الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 1802-1841

فالحاصل أن نقول: إن الأمة الإسلامية يجب أن تكون واحدة، كلمتها واحدة متفقة، حتى لا تختلف القلوب؛ لأن اختلاف القلوب من أكبر الفشل والضعف والوهن في الأمة الإسلامية.
نسأل الله أن يجمع قلوبنا على الحق.
طالب: لو إنسان صلى في مسجده ثم أراد أن يذهب إلى مسجد جماعة أخرى للدرس مثلًا، والجماعة قامت، فهل ينتظر خارج المسجد أو يدخل، أيهما؟ الشيخ: الأولى أن يدخل لا يحرم نفسه.
الطالب: إذا كان بقي قليل؟ الشيخ: إذا كانوا في التشهد لا بأس.
طالب: بعد إعادة صلاة المغرب إتمام الصلاة بركعة رابعة.
الشيخ: لا، ما حاجة؛ لأن هذا إنما كان تبعًا.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بالنسبة (... ) يستثنى يا شيخ إذا كان المسجد أبعد (... ) ما يشكل (... ). الشيخ: ما يشكل على هذا؛ لأنه مجاور لمسجد الرسول؛ لأن فيه ميزة.
طالب: وإن أرادوا أن يقربوا المسجد لأجل الصلاة.
الشيخ: ما يخالف، لا يدعوا منازلهم، إحنا ما نقول للشخص: انزل قريبًا من المسجد، نقول: كونك تبقى في مكانك يكتب لك الأجر أحسن.
طالب: لو أراد أن يصلي مع الجماعة الثانية قلنا له أن يقطعها.. طالب آخر: أحسن الله إليك يا شيخ، إذا كان في الحي مسجدان، أحدهما أكثر جماعة، نأمر المسجد الذي فيه أقل جماعة أنهم ينضمون إلى المسجد الذي فيه أكثر جماعة.
الشيخ: لا، ما نأمرهم إلا في حالة نادرة، مثل لو كان المسجد هذا ما فيه إلا أربعة خمسة وذلك فيه كثير، ولا يشق عليهم، أما إذا كان يشق لا.
طالب: طيب يا شيخ الآن إذا كان فيه أربعة أو خمسة أمرناهم (... ) إلى المسجد الثاني المسجد هذا يسكر يا شيخ.
الشيخ: لا، ما يسكر، يباع ويحط مسجد آخر.
طالب: يمكن تحويله يا شيخ إلى (... ) قرآن وكذا.
الشيخ: ممكن إذا لم يكن هناك مسجد آخر محتاجين له ممكن.

طالب: جزاكم الله خيرًا، ذكرنا أن المغرب وتر النهار يجوز له الإعادة؛ لأن له سببًا، فهم يصلون الآن التراويح يا شيخ، يصلون مع الوتر ثم يأتون يصلون التهجد في آخر الليل، والإمام يصلي الوتر مرة أخرى، هل يعيد لأنه جماعة في المسجد؟ الشيخ: لا بأس، لكن إذا كان يعلم أنه سيأتي في آخر الليل فلا يوتر أول الليل.
الطالب: لكن إذا ما كان يعلم؟ الشيخ: أما إذا كان ما يعلم لكن صادف أنه جاء فنعم يوتر ولا حرج.
طالب: (... ) يا شيخ.
الشيخ: إي هذا تابع.

طالب: نحن قلنا في بعض الأفعال التي في صلاة النفل مثلًا قلنا: النظر التلفت في صلاة النفل لا يجوز؛ لأن الإنسان لما أوجبها على نفسه أصبحت واجبة.
الشيخ: من قال هذا؟ أنت قلت أما نحن ما قلنا.
الطالب: يا شيخ صلاة النافلة.
الشيخ: صلاة النافلة نفل، حتى في أثنائها لك أن تتركها.
طالب: لا، قلنا: إذا دخل فيها لا يخل بأركانها.
الشيخ: يعني معناه أنه إما يأتي بها تامة الأركان ولا يتركها.
طالب: يا شيخ، والإنسان إذا صلى مع الإمام الآن ألزم نفسه بها، وألزم نفسه بالإمام، لما دخل فيها أصبح ملزمًا بمتابعة الإمام، لم نقول يا شيخ: يجوز له أن يقطعها؟ الشيخ: يجوز أن يقطعها حتى مع الإمام؛ لأنها نافلة بنص الحديث: «فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ».
الطالب: بس مطالب الآن بمتابعة الإمام.. الشيخ: ما يخالف، هو مطالب، لكن كون الرسول يصرح بأنها نافلة حتى مع الإمام قال: «صَلِّيَا مَعَهُمْ فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ».
الطالب: يكون مخصصًا يا شيخ.
الشيخ: مخصص لكن لو بقيت مثلًا أنت بتصلي مع الإمام هذه النافلة وتركع قبله، تسجد قبله، قلنا: لا، ما دمت مع الإمام فالتزم بالإمام، أما إذا قطعتها كيف.
الطالب: ولا تحسب له شيئًا إذا قطعها.. الشيخ: لا، ما تحسب له شيئًا، إذا قطعها ما تحسب له شيئًا.
الطالب: إذا صلى ركعتين.
الشيخ: لا، تحسب ركعتين.

طالب: إذا دخلت مسجد يا شيخ أصلي جماعة، وأدركت في التشهد الأخير وأنا ما أدري أنه التشهد الأخير، فسلم وأنا أدري فيه مسجد آخر الآن ما أقاموا الفريضة، هل أسلم وألحق بالمسجد.. الشيخ: إذا كان تقطعها وتلحق بالمسجد الثاني، أو تقلبها نفلًا وتكمل ركعتين وتروح المسجد الثاني.
طالب: الأفضل يا شيخ؟ الشيخ: الأفضل إذا كانك تخشى ما تدرك المسجد الثاني من أول الصلاة فاقطعها، وإن كان معك وقت فاجعلها نفلًا وصل ركعتين.
طالب: يقال بأن رجل يا شيخ في هذا المسجد أقام الصلاة أيام المرحوم الريس، فجئت وصليت ثم أعدت الصلاة.
الشيخ: أنا؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: لا ما هو صحيح، صليت معه وأتممت صلاتي.
طالب: شيخ، إذا كان إمام المسجد مبتدعًا صاحب موالد وصوفيًّا، ووكّل إنسانًا آخر أنه مثله مبتدع صوفي، أنا كنت ساكنًا في الحي، هل يحق لي إذا غاب الإمام أتقدم أنا بدون الموكل.
الشيخ: لكن ويش معنى صوفي؟ طالب: يعني: مبتدع صاحب بدع.
الشيخ: لكن أحيانًا ترى بعض الناس يظن أنه صوفي وما هو صوفي، بعض الناس إذا شاف واحد عليه أثر العبادة قال: هذا صوفي.
الطالب: لا، إذا كان أفعاله يقر أنه يقول: أنا صوفي ويتبع مثلًا الشخص الفلاني، والشخص الفلاني معروف أنه.. الشيخ: إذا كانت بدعته مكفرة فلا يجوز أن يصلى خلفه، إذا كانت مفسقة جاز أن يصلى خلفه، لكن يجب على المسؤولين أن يزيلوا هذا عن الإمامة.


طالب: باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولا تكره إعادة الجماعة في غير مسجدي مكة والمدينة.
وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، فإن كان في نافلة أتمها، إلا أن يخشى فوات الجماعة فيقطعها، ومن كبر قبل سلام إمامه لحق الجماعة، وإن لحقه راكعًا دخل معه في الركعة وأجزأته التحريمة.
ولا قراءة على مأموم، ويستحب..

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، سبق لنا أن صلاة الجماعة.
طالب: حكمها واجبة.
الشيخ: واجبة طيب.
هل هي فرض عين أو كفاية؟ طالب: وجوب الجماعة فيه أقوال، نقول: إن الراجح أنه فرض عين.
الشيخ: أنها فرض عين، هل هي شرط؟ طالب: ليست شرطًا؟ الشيخ: ما الدليل؟ الطالب: أولًا لأنها واجبة للصلاة، لا في الصلاة.
الشيخ: لا نريد الدليل، ما هو التعليل؟ طالب: قول النبي عليه الصلاة والسلام: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ» (11).. الشيخ: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ».
وجه الدلالة؟ طالب: حيث أثبت المفاضلة لصلاة الفذ، ولو كانت شرطًا لما كان لصلاة المنفرد فضل.
الشيخ: نعم صحيح.
إذا كانوا في الثغر فهل الأفضل أن يصلوا جماعات أو جماعة واحدة؟ طالب: يفضل أن يصلوا جماعة، إلا إذا كان لتركهم مواقعهم مضرة عليها، فيصلي كل واحد منهم.. الشيخ: الأفضل أن يصلوا جماعة في مسجد واحد إلا.
الطالب: إلا أن يكون في ذلك.
الشيخ: ضرر في حماية الثغور.
الطالب: فكل في مكانه.
الشيخ: نعم.
الأبعد أولى من الأقرب، لماذا؟ طالب: لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنه «مَنْ خَرَجَ مُتَطَهِّرًا مِنْ بَيْتِهِ لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً» (12). الشيخ: «لِأَنَّهُ لَا يَخْطُو خُطْوَةً».
الطالب: «إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ بِهَا دَرَجَةً».
الشيخ: «لَهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً» ما فيه دليل آخر؟ طالب: الأبعد.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: أيضًا قول النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة: «مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ، وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ، لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً» (13). الشيخ: لا.
نعم.
طالب: «بَنِي سَلِمَةَ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ» (14).

الشيخ: وغير؟ طالب: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ (... )».
الشيخ: «أَبْعَدُهُمْ مَمْشًى فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى»، «أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى» (15). هل هذا الدليل فيه دلالة على ما ذكر أن الإنسان يقصد الأبعد؟ طالب: الفضل.
الشيخ: ما يخالف، كل يريد الفضل، هل معناه أن نقول لأهل البلد الذين في شرق البلد: صلوا في المساجد التي في الغرب وأنتم يا أهل الغرب صلوا في المساجد التي في الشرق.
الطالب: لا نقول لهم هذا.
الشيخ: أيش نقول؟ لأنه يلزم من هذا إذا قلنا: إن الأبعد أفضل أن نقول: الذين في الشرق يذهبون إلى مساجد الغرب.
الطالب: الأمر ليس للوجوب.
الشيخ: طيب، الأفضل إحنا ندور الأفضل.
الطالب: نقول: لو أدى هذا الأمر إلى هجران المساجد التي بجانب.. الشيخ: لا، ما هي بهجران يجيئونها الشرقيون يتقابلون في نصف الطريق.
طالب: شيخ، نقول: إن هذا لمن لا يوجد مسجد قريب عنده، أما إن كان يوجد مسجد قريب فهو أولى، وإنما الرسول صلى الله عليه وسلم بين الفضل حتى لا يتوانى من كان المسجد بعيدًا عنه.
الشيخ: نعم وأيضًا حديث «أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى»، يعني معناه أن البعيد إذا سار مثلًا نحن حول المسجد جيران المسجد واللي وراهم اللي وراهم أفضل، ولهذا ما قال الرسول: أفضل المساجد أبعدها، قال: أفضل الناس أو «أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ»، فالكلام على المنازل، إذا كان منزلك بعيدًا وفيه منزل قريب فصاحب المنزل البعيد أعظم أجرًا، هذا المعنى، ليس المعنى أن نقصد المساجد البعيدة من أحيائنا، ولهذا ذكرنا نحن أن القول الراجح في هذه المسألة أن يكون الإنسان في مسجد الحي؛ لأن مسجد الحي يحصل به من المصالح أكثر من المسجد البعيد.
هل يجوز للإنسان أن يصلي في مسجد له إمام راتب؟

طالب: لا، ما يجوز.
الشيخ: مطلقًا.
الطالب: إلا بإذن أو.. الشيخ: إلا بإذن.
الطالب: أو عذر.
الشيخ: أو عذر، تمام، ما الدليل؟ طالب: الدليل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ» (6). الشيخ: هذا دليل التعليل.
طالب: التعليل أن يكون فيه تشويش وأخذ وهضم لحق الإمام.
الشيخ: نعم، صحيح، افتئات عليه وهضم لحقه، وربما يحدث عداوة أو بغضاء بين الإمام وبين هذا الذي صلى في مسجده.
ما حكم إعادة الصلاة لمن صلاها من قبل؟ طالب: يسن له إعادتها.
الشيخ: إذا صلى ثم أقيمت الصلاة مرة ثانية سن أن يعيدها، ما الدليل؟ طالب: روى مسلم عن أبي ذر قال النبي صلى الله عليه وسلم «صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أُقِيمَتْ وَأَنْتَ فِي الْمَسْجِدِ فَصَلِّهَا وَلَا تَقُلْ: إِنِّي صَلَّيْتُ (... )» (7). الشيخ: طيب وغيره؟ طالب: حديث النبي صلى الله عليه وسلم: كان في منى بعدما صلى الفجر وجد رجلين لم يصليا فدعاهما وقال: لم لم تصليا؟ قالا: يا رسول الله، صلينا في رحالنا، فقال: إذا صليتما.. الشيخ: «إِذَا صَلَّيتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ فَإِنَّها لَكُمَا نَافِلَةٌ» (16). قال المؤلف رحمه الله: (إلا المغرب).
طالب: أخذناها.
الشيخ: أخذناها، طيب المغرب لا تسن إعادتها، فلماذا؟ طالب: قالوا: إن المغرب وتر النهار (... ). الشيخ: والوتر لا يكرر.
ولكن الصحيح أنه تسن إعادة المغرب؛ لعموم الحديث؛ حديث أبي ذر وحديث الرجلين اللذين تخلفا عن صلاة الفجر، الصحيح أن المغرب تسن إعادتها، ولكن إذا أعيدت فهل يتمها المعيد، يأتي بركعة بعد انتهاء الصلاة لتكون شفعًا، أو يسلم مع إمامه؟ ذكرنا أن القول الراجح أن يسلم مع إمامه؛ لأن هذه إعادة لصلاة، وليست مستقلة، فالصحيح المختار أنه لا يشفعها بركعة، فصار لدينا الآن ثلاثة أقوال في المغرب:

القول الأول: لا تسن إعادتها.
الثاني: تسن، ويشفعها بركعة.
الثالث: تسن ولا يشفعها، وهذا الأصح.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (ولا تكره إعادة الجماعة في غير مسجدي مكة والمدينة)، صورتها أن يصلي الإمام الراتب في الجماعة، ثم تأتي جماعة أخرى فتصلي في نفس المسجد، فهل تكره إعادة الجماعة هذه أو لا تكره؟ صرح المؤلف بأنها لا تكره، قال: (لا تكره إعادة الجماعة)، ونفي الكراهة يدل على أن المسألة مباحة فقط، وأنها ليست بمشروعة، ولكن نقول: إن هذا الظاهر غير مراد؛ لأن مراده بنفي الكراهة دفع قول من يقول بالكراهة، وعلى هذا فلا ينافي القول بالاستحباب، بل بالوجوب؛ لأن صلاة الجماعة واجبة، وقد نبه على ذلك كثير من المتأخرين على أن مراد المؤلف وغيره ممن قال: لا تكره، مراده أيش؟ دفع القول بالكراهة؛ لأن بعض العلماء قال: تكره، ولكن هو يقول: إنها لا تكره، يعني أننا لا نقول بهذا القول، وإذا لم نقل بهذا القول رجعنا إلى الأصل، فالأصل أن صلاة الجماعة واجبة.
وعلى هذا فتكون إعادة الجماعة إذا فاتت مع الإمام الراتب تكون واجبة؛ لأن الجماعة واجبة.
وقال بعض أهل العلم: إنها مستحبة وليست بواجبة؛ لأن الصلاة الأولى هي التي يجب على المكلف حضورها، وهي التي يحصل بها الفضل العظيم الذي رتبه النبي صلى الله عليه وسلم، هذه صورة المسألة.
لكن ينبغي أن يقال: إن هذه المسألة لها ثلاث صور: الصورة الأولى: أن يكون هذا أمرًا راتبًا.
والصورة الثانية: أن يكون أمرًا عارضًا.

والصورة الثالثة: أن يكون المسجد مسجد سوق، أو مسجد خط سيارات، أو ما أشبه ذلك، فإذا كان مسجد سوق يعني يتردد أهل السوق يأتي الرجلان والثلاثة والعشرة يصلون ثم يخرجون، كما يوجد في المساجد التي في بعض الأسواق، فهذه لا تكره إعادة الجماعة فيها، قال بعض العلماء: قولًا واحدًا، ولا خلاف في ذلك؛ لأن هذا المسجد من أصله معد لجماعات متفرقة، ليس له إمام راتب يجمع الناس، فلا تكره إعادة الجماعة فيه قولًا واحدًا.
الصورة الثانية: أن تكون إعادة الجماعة راتبة في غير مساجد السوق ومساجد الطرقات والخطوط، الآن الخطوط فيها مساجد على الخط، هل نقول: إذا جاء جماعة وصلوا ثم جاء آخرون بعدهم وقفوا سيارتهم نقول: لا تصلون جماعة؟ لا ما نقول بالاتفاق، نقول: صلوا؛ لأن هذا المسجد لم يعد لجماعة مخصوصة معينة، بل معد لكن من جاء يصلي جماعة.
الصورة الثانية أن يتخذ ذلك راتبًا، بمعنى أن يكون في المسجد جماعتان دائمًا: الجماعة الأولى والجماعة الثانية، فهذا لا شك أنه مكروه؛ لأنه بدعة لم يكن معروفًا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
ومن ذلك ما كان معروفًا في المسجد الحرام سابقًا، المسجد الحرام سابقًا قبل أن تتولى السعودية عليه كان فيه أربع جماعات، كل جماعة لها إمام: إمام الحنابلة يصلي بالحنابلة، إمام الشافعية يصلي بالشافعية، إمام المالكية يصلي بالمالكية، إمام الأحناف يصلي بالأحناف.

(... ) يقول: تبطل صلاة الحنبلي خلف الإمام الشافعي مثلًا ما (... ) يقولون بهذا أو لا، المهم أنه معروف أنت من الحنابلة قال: نعم، قال: روح مع الباب الثاني هناك جماعتهم، أنت من الشافعية، روح مع الباب الثاني هذاك جماعتهم، هكذا كانت يسمونه: هذا مقام الشافعي، هذا مقام المالكي، هذا مقام الحنبلي، هذا مقام الحنفي، معروف، لكن جزاه الله خيرًا الملك عبد العزيز لما استولى على مكة قال: لا يمكن، هذا تفريق الأمة، معناه أن الأمة الإسلامية متفرقة في مسجد واحد، وهذا لا يجوز، فجمعهم على إمام واحد.
إذن نقول: إذا اتخذت إعادة الجماعة سنة راتبة فإن ذلك يكره إن لم نقل: إنه حرام، لماذا؟ لما فيه من تفريق الناس.
ثانيًا: أنه دعوة للكسل؛ لأن الناس يقولون: ما دام فيه جماعة ثانية ننتظر حتى تأتي الجماعة الثانية، فيتوانى الناس عن حضور الجماعة مع الإمام الراتب الأول، فهذا لا شك في أنه مكروه أو بدعة محرمة.
الصورة الثالثة: أن تكون المسألة عارضة، يعني: الإمام الراتب هو الذي يصلي بجماعة في المسجد، لكن أحيانًا يتخلف رجلان أو ثلاثة أو أكثر لعذر، فهذا هو محل الخلاف.
فمن العلماء من قال: لا تعاد الجماعة، بل يصلون فرادى.
ومنهم من قال: بل تعاد، وهذا القول هو الصحيح، وهو مذهب الحنابلة كما رأيتم، ودليل ذلك: أولًا: حديث أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللهِ» (3)، وهذا نص صريح في أن صلاة الرجل مع الرجل أفضل من صلاته وحده، ولو قلنا: لا تقام الجماعة لزم أن نجعل المفضول فاضلًا، وهذا خلاف النص.

ثانيًا: أن الرسولَ صلّى الله عليه وسلّم كان جالسا ذاتَ يومٍ مع أصحابه، فَدَخَلَ رَجُلٌ بعدَ أن انتهتِ الصَّلاةُ، فقال: «مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّيَ مَعَهُ؟ »، فقامَ أَحَدُ القومِ فَصلَّى مع الرَّجُلِ (17). وهذا نص صريح في إعادة الجماعة بعد الجماعة الراتبة، حيث تطلع النبي عليه الصلاة والسلام إلى من يصلي مع هذا الرجل، وقول من قال: إن هذا صدقة، وإذا صلى اثنان في المسجد وقد فاتتهما الصلاة فصلاة كل واحد منهما واجبة؟ نقول: إذا كان يؤمر بالصدقة، ويؤمر من قد صلى أن يقوم فيصلي مع هذا الرجل، فكيف لا يؤمر من لم يصل أن يصلي مع هذا الرجل؟ إذن فالقول الصواب بلا شك أن صلاة الجماعة في هذه الحال مشروعة؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وبعموم حديث أبي بن كعب: «صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللهِ».
فصارت هذه المسألة لها ثلاث صور: الصورة الأولى: أن يكون هذا المسجد ليس له إمام راتب، وإنما هو مسجد شارع سوق أو مسجد خط سيارات، كل من جاء دخل وصلى، فإن إعادة الجماعة في هذا المسجد لا تكره بالاتفاق.
الصورة الثانية: عكس هذه المسألة، وهي أن تعاد الجماعة ثانية على وجه الاستمرار، على وجه راتب، فهذه أقل أحوالها أن تكون مكروهة.
الصورة الثالثة: أن تكون عارضة في غير مساجد الطرقات والأسواق، فهذه محل الخلاف، والصحيح أنها سنة، بل لو قيل بالوجوب لكان أقرب.
وقول المؤلف: (في غير مسجدي مكة والمدينة) يعني: في غير المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فتكره إعادة الجماعة فيهما، قالوا: لئلا يتوانى الناس عن حضور الصلاة مع الإمام الراتب.

ولكن هذا التعليل لو أخذنا به لانطبق على المسجدين وغيرهما على حد سواء، ولهذا كان القول الثاني في هذه المسألة هو الصحيح: أن إعادة الجماعة لا تكره لا في المسجدين ولا في غيرهما، وأن المسجد الحرام والمسجد النبوي كغيرهما في حكم إعادة الجماعة، وعلى هذا فإذا دخلت المسجد الحرام وقد فاتتك الصلاة مع الإمام الراتب أنت وصاحبك، فصليا جماعةً ولا حرج، هذا هو الصحيح.
فيكون قول المؤلف: (في غير مسجدي مكة والمدينة) يكون هذا قولًا مرجوحًا، والصواب أن مسجدي مكة والمدينة كغيرهما لا تكره فيهما إعادة الجماعة.
طالب: ما ذكر بيت المقدس.
الشيخ: إي نعم، يقول: لم يذكر بيت المقدس، وصدق، ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى ما ذهب إليه بأن بيت المقدس كالمسجدين تكره فيه إعادة الجماعة؛ لأن بيت المقدس أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، لكن الفقهاء المشهور من المذهب أن بيت المقدس كغيره والصحيح أن بيت المقدس والمسجد الحرام والمسجد النبوي كغيرها من المساجد.
طالب: حجة يا شيخ من يقول: إنه لا يجوز إعادة الجماعة؟ الشيخ: أبدًا، حجتهم العلة هذه اللي ذكرت، ألا يتواني الناس عن حضور إمام راتب.
الطالب: لكن إذا جاء رجل وقد فاتته الصلاة وجاء إلى المسجد فلا يجوز مثلًا أن يكون.. الشيخ: يكره.
الطالب: حجتهم؟ الشيخ: هذه يقول: لأنه إذا عرف الإنسان أنه بيلقى جماعة متأخرة تأخر.
الطالب: هذه فقط؟ الشيخ: أبدًا ما عندهم غير هذا.
طالب: قلتم يا شيخ في الدرس الماضي: إنه يصلي في المسجد القريب يعني.
الشيخ: نعم، الأفضل في مسجد حيه.
الطالب: إي نعم، قلتم: لئلا يكون فيه إمام مسجد في نفسه شيء طيب دخل شيء على النية بيخالطها شيء أن يكون إتيانه المسجد من أجل الإمامة، من أجل أن يراه الإمام قد صلى معه.

الشيخ: لا، ما هو من أجل أن يراه قد صلى، هذا يكون رياء، لكن من أجل التأليف؛ حتى لا يكون في قلب الإمام شيء، ما هو في قلبه شيء عليه؛ لأنه ما صلى، لا؛ لأنه قد يقول: إنه ما صلى معي لأنه مثلًا ما يراني أهلًا للإمامة، أو في شيء في الدين فيحمل عليه الحقد.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، يستدلون كذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم أتى إلى المسجد ذات يوم فوجد أن الجماعة قد صلوا فذهب إلى بيته وجمع بأهله فصلى بهم.
الشيخ: من هو؟ طالب: النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: النبي، الله المستعان! الله المستعان! اعرف الحديث جيدًا، هذا روي عن ابن مسعود (18)، وروي عنه أيضًا شيء آخر خلاف ذلك نقله صاحب المغني قال: إنه روي عن ابن مسعود إعادة الجماعة في المسجد، فيكون عنه في ذلك روايتان، وأيضًا ابن مسعود إن صح عنه هذا فليس بدليل؛ لأن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم مقدم عليه، ثم إن هذه قضية عين، ما قال: يا أيها الناس إذا فاتتكم الجماعة فصلوا في بيوتكم، ربما يخشى أنه لو صلى في المسجد (... ) الإمام قال: هذا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صلى خلفي إذن فيه شيء، وربما أنه إذا رآه الناس وهو ابن مسعود يصلي بعد صلاة الجماعة قالوا: إذن ما دام هذا ابن مسعود توانى وتأخر فنحن من باب أولى، فقضايا الأعيان لها أحوال وقرائن توجبها، بخلاف دلالة الأقوال، الأقوال واضحة.
طالب: ما يقال يا شيخ: إنه لم يجد جماعة فذهب إلى البيت لأنه سيجد جماعة.
الشيخ: ما ندري، ولهذا نقول: قضية عين، يحتمل هذا أيضًا.
طالب: أحسن الله إليك، بعض العلماء يستدلون بتحريم الصورة الثالثة (... ) قديمًا بأنه يشابه مسجد ضرار، فهل هذا الاستدلال صحيح؟ الشيخ: يعني كل واحد له إمام.
طالب: إي نعم يقول: هذا محرم؛ لأنه مشابه..

الشيخ: والله على كل حال ما فيه مسجد ضرار؛ لأن الحنبلي ما هو برايح يصلي وراء الشافعي في ذلك الوقت، ما فيه مسجد ضرار، لكن لا شك أنه تفريق للمسلمين، سبحان الله، ما هم كلهم مسلمون، ليش نقول عند هذا شافعي صل في مكانك وهذا مكانك، أنا أدركت الأمكنة لكن ما أدركت الناس يصلون، لكن أدركت الأمكنة: محلات قبب أو شبهها مختصة.
طالب: إذا كان فيه جماعتان (... ) أجعل الأولى نافلة والثانية هي الفرض، مسجد تقام فيه جماعتان تكون الأولى نافلة والثانية فرض.
الشيخ: لا، الأولى هي الفرض.
طالب: بس تكون الجماعة الثانية هي أكثر.
الشيخ: وليش تصلي في الأولى علشان أيش؟ طالب: مثلًا نكون في المدارس، المدرسون يصلون قبل الطلبة.
الشيخ: قبل الطلبة.
طالب: والطلبة تكون أكثر.
الشيخ: لكن نقول: ليش تصلي مع المدرسين ما دام أنك ترى تصلي مع الطلبة صل مع الطلبة.
طالب: أكون فيه بعض (... ) يراقبون الطلبة.
الشيخ: والله أنا أرى أن الأفضل الأولى؛ لأنه لو لم يكن فيها إلا التقدم في الوقت هذا أوجد لنا سؤالًا آخر، لو فرضنا أن المسجد صغير وجعلنا الجماعتين راتبتين من أجل صغر المسجد، هل يكره أو نقول: هذا لحاجة؟ طلبة: لحاجة.
الشيخ: الظاهر أن هذا لحاجة لا بأس به، يعني لو فرضنا أن المسجد صغير ما يحمل الناس وصار يصلون جماعة أول ثم يطلعون ثم يجيء الجماعة الثانية، هذا الظاهر لا بأس به للحاجة.
(... ) الشيخ: حكم صلاة الجماعة.
طالب: صلاة الجماعة فيها أقوال.
الشيخ: على ما مشى عليه المؤلف.
الطالب: واجبة.
الشيخ: واجبة، الدليل؟ طالب: الدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر؛ قال: لو وجدت جماعة يصلون في بيوتهم لأمرت بتحريق بيوتهم.
الشيخ: أولًا: فيها دليل من الكتاب والسنة والنظر.
الطالب: من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاة﴾ [النساء: 102] وهذا في السفر وجبت صلاة الجماعة.
الشيخ: والخوف في السفر والخوف.

الطالب: وجبت صلاة الجماعة، فكانت في الحضر من باب أولى.
ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ».
الطالب: «فَتُقَامَ فَآمُرَ جَمَاعَةً يُحَرِّقُونَ (... )».
الشيخ: نعم رويته بالمعنى، نعم النظر.
طالب: النظر؟ الشيخ: النظر يعني الدليل من النظر، تعرف الدليل النظري؟ الطالب: لا ما أعرف.
الشيخ: إي، هذا مشكل، دليل النظر ما هو النظر بالعين.
طالب: أنها الركن الثاني من أركان الإسلام، وأنها من شعائر الإسلام الظاهرة، يعد اجتماع أهل بلد دليلًا.. الشيخ: ما حاجة ما يترتب عليها من المصالح.
النظر نقول: الدليل النظري هو ما يترتب عليها من المصالح التي تقتضي أن تكون فرضًا، إحنا ذكرنا اثنتي عشرة فائدة.
المؤلف يقول: (لا شرط)، فلماذا قال هذا؟ طالب: يرد على من قال: إن صلاة الجماعة شرط.
الشيخ: لدفع قول من يقول؟ الطالب: إنها شرط.
الشيخ: إنها شرط، من القائل بأنها شرط.
طالب: قال بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وهي رواية عن الإمام أحمد.
الشيخ: لا، ابن القيم ما ذكره، ما نقل عنه.
الطالب: مشهور عن شيخ الإسلام ابن تيمية.
الشيخ: دليلهم القائلين بأنها شرط لهم دليل ما هو؟ الطالب: قالوا: إن الصلاة واجبة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
طالب آخر: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ ثُمَّ لَمْ يَأْتِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ» (19). الشيخ: «إِلَّا مِنْ عُذْرٍ».
الطالب: «إِلَّا مِنْ عُذْرٍ».
الشيخ: طيب هذا واحد.
طالب: «تَفْضُلُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ صَلَاةَ الْفَذِّ.. ». الشيخ: لا، هذا دليل عليهم.
طالب: لأن الصلاة واجبة والرسول صلى الله عليه وسلم توعد من لم يحضرها، فقالوا: ما دام من ترك واجبًا في الصلاة فهي باطلة.
الشيخ: قالوا: إن صلاة الجماعة واجبة، والقاعدة أن الواجب إذا ترك عمدًا بطل ما وجب فيه.

طالب: حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم هم أن يحرق على من يتخلفون عن صلاة الجماعة بيوتهم.
الشيخ: هذا يدل على الوجوب، الشرطية، على كل حال هذان دليلان.
طالب: الدليل حديث الأعمى ابن أم مكتوم، النبي صلى الله عليه وسلم أوجب عليه أن يلبي إذا سمع النداء مع أن فيه مخاطر.. الشيخ: هذا يدل على الوجوب.
الطالب: على الوجوب نعم.
الشيخ: نحن نريد الدلالة على الشرطية.
الذين قالوا: إنها ليست بشرط.
طالب: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إِنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً»، كونه جعل الفضل دليلًا على صحتها، فإن الباطل لا يكون فيه فضل.
الشيخ: نعم أحسنت.
والجواب عن قولهم: إنها واجبة؟ طالب: الجماعة واجبة للصلاة وليست واجبة في الصلاة.
الشيخ: ليست واجبة فيها، بل هي واجبة لها، مثل؟ طالب: مثل السترة.
الشيخ: كالأذان.
طالب: كالأذان.
الشيخ: لو صلى بلا أذان صلاته صحيحة أو صلى بلا إقامة صلاته صحيحة مع الإثم.
يقول المؤلف: إنه يجوز أن يصلي الإنسان الجماعة في بيته، ما دليله؟ طالب: الدليل حديث عندما تخلف رجلان عن الرسول صلى الله عليه وسلم، سألهم فقالوا: صلينا في رحالنا فلم ينكر عليهم.
الشيخ: فلم ينكر عليهم بل قال: «إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا».
الطالب: «وَأَتَيْتُمَا جَمَاعَةً».
الشيخ: «فَصَلِّيَا مَعَهُمْ».
طالب: استدلوا أيضًا بقوله صلى الله عليه وسلم: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (1) الأرض كلها مسجد (... ). طالب آخر: تكون صلاة الجماعة أحسن من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، والجماعة يعني في البيت وفي المسجد.
الشيخ: إي، طيب صح يقول: المقصود الجماعة، وقد حصلت صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ.
الرد عليهم فيه قول، القول الثاني أنه لا يجوز أن يفعلها في البيت، بل لا بد أن يفعلها في المسجد، فما هو الدليل؟

طالب: عمومات الأدلة تدل على الوجوب (... ) «تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ » قال: نعم.
قال: «فَأَجِبْ» (20). الشيخ: ولم يقل: أو صل مع آخر في بيتك.
هذا واحد.
طالب: كذلك هم النبي صلى الله عليه وسلم بإحراق بيوت المتخلفين، ولم يقل: لقد هممت أن أحرق بيوتهم إلا أن يصلوا في بيوتهم جماعة.
الشيخ: نعم، أحسنت، فيه أيضًا دليل نظري.
طالب: حديث ابن مسعود: ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق (21)، وأيضًا قوله: من أراد أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات (... ) (22). الشيخ: حيثُ يُنادَى بهنَّ، وهو ينادى بهن في المساجد.
طالب: قوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: 43].
الشيخ: إي هم يقولون: ما يخالف، نركع في بيتنا مع الراكعين.
الطالب: في جماعة.
الشيخ: هم يقولون: في جماعة.
طالب: (... ) الصلاة من شعائر الإسلام، يعني إذا صلوا في بيوتهم (... ) الإسلام.
الشيخ: نعم يعني يفوت هذا، كذا؟ هذا يحتج به من يقول: إنها فرض كفاية، وعلى هذا فإذا كان فيه مساجد تقام فيها الجماعة فالباقون يصلون في بيوتهم.
على كل حال الدليل مثلما قال الإخوان أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر من سمع النداء أن يجيب حديث ابن مسعود، وحديث: «ثُمَّ أَنْطَلِق إِلَى قَوْمٍ -مَعَهُمْ حُزَمُ حَطَبٍ- إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ» ولم يقل: إلا أن يصلوا في بيوتهم، فالصحيح أنها واجبة في المسجد إلا لعذر.
لماذا كان المسجد العتيق أولى من الجديد على كلام المؤلف؟ طالب: لأن الطاعة تكون فيه أسبق.
الشيخ: لأن الطاعة فيه أسبق.
أيهما أقدم على القول الراجح: العتيق أو الأكثر جماعة؟ طالب: الأكثر جماعة.
الشيخ: الأكثر جماعة، الدليل؟ الطالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: فما كان أكثر جماعة فهو أحب إلى الله.
الشيخ: «وَمَا كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللهِ».
ذكر المؤلف أن الأبعد من المسجدين أولى من الأقرب.

طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ كَانَ لَا يَخْطُو خُطْوَةً إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْهُ خَطِيئَةً» (4). وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «بَنِي سَلِمَةَ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ».
الشيخ: وهل هذا الدليل الذي استدل به من قال بذلك هل فيه دليل لهم؟ طالب: علام؟ الشيخ: هل فيه دليل لهم على أن الإنسان يقصد الأبعد.
الطالب: نعم أفضلية إثبات الفضل فيها.
الشيخ: معناه إذن نقول: اللي في شرقي البلد يصلون في غربيه.
طالب: هذا إذا لم يجد بجواره مسجدًا.
الشيخ: المؤلف يقول: أبعد أولى من أقرب.
الطالب: إذا كان بعيدًا المسجد من الأصل يعني ليس يقصده هو بنفسه.
الشيخ: يعني إذن الأحاديث تدل على أن بعد البيت عن المسجد أفضل من قربه، وليس المعنى أنك تتقصد المساجد البعيدة، إي نعم، هذا هو الصحيح.
يقول المؤلف: إنه لا يجوز أن يؤم في المسجد الراتب إلا بإذنه أو لعذر، ما هو الدليل؟ طالب: استدلوا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي في صحيح مسلم: «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ» وفي رواية «فِي بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ».
الشيخ: «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ» وإمام المسجد هو سلطان المسجد.
ما الدليل على جواز الإمامة إذا كان معذورًا أو آذنًا؟ طالب: ما فعله أبو بكر الصديق رضي الله عنه وعبد الرحمن بن عوف عندما تأخر النبي صلى الله عليه وسلم (... ) عبد الرحمن بن عوف فصليا ولم ينتظرا النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: أما الإذن فالرسول عليه الصلاة والسلام أذن لأبي بكر أن يصلي بالناس في حال مرضه.
المؤلف رحمه الله استثنى من إعادة الجماعة، استثنى صلاة، فما هي؟ وما التعليل؟ طالب: إعادة الجماعة في نفس المسجد.

الشيخ: لا، إعادة الجماعة لمن صلى ثم أقيمت الصلاة فيسن أن يعيد الجماعة، استثنى المؤلف صلاة واحدة فما هي؟ وما تعليلها؟ طالب: المغرب.
الشيخ: والتعليل؟ طالب: التعليل قال: إنها وتر النهار، ولا وتران في ليلة.
الشيخ: الوتر لا يكرر.
الطالب: لا يكرر، لكن هذا (... ). الشيخ: ما يخالف.
هل هناك قول آخر باستحباب إعادة الصلاة ولو المغرب؟ طالب: فيها ثلاثة أقوال.
الشيخ: هل فيه أقول فيه قول أنها تستحب الجماعة؟ الطالب: نعم فيه.
الشيخ: حتى المغرب؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما دليل هذا القول؟ طالب: حديث تخلف في الحج رجلان، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال بالعموم ولا استثنى صلاة فيها.
الشيخ: قال: «إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ».
الطالب: ولم يستثن النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: في هذا الحديث استدل بعض الإخوة قبل قليل بجواز صلاة الجماعة في البيت، فما هو الرد على هذا الاستدلال؟ طالب: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي في المسجد.
الشيخ: إي ذاك، وأقرهما قال: «إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ».
الطالب: فيه أدلة غير هذا الدليل يدل على وجوب الصلاة في المسجد.
الشيخ: كيف تجيب على هذا الحديث؟ طالب: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقل: إذا صليتما في رحالكما فلا تصليا، بل قال: إذا أتيتما المسجد فصليا مع الجماعة ولا تكفي صلاتكما في رحالكما.
الشيخ: ولم يقل أيش؟ طالب: ولم يقل: تكفي الصلاة في رحلكما.
الشيخ: ما هو الآن نريد الاستدلال على جواز الإعادة، نريد هل الاستدلال بهذا الحديث على جواز الصلاة بالبيت جماعة صحيح ولا لا؟ الطالب: أيوه صحيح.
الشيخ: إذن معناه شوف لك واحد واجلس وياه في البيت وصل معه تصلوا جماعة.
الطالب: لا، فيه قول يقول: إنه صحيح، لكنه مرجوح.
الشيخ: وأنت ويش تقول؟

الطالب: أقول: ما هو صحيح.
الشيخ: طيب كيف تجيب عن الحديث؟ الطالب: أجيب أنه فيه أحاديث عامة ثانية في وجوب الصلاة في المسجد.
الشيخ: ما يخالف، لكن أجب عن هذا الحديث ولّا قل بالتعارض.
الطالب: الله أعلم.
الشيخ: الله أعلم تمام.
طالب: يجاب عنها أن الحديث (... ) في الحج، والحج يحصل فيه (... ) النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: لا.
طالب: يرد عليه عدة احتمالات، هذا الحديث يحتمل أن رحالهما بعيدة عن المسجد، ويحتمل أيضًا أنهما يظنان أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قضى الصلاة، وإذا ورد الاحتمال على الدليل بطل الاستدلال به.
الشيخ: واحتمال ثالث جواز الصلاة في الرحال وعدم وجوب المسجد، ومع الاحتمال يبطل الاستدلال، فيكون هذا الحديث مشتبهًا، وعندنا أدلة محكمة، فيحمل عليها.
طالب: (... ). الشيخ: لا (... ) تجب حتى (... ). إذا قلنا باستحباب الإعادة في المغرب هل يشفعها بركعة أو يسلم مع الإمام؟ طالب: الظاهر أنه ما يشفعها، يسلم مع الإمام.
الشيخ: ولا فيه قول: إنه يشفعها بركعة؟ طالب: فيه قول: إنه يشفعها بركعة.
الشيخ: يعني فيه قول: إنه يشفعها بركعة لئلا يتكرر الوتر، وفيه قول ثان أن يسلم مع الإمام؛ لعموم: «فَصَلِّيَا مَعَهُمْ».
وهذا القول أصح.
المؤلف رحمه الله يقول: إنها لا تكره إعادة الجماعة إلا في مسجدي مكة والمدينة.
طالب: لا تكره، هذا القول غير صحيح الصحيح إن.. الشيخ: لا دعنا، أنا قلت: اشرح.
لا تكره إعادة الجماعة في غير مسجدي مكة والمدينة.
طالب: إذا صلوا في جماعة فلا تكره إعادة الجماعة مرة ثانية، وهذا له ثلاث صور.
الشيخ: لا، هو قال: في غير مسجدي مكة والمدينة، ويش معناه؟ الطالب: يعني في مسجد مكة والمدينة تكره الإعادة.
الشيخ: تكره الإعادة وفي غيرهما؟ الطالب: لا تكره.
الشيخ: لا تكره، لماذا؟ الطالب: لئلا يتكاسل الناس عن الصلاة مع الإمام.
الشيخ: مع الإمام الراتب.
هل التفريق بينهما وبين غيرهما وجيه ولّا غير وجيه؟

طالب: غير وجيه، ما عليه دليل، يعني المساجد واحدة.
الشيخ: المساجد واحدة إي نعم، هذا الصحيح أنه لا فرق.
ذكرنا أن الإعادة إعادة الجماعة تنقسم إلى أقسام: طالب: تنقسم إلى ثلاثة أقسام: إما أن تكون عادة راتبة، وإما أن تكون طارئة، وإما أن يكون المسجد مسجد طريق أو مسجد سوق، ما في مسجد طريق ومسجد سوق، فلا خلاف فيه بجوازه.
الشيخ: أن من دخل صلى الجماعة.
الطالب: وأما في المسجد بعكسه، المسجد الذي اتخذ عادة أو راتبة فهذه أقل أحوالها الكراهة، وأما الطارئة ففيه خلاف، والصحيح أنها تجب.
الشيخ: أنها تستحب أو تجب.
طالب: إذا كان مسجد السوق له إمام راتب.
الشيخ: إذا كان له إمام راتب فنقول: هو كغيره، يكون حكمه أنه إن اتخذ رواتب بحيث يجعل له جماعتان هو مكروه.
طالب: فيه دليل يا شيخ على استثناء مكة والمدينة، أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما دخل رجل يريد يصلي قال: من يتصدق على هذا فيدل على مشروعية الجماعة في مسجد المدينة؟ الشيخ: يعني يدل على أن استثناء المؤلف المدينة فيه نظر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) هذا الكلام هو لفظ حديث أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ» (23)، فيكون هذا مسألة ودليلًا، يعني: جمع المؤلف بين كونه ذكرها مسألةً من مسائل العلم، وهي نفسها دليل، وهذا نادر.
لكن على كل حال يقول: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) (إذا أقيمت) هل المراد بإقامة الصلاة الذكر المخصوص الذي هو الإعلام بالقيام إلى الصلاة، أو المراد بإقامة الصلاة نفس الصلاة؛ لأن الله قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ﴾ [البقرة: 43]، ومن المعلوم أن إقامة الصلاة هو فعلها، والمراد إذا فعلت الصلاة يعني إذا شرع الإمام في الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة؟

في هذا قولان لأهل العلم الذين شرحوا الحديث، فمنهم من يقول: إن المراد بإقامة الصلاة أي شروع الإمام في الصلاة، ومنهم من قال: المراد بالإقامة الذكر المخصوص الذي يراد به الإعلام بالقيام إلى الصلاة، وهي الله أكبر الله أكبر، وعلى هذا القول هل المراد الشروع في الإقامة أو المراد انتهاء الإقامة، يعني يكون معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أُقِيمَتْ»، أي إذا شرع المؤذن في الإقامة، أو إذا أقيمت، أي إذا تمت الإقامة؛ لأن الشيء إذا عُلق بشيء فإنه لا يتم حتى يتم ذلك الشيء، فإذا أقيمت لا تصدق الإقامة إلا على تمام الإقامة، وعلى هذا فيكون المعنى: إذا انتهى المقيم من إقامة الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، فهذه ثلاثة أقوال: القول الأول: أن المراد بإقامة الصلاة الشروع فيها، يعني تكبيرة الإحرام.
والقول الثاني: أن المراد بالإقامة ابتداء الإقامة؛ التي هي الإعلام بالقيام إلى الصلاة.
والقول الثالث: أن المراد انتهاء الإقامة، وهذا القول قريب من القول بأن المراد بذلك الدخول في الصلاة، وإن كان الإمام قد يتأخر عن إتمام الإقامة إما بتسوية الصفوف، أو بحدوث عذر له، أو ما أشبه ذلك.
إنما هذه ثلاثة أقوال ولكن إذا عرفنا الحكمة من النهي؛ أمكننا أن نحدد المراد بالإقامة، الحكمة من النهي هي ألا يتشاغل الإنسان بنافلة يقيمها وحده إلى جنب فريضة تقيمها الجماعة؛ لأنه يكون حينئذ مخالفًا للأمة من وجهين: الوجه الأول: أنه في نافلة، والناس في فريضة.
والثاني: أنه يصلي وحده، والناس يصلون جماعةً، فإذا عرفنا الحكمة من النهي أمكننا أن نحدد المعنى في قوله: (إذا أقيمت الصلاة).
فنقول: من المعلوم أن الإنسان لو شرع في النافلة بعد أن يبدأ المقيم في الإقامة، فإنه لن ينتهي منها غالبًا إلا وقد شرع الناس في صلاة الجماعة.
وحينئذ لا يجوز أن يبتدئ صلاة نافلة بعد شروع المقيم في الإقامة.

فإن كان في نافلةٍ أَتَمَّها إلا أن يَخْشَى فَواتَ الجماعةِ فيَقْطَعَها، ومَن كَبَّرَ قبلَ سَلامِ إمامِه لَحِقَ الجماعةَ، وإن لَحِقَه راكعًا دَخَلَ معه في الركعةِ وأَجزأَتْهُ التحريمةُ.
ولا قراءةَ على مأمومٍ، ويُسْتَحَبُّ في إسرارِ إمامِه وسُكوتِه وإذا لم يَسْمَعْه لبُعْدٍ لا لطَرَشٍ، ويَسْتَفْتِحُ ويَستعيذُ فيما يَجْهَرُ فيه إمامُه، ومَن رَكَعَ أو سَجَدَ قبلَ إمامِه فعليه أن يَرْفَعَ ليأتيَ به بعدَه، فإن لم يَفعلْ عَمْدًا بَطَلَتْ، وإن رَكَعَ ورَفَعَ قبلَ رُكوعِ إمامِه عالِمًا عَمْدًا بطَلَتْ، وإن كان جاهِلاً أو ناسيًا بَطَلَتِ الركعةُ فقطْ، وإن رَكَعَ ورَفَعَ قبلَ رُكوعِه ثم سَجَدَ قبلَ رَفْعِه بَطَلَتْ إلا الجاهلُ والناسي، ويُصَلِّي تلك الركعةَ قضاءً، إنما هذه ثلاثة أقوال، ولكن إذا عرفنا الحكمة من النهي أمكننا أن نحدد المراد بالإقامة، الحكمة من النهي هو ألا يتشاغل الإنسان بنافلة يُقِيمها وحدَه إلى جنب فريضة تُقِيمها الجماعة؛ لأنه يكون حينئذ مخالفًا للأمة من وجهين: الوجه الأول: أنه في نافلة والناس في فريضة.
والثاني: أنه يصلي وحده والناس يُصلُّون جماعةً، فإذا عرفنا الحكمة من النهي أمكننا أن نحدِّد المعنى في قوله: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ» (1). فنقول: من المعلوم أن الإنسان لو شَرَع في النافلة بعد أن يبدأ الْمُقِيم في الإقامة، فإنه لن ينتهي منها غالبًا إلا وقد شرع الناس في صلاة الجماعة، وحينئذ لا يجوز أن يبتدئ صلاة نافلة بعد شروع الْمُقِيم في الإقامة؛ لأن العلَّة -أعني علة النهي- موجودة في هذه الصورة، ومن باب أولى ألَّا يشرع في النافلة إذا انتهت الإقامة، أو إذا شرع الإمام في الصلاة.
إذن إذا حَمَلْنَا قوله صلى الله عليه وسلم: «فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ» (1)، أي: فلا صلاة تُبْتَدَأُ إلا المكتوبة، قلنا: إنه يتعين أن يكون المراد بالإقامة؟ أجيبوا.. طلبة: الشروع..

الشيخ: الشروع في الإقامة؛ لأن الإنسان إذا ابتدأ النافلة في هذا الوقت سوف يتأخر عن صلاة الجماعة، ولكن قوله صلى الله عليه وسلم: «فَلَا صَلَاةَ»، هل يشمل الابتداء أو حتى الإتمام؟ في ذلك قولان لأهل العلم: منهم من قال: إنه يشمل الابتداء والإتمام، أي: فلا صلاة ابتداءً، لا يبتدئ صلاة، ولا يُتِمُّ صلاةً هو فيها، حتى إن بعضهم بالَغ فقال: لو لم يَبْقَ عليه إلا التسليمة الثانية وأقام الْمُقِيم فإنها تبطل صلاته؛ لأن التسليمتين ركن من أركان الصلاة، أو واجب، أو سنة، المهم أنها من الصلاة، فإذا أقام -أي إن شرع في الإقامة قبل أن يُسَلِّم- فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «لَا صَلَاةَ»، فتبطل، لكن هذه مبالغة عظيمة.
بضدها –أي بضد هذه المبالغة- من قال: إنه يُتِم النافلة ولو فاتته الجماعة، سبحان الله! ! بينهما تباعُد عظيم؛ هذا يقول: إذا أقيمت الصلاة ولو لم يبق عليك إلا التسليمة الثانية، بطلت صلاتك، ولا خيار لك فيها، وهذا يقول: ما دمت شرعت في صلاة فأَتِمَّها ولو فاتتك الجماعة.
لكن كل هذه أقوال في الحقيقة لا شك أنها أقوال شادة، إنما قلتها لأجل أن تعلموا كيف يتفرَّق العلماء -رحمهم الله- في المسائل العلمية هذا التفرق العظيم.
لكن نقول: إن قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا صَلَاةَ»، لا شك أن المراد ابتداؤها، وأنه يحرُم على الإنسان أن يبتدئ نافلةً بعد إقامة الصلاة، بعد انتهائها أو الشروع فيها؟ الشروع فيها؛ لأنه لا يمكن أن يأتي بالصلاة قبل أن يُكَبِّر الإمام وقد شرع المقيم في الإقامة.
فنقول: إذا أُقِيمَت الصلاة حرُم أن يبتدئ نافلة؛ لأن الصلاة لما أُقِيمت صار الوقت لهذه الفريضة، فلا يجوز أن يبتدئ نافلة.
أما إذا كان قد شرع في نافلة فإن المؤلف يقول: (فإن كان في نافلة أتمها إلا أن يخشى فوات الجماعة فيقطعها).

(إن كان في نافلة) يعني: حين إقامة الصلاة، (أتمها)، ولكن يتمها خفيفةً من أجل المبادرة إلى الدخول في الفريضة.
(إلا أن يخشى فوات الجماعة فيقطعها)، الفاء هنا للاستئناف، أي: فإنه يقطعها، وبماذا تفوت الجماعة؟ تفوت الجماعة -على كلام المؤلف- بالتسليم قبل أن يُكَبِّر تكبيرة الإحرام، إذا سَلَّم الإمام قبل أن تُكَبِّر تكبيرة الإحرام فاتتك الجماعة، فإن كَبَّرت للإحرام قبل أن يُسَلِّم التسليمة الأولى فقد أدركت الجماعة.
وبناءً على ذلك نقول لهذا الذي شرع في النافلة قبل إقامة الصلاة: استَمِرّ إلا إن خشيت أن يُسَلِّم الإمام قبل أن تُتِمَّ، فحينئذ اقطعها؛ لأنك إذا خشيت أن يُسَلِّم الإمام قبل أن تُتِمّ لزم من ذلك تعارض نفل مع فرض؛ لأن صلاة الجماعة فرض، والنافلة نفل، والفرض مُقَدَّم على النفل، حينئذ اقطعها.
وهذه المسألة قد تكون نادرة إلا في صلاة الصبح مثلًا، إذا كان الإمام يسرع، فهذه وأنت قد شرعت في النافلة قبل أن تُقام الصلاة بجزء يسير، هذه يمكن أن تخشى فوات الجماعة، لكن في الرباعية والثلاثية الغالب أنك ما تخشى فوات الجماعة، وعلى كلام المؤلف نقول: أتم النافلة حتى لو لم تدرك إلا تكبيرة الإحرام قبل التسليمة الأولى.
والذي نرى في هذه المسألة: أنك إن كنت في الركعة الثانية فأَتِمَّها خفيفةً، وإن كنت في الركعة الأولى فاقطعها.
ومستندنا في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (2)، وهذا الرجل الذي صلى ركعةً قبل أن تُقام الصلاة يكون أدرك الصلاة، صلاته الآن سالمة من المعارِض الذي هو إقامة الصلاة.

فنقول: هذا الرجل أدرك الصلاة الآن، فليتمها خفيفةً، أما إذا كان في الركعة الأولى، ولو في السجدة الثانية من الركعة الأولى، فإنه يقطعها؛ لأنه لم تتم له هذه الصلاة، ولم تخلص له؛ حيث لم يدرك منها ركعة قبل النهي عن الصلاة النافلة، هذا عندي أنه هو الذي تجتمع فيه الأدلة.
يقول المؤلف: (فلا صلاة إلا المكتوبة)، ظاهر كلامه: أنه لا فرق بين أن تقام الصلاة وأنت في المسجد أو في بيتك، وعلى هذا فلو سمعت الإقامة في بيتك، وقلت: سأصلي سنة الفجر؛ لأن الفجر تُطَوَّل فيها القراءة، أصلِّي السنة، وبيتي قريب من المسجد، ويمكنني أن أدرك الركعة الأولى، فإن ذلك لا يجوز؛ لعموم الحديث: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ» (1)، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ» (3)، «فَامْشُوا» أَمْر.
وبناءً على ذلك نقول: لا فرق بين أن تقام الصلاة وأنت في المسجد، أو وأنت في بيتك، متى سمعت الإقامة وأنت في الركعة الأولى على ما اخترناه من الأقوال فاقطعها واذهب، إن كنت في الثانية فأتِمَّها خفيفةً، هذا أيضًا ما لم تَخْشَ فوات الجماعة؛ لأنك إذا كنت خارج المسجد ربما تخشى فوات الجماعة ولو أنت في الركعة الثانية، فحينئذ اقطعها؛ لأن صلاة الجماعة واجبة، والنافلة نفل.
وقول المؤلف: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، هذا إذا كنت تريد أن تصلي مع هذا الإمام، أما إذا كنت لا تريد أن تصلي معه فلا حرج عليك أن تتنفل، فلو كان بجوارك مسجدان وسمعت إقامة أحدهما، وأردت أن تأتي بالراتبة لتصلي في المسجد الثاني، فلا حرج عليك.
نخلص من هذا إلى مسألة مهمة، وهي أن الإنسان إذا مر بمسجد جامع يخطب يوم الجمعة، وهو لا يريد الصلاة معه، فهل له أن يتكلم والإمام يخطب، أو ليس له أن يتكلم؟

نقول: له أن يتكلم؛ لأنه لا يريد الائتمام بهذا الإمام، كذلك لو أذَّن الأذان الثاني في هذا المسجد يوم الجمعة، والمسجد الذي تريد أن تصلي فيه لم يؤذِّن، وحصل منك بيع أو شراء بعد نداء الجمعة في المسجد الذي لا تريد أن تصلي فيه، فالبيع والشراء صحيح وحلال.

طالب: بالنسبة للسنة في الفجر إذا الإمام يقرأ سورة يعني لما جيت بدأ الفاتحة وممكن أُسَلِّم الراتبة؟ الشيخ: أبدًا، إذا لم تكن في الركعة الثانية فاقطع؛ في سنة الفجر ولَّا غير سنة الفجر.
طالب: الدليل يا شيخ على تقدير إذا ترى الصلاة مبتدأة.
الشيخ: الدليل هو الذين قالوا: سقطت (... ) قالوا: لأن الإقامة إعلام بالقيام للصلاة، فلما كانت إعلامًا بالقيام للصلاة صار هذا الْمُتَنَفِّل كأنه جعل بدل الفريضة تلك النافلة التي أُقِيمت، فكأنه لما كان من المعتاد أن الناس يقومون عند إقامة الصلاة، فهذا قام وأراد أن يصلي نافلة، نقول: ما هذا بوقت النافلة، أُقِيمَت صلاة الفريضة.
أما من كان شارعًا في صلاة النافلة فإنه لم يجعل هذه الإقامة سببًا لصلاته، مع أن ما ذكرنا في التفصيل الذي ذكرنا يزول فيه الإشكال.
طالب: نُقَدِّر: فلا صلاة شرعية، ما لم نقدر: فلا صلاة كاملة.
الشيخ: لا، ما نُقَدِّر، يقال: فلا صلاة شرعية، هذا الصحيح.
طالب: هل له يا شيخ، أن يقول: اللهم صل على محمد، ثم يُسَلِّم ويلحق الإمام في التحيات، يكتفي بأن يقول: اللهم صَلِّ على محمد.
الشيخ: علشان؟ الطالب: ثم يلحق بالإمام.
الشيخ: هو ما قلنا: إذا كان في الركعة الأولى يُبْطِلُها؟ يُبْطِلُها.
الطالب: نعم يا شيخ، لكن إذا كان في الركعة الثانية يقول: اللهم صَلِّ على محمد، ثم يلحق بالإمام قبل أن يَشْرَع بالحمد.
الشيخ: إي، يعني قصدك أنه.. الطالب: يقول اللهم صل على محمد ولا.. الشيخ: ما فيه بأس، لكن الأحسن أنه يُكَمِّل التعوذ؛ لأن القول بوجوب التعَوُّذ قول قوي.

طالب: (... ) يكبِّر تكبيرة الإحرام، هل تدرك الجماعة بركعة؟ الشيخ: لا، بيجينا إن شاء الله التفصيل في هذا، ما كَمَّلْنا، الصحيح ما تُدْرَك إلا بركعة.

طالب: شيخ، أحس الله إليك، إذا كان في البيت والإمام يخطب، تأخَّر مثلًا، يُحْرَم عليه أن يتكلم في البيت، أو كان في الطريق إلى المسجد؟ الشيخ: إي نعم، الذي نرى أن الإنسان الْمُتَّجِه إلى مسجد ويسمع الخطيب يخطب أنه يجب عليه الإنصات.
الطالب: وإن كان في البيت؟ الشيخ: ولو كان في البيت، ما دام أنه يريد أن يصلي في هذا المسجد.
طالب: لو دخل قبل الإقامة بفترة وجيزة، أفضل له الشروع في الصلاة ولَّا (... ). الشيخ: إذا كان يرى الإمام مثلًا مُتَهَيِّئ ليقوم.. طالب: يعني مثلًا (... ) هل يصلي ولَّا.. ؟ الشيخ: إي، بس أخشى أن الإمام مثلًا من عادته أنه يصلي مثلًا ركعتين إذا دخل المسجد، لكن إذا علمت أنه متهيئ يقينًا بيصلي.
طالب: يعني إذا تيَقَّن.
الشيخ: إي فالأفضل ألَّا تدخل؛ لأن كونك ما تدخل أحسن من كونك تدخل وتقطعها.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، معاذ بن جبل كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ويتخذ إعادة جماعة راتبة في قومه.
الشيخ: إي، لكن ما هو بمسجد واحد.
الطالب: لكن اتخذها عادة.
الشيخ: إي، ما يخالف، يعني لا بأس أنك تروح مسجدًا ثانيًا تصلي بهم، لكن الكلام إعادة الجماعة في مسجد واحد.
طالب: أحسن الله إليك، قول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي تنفل لصلاة الفجر، قولنا: الصبح أربع، والفجر أربع، ما يتعارض مع ما اخترناه من أنه إذا كان في الركعة؟ الشيخ: لا، ما يتعارض؛ لأنه إذا كان قد انتهى من الركعة الأولى صار ثلاث، صار ما صلى بعد الإقامة إلا ثلاثًا، ثم الحديث الذي ذكرت فيه روايتان؛ رواية أن الرجل كَبَّر بعد أن أُقِيمَت الصلاة، أخرجها مسلم، والرواية الثانية أنه كان يصلي.

طالب: قوله صلى الله عليه وسلم (... ) مسجد الجماعة، هذا يخص الجماعة؛ لأننا في مسجد (... ) ثم يقيم فرضًا حتى لو في مصلانا؟ الشيخ: ما فهمت، مسجد الجماعة هو المسجد الْمُعَدّ للجماعة.
الطالب: لو فيه جماعة في غير مسجد في مصلى، هل تُشْرَع؟ الشيخ: إي نعم، تُشْرَع؟ الطالب: النبي صلى الله عليه وسلم ما خصها في مسجد الجماعة؟ الشيخ: لا، مسجد الجماعة يمكن اللي بيقال هذا على الغالب أو العموم أيضًا؛ لأن مسجد الجماعة الذي تقام فيه الجماعة ولو كان غير راتب.
طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، قوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ» (1)، الاستثناء يا شيخ يعود على الصلاة المقامة أم على (... )؟ الشيخ: إي نعم، يعود على الْمُقامة؛ لأنها هي التي أُقِيمَت لها الصلاة، كما جاء في رواية أحمد.

طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، إذا رأيت رجلًا شرع في الصلاة مع الإقامة، هل أمنعه من الصلاة؟ الشيخ: لا، انصحه، تمسك يده وتقول: لا تُصَلِّ، ويش لون؟ قل: ترى هذا ما يجوز ولا صلاة لك.

طالب: شيخ، القول بالقطع بالوجوب، يعني مثلًا هو في نهاية الركعة الثانية، وإذا أتمها ستفوته تكبيرة الإحرام، وهو يحب أن يدرك.. الشيخ: في الركعة الثانية هو؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: لا، يُتِمُّها خفيفة، ما يقطعها.
طالب: وإن أحب أن يدرك تكبيرة الإحرام؟ الشيخ: لا، هذا أفضل، إتمامها أفضل من إدراك تكبيرة الإحرام؛ لأنه لو قطعها فَاتَهُ أجر السنة، وتكبيرة الإحرام ما هي بمثل ترك سنة كاملة تروح، على أن بعض العلماء يقول: إن النفل إذا شَرَع فيه وجب، وكلام (... ) اللي تكلمنا عليه الآن كله على القول بأن إتمام النفل ليس بواجب، أما إذا قلنا: واجب، فالأمر واضح.
طالب: شيخ، هل تنعقد النافلة هذه؟ الشيخ: لا، يعني بعد الإقامة؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما تنعقد.
الطالب: تكفي عن سنة الفجر يعني؟

الشيخ: أبدًا، ولا تكفي، ما تنعقد، باطلة.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بعض الناس إذا أراد أن يقطع النافلة أُقِيمت الصلاة المكتوبة يُسَلِّم، فهل يُشْرَع السلام؟ الشيخ: لا، لا يُشْرَع السلام، السلام إنما يكون ختام الصلاة، ختامها التسليم.
طالب: جزاك الله خيرًا، الهنود الأحناف هل لهم دليل في سنة الفجر يُصَلُّون حتى لو أُقِيمَت الصلاة؟ الشيخ: إي نعم؛ لأن بعض الصحابة يفعلون هذا، مثل ابن مسعود رضي الله عنه، كان يصلي سنة الفجر ولو بعد الإقامة، لكن أنت تعلم أنه لا حجة لأحد، ولا بقول أحد، مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.


طالب: (... ) أجمعين، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ومَن كَبَّر قبل سلام إمامه لحق الجماعة، وإن لحقه راكعًا دخل معه في الركعة، وأجزأته التحريمة.
ولا قراءة على مأموم، ويُسْتَحَبُّ في إسرار إمامه وسكوته، وإذا لم يسمعه لبعد لا لطرش، ويستفتح ويستعيذ فيما يجهر فيه إمامه.
ومَن رَكَع أو سجد قبل إمامه فعليه أن يرفع ليأتي به.. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ما هو رأي المؤلف فيمن أُقِيمَت الصلاة وهو في نافلة؟ طالب: أنه إذا أُقِيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة.
الشيخ: لا، ما رأي المؤلف فيما إذا أُقيمت الصلاة والإنسان في نافلة.
الطالب: يتمها خفيفة.
الشيخ: ما فيه استثناء؟ الطالب: إلا إن خشي فوات الجماعة.
الشيخ: إلا أن يخشى فوات الجماعة، ومتى تفوت الجماعة؟ الطالب: بفوات ركعة.
الشيخ: بفوات ركعة على رأي المؤلف؟ الطالب: لا، بفوات السلام، إذا سَلَّم.
الشيخ: إي نعم، تفوت إذا سَلَّم قبل أن يُكَبِّر للإحرام، فإن كَبَّر للإحرام قبل السلام فهي لم تَفُتْه، إذن له أن يبقى في صلاة النافلة هذه.. الطالب: إلى قبل أن يُسَلِّم.
الشيخ: إلى أن يدرك تكبيرة الإحرام قبل أن يُسَلِّم إمامُه.

القول الراجح في هذه المسألة؟ طالب: أنه إذا كان في الركعة الثانية يتمها خفيفة، وإن كان في الركعة الأولى وإن كان في السجود يقطعها.
الشيخ: إي، وإن كان في الأولى قطعها، تمام، هذا أحسن الأقوال في هذه المسألة.
إذا خاف فَوْت الجماعة على هذا القول هل يقطعها أو لا؟ طالب: أي قول؟ الراجح ولَّا المرجوح؟ الشيخ: الراجح، إذا خاف فوت الجماعة؟ الطالب: نعم يقطعها.
الشيخ: يقطعها؛ لأن صلاة الجماعة واجبة، وإتمام النفل ليس بواجب.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (وَمَنْ كَبَّرَ قبل سلام إمامه لحق الجماعة)، (من كبر) يعني: المسبوق أو المأموم إذا كَبَّر قبل سلام إمامه التسليمة الأولى فإنه يلحق الجماعة، يعني أنه يدرك الجماعة إدراكًا تامًّا.
ووجه ذلك: أنه أدرك جزءًا من الصلاة، فكان له حكم مُدْرِك الصلاة، كمن أدرك ركعةً، فإنَّ مَن أدرك ركعة فإنه يدرك الصلاة، بمقتضى الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (2)، فيقولون: هذا أدرك جزءًا منها، فصار كمن أدرك الركعة، ومن أدرك الركعة أدرك الصلاة.
وقول المؤلف: (قبل سلام إمامه)، قلنا: إن المراد التسليمة الأولى دون التسليمة الثانية، ولهذا لو جئت والإمام قد سَلَّم التسليمة الأولى فلا تدخل معه، حتى إن الفقهاء -رحمهم الله- صَرَّحوا بأنه لو دخل معه بعد التسليمة الأولى فإن صلاته لا تنعقد، حتى لو كمَّل صلاته وجب عليه الإعادة؛ لأنه -أي: الإمام- لما سَلَّم التسليمة الأولى شرع في التحلُّل من الصلاة، فلا يصح أن تنوي الائتمام به وهو قد شرع في التحلُّل من الصلاة.
إذن يتعين أن يكون المراد بقوله: (قبل سلام إمامه)، أي: التسليمة الأولى.
هذا ما ذهب إليه المؤلف في أن الإنسان إذا أدرك تكبيرة الإحرام مع الإمام قبل التسليمة الأولى فقد أدرك الجماعة.

والقول الثاني: أنه لا يُدْرِك الجماعة إلا بإدراك ركعة كاملة.
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ودليله قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ»، فإن منطوق الحديث أن مَن أدرك ركعةً من الصلاة فقد أدرك الصلاة، ومفهومه: مَن أدرك دون ذلك فإنه لم يدرك الصلاة.
ولا يصح قياس إدراك ما دون الركعة على إدراك الركعة؛ لأن إدراك الركعة أكبر من إدراك ما دون الركعة، والأَدْوَن لا يُقاس على الأعلى والأكبر، فلهذا نقول: إنه لا يدرك الجماعة على القول الراجح إلا بإدراك ركعة، ودليله هذا الحديث.
أما دليله من حيث القياس فنقول: إنكم تقولون: لو أدرك في الجمعة دون الركعة لزمه أن يُتِمَّها ظهرًا، حتى لو دخل في الجمعة قبل أن يُسَلِّم الإمام التسليمة الأولى فإنه لم يدرك الجمعة، وعليه أن يصلِّيها ظهرًا، فأي فرق بين الإدراكين؟ لا فرق في الواقع.
وعلى هذا فنقول: مَن لم يدرك ركعة مع الإمام فإنه لم يدرك الجماعة.
ينبني على هذا: لو أتيت إلى مسجد والإمام قد رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة، وأنت تعلم أنك ستدرك مسجدًا آخر من أول الصلاة، أو ستدرك ركعةً من المسجد الثاني، فإننا نقول لك: لا تدخل مع هذا الإمام؛ لأنك سوف تدرك جماعةً إدراكًا تامًّا في مسجد آخر.
أما على كلام المؤلف فنقول: ادخل مع الإمام؛ لأنك سوف تدرك الجماعة ما دُمْتَ أدركت تكبيرة الإحرام قبل سلام الإمام.
قال المؤلف: (وإن لحقه راكعًا دخل معه في الركعة وأجزأته التحريمة)، (إن لحقه) أي: لحق المأمومُ الإمامَ، (راكعًا) حال منين؟ من الضمير (الهاء) في قوله: (لحقه)، يعني: إن لحق الإمام راكعًا، حال كونه راكعًا، دخل معه في الركعة، ويكون قد أدرك الركعة؟ الجواب: نعم.

قال المؤلف: (وأجزأته التحريمة)، أي: تكبيرة الإحرام، عن أي شيء أجزأته؟ أجزأته عن تكبيرة الركوع، فيُكَبِّر مرةً واحدة وهو قائم، ثم يركع بدون تكبير، تجزئه تكبيرة الإحرام.
وذلك لأنهما عبادتان من جنس واحد اجتمعتا في آن واحد، فاكتُفِيَ بإحداهما عن الأخرى، هذا تعليل.
تعليل آخر: لأنه لو اشتغل بالتكبير للركوع فربما فاته الركوع، والمحافظة على الركوع أولى؛ لأن التكبير واجب للركوع، والركوع هو الأصل؛ لأنه ركن، فلهذا قالوا: إنه لا يجب عليه أن يُكَبِّر للركوع في هذه الحال.
ولكن مع ذلك نقول: إنه سنة وأفضل وأكمل؛ لأن المقام مقام احتياط؛ إذ إنه يمكن أن يقول قائل: ما دليلكم على سقوط تكبير الركوع؟ وقولكم: إنهما عبادتان من جنس اجتمعتا في آنٍ واحد، فيه نظر؛ لماذا؟ لأن تكبيرة الإحرام تكون حال القيام، وتكبيرة الركوع حال الْهوِيّ للركوع، فالمكان ليس واحدًا.
ولهذا كان القول الثاني في المسألة: أنه يجب أن يُكَبِّرَ للركوع، يجب وجوبًا، أما على المشهور فإن التكبير للركوع في هذه الحال يكون سنة.
ولكن هاهنا أمر يجب أن يُتَفَطَّن له، وهو أنه لا بد أن يُكَبِّر للإحرام قائمًا منتصبًا قبل أن يُهْوِي؛ لأنه لو أهوى في حال التكبير لكان قد أتى بالتكبيرة غير قائم، وتكبيرة الإحرام لا بد أن يكون فيها قائمًا.
وقول المؤلف: (وأجزأته التكبيرة)، لم يتكلم عن قراءة الفاتحة، وذلك لأن المؤلف -رحمه الله- يرى أنه لا قراءة على المأموم؛ ولهذا لو تعمد ترك قراءة الفاتحة فصلاته صحيحة، كما سيأتي في كلامه رحمه الله.
أما على القول الراجح من أنه يجب على المأموم أن يقرأ الفاتحة في كل ركعة، فإن الفاتحة هنا تسقط عنه بمقتضى الدليل والتعليل، الفاتحة هنا إذا أدرك الإمامَ راكعًا تسقط عنه بمقتضى الدليل والتعليل.

أما الدليل فهو ما رواه البخاري من حديث أبي بكرة رضي الله عنه أنه دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم راكعًا، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء تلك الركعة، فإنه جاء مسرعًا، وكَبَّرَ قبل أن يدخل في الصف وركع، ولما سَلَّم النبي صلى الله عليه وسلم سأل: مَن الفاعل؟ فقال أبو بكرة: أنا، فقال له: «زَادَكَ اللهُ حِرْصًا، وَلَا تَعُدْ» (4). وقد رُوِيَ هذا الحديث من طريق في غير الصحيحين، قال: خشيت أن تفوتني الركعة.
ولا شك أنه لم يستعجل إلا خوفًا من أن تفوته الركعة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «زَادَكَ اللهُ حِرْصًا، وَلَا تَعُدْ»، ولو كان لم يدرك الركعة في هذه الحال لأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقضي الركعة، فلما لم يأمره عُلِم أنها صحيحة، وأنها مُعْتَدٌّ بها؛ هذا من جهة الدليل من جهة التعليل: أن قراءة الفاتحة إنما تجب في حال القيام، والقيام هنا سقط ضرورةَ متابعة الإمام؛ لأنه لو قام يقرأ الفاتحة فاتت متابعة الإمام، فسقط عنه القيام، فلما سقط عنه القيام سقط عنه الذِّكْر الواجب في القيام، وهو قراءة الفاتحة.
وعلى هذ فنقول: في هذه الحال يجزئه إدراك الركوع، ويكون مُدْرِكًا للركعة.
قال المؤلف رحمه الله: (ولا قراءة على مأموم)، لا قراءة واجبة ولَّا مستحبة؟ واجبة، يعني: لا يجب على المأموم أن يقرأ مع الإمام، لا في صلاة السِّرّ، ولا في صلاة الجهر.
وعلى هذا فلو كَبَّر المأموم مع الإمام في أول ركعة، وسكت، حتى ركع الإمام، ثم تابع الإمام وقام للركعة الثانية، وسكت، حتى ركع الإمام، ثم في الثالثة والرابعة، قلنا له: إن صلاتك صحيحة؛ لأنه ليس على المأموم قراءة، لا فاتحة، ولا غير فاتحة.

ما الدليل؟ الدليل: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» (5)، وهذا عام يشمل الصلاة السرية والصلاة الجهرية، وهو نص في أن قراءة الإمام قراءة له؛ لأنه قال: «فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ».
ولكن هذا الحديث لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما قال ابن كثير في تفسيره -رحمه الله-، قال: رُوِيَ هذا الحديث من طرق لا يصح فيها شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: إنه ضعيف باتفاق الْحُفَّاظ، وإذا كان ضعيفًا سقط الاستدلال به؛ لأن من شرط صحة الاستدلال بالحديث، بل له شرطان، ما هو من شرط.
الشرط الأول: صحة الحديث إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، والشرط الثاني: صحة الدلالة على الحكم، فإن لم يصح عن الرسول عليه الصلاة والسلام فهو مرفوض، وإن صح ولم تصح الدلالة فهو كذلك مرفوض، هذا الحديث لا يصح.
ثم على تقدير صحته لا يدل على أن المأموم لا قراءة عليه في السرية والجهرية، إنما يدل على أنه لا قراءة عليه في الصلاة الجهرية؛ لأن قوله: «قِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» يدل على أن المأموم استمع إليها، فاكتفى بها عن قراءته، ولكن الحديث ضعيف، ولا يحل لنا أن نُثْبِت حُكْمًا في شريعة الله بدليل ضعيف؛ لأن هذا من القول على الله بما نعلم أنه لا يصح عن الله، ليس بلا علم، أشد من بلا علم، إذا أثبتنا حكمًا في حديث ضعيف فهذا أشد من القول على الله بلا علم؛ لأننا أثبتنا ما نعلم أنه لا يصح.
إذا كان كذلك ما هو القول الراجح في هذه المسألة؟

القول الراجح في هذه المسألة أن المأموم عليه قراءة الفاتحة ولا بد، وذلك لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (6)، و (من): اسم موصول، واسم الموصول يفيد العموم، «لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ»، أي إنسان لم يقرأ، سواء كان مأمومًا، أو إمامًا، أو منفردًا، «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ».
ولا يصح أن يُحْمَل هذا النفي على نفي الكمال، بدليل ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُّ صَلَاةٍ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ -أَوْ قَالَ: بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ- فَهِيَ خِدَاجٌ، فَهِيَ خِدَاجٌ، فَهِيَ خِدَاجٌ» (7)، والخداج هو الشيء الفاسد، وهذا يدل دلالة واضحة على أن المراد بالنفي نفي الصحة، وهو كذلك.
فإن قال قائل: هذا الحديث عام، ولدينا حديث عام أيضًا يعارضه، بل آية في القرآن تعارضه عامة، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: 204]، وقول النبي عليه الصلاة والسلام في الإمام: «إِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» (8)، وهذا عام، «إِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» يدل على عموم الإنصات، سواء عن الفاتحة أو غيرها؟ نقول: نعم، هذا صحيح، أنه عام في الفاتحة وغيرها؛ أن المأموم إذا قرأ الإمام فإنه يُنْصِت، ولكن هذا العموم مُقَيَّد بعموم: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ»، حيث قاله النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن انفتل من صلاة الفجر، حينما قرأ في صلاة الفجر وثَقُلَت عليه القراءة، فلما انصرف قال: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ؟ »، قالوا: إي والله، قال: «لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا» (9)، وهذا نص صريح في الصلاة الجهرية؛ لأن صلاة الفجر صلاة جهرية.

وعلى هذا فتكون قراءة الفاتحة مُسْتَثْنَاة من قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾؛ لأن هذا عام، والعام يدخله التخصيص، وكذلك من قول النبي عليه الصلاة والسلام: «وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا»، وهذا هو مشهور مذهب الإمام الشافعي رحمه الله.
قال ابن مُفْلِح تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية: وهو أظهر، يعني: هذا القول -وجوب قراءة الفاتحة على المأموم حتى في الصلاة الجهرية- هو أظهر، وصدق؛ فإنه أظهر من القول بعدم وجوب القراءة على المأموم مطلقًا، أو في الصلاة الجهرية، لأن هذه المسألة فيها ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه لا قراءة على المأموم مطلقًا، وأن المأموم لو يقف ساكتًا في كل الركعات فصلاته صحيحة، وهذا قول ضعيف جدًّا.
القول الثاني: وجوبها على المأموم في كل الصلوات السرية والجهرية، وهذا مقابل للقول الأول.
القول الثالث: أنها تجب على المأموم في الصلاة السرية دون الجهرية؛ لأن الجهرية إذا قرأ الإمام فقراءة الإمام قراءة لك، والدليل على أن قراءته قراءة لك أنك تُؤَمِّن على قراءته، إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7]، قلت: آمين.
ولولا أنها قراءة لك وأنت مُنْصِت لها ما صح أن تُؤَمِّن؛ ولأن الْمُؤَمِّن على الدعاء كفاعل الدعاء، بدليل أن موسى عليه الصلاة والسلام لما قال: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: 88، 89]، والداعي موسى بنص الآية، فكيف جاءت التثنية؟

قال العلماء: لأن موسى يدعو وهارون يُؤَمِّن، فنسب الله الدعوة إليهما، مع أن الداعي واحد، لكن لما كان الثاني مُنْصِتًا له مُؤَمِّنًا عليه صارت الدعوة دعوةً له.
وحينئذ نقول: إذا قرأ الإمام الفاتحة وأنت مُنْصِت له وأَمَّنْتَ عليه فكأنك قارئ لها، وحينئذ لا تجب القراءة على المأموم في الصلاة الجهرية إذا سمع قراءة الإمام للفاتحة.
وهذا القول اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، واستدل بعموم حديث أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم انصرف ذات يوم من صلاته، فقال: «مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ؟ إِنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِي الْقِرَاءَةَ» (10)، ثم قال: «لَا تَقْرَؤُوا فِيمَا جَهَرْتُ فِيهِ» (11)، فانتهى الناس عن القراءة فيما يجهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وهذا عام.
وقال أيضًا: إن المعنى يقتضي ذلك؛ إذ كيف نقول للمأموم: اقرأ، وإمامه يقرأ؟ يكون جهر الإمام في هذه الحال عبثًا لا فائدة منه؛ لأن الفائدة من جهر الإمام هو أن يستمع المأموم إليه ويتابعه، وتتحقق المتابعة التامة، ولا شك أن هذا القول له وجهة نظر قوية، ولكن إذا جاء نهر الله بطل نهر مَعْقِل -كما يقول المثل- إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام انصرف من صلاة الفجر، وهي صلاة جهرية، ونهاهم أن يقرؤوا خلف الإمام إلا بأم القرآن، فلا قول لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإلَّا لا شك أن القول الذي فيه التفصيل له وجهة نظر قوية من حيث الدليل النظري، لكن لا يستطيع الإنسان أن يقول بخلاف ما دل عليه الحديث -حديث عبادة بن الصامت- ويتهم الإنسان رأيه في التصرف في الأدلة.
وعلى هذا فالقول الراجح في هذه المسألة: وجوب قراءة الفاتحة على المأموم في الصلاة السرية والجهرية، ولا تسقط إلا إذا أدرك الإمامَ راكعًا، أو أدركه قائمًا، ولم يدرك أن يُكَمِّل الفاتحة حتى ركع الإمام، ففي هذه الحال تسقط عنه.
يقول: (ولا قراءة على مأموم إلا تبعًا لإمامه).

هنا مسألة ما ذكرها الْمَاتِن، وهي أنه إذا أدرك الإمام راكعًا فإن الْمَاتِن صرَّح بأنه يُكَبِّر للإحرام، وتجزئه عن تكبيرة الركوع، وأنه لو كَبَّر للركوع لكان أفضل، لكن إذا أدركه في غير الركوع، مثل أن يدرك الإمام وهو جالس، أو يدركه بعد الرفع من الركوع، أو يدركه وهو ساجد، فهنا يُكَبِّر للإحرام لا إشكال، ولَّا لا؟ لكن هل يُكَبِّر مرةً ثانية إذا أدرك الإمام جالسًا وانحط معه أو لا يكبر؟ فاهمين الصورة إزاي ولَّا لا؟ طلبة: إي نعم.
الشيخ: جئت والإمام جالس بين السجدتين أو للتشهد، فكبَّرت للإحرام قائمًا، فهل تنحط بتكبير أو بدون تكبير؟ طلبة: بتكبير.
طلبة آخرون: بدون تكبير.
الشيخ: هذا موضع خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: إنك تنحط بلا تكبير، ومنهم من قال: إنك تنحط بتكبير.
فالذين قالوا: إنك تنحط بتكبير، قالوا: إن هذا كما لو أدركت الركوع، ألستَ إذا أدركت الركوع تُكَبِّر مرةً للإحرام ومرةً للركوع؟ إذن إذا أدركته جالسًا فكَبِّر للإحرام، ثم كَبِّر للجلوس.
هذا قول.
القول الثاني يقول: لا تُكَبِّر، اجلس بلا تكبير، وحينئذ يحتاج إلى بيان الفرق بين هذا، وبين مَن أدرك الركوع.
يقول: الفرق لأن انتقالك من القيام إلى الركوع انتقال في موضعه؛ لأن الإنسان ينتقل من الركوع متى؟ من القيام، فالآن أنت قائم، ثم إذا أردت تركع تبغي تُكَبِّر، لكن دخولك مع الإمام وهو جالس إذا كبَّرت للإحرام، هل انتقالك من هذا القيام إلى الجلوس انتقال إلى ركن يليه أو إلى ركن لا يليه؟ الطلبة: لا يليه؟ الشيخ: إلى ركن لا يليه، معلوم، قال: لما كان هذا انتقالًا إلى ركن لا يليه فلا تكبير هنا؛ لأن التكبير إنما يكون بالانتقال من ركن إلى الركن الذي يليه، وهنا الركن لا يليه، فلا يكبِّر، وهذا هو المشهور عند الفقهاء رحمهم الله؛ أنه ينحط بلا تكبير؛ لأن هذا الركن الذي انحط إليه لا يَلِي الركن الذي انتقل منه، فلا يُشْرَع التكبير حينئذ.

ولكن مع هذا نقول: لو كَبَّر الإنسان فلا حرج، وإن ترك فلا حرج، ونجعل الخيار للإنسان؛ لأنه ليس هناك دليل واضح للتفريق بين الركوع وغيره؛ إذ من الجائز أن يقول قائل: نعم، القعود لا يلي القيام، لكن الذي جعلني أقعد اتباعًا للإمام، فأنا الآن انتقلت إلى ركن مأمور بالانتقال إليه، ولكن تبعًا للإمام، لا باعتبار الأصل، وهذا لا شك أنه يؤيِّد القول بأنه يُكَبِّر.
فالذي نرى في هذه المسألة أنه إن انحط بتكبير فإنه لا يلام، وإن لم يكبِّر فلا حرج.
قال المؤلف رحمه الله: (ويُسْتَحَبُّ في إسرار إمامه وسكوته)، (يستحب) أيش اللِّي يُسْتَحَب؟ القراءة؛ قراءة الفاتحة وغيرها، (في إسرار إمامه)؛ وهذا في الصلاة السرية، (وفي سكوته)؛ وهذا في الصلاة الجهرية.
وما هي السكتات؟ السكتات: قبل الفاتحة في الركعة الأولى، وبينها وبين قراءة السورة في الركعة الأولى والثانية، وقبل الركوع قليلًا في الركعة الأولى والثانية، فإذا سكت الإمام في هذه المواضع فإنه يقرأ استحبابًا لا وجوبًا، وإذا قرأ لعارض، مثل: أن يُصَاب بسعال أو عطاس، هل يقرأ؟ نعم يقرأ؛ لأن الإمام الآن ليس يقرأ.
لكن إنما قال: في إسرار إمامه وسكوته، بناءً على الغالب، وقد يقال: إن قوله: (وسكوته) يشمل ما إذا سكت اختيارًا أو اضطرارًا لعارض.
قال: (وإذا لم يسمعه لبعد لا لطرش)، (وإذا لم يسمعه)، يعني: ويستحب أيضًا أن يقرأ إذا لم يسمع الإمامَ لبعد، مثل أن يكون المسجد كبيرًا، وليس هناك مُكَبِّر صوت، فيقرأ المأموم إذا لم يسمع قراءة الإمام، حتى غير الفاتحة؟ نعم، حتى غير الفاتحة، ولا يسكت؛ لأنه ليس في الصلاة سكوت.
قال: (لا لطرش)، الطرش: الصمم، يعني: لا إن كان لا يسمع الإمام لصمم؛ لأنه إذا قرأ لصمم أَشْغَلَ الذي حوله عن استماعه لقراءة إمامه، أما إذا كان لبُعد فإن جميع المصلِّين سوف يقرؤون، ولا يحصل به التشويش.

ثم إن الغالب أن الذي لا يسمعه لطرش أنه يرفع صوته؛ لأن المعروف أن الأصم يرفع صوته، فإذا قرأ في هذه الحال ورفع صوته شَوَّشَ على المصلين.
إذا لم يسمعه لضجَّة، كما لو كان حول المسجد وُرَش تشتغل، فهل يقرأ أو لا يقرأ؟ يقرأ؛ لأن هذا المانع من السماع عام، ليس خاصًّا به، فهو كما لو كان المانع البُعْد.
إذن إذا لم يسمعه لبعد يقرأ؛ لأن كل المصلين سيقرؤون، إذالم يسمعه لسبب عام كضجَّة ونحوها، فكذلك يقرأ؛ لأن هذا العذر عام للجميع.
إذا لم يسمع الإمام لمانع خاص فيه، وهو الصمم، فإنه لا يقرأ، اللهم إلا لو قُدِّر ولا حول ولا قوة إلا بالله أن كل المأمومين طُرْش، فحينئذ يقرأ ولَّا لا؟ يقرأ؛ لأنه في هذه الحال لن يُشَوِّش على أحد.
قال: (ويَسْتَفْتِح ويتَعَوَّذ فيما يجهر فيه إمامه).
طالب: ويستعيذ.
الشيخ: عندي (ويتعوَّذ)، المعنى واحد.
(يستفتح ويتعوَّذ فيما يجهر فيه إمامه)، يعني أن المأموم يقرأ الاستفتاح، ويقرأ التعوُّذ فيما يجهر فيه الإمام، وظاهر كلامه -رحمه الله- أنه يفعل ذلك وإن كان يسمع قراءة الإمام، وهذا اختيار بعض أهل العلم؛ أن المأموم يستفتح ويتعوَّذ ولو كان الإمام يجهر في قراءته، قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن القراءة فيما يجهر فيه إلا بأم القرآن، والاستفتاح ليس بقراءة، والتعوذ ليس بقراءة، وحينئذ يَسْتَفْتِح ويتعوَّذ فيما يجهر فيه الإمام.

جارٍ التحميل