الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 1762-1801

فالصحيح في هذه المسألة: أنه لا بد من حضور المسجد، ويجاب عن حديث الرجلين بأنه من المشتبِه، والواجب حملُه على المحكم الذي لا اشتباه فيه.
كم استثنى المؤلف مما يجوز في أوقات النهي؟ طالب: ثلاث.
الشيخ: ثلاث: قضاء الفرائض فيها، فعل ركعتي الطواف، إعادة الجماعة.
ثم قال: (ويحرم تطوع بغيرها) إلى آخره.
فيه أيضًا مستثنى غير هذا على المذهب؛ وهي سُنة الظهر التي بعدها إذا جُمعت مع العصر، مثل: رجل مريض يجمع الظهر والعصر، فصلى الظهر والعصر، فقد دخل وقت النهي في حقه، حتى وإن كان لم يُؤذن أذان العصر؛ يعني لو فُرض رجل جمع العصر مع الظهر جمْع تقديم، فقد دخل وقت النهي في حقه؛ لأن النهي معلق بماذا؟ بالصلاة، في هذه الحال لم يُصلِّ راتبة الظهر البعدية؛ نقول: لا بأس أن تصليها بعد العصر.
هذه أربعة.
الخامس: من دخل يوم الجمعة والإمام يخطب؛ فإنه يصلي ركعتين خفيفتين؛ ودليل ذلك: أن رجلًا دخل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فجلس، فقال له: «أَصَلَّيْتَ؟ ». قال: لا.
قال: «قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» (5). فلو فُرض أن الإمام جاء قبل أن تزول الشمس، والجمعة يجوز أن يحضر الإمام فيها قبل الزوال، وشرع في الخطبة عند قيام الشمس وقبل أن تزول؛ يعني: في وقت النهي، ودخل رجل، ففي هذه الحال نقول: صلِّ تحية المسجد ولو في وقت النهي، والدليل: هذا الحديث الذي ذكرناه، فهذه خمس مسائل.
السادسة: صلاة الجنازة تُفعل في أوقات النهي؛ يعني: لو صلّينا العصر، وحضرت جنازة، فإننا نصلي عليها؛ هذه ست مسائل تجوز في أوقات النهي، وعرفتم الدليل في قضاء الفرائض، والدليل في ركعتي الطواف، والدليل في إعادة الجماعة، والدليل فيمن دخل والإمام يخطب.

أما من جَمَعَ الظهر والعصر، فدليله هو أن سُنَّة الظهر التي بعدها سُنَّة راتبة، ولا يمكن أن يفصل بين الظهر والعصر بها؛ لأن الجمع لا بد فيه من التوالي، فلا يمكن الجمع بدون توالي، فصار جوازها بعد صلاة العصر جواز ضرورة، وأما صلاة الجنازة فلعموم الأدلة في وجوب الصلاة على الميت، وفي أنه ينبغي الإسراع في دفنه.
يقول المؤلف رحمه الله: (ويحرم تطوع بغيرها في شيء من الأوقات الخمسة).
الأوقات الخمسة عرفتموها أنها بالبسط خمسة على المذهب، الآن نعدها على المذهب من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، من طلوعها حتى ترتفع قيد رمح عند قيامها حتى تزول من صلاة العصر حتى تشرع في الغروب إذا شرعت فيه حتى يتم.
يقول المؤلف: (ويحرم تطوع بغيرها) أي: بغير المتقدمات من إعادة الجماعة، وركعتي الطواف، وتحية المسجد لمن دخل والإمام يخطب.
(حتى ما له سبب) يعني: لا يجوز التطوُّع في هذه الأوقات حتى الذي له سبب؛ وذلك لعموم الأدلة في أنه «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» (6)، وحديث عقبة بن عامر: أن نُصلِّي فِيهنَّ (7)، وما أشبه ذلك.
قالوا: فالعموم مُقدَّم على العموم الثاني؛ لأن الذي له سبب في الواقع تعارض مع أحاديث النهي حيث كان كل منهما عامًّا من وجه، خاصًّا من وجه، ولنأخذ مثلًا: تحية المسجد، فيها قوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» (8). هذا فيه عموم في الوقت، مستفاد من قوله: «إِذَا دَخَلَ»؛ لأن (إذا) شرطية ظرفية؛ يعني في أي وقت يدخل المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين، هذا العموم.
فيه خصوص؛ وهو أن هذه الصلاة المأمور بها على سبيل العموم صلاة مخصوصة، وهي تحية المسجد؛ ففيه عموم وفيه خصوص.

«لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ» (9)، فيه عموم، وفيه خصوص؛ العموم في الصلاة في قوله: «لَا صَلَاةَ»، العموم لا تحية مسجد ولا غيرها، لا صلاة، الخصوص: الزمن «بَعْدَ الْعَصْرِ»، فصار عموم الزمن في قوله: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ».
مخصوصًا بخصوص الزمن في قوله: «بَعْدَ الْعَصْرِ»، وصار عموم: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ» يتعارض مع خصوص تحية المسجد؛ فلهذا صار بينهما عموم وخصوص؛ فإذا دخل إنسان المسجد إن قلت له: صلِّ خالفت النهي، ووافقت الأمر، وإن قلت: لا تُصلِّ وافقت النهي وخالفت الأمر، إذن ماذا؟ هل أوافق الأمر أو أوافق النهي؟ يقول المؤلف: وافق النهي؛ يعني معناه انتهِ لا تخالف النهي فلا تُصلِّ.
عِلّتهم في ذلك يقولون: إنه اجتمع مُبيح وحاظِر، أو اجتمع أمر ونهي؛ فالاحتياط التجنب خوفًا من الوقوع في النهي، كما قالوا: إذا اجتمع مُبيح وحاظر قُدِّم الحاظر؛ فلذلك نمنع ونقتصر على ما ورد به النص من إعادة الجماعة وركعتي الطواف وما أشبهها.
وذهب بعض أهل العلم إلى ترجيح الأمر الخاص، وعلَّلوا ذلك بأنه تعارَض عامَّان وخاصَّان؛ والعام في النهي مخصوص بمسائل مُتفق عليها.

ما هو العام في النهي؟ «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ» (10)، مخصوص بمسائل متفق عليها، وهي قضاء الفرائض؛ متفق عليها، إعادة الجماعة؛ متفق عليها، ركعتا الطواف متفق عليها، ركعتا تحية المسجد لمن دخل والإمام يخطب يوم الجمعة؛ متفق عليها، فلما كان هذا العموم مخصوصًا بمسائل متفق عليها؛ صارت دلالته على العموم ضعيفة؛ لأنه صار عمومًا مُخرَّقًا؛ يعني مستثنى فيه أشياء متفق عليها، فضعف عمومه؛ حتى إن بعض العلماء من الأصوليين قال: إن العام إذا خُصّ بطلت دلالته على العموم نهائيًّا؛ لأن تخصيصه يدل على عدم إرادة العموم، وإذا بطل عمومه لم يكن معارِضًا للأحاديث الدالة على فعل هذه الصلوات التي لها سبب.
ولهذا نقول: إن القول الصحيح في هذه المسألة: أن ما له سبب يجوز في أوقات النهي كلها، الطويلة والقصيرة؛ لأن عمومه محفوظ، هذا واحد، والعموم المحفوظ أقوى من العموم المخصوص؛ لأن معنى محفوظ أنه لم يُخصَّص، فهذا العموم المحفوظ أقوى من العموم المخصوص.
ثانيًا: أن نقول: ما الفرق بين العموم في قوله: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (11). وقوله: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» (8)؟ فإذا قلتم: إن قوله: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا» عام في الزمن فليكن قوله: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ» عامًّا في الزمن ولا فرق؛ فإن قوله: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» خاص في الصلاة عام في الزمن.

كذلك «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» خاص في الصلاة، عام في الزمن، فكيف تأخذون بعموم: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا»، وتقولون: إنه مخصص لعموم: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ» أو «بَعْدَ الْعَصْرِ» ولا تأخذون بعموم: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ»؟ فالصحيح أن ما له سبب يُفعل في أوقات النهي للأوجه الآتية: أولًا: أن عمومها محفوظ؛ والعموم المحفوظ أقوى من العموم المخصوص.
ثانيًا: أنها مقرونة بسبب، فيبعد أن يقع فيها الاشتباه في مشابهة المشركين؛ لأن النهي عن الصلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها؛ لئلَّا يتشبه المصلي بالمشركين الذين يُصلُّون لها -أي للشمس- إذا طلعت وإذا غربت، فإذا أُحِيلت الصلاة على سبب معلوم كانت المشابهة بعيدةً أو غير بعيدة؟ بعيدة؛ لأن أي واحد يقول: ليش أصلي الآن؟ قال: لأنه دخل المسجد مثلًا؛ لأنه توضأ، والوضوء يسن عقبه الصلاة.
ثالثًا: أنه في بعض ألفاظ أحاديث النهي: «لَا تَتَحَرَّوُا الصَّلَاةَ» (12)، والذي يصلي لسبب هل يقال: إنه متحرٍّ للصلاة عند طلوع الشمس وغروبها؟ لا، ما يقال إنه متحرٍّ، بل يقال: صلَّى لسبب.
المتحرّي: هو الذي يرقب الشمس، فإذا قاربت الطلوع مثلًا قام وصلَّى، أو الذي يرقُب وقت النهي، فإذا جاء وقت النهي قام فصلى؛ فلهذه الوجوه الثلاثة كان القول الراجح أن ما له سبب يجوز أن يُصلَّى في أوقات النهي، وهذا مذهب الشافعي، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وشيخنا عبد الرحمن بن سعدي، وشيخنا عبد العزيز بن باز، وهو الراجح، المهم أن الأدلة تؤيد هذا القول.

وعلى هذا؛ فإذا دخلت المسجد لصلاة المغرب قبل الغروب بربع ساعة هل تجلس أو تُصلِّي؟ تُصلِّي ولا حرج، بل لو جلست لكنت واقعًا في نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن الجلوس لمن دخل المسجد حتى يصلي ركعتين.
وقول المؤلف: (حتى ما له سبب) إشارة إلى أي شيء؟ إلى الخلاف في هذه المسألة، مع أن الخلاف قوي، وقد ذكر بعض المتأخرين أنهم إذا قالوا: (ولو كذا) فالخلاف قوي، وإذا قالوا: (وإن كان كذا) فالخلاف أضعف؛ يعني قوي، ولكنه أضعف، وإذا قالوا: (حتى) فالخلاف ضعيف.
ولكن الخلاف في هذه المسألة قوي جدًّا، لا من حيث الدليل، ولا من حيث المخالفين.
ما تقولون في رجل توضأ بعد صلاة العصر؟ هل يصلي سُنّة الوضوء أو لا يُصلي؟ طلبة: يصلي.
الشيخ: لا، إن قلتم: يُصلِّي؛ فخطأ، وإن قلتم: لا يصلي؛ فخطأ، إن توضأ ليصلي؛ فلا يجوز؛ لأنه تعمَّد الصلاة في أوقات النهي، وإن توضأ للطهارة؛ فحينئذ يُصلي على القول بأنه يجوز أن يصلي النافلة التي لها سبب في أوقات النهي، أما على رأي من يقول: إنه لا يُصلَّى من النوافل إلا ما خصَّصوها، فلا يجوز.
لو أن رجلًا تقدم إلى صلاة المغرب يوم الجمعة في آخر النهار من أجل أن يصلي تحية المسجد حتى يشمله الحديث: «إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً، لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ» (13)، فهل نقول: إن هذا حرام، أو نقول: إن هذا جائز؟ طالب: الأول.
الشيخ: نقول: إن قصد المسجد ليصلي؛ فهذا حرام، كما قلنا: لو توضأ ليصلي، وإن قصد المسجد من أجل التقدم لصلاة المغرب، ثم لما دخل قام يُصلي ركعتين من أجل أنه دخل المسجد؛ فهذا لا بأس به، حتى وإن كان لا يتقدم إلا يوم الجمعة؛ فإنه لا بأس به.
إذن هناك فرق بين من يتوضأ ليصلي، وبين من يتوضأ لا للصلاة، ولكن قلنا له: إذا توضأت فصلِّ، أليس كذلك؟ ثم قال المؤلف رحمه الله: باب صلاة الجماعة.

طالب: السلام عليك يا شيخ، ما نجاوب عن حديث الرجلين بمنى، نقول مثلًا: الصلاة في منى ما تُشرع في المسجد؛ يعني يجوز الصلاة في الراحلة أصلًا.
الشيخ: المسجد مبني؟ الطالب: في منى يا شيخ.
الشيخ: إي.
الطالب: الآن المشروع يا شيخ في منى الصلاة كيف تكون؟ الشيخ: المشروع في منى أنه إذا لم يشق أن يُصلوا في المسجد، لكن لا شك أن الصلاة في المسجد فيها صعوبة الآن، ولا حصل لك أيضًا، لو تروح ما حصل لك إلا في السوق الذي حول المسجد، وكله ملوَّث بنجاسات.
طالب: يُنكر يا شيخ على من لم يصلِّ سنة تحية المسجد بعد العصر؟ الشيخ: لا، ما ينكر؛ لأن بعض العلماء يقولون: ما تصلى، والمسائل الخلافية لا تنكر، لكن لا بأس أن تناقشه إذا كان أهلًا للنقاش، أما إذا كان مُقلِّدًا، إذا كلمته قال: ما أنت بأعرف من فلان، فهذا ما يمكن تقول له.
طالب: تحية المسجد في مُصلَّى العيد؟ الشيخ: نعم، مُصلَّى العيد يُصلَّى فيه تحية المسجد؛ لأنه مسجد؛ ولهذا منع النبي عليه الصلاة والسلام الْحُيِّض منه، ولا تمنع المرأة الحائض إلا من مسجد.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أَتَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ ». قال: نعم.
قال: «فَأَجِبْ» (14)، فهل هذا يحمل على النداء الذي بدون ميكرفون؟ الشيخ: هو الظاهر؛ لأننا لو اعتبرنا النداء بالميكرفون كان ما شاء الله يصل أقصى البلد.
الطالب: فلو أنكرنا على واحد (... )، ولكن يسمعه ولو بالميكرفون يجوز له أن يصلي في بيته؟ الشيخ: ما يجوز إلا إذا كان فيه مشقة؛ لأن قول الرسول: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ » معناه أنك لما سمعت النداء أجب؛ ولهذا لو فُرض أنك ما تسمع لطرش؛ يعني لصمم وجب عليك، ثم لو قلنا بهذا كان حصل فيه تلاعب؛ لأنه إذا كان الهواء من جهتك سمتعه يصير الفجر حيث إن الهواء شمال وأنت جنوب عن المسجد يجب عليك حضور الجماعة، والظهر لما كان الهواء جنوب وأنت جنوب عن المسجد ما تسمع نقول: ما تجب عليك؟ !

طالب: كيف نحملها على أنه.. ؟ الشيخ: يعني معناه ما كان يسمعه لولا المانع وجب عليه.
طالب: شيخ، بالنسبة للأمر في قوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» (8). الشيخ: النهي، هذا ما هو أمر، هذا نهي.
طالب: لا الأمر بالصلاة بس يا شيخ.
الشيخ: ولا أمر بالصلاة.
طالب: النهي عن عدم الجلوس قبل الصلاة، ما نوعه؟ يعني يجب أن الواحد يصلي ولَّا؟ الشيخ: هذا فيه خلاف بين العلماء؛ هل تحية المسجد واجبة أو لا؟ فمنهم من قال: إنها واجبة، واستدل بما ذكرت بالنهي؛ والأصل في النهي التحريم، واستدل بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ» (15)، فأمره أن يصلي ركعتين مع أنه يجب عليه الإنصات لسماع الخطبة، قالوا: ولا يمكن أن يُؤمر بشيء يتضمن ترك واجب إلا وهو واجب.
والحقيقة أن القول بوجوب تحية المسجد قول قوي جدًّا، وأنه يُخشى على من لم يُصلِّ تحية المسجد أن يكون آثمًا، لكن هناك أدلة قد يكون ظاهرها عدم الوجوب، مثل: دخول الرسول عليه الصلاة والسلام يوم الجمعة المسجد، فيشرع في الخطبتين ويجلس بينهما دون صلاة، وإن كان هذا قد يقال: إن الخطبة تابِعة لصلاة الجمعة، وفيه أيضًا أن كعب بن مالك لما دخل المسجد بعد أن تاب الله عليه لم يُصلِّ ركعتين، وأقرَّه النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك، وتعلمون أن قصة كعب بن مالك متأخرة في السنة التاسعة، وفيه أيضًا قصة الثلاث رجال الذين دخلوا والنبي عليه الصلاة والسلام جالس في أصحابه، فبعضهم جلس في الحلقة، وبعضهم استحيا وجلس خلفها، والثالث انصرف، وظاهره أنهم لم يصلوا، ولم يأمرهم النبي عليه الصلاة والسلام (16). المهم أن فيه أحاديث قد تمنع الإنسان من الجزم بوجوب تحية المسجد، لكن لا شك أن الذي يتركها على خطر، أما صلاة الكسوف؛ فالصحيح أنها واجبة، وأنه لو كسفت الشمس بعد صلاة العصر فإنها تُصلّى الكسوف.

طالب: هل يؤمر يا شيخ أن يصليها.. ؟ الشيخ: مَنْ؟ الطالب: مَنْ دخل المسجد ولم يُصلِّ؟ الشيخ: إي نعم، إذا كان جاهلًا يُرشد، لكن ننكر عليه، نقول: يا فلان، أنت أخطأت؛ ما ننكر عليه، نرشده.
طالب: شيخ، فيه بعض الناس بالنسبة عندهم شبهة بالنسبة للجلوس وتحية المسجد والوقوف؛ يعني مثلًا أحد الطلاب رأيناه لا يتخذ مثلًا في وقت النهي؛ مثلًا صلاة الفجر، أو بعد المغرب؟ الشيخ: بعد المغرب ما فيه نهي! طالب: يعني قبل المغرب؛ يعني يقرأ ما يصلي تحية المسجد، إذا سألناه يقول: أنا ما جلست.. الشيخ: إي، ويش تقولون في هذا؟ يعني يقول: ما يجلس، يقف، ولَّا يبقى يتردد في المسجد، ويقول: أنا ما جلست، نقول: هذا ظاهريّ ظاهريّ، فلا يجلس، الْمُكث في المسجد نوع من الجلوس؛ ولهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام الحائض أن تطوف بالبيت مع أنها ما جلست فجعله مُكثًا مع الدوران مِن باب إضافة؟ طالب: من باب إضافة الشيء إلى سببه.
الشيخ: إلى سببه؛ يعني باب الصلاة التي سببها التطوع.
طالب: من باب إضافة الشيء إلى نوعه.
الشيخ: من باب إضافة الشيء إلى نوعه.
طالب: وأن الصلاة تجوز.
الشيخ: نعم، طيب ما هي الحكمة من صلاة التطوع؟ طالب: حكمتان؛ أولًا: ليزيد بها إيمان العبد.
ثانيًا: لتكون تكملة لما نقص من الفرائض.
الشيخ: نعم، زيادة الإيمان والعمل الصالح، وتكميل ما نقص من الفرائض، وهكذا جميع التطوعات.

المؤلف رتَّب صلاة التطوع بناءً على أيش؟ طالب: بناءً على آكدها.
الشيخ: إي نعم، معلوم هي مرتبة على الآكدية، لكن على أي شيء من الآكدية؟ طالب: على أنها تفعل في جماعة.
الشيخ: نعم، رتَّب الآكدية على فِعلها في جماعة، فما كان يُفعل في جماعة فهو أَوْكد من غيره.
آكد صلاة التطوع؟ طالب: آكدها كسوف، ثم استسقاء، ثم تراويح، ثم وتر.
الشيخ: تمام.
الوتر له صفات؟ طالب: أما الوتر فركعة واحدة، أو بثلاث يفصل بينهما بسلام أو جلوس.

الشيخ: يعني يُسلِّم من ركعتين، ويجوز السرد؟ طالب: ويجوز السرد.
الشيخ: ويجوز السرد، طيب.
طالب: ويُوتر بخمس أو سبع سردًا.
الشيخ: سردًا، لا يتشهد إلا في آخرها، تمام.
الطالب: يتشهد في الثامنة ويُسلِّم ويأتي بواحدة.
الشيخ: يتشهد؟ الطالب: يتشهد ولا يُسلِّم، ويأتي بالتاسعة ويُسلِّم.
الشيخ: ويأتي بالتاسعة ويُسلِّم.
القنوت في غير الوتر، حكمه؟ طالب: حكمه إن كان نزل في المسلمين نازلة فيقول المؤلف: إنه (... ) إن نزل، أما في غير النازِلة فلا يجوز.
الشيخ: فلا يقنت، لكن ما حكمه؟ الطالب: ما حكمه؟ كيف؟ الشيخ: في غير النازلة؟ الطالب: في غير النازلة مكروه.
الشيخ: مكروه إي نعم، وهو الحق، على قول المؤلف هو الحق.
هل يُستثنى من النوازل شيء؟ طالب: نعم.
الشيخ: ما هو؟ الطالب: قال المؤلف: (في غير الطاعون).
الشيخ: الطاعون، لماذا؟ الطالب: لأن من يموت في الطاعون يكون شهيدًا، ولا ينبغي أن يدعو برفع شيء يكون سببًا لشهادته.
الشيخ: أحسنت، علَّلوا ذلك بأن الطاعون شهادة كما جاء به الخبر، ولا ينبغي أن يقنت في رفع شيء يكون سببًا للشهادة.
مَن الذي يُسنّ له القنوت في النوازل؟ طالب: الإمام الأكبر.
الشيخ: الإمام الأعظم؛ يعني الرئيس الأعلى في الدولة هو الذي يُسنّ له أن يقنت، أما من سواه؟ الطالب: من سِواه فقد اختُلف فيه.
الشيخ: فقد اختُلف فيه، والمؤلف يرى؟ الطالب: أنه في حق الإمام الأعظم.
الشيخ: ومن سِواه لا يقنت.
ما هي العِلَّة في أنه لا يقنت في النوازل إلا الإمام الأعظم؛ يعني بقية المساجد ما تقنت؟ الطالب: أن ذلك هو (... ). الشيخ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت، ولم يُنقل أن غيره من المساجد قنتوا، هذه واحدة، هذا دليل.
طالب: الثاني: أنه لو قنت مثلًا مسجد فلان، وبقي مسجد فلان لقالوا: فلان كاره له، وفلان محب له، (... ). الشيخ: لكن (... ) ما نقول: كلهم يقنتون.
طالب: إذا جاء أمر (... ).

طالب آخر: أن يجتمعوا يا شيخ في مسجد واحد.
الشيخ: لا، ما هو مشروع الاجتماع.
طالب: لأن السلطان له الولاية العامة.
الشيخ: فهو المعنيّ بشؤون المسلمين، وهذه نازِلة عامة في المسلمين فيقنت الإمام؛ ولهذا لو نزل بالإنسان نفسه نازلة، مثل هلك ماله أو ولده أو ما أشبه ذلك لا يسن له أن يقنت.
فيقولون: ما دامت النازِلة عامة فالمعنيّ بشؤون المسلمين هو الإمام، فيكون طلب القنوت موجهًا إليه.
التراويح كم عددها؟ طالب: إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعة، وقد تزيد.
الشيخ: أحسنت، والمؤلف ويش يرى؟ طالب: إحدى عشرة.
الشيخ: طيب.
طالب: المؤلف يرى أنها ثلاث وعشرون ركعة، التراويح ثلاث وعشرون ركعة.
الشيخ: مع الوتر ثلاث تكون ثلاثًا وعشرين، هذا الذي يراه المؤلف، والصحيح ما أجاب به الأخ أن التراويح إحدى عشرة أو ثلاث عشرة ركعة.


[باب صلاة الجماعة] الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب صلاة الجماعة تلزم الرجال للصلوات الخمس لا شرط، وله فعلها في بيته، وتستحب صلاة أهل الثغر في مسجد واحد).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب صلاة الجماعة) الظاهر أن هذا من باب إضافة الموصوف إلى صفته؛ يعني باب الصلاة التي تُجمع وتفعل جماعة.
صلاة الجماعة مشروعة بإجماع المسلمين، وهي من أفضل العبادات، وأجلّ الطاعات، ولم يخالف فيها إلا الرافضة الذين قالوا: إنه لا جماعة إلا خلف إمام معصوم؛ ولهذا لا يُصلّون جمعةً ولا جماعةً، قال فيهم شيخ الإسلام رحمه الله: إنهم خربوا المساجد، أو هجروا المساجد، وعمروا المشاهد.

يعني: القبور؛ فهم لا يرون الجماعة، وإلا فإن المسلمين جميعًا اتفقوا على مشروعيتها، ولم يقل أحد بأنها غير مشروعة، ولا بأنها جائزة، ولا بأنها مكروهة، لكن اختلفوا في فرضيتها، هل هي فرض عيْن، أو فرض كفاية، أو سُنة مؤكدة؟ وهي واجبة كما سنذكره.
قال المؤلف: (تلزم الرجال) اللزوم: الثبوت، لزوم الشيء؛ يعني: ثبوته، وشيء لازم، أي: ثابت لا بد منه، والفقهاء -رحمهم الله- تارةً يُعبّرون بـ (تلزم)، وتارة يُعبِّرون بـ (تجب)، وتارة يُعبّرون بـ (فرض)، وما أشبه ذلك، وكلها عبارات مختلفة اللفظ متفقة المعنى، واللفظ المختلف مع اتفاق المعنى يُسمى عند علماء اللغة مترادفًا.
قال المؤلف: (تلزم الرجال) (تلزم) هذا وصف، و (الرجال) وصف، فنبدأ أولًا بذكر دليل الحكم الذي هو اللزوم؛ لأن تلزم؛ يعني ليست سنة، بل هي واجبة، ودليل وجوبها من كتاب الله وسُنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ففي القرآن قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: 102] ﴿فَلْتَقُمْ﴾، واللام للأمر، والأصل في الأمر الوجوب.
﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾، ويؤكد أن الأمر للوجوب هنا أنه أُمِر بها مع الخوف مع أن الغالب أن الناس إذا كانوا في خوف يكونون متشوشين، يحبون أن يبقى أكثر الناس يرقب العدو.
﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ معهم حتى لا يفجأهم العدو، وظاهر الآية أنه لا فرق بين السلاح الخفيف والثقيل، والطاهر والنجس، كما لو كانت السيوف متلوِّثة بالدماء، وقد رخص العلماء -رحمهم الله- هنا في حمل السلاح النجس للضرورة.
﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ سجدوا بمعنى أتموا صلاتهم.

﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا﴾ يعني: لم يصلوا مع الأولى ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾، الطائفة الثانية أُمِروا بأمرين؛ بأخذ الحذر والسلاح، والأولى بأمر واحد؛ وهو أخذ السلاح، والسبب ظاهر؛ لأن الطائفة الثانية ربما تكون صلاتهم في وقت تَفطَّن العدو لهم، وعرف أن نصف الجند مشتغلون بالصلاة، فيكون توقع هجومه أقرب من توقُّع هجومه في الطائفة الأولى؛ ولهذا قال: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾، فهنا أمر الله عز وجل بصلاة الجماعة، وتفريق الجند إلى طائفتين، فيُستفاد منه أن صلاة الجماعة فرض عين.
وجه ذلك أنها لو كانت فرض كفاية لسقط الفرض بصلاة الطائفة الأولى؛ إذن فهي فرض عين، يؤخذ من هذه الآية الكريمة أنها فرض، وفرض عين.

أما الأحاديث -يعني السنة- فكثيرة؛ منها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ؛ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ» (17). فقد هَمَّ بذلك؛ لكنه لم يفعل، ولم يمنعه من الفعل؛ لأن الصلاة ليست بواجبة؛ إذ لو كانت غير واجبة ما صح أن ينطق بهذا اللفظ، لو كانت غير واجبة لكان هذا الكلام لغوًا لا فائدة منه، لكن الذي منعه -والعلم عند الله- أنه لا يعاقِب بالنار إلا رب النار عز وجل (18)، وإن كان قد روى الإمام أحمد وبعض أصحاب السنن أنه قال: «لَوْلَا مَا فِيهَا مِنَ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ» (19)، لكن هذه الزيادة ضعيفة، ولكننا لسنا بحاجة لها، نقول: الذي منعه هو أنه لا يُعاقِب بالنار إلا الله، ولولا الوجوب لكان هذا القول لغوًا لا فائدة منه، ويش الفائدة أنك تخبر بأنك هممت بأن تُحرِّق هؤلاء على أمر ليس بواجب عليهم؟ ! كذلك أيضًا: استأذنه رجل أعمى ألَّا يُصلِّي فقال له: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ ». قال: نعم، قال: «فَأَجِبْ» (14). وأيضًا أخرج أصحاب السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْ؛ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ» (20).

وصح في مسلم، جاء في صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لقد رأيتنا -يعني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم- وما يتخلف عنها إلا منافِق أو مريض.
أو قال: منافق معلوم النفاق أو مريض، ولقد كان الرجل يُؤتى به يُهادَى بين الرجلين حتى يُقام في الصَّف (21). إلى هذا الحد، الرجل مريض ويُؤتى به يُهادَى بين الرجلين، يُمشّى بين الرجلين شوي شوي حتى يُقام في الصف؛ ولأن ما فيها من المصالح والمنافع يدل على أن الحكمة بوجوبها.
ففيها: التواد بين الناس؛ لأن ملاقاة الناس بعضهم بعضًا، ومصافحة الناس بعضهم بعضًا تُوجِب المودة.
ثانيًا: فيها التعارف، ولهذا نجد أن الناس إذا صلَّى عندهم رجل غريب في المسجد، جعلوا يسألون عنه: من هذا؟ من الذي صلَّى معنا؟ فيحصل التعارف، والتعارف فيه فائدة؛ منها: أنه قد يكون قريبًا لك فيلزمك من صلته بقدر قرابته.
ومنها: إظهار شعيرة من شعائر الإسلام، بل من أعظم شعائر الإسلام؛ وهي الصلاة؛ لأن الناس لو بقوا يصلون في بيوتهم ما عُرف أن هنالك صلاةً.
ومنها: إظهار العز؛ عز المسلمين، إذا دخلوا المساجد، ثم خرجوا جميعًا بهذا الجمع.
ومنها: تعليم الجاهل؛ فإن كثيرًا من الناس يستفيد ما يُشرع في الصلاة بواسطة صلاة الجماعة، حيث يقتدي بمن إلى جنبه، ويقتدي بالإمام وما أشبه ذلك.
ومنها: تعويد الأمة الإسلامية على الاجتماع، وعدم التفرق؛ لأن هذا الاجتماع يُشكِّل اجتماع الأمة عمومًا؛ إذ إن الأمة عمومًا مجتمِعة على طاعة ولي أمرها وقائد مسيرتها، هذه الصلاة في الجماعة ولاية صُغرى؛ لأنهم يقتدون بمن؟ بإمام واحد، يتابعونه تمامًا؛ فهي تشكل النظرة العامة للإسلام؛ وهي أن المسلمين يجتمعون على إمام يقودهم حتى لا يختلفوا ويتشتتوا.

ومنها أيضًا؛ من فوائدها: ضبط النفس؛ لأن الإنسان إذا اعتاد على أن يتابع إمامًا متابعةً دقيقةً، إذا كبَّر فكبّروا متابعة، لا تتقدم ولا تتأخر كثيرًا، ولا توافِق، بل تابِع، فيتعود الإنسان بهذا ضبط النفس.
ومنها: استشعار الناس وقوفهم صفًّا في الجهاد، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: 4]، وهؤلاء الذين صاروا صفًّا في الجهاد؛ لا يتقدم بعضهم على بعض لا شك أنهم إذا تعودوا ذلك في الصلوات الخمس، كل يوم خمس مرات، سوف يكون وسيلةً إلى ائتمامهم بقائدهم في صف الجهاد حيث لا يتقدمون ولا يتأخرون عن أوامره.
ومنها: شعور المسلمين بالمساواة؛ لأنه في هذا المسجد يجتمع أغنى الناس إلى جنب أفقر الناس، والأمير إلى جنب المأمور، والحاكم إلى جنب المحكوم، والصغير إلى جنب الكبير، وهكذا فيشعر الناس بأنهم سواء، ولهذا أُمِروا بمساواة الصفوف حتى قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ» (22). ومنها أيضًا: ما يحصل من تفقّد الأحوال؛ أحوال الفقراء، أحوال المرضى، فإن الإنسان إذا روئِي مع الناس وعليه ثياب بالية، ويبدو عليه علامات الجوع؛ رحمه الناس، ورقوا له، وتصدَّقوا عليه، كذلك إذا تخلَّف عن الجماعة وفُقِد عرف الناس أنه كان مريضًا مثلًا، أو ماذا حصل له، فيسألون عنه.
فالمهم هذه عشر فوائد، وحكم من مشروعية صلاة الجماعة مع ما فيها من الأصل الأصيل، وهو التعبد لله تعالى بهذا الاجتماع؛ يعني إذا كان الناس يجتمعون على ملاعب الكرة آلافًا مؤلَّفة؛ فهم يجتمعون على لغو ولهو، لا فائدة فيه إلا فائدة قليلة للاعبين فقط، أما المشاهدون فليس لهم فائدة إطلاقًا.
أقول: إذا كانوا يجتمعون على هذا، فاجتماعهم على هذه الصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين عبادة عظيمة لله عز وجل، فيؤدّون بذلك هذه العبادة العظيمة، خَلِّ هذه الحادي عشر.

الثاني عشر: استشعار آخر هذه الأمة بما كان عليه أوَّلها؛ أي: بأحوال الصحابة، كأنما يستشعر الإمام أنه في مقام الرسول عليه الصلاة والسلام في إمامة الجماعة، ويستشعر المأمومون أنهم في مقام مَنْ؟ في مقام أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا شك أن ارتباط آخر الأمة بأولها يُعطي الأمة الإسلامية دَفعة قوية إلى اتباع السلف واتباع هديهم، وليتنا كُلَّما فعلنا فعلًا مشروعًا نستشعر هذا الشعور أننا نقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبأصحابه الكرام؛ فإن الإنسان لا شك سيجد دفعةً قويةً في قلبه تجعله ينضم إلى سلك مَنْ؟ سلك السلف الصالح، فيكون سلفيًّا لا زمنًا، ولكن عقيدةً وعملًا وسلوكًا ومنهجًا.
طالب: شيخ، إذا كان من فوائد الجماعة التوادد، ما رأيك في بعض الأفعال التي تجلب التوادد، مثل المصافحة وإلقاء السلام؟ الشيخ: إي نعم، هذه أيضًا فيها فائدة.
الطالب: لكن بعد الإقامة يتصافحون يا شيخ؟ الشيخ: أوما قلنا: إن السنة قد تكون بدعة بسبب المكان؟ يعني لا بد من موافقة العمل للسنة في المكان والزمان كما هو معروف، فهل من عادة الصحابة أن يتصافحوا؟ هم أسبق منا إلى الخير، وليس من عادتهم هذا.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، هل هذا معناه أن الذهاب إلى مباريات الكرة في التليفزيون أنه حرام؟ الشيخ: أن أيش؟ طالب: يعني ما يجوز؟ الشيخ: لا، كيف ما يجوز؟ لا، صعب، لكن أنا أرى أنه إضاعة وقت، وإذا كان يترتب عليه إضاعة مال فهو إضاعة مال، أنا سمعت في بعض الأحيان تصل البطاقة للدخول إلى عشرة ريالات.
طالب: لا، أكثر.
طالب آخر: مباريات كأس العالم تُباع في الأسواق السوداء.
الشيخ: السوداء يعني اللي أيش؟ الطالب: يعني بالعملة الصعبة، وبشق الأنفس يحصلون على التذاكر.
الشيخ: وبدراهم كثيرة.. ويش أعلى تذكرة سمعتموها؟ طلبة: ثلاث مئة ريال.
طلبة آخرون: خمس مئة.
الشيخ: ثلاث مئة ريال، أو خمس مئة ريال.

ما الذي يجعلك تتلف هذا المال وتضيعه في مشاهدة؟ طالب: والعورة؟ ! الشيخ: ثم الحقيقة أن مشاهدة الكرة فيها مفاسد إذا كان فيه فلوس، هذا واضح، إذا كان في غير فلوس؛ فإذا كان على شاشة تلفزيون فيها إضاعة مال، ولَّا لا؟ طلبة: نعم، الكهرباء.
الشيخ: التلفزيون يُنفق كهرباء ولَّا لا؟ يُنفق كهرباء، وقيمته إذا كان بيشتريه لهذا الغرض، أيضًا فيه أن الإنسان ربما يقع في قلبه تعظيم رجل كافر، وهذا خطير جدًّا، تعظيم الكافر خطير جدًّا، أنا سمعت بعض اللاعبين كانوا يهدون إليه وهو معه زوجته، يهدون إليه الذهب، وإذا وقف عند صاحب الدكان قال: أعطه ما يريد، كل ما يشاء وعلينا حسابه، ويش الكلام هذا؟ ! غلط.
الثالث: أنه يكون فيه أحيانًا كشف عورة بل غالبًا، وهذا لا يجوز؛ لأن النظر إلى فخذ الشباب حرام، ولا يجوز، وفيه فتنة، فعلى كل حال الإنسان العاقل لا يُضيع وقته وماله وفكره في مشاهدة هذا الشيء.
طالب: شيخ، إذا عُلم في بعض البلاد يا شيخ الإسلامية أن ولي الأمر لا يُصلي في جماعة، فهل الجماعات الثانية تقنت؟ الشيخ: لا، ما تقنت على رأي المؤلف، أما على القول الثاني إحنا ذكرنا فيها ثلاثة أقوال.
طالب: شيخ، هل الدم نجس؛ يعني بحمل السلاح؟ الشيخ: إي نعم، عند أكثر أهل العلم نجس، أكثر أهل العلم على أن دم الآدمي كغيره نجس.
الطالب: والصحيح؟ الشيخ: الصحيح أنه ليس بنجس، ما فيه دليل على نجاسته، لكن الاحتياط أولى كونك تغسله خروجًا من خلاف أكثر العلماء أحسن.
طالب: شيخ، حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه؛ أنه قال: كان يؤتى بالرجل يتهادى بين رجلين حتى يقف في الصف (23)، هل هذا الرجل الذي اتصف بهذه الصفة صلاة الجماعة عليه واجبة؟ الشيخ: الصحيح.. المريض؟ طالب: في نص قصة ابن مسعود.
الشيخ: لا، هذا ابن مسعود يمكن بعض الصحابة يفعل، وإن كان معفوًّا عنه.

طالب: قلتم في بداية الحديث: وخالف في ذلك غير المسلمين الرافضة، هل معنى ذلك أن عامة الروافض لا يُكفَّرون؟ الشيخ: ما نقدر نُكفرهم؛ لأن فيهم عوامّ، ما يعرفون ويظنون أن الحق معهم، وتعرف أن الكُفر لا يكون إلا إذا قامت الحجة على الإنسان، وتبيّنت له ولم يرجع لها صار كافرًا، أما عامّي ما يعرف وعاش في مجتمع بهذا الشيء ولا يعرف سواه، فلا يمكن أن نكفِّره وهو ينتسب إلى الإسلام.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، بالنسبة ليوم الجمعة إذا دخل رجل في الأذان الثاني، هل يقول كما يقول المؤذن أو يتطوع؟ الشيخ: الصحيح أنه يُصلِّي تحية المسجد.
الطالب: ولا يقول؟ الشيخ: يقول: إن أمكنه أن يقول، أما على رأي شيخ الإسلام يمكن أن يقول؛ لأنه يرى أنه تجوز متابعة المؤذن، ولو كان الإنسان يُصلي؛ عند شيخ الإسلام يقول: كُل ذِكر وُجد سببه في الصلاة فهو مشروع؛ كالعطاس، وإجابة المؤذن، وما أشبهها، وأما القول بأنه لا يُجيب في حال الصلاة، فنقول: لأن استماع الخطبة أهم من إجابة المؤذن؛ فإن استماع الخطبة واجب، وإجابة المؤذن ليست بواجبة، ثم إنه إذا بادر بالصلاة؛ صلاة تحية المسجد أولى من تأخيرها فيستفيد فائدتين؛ الفائدة الأولى: المبادرة -كما هو الأصل- في تحية المسجد، والفائدة الثانية: التفرغ لسماع الخطبة.
طالب: شيخ -جزاكم الله خيرًا- بالنسبة لحديث الأعمى، قال له: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ ». «فَأَجِبْهُ»، (14) قد يقصد فيه (... ) يكون جارًا يمكن للمسجد، لكن على مسافة بعيدة ما يسمع صوته، فهل نقول: يجب عليك أن تذهب إلى المسجد؟ يعني يرى المسجد، لكن على مسافة كذا كيلو يعني يحتاج (... )؟ الشيخ: يقولون: إن زرقاء اليمامة ترى الشيء مسيرة ثلاثة أيام، فإذا كان رجل قوي البصر، ويرى المسجد مسيرة ثلاثة أيام، نقول له: اذهب إلى المسجد لتصلي الظهر فيقعد ثلاثة أيام ما وصل علشان يصلي الظهر قبل ثلاثة أيام! طالب: مسافر يعني تعتبر بعيدة؟

الشيخ: على كل حال، هذه تأتي -إن شاء الله- في الخلاف، هل تجب الجماعة في المسجد أو الواجب حصول الجماعة، ولو في البيت؟ فيها خلاف؛ إذا قلنا: الواجب حصول الجماعة، ولو في البيت، فمعناه يجوز نُصلّي جماعة في بيتنا والمسجد إلى جانبنا، ولكن سيأتي الخلاف في هذا.
طالب: الضرورة؟ الشيخ: ما ضبطت.
طالب: ميل الغروب قريب من عشر دقائق.
الشيخ: إحنا ما قيدناها يا جماعة، قلنا: عند الغروب كالذي عند الشروق.
طالب: إذا شرعت في الغروب.
الشيخ: لا.
طالب: من قبل أن تغرب (... ) عشر دقائق؛ يعني نفس الوقت.. الشيخ: ذكرنا لكم -بارك الله فيكم- تضيّف الشمس للغروب إذا كان بينها وبين الغروب قيد رمح، تقريبًا عشر دقائق أو أكثر، المهم قيد رمح، كما ذكر في طلوع الشمس.
صلاة الجماعة، حكمها؟ طالب: واجبة.
الشيخ: واجبة، دليل ذلك؟ طالب: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: بمعنى الحديث لو أجد أحدًا يصلي بداره لأحرقت بيوت من لا يحضرون الجماعة.
الشيخ: اللي ما يحضرون الجماعة يحرق عليهم بيوتهم بالنار.
فيه غير هذا من القرآن؟ طالب: أن الله عز وجل لم يُسقط صلاة الجماعة في حالة الخوف وفي حالة الحرب.
الشيخ: نعم، أوجبها في حال الحرب، ففي حال الأمن؟ الطالب: فهي من باب أولى.
الشيخ: من باب أولى.
ذكرنا لصلاة الجماعة فوائد؛ اثنتي عشرة فائدة؟ طالب: أولًا: التعارف بين المسلمين.
ثانيًا: التواد.
الشيخ: التواد بينهم.
الطالب: ثالثًا: اعتياد الصفوف، وصف الصفوف عند مقابلة الأعداء.
الشيخ: يعني كأنه تهيئة.
الطالب: تهيئة، ورابعًا: ضبط النفس.
الشيخ: نعم؛ لأن الذي يصلي وحده دائمًا لا يستقر، ولا يطمئن في صلاته.
الطالب: خامسًا: التعبد لله سبحانه وتعالى.
سادسًا: إحياء شعيرة من شعائر الإسلام.
الشيخ: إظهار.
الطالب: إظهار شعيرة من شعائر الإسلام.
الشيخ: هذه ست، البقية؟ طالب: الوقوف صفًّا واحدًا كما في الجهاد.
الشيخ: ذكرها.
طالب: تعليم الجاهل.

الشيخ: تعليم الجاهل نعم.
الطالب: إظهار عز الإسلام بإظهار الجماعة.
الشيخ: هذا يعتبر إظهار شعيرة من شعائر الإسلام.
طالب: أنه إذا كان مثلًا فيهم يعني فقيرًا، العطف على الفقير مثلًا والمسكين وابن السبيل.
الشيخ: يعني تفقُّد أحوال المسلمين؛ إنسان فقير، إنسان مرض، إنسان تخلَّف، يساعد ويعاون على البر والتقوى.
طالب: عموم البركة.
الشيخ: البركة، كيف؟ يعني حصول الأجر بذلك؟ الطالب: مضاعفة الثواب.
طالب آخر: الطمأنينة في الصلاة.
الشيخ: ذكرناها.
طالب: استشعار آخر هذه الأمة لأولها.
الشيخ: نعم، استشعار آخر هذه الأمة بحال أولها كأنما هم الصحابة مع الرسول صلى الله عليه وسلم.
طالب: ما هو في صلاة الجماعة ما كان الإسلام فيه شعائر.
الشيخ: يعني معناه إظهار الشعائر؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: هذه ذكرناها.
طالب: تعليم الأمة على الاجتماع.
الشيخ: إي، لا، يعني معناه أنه يعود الأمة على الاجتماع، وهذا من التفرُّد.
طالب: تساوي بين الفقير والغني.
الشيخ: نعم، التساوي في الدين بين الأغنياء والفقراء والصغير والكبير.
طالب: امتثال أمر الله سبحانه وتعالى.
الشيخ: أظن ذكرناها، الآن تعدت اثنتي عشرة.
طالب: إظهار عِز المسلمين، عند دخول المساجد والخروج منها.
الشيخ: كيف ذلك؟ الطالب: عندما يدخلون المساجد يكون فيه إظهار لعز المسلمين عند تجمعهم، وكذلك عند الخروج.
طالب آخر: ذكرناها يا شيخ.
الشيخ: يمكن هذه إذا صار مثلًا أمام الأعداء أو مثلًا هم بعضهم يعتز ببعض؛ يعني التقوية، تقوية الروح المعنوية فيهم.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: (تلزم).
قلنا: إن كلمة تلزم وتجب بمعنى واحد (تلزم الرجال) الرجال جمع (رَجُل)، والرَّجُل هو الذَّكر البالغ، فيخرج بذلك النساء؛ فالنساء لا تلزمهن صلاة الجماعة؛ لأنهن لسن من أهل الاجتماع، ولسن ممن يُطلب منهن إظهار الشعائر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ» (24).

ولكن اختلف العلماء: هل الجماعة سُنّة للنساء -والمراد المنفردات عن الرجال- أو مكروهة، أو مباحة؟ فيها ثلاثة أقوال لأهل العلم: فمن العلماء من قال: إنها سُنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أُمَّ ورقة أن تؤم أهل دارها (25). ومنهم من قال: إنها مكروهة، وضعَّف الحديث، وقال: إن المرأة ليست من أهل الاجتماع وإظهار الشعائر، فيُكره لها أن تقيم الجماعة في بيتها؛ ولأن هذا غير معهود في أمهات المؤمنين وغيرهن غاية ما فيه هذا الحديث الذي فيه نظر، فلا يمكن أن نشرع حكمًا إلا بدليل يُطمأن إليه.
ومنهم من قال: إن هذا مُباح، وقال: إن النساء من أهل الجماعة في الْجُملة، ولهذا أُبيح لها أن تحضر إلى المسجد لإقامة الجماعة، فتكون إقامة الجماعة في بيتها مباحة مع ما في ذلك من التستُّر والاختفاء.
وهذا القول لا بأس به؛ أنها مُباحة، وإن فُعِلت أحيانًا فلا حرج.
المهم أن قوله: (الرِّجال) أخرج به صِنفين من الناس، مَنْ؟ طالب: النساء والوِلْدان.
الشيخ: النساء والصبيان غير البالغين، وخرج بذلك أيضًا صنف ثالث، وهم الْخَناثى؛ الخنثى، وتكلَّم عليه الفقهاء في باب الفرائض هو الذي لا يُعلم أذَكر هو أم أُنثى، هذا هو الخنثى، هذا لا تجب عليه الجماعة، وذلك لأن الشرط فيه غيرُ متيقن، والأصل براءة الذمة، وعدم شغلها، فما دام وصف الوجوب ليس متيقنًا فيه وهو الرجولة؛ فإنها لا تجب عليه.
إذن خرج بذلك ثلاثة أصناف.
عموم كلام المؤلف (الرجال) يدخل فيه العبيد، فتلزم صلاة الجماعة العبيد؛ لأن النصوص عامة، ولم يُستثنَ منها العبيد؛ ولأن حَقّ الله مُقدم على حق البشر، ولهذا لو أمره سيده بمعصية حرم عليه أن يطيعه، فإذا كان لا يجوز للعبد أن يفعل المعصية بأمر سيده، فكيف إذا لم يَأمره؟ وهو إذا ترك الجماعة فقد فعل معصية، وهذا القول هو الصحيح أنها تلزم العبيد، كما تلزم الأحرار.

وكذلك الْجُمعة تلزم العبيد كما تلزم الأحرار من باب أولى؛ لأنه إذا وجب عليه حضور الجماعة التي تتكرر في اليوم والليلة كم؟ خمس مرات، فلأن تجب عليه الجمعة التي لا تكرر في الأسبوع إلا مرة من باب أوْلَى؛ ولأن الجماعة شرط في الجمعة بالاتفاق، وليست شرطًا في صلاة الجماعة إلا على قول ضعيف، فإذا سقط حق السيد في الصلوات الخمس، وأوجبنا على العبد أن يصلي فإننا نوجب عليه أيضًا أن يصلي الجمعة.
وعموم كلام المؤلف أنها لازمة حتى في السفر؛ لأنه لم يقيدها في الحضر، فإذا لم يُقيدها أخذنا بالعموم والإطلاق، فتجب صلاة الجماعة حتى في السفر؛ ودليل ذلك ما مر علينا في الدرس السابق أن الله أمر نبيَّه صلى الله عليه وسلم إذا كان فيهم أن يُقيم لهم الصلاة جماعة، ومن المعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُقاتل إلا في سفر، فعليه؛ تجب الصلاة في السفر كما تجب في الحضر.
(للصلوات الخمس) للصلوات يعني أنها واجبة للصلاة، وليست واجبةً في الصلاة؛ لأن الواجب تارةً يكون واجبًا للصلاة، وتارةً يكون واجبًا فيها؛ فالواجب فيها يكون من ماهيتها، مثل: التشهد الأول، التكبير، التسميع، التحميد، هذا واجب فيها، الواجب لها: ما كان خارجًا عنها مثل: الأذان، والإقامة، والجماعة؛ لأن هذا خارج عن ماهية الصلاة، فيكون واجبًا لها، وليس واجبًا فيها.
وقوله: (للصلوات الخمس) هي الصلوات الخمس، ما هي؟ طالب: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر.
الشيخ: هذه الصلوات الخمس.
إذن لا تجب الصلاة للمنذورة؛ يعني: لو نذر الإنسان أن يصلي لله ركعتين، فإنه لا تلزمه الجماعة؛ لأنها ليست من الصلوات الخمس.
ولا تجب للنوافل، فلو أراد الإنسان أن يصلي تطوعًا فإنه لا يجب عليه صلاة الجماعة؛ لأنها ليست من الصلوات الخمس.
ولكن هل تجوز صلاة النافلة جماعة، أو نقول: إن ذلك بدعة؟ في هذا تفصيل:

منها -أي من النوافل-: ما تُشرع له الجماعة، كالاستسقاء، والكسوف، إذا قلنا: بأن الكسوف سُنَّة، وقيام الليل في رمضان، فهذا ظاهر.
ومنها -أي من النوافل-: ما لا تسن له الجماعة؛ كالرواتب التابعة للمكتوبات، وكصلاة الليل في غير رمضان، فهذا لا تُشرع له الجماعة، لكن لا بأس أن يُصلِّيه جماعة أحيانًا.
ودليل ذلك: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي أحيانًا جماعة في صلاة الليل، كما صلى معه ابن عباس، وصلَّى معه حذيفة بن اليمان، وصلَّى معه عبد الله بن مسعود، وأحيانًا يصلي حتى غير صلاة الليل جماعة، كما صلَّى بأنس، وأم سليم، ويتيم مع أنس، وكما صلى جماعة في عتبان بن مالك رضي الله عنه في بيته؛ حين طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي إليه ليصلي في مكان يتخذه عتبان مُصلّى، ففعل النبي عليه الصلاة والسلام.
المهم صلاة النافلة، الآن فهمنا أنها تنقسم إلى قسمين: قسم يُشرع له الجماعة، مثل: الكسوف، والاستسقاء، وقيام رمضان.
وقسم لا يشرع له الجماعة، لكن لا بأس من فعله أحيانًا؛ كالرواتب، وصلاة الليل في غير رمضان، وبقية النوافل.
قوله: (للصلوات الخمس) ظاهره: أنه لا فرق بين أن تكون مؤداة أو مقضيَّة.
المؤداة: ما فُعل في وقته، والْمَقْضِي: ما فُعل بعد وقته، فلو كان جماعة في سفر ناموا في آخر الليل، ولم يستيقظوا إلا بعد طلوع الشمس، فالصلاة في حقهم قضاء؛ لأنها بعد الوقت، فظاهر كلام المؤلف أن الصلاة جماعة تجب عليهم.
وهذا الظاهر هو الصحيح؛ أنها تجب للصلوات الخمس ولو مقضية، على أن الإنسان الذي يؤخّر الصلاة عن وقتها لعُذر شرعي لا تكون الصلاة في حقه قضاءً، بل هي أداء على القول الصحيح؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ»، وتلا قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (26).

لكن على كل حال الصحيح أنها تجب للمقضِيَّة؛ لعموم الأدلة؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما نام عن صلاة الفجر هو وأصحابه في سفر كما في حديث أبي قتادة أمر بلالًا فأذَّن، ثم صلَّى سُنَّة الفجر، ثم صلَّى الفجر كما يصليها في العادة جماعةً، ويجهر بالقراءة (27). فإذا نام قوم في السفر، ولم يستيقظوا إلا بعد طلوع الشمس، قلنا لهم: افعلوا كما تفعلون في العادة تمامًا، أذِّنوا، وقولوا: الصلاة خير من النوم، وصلُّوا سُنّة الفجر، وأقيموا الصلاة، واجهروا فيها بالقراءة كالعادة.
وقول المؤلف: (تلزم الرجال للصلوات الخمس) ظاهر كلام المؤلف أنها تلزمهم وجوب عين؛ يعني أنها فرض على الأعيان، وهذا القول هو الصحيح؛ أنها فرض على الأعيان، على كل واحد، ومقابل هذا القول أنها فرض كفاية؛ إذا قام بها من يكفي سقطت عن الباقين، وقول آخر: أنها سُنَّة، وليست بواجبة، وكلا القولين ضعيف، أما القول بأنها سُنَّة فقد سبق لنا الأدلة الدالة على وجوب صلاة الجماعة، ولا أعلم للذين قالوا بأنها سُنَّة إلا أنهم استدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» (28). فقال: «أَفْضَلُ»، والأفضل ليس بواجب.
ولكن هذا الاستدلال ضعيف جدًّا؛ لأن المراد هنا: بيان ثواب صلاة الجماعة، لا حكم صلاة الجماعة؛ ولهذا قال: «أَفْضَلُ.. بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً»، أما لو قال: أفضل فقط، لو قال: صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ؛ لكان الاستدلال قد يكون له وجه، لكن أما لما قال: أفضل بسبع؛ فعُلم بهذا أنه يريد بيان أن أجرها أفضل وأكثر.
ونقول لهم أيضًا: هل تقولون: إن الإيمان بالله واجب.
طالب: لا شك أنهم يقولون: واجب.

الشيخ: لا شك أنهم يقولون: واجب.
ومع ذلك قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [الصف: 10، 11]، خير يعني: أخير وأفضل.
فهل تقولون: إن الإيمان بالله والجهاد في سبيله سُنة؟ لا أحد يقول بذلك.
هل تقولون: إن صلاة الجمعة سنة؛ لأن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [الجمعة: 9] من البيع؟ هل تقولون: إنه سنة؟ لا أحد يقول بأن صلاة الجمعة سُنة، المهم أن هذا الاستدلال ضعيف جدًّا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (لا شرْط)، أنا عندي (لا شرطًا)، وقيَّدت الكتاب هذا على أنها (لا شرْط)، والصحيح من حيث العربية: (لا شرْطٌ)، أما (لا شرطًا) فلا تصِحّ؛ لأن (لا) لا تتحمل الضمير حتى نقول: إن اسمها مستتر، وإن (شرطًا) خبرها، ولكن (لا شرطٌ)؛ أي: لا هي شرطٌ؛ يعني: ليست صلاة الجماعة شرطًا في صحة الصلاة، فلو صلَّى الإنسان منفردًا بلا عُذْر فصلاته صحيحة، لكنه آثِم.
المؤلف قال: (لا شرط)، قد يقول قائل: لماذا قال: (لا شرط)؟ فنقول: إنه قال: (لا شرط) لئلا يتوهم واهم أنه لما كانت صلاة الجماعة واجبة كان تركها عمدًا مُبطلًا للصلاة كواجبات الصلاة؛ فإن واجبات الصلاة إذا تركها عمدًا بطلت صلاته، فنفَى هذا التوهم بقوله: (لا شرطٌ).
وقد يقال: إنه قال: (لا شَرْط) دفعًا لقول من يقول: إنها شرط لصحة الصلاة، فصار الآن لو سألنا سائل: لماذا قال المؤلف: لا شرط مع أنه لا حاجة إليه؟

قلنا: يحتمل أمرين؛ الأمر الأول: دَفْع تَوهُّم بُطلان صلاة المنفرد بلا عُذر؛ حيث إنه قال: إنها واجبة، والمعروف أن الواجب إذا تركه الإنسان عمدًا بطلت صلاته.
الاحتمال الثاني: دفع قول من يقول: إنها شرط، والذي قال: إنها شرط لصحة الصلاة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وابن عقيل، وكلاهما من الحنابلة، وهو رواية عن الإمام أحمد.
وعلى هذا القول: لو صلَّى الإنسان منفردًا بِلا عُذر شرعي فصلاته باطلة، كما لو ترك الوضوء مثلًا.
إذا قال قائل: لا بد أن تُبيّنوا لنا الدليل الذي تمسك به من قال: إنها شرط للصحة.
فنقول: استدل هؤلاء بأن الجماعة واجبة للصلاة، توعَّد النبي صلى الله عليه وسلم على مَنْ تركها بأنه هَمَّ أن يُحرِّق عليهم بيوتهم بالنار، وإذا كانت واجبة فالقاعدة الشرعية أن من ترك واجبًا في عبادة بلا عُذر؛ فإن تلك العبادة تبطل، هذه القاعدة الشرعية، فإذا أقررت بأنها واجبة للصلاة لزمك أن تقول ببطلان صلاة من ترك هذا الواجب، ولكن هذا القول ضعيف، ويُضعِّفه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» (28). والمفاضلة تدل على أن الْمُفضَّل عليه فيه فضل، أو لا؟ ويلزم من وجود الفضل فيه أن يكون صحيحًا؛ لأن غير الصحيح ليس فيه فضل، بل فيه إثم، وهذا دليل واضح على أن صلاة الفذ صحيحة، ضرورة أن فيها؟ أتموا.
طلبة: فضل.
طالب آخر: إثم.
الشيخ: صحيحة، ضرورة أن فيها فضلًا؛ إذ لو لم تكن صحيحة لم يكن فيها فضل، لكنه آثِم، لكن شيخ الإسلام -رحمه الله- أجاب بأن هذا الحديث في حق المعذور؛ يعني: من صلَّى مُنفردًا لعُذر، فصلاة الجماعة أفضل من صلاته بسبع وعشرين درجةً.

قال: ولا مانع من وجود الفضل مع العذر، فها هي المرأة وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها ناقصة دين (29)؛ لتركها الصلاة أيام الحيض، مع أن تركها للصلاة أيام الحيض لِعُذْر شرعي، لو صامت لأثمت؛ فهي ممنوعة شرعًا من الصلاة، ومع ذلك صارت ناقصةً عن الرجل، وهي لم تأثم بهذا الترك.
قال: (فالمعذور إذا صلَّى في بيته فإن صلاة الجماعة أفضل من صلاته بسبع وعشرين درجةً).
ولكن هذا يورد عليه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» (30)، فهذا دليل على أن من ترك الطاعة لعذر المرض كُتِبت له.
ويمكن أن نجيب عنه بأن المراد من كان من عادته أن يفعل؛ لأنه قال: «كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا»، ولكن مع كل هذا؛ فإن مأخذ شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة ضعيف رحمه الله.
والصواب: ما عليه الجمهور من أن الصلاة صحيحة، ولكنه آثِم لترك الواجب، وأما قِياس ذلك على التشهد الأول مثلًا وعلى التكبيرات الواجبة والتسبيح، فهو قياس مع الفارق؛ لأن صلاة الجماعة واجب للصلاة، وأما التشهد الأول والتسميع والتكبير، فهذا واجب في الصلاة؛ فهو ألصق بها من الواجب لها.
إذن ما ذهب إليه المؤلف هو القول الصحيح؛ أن صلاة المنفرد صحيحة لا يُلزم بالإعادة، ولكن عليه الإثم.
قال: (لا شرط).
طالب: لو استدلوا (... ) قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (31)، مثل الرجل يؤخر الصلاة حتى يخرج وقتها فيصليها.
الشيخ: لا، بينهما فرق؛ لأن الصلاة لا تصح إلا في هذا الوقت.
الطالب: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا».
الشيخ: لا، ترك عملًا واجبًا، أما الصلاة مأمور بها، الصلوات الخمس مفروضة.
طالب: نجيب «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ، ثُمَّ لَمْ يَأْتِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ» (32) حديث؟

الشيخ: هذا الحديث يقال: إن المراد لا صلاة كاملة؛ بدليل حديث أبي هريرة وابن عمر: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ» (28). طالب: إذا قلنا: إن صلاة الجماعة فرض عين، فلا يلزم (... ) أفواج يعني؟ الشيخ: لا؛ لأن الجماعة وَصْف فيها، ما هو يعود على ذاتها، وصف اجتماع.
وله فِعْلُها في بَيْتِه، وتُسْتَحَبُّ صلاةُ أهلِ الثَّغْرِ في مَسجدٍ واحدٍ، والأَفْضَلُ لغيرِهم في المسْجِدِ الذي لا تُقامُ فيه الجماعةُ إلا بحضورِه ثم ما كان أكثرَ جماعةً، ثم المسجِدُ العتيقُ، وأَبْعَدُ أَوْلَى من أَقْرَبَ، ويَحْرُمُ أن يَؤُمَّ في مَسجدٍ قبلَ إمامِه الراتِبِ إلا بإذنِه أو عُذْرِه، ومَن صَلَّى ثم أُقيمَ فَرْضٌ سُنَّ أن يُعيدَها إلا المغْرِبَ، ولا تُكْرَهُ إعادةُ الجماعةِ في غيرِ مَسْجِدَيْ مَكَّةَ والمدينةِ.
وإذا أُقيمَتِ الصلاةُ فلا صَلاةَ إلا المكتوبةَ، وأن الدليل عليها من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكذلك ما تتضمنه من المصالح العظيمة يؤكد وجوبها، وسبق أنها لا تجب إلا على الرجال دون الإناث ودون الصغار، وسبق أنها تجب على القول الراجح على العبيد؛ لعموم الأدلة، وسبق أيضًا أنها تجب للصلوات الخمس، سواء كان مؤداة أو مقضية على القول الراجح، وسبق لنا أن العلماء اتفقوا على أنها من أجل الطاعات وأفضل العبادات، ولكن اختلفوا هل هي سنة أو فرض عين أو فرض كفاية أو شرط، والصحيح أنها فرض عين.
قال المؤلف رحمه الله: (وله فعلها في بيته): (له) أي: للإنسان (فعلها) أي: فعل الجماعة في بيته، يعني: يجوز أن يصلي الجماعة في بيته ويدع المسجد، ولو كان قريبًا منه، ولكن المسجد أفضل بلا شك، إنما لو فعلها في بيته فهو جائز، وإذا قلنا بأنها تنعقد باثنين ولو بأنثى فهذا يلزم منه أن يصلي الرجل وزوجته في البيت، ولا يحضر المسجد.
هذا على كلام المؤلف.

واستدل أصحاب هذا القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (1). فالأرض كلها مسجد، والمقصود الجماعة، والجماعة تحصل ولو كان الإنسان في بيته، لكنها في المسجد أفضل.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن كونها في المسجد من فروض الكفايات، وأنه إذا قام بها من يكفي سقطت عن الباقين، وجاز لمن سواهم أن يصلي في بيته جماعة.
وذهب آخرون إلى أنها واجبة في المسجد.
أما الذين قالوا بأنها تجوز في البيت مطلقًا فاستدلوا بما ذكرت لكم «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا».
وأما الذين قالوا: إنها فرض كفاية، فقالوا: إنها من شعائر الإسلام الظاهرة، وما زال المسلمون يقيمونها في المساجد، ولو تعطلت المساجد ما تبين أن هذه البلد بلد إسلام، فكما أن الأذان من شعائر الإسلام الظاهرة، وتقاتَل الطائفة إذا لم تؤذن، وهو فرض كفاية، فالصلاة في المساجد من باب أولى، فإذا وجد في المسجد من تقوم به الكفاية، فالباقون لهم أن يصلوا في بيوتهم.
وأما الذين قالوا: إنها تجب في المسجد فاستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ» (2) وكلمة (قوم) جمع تحصل بهم الجماعة، فلو كان يمكن أن يصلوا في بيوتهم جماعة لقال: إلا أن يصلوا في بيوتهم، واستثنى من يصلي في بيته، فعلم بهذا أنه لا بد من شهود جماعة المسلمين.
وهذا القول هو الصحيح: أنه يجب أن تكون في المسجد، وأنه لو أقيمت في غير المسجد فإنه لا يحصل بإقامتها سقوط الإثم، بل هم آثمون، وإن كان القول الراجح أنها تصح، وهذا الدليل كما عرفتم دليل واضح.

أما القائلون بأنها من شعائر الإسلام الظاهرة، فنقول: نعم هي من شعائر الإسلام الظاهرة، ومن تمام ذلك أن توجب على كل واحد؛ لأننا لو قلنا: إنها فرض كفاية لكان كل واحد يبقى في بيته ويقول: لعل في المسجد من يقوم بصلاة الجماعة.
وأما الذين استدلوا بقوله: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» فلا دليل فيه أصلًا؛ لأن هذا فيه بيّن أن الأرض كلها مسجد، وهو من خصائص هذه الأمة، بخلاف غيرها، فإنها لا تصلي إلا في الكنائس والصوامع والبِيَع، لكن هذه الأمة جعلت لها الأرض كلها مسجدًا، فليس المقصود بيان أن الجماعة يصح أن تكون في كل مكان، بل بيان أن الصلاة تصح في كل مكان، وهذا لا نزاع فيه.
ثم على فرض أنه عام، فإنه مخصوص بالأدلة الدالة على وجوب صلاة الجماعة في المساجد.
لكن هاهنا مسألة، وهي ما يشكل على كثير من الدوائر الحكومية التي فيها جماعة كثيرة، ولهم مصلًّى خاص يصلون فيه، والمساجد حولهم، فهل نقول لهم: اخرجوا من هذه الدائرة جميعًا وصلوا في المسجد، أو نقول: صلوا في مكانكم ولا حرج عليكم؟ الذي نرى أنه إذا كان المسجد قريبًا، ولم يتعطل العمل، فإنه يجب عليهم أن يصلوا في المسجد، أما إذا كان بعيدًا أو خِيف تعطل العمل؛ بأن تكون الدائرة عليها عمل ومراجعون كثيرون، أو كان يخشى من تسلل بعض الموظفين؛ لأن بعض الموظفين لا يخافون الله، إذا قالوا: نخرج للصلاة خرجوا لبيوتهم، وربما لا يرجعون، ففي هذه الحال نقول: صلوا في مكانكم؛ لأن هذا أحفظ للعمل وأقوم، والعمل تجب إقامته بمقتضى الالتزام والعهد الذي بين الموظف والحكومة.
فهذا هو التفصيل في هذه المسألة، ولهذا ينبغي إن لم نقل: يجب أن يجعل هناك مسجد في الدوائر الكبيرة يكون له باب على الشارع تقام فيه الصلوات الخمس، حتى يكون مسجدًا لعموم الناس ويصلي فيه أهل هذه الدائرة، كما فعل ذلك في دار الإفتاء في الرياض، فإن هذا من خير ما يكون من المشاريع.

يقول: (وتستحب صلاة أهل الثغر في مسجد واحد) يعني شرع المؤلف رحمه الله في الأفضل من المساجد والأماكن التي تصلى فيها الجماعة، قال: الأفضل لأهل الثغر، أهل الثغر هم الذين يقيمون على حدود البلاد الإسلامية، يحمونها من الكفار، فالأفضل لهم أن يصلوا في مسجد واحد؛ لأنهم إذا صلوا في المسجد الواحد صاروا أكثر جمعًا، وحصلت بهم الهيبة، وهابهم الأعداء، وصار بعضهم يسأل بعضًا: من حولك من الكفار؟ وهل مكانك يحتاج إلى زيادة رجال وسلاح؟ المهم أن الأفضل أن يجتمعوا في مسجد واحد، بشرط أن يأمنوا العدو، فإن كانوا يخشون من العدو إذا اجتمعوا في المسجد الواحد، فصلاة كل إنسان في مكانه أولى، لكن مع الأمن الأفضل أن يصلوا في مكان واحد.
أما غير أهل الثغر قال: (والأفضل لغيرهم المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة إلا بحضورهم) إذا كان هناك مسجد قائم يصلي فيه الناس، لكن فيه رجل إن حضر وصار إمامًا أقيمت الجماعة، وإن لم يحضر تفرق الناس، فالأفضل لهذا الرجل أن يصلي في هذا المسجد من أجل عمارة المسجد؛ لأنه لو لم يحضر لتعطل المسجد، وتعطيل المساجد أمر لا ينبغي.
فإذا جاءنا هذا الرجل الذي يقول: أنا إن حضرت صرت إمامًا وأقمت الجماعة في هذا المسجد، وإن لم أحضر لم تقم فيه الجماعة، هل الأفضل أن أذهب إلى مسجد آخر يكون أكثر جماعة، أو أن أصلي في هذا المسجد؟ الجواب: أن تصلي في هذا المسجد.

لكن ينبغي أن يقيد هذا بشرط، وهو ألا يكون المسجد قريبًا من المسجد الأكثر جماعةً، فإن كان قريبًا منه بحيث يسهل على أهله أن يصلوا في المسجد الأكثر جماعة فقد يقال: إن الأفضل أن يجتمع المسلمون في مسجد واحد، وإن هذا أولى من التفرق؛ لأنه كلما اجتمع المسلون فهو أفضل لا شك، فإذا قدر أن هذا المسجد قديم ينتابه خمسة أو عشرة من الناس، وحولهم مسجد يجتمع فيه جمع كثير، ولا يشق على أهل المسجد القديم أن يتقدموا إلى المسجد الآخر، فربما يقال: إن الأفضل أن ينضموا إلى المسجد الآخر، وأن يجتمعوا فيه؛ لأنه كلما كثرت الجماعة فهو أفضل.
قال المؤلف: (ثم ما كان أكثر جماعة) يعني لو قدر أن هناك مسجدين، أحدهما أكثر جماعة من الآخر، فالأفضل أن يذهب إلى الأكثر جماعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللهِ» (3)، وهذا عام، فإذا وجد مسجدان: أحدهما أكثر جماعة من الآخر، فالأفضل أن تصلي مع من هو أكثر جماعة.
قال: (ثم المسجد العتيق) يعني القديم أولى من الجديد؛ وذلك لأن الطاعة فيه أسبق، فكان أولى بالمراعاة من الجديد، لكن هذا يأتي في أي مرتبة؟ طلبة: الرابعة.
الشيخ: الرابعة، هذا في المرتبة الرابعة، يعني: إذا صار عندك مسجدان يتساويان في الجماعة، لكن أحدهما قديم، والثاني عتيق، فالأفضل العتيق، وهذا باعتبار المكان.
وعللوا ذلك بأن الطاعة فيه أسبق فيكون هذا المكان معمورًا بطاعة الله قبل أن يعمر الجديد.

قال: (وأبعد أولى من أقرب) هذا إذا استويا فيما سبق، فالأبعد أولى من الأقرب، يعني إذا كان لك مسجدان أحدهما أبعد من الثاني فالأفضل الأبعد، لماذا؟ لأن كل خطوة تخطوها إلى الصلاة يرفع لك بها درجة، ويحط عنك بها خطيئة، وكلما بعد المكان ازدادت الخطى فيزداد الأجر، هذا ما ذهب إليه المؤلف.
ولكن في النفس من هذا شيء، والصواب أن يقال: إن الأفضل أن تصلي فيما حولك من المساجد؛ لأن هذا سبب لعمارته، إلا أن يمتاز أحد المساجد بخاصية فيه فيقدم، مثل لو كنت في المدينة، أو كنت في مكة، فإن الأفضل أن تصلي في المسجد الحرام في مكة وفي المسجد النبوي في المدينة أفضل مما حولك، أما إذا لم يكن هناك ميزة والأرض كلها سواء فإن صلاة الإنسان في مسجده أفضل؛ لأنه يحصل به عمارته، ويحصل به التأليف، ويندرئ به ما قد يكون في قلب الإمام إذا لم تصل معه، لاسيما إذا كنت رجلًا لك قيمتك واعتبارك.
وأما الأبعد فإننا نجيب عنه بأن المراد بالحديث في قوله عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهُ لَا يَخْطُو خُطْوَةً إِلَّا رَفَعَ اللهُ لَهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً» (4)، هذا في المسجد الذي ليس هناك أقرب منه، فإنه كلما بعد المسجد وكلفت نفسك أن تذهب إليه مع بعده كان هذا بلا شك أفضل مما لو كان قريبًا؛ لأنه كلما شقت العبادة إذا لم يمكن فعلها بالأسهل فهي أفضل، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لعائشة: «إِنَّ أجْرَكِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ» (5). فالحاصل: أن الأفضل أن تصلي في مسجدك مسجد الحي الذي أنت فيه، سواء كان أكثر جماعة أو أقل؛ لما يترتب على ذلك من المصالح، ثم يليه الأكثر جماعة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «مَا كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللهِ» (3)، ثم يليه الأبعد، ثم يليه العتيق؛ لأن تفضيل المكان بتقدم الطاعة فيه يحتاج إلى دليل بيّن، وليس هناك دليل بين على هذه المسألة.

يبقى النظر إذا قال قائل: إذا كان المسجد البعيد الذي ليس في حيي إذا كان إمامه أحسن قراءة، ويحصل لي من الخشوع ما لا يحصل لي لو صليت في مسجدي، فهل الأفضل أن أذهب إليه وأدع مسجدي، أو بالعكس؟ الظاهر لي حسب القاعدة: أن الفضل الذي يتعلق بذات العبادة أولى بالمراعاة من الفضل الذي يتعلق بمكانها، ومعلوم أنه إذا كان أخشع فإن الأفضل أن تذهب إليه، خصوصًا إذا كان إمام مسجدك لا يتأنى في الصلاة أو يلحن كثيرًا، أو ما أشبه ذلك من الأشياء التي توجب أن يتحول الإنسان عن مسجده من أجله.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (ويحرم أن يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب إلا بإذنه أو عذره) إذا كان المسجد له إمام راتب، يعني مولى من قبل المسؤولين، أو مولى من قبل أهل الحي جيران المسجد، فإنه أحق الناس بإمامته؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ» (6)، ومعلوم أن إمام المسجد سلطانه، والنهي هنا للتحريم، فلا يجوز للإنسان أن يؤم في مسجد له إمام راتب إلا بإذن الإمام أو عذره، إذنه إذا وكله توكيلًا خاصًّا أو توكيلًا عامًّا، فالتوكيل الخاص أن يقول: يا فلان صل بالناس، والتوكيل العام أن يقول للجماعة: إذا تأخرت عن موعد الإقامة المعتاد كذا وكذا فصلوا، فإذا أذن سواء كان إذنًا خاصًّا أم عامًّا فإنه يجوز وإلا فلا.
ودليل ذلك؟ طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ».
الشيخ: نعم «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ»، والمعنى أيضًا يقتضي ذلك؛ لأنه لو جاز أن يؤم الإنسان في مسجد له إمام راتب بلا إذنه أو عذره؛ أدى ذلك إلى الفوضى وإلى النزاع، والإمام لا يحب أن أحدًا يتقدم في مكانه وهو الإمام الراتب.
فإذن عندنا دليل وتعليل:

الدليل: الحديث «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ»، والتعليل أنه يؤدي إلى الفوضى والنزاع والعداوة والبغضاء.
وقول المؤلف: (إلا بإذنه أو عذره) الإذن فهمناه، العذر مثل لو علمنا أن إمام المسجد حصل له مثلًا عذر أصيب بحادث مثلًا أو أصابه مرض أو أتاه ضيوف لا يمكنه التعذر منهم أو ما أشبه ذلك، المهم أننا علمنا أن الرجل معذور، فهنا لنا أن نصلي وإن لم يأذن؛ لأن عذره في التخلف عن الحضور أمر معلوم عندنا.
فإن فعل وخالف فهل تصح الصلاة أو لا تصح، يعني لو أن أهل المسجد قدموا شخصًا يصلي بهم بدون إذن ولا عذر وصلى بهم، فهل تصح الصلاة أو لا تصح؟ في هذا لأهل العلم قولان: القول الأول: أن الصلاة تصح مع الإثم.
والقول الثاني: أن الصلاة لا تصح أنهم آثمون، ولا تصح صلاتهم، ويجب عليهم أن يعيدوها.
أما دليل الأول فيقولون: إن التحريم -أي تحريم الصلاة بدون إذن الإمام أو عذره- ظاهر من الحديث والتعليل، وأما صحة الصلاة فالأصل الصحة حتى يقوم دليل على الفساد.
وتحريم الإمامة في مسجد له إمام راتب بلا إذنه أو عذره لا يستلزم عدم صحة الصلاة؛ لأن هذا التحريم يعود إلى معنًى خارج عن الصلاة، ويش يعود إليه؟ يعود إلى الافتئات على الإمام، والتقدم على حقه، فلا ينبغي أن تبطل به الصلاة؛ لأن الصلاة وقعت في جماعة وعلى الوجه المشروع، فالأصل فيها الصحة، والذي يظهر لي أن الصحة أصح، يعني أن القول بالصحة أصح من القول بالبطلان؛ لأن هذا المعنى يعود إلى أمر خارج عن الصلاة، يعود إلى الافتئات على الإمام الراتب، والتقدم بين يديه، وحينئذ فالأصل الصحة لكن مع التحريم.
قال: (ومن صلى ثم أقيم فرض سن أن يعيدها إلا المغرب) من صلى يعني في جماعة أو في غير جماعة، الكلام عام، من صلى سواء في جماعة أو في غير جماعة ثم حضر مسجدًا أو مصلى وأقيمت الصلاة يقول المؤلف: (سن أن يعيدها إلا المغرب) يعني: فلا تسن إعادتها.

ودليل ذلك: قول النبي عليه الصلاة والسلام: «صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أُقِيمَتْ وَأَنْتَ فِي الْمَسْجِدِ فَصَلِّ، وَلَا تَقُلْ: إِنِّي صَلَّيْتُ فَلَا أُصَلِّي» (7) صل الصلاة لوقتها يعني: إذا أخرت الصلاة فصل الصلاة لوقتها، ثم إن أقيمت فصل، ولا تقل: إني صليت فلا أصلي.
ودليل آخر: أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم صَلَّى صلاةَ الفجرِ ذاتَ يومٍ في مسجدِ الخَيْفِ في مِنًى، فلما انصرفَ مِن صلاتِهِ إذا برَجُلين قد اعتزلا، فلم يصلِّيا، فدعا بهما، فجِيءَ بهما تُرْعَدُ فرائصُهُما هيبةً مِن رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: «مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ ». قالا: يا رسولَ الله، صلَّينا في رِحالِنَا.
قال: «إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ، فَصَلِّيَا مَعَهُمْ؛ فَإِنَّها لَكُمَا نَافِلَةٌ» (8). فاستفدنا من هذا الحديث المطول: أن الصلاة الثانية تقع نافلةً، والصلاة الأولى هي الفريضة، وعلى هذا فإذا قدر أن شخصًا صلى في مسجده، ثم جاء إلى مسجد آخر لحضور درس، أو لحاجة من الحوائج، أو لشهود جنازة ووجدهم يصلون، فالأفضل أن يصلي معهم، وتكون صلاته معهم نافلةً، والصلاة الأولى هي الفريضة، ولا تكون الثانية هي الفريضة؛ لأن الأولى سقط بها الفرض، فصارت هي الفريضة، والثانية تكون نافلةً.
ولكن إذا أدرك بعضها، فهل لا بد من إتمامها، أو له أن يسلم مع الإمام؟ نقول: هي نافلة، فإن سلم مع الإمام إذا صلى ركعتين مثلًا، إذا صلى ركعتين مع الإمام فإن سلم معه فلا بأس؛ لأنها نافلة لا يلزمه إتمامها، وإن أتم فهو أفضل؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» (9). وقول المؤلف: (إلا المغرب) يعني: فإنه لا تسن إعادتها.

وعللوا ذلك بأن المغرب وتر النهار كما جاء في الحديث، والوتر لا يسن تكراره، فإنه لا وتران في ليلة، أيضًا لا وتران في يوم.
ولكن هذا التعليل فيه شيء؛ لأنه يمكن أن نقول: الفارق بين هذا وبين وتر الليل: أن إعادة هذا الوتر له سبب، وهو إقامة الجماعة الثانية، بخلاف وتر الليل، فإنه لا يعاد، لكن هذا يعاد من أجل السبب الذي حدث، وهو حضور الجماعة، هذا وجه، يعني هذا وجه الفرق بين وتر الليل ووتر النهار.
الشيء الثاني نقول: إن عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ» يشمل المغرب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستثن شيئًا.
وبهذا صار القول الصحيح في هذه المسألة: أنه يعيد حتى المغرب؛ لأن لها سببًا، وهو إقامة الصلاة مرة ثانية في هذا المسجد.
فإن قال قائل: هل يسن أن يقصد مسجدًا للإعادة، بمعنى أنه إذا صلى في جماعة مبكرة، وهو يعلم أن هناك جماعة متأخرة؛ هل يسن أن يذهب إلى المسجد للإعادة؟ الجواب: لا يسن؛ لأن ذلك ليس من عادة السلف، ولو كان هذا من أمور الخير لكان أول الناس فعلًا له من؟ طلبة: الصحابة.
الشيخ: الصحابة السلف، ولا كانوا يفعلون هذا، لكن إذا كان هناك سبب استوجب أن تحضر إلى المسجد، فإذا حضرت وأقيمت الصلاة فصلى معهم فإنها نافلة.
ونأخذ من هذه الحكم الشرعي: أن للشرع نظرًا في توافق الناس وائتلافهم وعدم تفرقهم؛ لأننا طالبنا هذا أن يعيد الصلاة من أجل أن يكون مع المسلمين، لا يدخل المسجد ويبقى وحده، ويقول: أنا صليت، نقول: صل مع المسلمين، فإن هذا أفضل، حتى يكون مظهر الأمة الإسلامية مظهرًا واحدًا، لا تختلف فيه.

ونخلص من هذا إلى أن ما يفعله بعض الناس في قيام رمضان؛ إذا صلوا عشر ركعات خلف إمام يصلي عشرين ركعة تجدهم يجلسون ويدعون الإمام، حتى إذا شرع في الوتر قاموا فأوتروا معه، فإن هذا عمل خلاف ما دلت عليه السنة، وخلاف ما كان السلف يتحرونه من موافقة الإمام في اجتهاداته.
وإذا كان الصحابة رضي الله عنهم وافقوا عثمان في زيادة الصلاة، في نفس ركوعاتها، فكيف بزيادة صلاة مستقلة؟ فالصحابة رضي الله عنهم تابعوا عثمان حينما أتم الصلاة في منى، فإن المعروف من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وسنة أبي بكر، وسنة عمر، وسنة عثمان، ثمانية سنوات أو ست سنوات من خلافته أنهم كانوا يصلون في منى ركعتين، وفي آخر خلافة عثمان صار يصلي أربعا، حتى إن ابن مسعود رضي الله عنه لما بلغه ذلك استرجع، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون.
فجعل هذا أمرًا عظيمًا، ومع ذلك كانوا يصلون خلفه أربع ركعات مع إنكارهم عليه، كل هذا من أجل درء الخلاف، حتى قيل لابن مسعود: يا أبا عبد الرحمن، كيف تصلي مع عثمان أربع ركعات وأنت تنكر هذا؟ فقال: إن الخلاف شر (10). وهذا هو الصحيح، هذا هو الذي أمر الله به، ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون: 52]، ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: 13]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 159].

الأمة الإسلامية أمة واحدة، وإن اختلفت آراؤها يجب أن يكون مظهرها واحدًا لا تختلف؛ لأن الأمة الإسلامية لها أعداء يعلنون العداوة صراحةً، وهم الكفار الصرحاء، مثل اليهود والنصارى والمجوس والوثنيين والشيوعيين وغيرهم، وأناس أعداء لكنهم يخفون عداوتهم، مثل المنافقين، وما أكثر المنافقين في زماننا، وإن كانوا يتسمَّون باسم غير النفاق، كحزب معين مثلًا، لكنهم منافقون، طوائف تختلف لها أسماء وأشكال لكن المسمى واحد، كلها حرب على الإسلام وعلى أهل الإسلام، لذلك يجب على أهل الإسلام أن يكونوا أمةً واحدة.
ويؤسفنا كثيرًا أن نجد من الأمة الإسلامية المتفتحة من تختلف في أمور يسوغ فيها الخلاف، لكن الخلاف فيها لا يصل إلى اختلاف القلوب، فإن الخلاف فيها موجود في عهد الصحابة، ومع ذلك بقيت قلوبهم متفقة، فالواجب على الشباب خاصة وعلى كل ملتزم الواجب أن يكونوا يدًا واحدة، ومظهرًا واحدًا؛ لأن لهم أعداء يتربصون بهم الدوائر.
ونعلم جميعًا أن التفرق أعظم سلاح يفتت الأمة ويفرق كلمتها، حتى إن من القواعد المشهورة عند الناس: أنك إذا أردت أن تنتصر على أحد فاحرص على التفرقة بينهم؛ لأنهم إذا اختلفوا صاروا سلاحًا لك على أنفسهم، فالواجب أن تكون الأمة كلمتها واحدة وليس أحد بمعصوم، لكن إذا خالفك شخص في الرأي في آية أو حديث مما يسوغ فيه الاجتهاد؛ فالواجب عليك أن تتحمل هذا الخلاف، بل أنا أرى أن الرجل إذا خالفك بمقتضى الدليل عنده لا بمقتضى العناد أرى أنه ينبغي أن تزداد محبةً له؛ لأن الذي يخالفك بمقتضى الدليل لم يصانعك ولم يحابك، صار صريحا مثلما أنك أنت صريح، أما الرجل المعاند فالمعاند معاند ما أراد الحق، لكن الإنسان اللي تعرف أنه لم يحمله على تلك المخالفة إلا الدليل فيجب أن تتمسك به أكثر، وأن تقول: هذا الرجل الصريح الذي لا يصانعني ولا يداريني ولا يماريني هذا هو الحق.

جارٍ التحميل