًا كان لا يرى أن لَحْم الإِبل ناقض وأنت ترى أنه ناقض، فأكل هذا الرجل من لحم الإبل، ثم قام فصار إمامًا لك؟ طلبة: الصلاة صحيحة.
الشيخ: الصلاة صحيحة؟ طلبة: نعم.
الشيخ: مع أنك تعتقدُ أن صلاتَه؟ طلبة: باطلة.
الشيخ: باطلة، لكن هذا في اعتقادك فيما لو فعلتَ أنت، لكن فيما لو فعل هو تعتقد أن صلاته صحيحة؛ ولهذا قال العلماء رحمهم الله: وتصح الصلاة خلف المخالف في الفروع، ولو فعل ما تعتقدُه حرامًا، وهذه من نعمة الله؛ لأن لو قلنا: إنها لا تصح الصلاة خلف المخالف في الفروع لَلَحِقَ بذلك حَرَجٌ ومشقة.
ثم قال: (ولا تصح خلف امرأة) الدليل: قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا» (11). طالب: ما تكلمنا عن المبتدعين.
الشيخ: المبتدع؛ إن كانت بدعته مكفرة فهو من الكافرين، وإن كانت مُفَسقة فهو من الفاسقين.
نقول: المرأة لا تصح الصلاة خلفها، الدليل: ما يُروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا»، وهذا الحديث ضعيفٌ كما سبق، لكن يؤيده في الحُكم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً» (13)، والجماعة قد ولوا أمرهم؟ طلبة: امرأة.
الشيخ: الإمام، قد ولوا أمرهم الإمام، فلا يصح أن تكونَ المرأةُ؟ طلبة: إمامًا.

الشيخ: إمامًا لهم.
دليل آخر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا» (14)، وهذا دليلٌ على أنه لا موقعَ لَهُن في الأمامِ، والإِمامُ لا يكونُ؟ طلبة: إلا في الأمام.
الشيخ: إلا في الأمام، فلو قلنا بصحة صلاتها انقلب الوضع، صارت هي المتقدمة على الرجل، وهذا لا تؤيده الشريعة، هل تصح؟ قال: (ولا خنثى للرجال) يعني: ولا تصح الصلاة خلف الخُنثى للرجال، الخُنثى مَنْ: هو الذي لا يُعْلَمُ أَذَكَرٌ هو أم أنثى، هذا الخنثى، فيشمل أولًا: مَن له ذَكَرٌ وفَرْجٌ يبول منهما، يمكن يوجد؟ طلبة: يمكن.
الشيخ: يمكن، شخص له ذَكَرٌ وفَرْجٌ يبول منهما جميعًا، نقول: هذا خُنثى؛ لأن ما ندري ذكر هو أو أنثى.
ويشمل من ليس له ذَكَر ولا فَرْج، لكن له دُبُر، هذا أيضًا خنثى ولَّا؟ طلبة: خنثى.
الشيخ: لأيش؟ طلبة: (... ). الشيخ: لأنا ما نعلم هل هو ذكر أو أنثى؟ وعلى هذا نقول: إن الخنثى -سواء على هذه الصورة أو على هذه الصورة- لا يصح أن يكون إمامًا للرجال، لماذا؟ لاحتمال أن يكون.
طلبة: أنثى.
الشيخ: أنثى، لاحتمال أن يكون أنثى، وإذا احتمل أن يكون أنثى فإن هذه الصلاة تكون مشكوكًا فيها، فلا تصح.
ذكر الموفق رحمه الله أنه حُدثَ عن أشخاص ثلاثة، يقول: أحدهم: له مخرج واحد بين القُبُل والدبر يخرج منه البول والغائط، هذا خنثى ولَّا لا؟ طلبة: لا.
الشيخ: خنثى.
قال: والثاني: ليس له قُبُل ولا ذَكَر؛ ما له فَرْج ولا ذَكَر، إنما في مكان هذا شيء نابي يخرج منه البول رَشْحًا مثل العرق، هذا أيضًا خنثى.
قال: والثالث: ليس له دُبُر ولا فَرْج ولا ذَكَر، وإنما يتقيأ الطعام إذا بقي في معدته شيئًا من الوقت؛ يعني: يبقى في المعدة ما شاء الله، فإذا امتصت المنافع اللي فيه تقيأه، فيكون خروج هذا الشيء من؟ طلبة: فمه.
الشيخ: من فمه، والله على كل شيء قدير.

أما نحن فقد حدثَنا بعض الأطباء عندنا هنا في عُنيزة أنه وُجِد شخص وُلِد ليس له فَرْج ولا ذكر، والله على كل شيء قدير.
على كل حال، الخنثى لا يصح أن يكون إمامًا للرجال، وفُهِم من قول المؤلف: (ولا خلف امرأة وخنثى للرجال) أنه يصح أن تكون المرأة إمامًا للمرأة، ولَّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: من أين نأخذه؟ من قوله: (للرجال)، وأن الخنثى يصح أن يكون إمامًا للمرأة؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، يصح أن يكون إمامًا للمرأة؛ لأنه إما مثلها أو أعلى منها، لكن هل يصح أن تكون المرأة إمامًا للخنثى؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا؛ لاحتمال أن يكون ذكرًا.
قال: (ولا صبي لبالغ) يعني: لا تصح الإمامة من صبي لبالغ، الصبي: مَن دون البلوغ، والبالغ: مَن بلغ، ويحصل البلوغُ بواحد من أمور ثلاثة بالنسبة للذكور: إما تمام خمس عشرة سنة، وإما إنبات العَانةِ، وإما؟ طلبة: إنزال المني.
الشيخ: إنزال المني بشهوة يقظةً أو منامًا، فإذا وُجِدَ واحد من هذه الثلاثةِ صارَ الإِنسانُ بالغًا، والمرأةُ تزيدُ على ذلك بأمرٍ رابعٍ وهو الحيض، فإذا حاضت ولو لعشر سنوات فهي بالغة.
لا تصح الصلاة خلف الصبي للبالغ، وهنا دليل وتعليل؛ يعني: أنا أضرب لك الصورة، الصورة: صارَ الصبي إمامًا والبالغ؟ طلبة: مأمومًا.
الشيخ: مأمومًا، فالصلاةُ لا تصح، صلاة البالغ خلف الصبي لا تصح؛ لدليلين: أثري ونظري؛ أما الأثري فهو ما يُذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَا تُقَدِّمُوا صِبْيَانَكُمْ» (15)، وأما النظري فهو: أن صلاةَ الصبي نَفْل وصلاة البالغ فرض، والنفل أعلى رتبة من الفرض؟ طلبة: بالعكس.

الشيخ: نعم، والفرضُ أعلى رتبة مِن النفل، فإذا كان أعلى رتبة فكيف يكون صاحبُه تابعًا لمن هو أدنى منه رتبة؟ لأنا لو صححنا صلاة البالغ خلف الصبي لجعلنا الأعلى تابعًا لما دونه، وهذا خلاف القياس، والقياس: أن الأعلى متبوعًا لا تابعًا، فهذان دليلان: دليل أثري ودليل نظري، إذا لم يوجد إلا صبي وأبوه ماذا يصنع؟ طلبة: (... ). الشيخ: يكون الأب هو الإمام، وتنتهي المشكلة.
وقول المؤلف: (لبالغ) يُفهمُ منه أن إمامة الصبي للصبي؟ طالب: (... ). الشيخ: جائزة، وهو كذلك، فلو صلى صبي بصبي كان ذلك جائزًا، هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله.
والقول الثاني في المسألة: أن صلاة البالغ خلف الصبي صحيحة، ودليل ذلك: ما ثبت في صحيح البخاري: أن عمرو بن سَلِمَة الجَرمي أمَّ قومه وله ست أو سبع سنين (16)، لم يتأهل أن يدخل المدرسة الابتدائية، ولكنه ناجح فيها؛ لأنه كان رضي الله عنه يتلقف الركبان، وهو صبي ذكي، فيقرأ القرآن، ولما قَدِم أبوه من عند الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان قد حدثهم النبي عليه الصلاة والسلام أنه: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» (1)، يقول: نظروا في القوم فلم يجدوا أحدًا أقرأ مني، فقدموني إمامًا لهم، فصار إمامهم وله ست أو سبع سنين، يقول: فخرجت امرأة من الحي ذات يوم وهم ساجدون، وإذا إزاره قصير وقد خرج شيء من عورته، فقالت بصوت مرتفع: غطُّوا عنا اسْتَ قارئكم، الاسْت: يعني الدُّبُر، غطوا عنا اسْت قارئكم، يقول: فاشتروا لي ثوبًا جديدًا، فما فرِحت بشيء بعد الإسلام فرحي بهذا الثوب (16)، الله أكبر، شوف -سبحان الله- الفقر.
المهم، هذا الحديث في البخاري، فيجب العمل به، ويُبطِل ما استدل به المانعون، أما الحديث الذي فيه: «لَا تُقَدِّمُوا صِبْيَانَكُمْ» (15) فهو حديثٌ لا أصلَ له إطلاقًا، لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وأما التعليل: فقد علِمنَا القاعدة الأصيلة الشهيرة وهي: أنه لا قياسَ في مقابلة النص؛ لأن القياس رأي يُخطئ ويُصيب، ولا يجوز القول في الدين بالرأي، فإذا كان لدينا حديث صحيح في البخاري فإن الرأيَ أمامَه ليس بشيء.
لكن قد يعترض مُعترض فيقول: هل عَلِمَ بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أم لم يعلم؟ إما أن نقول: إنَّه عَلِم إذا علمنا أنه علم، وإما أن نقول: إنَّه لم يعلم إذا علِمنا أنه لم يعلم، وإما أن نقول أيش؟ طلبة: (... ). الشيخ: لا ندري، يمكن أنه علم ويمكن أنه ما علم؛ فإن كان قد عَلِم فالاستدلالُ بهذه السنة واضح لا غبار عليه، من أي أنواع السنة؟ طلبة: الإقرار.
الشيخ: الإقرار، وإن علمنا أنه لم يعلم فإننا نقول: إن الله قد علم سبحانه وتعالى، وإقرار الله للشيء في زمن نزول الوحي دليل على؟ طلبة: (... ). الشيخ: جوازه، وأنه ليس بمنكر؛ لأنه لو كان منكرًا لأنكرَه الله، وإن كان الرسولُ لم يعلم به، ودليل ذلك قوله الله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: 108] فأنكر الله عليهم تبييتهم؟ طالب: للقول.
الشيخ: تبييتهم للقول، مع أن الناس لا يعلمون به؛ لأنهم إنما بيتوا أمرًا منكرًا، فدل هذا على أن الأمر المنكر لا يمكن أن يدعه الله وإن كان الناس لا يعلمون به.
ثانيًا: أن الصحابة استدلوا على جواز العزل بأنهم كانوا يعزلون والقرآن ينزل.
وعلى هذا فنقول: إذا كانت قصة عمرو بن سَلِمَة معلومة للرسول فالاستدلال بها واضح لا غبار عليه، وإن كانت غير معلومة فهي معلومة لله، وقد أقرها الله فكانت شرعًا.
طالب: الدليل على أن الاختلاف في الفروع ما يمنع صحة الصلاة؛ يعني هذا رجل إمام أكل لحم جزور، وأنت عندك الدليل الواضح على أنه لحم الجزور يبطل الصلاة، فكيف نُجَوز إمامته؟

الشيخ: هذا الشيء يكاد أن يكون الناس مجمعين عليه؛ لأنه بإجماع المسلمين أن بعض المسلمين يصلي خلف بعض مع أنهم مختلفون في الفروع.
طالب: لو كان إمام -يا شيخ- ترك الصلاة؛ يعني: ليس جاحدًا؟ الشيخ: إي نعم، لو تركها غير جاحد لها وهو يعتقد أنه لا يخرج من الإسلام بذلك.
الطالب: تصح صلاته؟ الشيخ: وصلى بنا يومًا من الدهر صلينا خلفه، إي نعم.
طالب: شيخ، الآن يوجد حاجز بين الرجال والنساء، فهل تكون الصف الأول (... )؟ الشيخ: لا، اللي نراه أنه إذا وُجِد حاجز فالصف الأول للنساء أفضل؛ لزوال العلة.
طالب: أحسن الله إليكم، قولهم يا شيخ: إن عقيدة أهل السنة والجماعة الجهاد والصلاة خلف كل بر وفاجر، فهل هذه صحيحة يا شيخ؟ الشيخ: صحيح، نعم.
الطالب: هل ممكن الاستدلال بهذا القول، نقول: قد اتفقوا على كذا وكذا؟ الشيخ: لا، هم الاتفاق على الجمعة والأعياد، إي نعم.
طالب: أقول: رجل صلى إمامًا وصلى خلفه أناس من أهل البدع يكفرون بها؟ الشيخ: يعني: الإمام ذو بدعة مكفِّرة؟ الطالب: لا، هم الذين خلفه.
الشيخ: إي.
الطالب: هل صلاته صحيحة على؟ الشيخ: لا.
الطالب: يعتقد أنه.
الشيخ: لا، ما تصح.
الطالب: يعيد الصلاة؟ الشيخ: يعيد الصلاة.
الطالب: مثل الجاهل الذي صلى خلف إمام؟ الشيخ: خل الجاهل، إذا كان جاهلًا ما يدري عنهم، ما عليه.
الطالب: هو ما يدري عنهم.. الشيخ: لا، ما عليه، الجاهل ما عليه.
الطالب: لو أُخبِر أنهم كفار؟ الشيخ: حتى لو أُخبِر ما يعيد.


طالب: (... ) محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولا صبي لبالغ، ولا أخرس، ولا عاجز عن ركوع أو سجود أو قعود أو قيام، إلا إمام الحي المرجو زوال علته، ويصلون وراءه جلوسًا ندبًا، فإن ابتدأ بهم قائمًا ثم اعتل فجلس أتموا خلفه قيامًا وجوبًا، وتصح خلف من به سلس البول بمثله، ولا تصح خلف محدث ولا متنجس يعلم ذلك، فإن جهل هو والمأموم حتى انقضت صحت لمأموم وحده.

ولا إمامة الأمي؛ وهو من لا يحسن الفاتحة، أو يدغم فيها ما لا يدغم، أو يبدل حرفًا، أو يلحن فيها لحنًا يحيل المعنى إلا بمثله، وإن قَدَر على.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين (... ) حكم إمامة الفاسق؟ طالب: إمامة الفاسق لا تصح.
الشيخ: يعني: لا يصح أن يكون الفاسق إمامًا ولو بمثله؟ الطالب: ولو بمثله.
الشيخ: ولو بمثله، ما الدليل؟ الطالب: استدلوا بحديث طويل ذُكِر فيه: أنه ولا تصح إمامة الفاسق بالعدل (17). الشيخ: لا.
الطالب: ولا يصل عدل وراء فاسق.
الشيخ: لا تخليها قوية، وسط.
الطالب: ولا يصل عدل وراء فاسق.
الشيخ: لا.
طالب: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «وَلَا يَؤُمَّنَّ فَاجِرٌ مُؤْمِنًا» (11). الشيخ: «وَلَا يَؤُمَّنَّ فَاجِرٌ مُؤْمِنًا»، والمراد بالفاجر هنا؟ الطالب: الفاسق.
الشيخ: الفاسق، ما فيه تعليل؟ الطالب: تعليل إمامة الفاسق؛ إذا صحت صلاته لنفسه إذن تصح صلاته لغيره.
الشيخ: لا، هذا تعليل لعكس ما نريد.
طالب: قال: قياسًا على الكافر.
الشيخ: نعم، قياسًا على الكافر؛ لأن كلا منهما غير عدل في دينه.
هل هناك قول آخر بصحة إمامة الفاسق؟ طالب: نعم يا شيخ، القول الصحيح أنه.. الشيخ: القول الثاني.
الطالب: القول الثاني: أنه تصح إمامة الفاسق لعدل بمثله أو بغيره، والدليل على ذلك: أثري ونظري؛ أما الأثري: فلعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» (1)، ولخصوص قوله صلى الله عليه وسلم: «يُصَلُّونَ لَكُمْ» (4) لما سُئِل عن أمراء السوء الذين تدركونهم فيتأخرون عن الصلاة.
الشيخ: «يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا».
الطالب: «يُصَلُّونَ لَكُمْ؛ فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ، وَإِنْ أَخْطَؤُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ».
الشيخ: فلكم ولهم.

الطالب: نعم، «وَإِنْ أَخْطَؤُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ».
وأما الدليل النظري.. الشيخ: هذا أثري أيضًا، فيه دليل أثر؟ الطالب: ما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يصلون خلف الفساق، كما ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يصلي خلف الحجاج، وهو مشهور بفسقه.
الشيخ: نعم.
الطالب: وأما الدليل النظري؛ فهو: من صحت صلاته لنفسه فتصح صلاته لغيره.
وأيضًا أن لو صلى إمام عدل بمأموم فاسق فتصح صلاتهم؛ المأموم والفاسق، فكذا تصح الإمام الفاسق بمثله.
الشيخ: إذن هذا القول هو الصحيح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ولا يسع الناس العمل إلا بهذا.
امرأة أمت رجلًا؟ طالب: لا تصح يا شيخ.
الشيخ: لا تصح إمامتها لرجل.
الدليل؟ الطالب: الدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا» (... ) المرأة لم يُذكر تقديمها (... ) قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَشَرُّ صُفُوفِ النِّسَاءِ أَوَّلُهَا» (14) (... )، المرأة التي لها أن تتقدم بين يدي الرجال.
الشيخ: بين يدي الرجال، فيه شيء بعد؟ طالب: ويؤيده في حكم قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً»، فنفى النبي عليه الصلاة والسلام الإمامة العظمى، وإمامة الصلاة كذلك.
الشيخ: مثلها؛ لأنه فيها نوع ولاية.
هل تصح إمامة الصبي بالبالغ؟ طالب: على قول المؤلف لا تصح.
الشيخ: نعم، على المذهب.
الطالب: لا تصح.
الشيخ: لا تصح، لماذا؟ أو ما هو الدليل؟ طالب: عدم تكليف لصغير.
الشيخ: هذا التعليل، الدليل؟ فيه دليل وفيه تعليل.
الطالب: عدم التكليف.
الشيخ: هذا تعليل.
الطالب: الدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تُقَدِّمُوا صِبْيَانَكُمْ» (15). الشيخ: هذا الدليل؛ يعني ما يروى عنه.
الطالب: ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم..

الشيخ: أنه قال: «لَا تُقَدِّمُوا صِبْيَانَكُمْ»، التعليل؟ طالب: التعليل: أن صلاة الصبي نفل، زين؟ الشيخ: نعم.
الطالب: وصلاة المأموم فرض.
الشيخ: البالغ.
الطالب: وصلاة البالغ فرض، فلا يصح أن يتقدم النفل على الفرض.
الشيخ: إي نعم، يعني: صلاة المأموم هنا فرض، ولا يُبنى الفرض على النفل؛ لأن المأموم تابع، فيه قول آخر؟ طالب: إي نعم، ما اخترناه هو في الصحيح: أن صلاة الصبي تصح.
الشيخ: إمامة الصبي البالغ صحيحة.
الطالب: نعم، تصح، دليل ذلك ما رواه البخاري: أن عمرو بن سلمة الجُرمي.
الشيخ: الجَرمي بفتح الجيم.
الطالب: الجَرمي أنه كان يؤم أصحابه وهو ابن ست أو سبع سنين وكان أقرأهم.
الشيخ: أنه أم أصحابه وله ست.
الطالب: أو سبع سنين.
الشيخ: أو سبع سنين، هذا دليل، ما فيه دليل عام؟ طالب: عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» (1). الشيخ: نعم.
الطالب: وهذا داخل.
الشيخ: وهذا داخل، كيف نجيب عن دليلهم؟ طالب: نقول: إن حديثهم ضعيف لا تقوم به الحجة.
الشيخ: نعم.
الطالب: فيصعب الاستدلال.
الشيخ: نعم، نقول: هذا الحديث «لَا تُقَدِّمُوا صِبْيَانَكُمْ» (15) حديث ضعيف لا تقوم به الحجة.
الطالب: وكذلك أيضًا نرد عليهم بحديث: «فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا» (16)، وهذا أكثر قرآنًا.
الشيخ: إي، «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ»، كيف نجيب عن التعليل؟ الطالب: تعليلهم؟ الشيخ: نعم.
الطالب: أي تعليل؟ الشيخ: الذي قالوا: إن صلاة الفريضة لا تكون خلف النافلة؛ لأنها أعلى.
طالب: نقول: إن هذا التعليل في مقابلة النص وهو حديث عمرو بن سَلَمة، فلا اعتبار للقياس.
الشيخ: تمام.
طالب: شيخ نقول: نفل، وما ثبت في النفل ثبت في الفرض.
الشيخ: لا، نقول.. الطالب: ثبت من حديث معاذ أنه كان يصلي نافلة بقوم.. الشيخ: دليل؟

الطالب: نعم، دليل؛ كان يعيد صلاة العشاء نافلة، وكانوا يصلون وراءه فرضًا وصحت.. الشيخ: أن معاذًا كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء، ويصلي بقومه تلك الصلاة وهي نافلة (18). لو قال قائل: لا يصح الاستدلال بالحديثين؛ لأننا لا نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم علم بذلك؟ طالب: أقول: إن ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه علم بذلك فلا إشكال، وإن لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم بذلك فإن الله عز وجل قد علم بذلك.
الشيخ: يعني: إذا قدرنا أنه لم يعلم بذلك فإن الله قد؟ الطالب: علم بذلك.
الشيخ: علم به، ولو كان هذا لا يرضي الله؟ الطالب: لأنزل الله عز وجل وحي بإبطاله.
الشيخ: نعم، دليلك على هذا؟ الطالب: الدليل قوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ فالله عز وجل.. الشيخ: ﴿إِذْ﴾ كَمل.
الطالب: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾.
الشيخ: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾.
الطالب: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾.
الشيخ: كَمل لأجل يتم الاستدلال.
الطالب: ما أحفظها.
الشيخ: إي.
طالب: علم الرسول النبي صلى الله عليه وسلم صلاة معاذ.. الشيخ: وبخه.
الطالب: وبخه على ذلك.
الشيخ: إي، هذا حديث معاذ، حديث عمرو بن سلمة، تعليل الأخ صحيح، لكن بس نريد الاستدلال من القرآن.
طالب: قوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: 108]. الشيخ: نعم.
ولا أَخْرَسَ ولا عاجزٍ عن ركوعٍ أو سجودٍ أو قُعودٍ أو قِيامٍ، إلا إمامَ الحيِّ المرْجُوَّ زوالُ عِلَّتِه، ويُصَلُّون وَراءَه جُلوسًا نَدْبًا فإن ابْتَدَأ بهم قائمًا ثم اعْتَلَّ فجَلَسَ أَتَمُّوا خلفَه قِيامًا وُجوبًا.

وتَصِحُّ خلفَ مَن به سَلَسُ البَوْلِ بمِثْلِه، ولا تَصِحُّ خلفَ مُحْدِثٍ ولا مُتَنَجِّسٍ يَعْلَمُ ذلك، فإن جَهِلَ هو والمأمومُ حتى انْقَضَتْ صَحَّتْ لمأمومٍ وَحْدَه، فيه قول آخر؟ الطالب: إي نعم، ما اخترناه هو الصحيح؛ أن صلاة الصبي تصح.
الشيخ: إمامة الصبي البالغ صحيحة.
الطالب: نعم، تصح؛ دليل ذلك ما رواه البخاري أن عمرو بن سلمة الجَرمي أنه كان يؤم أصحابه وهو ابن ست أو سبع سنين، وكان.. الشيخ: أنه أمَّ أصحابه وله ست؟ الطالب: أو سبع سنين.
الشيخ: أو سبع سنين، هذا دليل، ما فيه دليل عام؟ الطالب: عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «لِيَؤُمَّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» (1)، وهذا داخل فيه.
الشيخ: وهذا داخل، كيف نجيب عن دليلهم؟ الطالب: نقول: إن حديثهم ضعيف لا تقوم به الحجة، لا يصلح للاحتجاج.
الشيخ: نقول: هذا الحديث: «لَا تُقَدِّمُوا صِبْيَانَكُمْ» (2) حديث ضعيف لا تقوم به الحجة.
الطالب: وكذلك أيضًا نَرُدُّ عليهم بحديث: «فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا» (3)، وهذا أكثر قرآنًا.
الشيخ: إي، «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ»، كيف نجيب عن التعليل؟ الطالب: تعليلهم؟ أي تعليل؟ ! الشيخ: الذي قالوا: إن صلاة الفريضة لا تكون خلف النافلة، إنها أعلى.
طالب: نقول: إن هذا الحديث في مقابل النص، فهو حديث عامُّ مرسل، فلا اعتبار (... ). الشيخ: تمام.
طالب: شيخ، (... ) النفل وما ثبت في النفل ثبت في الفرض.
الشيخ: لا، لا نقول.. طالب: (... ) حديث معاذ أنه كان يصلي النافلة بقوم.
الشيخ: دليل؟ الطالب: أن يُصَلِّي (... ) صلاة العشاء نافلة وهم يصلون وراءه فرضًا صح هذا.
الشيخ: أن معاذًا كان يصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء، ويصلي بقومه تلك الصلاة وهي نافلة.

لو قال قائل: لا يصح الاستدلال بالحديثين؛ لأننا لا نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم علم بذلك.
طالب: نقول: إن ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه علم بذلك فلا إشكال فيه، وإن لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم بذلك فإن الله عز وجل قد علم بذلك.
الشيخ: وإن لم يثبت؟ الطالب: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم بذلك.
الشيخ: (... ) يعني: ثبت أنه علم.
الطالب: يعني: نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم بذلك، فنقول: إن الله عز وجل قد علم بذلك.
الشيخ: يعني: إذا قدَّرْنا أنه لم يعلم بذلك فإن الله قد علم به، ولو كان هذا لا يُرْضِي الله؟ طالب: لأنزل الله عز وجل الوحي ببطلانه.
الشيخ: نعم، دليلك على هذا.
الطالب: الدليل من قوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء: 108] فالله عز وجل.. الشيخ: ﴿إِذْ﴾ كمِّل.
الطالب: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾.
الشيخ: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾.
طالب: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾.
الشيخ: كمِّل؛ ليتم الاستدلال.
طالب آخر: عَلِمَ الرسول صلى الله عليه وسلم صلاة معاذ ووبَّخَه على ذلك.
الشيخ: هذا حديث معاذ.
حديث عمرو بن سلمة؟ تعليل الأخ صحيح، لكن بس نريد الاستدلال من القرآن.
طالب: قوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: 108]. الشيخ: فلما بَيَّتُوا ما لا يرضاه من القول فضحهم، ولو كان فعل عمرو بن سلمة لا يرضاه الله لبينه.
طالب: فعل الرسول صلى الله عليه وسلم فيمن صلى بمسافر في الحضر، صلى ركعتين فأتموا بعده.
الشيخ: لا، لعلك تريد صلاة الخوف، كان يصلي بهم جماعة في بعض صفاتها يصلي بقوم الصلاة كاملة، ثم يصلي بالآخرين الصلاة كاملة.
طالب: دليل آخر؛ قول الصحابة: كنا نعزل والقرآن ينزل.

الشيخ: هذا دليل على الاستدلال بإقرار الله.
المهم أن القول الراجح أن الصبيَّ يصحُّ أن يكون إمامًا للبالغين، هذا هو القول الراجح، ومَنْ أنكر ذلك فليس عنده دليل.


ثم قال المؤلف -رحمه الله -: (ولا إمامةُ أخرس) يعني: ولا تَصِحُّ إمامة الأخرس حتى بمثله.
والأخرس هو الذي لا يستطيع النطق، وهو نوعان: عارض ولازم؛ فاللازم: أن يكون ملازمًا للمرء من صغره، والطارئ: هو الذي يحدث للمرء إما بحادث أو بمرض أو بغير ذلك.
على كل حال الأخرس إذا كان خَرَسُه لازمًا فالغالب أنه لا يسمع، وانتفاء السمع سابق على الخرس؛ لأنه إذا كان لا يسمع لا يمكن أن يتكلم؛ إذ لا يسمع شيئًا يُقَلِّده حتى يتكلم مثله، ولهذا إذا وُلِد الصبي أصمَّ ولم يفتح الله أذنيه فإنه يبقى أخرس.
أما الطارئ فقد يكون الأخرس سميعًا لكن طرأ عليه عِلَّة منعته من الكلام، وكلا الجنسين أو كلا النوعين لا تَصِحُّ الصلاة خلفه؛ يعني: لا يصح أن يكون إمامًا لا بمثله ولا بغيره، لماذا؟ قالوا: لأنه لا يستطيع النطق بالركن وهو قراءة الفاتحة، ولا بالواجبات وهي التكبيرات سوى تكبيرة الإحرام، ولا ما تنعقد به الصلاة وهو تكبيرة الإحرام، فيكون عاجزًا عن الأركان والواجبات، فلا يصح أن يكون إمامًا لمن هو قادر.
وهذا التعليل قد يكون متوجِّهًا بالنسبة لكونه إمامًا لمن هو قادر على النطق، لكن بالنسبة أن يكون إمامًا لمن هو عاجز عن النطق، هذا التعليل يكون عليلًا؛ وذلك لأن العاجز عن النطق لا يفوقه بشيء ولا يفضله بشيء، فلماذا لا يصح أن يكون إمامًا فيه؟ ولهذا كان القول الراجح في هذه المسألة: أن إمامة الأخرس تَصِح بمثله وبمن ليس بأخرس؛ لأن القاعدة عندنا أن كلَّ من صحَّت صلاته صحت إمامته.

ولكن مع ذلك لا ينبغي أن يكون إمامًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» (1) وهذا لا يقرأ، فلا ينبغي أن يكون إمامًا، لكن الكلام على الصحة فالصحيح أنها تَصِح.
قال: (ولا عاجزٍ عن ركوع أو سجود أو قعود أو قيام إلا إمام الحي).
قوله: (ولا عاجز) يعني: ولا تصح إمامةُ عاجز عن ركوع، مثل: أن يكون الشخص فيه ألم في ظهره لا يستطيع أن يركع فإنه لا يصح أن يكون إمامًا للقادر على الركوع.
وأما العاجز عن الركوع فإنه يصح أن يكون إمامًا له؛ لتساويهما في العلة، ما هو الدليل على أنها لا تصح إمامة العاجز عن الركوع بالقادر عليه؟ الدليل: لأن القادر على الركوع أكمل حالًا من العاجز عنه، ولا ينبغي أن يكون العاجز إمامًا للقادر، هذا ما ذهب إليه المؤلف وهو المذهب.
وكذلك العاجز عن السجود؛ مثل أن يكون الإنسان قد عمل عملية لعينيه لا يستطيع أن يسجد، ويركع ويقوم ويقعد لكن لا يستطيع السجود إلا بالإيماء، فلا يصح أن يكون إمامًا للقادر على السجود، ويصح أن يكون إمامًا للعاجز عنه، والعلَّة فيه كالعلة في العاجز عن الركوع.
قال المؤلف: (أو قعود) يعني: لا يستطيع أن يجلس، فلا تَصِحُّ إمامته إلا بمثله، والعلة ما سبق في العاجز عن الركوع والسجود.
قال المؤلف: (أو قيام) العاجز عن القيام؛ فإن العاجز عن القيام لا يصح أن يكون إمامًا للقادر عليه، والعلة ما سبق؛ أنه عاجز عن الإتيان بالركن فحاله دون القادر عليه، ولا ينبغي أن يكون العاجز إمامًا للقادر مع أن صلاته صحيحة.
استثنى المؤلف، قال: (إلا إمام الحي).
قوله: (إلا إمام الحي): هذا مستثنًى من الصورة الأخيرة، وهي قوله: (أو قيام).
وقوله: (إلا إمام الحي) يعني: الإمام الراتب في المسجد.

و (الحي) جمعُه أحياء، وهي الدور والحارات، فإذا كان هذا المسجد له إمام راتبٌ عاجزٌ عن القيام فإنه يكون إمامًا لأهل الحي القادرين على القيام، لكن بشرط؛ قال: (المرجوُّ زوال علته) يعني بأن يكون عجزه عن القيام طارئًا، بخلاف العاجز عن القيام عجزًا مستمرًّا كالشيخ الكبير؛ فإن الصلاة خلفه لا تصح.
إذن أفادنا المؤلف -رحمه الله- بهذه العبارة أنَّ مَنْ عجز عن ركن القيام والقعود والركوع والسجود لا تَصِحُّ إمامتُه إلا بمثله.
(إلا إمام الحي المرجو زوال علته) يعني أنه بشرطين؛ أن يكون العاجز عن القيام إمام الحي، والثاني: أن تكون علته مرجوة الزوال؛ مثل: أن يطرأ عليه وجع في ظهره أو في ركبته لا يستطيع القيام، فهنا يصح أن يكون إمامًا لأهل الحي وإن كان عاجزًا عن القيام.
قال المؤلف: (وَيُصَلُّون وراءه جُلوسًا) (يصلون): الضمير يعود على الحي؛ يعني: الجماعة.
(وراءه) أي: وراء إمام الحي.
(جلوسًا) حال من فاعل (يصلون).
(ندبًا) يعني: أن هذا الحكم ندبٌ وليس بواجب، والندب: يعني السنة؛ فالسنة أن يصلوا خلفه جلوسًا؛ دليل ذلك: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا» إلى آخر الحديث، إلى أن قال: «وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا» (4). قال: «إِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا»، وهذا نص صريح في أن الصلاة خلف العاجز عن القيام من القادر عليه صحيحة، وأنه يصلي خلف إمامه قاعدًا اقتداءً بإمامه.
وقول المؤلف: (يصلون وراءه جلوسًا ندبًا) أفادنا -رحمه الله- أنهم لو صلَّوا خلفه قيامًا فصلاتهم صحيحة؛ لأن السُّنة لا يُبطِل الصلاةَ تركُها.

ولكن ذهب بعض العلماء إلى أن الصلاة خَلْفَه يجب أن تكون قعودًا؛ يعني: يصلون خلفه قعودًا وجوبًا، واستدلوا لذلك: بقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «فَصَلُّوا قُعُودًا»، والأصل في الأمر الوجوب، لا سيما وأن النبي صلى الله عليه وسلم علَّل ذلك في أول الحديث بقوله: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ»؛ ويدل لذلك أيضًا أنه لما صلَّى عليه الصلاة والسلام بأصحابه ذات يوم -وكان عاجزًا عن القيام- فقاموا فأشار إليهم أن اجلسوا فجلسوا (5). فكونه يشير إليهم حتى في أثناء الصلاة يدل على أن ذلك على سبيل الوجوب.
ونظير هذا أنه لما قام عبد الله بن عباس عن يساره أخذ برأسه مِن ورائه وجعله عن يمينه (6)، وقد قالوا: إنه لا يجوز أن يقف المأموم الواحد عن يسار الإمام.
فنقول: هذا مثله، بل في هذا قول أبلغ من الفعل، وهو قوله: «إِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا» (4). وهذا القول هو الصحيح: أن الإمام إذا صلى قاعدًا وجب على المأمومين أن يصلوا قعودًا، فإن صلوا قيامًا في هذه الحال فصلاتهم باطلة، تبطل صلاتهم.
ولهذا يُلْغَز بها، فيقال: رجل صلى الفرض قائمًا فبطلت صلاته، من هو؟ الذي صلى قائمًا خلف إمام يصلي قاعدًا.
فالقول الصحيح في هذه المسألة أنه إذا صلى الإمام قاعدًا، وجب على المأمومين أن يصلوا قعودًا، فإن صلَّوا قيامًا بطلت صلاتهم.
نرجع إلى هذه المسألة، نقول: إن المؤلف -رحمه الله- جزم بأن الإمام إذا صلى قاعدًا فإن المأمومين يصلون قعودًا، إلا أنه أدخل في ذلك شرطين نتكلم عليهما فيما بعد.
وخالف في هذا كثير من أهل العلم وقالوا: إن الإمام إذا صلى قاعدًا وجب على المأمومين القادرين على القيام أن يصلوا قيامًا، فإن صلَّوا قعودًا بطلت صلاتهم، عكس ما رجحناه.
نحن قلنا: يجب أن يصلوا قعودًا، فإن صلوا قيامًا بطلت صلاتهم.

لكن هذا قال -وعليه كثير من أهل العلم-: بل يجب عليهم أن يُصَلُّوا قيامًا، فإن صلَّوا قعودًا بطلت صلاتهم، واستدلوا لذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم في مَرِض موته، والناس يصلون خلف أبي بكر، فتقدم حتى وقف، بل حتى جلس عن يسار أبي بكر، فجعل يُصَلِّي بهم عليه الصلاة والسلام قاعدًا وهم قيام، هم يقتدون بأبي بكر، وأبو بكر يقتدي بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم (7)؛ لأن صوته صلى الله عليه وسلم كان ضعيفًا لا يُسْمِع الناس، فكان أبو بكر يسمعه لأنه إلى جنبه، فيرفع أبو بكر صوته فيقتدي الناس بصلاة أبي بكر.
قالوا: وهذا في آخر حياته، فيكون ناسخًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا» (4)، ولإشارته إلى أصحابه حين صلَّى قاعدًا فصلَّوا خلفه قيامًا فأشار إليهم أن اجلسوا (5)؛ لأنه من المعروف أن المتأخر من سُنَّةِ الرسول صلى الله عليه وسلم ينسخ المتقدم، وعللوا أيضًا فقالوا: إن القيام ركن على القادر عليه، وهؤلاء قادرون على القيام، فيكون القيام في حقهم ركنًا؛ لأن الأدلة على أعلى تقدير متعارضة فيجب الرجوع إلى الأصل وهو وجوب القيام، أعرفتم هذا؟ ولكننا نقول: إن هذا القول ضعيف، أي: القول بأنهم يصلون خلف القاعد قيامًا ضعيف؛ وذلك لأنه لا يجوز الرجوع إلى النسخ إلا عند تَعَذُّرِ الجمع، فإن من المعلوم عند أهل العلم أنه يشترط للنسخ شرطان لا بد منهما: الشرط الأول: العلم بتأخر الناسخ.
والشرط الثاني: أن لا يمكن الجمع بينه وبين ما ادُّعِي أنه منسوخ؛ وذلك لأنك إذا أعملت النسخ ألغيت أحد الدليلين.
وإلغاء الدليل ليس بالأمر الهين حتى نقول كل ما أعيانا الجمع: هذا منسوخ، هذا لا يجوز؛ لأنك إذا قلت: هذا منسوخ؛ أي: أبطلت حكمه، فالأمر صعب، والجمع هنا ممكن جدًّا، أشار إليه الإمام أحمد -رحمه الله- فقال: إنما بقي الصحابة قيامًا؛ لأن أبا بكر ابتدأ بهم الصلاة قائمًا.

وعلى هذا فنقول: لو حدثت لإمام الحي عِلَّة في أثناء الصلاة أعجزته عن القيام فكمَّل صلاته جالسًا، فإن المأمومين يُتِمُّونها قيامًا، وهذا لا شك أنه جمع حسن واضح؛ وعليه فنقول: إذا صلى الإمام بالمأمومين قاعدًا من أول الصلاة فليصلوا قعودًا، وإن صلَّى بهم قائمًا ثم أصابته علة فجلس فإنهم يصلون قيامًا، وبهذا يحصل الجمع بين الدليلين، والجمع بين الدليلين إعمال لهما جميعًا.
قلنا: إن المؤلف أدخل على صلاة المأمومين القادرين على القيام خلف الإمام العاجز عنه أدخل شرطين؛ الشرط الأول: أن يكون إمامَ الحي، والثاني: أن تكون علته مرجوَّة الزوال.
ومن المعلوم أن القاعدة الأصولية أن ما ورد عن الشارع مطلقًا فإنه لا يجوز إدخال أي قيد من القيود عليه إلا بدليل؛ لأنه ليس من حقنا أن نُقَيِّد ما أطلقه الشرع، وهذه القاعدة تفيدك في مواضع كثيرة؛ منها مثلًا: المسح على الخفين؛ أطلق الشارع المسح على الخفين، ولم يشترط في الخفِّ أن يكون من نوع معين، ولا أن يكون سليمًا من عيوب ذكروا أنها مانعة من المسح كالخَرْقِ وما أشبهه، فالواجب علينا إطلاق ما أطلقه الشرع؛ لأننا لسنا الذين نتحكم بالشرع، ولكن الشرع هو الذي يحكم فينا، أما أن ندخل قيودًا في أمر أطلقه الشرع، فهذا لا شك أنه ليس من حقِّنا.
فلننظر: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا» (4). هل هذه الأحكام التي جعلها الشارع في مسار واحد هل هي تختلف بين إمام الحيِّ وغيره؟

هل نقول: إذا كبر إمام الحي فكبَّر وإذا ركع فاركع، وإذا كبر غيرُ إمام الحي فأنت بالخيار وإذا ركع فأنت بالخيار؟ أبدًا، الأحكام هذه كلها عامة لإمام الحيِّ ولغيره؛ وعلى هذا: يلغو الشرط الأول الذي اشترطه المؤلف وهو قوله: (إمام الحي)، ونقول: إذا صلى الإمام قاعدًا فصلوا قعودًا.
وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» (1)، فإذا كان هذا الأقرأ عاجزًا عن القيام، قلنا: أنت إمامنا فصلِّ بنا، وإذا صلى بنا قاعدًا فإننا نصلي خلفه قعودًا لأمر الرسول عليه الصلاة والسلام في كونه إمامنا، وبأمره في كوننا نقعد، نصلي قعودًا.
الشرط الثاني ما هو؟ المرجو زوال علته، هذا أيضًا قَيْد في أمر أطلقه الشارع، ما قال: إذا صلى قاعدًا وأنتم ترجون زوال علته فصلوا قعودًا، بل قال: «إِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا» (4)؛ وعلى هذا: فإننا نصلي خلف الإمام العاجز عن القيام، سواء كان ممن يُرجى زوال علته، أو ممن لا يُرجى زوال علته.
الدليل العموم؛ النص عام مطلق، فإذا كان عامًّا مطلقًا فليس لنا أن نخصصه ولا أن نقيده؛ لأننا نحن عبيد محكوم علينا ولسنا بحاكمين، وليس هناك دليل يدل على هذا القيد من كتاب ولا سنة ولا إجماع، (... ) الكتاب والسنة والإجماع وجب أن يبقى النص على ما هو عليه، على إطلاقه.
إذا قال قائل: إذا كان الإمام شيخًا كبيرًا، لا يُرْجى زوال علته لزم من ذلك أن يبقى الجماعة يُصَلُّون دائمًا قعودًا، فماذا نقول؟ طالب: نعم.
طالب آخر: نقول: لا إثم.
الشيخ: نلتزم بهذا اللازم ما دام هذا لازمَ قولِ الرسول عليه الصلاة والسلام، فإن قول الرسول حق، ولازم الحق حق، ونحن إذا صلينا قعودًا مع قُدْرتنا على القيام في جميع صلواتنا، فإنما صلينا بأمر مَنْ؟ بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، فليس علينا ضير.

على أن هذا أيضًا لا يمكن أن يَطَّرِد، يعني: كل الناس سيصلون جميع الصلوات خلف هذا الإمام؟ لا، قد تفوتهم الصلاة ويصلون فرادى أو مع جماعة أخرى، قد يصلون في مسجد آخر، قد يُعْذَرون عن حضور الجماعة فيصلُّون في بيوتهم، فليس بلازم.
على كل حال: حتى ولو كان لازمًا فإن ذلك اللازم من حق، ولازمُ الحق حق.
إذن نقول: تصحُّ صلاة القادر على القيام خلف العاجز عنه سواء كان إمام الحي أم غيره، وسواء كانت يرجى زوال علته أم لا يرجى؛ لأن الحديث عام مطلق.
وكيف يصلون؟ يصلون قعودًا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وجوبًا أو ندبًا؟ طلبة: وجوبًا.
الشيخ: على القول الراجح وجوبًا؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.
بقي علينا العاجز عن الركوع والسجود والقعود، هل تصح الصلاة خلفه؟ علمتم أن المذهب لا تصح الصلاة خلفه إلا بمثله، ولكن الصحيح أن الصلاة خلفه صحيحة، بناءً على القاعدة أن من صحَّت صلاته صحت إمامته؛ لأن هذه القاعدة دلت عليها النصوص العامة، إلا في مسألة المرأة؛ فإنها لا تصح أن تكون إمامًا للرجل لأنها من جنس آخر، وأيضًا قياسًا على العاجز عن القيام؛ فإن صلاة القادر على القيام خلف العاجز عنه صحيحة بالنص، فكذلك العاجز عن الركوع والسجود.
فإن قال قائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا»، ولم يقل: إذا صلى راكعًا فاركعوا، وإذا أومأ فأومئوا.
قلنا: لأن الحديث إنما ذكر القيام لأنه ورد في حال العجز عن القيام؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام خاطبهم حينما صلى بهم قاعدًا فقاموا ثم أشار إليهم فجلسوا، فلهذا ذكر النبي عليه الصلاة والسلام القيام كمثال؛ لأن هذا هو القضية الواقعة؛ فعليه نقول: إن القول الراجح أن الصلاة خلف العاجز عن الركوع صحيحة.

فلو كان إمامنا لا يستطيع الركوع لألم في ظهره صلينا خلفه، ولكن هل إذا ركع بالإيماء نركع بالإيماء أو نركع ركوعًا تامًّا؟ طلبة: ركوعًا تامًّا.
الشيخ: الظاهر أننا نركع ركوعًا تامًّا؛ وذلك لأن الركوع لا يُغَيِّر هيئة القيام إلا بالانحناء بخلاف القيام مع القعود، وأيضًا القيام مع القعود أشار النبي عليه الصلاة والسلام إلى عِلَّته، بأننا لو قُمْنَا وإمامنا قاعد كنا مُشْبِهين للأعاجم الذين يقفون على ملوكهم؛ ولهذا في بعض ألفاظ الحديث: «لَا تَشَبَّهُوا بِالْأَعَاجِمِ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَقُومُونَ عَلَى مُلُوكِهِمْ» (5)، وإذا كان إمامنا قاعدًا ونحن قيام صرنا قائمين عليه، أما الركوع إذا عجز عنه وأومأ وركعنا فإننا لا نُشْبِه العجم، لا نشبههم.
كذلك في العجز عن السجود الصحيح أنها تصح إمامة العاجز عن السجود بالقادر عليه، وهل المأموم في هذه الحال يومئ بالسجود؟ الجواب: لا، يسجد تامًّا.
العاجز عن القعود هل نُصَلِّي خلفه مع قدرتنا على القعود؟ نعم، لو كان إمامنا مريضًا لا يستطيع القعود، يصلي على جنبه، أليس كذلك؟ يصلي على جنبه، فهل يصح أن نصلي خلفه؟ الجواب: نعم، يصحُّ أن نصلي خلفه، ولكن هل نضطجع؟ لا؛ لأن الأمر بموافقة الإمام إنما جاء في القعود والقيام؛ وعلى هذا نصلِّي جلوسًا وهو مضطجع، وكذلك لو عجز عن القعود بين السجدتين مثلًا، أو عن القعود في التشهد فإننا نصلي خلفه.
إذن فالصحيح أننا نصلي خلف العاجز عن القيام والركوع والسجود والقعود، وهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وهو الصحيح بناءً على عمومات الأدلة مثل: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» (1)، وعلى القاعدة التي ذكرناها وهي أن مَنْ صَحَّت صلاته صَحَّت إمامته.


طالب: أحسن الله إليكم، إذا صليت وراء إمام قاعد وقد فاتتني بعض الصلاة، فهل أقضيها قاعدًا أم قائمًا؟ الشيخ: لا، إذا قضيتها تصليها قائمًا.

الطالب: قائمًا؟ الشيخ: نعم؛ يعني: لو صلى أول صلاته خلف إمام قاعد أتمها قائمًا؛ لأنه ليس فيه مخالفة للإمام الآن.
طالب: شيخ، لو قال قائل: إن بعض النصوص المطلقة قد تقيدها اللغة فمثلًا الخف مثلًا المخرق يطلق عليه خفًّا لكن لا يطلق عليه أنه خُفٌّ بالكلية؛ أنه مُخْفٍ لبعض الأجزاء، لكن بعض الأجزاء ما اختفى.
الشيخ: لكن مَنْ يقول: إن الخُفَّ لغة لا يطلق إلا على ما ستر القدم؟ الطالب: (... ) الأخ الواجب.
الشيخ: لا، ما هو (... ) الواجب؛ ولهذا ذهب الكثير من العلماء الذين يقولون بأنه لا يجوز المسح على المخَرَّق أنه لو لبس شيئًا يَصِف البشرة كالزجاج، وكالبارَّة في الوقت الحاضر فإنه يمسح عليها، ما هو العلة الستر.
الطالب: يعني: الخُفُّ الجزئي له حكم الخف الكلي؟ الشيخ: إي نعم، ما دام إنه تنتفع به القدم ويمكن فيه المشي.
طالب: شيخ، لو أن امرأة تقرأ ومرت بآية سجدة وعندها رجل فسجد، هل يتبع الاقتداء بالمرأة؟ الشيخ: ويش تقولون؟ رجل يستمع لقراءة امرأة فمرت بسجدة فسجدت هل يَأْتَمُّ بها؟ طالب: نعم.
الشيخ: لا، المرأة لا يمكن أن تكون إمامًا للرجل، ولو كان هي القارئة.
الطالب: إذا صلى الإمام مضطجعًا، لماذا لا نقول: إنهم يصلون قيامًا؟ الشيخ: لأن العلة التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن القيام من أجلها موجودة، وهي أنهم يقومون عليه كما تقوم الأعاجم على ملوكها.
طالب: الأخرس فيه أنه (... ) بالمقصود بالصلاة الجهرية، وفيه أنه يُغَيِّر هيئة الصلاة.
الشيخ: أما الصلاة الجهرية فأنت تعلم أن الجهر والسر سنة وليس بواجب.
الطالب: لكن يُغَيِّر الهيئة؟ الشيخ: كيف الهيئة؟ الطالب: الهيئة في الجهرية؛ يعني: لو دخل على ناس (... ). الشيخ: هو أصله لو سكت حتى (... ) وقرأ سرًّا فلا بأس.
لماذا اشترطوا أن يرجى زوال علته؟

طالب: اشترطوا لإرجاء زوال علته حتى إذا أتى يوم صلى بهم قيامًا وكان يساويهم في القيام، يعني: ما كان الإمام من أدنى إلى الأعلى.
الشيخ: لا.
طالب: عللوا بهذا أنه لو كان لا يرجى زوال علته تكون صلاتهم طول حياتهم خلف هذا الإمام قعودًا.
الشيخ: نعم، عرفتم؟ قالوا: يلزم أن تبقى صلاتهم خلف هذا الإمام قعودًا.
ما تقول في هذا التعليل؟ الطالب: إن هذا التعليل مردود؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أمر بالجلوس إذا صلى الإمام جالسًا.
الشيخ: ولَمْ؟ الطالب: ولم يقل: إن كان مرجوًّا زوال علته.. الشيخ: يعني: لم يُفَصِّل، ثم إنه ربما يصلي بهم فرضًا واحدًا ثم يموت أو ينتقل.
طالب: أو يصلون في مكان آخر.
الشيخ: إي نعم، أو يصلون في مكان آخر، إذن، ما هو القول الراجح في هذه المسألة؟ طالب: أنه لا يشترط في إمام الحي.
الشيخ: أنه لا يُشْتَرط أن يكون إمام الحي، ولا أن تُرْجَى زوال علته.
الطالب: تصحُّ صلاة العاجز عن القيام بالقادر مطلقًا.
الشيخ: ما هو دليلك على أنه لا يشترط هذا الشرط؟ الطالب: أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما ذكر قال: «إِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا» لم يفسر، ولم يفرق فقال: إن كان إمام الحي، أو إن كان.. الشيخ: والقاعدة أن ما جاء عن الشرع مطلقًا فإنه لا يجوز أن نقيده، وما جاء عامًّا لا يجوز أن نخصصه إلا بدليل؛ لأننا لو فعلنا لضيَّقنا واسعًا، وشرَّعنا مع شرع الله، وهذه قاعدة ينبغي لطالب العلم أن يفهمها أن ما ورد مطلقًا وجب إبقاؤه على إطلاقه، وما ورد عامًّا وجب إبقاؤه على عمومه، لا يجوز أن يُخَصَّص، ولا يجوز في المطلق أن يُقَيَّد؛ لأننا لو فعلنا ذلك لضيقنا ما وسَّعه الشرع.
لكن دليل التقييد أو التخصيص قد يُعلَم بالنص، وقد يعلم بالإجماع، وقد يعلم بالقياس الصحيح؛ فإذا لم يكن إجماع ولا نص ولا قياس صحيح فالواجب إبقاؤه على إطلاقه.

إذن الخلاصة أن الصحيح أنه يجوز أن يكون الإمام عاجزًا عن القيام وعن الركوع وعن السجود وعن القعود وعن جميع الأركان، وأن الائتمام به صحيح؛ لأنه قد أتى بما يجب عليه، فصلاته مع العذر كصلاة مَنْ أتى بهذه الأركان؛ لأن كلًّا منهما صلاته صحيحة، هذه هي القاعدة، وهذا الذي أقوله الآن: إنه الصحيح هو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وهو الحق؛ لأن هذا الرجل الإمام صلاته صحيحة، والإمامة تابعة للصلاة، فإذا صحَّت الصلاة صحت الإمامة.
لو أنهم صَلَّوا خلف إمام الحي قائمين، أيش تقول في الصلاة؟ أولًا: هل يجوز ذلك أو لا؟ طالب: على قول المؤلف يجوز إذا كان (... ). الشيخ: إي نعم؛ يعني: هل يصلون خلفه قعودًا على سبيل الوجوب أو على سبيل الاستحباب؟ الطالب: على.. الشيخ: على رأي المؤلف؟ الطالب: ندبًا.
الشيخ: ويش معنى (ندبًا)؟ الطالب: يعني: استحبابًا.
الشيخ: يعني: استحبابًا؛ فلو صلوا قيامًا فصلاتهم صحيحة، والصحيح أنهم يصلون جلوسًا وجوبًا، ولو صلوا قيامًا بطلت صلاتهم لمخالفتهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم.


ثم قال المؤلف: (فإن ابتدأ بهم الصلاةَ قائمًا ثم اعتُلَّ فجلس أتمَّوا خلفه قيامًا وجوبًا) (إن ابتدأ) الضمير يعود على الإمام.
(بهم) الضمير يعود على الجماعة.
(الصلاة قائمًا ثم اعْتُلَّ) يعني: أصابته علة (فجلس) فإنهم يصلون (خلفه قيامًا وجوبًا).
مثال ذلك: رجل إمام يصلي بالجماعة في أثناء القيام أصابه مغص في ظهره أو بطنه فجلس، وأتم بهم الصلاة جالسًا، نقول للجماعة: يلزمكم أن تتموا الصلاة قيامًا، ولا يجوز لكم الجلوس.
ما الدليل على هذا، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا» (4)؟

نقول الدليل: فِعْل الرسول عليه الصلاة والسلام في مرض موته حين دخل المسجد وأبو بكر يصلي بالناس، وكان أبو بكر قد ابتدأ بهم الصلاة قائمًا، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم إلى يسار أبي بكر، وبقي أبو بكر قائمًا يصلي أبو بكر بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم، ويصلي الناس بصلاة أبي بكر (7)، ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجلوس.
وهذا الدليل هو الذي أجاب به الإمام أحمد جامع بينه وبين حديث: «إِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا»؛ وعلى هذا فيكون عموم قوله: «إِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا» مخصوصًا بهذه الحال إذا ابتدأ بهم قائمًا أتموا قيامًا.
ثم قال: (وتَصِحُّ خلفَ مَنْ به سَلَسُ بَوْلٍ بمثله) معرف عندكم؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: إي، أنا عندي مُنَكَّر (تَصِحُّ خلفَ مَنْ به سلس البول بمثله).
(سلس البول): يعني استمراره وعدم انقطاعه؛ وذلك أن الإنسان قد يُبْتَلى بدوام الحدث من بول أو غائط أو ريح، يبتلى، وهذا لا شك أنه مرض لا يعرف قدر نعمة الله على الإنسان بالسلامة منه إلا من أُصِيب منه، نسأل الله لنا ولكم العافية.
هذا (سلس البول) أن يكون البول يخرج باستمرار لا يستطيع الإنسان منعه، فماذا يصنع هذا الذي ابتلي بهذا المرض؟ نقول: إن الله سبحانه وتعالى قال في كتابه: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]، فكل الدين ولله الحمد يُسْر، وطريق صلاة هذا أن نقول له: إذا دخل الوقت فاغسل فرجك وتحفَّظ؛ يعني: اجعل حفاظة تمنع من تسرب البول وانتشاره في جسده وفي ثيابه، ثم توضأ وضوءك للصلاة، ثم صلِّ ما شئت فروضًا ونوافل، إلى متى؟ إلى أن يَدْخُل وقت الصلاة الثانية؛ يعني: تستمر تصلي حتى وإن خرج الوقت؛ وذلك لأنه ليس هناك دليل على أن خروج الوقت يُبْطِل الوضوء فيمن حدثه دائم، ليس هناك دليل.

نعم، لو أنه دخل وقت صلاة موقتة فإننا نقول: إذا دخل وقت الصلاة الموقتة فتوضأ لها؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام للمستحاضة: «تَوَضِّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ» (8)، أما خروج الوقت فليس في السنة ما يدل على أنه يبطل الوضوء.
ولكن بعض العلماء يقول: إنه إذا خرج الوقت فيمن حدثه دائم بطل وضوؤه، أقول: نقول لهذا الرجل: اعمل هذا العمل، فَعَل لما دخل الوقت غسل فرجه وتحفَّظ وتوضأ وصلَّى، صلاته لنفسه صحيحة ولَّا لا؟ صحيحة، وصلاته مأمومًا بإمام سليم من هذا المرض؟ صحيحة، وصلاته إمامًا بمصاب بهذا المرض؟ صحيحة، كذا؟ كم هذه من صورة؟ طلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاث صور؛ صلاته إمامًا بمن هو سليم من هذا المرض يقول المؤلف: إنها لا تصح، فإذا صلى مَنْ به سلس البول إمامًا لمن هو سالم منه فصلاة المأموم باطلة وصلاة هذا أيضًا باطلة؛ لأنه نوى الإمامة بِمَن لا يصح ائتمامه به، لماذا؟ قالوا: لأن حال من به سلس البول دون حال من سَلِم منه، ولا يمكن أن يكون المأموم أعلى حالًا من الإمام، هذا التعليل.
ولكن القول الصحيح في هذا أن إمامة مَنْ به سلس البول صحيحة بمثله وبصحيح سليم؛ ودليل ذلك عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ»، وهذا الرجل صلاته صحيحة؛ لأنه فعل ما يجب عليه، وإذا كانت صلاته صحيحة لزم من ذلك صحة إمامته؛ لأنه لما حضر هو وهذا الرجل، كل منهما لو صلى لنفسه صحت صلاته، إذن فإذا صلى إمامًا صحت إمامته.
ثم نقول: إن قولكم: إن المأموم لا يكون أعلى حالًا من الإمام منتقض منقوض؛ بماذا؟ بصحة صلاة المتوضئ خلف المتيمم، وأنتم تقولون بذلك؛ تقولون: إنه لو صلى شخص متوضئ بشخص متيمم لمرض أو لعدم الماء فصلاته صحيحة، مع أن المتوضئ أعلى حالًا، لكن هم يقولون: لأن المتيمم طهارته صحيحة، نقول: ومن به سلس البول طهارته أيضًا صحيحة.

جارٍ التحميل