ما هو الدليل على هذا الشرط؟ يقولون: ليس هناك دليل، لكن هناك تعليل؛ وهو أن الاستجمار خرج عما يجب من إزالة النجاسة بالماء، فهو خارج عن القاعدة، وما خرج عن القاعدة فإنه يقتصر فيه على ما جرت به العادة، فيقال: ما خرج عن العادة وانتشر إلى محل زائد هذا ما ورد فيه الاستجمار، إنما يحمل الاستجمار على الشيء المعهود المعتاد، لماذا؟ لأن الأصل في النجاسة أن تزال بماذا؟ بالماء.
اقتصر على الاستجمار فيما جرت فيه العادة؛ لأنه هو الظاهر، وما خرج عن العادة فإنه لا يجزئ فيه إلا الماء، واضح الآن؟ أعيد التعليل مرة ثانية، يقولون: لأن الاقتصار على الأحجار ونحوها في إزالة البول والغائط خرج عن نظائره ولَّا لا؟
طلبة: خرج.
الشيخ: خرج عن نظائره، فإذا كان خارج عن نظائره وجب أن يقتصر فيه على ما جرت به العادة، فما زاد عن العادة فالأصل أن يزال بماذا؟
طلبة: بالماء.
الشيخ: الأصل أن يزال بالماء.
ولو قال قائل: إنه إذا تعدى موضع العادة بكثير فصحيح لا يجزئ فيه إلا الماء، مثل لو ترشش البول على فخذه أو على ساقه أو على ركبته، فهذا ظاهر أنه لا بد فيه من الماء؛ لأنه ليس محل الخارج ولا قريبًا منه، وأما ما كان قريبًا فإنه يسامح فيه، ولعل هذا لا يعارض كلام الفقهاء.
إذا قلنا: إنه بشرط ألَّا يعدو موضع العادة، فإن تعدى موضع العادة فهل نقول: إن لكل موضع حكمه؛ بمعنى أن نقول: الذي لم يتعدَّ موضع العادة يجزئ فيه الاستجمار، والمتعدي لا بد فيه من الماء؟
طالب: هذا هو الظاهر.
الشيخ: هذا ظاهر كلامهم، وقال بعض أهل العلم؛ بعض الأصحاب -أصحاب الإمام أحمد-: إذا تعدى موضع العادة لم يجزئ في الجميع إلا الماء، والفرق بين القولين واضح؟ واضح.
الذين يقولون: إذا تعدى موضع العادة لا يجزئ إلا الماء، يقولون: لأنه لما لم يتمَّ الشرط فسد الكل.
والذين يقولون: إن ما زاد عن العادة هو الذي يحتاج إلى ماء، وما كان على موضع العادة يكفي الاستجمار، يقولون: لأن الحكم يدور مع علته، فما زاد عن موضع العادة يغسل، وما كان على موضع العادة يجزئ فيه الاستجمار.
طالب: يجزئ هنا إذا كان قريبًا وتعدى موضع الحاجة فإنه يغسل، إذا غسله بالماء اندفع بالماء إلى موضع الاستجمار؟
الشيخ: لا، يحرص على ألَّا يندفع، ولا إذا اندفع فالمذهب أنه ما يطهر، فيتنجس بالماء.
(ويشترط) اربط هذا الشرط، يجوز الاستجمار بشرط، بشروط الحقيقة؛ الشرط الأول: ألَّا يتعدى الخارج موضع العادة.
الشرط الثاني: قال: (ويشترط للاستجمار بأحجار ونحوِها أن يكون طاهرًا).
قوله: (بأحجار) جمع (حجر)، (ونحوِها) مثل: المدر؛ وهو الطين اليابس المتجمد، والتراب والخِرَق والورق، وما أشبه ذلك، فكلمة (نحوِها) أي: مثلها؛ مثل الأحجار في الإزالة، إذن الخشب يجزئ؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إي نعم، وكذلك الوَرَق.
يقول: (أن يكون طاهرًا) يعني: لا نجِسًا، ولا متنجِسًا.
والفرق بين النجِس والمتنجِس: أن النجِس نجس بعينه، والمتنجِس نجس بغيره؛ يعني: طرأت عليه النجاسة، فيشترط أن يكون طاهرًا؛ يعني: لا نجِسًا ولا متنجِسًا.
ما الدليل على اشتراط أن يكون طاهرًا؟
عندنا دليل، وعندنا تعليل؛ أما الدليل: فحديث ابن مسعود الذي أشرنا إليه قبل قليل: ألقى الروثة وقال: «إِنَّهَا رِكْسٌ» بالكاف، والرِّكس: النجس، هذا واحد.
ثانيًا: قوله في حديث أبي هريرة: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستنجى بعظم أو روث، وقال: «إِنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ» (11)، فدل هذا على أنه لا بد أن يكون المستجمَر به طاهرًا؛ لأن النجس هو خبيث، فكيف يكون مطهِّرًا؟
إذن عندنا دليل وتعليل؛ التعليل -هو كما قلت أخيرًا-: إن النجس هو خبيث، والخبيث لا يجعل الخبيث أن يكون طاهرًا.
الثاني: (منقيًا) يعني: يحصل به الإنقاء، فإن كان غير منقٍّ لم يجزئ، وأيش الدليل أو تعليل؟ تعليل؛ لأن المقصود بالاستجمار هو الإنقاء، بدليل: أن الرسول عليه الصلاة والسلام نهى أن يستنجى بأقل من ثلاثة أحجار (12)، كل هذا طلبًا للإنقاء؛ ولأن النبي عليه الصلاة والسلام قال في الذي يعذب في قبره: «إِنَّهُ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ» (13)، أو: «لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ» (14)، أو: «لَا يَسْتَبْرِئُ مِنَ الْبَوْلِ» (15)، ثلاث روايات.
فلا بد أن يكون منقيًا، فإن لم يكن منقيًا لم يجزئ، والذي لا ينقي؛ إما أن يكون لا ينقي لِمَلَاسَتِه، إذا كان أملس جدًّا فإنه لا ينقي، بل لا يزيد الطين إلا بِلَّة؛ لأنه إذا مسحت به وانجر إلى ما وراء الحلقة مثلًا أو الحشفة يلوثها ولَّا لا؟
طلبة: يلوثها.
الشيخ: يلوثها، وكذلك ما لا ينقِّي لرطوبته، هذا ما يجزئ لو كان رطبًا؛ أتى الإنسان بمدر رطب أو حجر رطب ما ينقِّي.
طالب: كالطين.
الشيخ: إي، كالطين.
وكذلك لو كان المحل قد نشف، يمكن أن ندخل هذا الشرط ولَّا لا؟
طلبة: ما يمكن.
الشيخ: لا يمكن؛ لأن الحجر هنا هو بنفسه صالح للإنقاء، لكن المحل غير صالح للإنقاء ولَّا لا؟ فلو كان بعدما يَبُس، ويش الفائدة من الحجر، فهو غير منقٍّ؟
فيمكن أن نجعل قوله هذا: (منقيًا) أن نجعل المفهوم يدخل فيه ثلاثة أشياء: ما لا ينقِّي لملاسته، وما لا ينقِّي لرطوبته، وما لا ينقِّي لجفاف المحل؛ لأن الحجر إذا ورد على محل جاف لا يحصل به الإنقاء، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: (أن يكون طاهرًا منقيًا غير عظم وروث) هذا الشرط ما أدري كم يصير؟
طلبة: أربعة.
الشيخ: ألَّا يتعدى موضع العادة، وأن يكون طاهرًا، وأن يكون منقيًا، الشرط الرابع: أن يكون (غير عظم وروث)، وهذا الشرط عدمي ولَّا وجوبي؟
طلبة: عدمي.
الشيخ: عدمي؛ لأن كلمة (غير) تدل على النفي؛ يعني: لا عظمًا ولا روثًا، ما هو الدليل؟ وما هو التعليل؟
الدليل أدلة، ما هو واحد؛ أن الرسول عليه الصلاة والسلام نهى أن يستنجى بالعظم أو الروث، كما في حديث سلمان (16)، وابن مسعود (7)، وأبي هريرة (11)، ورويفع (17)، وغيرهم، أحاديث كثيرة عن الرسول عليه الصلاة والسلام تدل على أنه لا يجوز الاستجمار بالعظم.
أما التعليل فنقول: إن التعليل إن كان العظم عظم مذكَّاة، فقد بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام العلة في ذلك، فإن هذا العظم يكون طعامًا للجن؛ لأنه الرسول عليه الصلاة والسلام قال لهم: «لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، أَوْفَرَ مَا تَجِدُونَهُ لَحْمًا» (18)، كل عظم مذكَّاة، فإن الجن يجدونه أوفر ما يكون لحمًا، سبحان الله العظيم! ونحن قد أكلناه وراح اللحم الذي فيه، لكن الذي خلقه أول مرة قادر على أن يكسوه مرة أخرى، لمن؟ لعباده من الجن.
طالب: (... )؟
الشيخ: ولهذا قال: «أَوْفَرَ مَا تَجِدُونَهُ لَحْمًا»، «كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ».
الطالب: (... ).
الشيخ: معلوم، كما أنه لا يجوز أن نستطعمه، نحن أيضًا لا يجوز أن نأكل ما لم يذكر اسم الله عليه، فهم كذلك.
الطالب: أقول: بالنسبة لـ «كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ» يعني: عند (... ) كطعام عند رميه؟
الشيخ: كيف يعني (... ) أي طعام؟
الطالب: طعام يكون متبقيًا.
الشيخ: إي، ربما يأكلون مرة أخرى.
الطالب: لكن الرسول أخبر أنها للشياطين هذه؟
الشيخ: المهم أننا نعلل العظم بأنه طعام إخواننا من الجن، كما أبلغ الرسول عليه الصلاة والسلام، هذا إذا كان طاهرًا، إذا كان نجسًا فالعلة ظاهرة؛ لأنه إذا كان رجسًا كيف يطهر؟ !
أما الروث فنقول فيه ما قلنا في العظم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قرن بينهما، فالأدلة في الروث هي الأدلة في العظم، وعلى هذا فنقول: الدليل واحد، والتعليل كذلك واحد، فإن الروثة إن كانت من طاهر فالعلة أنها طعام دواب الجن، وإن كانت من نجِس؟
طلبة: فهي رجس.
الشيخ: فهي رجْس؛ نجسة لا تطهر.
طالب: شيخ، لكن قوله: «إِنَّهَا رِكْسٌ» يعني: كل روثة ولَّا اللي أتى بها أبو هريرة؟
الشيخ: لا، الذي أتى بها أنها نجسة، روثة الحمار نجسة.
طالب: قوله: «إِنَّهَا رِكْسٌ» يعني: مردودة؟
الشيخ: ما هو صحيح؛ ولهذا قالوا: لو كان هكذا لقال: (رَكْس)؛ مصدر (رَكَسَ).
إذن نقول: الروث نستدل له بماذا؟ بما استدللنا به للعظم، ونعلله بما عللنا به العظم.
(وطعامٍ) طعام لمن؟ لبني آدم، وكذلك طعام لبهائم بني آدم، ما هو الدليل؟
الدليل أن نقول: إنه إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم نهى أن نستنجي بالعظم والروث (19)؛ لأنهما طعام الجن ودوابهم، فإن الإنس أفضل، فيكون طعامهم النهي عن الاستجمار به من باب أولى.
كما أن فيه أيضًا محذورًا آخر غير الدليل والتعليل السابق، وهو أن فيه كفرًا بالنعمة؛ لأن الله تعالى خلق هذا للأكل، ما خلقه من أجل أن يمتهن هذا الامتهان، والعياذ بالله، فيكون ذلك من باب الكفر بالنعمة، ففيه إذن دليل وتعليل، بل وتعليلان.
طالب: ولو كان يابسًا؟
الشيخ: ولو يابسًا، ما دام طعامًا للبهائم لو يابسًا، خلافًا لما تُوهِمُه عبارة الشارح.
فإذن نقول: كل طعام لبني آدم أو لبهائمهم فإنه حرام أن يستجمر به، وظاهر كلام المؤلف: ولو كان فضلة طعام، حتى لو كان فضلناه ولا نريده، ككِسَر الخبز، وما أشبهها، فإنه لا يجوز الاستجمار بها.
يقول: (ومحترم) المحترم هذا ما له حرمة فإنه لا يجوز الاستجمار به، مثل كتب العلم الشرعي الديني، هذا لا يجوز الاستجمار به، لماذا؟ للدليل: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]، ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: 30]، والتقوى واجبة؛ فلهذا لا يجوز أن يستجمر الإنسان بشيء محترم.
وظاهر كلام المؤلف: ولو كان مكتوبًا بغير اللغة العربية ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ولو كان مكتوبًا بغير اللغة العربية، ما دام أن موضوعه موضوعٌ محترمٌ، فإنه لا يجوز أن يستجمر به.
(ومتصل بحيوان) يعني: ما يجوز أن يستجمر الإنسان بشيء متصل بحيوان، لماذا؟ يقولون: لأن للحيوان حرمة، فلا يجوز أن يستجمر الإنسان بذيل بقرة ولا بأذن سَخْلَة؛ لأنها؟
طلبة: محترمة.
الشيخ: محترمة، وإذا كان علفها ينهى عن الاستجمار به، فكيف هي؟ !
فإن قلت: يلزم على تعليلك هذا ألَّا يجوز الاستنجاء بالماء؛ لأن اليد سوف تباشر النجاسة ولَّا لا؟ تباشرها؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وكذا تلوث بها، وتشم رائحتها فيه؛ رائحة النجاسة في يده، فعلى هذا لا يجوز أن تستنجي بالماء.
قلنا: قد قال به من قال من السلف، وقال: إن الاستنجاء بالماء بدون أن يتقدمه أحجار لا يجوز ولا يجزئ؛ لأنك تلوث يدك بالنجاسة، فماذا أصنع على هذا القول؟ فيه الآن مداسيس تدخل فيها اليدان من المطاط، إذا تبغي تستنجي تأخذ من هذه المداسيس وتستنجي بها.
طالب: تحملها معك يا شيخ؟
الشيخ: تحملها معك، نعم، وتغسلها بعد، لكن هذا القول ضعيف جدًّا، ويرده السنة الصحيحة الصريحة عن النبي عليه الصلاة والسلام بأنه كان يقتصر على الاستنجاء (20).
ونقول جوابًا على مباشرة اليد بالنجاسة: هذه المباشرة لإزالة الخبث، والمباشرة للإزالة ليست بمحظورة؛ أرأيت لو أنك تطيبت وأنت محرم؟ الطيب وأنت محرم حرام، لو واحد مثلًا وضع فيك الطيب في جبهتك أو في رأسك بعد أن أحرمت، يجب عليك أن تزيله؟
طلبة: نعم.
الشيخ: بيدك، ولا إثم عليك، ولا فدية عليك؛ لأن مباشرته هنا لإزالته، هذا مثال.
مثال آخر: رجل غصب أرضًا وصار يتمشى فيها، في يوم من الأيام وهو في وسط الأرض تذكر العذاب والعقاب، وأن الإنسان يحمل هذه الأرض من سبع أرضين، فتاب إلى الله توبة نصوحًا، من شرط التوبة النصوح: أن ينزع الإنسان عن الذنب فورًا، هذا الرجل قال: ماذا أصنع؟ إن بقيت في مكاني..
طالب: فبقائي محرم.
الشيخ: فبقائي محرم، وإن مشيت في الأرض المغصوبة، فقد استعملتها في خطوات محرمة، فماذا أصنع؟ نقول: هات هليكوبتر تنزعك، لكن متى يتصل بالمسؤولين؟ نقول: هذا الرجل مشيه من النقطة التي تاب منها إلى أن يخرج يأثم فيه ولَّا ما يأثم؟
طلبة: ما يأثم.
الشيخ: ما يأثم؛ لأنه للتخلص من الحرام الممنوع.
فالمهم أن مباشرة الشيء للتخلص منه لا يمكن أن يأثم الإنسان به؛ لأننا لو أثمناه به لكان من باب تكليف ما لا يطاق.
وعلى هذا فنقول: إذا أورد علينا مورد كيف تقولون: إنه يحرم الاستجمار بمتصل بالحيوان، وأنتم تبيحون للإنسان أن يمس ذلك النجس بيده عند الاستنجاء، الجواب؟
طالب: أنه فعله ليزيله.
الشيخ: ليزيله، فهو للتخلص منه وليس للتلوث به، فرق بين من يباشر للتخلص منه ومن يباشره للتلوث به.
(ومتصل بحيوان) حيوان نجس ولَّا طاهر؟
طلبة: كله واحد.
الشيخ: كله واحد؛ النجس والطاهر، فلو استجمر الإنسان في ذيل بعيره فهو كما لو استجمر في ذيل حماره، كلاهما محرم، الشروط كم الآن؟
طالب: سبعة.
الشيخ: سبعة؛ يشترط ألَّا يتعدى الخارج موضع العادة، وأن يكون طاهرًا، منقيًا، غير عظم، تجعلون الروث وما عطف عليها واحدًا؛ لأنه داخل في حيز النفي، تقول: غير عظم، أو تجعلون كل واحد عن شرط (... ).
صار خمسة بالإضافة إلى أربعة تكون تسعة، عظم روث طعام محترم (... )، خمسة مع الثلاثة الأولى ثمانية.
طالب: قد يوهم أنه يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم اكتفى بالحجرين؟
الشيخ: نسخ، هذا الإيهام يرده حديث سلمان الفارسي ألَّا تستنجي بأقل من ثلاثة أحجار.
الطالب: لكن فيه رواية أخرى في نفس الحديث أنه ذكر أبو هريرة.
الشيخ: هذه أيضًا إذا كان هكذا وصحَّ يزول الإشكال، مع أنه لا إشكال فيها الحقيقة، قد ذكرنا لكم قاعدة: إن النصوص المشتبهة تحمل على محكم، في كل شيء؛ في القرآن، وفي السنة، فإذا جاء مثلًا ما يوهم أن شيئًا فعل على غير شرطه والشرط محقق، فأن نعمل بماذا؟ بالمحكم المحقق.
طالب: ثبت أنه قال: «الْتَمِسْ لِي حَجَرًا ثَالِثًا» (... ).
الشيخ: طيب، ما فيه إشكال.
الطالب: أنا قلت: هذه لعله يحمل بعض الأخوان أن يكتفى بحجرين.
الشيخ: لا، هذه ما فيها إشكال.
طالب: شيخ، إذا كان الحيوان المذكَّى فيه زيادة، زيادة صغيرة يعني ليست.. ؟
الشيخ: الحيوان المذكَّى، وما ينتفع به؟
الطالب: ما ينتفع، قطع صغيرة.
الشيخ: ظاهر كلام المؤلف أنه لا بأس به؛ لأنه قال: (متصل بحيوان).
الطالب: (... ) حرام، عموم الجلد؟
الشيخ: ما هو بظاهر ما دام انفصل.
ثم قال: (ويشترط) هذا الشرط التاسع، (يشترط ثلاث مسحات منقية فأكثر) هذا في العدد.
المؤلف يقول: (ثلاث مسحات) والأحاديث الواردة ثلاثة أحجار، فهل نقول: إن كلام المؤلف رحمه الله مخالف للأحاديث أو موافق؟ ننظر؛ الدليل على اشتراط ثلاث مسحات ما هو؟ الدليل هو حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه في صحيح مسلم (21) قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، والمراد بالأحجار هنا أن لكل حجر مسحة؛ لأن الحجر الواحد قد يكون له جهات متعددة؛ شعب؛ ولهذا قال المؤلف: (ولو بحجر ذي شعب) فنحن نعرف العلة، والسبب في أن الرسول عليه الصلاة والسلام اشترط ثلاثة أحجار: لأجل ألَّا يكرر الإنسان المسح على وجه واحد؛ لأنه إذا كرر المسح على وجه واحد يستفيد ولَّا لا؟
طالب: لا يستفيد.
الشيخ: لا يستفيد، بل ربما يتلوث زيادة؛ فلهذا لا بد من ثلاثة أحجار، لو أنقى بدونها؟
طلبة: لا بد منها.
الشيخ: لا بد منها.
وقال بعض أهل العلم: إنه إذا أنقى بدونها كفى؛ لأن الحكم يدور مع علته، ولكننا نقول: إن الرسول عليه الصلاة والسلام نهى أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، وإذا كان نهى فإنه يجب ألَّا نقع فيما نهى عنه، ولأن الغالب أنه لا إنقاء بأقل من ثلاثة، ولأن الثلاث كمية رتب عليها الشارع كثيرًا من الأحكام.
نعم، لو فُرِضَ أن الخارج يابس يبوسًا لا يؤثر فيما مر عليه، فهنا لا يحتاج أصلًا إلى الاستنجاء أو استجمار؛ لأنه ما في شيء نزيله حتى نقول: إنه لا بد من الاستجمار أو الاستنجاء.
وقوله: (ولو بحجر ذي شعب) (لو) هل هي لرفع التوهم أو للخلاف؟
هي لدفع الخلاف؛ لأن بعض أهل العلم اقتصر على الظاهر في هذا الحديث وقال: لا بد من ثلاثة أحجار، والراجح ما ذهب إليه المؤلف؛ لأن العلة معلومة، فإذا كان حجرًا ذا شعبٍ واستجمر بكل جهة منه صحَّ.
طالب: شيخ، طيب لو قلنا (... )؟
الشيخ: أيهم (... )؟
قررت هكذا؛ لأنه قد لا يتأتي، بل إن الأكثر أنه لا يتأتي حجر ذو شعب ثلاث يكفي الاستجمار، حتى ولو كان له شعب؛ لأن ما من حجر إلا له زوايا، لكن هذه الشعب تكون صغيرة؛ بمعنى: أنه ما يمكن أن يستجمر به، وهذا يكون على المعتاد الغالب (... ).
وليس فيه أثر، فهذا حقيقة هو الإنقاء، فلا بد من الإنقاء.
يشترط في كمية الاستجمار (... ).
ولكن الصحيح أنهما لا يطهران (... ).
اشترطنا أن يكون طاهرًا وأتينا بالدليل (... )؛ لأنه من باب الاحترام؛ يعني: إذا كان علفها محترمًا، فهي أولى بأن تحترم، مع أن بعض أهل العلم يقول: إنه ليس هناك دليل على التحريم، وإن الإنسان لو استجمر بذلك وأنقى فلا حرج، وإذا وصل إلى المحلِّ الماءُ يفصله.
لكن نحن نقول: حتى لو ما كان هناك دليل ظاهر على التحريم، فالأولى التنزه عنه والبعد عنه.
يشترط أنه (... ) بعض العلماء استدل بحديث ابن مسعود على جواز الاستجمار بأقل، قال: إذا حصل الإنقاء فإنه لا يزال أكثر من الإنقاء، ولكن ما دام الحديث ورد في رواية أحمد: «ائْتِنِي بِغَيْرِهَا» (8)، وحديث سلمان صريح أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، فإنه لا يمكن أن يؤخذ بهذا الدليل المشتبه، ويلغى الدليل المحكم.
وقد قدمنا غير مرة أنه إذا اجتمع دليلان أحدهما محكم لا اشتباه فيه ولا إجمال والثاني مجمل أو مشتبه فيه، فالواجب الأخذ بالمحكم؛ لأن هذه طريق الراسخين في العلم، كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7]، فيحملون المتشابه على المحكم حتى يكون الأمر كله محكمًا.
طالب: حديث أبو هريرة (... )؟
الشيخ: أن نقتصر على الأحجار؛ لأن الأحاديث الواردة في ذلك كلها تدل على الأحجار (... ).
مسألة النفي صعبة؛ ما يوجد كذا، أو ليس فيه خلاف، مثلًا، مثل بعض العلماء يقول: ليس فيه خلاف؛ في المسألة، النفي من أصعب ما يكون؛ لأنك ما تحيط بكل شيء؛ ولهذا لو قال: لا أعلم صح، ما هو الجواب (... ).
النبي عليه الصلاة والسلام عن الاستنجاء بالعظم والروث دل على أن غيرهما جائز، وإلا لما كان من النهى فائدة، لو كان كل ما سوى الأحجار منهي عنه ما كان للنهي عن العظم والروث فائدة، صح ولَّا لا؟
طالب: فيه دليل يا شيخ.
الشيخ: وهو؟
الطالب: (... ) ثلاثة أحجار أو ثلاثة أعود أو ثلاثة (... ).
الشيخ: هذا من أفراد ابن ماجه، وأظن أن فيه ضعفًا.
طالب: الدارقطني يا شيخ؟
الشيخ: الدارقطني، ما أدري عن صحته، لكن على كل حال إن صح هذا الحديث فهو واضح في الموضوع، لكن إذا لم يصح فإننا نقول: النهى عن الاستنجاء بالعظم والروث يدل على جواز الاستنجاء بكل ما عداهما.
(يشترط ثلاث مسحات منقية) ثلاث ولَّا ثلاثة؟
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: بالرفع نائب فاعل.
والشرط في اللغة: العلامة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: 18]، وأما في الاصطلاح فهو: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده الوجود.
يقول: (يشترط) يعني: للاستجمار وإجزائه عن الماء، (ثلاث مسحات منقية) ثلاث مسحات على كل المكان، وإنما قيدت ذلك؛ لأن بعض أهل العلم رحمهم الله قالوا: إن الرسول اشترط ثلاثة أحجار؛ لأجل أن يكون حجر للصفحة اليمنى، وحجر للصفحة اليسرى، وحجر لحلقة الدبر، وعلى هذا القول يكون كم المسحة لكل واحد؟ مسحة واحدة، ولكن هذا ليس بصحيح، الصحيح أنه ثلاث مسحات تعم المحل.
(منقية) وسبق أن الإنقاء هو: أن يبقى أثر لا يزيله إلا الماء، أو هو: أن يرجع الحجر غير مبلول يابسًا.
قال: (فأكثر) أكثر من الثلاث، كيف يشترط ثلاثة فأكثر؟ لو قال قائل: هذا تناقض؛ ثلاث فأكثر، إذن أيش المعتمد: ثلاث ولَّا الأكثر؟
طلبة: ثلاث.
الشيخ: نقول: معنى الكلام ألَّا ينقص عن ثلاثة؛ ثلاث إن أنقته، فأكثر إن لم تنقِّ الثلاث؛ لأنه قد لا تنقي بثلاث مسحات، بل لا تنقي إلا بأربع أو خمس أو ست، ودليل ذلك سبق؛ حديث سلمان.
قال: (ولو بحجر ذي شعب) (لو) هذه شرط خلاف، (ولو بحجر ذي) (ذي) بمعنى: صاحب.
(شعب) جوانب، الشعبة: الجانب؛ يعني: لو بحجر له جوانب، فيمسح من جانب مرة، ومن جانب مرة، ومن جانب مرة، هذه ثلاث مسحات.
وقال بعض أهل العلم: لا بد من ثلاثة أحجار، اعتمادًا على ظاهر الأدلة؛ لأن ظاهر الأدلة ثلاثة أحجار، وألَّا نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، ولما جاء ابن مسعود بحجرين قال: «ائْتِنِي بِحَجَرٍ» (22)، فدل هذا على أنه لا بد من ثلاثة أحجار.
فمن تمسك بالظاهر قال: لا بد من ثلاثة أحجار؛ نستجمر بحجر ونلقيه، ونأخذ الثاني ونلقيه، ونأخذ الثالث؛ لأن هذا أكمل -بلا شك- في الطهارة؛ إذ إن الحجر ذا الشعب قد يكون في أحد الجوانب شيء من المسحة الأولى وأنت ما علمت به، فيكون الأحجار كل حجر منفرد أحسن.
ومن نظر إلى المعنى -والشرع كله معنًى وعلل وحكم- قال: إن الحجر ذا الشعب كالأحجار الثلاثة إذا لم تكن الشعب متداخلة (... ) اتخذ التلويث الشعب الأخرى، بل كل شعبة متميزة عن الأخرى فإنه يجزئ، وهذا هو الصحيح؛ لأن الشرع معانٍ لا مجرد ألفاظ.
(يسن قطعه) أي: قطع الاستجمار؛ أي: عدده، (على وتر) فإذا أنقى بأربع زاد خامسة، إذا أنقى بست يزيد سابعة، إذا أنقى باثنتين يزيد ثالثة؟
طلبة: لا، لا بد من الثالث.
الشيخ: أو ما يصلح هذا؟ هذا ما يصح؛ لأن الاستجمار ثلاث واجب، ما هو سنة.
وقد سبق أن بعض أهل العلم قال: إنه لا يشترط الثلاث إذا حصل الإنقاء بدونها، واستدل بحديث ابن مسعود، وسبق الجواب عنه، وبينَّا أن حديث ابن مسعود فيه: أن الرسول أمره أن يأتيه بحجر، وعلى هذا فلا يكون فيه دليل.
وقوله: (يسن قطعه على وتر) ما هو الدليل؟ الدليل قوله صلى الله عليه وسلم فيما ثبت في الصحيحين: «مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ» (23)، واللام للأمر.
فإن قلت: إن الأصل في الأمر الوجوب، وهذا يقتضي وجوب الإيتار؟
قلنا: نعم، الأصل في الأمر الوجوب، فإن أريد بالإيتار الثلاث فالأمر على ما هو عليه؛ للوجوب؛ لأنه لا بد أن يستجمر بثلاث، وإن أريد ما زاد فهو للاستحباب، يدل لذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» (24)، فبين الرسول عليه الصلاة والسلام أن هذا على سبيل أيش؟
طلبة: الاستحباب.
الشيخ: الاستحباب، إلا في الثلاث فإنها على سبيل الوجوب، كما سبق من حديث سلمان الفارسي: أمرنا ألَّا نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار (9).
ثم قال: (ويجب الاستنجاء لكل خارج) هذا بيان حكم الاستنجاء، وما يجب له الاستنجاء، فقال: (يجب) الاستنجاء واجب.
وهل المراد بالاستنجاء هنا تطهير المحل بالماء أو ما هو أعم من ذلك؟
الجواب: ما هو أعم من ذلك؛ يعني: تطهيره بالماء أو بالأحجار واجب.
ما هو الدليل على وجوب الاستنجاء؟ الدليل: أمر النبي عليه الصلاة والسلام علي بن أبي طالب أن يغسل ذكره لخروج المذي (25)، والمذي نجس.
وأيضًا قد يقال: إن قوله: «مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ» (23) يدل على الوجوب، وقد يعارض في ذلك، ولكن حديث سلمان واضح في الوجوب: أمرنا ألَّا نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار.
ولكن يقول المؤلف: (لكل خارج) من أين؟ من السبيلين، أما ما خرج من بقية البدن فإنه يغسل، إلا ثلاثة أشياء: الريح، فإنه لا يجب الاستنجاء لها؛ لأن الريح لا تحدث أثرًا، بل هي هواء فقط، فلا تحدث أثرًا في المحل إذا لم تحدث أثرًا في المحل فإنه لا يجب أن نغسله؛ لأن غسله حينئذٍ نوع من العبث.
الريح سواء كان لها صوت أم لم يكن طاهرة، وإن كانت رائحتها خبيثة.
وقال بعض أهل العلم: إنها نجسة، وما الذي يترتب على هذا؟ يترتب على هذا لو خرجت منك وثيابك مبلولة فإنها ستلاقي رطوبة، فإن قلنا: إنها نجسة، وجب غسلها، وإن قلنا: طاهرة، فلا يجب.
ولا نقول: إنه يترتب على ذلك ما ذكره بعض الفقهاء من أن المصلي لو حمل قربة من فساء هل تصح صلاته أم لا؟ لأن هذا أمر لا يمكن، ولكن بعض أهل العلم مشغوف بالإغراب في تصوير المسائل، ومثل هذا أمرٌ الأولى تركه؛ لأنه قد يعاب على الفقهاء أن يصوروا مثل هذه الصور النادرة التي قد تكون مستحيلة.
لكن الذي ذكرناه أولًا هو الواضح؛ إذا كانت نجسة ولامست شيئًا رطبًا، فمن المعلوم أن الشيء النجس إذا لامس رطبًا يتنجس الرطب، هذا هو اللي يترتب على ذلك، والصحيح أنها طاهرة؛ لأنه ليس لها جرم، وإنما هي هواء له رائحة خبيثة.
الثاني: الطاهر لا يجب الاستنجاء له، مثل المني يخرج من السبيل، فهو داخل في عموم قوله: (لكل خارج)، لكن الطاهر لا يجب الاستنجاء له، والتمثيل ظاهر في المني.
الثالث: غير الملوث؛ إذا خرج شيء لا يلوث؛ يعني: يابس مرة ما يلوث، وهذا -الله أعلم- بإمكانه، لكن إن أمكن فإنه لا يجب له الاستنجاء؛ لأننا نعلم أن الاستنجاء المقصود منه؟
طلبة: النظافة.
الشيخ: النظافة والطهارة، وهذا ليس بحاجة إلى ذلك، فصار الاستنجاء واجبًا لكل خارج من السبيلين، إلا ثلاثة أشياء وهى: الريح، والطاهر، وغير الملوث.
لو كان هذا الخارج شيئًا نادرًا -يعني: يندر خروجه- لكن خرج، مثل أن يخرج منه حصاة هل يجب الاستنجاء له؟
إن لوثت فإنه يجب الاستنجاء؛ لدخولها في عموم كلام المؤلف، وإذا لم تلوث فإنه لا يجب الاستنجاء؛ لعدم الحاجة إليه.
طالب: (... )؟
الشيخ: نقول هذا؛ لأجل إن أمكن.
يقول: (ولا يصح قبله وضوء ولا تيمم) (لا يصح قبله) أي: قبل الاستنجاء، (وضوء ولا تيمم) أفادنا المؤلف أنه يشترط لصحة الوضوء والتيمم تقدم الاستجمار أو الاستنجاء.
وهذا يحتاج إلى دليل، فما هو الدليل؟ لا أحد يشك أن فعل الرسول عليه الصلاة والسلام هو أنه يقدم الاستجمار على الوضوء، هذا هو المعروف من فعل الرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن هل مجرد الفعل يقتضي الوجوب؟ سبق لنا أن مجرد الفعل لا يقتضي الوجوب، إلا إذا كان بيانًا لمجمل من القول يدل على الوجوب، بناء على النص المبين.
أما إذا كان مجرد فعل فالصحيح الراجح عند أهل العلم أنه ليس للوجوب، وأنه للاستحباب، لكنَّ فقهاءنا رحمهم الله استدلوا على ذلك بحديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال له: «انْضَحْ ذَكَرَكَ وَتَوَضَّأْ» أو «اغْسِلْ ذَكَرَكَ وَتَوَضَّأْ» (26)، فقالوا: قدَّم ذكر غسل الذكر، والأصل أن ما قُدّم فهو أسبق؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أعطانا قاعدة حين أقبل على الصفا والمروة فقال حينما كان على الصفا: «﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» (27)، وفي رواية النسائي (28): «ابْدَؤُوا» بفعل الأمر، «بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ».
ولكن رواية مسلم يعارضها رواية البخاري حيث قال: «تَوَضَّأْ وَانْضَحْ فَرْجَكَ» (29) بهذا اللفظ: «تَوَضَّأْ وَانْضَحْ»، والجمع بينهما: أن يقال: إن الواو لا تقتضي الترتيب.
فعندنا الآن روايتان؛ رواية مسلم يقول فيها: «اغْسِلْ ذَكَرَكَ وَتَوَضَّأْ» (30)، ورواية البخاري: «تَوَضَّأْ وَانْضَحْ فَرْجَكَ» (31)، إن إحدى الروايتين قدمت ما أخرت الأخرى، ولكننا نقول: إنه لا تعارض، لماذا؟ لأن الواو لا تقتضي الترتيب، لكن يعارض ذلك رواية النسائي أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «اغْسِلْ ذَكَرَكَ، ثُمَّ تَوَضَّأْ» (32) بـ (ثم)، إلا أن هذه الرواية ذكر الحافظ ابن حجر أنها منقطعة، والانقطاع يضعف الحديث.
ولهذا ورد عن الإمام أحمد في هذه المسألة روايتان؛ رواية: أنه يصح الوضوء والتيمم قبل الاستنجاء، ورواية أخرى: أنه لا يصح، أيتهما المذهب؟
الطلبة: الثاني.
الشيخ: أنه لا يصح.
لكن فيه رواية ثانية اختارها الموفق وابن أخيه شارح المقنع على أنه يصح الوضوء والتيمم قبل الاستنجاء، وهذه المسألة إذا كان الإنسان في حال السعة، فإننا نأمره أولًا بماذا؟
طلبة: بالاستنجاء.
الشيخ: بالاستنجاء، ثم بالوضوء.
لكن أحيانًا تأتي المسألة بغير سعة؛ مثل أن ينسى الإنسان أن يستجمر استجمارًا شرعيًّا أو أن يستنجي؛ يعني: بال وتيبس نشف المحل، لكن ما هو على سبيل المطلوب؛ يعني: مسحه مرة أو مرتين وتنقى، ثم بعد ذلك لما جاء الوقت توضأ بدون استنجاء، ثم صلى، ماذا يجب عليه على المذهب؟
طلبة: أن يعيد الصلاة.
الشيخ: يجب عليه أن يعيد، أولًا يستنجي، ثم يتوضأ، ثم يصلي؛ يعيد الصلاة.
وعلى القول الثاني: لا يجب عليه؛ لأن الوضوء صحيح، لكن يجب عليه الآن أن يغسل النجاسة؛ يستنجي، لكن الاستجمار هنا متعذر، السبب؟ لجفاف المحل، والاستجمار لا يصح إذا جف المحل.
وعلى هذا فنقول على القول الثاني: أزل النجاسة فقط، ووضوؤك صحيح، وصلاتك صحيحة.
فنحن نقول: اللي أرى في هذه المسألة: أنه ما دام الإنسان في سعة فلا يقدم الوضوء على الاستنجاء؛ وذلك لفعل الرسول عليه الصلاة والسلام، وأما إذا حدث أمر كهذا؛ وقع نسيانًا أو جهلًا أو ما أشبه ذلك، فإنه لا (... ) الإنسان على أمره بالإعادة وإبطال وضوئه وصلاته.
طالب: القول بنجاسة الريح إذا صارت الثياب يابسة؟
الشيخ: ما يضر.
الطالب: ما يضر؟
الشيخ: لا.
الطالب: طيب الحديث يا شيخ هو قاله لعلي ولَّا للمقداد؟
الشيخ: قاله للمقداد، لكن المقداد اللي موصيه علي.
طالب: إذا قلنا: القول بأنه لا يجوز (... ) إذا توضأ ثم صلى، فكيف صلاته وهو متلبس بشيء من النجاسة؟
الشيخ: إي نعم، قد تزول النجاسة إذا استجمر بحجر أزالها مرة بمسحة واحدة، يطهر على القول الراجح، إذا زالت النجاسة طهرت بأي شيء.
الطالب: يعني المعنى أنه يجوز؟
الشيخ: لا، لازم ثلاثة أحجار، لازم من ثلاث مسحات، حتى ولو أنقى بمسحتين لا بد من ثالثة.
طالب: يعني يقصد المعنى؟
الشيخ: لا ينقي، المعنى لا بد من ثلاث مسحات، هذا رجل مسح مسحتين وأنقى مرة، طَهُرَ، ولكنه شرعًا ما يكفي هذا.
طالب: طيب يا شيخ الذي يعمل العمليات؟
الشيخ: إن هذا لا يعتبر حكمه حكم الخارج من السبيل، فلو خرج منه ريح ما تنقض الوضوء، يبقى على طهارته، وأما إذا خرج شيء نجس فهو معروف أنه ينقض الوضوء؛ لأن النجس إذا خرج من أي مكان من البدن أفسد الوضوء.
طالب: إذا توضأ ثم استنجى، هذا ملامس للفرج بيده؟
الشيخ: هذه المسألة تنبني على هل مس (... ) ينقض الوضوء أم لا؟ (... ) وإذا قلنا (... ).
الطالب: (... )؟
الشيخ: كيف؟ بالعكس، تغسل ذكرك ثم تتوضأ.
طالب: (... ).
الشيخ: أو قال: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأْ».
انتبهوا لهذا، الشارح رحمه الله؛ شارح الزاد - الروض المربع- نسب «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأْ» إلى الصحيحين، وليس كذلك.
[باب السواك وسنن الوضوء] (باب السواك وسنن الوضوء)
(السواك) فِعَال؛ من (سَاكَ يَسُوكُ)، أو من (تَسَوَّكَ يَتَسَوَّكَ)، ويطلق على الفعل وعلى الآلة، وأيش الآلة، آلة المكائن يعني؟
طلبة: العود.
الشيخ: آلة العود الذي يتسوك به، فيقال: هذا سِواك من أراك، كما يقال: هذا مِسواك، ويقال: السواك سنة؛ يعني: التسوك اللي هو الفعل.
وأما قول المؤلف: (وسنن الوضوء) فهذا من الغرائب، لكن رحمهم الله ذكروه هاهنا، ووجه الغرابة: أن سنن العبادة تذكر بعده؛ يعني: العلماء يذكرون العبادة بصفتها، ثم يقولون: هذا ركن، وهذا واجب، وهذا سنة، بعد أن يتصورها الإنسان؛ لأن الإنسان ما يتصور العبادة إلا (... ).
أقول: في هذا الباب بعض العلماء قال: باب السواك وسنن الفطرة، والمناسبة هنا واضحة؛ لأن السواك من الفطرة.
وبعضهم قال: السواك وسنن الوضوء، وجعل المناسبة: أنه لما كان السواك من سنن الوضوء قرن بقية السنن بالسواك، وإلا فالأصل أن السنن تذكر متى؟
طلبة: بعد ذكر الواجبات.
الشيخ: بعد ذكر الواجبات والأركان، كما فعلوا ذلك في كتاب الصلاة؛ ذكروا السنن بعد هذا.
قال المؤلف: (التسوك) انتبه نحتاج الآن للإعراب، (التسوك) مبتدأ، أين الخبر؟ (مسنون)، ما هو (بعود)، (بعود) جار ومجرور متعلق بـ (التسوك)؛ يعني: التسوك مصدر يعمل عمل فعله.
(التسوكُ بعودٍ لينٍ منقٍّ غيرِ مضرٍّ لا يتفتتُ مسنونٌ) (مسنونٌ) هذا الخبر.
أولًا: قال رحمه الله: (التسوك بعود) (بعود) جار ومجرور متعلق بماذا؟ بالتسوك.
طالب: (... ) متعلق بـ (مسنونٌ)، وهنا (بعود).
الشيخ: لا، التسوك؛ يعني: إذا استاك بعود.
(التسوك بعود) كلمة: (بعود) دخل فيها كل أجناس العيدان، سواء كان من جريد النخل، أو من عراجينها، أو من أغصان العنب، أو من غير ذلك، يشمل كل عود، فهو جنس شامل لجميع الأعواد، وما بعده من القيود فإنها فصول تخرج بقية الأعواد.
فخرج بقوله: (عود) التسوك بالخِرَق والأصابع فإنه ليس بسنة، على ما ذهب إليه المؤلف.
الثاني: (لينٍ) ويش خرج به؟
طلبة: اليابس.
الشيخ: خرج به بقية الأعواد القاسية، ما هي اليابسة، الأعواد القاسية هذه لا يتسوك بها، لماذا؟ لأنها أولًا: لا تفيد فائدة العود اللين، وثانيًا: أنها قد تضر اللثة إن أصابتها، وتضر الطبقة التي على العظم في الأسنان؛ تحكها حكًّا، هذا واحد.
ثانيًا: (منقٍّ) إحنا عودنا ما ينقي؟ نعم، يقولون: العود اللي ماله شعر -مثل الرطب رطوبة قوية- ما ينقي، تمر على أسنانك ما يفيدها شيئًا؛ لكثرة مائه، وقلة شعره التي تؤثر على إزالة الوسخ.
(غير مضرٍّ) احترازًا منين؟ مما يضر، قالوا: مثل الآس والريحان، وكل ما له رائحة طيبة، هل اللي له رائحة طيبة يضر؟ نعم، سبحان الله! كيف يضر؟ يقول: لأنه يؤثر على رائحة الفم، هذه الريح الطيبة تنقلب إلى ريح خبيثة، ما هي طيبة؛ ولهذا كل شيء له رائحة طيبة؛ يعني: من الطيب ما هي بالنكهة، فإنه لا يتسوك به؛ لأنه يضر.
طالب: غيرِ مضرٍّ ولَّا غيرَ مضرٍّ، (غيرَ) مفتوحة؟
الشيخ: لا، أحسن (غيرِ)، صفة.
(غيرِ مضرٍّ لا يتفتت) أيش معنى يتفتت؟
طلبة: لا يتساقط.
الشيخ: نعم، لا يتساقط، فإذا كان يتساقط فلا فائدة منه، بل هو يؤذيك أكثر؛ لأنه إذا تساقط في فمك معناه أنه ملأه أذًى، واحد معه عود من الغضى، تعرفون الغضى؟
طلبة: لا.
الشيخ: الغضى اللي يوقد به؛ لأنه أقرب للأراك، على كل حال الغضى هو عبارة عن خشب وعيدان يوقد به، هذا يتفتت؛ يعني: لو تستاك به يتفتت على طول، هذا لا يسن التسوك به؛ وذلك لأنه لا فائدة منه، بل لا يزيد الفم إلا وسخًا.
قال: (لا بأصبعٍ وخرقةٍ) التسوك بالأصبع ليس بسنة، ولا تحصل به السنة، سواء كان ذلك عند الوضوء أو لم يكن، هذا ما ذهب إليه المؤلف.
ولكن بعض أهل العلم خالف في ذلك، ومنهم الموفق صاحب المقنع الذي هذا الكتاب مختصره، وابن عمه شارح المقنع، قالوا: إنه يحصل من السُّنية بقدر ما حصل من الإنقاء.
وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في صفة الوضوء: أن النبي عليه الصلاة والسلام أدخل أصبعه عند المضمضة وحركها (33)، وهذا يدل على أن التسوك بالأصبع كافٍ، ولكنه ليس كالتسوك بالعود بلا شك؛ لأن التسوك بالعود أشد إنقاء، إنما قد لا يكون عند الإنسان في حال الوضوء شيء من العيدان يستاك به، فنقول له: يجزئ الاستياك بماذا؟ بالأصبع.
وقوله: (وخرقة) كيف التسوك بالخرقة؟
طالب: يضع الخرقة على الأصبع.
الشيخ: يضع الخرقة على الأصبع ملفوفة ويسوك، يقول مالك: ما تحصل السنة بذلك.
ولكن لا شك أن الإنقاء بالخرقة أقوى من الإنقاء بمجرد الأصبع؛ ولهذا بعض العلماء رحمهم الله قالوا: إن كان الإصبع خشنًا أجزأ التسوك به، وإن كان غير خشن فإنه لا يجزئ، وعلى هذا فأصحاب الحرف والبناء والمزارعين يجزئ بالأصابع، أما أصحاب النَّعمة فإنهم -نقول: النَّعمة ولا النِّعمة؟ النَّعمة بالفتح- فإنه لا ينفعهم.
يقول: (الخرقة) لا شك أنها أقوى تأثيرًا من الأصبع، فمن قال بأن الأصبع تحصل به السنة قال: إن الخرقة من باب أولى.
كلمة (أصبع) يقولون: ما أحد يغلط فيها إلا في الإعراب، من الناحية الصرفية ما أحد يغلط فيها أبدًا، في الإعراب يغلط فيها بعض الناس؛ يمكن يرفعها وهى منصوبة، أو بالعكس، لكن في الصرف ما يغلط فيها أبدًا، لماذا؟ لأن الصاد ساكنة، والهمزة والباء مثلثان؛ يعني: يجوز فيه فتح الهمزة وكسرها وضمها، مع فتح الباء وكسرها وضمها، ثلاثة في ثلاثة تسعة؛ ولهذا قال بعضهم ناظمًا تلك اللغات، ومضيفًا إليها (أنملة) أيضًا قال:
وَهَمْزَ أَنْمُلَةٍ ثَلِّثْ وَثَالِثَهُ
التِّسْعُ فِي إِصْبَعٍ وَاخْتِمْ بِأُصْبُوعِ
أعيده مرة ثانية وثالثة: وَهَمْزَ أَنْمُلَةٍ ثَلِّثْ وَثَالِثَهُ التِّسْعُ فِي إِصْبَعٍ وَاخْتِمْ بِأُصْبُوعِ
هذه مرتان
أَنْمُلة، إِنْمُلة، أُنْمُلة، وتقول: أَنْمِلة، وأَنْمَلة، وأَنْمُلة، هي تسع لغات فيها؛ الهمزة مثلثة، والميم مثلثة.
طالب: وثالثه؟
الشيخ: ثالثه الميم، أنمَلة؛ همرة، نون، ميم.
طالب: المعجون يا شيخ؟
الشيخ: المعجون؛ لأن الفرشة أظنها مثل السواك.
طالب: (غير عود).
الشيخ: ما هو بلازم، هي عود لين.
طلبة: لا.
الشيخ: على كل حال، إذا كانت تضر، لاحظْ إذا كانت تضر ما تصح.
طلبة: (... ).
الشيخ: ما دامت أنها تضر بدون معجون فهي كأنها من باب الدواء.
طالب: لو سوَّك أسنانه في يده؟
الشيخ: التركيب يعني؟
الطالب: إي.
الشيخ: الظاهر أن هذه ما تعتبر من الأسنان الحقيقة، نقول: ما يكفيك أنك تغسلها أو تنظفها بالصابون، لا بد أيضًا اللثة؛ لأن الحقيقة أننا..
طالب: (... ).
الشيخ: لا، إذا أدخل الماء في فمه (... ).
قال: (مسنونٌ) هذا خبر المبتدأ، المسنون اسم مفعول من: سَنَّهُ يُسِنُّهُ، فهو مسنونٌ، مثل: شده يشده، فهو مشدود، ورده يرده، فهو مردود.
إذن (مسنونٌ) معناه أنه قد شرع، ولكن من الذي سنه؟ معروف أن السن إنما هو لمن؟ للشرع؛ يعني: سنه الله ورسوله.
وقوله: (مسنونٌ) والمسنون عند أهل العلم: كل عبادة أُمِرَ بها لا على سبيل الإلزام، هذا المسنون، إذن فهو عبادة، فالمتسوك ليس منظفًا لأسنانه فحسب، ولكنه متقرب إلى الله عز وجل بسواكه، (مسنونٌ).
وقولنا: لا على سبيل الإلزام، إن كان على سبيل الإلزام؟
طلبة: فهو واجب.
الشيخ: فهو واجب، وكون التسوك مسنونًا قد دل عليه الحديث الصحيح، وهو قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» (34).
فقوله: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ» «لَأَمَرْتُ» يدل على أنه ليس بواجب؛ لأنه لو كان واجبًا لشق علينا، ولكن هل يدل على أنه ليس بمسنون؟ لا، يدل على أنه مسنون، مأمور به، لولا المشقة لكان واجبًا لأهميته.
وقول المؤلف: (كل وقت)، بالليل والنهار؟
طلبة: نعم.
الشيخ: بالليل والنهار، ما هو الدليل (... ) قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِّ، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» (35).
مَسنونٌ كلَّ وقتٍ لغيرِ صائمٍ بعدَ الزوالِ، مُتَأَكَّدٌ عندَ صلاةٍ وانتباهٍ وتَغَيُّرِ فَمٍ، ويَستاكُ عَرْضًا مُبْتَدِئًا بجانِبِ فمِه الأيمنِ ويَدَّهِنُ غِبًّا ويَكْتَحِلُ وِتْرًا و (يَجِبُ) التسميةُ في الوضوءِ مع الذِّكْرِ.
ويَجِبُ الْخِتانُ ما لم يَخَفْ على نفسِه، ويُكرَهُ الْقَزَعُ.
ومن (سُننِ الوُضوءِ) السواكُ، وغَسْلُ الكَفَّيْنِ ثلاثًا، و (يَجِبُ) من نومِ ليلٍ ناقضٍ لوُضوءٍ والبَداءةُ بمَضْمَضَةٍ ثم استنشاقٍ والمبالَغَةُ فيهما لغيرِ صائمٍ وتَخليلُ اللحيةِ الكثيفةِ والأصابعِ، والتيامُنُ،
«... مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» (1) يعني هذا الفعل البسيط يحصُل لك به هذا الأجرُ العظيمُ، فائدتانِ كبيرتانِ، وكثيرٌ من الناس يمضي عليه الشهرانِ والثلاثةُ ما يتسوَّك إمَّا جَهْلًا أو تهاوُنًا، المهمُّ أن فيه هاتينِ الفائدتينِ: «مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ».
يقول المؤلف: (لغيرِ صائمٍ بعدَ الزَّوالِ) يعني: مسنونٌ في كلِّ وقتٍ ليلًا ونهارًا إلا للصائم، كلمة (صائم) تعُمُّ النَّفْلَ والفرْضَ.
(بعدَ الزَّوالِ) أي: زوال الشَّمس.
ومتى يكون زوالُ الشمس؟ إذا مالتْ إلى جهة المغربِ؛ لأن الشمس أول ما تطْلع من ناحية الشَّرق، فإذا توسَّطَت السَّماءَ ثم زَلَّتْ عنه فقد زالتْ.
فما علامة الزوال؟
يقول أهل العلم: علامة الزَّوال أن تَنصِبَ شاخصًا؛ شيئًا مرتفعًا، وتنظرَ إليه، فما دام ظِلُّه ينقص فالشمس لم تَزُلْ، فإذا بدأ يزيد ولو شعرةً فالشمس قد زالتْ، هذه علامة الزوال.
وأمَّا بالنسبة للساعات الموجودة الآن، فأنت انصفْ ما بين طلوع الشمس وغروبها، والنصف هو الزوال؛ فمثلًا إذا كانت الشمس تطلع على الساعة الثانية عشرة وتغيب الساعة الثانية عشرة، كمْ يكون الزوال؟
طلبة: ست.
الشيخ: ست.
إذا كانت تطلع على واحدة ونصف؟
طلبة: (... ).
الشيخ: لا، ما هو عشر ونصف، واحدة ونصف أضيفها إلى اثني عشر: ثلاثة عشر ونصف، كم نصفهم؟ سبع إلا رُبع، إذنْ تزول على سبع إلا رُبع.
إذا كانت تطلع على عشرة ورُبع، كم نصفهم؟ خمس وسبع دقائق، تزول على خمس وسبع دقائق.
طالب: (... ).
الشيخ: ترى هذا بالتوقيت العربي، أمَّا بالتوقيت الإفرنجي لا.
المهمُّ أن الزوال له علامتان: علامة الظِّل وعلامة الساعات؛ علامة الساعات أن تنصف ما بين طلوع الشمس وغروبها، وعلامة الظِّل إذا بدأ الظل يزيد.
يقول: (لغير صائمٍ بعد الزَّوال) ما حُكْمه للصائم بعد الزوال؟
قالوا: إنه يُكرَه، فإذا زالت الشمس وأنت صائمٌ فلا تتسوَّك، لماذا؟ أيش الدليل؟ قالوا: عندنا دليلان:
أحدهما: الحديثُ الذي يُروَى عن الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِذَا صُمْتُمْ فَاسْتَاكُوا بِالْغَدَاةِ وَلَا تَسْتَاكُوا بِالعَشِيِّ» (2)، والعَشِيُّ ما بعد الزَّوال، هذا دليل.
والدليل الثاني: قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» (3)، والخُلُوف ما يظهر في الغالب إلا في آخر النَّهار، فما هو الخُلُوف؟
الخُلُوف: الرائحة الكريهة التي تكون في الفم عند خلوِّ المعدة من الطعام، لكنه لَمَّا كان ناشئًا عن طاعة الله صار طيِّبا عند الله عز وجل؛ «أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ»، وهل المراد في الدنيا أو في الآخرة؟
الصواب: في الدنيا والآخرة.
قالوا: فإذا كان أطيبَ عند الله من ريح المسك فإنه لا ينبغي أن يُزال، والسِّواك يُزيله، فلا ينبغي أن يُزال؛ بدليل دم الشَّهيد عليه؛ فإن دمَ الشَّهيد ما يُزال ولا يجوز أن يُزال، الشهيد الذي يُقتَل في سبيل الله يجب أن يبقى دمُهُ عليه ويُدفن في ثيابه في دمائه، كما أَمَر بذلك النبيُّ عليه الصلاة والسلام في شُهَداء أُحُد.
قالوا: كلُّ ما كان ناشئًا عن طاعة الله فإنه لا ينبغي إزالته.
وقال بعض أهل العلم: إنه يُسَنُّ للصائم كلَّ وقتٍ كغيره، واستدلوا بعموم الأحاديثِ الدالَّة على استحباب السواك في كلِّ وقتٍ بدون تفصيل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (لغير صائمٍ بعد الزَّوال) أي: فلا يُسَنُّ، بلْ يكون مكروهًا، وقبل الزوال؟ قالوا: يُستحَبُّ بيابسٍ ويُباح برطْبٍ.
فجعلوا السواك للصائم على ثلاثة أقسام أو له ثلاثة أحكام: مباحٌ برطْبٍ قبل الزوال، ومسنونٌ بيابسٍ قبل الزوال، ومكروهٌ بعد الزوال مطْلقًا.
ما دليلهم على ذلك؟
يقولون: إنه مسنونٌ للصائم قبل الزوال لعموم الأدلَّة باليابس، مباحٌ بالرطْبِ؛ لأن الرطْب لرطوبته يُخشى أن يتسرَّب منه طعمٌ يصل إلى الحلْق فيُخِلَّ بصيامه، وقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم للقيط بن صَبِرة: «بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» (4).
أما كونُه بعد الزوال يُكرَه فاستدلُّوا بأَثَرٍ ونَظَرٍ؛ الأَثَر: ما رواه ابن ماجه من حديث عائشة رضي الله عنها «إِذَا صُمْتُمْ فَاسْتَاكُوا بِالْغَدَاةِ وَلَا تَسْتَاكُوا بِالعَشِيِّ» (5)، هذا واحدٌ.
التعليل قالوا: لأنه بعد الزوال في الغالب تظهر من الصائم رائحةٌ كريهةٌ لخلوِّ المعدة من الطعام، هذه الرائحة الكريهة ناشئةٌ عن طاعةٍ، وإذا كانت ناشئةً عن طاعةٍ فإن الأَوْلى إبقاؤها كدَمِ الشهيد عليه؛ فإن الدم لا ينبغي إبقاؤه، بلْ ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه لَمَّا جُرِح في أُحُدٍ قامتْ فاطمةُ رضي الله عنها تغسل الدَّمَ عن وجْهِهِ (6)، أمَّا الشهداء فإن الرسول عليه الصلاة والسلام أَمَر أن يُدفَنوا في دمائهم وألَّا يُغَسَّلوا (7)؛ لأن هذا الدَّمَ المستقذَر ناشئٌ عن طاعة الله عز وجل فبقي، فكذلك هذه الرائحة التي تخرج من جوف الصائم في آخر النهار ناشئةٌ عن طاعة الله فينبغي إبقاؤها، ومن المعلوم أن التسوُّك يُزيلها لأنه مَطْهرةٌ للفَمِ، هذا هو التعليل، فصار عنده بذلك دليلٌ وتعليلٌ.
وقال بعض أهل العلم: إنه لا يُكرَهُ مطْلقًا للصائم، بلْ هو سُنَّةٌ في حَقِّه كغيره؛ قال في الإقناع -الإقناع هذا من كُتُب الحنابلة المتأخرين اللي يمشي على المذهب في الغالب- قال: وهذا أظهر دليلًا.
وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يُسَنُّ حتى للصائم بعد الزوال، ما هو الدليل؟
فيه أدلَّة عامَّة مثل حديث عائشة اللي سبق لنا الإشارة إليه: «السِّواكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ»، وهذا عامٌّ ما استثنى منه الرسول عليه الصلاة والسلام شيئًا، وقد عَلِمْنا من القواعد الشرعية التي دلَّت عليها السُّنَّة وأخذ بها أهل العلم أن العامَّ يجب إبقاء دلالته على عمومه كما علَّمنا بذلك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنه لما سُئل عليه الصلاة والسلام عن الْحُمُر وعن أجْرها حين تكلَّم عن أجْر الخيل التي تُربَط للجهاد في سبيل الله؛ قالوا: يا رسول الله، فما الْحُمُر؟ قال: «إِنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهَا هَذِهِ الْآيَةُ الْفَاذَّةُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7، 8]» (8)، هذا استدلالٌ بماذا؟
طالب: بالعموم.
الشيخ: بالعموم، فإذا كان كذلك فإنَّ الواجب في الكتاب والسُّنة أن تبقى دلالتهما على العموم إلا أنْ يَرِدَ مخصِّص، واعلمْ أنه لا يُمْكن أن يأتي لفظٌ عامٌّ إلا وَرَدَ له مخصِّص إمَّا متَّصلٌ وإمَّا منفصلٌ، إمَّا لسببٍ وإمَّا لغير سببٍ، هذا لا بد، لماذا؟ لأن مِن جملة البيان تخصيص العموم؛ إذْ إنَّه لو جاءنا لفظٌ عامٌّ وحُكْمه غير عامٍّ ثمَّ لم يأتِ دليلٌ يخصِّصه، هلْ في ذلك تِبيانٌ لكلِّ شيء؟ لا، فمِن جُمْلة التِّبيان لكلِّ شيءٍ -الذي بيَّن الله أن القرآن تبيانٌ لكلِّ شيءٍ- مِن جُمْلته أنه لا يمكن أن يأتي لفظٌ عامٌّ وقد كان بعضُ أفراده لا يتناول هذا الحكْمَ إلا ولا بدَّ أن يأتي ما يخصِّصه؛ إمَّا بشيءٍ متَّصلٍ، مثل أيش المتَّصل؟ كالاستثناء والشرط، وإمَّا بشيءٍ منفصلٍ، وإمَّا بسببٍ، وإما بغير سببٍ، فالأقسام أربعة؛ كلُّ عامٍّ لا يعمُّ حُكْمه جميعَ أفراده فلا بدَّ أن يقوم دليلٌ على تخصيصه، إما متَّصل، أو منفصل، أو بسببٍ، أو بغير سببٍ.
ما هو الدليل على هذه القاعدة؛ لأن هذه القاعدة نجزم بها؟
الدليل قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: 89]، وقوله: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: 1]، ومن جُمْلة التفصيل تخصيص العامِّ لو كان هناك ما يخصِّصه.
نشوف الآن الأقسام الأربعة وإنْ كنَّا خرجنا عن هذا، لكن أنا أحبُّ دائمًا أن نتعرَّض للقواعد؛ لأنها أهم من المسائل الفردية بالنسبة لطالب العلم.
العامُّ الذي وَرَدَ تخصيصه كثيرٌ في القرآن وفي السُّنة؛ قال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: 1، 2] هذا عامٌّ، جاء التخصيص؟
الطلبة: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر: 3].
الشيخ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.
﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ﴾ [البقرة: 217] فـ ﴿مَنْ يَرْتَدِدْ﴾ هذا عامٌّ، وجاء بعده قَيْدٌ: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾، وفي السُّنة أيضًا مِن هذا كثيرٌ، هذا بدون سببٍ؛ المخصِّص المتَّصل.
المخصِّص المتَّصل بسببٍ مثل حديث ابن عباس في فتح مكة حينما تكلَّم الرسول عليه الصلاة والسلام عن حُكْم مكة وأشجارها وتكلَّم بكلامٍ عامٍّ: «لَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا» -إلى آخره- فقال العباس: إلا الإذْخِر.
فقال النبي عليه الصلاة والسلام «إِلَّا الْإِذْخِرَ» (9)، فمقتضَى الأدلَّة العامَّة أنَّ اليوم الذي كسَنَةٍ كمْ يلزم من الصلوات؟
الطلبة: خمس صلوات.
الشيخ: خمس صلوات، ولكنَّ الصحابة سألوا الرسولَ صلى الله عليه وسلم: هل تكفينا فيه صلاةٌ واحدةٌ؟ فقال: «لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ».
هذا دليلٌ منفصلٌ لسببٍ.
دليلٌ منفصلٌ لغير سببٍ: قال النبي عليه الصلاة والسلام «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ» (10)، هذا عامٌّ، كان النبيُّ عليه الصلاة والسلام إذا دخل بيتَه فأوَّل ما يَبْدأُ به السواك (11)، هذا عامٌّ، هذه الأدلَّة العامَّة مِن قول الرسول عليه الصلاة والسلام ومِن فِعْله ما يمكن أن نخصِّصها إلا بدليل.
قالوا: والدليل الحديث الذي أشرْنا إليه: «إِذَا صُمْتُمْ فَاسْتَاكُوا بِالْغَدَاةِ وَلَا تَسْتَاكُوا بِالْعَشِيِّ»، وثانيا: التعليل الذي ذكرْنا.
ولكن الذين قالوا باستحباب السواك للصائم مطْلقًا قالوا: أمَّا الحديث فإنه ضعيفٌ لا يَقْوى على تخصيص العموم؛ لأن الضعيف ليس بِحُجَّةٍ، فلا يَقْوى على إثبات حُكْمٍ، وتخصيص العموم حُكْم ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: حُكْمٌ؛ لأنه إخراجٌ لهذا المخصَّص عن الحكْمِ العامِّ وإثباتُ حُكْمٍ خاصٍّ به، فيحتاج إلى ثبوت الدليل المخصِّص، وإلَّا فلا يُقْبل.
وأمَّا التعليل فإنه عليلٌ؛ وذلك لأن الذين قُتِلوا في سبيل الله وأَمَرنا الرسول عليه الصلاة والسلام ببقاء دمائهم إذا بُعِثوا يوم القيامة فإنهم يبعثون يوم القيامة وكَلْمُهم يخرج دمُهُ؛ «يَثْعَبُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ والرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ» (12)، فلا ينبغي أن يُزال هذا الشيء الذي سيوجد يوم القيامة، ونظيره تمامًا قول النبي عليه الصلاة والسلام في الذي مات في عَرَفة، قال: «كَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ»، ولهذا ينبغي لمن مات مُحْرِمًا ألَّا نطلبَ له خِرقةً جديدةً، بلْ نُكَفِّنه في ثياب إحرامه التي عليه، وعلَّل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بأنه «يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» (13)، فيُكَفَّن في ثيابه كما أَمَر بذلك النبيُّ عليه الصلاة والسلام.
ونقول أيضًا: إنه منتقضٌ؛ ربْطُ الحكْمِ بالزوال ينتقض طردًا وعكسًا؛ لأنه قد تحصُل هذه الرائحة قبل الزوال؛ لأنها سببها خلوُّ المعدة من الطعام، وإذا لم يتسحَّر الإنسان في آخِر الليل ستخلو معدته مبكرًا، وأنتم لا تقولون: إنه متى وُجِدتْ رائحةُ النكهة الكريهة هذه يُكرَه السواك.
هذه واحدة.
ثانيًا: منتقضٌ بالعكس أو بالطرد بأن نقول: إنَّ مِن الناس مَن لا تحصُل عنده هذه الرائحة الكريهة، وهذا موجودٌ حِسًّا، مُشاهَدٌ؛ فإنَّ بعض الناس لا توجَد عنده؛ إمَّا لصفاء معدته، وإمَّا لأنه ما يتهضم الطعام منه بسرعة، وإن كان هذا الأخير قد تحصل منه روائح أكثر، لكنْ على كلِّ حالٍ هذه العِلَّة منتقضة، وإذا انتقضت العلَّة انتقض المعلول؛ لأن العلَّة أصلٌ والمعلول فرعٌ، فالصواب إذنْ أن السواك سُنَّةٌ حتى للصائم، ويؤيِّده هذا الحديث وإنْ كان ضعيفًا، حديث عامر بن ربيعة: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ما لا أُحصِي يتسوَّك وهو صائمٌ (14).
طالب: ما يقال: إنه ما تزول الرائحة بالسواك؛ الرائحة من المعدة ولا تزول بالسواك؟
الشيخ: واللهِ هذه ما أدري، هذه عند اللِّي يشمون، أنا ما أشمُّ.
طالب: أحيانًا النهار قصير ما..
الشيخ: ما يصير رائحة..
الطالب: فايحة لعامة الناس.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: في الشتاء.
الشيخ: لكن السؤال الآن أنه حتى لو تسوَّك الإنسان ما تروح الرائحة.
طالب: صحيح.
الشيخ: صحيح، تبقى؟ إذنْ بعد (... ) تكون.
طالب: (... ).
الشيخ: إي، على كلِّ حالٍ الحمدُ لله، الأدلَّة عندنا ظاهرة في العموم، وهو الراجح
طالب: وما الجواب عن حديث لقيط (... ) الصائم عن المبالغة في المضمضة والاستنشاق؟
الشيخ: هذا واضح؛ لأن الخوف من أنْ يتسرَّب الماءُ إلى جوفه.
طالب: (... )؟
الشيخ: نقول في هذه الحال: إنه يُمْكنه إمساكه إذا كان له طعمٌ، حتى لو فُرِض أنه قد يَبِس وأنه مع رطوبته بالريق يمكن يظهر طعمه فلا بدَّ أن تَتْفُله.
طالب: (... ).
الشيخ: إي، يمكن.
طالب: «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» الحديث ما يصير دليلا لهم؟
الشيخ: لا أبدًا لأنه كما سمعت ما يترتب مثل ما قال بعض السلف، قال: ماذا يريد الله من (... )، إنما المعنى أن هذا له أثر طيب عند الله وإن كان مكروها عندكم.
طالب: (... ) مرضاة الربِّ أطيب من ريح المسك، ما (... )؟
الشيخ: مرضاة الرب؟
طالب: أطيب من ريح المسك، ما (... )؟
الشيخ: ما (... ) فيها شيء، لأنه أطيب عند الله من ريح المسك.
طالب: شيخ، (... ).
يقول المؤلف: (متأكِّدٌ عِنْدَ صلاةٍ).
(متأكِّدٌ) هذه خبرٌ ثانٍ لقوله: (التسوُّك)، وتعدُّد الأخبار جائزٌ؛ قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: 14] فـ ﴿الْوَدُودُ﴾ هنا خبرٌ ثانٍ، ولا يجوزُ أن يكون صفةً لـ ﴿الْغَفُورُ﴾؛ لأن نفس ﴿الْغَفُورُ﴾ صفةٌ بالمعنى العامِّ، ما هو بالمعنى النَّحْوي اللي هو النعت؛ لأن ﴿الْغَفُورُ﴾ هذه خبر.
يقول: (متأكِّدٌ عِنْدَ صلاةٍ وانتباهٍ) إلخ.
كلمة (صائم) في كلام المؤلف: (لغير صائمٍ)، نفلًا ولَّا فرضًا؟
الطلبة: (... ).
الشيخ: الفرض والنفل، نعم.
يقول: (عِنْدَ صلاةٍ وانتباهٍ وتغيُّرِ فَمٍ) ثلاثة أمورٍ ذكرها المؤلِّف:
أولًا: (عِنْدَ صلاةٍ) الدَّليل قوله صلى الله عليه وسلم: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ»، وكلمة: «عِنْدَ» في الحديث وفي كلام المؤلِّف تقتضي القُرْبَ؛ لأن العِندية معناها: الشيء القريب من الشيء، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: 206]، كما قال في الكتاب الذي كَتَبه: «فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ» (15)، فالعِنْديَّة تقتضي القُرْب من الشيء، فإذنْ (عِنْدَ صلاةٍ) يكون قُربَ الصلاة، وكُلَّما قَرُبَ منها فهو أفضل، وأمَّا قول بعضهم: إن المراد بـ (عند الصلاة) يعنى: الوُضوء.
فهذا ليس بصحيح؛ لأن الوُضوء قد يبعد عن الصلاة، هذه من جهةٍ؛ لأن الوُضوء له سواك خاصٌّ، فالصواب أن (عند الصلاة) يعني: قُرْب الصلاة.
ولكن بعض الناس يقول: إنَّ التسوُّك لا بدَّ أن يكون هناك وَسَخ، فهلْ نفعل كما يفعل العامَّة إذا تسوَّك مصَّ السواك وبلعه؟
الجواب: لا؛ لأن معنى ذلك أنك تُزيل الوَسَخ من الأسنان لأجْل تجعله في المعدة، وهذا خِلاف مقصود الشرع، بلْ إنك إذا أحسسْتَ بأن هناك أوساخًا حَمَلها السواكُ فإنك تأخذه أو تمصُّه ثم تَتَفُله، أو تأخذه مثلا وتعصره بين أصبعيك أو في منديل حتى يذهب هذا الوَسَخ.
وقوله: (عند صلاةٍ)، فرضًا ونفلًا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: جنازة وصلاة ذات ركوعٍ وسجودٍ؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: حتى عند صلاة الجنازة لعموم الحديث.
عند سجود التِّلاوة؟
الطلبة: (... ).
الشيخ: ينبنى على الخلاف؛ إن قلنا: بأنه صلاة -كما هو المشهور من المذهب- سُنَّ له ذلك، وإلا فلا، وكذلك سجود الشُّكر.
ولكننا نقول: إذا لم نقلْ بأنه متأكد عند سجود التلاوة فإنه داخلٌ في أنه مسنون كُلَّ وقتٍ، لكننا لا نعتقد بأنه مسنونٌ من أجْل هذا الشيء إذا قلنا بأن سجود التلاوة ليس بصلاةٍ.
طالب: إذا كبَّر (... )؟
الشيخ: لا، يُكبِّر؛ لأننا ذكرنا من قبلُ قواعدَ حول هذا الأمر فقلنا: الفضيلة المتعلِّقة بذات العبادة أَوْلى بالمحافظة من المتعلِّقة بمكانها.
وقلنا أيضًا: إن الفضيلة المتعلِّقة بذاتِ العبادة أَوْلى من الفضيلة التي تُشرع للعبادة؛ لها، والسواك مشروعٌ: لَهَا ولَّا فيها؟
الطلبة: لها.
الشيخ: لها، فعلى هذا يُقدَّم إدراك تكبيرة الإحرام.
وأمَّا المتعلِّقة بالمكانِ وذاتِ العبادة فقد مثَّلنا لذلك بماذا؟
طلبة: (... ).
الشيخ: بالرَّمَل في طواف القُدوم، والقربِ من البيت؛ أيهما أولى؟ الرَّمَل أَوْلى من الدُّنوِّ من البيت؛ لأن الرَّمَل سُنَّةٌ تتعلَّق بذات العبادة، والدنوَّ من البيتِ تتعلَّق بماذا؟
طلبة: بمكانها.
الشيخ: بمكانها، نعم.
(عِنْدَ صلاةٍ وانتباهٍ)، انتباه منين؟
الطلبة: من النوم.
الشيخ: من النوم؛ لقولِ حذيفةَ بنِ اليمانِ رضي الله عنه: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا قامَ مِن النوم يَشُوصُ فاهُ بالسِّواك (16).
(يَشُوصُ) قال العلماء: معناه: يدلكه ويغسله بالسِّواك.
وعند الانتباه من النوم يُسَنُّ، وظاهرُ كلام المؤلف أنه يُسَنُّ عند الانتباه من نومِ الليل ومن نومِ النهار؛ لأنه قال: (وانتباهٍ) ولم يَخُصَّه بالليل، فإذا استدللنا بحديث حذيفة على هذه المسألة فهل استدلالُنا صحيحٌ على قاعدة الدليل؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، لماذا؟
الطلبة: (... ).
الشيخ: لأن الدليل أخصُّ، ولا يمكن أن يُستدَلَّ بالأخصِّ على الأعمِّ، لكن قد يُقالُ: إنَّ حذيفة رضي الله عنه رأى الرسول عليه الصلاة والسلام عند الانتباه من نومِ الليل، ولا يمنع أن يكون ذلك أيضًا عند الانتباه من نومِ النهار؛ لأنَّ العِلَّة واحدةٌ، وهي تغيُّر الفَمِ بالنَّوم، وعلى هذا فيُسَنُّ -كما قال المؤلِّف- عند الانتباه مطْلقًا؛ بالدَّليل في نومِ الليل، وبالقياس في نوم النَّهار.
واعلمْ أنَّ القياس الجليَّ الواضح يُعبِّر عنه بعضُ أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية بالعموم المعنويِّ؛ لأنكم تعرفون أنَّ العموم يكون بالألفاظ كالصِّيَغِ المعروفةِ، وقد يكون بالمعاني؛ بمعنى: أننا إِذا تيقَّنَّا أو غَلَب على ظنِّنا أن هذا المعنى الذي جاء به النَّصُّ يشمل هذا المعنى الذي لم يدخلْ في النَّصِّ لفظًا فإننا نقول: دخل فيه بالعموم المعنويِّ.
وإذا قلنا: إنَّه ثَبَتَ بالقياس الجليِّ فالأمرُ واضحٌ؛ لأن السُّنَّة -أو الشرع- لا تفرِّق بين متماثلين.
(وتغيُّرِ فَمٍ) أي: متأكدٌ أيضًا عندَ تغيُّر الفَمِ، الدَّليل؟
طالب: «مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ».
الشيخ: «مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ»، فمعنى ذلك: متى احتاج الفَمُ إلى تطهيرٍ كان السواكُ مشروعًا.
قال المؤلِّف: (ويَسْتاكُ عَرْضًا)، بالنِّسبة للأسنان، وطولًا بالنِّسبة للفَمِ؛ يستاكُ عرضًا هكذا، طول الأسنانِ كذا، فيستاك عرضًا بالنسبة لها، وطولًا بالنِّسبة للفمِ.
وين طول الفم؟ من اليمين إلي الشِّمال؛ يعنى: من الأُذُن اليُمنى إلي الأُذُن اليُسرى، هذا طوله، فهو طولًا بالنسبة للفَمِ، وعرْضًا بالنسبة للأسنان.
وقال بعض أهل العلم: يستاكُ طولًا بالنسبة للأسنان؛ لأن هذا أَبْلَغ في التنظيف، لأنه لو اسْتاكَ طولًا ينظِّف ما بين الأسنان أكثر.
ويحتمل أن نقول: إنه يُرجَع في ذلك إلى ما تقتضيه الحال؛ فإذا اقتضت الحالُ أن يستاكَ طولًا استاك طولًا، وإن اقتضت أن يستاكَ عرضًا استاك عرضًا، ما دام المسألة ما فيها سُنَّةٌ بيِّنَةٌ.
(يَسْتاكُ عَرْضًا مبتدِئًا بجانب فَمِه الأيمن) الجانب الأيمن هذا ولَّا ذا؟
اللِّي إلى الأذن اليُمْنى، ودليله أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يُعْجبُه التيامُنُ في تَنَعُّلِه، وتَرَجُّلِه، وطُهورِه، وفي شأنه كلِّه (17).
وبماذا يستاك؟ هل هو باليد اليُمنى أو باليد اليُسرى؟
اختلف أهل العلم في ذلك:
فقال بعضهم: يستاك باليد اليُمنى؛ لأن السِّواك سُنَّةٌ، والسُّنَّةُ طاعةٌ لله عز وجل وقُربةٌ إليه، فلا تناسبُ أن تكون باليُسرى؛ لأنَّ اليسرى تُقدَّم للأذى، كما تقدَّم أن القاعدة: أن اليُسرى تقدَّم للأذى، واليُمنى لما سواه.
وإذا كان السواك عبادةً فالأفضل أن يكون باليمين.
وقال آخرون: بل باليسار أفضل، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وعلَّلوا ذلك: بأن السواك لإزالة الأذى، وإزالة الأذى تكون باليُسرى كالاستنجاء والاستجمار، فإنه يكون باليُسرى ولا يكون باليُمنى.
ولكننا نقول: صدقتم، إن السواك إزالةٌ للأذى؛ «مَطْهَرَةٌ للفَمِ»، لكنْ في نفس الوقت هو «مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» فهو طاعة.
وفصَّلَ آخرون في هذا فقالوا: إنْ تسوَّك لتطهير الفَمِ -كما لو كان بعد الأكلِ مثلًا أو بعد النومِ- إِنْ تسوَّك لتطهير الفَمِ فيكون؟
الطلبة: باليسرى.
الشيخ: باليسار؛ لأنه لإزالة الأذى.
وإنْ تسوَّك لتحصيل السُّنَّة فيكون؟
الطلبة: باليمين.
الشيخ: باليمين؛ لأنه مجرَّد قُربة؛ كما لو كان قد توضَّأ قريبًا واستاكَ عند الوضوء ثم حضر إلى الصلاة، فإنَّه يستاك هنا؟
الطلبة: باليمين.
الشيخ: لتحصيل السُّنَّة، فيكون باليمين، وإلى هذا ذهب بعضُ علماء المالكية ففصَّلوا فيه هذا التفصيل.
وعندي أنَّ الأمر في هذا واسعٌ، وأنه إن استاك باليمين فباليمين، وباليسار فباليسار؛ لأنه ليس هناك سُنَّةٌ واضحةٌ في هذه المسألة.
طالب: الاستنشاق والاستنثار يُباشَر باليسار؟
الشيخ: باليسار.
الطالب: (... )؟
الشيخ: إي، بَس الاستنثار.. يصيب اليدَ مخاطٌ وشيءٌ قذِرٌ، بخلاف هذا، على كل حال يُمْكن ما يصيب ويُمْكن يصيب، لكنْ مثلًا تتسوك تمسك المسواك فقط.
فالأقوال إذنْ ثلاثة: المشهور من مذهب الحنابلة هو أنه يستاك باليسار مطْلقًا.
طالب: أقول: إنَّ الأذى اللي في الفَم خِلافُ الأذى الخارج من السبيلين، فالقول هذا بأنه لإزالة الأذى فهو باليسار..
الشيخ: لا، هم يقولون: إن الأذى منه نجسٌ قَذِرٌ ومنه ما هو دون ذلك.
الطالب: بالإضافة لأنَّ الاستياك عايز مهارة، بخلاف الاستنجاء.
الشيخ: كيف مهارة، ويش؟
الطالب: يعني ما يستطيع اللي هو ليس بأعسر أنه يستعمل السواك بيده اليُسرى.
الشيخ: لا، الأعسر غيره، الأعسر شيء آخر.
الطالب: لا، أقول: خلاف الأعسر؛ العادي ما يستطيع أنه يستعمل اليُسرى في شيء ينظِّف به.
الشيخ: عجيب، لا، الآن نحن استياكُنا باليسار وضابطينه تمامًا.
طالب: (... ).
الشيخ: إي نعم، صح.
يقول المؤلف: (ويستاكُ عَرْضًا مبتدِئًا بجانب فَمِه الأيمن).
انتهى الكلام على السواك، فصار السواك سُنَّة، وينبغي أن يتسوَّك بعُودٍ ليِّنٍ، مُنْقٍ، غيرِ متفتِّتٍ ولا ضارٍّ، ويتأكَّد في خمسة مواضع.
قال: (ويَدَّهِنُ غِبًّا).
(يَدَّهِنُ)، ويش معنى (يَدَّهِنُ)؟ أي: يستعمل الدُّهْن في شعره، فيدَّهن (غِبًّا) الغِبُّ يعني: يومًا ويومًا؛ يعني: يومًا يفعل ويومًا لا يفعل، وليس بلازمٍ أن يكون يومًا ويومًا هكذا بالترتيب، يُمكن يومًا ويترك يومين، أو يومين ويترك يومًا، المهم ألَّا يستعمل ذلك دائمًا؛ لأنه إذا استعمله دائمًا صار في عِدَاد الْمُترَفين الذين لا يهتمُّون إلا بشؤون أبدانهم، وهذا من الأمور التي ليستْ بمحمودة، ففي سنن أبي داود أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عن كثرةِ الإرفاه (18)؛ يعنى ما ينبغي للإنسان أن يُكثِر إرفاه نفسِه.
وأيضًا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِهِمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، ويُؤْتَمَنُونَ فَيَخُونُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ» (19). السِّمَن ليش يظهر فيهم؟
الطلبة: لكثرة التَّرَف.
الشيخ: لكثرة التَّرَف؛ لأن الإنسان اللي ما يُترِف نفسَه ما يزيد وزنُه، وهذا دليلُّ على أنَّ كثرة الإرفاه ليستْ بمحمودة.
وأمَّا تركُه بالكُلِّية –ترك الادِّهان- فإنه أيضًا سيِّءٌ؛ لأنه يوجِب أن يكون الإنسانُ شَعِثًا رأسُه كشجرة الشوك ليس بجميلٍ ولا بحسنٍ، فالإنسان ينبغي أن يكون وسطًا بين هذا وهذا.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، هو الظاهر أنَّ هذا يختلف، إذا كان رأسه خفيفًا يُمْكن لو يدَّهن دائمًا ويش الفائدة! ما غير يصير على كتفيه ويؤذيه.
طالب: رأسه خفيف ما يحتاج.
الشيخ: الظاهر أنه ما يحتاج، يكفيه الماء.
(ويَكْتَحِلُ وِتْرًا).
(يَكْتَحِلُ) الكُحل يكون بالعين.
(وِتْرًا) يعني: ثلاثًا في كُلِّ عَين.
كلَّ ليلةٍ؟
نعم، كلَّ ليلةٍ.
ولكن بماذا يكتحل؟
قالوا: ينبغي أن يكتحل بالإثْمِد، الإثْمِد: نوعٌ من الكُحل جيِّدٌ جدًّا مفيدٌ للعين، وإذا شئتَ أن تعرف عنه فأقرأ: زاد المعاد لابن القَيِّم، وهو من أحسن الكُحل تقويةً للنَّظر.
ويُقال: إنَّ زرقاء اليمامة -وأظنها معروفةً لديكم- تنظرُ مسيرةَ؟
طلبة: ثلاثة أيام.
الشيخ: ثلاثة أيامٍ بعينها المجرَّدة، ثلاثةِ أيام! ما أدري أنتم تنظرون إلى مسيرة عشرين مترًا؟ !
طالب: (... ).
الشيخ: نعم، يقولون: إنها لما قُتِلَتْ قالوا: لا بد نشوف ها العين اللي تنظر مسيرة ثلاثة أيام، فوجدوا أن عروق عينها تكاد تكون مَحْشُوَّةً من الإثْمِد؛ لأنه جيِّدٌ للعين، فينبغي للإنسان أن يكتحل هذا الاكتحال.
الاكتحالُ الذي يكون لتجميل العين هل هو مشروعٌ للرَّجُلِ ولَّا مشروعٌ للأنثى فقط؟
الظَّاهر أنَّه للأنثى فقط، أمَّا الرَّجُل فليس بحاجةٍ إلى تجميل عينه.
وقد يُقال: إنه مشروعٌ للرَّجُل أيضًا؛ لأنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام لما سُئل؛ قالوا: يا رسول الله إنَّ أَحَدَنا يحب أن يكون نَعْلُه حسنًا، وثوبُه حسنًا.
فقال: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» (20).
وقد يُقال: إنه بالنسبة للرجل إذا كان في عينه عيبٌ يَحتاجُ إلى الاكتحال فهو مشروعٌ له، وأمَّا إذا كانتْ عينُه عاديَّةً فليس بمشروع.
طالب: هل له أشكالٌ وألوان؟
الشيخ: اللي هو الكُحل؟
الطالب: الإثْمِد.
الشيخ: إي، واللهِ بَس أنا قالوا لي: ما هو موجود الآن.
الطالب: الإثْمِد أحمر، موجود.
الشيخ: هو الظاهر أنهم يقولون: موجود، كما يقول أهل المدينة: إن العجوة موجودة.
ويش العجوة؟ يجيبلك دقلة ما، يمكن مِن أَرْدأ الدقل، يقول: هذه العجوة.
وأنا حدثني شيخٌ من المدينة منذ سنوات يقول: إنه لا يوجد سوى نخلة واحدة فقط ولا لها فراخة في مكان فلان.
وعيَّنَه لنا.
الطالب: ابن القيم يقول: موجود في خراسان و (... ).
الشيخ: ابن القيم! إذا كان ابن القيم يقول في زمنه.. كيف هذا الآن!
الطالب: شكله أحمر يُباع عند أُحُد (... ).
الشيخ: إي، بَس يا أخ تزوير.
الطالب: بَس ما أدري، هم يقولون هذا، أحمر.
الشيخ: تبقى تأخذه إن شاء الله وتتَّكل على الله تملأ عينك بهذا الحصى.
(يدَّهِنُ غِبًّا ويكتحل وترًا، وتجبُ التَّسميةُ في الوُضوء مع الذِّكر).
(تجبُ التَّسميةُ في الوُضوء) يعني أن يقول: بسم الله، ومتى تكون؟
عند ابتدائه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» (21)، نحن نشوف الإنسان يصلِّي وهو ما يقرأ فاتحة الكتاب، الصلاة الآن موجودة بالفعل، لكنها شرعًا غير موجودة، غير صحيحة، هذا نقول: نفيٌ للصحة.
«لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (22).
هذا فيه أيش؟
الطلبة: نفي الكمال.
الشيخ: نفي الكمال؛ لأن الإنسان الذي لا يحبُّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه ما هو ينتفي عنه الإيمان، الذي ينتفي عنه كمالُ الإيمان، ولكن هذا الكمال قد يكون كمالًا واجبًا وقد يكون كمالًا مستحبًّا.
الحديث: «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» إذا طبَّقناه على هذه القاعدة فإنه يقتضي أن التسمية شرطٌ في صحة الوُضوء لا واجبٌ فقط، بلْ هي شرطٌ في صحة الوُضوء؛ لأن نفيَ الوُضوء لانتفاء التسمية معناه نفيٌ لصحتة، ولا تنتفي الصحة لانتفاء شيءٍ إلا وهذا الشيءُ شرطٌ، لكن مذهب (... )، وكأنهم عدلوا عن كونها شرطًا لأنَّ الحديث فيه نظرٌ؛ في صحته نظرٌ، ولهذا ذهب الموفَّق -رحمه الله- إلى أن التسميةَ ليستْ بواجبةٍ وإنما هي سُنَّة؛ لأن هذا الحديث قال فيه الإمام أحمد: لا يَثْبت في هذا الباب شيءٌ، وإذا لم يَثْبت فيه شيءٌ فإنه لا يكون حُجَّة.
فالمسألة فيها قولان:
القول الأول: أن التسمية واجبةٌ، ولكنها تسقط بالنسيان، وهذا هو المشهور من المذهب.
والقول الثاني: أنها سُنَّة وليستْ بواجبةٍ؛ لأن الحديث فيها لا يَقْوى على إيجابها على المسلمين وعدم صحة وضوئهم، ولأن كثيرًا من الذين وصفوا وُضوء النبيِّ عليه الصلاة والسلام لم يذكروا فيه التسمية، وهى أحاديثُ كثيرةٌ، ومِثْل هذا لو كان من الأمور الواجبة التي لا يصحُّ الوُضوء بدونها لكانتْ تُذْكر.
طلبة: إذا كان في الحمَّام؟
الشيخ: إذا كان في الحمَّام فقد ذكر الإمامُ أحمد أن الرجُل إذا عطسَ حَمِدَ اللهَ بقلبه، فيُخَرَّج من هذه الروايةِ أنه يُسمِّي بقلبه.
قال المؤلف: (تجبُ التسمية في الوُضوء مع الذِّكْر).
أفادنا بقوله: (مع الذِّكْر) أنها تسقط؟
الطلبة: بالنِّسيان.
الشيخ: بالنِّسيان، فإن نسيها في أوَّله وذكرها في أثنائه فماذا يصنع؛ يُسمِّي ويستمرُّ، ولَّا يبتدئ؟
اختلف في هذه المسألة المنتهَى والإقناعُ -وهما كتابان من كُتُب فقه الحنابلة- فقال صاحبُ المنتهى: يبتدئ.
وقال صاحبُ الإقناع: يواصل، يستمرُّ.
أمَّا حُجَّة صاحب المنتهى فيقول: لأن هذا الرجُل ذَكَر التسميةَ قبل فراغه، فوجب عليه أن يأتي بالوُضُوء على وجهٍ صحيح.
وأمَّا حُجَّة صاحب الإقناع فقال: إنَّها تسقط بالنِّسيان إذا انتهى من جملة الوُضوء، فإذا انتهى من بعضه فإنَّ هذا البعض الذي نَسِي فيه يكون صحيحًا.
أيهما المذهب عند المتأخرين؟
الذي في المنتهى؛ هم يَرَون أن اللي في المنتهى هو المذهب؛ إذا اختلف الإقناع والمنتهى فالمذهب ما في المنتهى.
(تجب التسميةُ في الوُضوء مع الذِّكْر) وهل تجب في الغُسل؟
يقول الفقهاء: نعم، تجب في الغُسل؛ لأن الغُسل إحدى الطَّهارتين، فكانت التسمية فيه واجبةًَ كالوُضوء، ولأنها إذا وجبتْ في الوُضوء وهو أصغرُ -حَدَثٌ أصغر- وأكثرُ مرورًا على المكلَّف فوُجوبُها في الحَدَث الأكبر من باب أَوْلى.
وهل تجب في التيمُّم؟
طلبة: نعم.
الشيخ: قالوا: نعم، تجب في التيمُّم؛ لأن التيمُّم بدلٌ عن طهارة الماء، والبدل له حكم المبدَل، ولكن قد يُعارض معارضٌ ويقول: إن التيمُّمَ لم يكنْ له حكمُ المبدَل في وجوب تطهير الأعضاء؛ لأنَّ التيمُّم إنما يُطهَّر فيه كم عضو؟
طالب: الوجه والكفَّان.
الشيخ: عضوانِ فقط في الحدث الأصغر وفي الأكبر، فلا يمكن أن يُقال: ما وجب في طهارة الماء وجب في طهارة التيمُّم، ولكنْ على كلِّ حال الاحتياط أَوْلى، مع أن الذي يتأمَّل حديث عمَّار بن ياسر وهو قول الرسول عليه الصلاة والسلام له: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ هَكَذَا» (23)، ولم يذكر التسمية، يستفيد منه أنها؟
طالب: ليست واجبة.
الشيخ: ليست بواجبةٍ في التيمُّم.
بهذه المناسبة نشوف أحكام التسمية في الشرع:
التسمية في الشرع قد تكون شرطًا، وقد تكون واجبًا، وقد تكون سُنَّةً، وقد تكون بدعةً غير مشروعة.
متى تكون شرطًا؟
طالب: في الذبيحة.
الشيخ: في الذبح، في الذَّكاة والصَّيد، شرطٌ، ما تسقط على الصحيح لا عمدًا ولا جهلًا ولا سهوًا، فإذا ذَبح إنسانٌ ذبيحةً ونَسِي أن يُسمِّي صارتْ حرامًا، وإذا رمى صيدًا ونَسِي أن يُسمِّي صار حرامًا.
وقال بعض أهل العلم -وهو المذهب-: إذا رمى صيدًا ونسي أن يُسمِّي كان حرامًا، وإن ذَبَح ونسي أن يُسمِّي فهى حلالٌ.
أيهما أَوْلى بالعُذر؟
الطلبة: الصيد.
الشيخ: الصيد أَوْلى بالعُذر.
قال: كيف تعذرونه في الذبيحة، ولا تعذرونه في الصَّيد مع أنَّ الغالب أنَّ الإِنسان إذا شاف الصيد يستعجل وينسى، يَذْهل، ومع هذا يقولون: إنه لا يحلُّ المصيد ويحلُّ المذكَّى؟
الدليل: قال: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «إِذَا أَرْسَلْتَ سَهْمَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» (24)، فقالوا: «وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ» فمعنى ذلك: إذا لم تذكر اسمَ الله عليه لا تأكلْ.
فنقول: هو أيضًا قال: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ -أو قال: فَكُلُوا- إِلَّا السِّنَّ والظُّفُرَ» (25)، أيُّ فرق بين هذا وهذا؟ ! ليس بينهما فرقٌ، فجعل حِلَّ المذكَّى مشروطًا بالتسمية وإنهار الدم، فكما أن الرجل لو نسى وذبح الذبيحة بصَعْقٍ كهربائي، ويش تقولون في الذبيحة؟
الطلبة: مَيْتة.
الشيخ: تكون مَيْتة ما تحِلُّ، كذلك إذا نسي ولم يُسمِّ فهي مَيْتةٌ لا تحِلُّ.
لكن قد يقول قائل: أليس الله يقول: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]؟
بلى قال ذلك، ونحن نقول به أيضًا، فهذا الرجل الذي نسي أن يسمِّي اللهَ على الذبيحةِ ما عليه إثمٌ ولا خطأٌ، لكن أنا ياللي بيأكل من هذه الذبيحة متعمِّدًا عَلَيَّ إثمٌ؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121]، فنهانا، ولهذا لو أكلتُ ناسيًا أو جاهلًا، ما عَلَيَّ إثمٌ، ينطبق عَلَيَّ قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
فإنْ قال قائل: إذا قُلْتَ بهذا خسَّرتَ المسلمين.
ويش معنى خسَّر المسلمين؟ تجيء ناقة مشريَّة بثلاثة آلاف أو بأربعة آلالف، نسي أن يقول: بسم الله، تقول: جُرُّوها للكلاب، هذه خسارة على المسلمين، معنى ذلك أن أموال المسلمين بتروح هَدَر.
فالجواب: إذا قلت: إنَّه يُعفَى عن النسيان، معناها أنك أنت بتخلِّي كثيرًا من الذبائح تؤكل بدون تسمية؛ لأن النسيان يقع كثيرًا، لكن إذا قلنا لهؤلاء القوم: جُرُّوا هذه البعير للكلاب، في اليوم الثاني إذا ذبحوا بعيرًا ينسون ولَّا ما ينسون؟
الطلبة: ما ينسون.