الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 1602-1641

الشيخ: واجب للصلاة، وكذلك على القول الراجح: لو ترك صلاة الجماعة عمدًا، فإن صلاته لا تبطل؛ لأن الجماعة واجبة للصلاة، ليست فيها.
إذن يقولون: إنها تبطل بترك السجود الذي محله قبل السلام، لماذا؟ طلبة: لأنه واجب في الصلاة.
الشيخ: لأنه واجب فيها، فهو كما لو ترك التشهد الأول، ولا تبطل بترك السجود الذي بعد السلام؛ لأنه واجب لها، فهو كإقامة الصلاة، لا تبطل الصلاة بتركها.
وقول المؤلف: (وتبطل بترك سجود أفضليته قبل السلام فقط) الفاء هذه مرت علينا إعرابها تذكرونه؟ (فقط) ويش إعرابها؟ طالب: (قط) اسم فعل بمعنى جر.
الشيخ: جر.
الطالب: لا، اسم فعل معناه: انتهى، نسيتها.
اسم فعل بمعنى (... ). طالب آخر: الفاء زائدة لتحسين (... ). الشيخ: ها؟ الطالب: (قط).
الشيخ: نعم، إي نعم.
الطالب: (قط) مصدر.
الشيخ: كيف (قط) مصدر؟ طالب: مصدر بمعنى: انتهى.. الشيخ: (قط) بمعنى حسْب، ومنه مما جاء بالحديث: «لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا وَهِيَ تَقُولُ: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: 30] حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ -أَوْ عَلَيْهَا رِجْلَهُ- فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَتَقُولُ: قَطْ، قَطْ» (10) يعني: حسْبي حسبي.
إذن (فقط) يعني: فحسب.
وخرج بقوله: (فقط) ما أفضليته؟ طالب: بعد السلام.
الشيخ: بعد السلام.
قال المؤلف: (وإن نسيه وسلم سجد إن قرب زمنه).
(إن نسيه) أي السجود الذي قبل السلام (وسلم سجد إن قرب زمنه) فإن بعد سقط، والصلاة صحيحة؛ كرجل نسي التشهد الأول.
هذا مثال: رجل نسي التشهد الأول، فيجب عليه سجود السهو، ومحله؟ طلبة: قبل السلام.
الشيخ: قبل ولّا بعد يا جماعة؟ طلبة: قبل السلام.

الشيخ: قبل السلام، لكن نسي وسلم، نقول: إن ذكرت في زمن قريب فاسجد، وإن طال الفصل سقط، نسي، يعني مثلًا لم تذكر إلا بعد مدة طويلة، فإنه يسقط، ولهذا قال: (سجد إن قرب زمنه)، فإن خرج من المسجد سلم وقام مسرعًا، فلما خرج من المسجد ذكر أنه لم يسجد، فإنه لا يرجع إلى المسجد، يسقط عنه، بخلاف ما إذا سلم قبل تمام الصلاة ناسيًا، ثم خرج من المسجد وذكر فإنه يرجع ويكمل؛ وذلك لأن الثانية، المسألة الثانية ترك ركنًا، لا بد أن يأتي به، وهذا ترك واجبًا يسقط بالسهو، فيستمر في سيره ولا يسجد.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: بل يسجد ولو طال الزمن؛ لأن هذا جابر للنقص الذي حصل، فمتى ذكره جبر به، ولكن الأقرب ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله أنه إذا طال الفصل فإنه يسقط؛ وذلك لأن هذا إما واجب للصلاة وإما واجب فيها، فهو ملتصق بها، فإذا طال الفصل سقط، وليس هذا صلاة مستقلة حتى نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (11)، بل هذا تابع لغيره، فإن ذكر في وقت قريب سجد وإلا سقط.
قال: (من سها مرارًا كفاه سجدتان)؛ لأن السجدتين تجبر كل ما فاته.
مثال السهو مرارًا: ترك قول: (سبحان ربي العظيم) في الركوع، وترك التشهد الأول، وترك قول: (سبحان ربي الأعلى) في السجود، كم هذه؟ طلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة، ثلاثة أسباب توجب سجود السهو، فنقول: يكفيك سجدتان؛ لأن الواجب هنا من جنس واحد، فدخل بعضه في بعض، كما لو أحدث ببول وغائط وريح وأكل لحم إبل فإنه يكفيه.
طلبة: وضوء واحد.
الشيخ: وضوء واحد، ولا يلزمه أن يتوضأ لكل سبب وضوءًا، فهنا الأسباب تعددت، أسباب السجود، لكن الواجب بهذه الأسباب شيء واحد، وهو سجود السهو، فتداخلت.
وعلى هذا فلو سها مرارًا كفاه سجدتان.
ولكن إذا اجتمعا سببان أحدهما يقتضي أن يكون السجود قبل السلام، والثاني يقتضي أن يكون السجود بعد السلام.

فهل نقول: أيهما أكثر فاعتبر به؟ أو نقول: اعتبر بما قبل السلام، أو اعتبر بما بعد السلام؟ فهذه ثلاثة احتمالات اعتبر بأيها أكثر مثلًا: لو سلم قبل تمام صلاته، وركع في إحدى الركعات ركوعين، وترك التشهد الأول فهنا.
طلبة: بعد السلام.
الشيخ: عندنا سببان يقتضيان أن يكون السجود بعد السلام وهما: طالب: زيادة الركوع.
الشيخ: زيادة الركوع.
طالب: والسلام.. الشيخ: والسلام قبل التمام.
وعندنا سبب واحد يقتضي السجود قبل السلام، وهو ترك التشهد.
طلبة: الأول.
الشيخ: الأول.
فإن قلنا: إننا نُغلب الأكثر فالسجود متى؟ طلبة: بعد السلام.
الشيخ: بعد السلام، السجود بعد السلام.
مثال آخر: رجل ركع في ركعة ركوعين، وترك قول: (سبحان ربي العظيم) في الركوع، وقول: (سبحان ربي الأعلى) في السجود، فهنا.
طلبة: قبل السلام.
الشيخ: اجتمع عليه سببان للسجود قبل السلام وهما: طالب: التسبيح.
الشيخ: ترك التسبيح في الركوع، وترك التسبيح في السجود، وسبب واحد يقتضي أن يكون السجود بعد السلام وهو زيادة.
طالب: الركوع.
الشيخ: الركوع، فأيهما نعتبر؟ طالب: الأكثر.
الشيخ: إذا قلنا باعتبار الأكثر، فالسجود يكون.
الطلبة: قبل السلام.
الشيخ: قبل السلام، ولكن المذهب يقولون: إننا نغلب ما قبل السلام مطلقًا، لماذا؟ قالوا: لأن ما قبل السلام جابر واجب أن يكون قبل أن يسلم، فكان المبادرة بجبر الصلاة قبل إتمامها أولى من تأخير الجابر، ولهذا يقولون: إذا اجتمع سببان للسهو، أو لسجود السهو، أحدهما يقتضي أن يكون قبل السلام والثاني يكون بعده غُلب.
طالب: ما قبل السلام.
الشيخ: ما كان قبل السلام مطلقًا؛ لأنه ألصق بالصلاة، هذا أقرب، أنه يغلب ما كان قبل السلام.

طالب: (... ) السجود، وليس سجود السهو، ثم سلم من الصلاة وخرج وأحدث، هل نقول: توضأ، ثم اسجد، توضأ للسجود؟ الشيخ: لا، إذا خرج خلاص، أو أحدث ما يسجد، إذا طال الفصل أو خرج من المسجد أو أحدث ولو في مكانه، فلا سجود.
طالب: أحسن الله إليك، إذا قلنا: إن المسبوق يتابع الإمام، (... ) السلام، إذا سلم الإمام فقام المأموم، هل يعود؟ الشيخ: يعود ما لم يستتم قائمًا، فإن استتم قائمًا فلا يعود.
الطالب: أليس واجب المتابعة؟ الشيخ: إي، لكن فارق المحل، فارق المحل معذورًا نعم؟ طالب: شيخ، قلنا: إن المسألة أن إذا كان الإمام يرى وجوب سجود السهو، والإمام لا يراه.
الشيخ: المأموم.
الطالب: الإمام يرى وجوب سجود السهو، (... ) وجوب التشهد (... ) فتركه.
الشيخ: أنت قلت: الإمام يرى وجوب السجود، والإمام لا يراه.
الطالب: المأموم لا يراه.
الشيخ: كذا قلت؟ الطالب: أظنه غلطًا.
الشيخ: قل الصواب الآن.
الطالب: الإمام يرى الوجوب.
الشيخ: وجوب أيش؟ الطالب: وجوب السجود للسهو والمأموم لا يراه، كونه يرى، وكلاهما يرى، الإمام يرى الوجوب، والمأموم يراه، ثم سبح فيه ولم يرجع، في التشهد الأول مثلًا، ثم سبح به ولم يرجع، قلنا: إنه إذا لم يرجع ولم يسجد له، يسجد المأموم.
الشيخ: طيب.
الطالب: يعني كيفية السجود له؟ الشيخ: يسجد سجدتين ويسلم، يسجد سجدتين ويسلم.
الطالب: بعد الإمام؟ الشيخ: إي نعم.
طالب: إذا نسي آية من الفاتحة ثم ذكرها أثناء الصلاة أو بعد الصلاة.

الشيخ: إي نعم.
الطالب: هي ركن الفاتحة، قلنا: ونسي آية منها (... ). الشيخ: وإيه بإشكال هذا؟ الطالب: فيه إشكال أنه الآن ما تبرأ.
الشيخ: ويش رأيكم يا جماعة.
طالب: يأتي بركعة.
الشيخ: نسي آية من الفاتحة، فماذا يصنع؟ طلبة: يأتي بركعة.
الشيخ: إن ذكر قبل أن يصل إلى محلها من الثانية يرجع، وإن لم يذكر إلا حين وصل محلها من الثانية، صارت الثانية هي الأولى.
طالب: كسقوط ركن.
الشيخ: (... )، هو سقوط ركن، ما دام ترك آية فكأنه لم يقرأها.
طالب: شيخ.
الشيخ: نعم.
الطالب: أحسن الله إليك، إذا تعدد السهو في صلاة واحدة، وكان يعني في زيادة ونقص، شيخ ما نقول: إنه يعني يبدأ يسجد يعني على حسب ما فعل أول سهو، إن كان النقص أول شيء فيسجد له.
الشيخ: إي.
الطالب: قبل الصلاة؛ لأنه مطالب بها.
الشيخ: لكن الصلاة ما تمت.
الطالب: يعني تمت بعدما سها.
الشيخ: إي، لكن أنت تقول: إننا نبدأ بالأسبق.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: نجعل الحكم للأسبق.
الطالب: نعم.
الشيخ: نقول: لكن الصلاة واحدة، وسجود السهو في آخرها، فلم يصل إلى محل السجود إلا وقد اجتمع عنده.
الطالب: (... ). الشيخ: سببان.
الطالب: فيسجد قبل السلام.
الشيخ: فيغلب ما قبل السلام.
طالب: قام عن التشهد الأول، ويعني لم يعني يستتم، ولم يكن جالسًا؛ إنما بين القيام والجلوس، ثم رجع إلى التشهد الأول يعني في هذه الحالة يجب عليه سجود السهو؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: طيب حديث المغيرة.
الشيخ: حديث المغيرة لو صح، بس الحديث ضعيف.
الطالب: يعني في هذه الحالة يجب أن يسجد؟ الشيخ: هو لو صح الحديث كان نعم، كان نقول: ما يجب السجود.
والتعليل ربما يكون له تعليل بأنه ما وصل إلى الركن الثاني.
لكن الحديث ضعيف، وإحنا تكلمنا على هذا في أثناء الدرس، لكن يمكن ما أنت بحاضر الظاهر؟ الطالب: لا، حاضر يا شيخ لكن أقول: السجود هل هو واجب أو على الاستحباب؟ الشيخ: أيش؟ طالب: يعني السجود بهذه الحالة؟

الشيخ: عند العلماء واجب، يقولون: لأن هذا زاد، زاد في صلاته زيادة لو تعمدها لبطلت.
طالب: يا شيخ، لو نسي سجود السهو ثم سلم من الصلاة وخرج وأحدث، هل نقل: توضأ ثم اسجد؛ توضأ للسجود؟ الشيخ: لا، إذا خرج خلاص وأحدث ما يسجد، إذا طال الفصل أو خرج من المسجد أو أحدث ولو في مكانه فلا سجود.
طالب: يا شيخ -أحسن الله إليكم- إذا قلنا: إن المسبوق يتابع الإمام قبل السلام إذا سلم الإمام فقام المأموم، هل يعود إلى.. ؟ الشيخ: يعود ما لم يستتم قائمًا، فإن استتم قائمًا فلا يعود.
الطالب: أليس واجب المتابعة؟

الشيخ: إي، لكن فارق المحل معذورًا.
طالب: شيخ، قلنا في المسألة: إذا كان الإمام يرى وجوب السجود للسهو والمأموم يرى، كلاهما الإمام يرى الوجوب والمأموم يرى، ثم سبح به ولم يرجع في التشهد الأول، مثلًا قلنا: إنه إذا لم يرجع ولم يسجد له يسجد المأموم؛ يعني: كيفية السجود له؟ الشيخ: يسجد سجدتين ويسلم.
الطالب: بعد الإمام؟ الشيخ: إي نعم.
طالب: أحسن الله إليكم، نسي آية من الفاتحة ثم ذكر أثناء الصلاة أو بعد الصلاة، هي ركن الفاتحة قلنا: ونسي آية منها (... )؟ الشيخ: فيه إشكال هذا؟ الطالب: فيه إشكال؛ الآن ما يعتبر ركنًا.
الشيخ: وأيش تقولون يا جماعة؟ نسي آية من الفاتحة فماذا يصنع؟ الطلبة: يأتي بركعتين.
الشيخ: إن ذكر قبل أن يصل إلى محلها من الثانية يرجع، وإن لم يذكر إلا حين وصل محلها من الثانية صارت الثانية هي الأولى.
الطالب: سقوط ركن يعتبر؟ الشيخ: يكررها، هو سقوط ركن، ما دام ترك آية فكأنه لم يقرأها.
طالب: أحسن الله إليك، إذا تعدد السهو في صلاة واحدة وكان فيه زيادة ونقص، شيخ، ما نقول: إنه يبدأ يسجد؛ يعني: على حسب ما فعل أول سهو؛ يعني: إن كان النقص أول شيء فيسجده قبل الصلاة؛ لأنه مطالب به؟ الشيخ: لكن الصلاة ما تمت.
الطالب: يعني: تمت بعدما سها.
الشيخ: إي، لكن هو أنت تقول: إننا نبدأ بالأسبق، نجعل الحكم للأسبق، نقول: لكن الصلاة واحدة وسجود السهو في آخرها، فلم يصل إلى محل السجود إلا وقد اجتمع عنده؟ الطالب: أكثر من سبب.
الشيخ: سببان.
الطالب: يسجد قبل السلام؟ الشيخ: فيغلب ما قبل السلام.
طالب: قام عن التشهد الأول لم يستتم ولم يكن جالسًا؛ يعني: بين القيام والجلوس، ثم رجع إلى التشهد الأول، ففي هذه الحال يجب عليه سجود السهو؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: حديث المغيرة؟ الشيخ: حديث المغيرة (1) لو صح، بس الحديث ضعيف.
الطالب: يعني: في هذه الحال السجود واجب ولو لم يستتم؛ يعني: يجب أن يسجد؟

الشيخ: هو لو صح الحديث كان نقول: ما يجب السجود، ربما يكون له تعليل بأنه ما وصل إلى الركن الثاني، لكن الحديث ضعيف، إحنا تكلمنا على هذا في أثناء الدرس.
الطالب: السجود هل هو واجب أو على الاستحباب؛ يعني: السجود لهذه الحال؟ الشيخ: عند العلماء واجب، يقول: لأن هذا زاد في صلاته زيادة لو تعمدها لبطلت.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- إذا سها في سجود السهو كيف يصنع؟ الشيخ: اسأل الكسائي.
طالب: الكسائي وين رد؟ الشيخ: يقال: إن أبا يوسف -وهو من الفقهاء- اجتمع عند الرشيد ومعه الكسائي -وهو من أئمة النحو- فقال الكسائي: إن كل إنسان يتعمق في فن فإنه لا يخفى عليه الحكم في فن آخر، فقال أبو يوسف: لا يمكن، العلوم مختلفة، قال: لا، يمكن، قال أبو يوسف: أرأيت إذا سها في سجود السهو؟ قال: إذا سها في سجود السهو فليس عليه سهو، قال: من أين أخذته؟ من نحوك؟ قال: لأن المصغَّر لا يصغَّر.
هل هذا صحيح ولَّا لا؟ إنما إذا سها في سجود السهو فليس عليه سهو، لكن مثلًا لو سها هل سجد السجود الثاني في سجود السهو أو لا ولم يترجح عنده شيء؟ نقول: اسجدْ سجدة واحدة فقط، ولا نقول: اسجد سجدة واحدة ثم اسجد سجدتين، لا، نقول: اسجد السجدة الواحدة التي شككت فيها وينتهي.
طالب: جزاك الله خيرًا، سجود السهو يصير موجب ركن بعد الصلاة وواجب قبل السلام وركن بعد السلام؟ الشيخ: لا، ما هو زيادة، إذا كان زيادة فهو بعد السلام، إذا كان تركَ واجبٍ فهو قبل السلام.
الطالب: وإذا زاد ركنًا؟ الشيخ: إذا زاد ركنًا يختلف؛ إذا زاد ركنًا قوليًّا كما لو قرأ الفاتحة مرتين فليس عليه سجود السهو، إنما يسن له السجود فقط، يختلف.
طالب: إذا سلم على نقص وقال له الجماعة: نقصت ركعة، هل يأتي بالركعة الثانية بتكبيرة إحرام أم من غير تكبيرة إحرام؟ الشيخ: لا، يأتي بالباقية بدون تكبيرة، لو كبَّر للإحرام لبطلت صلاته؛ لأنه إذا كبر للإحرام معناه أنه قطع الأولى وابتدأ الثانية.

الطالب: خرج من المسجد؟ الشيخ: يرجع.
الطالب: ويدخل الصلاة بدون تكبيرة إحرام؟ الشيخ: إي نعم، لكن يجلس ثم يقوم.
الطالب: يقوم بدون تكبيرة؟ الشيخ: بدون تكبير، نعم.
طالب: أحسن الله إليك، إذا كانت الصلاة رباعية فلنفرض أنها العصر والإمام سها في التشهد الأول، وبعدين كبَّر فيه ناس من الجماعة كبروا معه، لا هو سها نعم بعدما سها طبعًا كبَّر وقام يأتي بالركعة الثالثة، وناس من الجماعة جلسوا للتشهد الأول اللى وراه طبعًا تقريبًا رأوه فقاموا، وبعضهم قال: سبحان الله (... ) واقفًا بعدين استمروا، وفي آخر الصفوف جلسوا للتشهد الأول بعدين الإمام طبعًا كبَّر للركوع ومنهم من (... )؟ الشيخ: السؤال الأول: ما تقول في رجل سلَّم من ركعتين من الظهر، ثم ذكر، هل يتم أو لا يتم؟ الطالب: سلَّم (... ) يتم.
الشيخ: سلَّم من ركعتين في صلاة الظهر وهو مقيم، ثم ذكر، فهل يبني على ما مضى من صلاته ويتمها أو يستأنفها؟ الطالب: يتمها.
الشيخ: يتمها؟ الطالب: يصلي ركعتين، ثم يسجد للسهو.
الشيخ: خطأ.
الطالب: إن قرب الزمن يأتي بركعتين.
الشيخ: إن قرب الزمن.
شرط آخر؟ الطالب: وألَّا يتكلم في غير مصلحتها.
الشيخ: لا.
طالب: إن كان في المسجد.
طالب آخر: ألَّا يظن أنها كملت على هذه الحال.
الشيخ: إحنا قلنا: سلَّم من الظهر على أنها الظهر.
طالب: ألَّا يُحدِث.
الشيخ: ألَّا يفعل ما يمنع بناء آخرها على أولها كالحدث، ما هو الدليل على هذا؟ الطالب: حديث ذي اليدين.
الشيخ: حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين (2)، طيب أيش هو؟ الطالب: أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى من العصر ركعتين.
الشيخ: صلى بأصحابه إحدى صلاة العشي.
الطالب: نعم، صلي بهم ركعتين، ثم سلم واتكأ على خشبة المسجد.
الشيخ: ثم سلم، ثم ذكروه فأتم، هذا الدليل.
إذا بنى على ما مضى فمتى يسجد قبل السلام أو بعده؟ طالب: يسجد قبل السلام.
الشيخ: قبل السلام، الدليل؟

الطالب: الدليل أنه كل نقص في الصلاة فسجوده قبل السلام.
الشيخ: هذا تعليل.
الطالب: قاعدة.
الشيخ: القاعدة ما يقال: دليل، هي تعليل.
الطالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: فليسجد سجدتين قبل السلام، وهذا عن النقص.
الشيخ: قال الرسول هكذا؟ ! قال: من سلَّم من صلاته، ثم ذكر فأتم، فليسجد سجدتين قبل أن يسلم؟ ! صعب، ترى النسبة إلى الرسول ما هي هينة.
طالب: بل بعد السلام.
الشيخ: هل يسجد قبل السلام أو بعده؟ الطالب: بعد السلام.
الشيخ: ما الدليل؟ الطالب: حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين أنه أتم، ثم سلم، ثم سجد.
الشيخ: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتم، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، هذا الدليل.
هل هذا الدليل يناقض ما أشار إليه الأخ من أن النقص يكون السجود فيه قبل السلام؟ طالب: أما ما قاله من أن النقص يكون السجود له قبل السلام.
الشيخ: سؤالي هل يناقض أم لا؟ لست أسألك عن كلامه، هل يناقض أو لا؟ قل: لا ولَّا نعم.
الطالب: كيف؟ ما فهمت السؤال.
الشيخ: أقول: الأخ قال: إنه في هذه الصورة يسجد قبل السلام؛ لأن القاعدة أن ما كان عن نقص فهو قبل السلام، والحديث -كما أشار- يدل على أنه يسجد بعد السلام، فهل هذا الحديث يناقض القاعدة أو لا؟ الطالب: لا، هذا الحديث لا يناقض القاعدة.
الشيخ: لا يناقضها؟ الطالب: نعم، لا يناقضها.
الشيخ: كيف؟ الطالب: لأن هذا الرجل الذي سلَّم قبل إتمام صلاته زاد في صلاته السلام، فزيادة السلام وقعت في أثناء الصلاة.
الشيخ: إذنْ ليس بنقص؟ الطالب: لا، ليس بنقص.
الشيخ: هذا ما هو عن نقص، هذا في الواقع زيادة؛ لأنه سلم في أثناء الصلاة فأتى بزيادة.
إذا نسي التشهد الأول فكم حالة له؟ طالب: له أربع حالات.
الشيخ: أربع حالات.
الطالب: الحالة الأولى: إذا كان نوى القيام ولكنه يعني ما فرقت فخذيه لم ينهض.
الشيخ: هذه واحدة.
الطالب: هذا يتشهد ولا سجود عليه.

الشيخ: يعني الحالة الأولى: إذا هم أن ينهض عن التشهد الأول، ثم ذكر وبقي، ففي هذه الحال ليس عليه شيء؛ لأنه لم يزد في صلاته ولم ينقص.
الحالة الثانية؟ الطالب: الحالة الثانية: إذا نهض ولكنه لم يستتم قائمًا، ففي هذه الحالة عليه الرجوع.
الشيخ: عليه الرجوع.
الطالب: يجب عليه الرجوع.
الشيخ: والسجود؟ الطالب: يسجد بعد السلام.
الشيخ: ويسجد للسهو بعد السلام، الحالة الثانية: إذا نهض لكن لم يستتم فعليه الرجوع والسجود بعد السلام.
الحالة الثالثة؟ الطالب: الحالة الثالثة: إذا نهض واستتم قائمًا ولكنه لم يشرع في القراءة، ففي هذه الحالة يكره رجوعه إلى التشهد ويسجد قبل السلام.
الشيخ: في هذه الحال لا يرجع، يكره أن يرجع، إذن يستمر في صلاته ويسجد قبل السلام.
الحالة الرابعة؟ الطالب: الحالة الرابعة: أنه يستتم قائمًا ويشرع في القراءة.
الشيخ: أن يستتم قائمًا ويشرع في القراءة، في هذه الحال؟ الطالب: في هذه الحالة يحرم عليه الرجوع، وعليه السجود قبل السلام.
الشيخ: نعم، سمعتم الأحوال أربعة، ودليله حديث المغيرة بن شعبة على ما فيه من مقال.
رجل شك في الزيادة هل يسجد للسهو أو لا يسجد؟ الطالب: يسجد.
الشيخ: يسجد؟ الطالب: إي نعم، (... ). الشيخ: خطأ.
الطالب: إي، شك في الزيادة؟ الشيخ: شك في الزيادة نعم، هل يسجد أو لا يسجد؟ الطالب: لا يسجد.
الشيخ: خطأ.
الطالب: لأن في الزيادة فيه قولان، بعضهم يقول: كل من (... ). الشيخ: أعطنا الجواب على قدر السؤال، إذا شك في الزيادة فهل يجب عليه سجود السهو أو لا؟ قل: لا ولَّا نعم.
الطالب: لا، ونعم، كلاهما.
الشيخ: كلاهما جمع بين النقيضين.
الطالب: من شك في زيادة.. ومن شك الرجل في زيادة ركعة مثلًا لو هو الراجح.
الشيخ: لا، هذاك في عدد الركعات، إنك تريد هذا في عدد الركعات.
الطالب: فيه زيادة عليه السجود.
الشيخ: عليه السجود.
الطالب: إذا كان ركنًا.
الشيخ: أيش تقول؟

طالب: فيه تفصيل؛ إذا شك في أثناء الركعة.. الشيخ: في أثناء الزيادة.
الطالب: في أثناء الزيادة عليه السجود.
الشيخ: فعليه السجود.
الطالب: نعم، وإذا شك بعد الزيادة فلا سجود عليه.
الشيخ: ما تقولون؟ الطلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح، إذنْ إذا شك في الزيادة فليس عليه سجود، إلا أن يكون الشك وقت فعل الزيادة فعليه السجود.
ما هو التعليل لهذا التفريق؟ الطالب: التعليل أن سجوده للزيادة في الصلاة زيادة.
الشيخ: لا، أنا قصدي ما هو التعليل لكونه إن شك في الزيادة وقت الفعل فعليه السجود، وإن شك بعد فراغه فلا سجود عليه؟ الطالب: لأنه وقت الفعل شك في جزء من الصلاة فوجب عليه السجود.
الشيخ: تردد في جزء من صلاته فوجب عليه السجود جبرًا لهذا التردد، وإذا كان بعد؟ الطالب: ما تمت صلاته على الوجه.. الشيخ: إذا كان بعد ذلك فقد شك في سبب وجوب؟ الطالب: سجود السهو.
الشيخ: والأصل؟ الطالب: عدم.. الشيخ: عدم ما يوجب السجود.
فهمتم يا جماعة ولَّا ما فهمتم؟ طلبة: واضح.
طالب آخر: أعد لنا السؤال الآن.
الشيخ: إذا شك في الزيادة في أثناء فعلها وجب عليه السجود، وإن شك بعد انتهائها فلا سجود عليه؛ مثل شك في الرابعة وهو في أثناء الرابعة هل هي خامسة ولَّا رابعة؟ نقول؟ طالب: عليه السجود.
الشيخ: عليه السجود؛ لأنه أدى هذه الركعة الرابعة وهو متردد هل هي زائدة أو غير زائدة؟ فأدى جزءًا في صلاته مترددًا فيه، أما لو كان حين جلس للتشهد الأخير شك هل صلى أربعًا أم خمسًا؟ فنقول أيش؟ طالب: ليس عليه سجود.
الشيخ: ليس عليه سجود؛ لأنه شك في سبب وجوب السجود، والأصل عدمه.
ما تقول فيما لو شك في ترك واجب هل عليه السجود أو ليس عليه سجود؟ طالب: عليه السجود.
الشيخ: مثاله؟ الطالب: مثلًا إذا ترك التشهد الأول.. الشيخ: شك هل ترك التشهد الأول أو لا؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: فعليه السجود.
الطالب: فعليه السجود.
الشيخ: ما فيه قول ثانٍ؟ عبارة المؤلف ويش يقول؟

الطالب: إذا ترك الواجب.. الشيخ: ولا يسجد؟ الطالب: ولا يسجد لشكه.
الشيخ: (ولا يسجد لشكه في ترك واجب).
إذنْ هذا خلاف كلامك، أنت تقول: يجب عليه السجود، والمؤلف يقول: لا يسجد، فماذا تقول الآن؟ هل تنسحب أو تقول: هو رجل وأنا رجل، وهو يقول وأنا أقول؟ الطالب: يسجد لترك الواجب.
الشيخ: يسجد، ما هو إذا تركه، إذا تيقن أنه تاركه يسجد، ما فيه إشكال، لكن شك هل ترك الواجب أم لم يتركه؟ الطالب: لا، في دا ما يسجد.
الشيخ: ما يسجد؟ طالب: إي نعم.
الشيخ: كما قال المؤلف؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: لماذا؟ علِّل؟ الطالب: لأن الشك يبنى على اليقين.
الشيخ: اليقين هو ما فعله، إن كان بنى على اليقين فهو ما فعله.
رجل شك هل ترك التشهد الأول أو لا؟ رجل شك هل قال: سبحان ربي الأعلى في السجود أم لم يقل، المؤلف يقول: لا يسجد، التعليل؟ طالب: هو قول المؤلف أنه شك في سبب وجوب سجود السهو.
الشيخ: والأصل؟ الطالب: العدم.
الشيخ: عدمه، شك في سبب وجوب سجود السهو؛ لأن سبب وجوب سجود السهو ترك الواجب، وهذا قد شك فيه، فإذن هو شك في سبب وجوب سجود السهو والأصل عدم وجود السبب، وحينئذٍ لا يسجد.
هل فيه قول آخر؟ طالب: غير الذي علله المؤلف؟ الشيخ: خلاف كلام المؤلف؛ يعني: هل فيها قول ثانٍ خلاف كلام المؤلف؛ هو أنه إذا شك هل ترك الواجب أم لم يتركه وجب عليه السجود؟ طالب: ما أعرف.
طالب آخر: إذا بنى على أقرب ظنه، إن غلب ظنه هنا أنه نسي التشهد يسجد للسهو.
الشيخ: إي، هذا بعد بناء على غلبة الظن، لكن على كلام.. طالب: يجب عليه السجود.
الشيخ: فيه قول ثانٍ أنه إذا شك وجب عليه السجود.
الطالب: لأن الأصل عدم الإتيان بهذا (... ). الشيخ: لأن الأصل عدم فعله.

فيه قول ثانٍ يقول: إذا شك في ترك الواجب وجب عليه السجود، ليش؟ قالوا: لأن الأصل عدم فعله، هو الآن يشك هل تشهد أو لا؟ نقول: الأصل أنه لم يتشهد، فيجب عليه السجود، وهذا القول ذكرنا أنه أصح؛ لأن الأصل عدم وجود هذا الواجب والأصل شغل الذمة به، وهنا لم يتيقن أنه أبرأ ذمته منه فيجب عليه السجود.
رجل سها عدة مرات؛ ترك سبحان ربي العظيم في الركوع، وسبحان ربي الأعلى في السجود، وقول: سمع الله لمن حمده ناسيًا؟ طالب: تكفيه سجدتان على قول المؤلف.
الشيخ: لماذا؟ علِّل؟ الطالب: لأنه ترك زيادة توجب سجود السهو غير الزيادة، مثل لو أكل لحم جزور وأحدث يجزئه وضوء واحد.
الشيخ: لأنه تعددت الأسباب لمسبب واحد، وتعدد الأسباب لا يوجب تعدد المسبب؛ كما لو بال وتغوط وأحدث بريح وأكل لحم إبل ونام، خمسة أحداث، يكفيه؟ الطلبة: وضوء واحد.
الشيخ: وضوء واحد.
فيه قول آخر ذكرناه؟ الطالب: قلنا: نبني على الأكثر؛ يعني: على الذي تركه بالأكثر، إن كان ترك الركن أو الواجب.
الشيخ: كيف؟ نحن نريد تعدد السجود.
الطالب: نعم، يعني: ركع ركوعين في ركعة؛ ركوعين في ركوع.
الشيخ: لا، هذا الذي تريد إذا اجتمع سببان أحدهما يقتضي أن يكون السجود بعد السلام والثاني يقتضي أن يكون السجود قبل السلام، فأيهما نغلب؟ هذا الذي تريد أنت، لكن أصل المسألة فيها قول ثانٍ ذكرته لكم أظن.
طلبة: ما ذكرته.
الشيخ: ما ذكرناه؟ طلبة: لا، ما ذكرناه.
الشيخ: أنا الآن أذكره وتذكرونه ها الحين.
ذكرنا أن بعض العلماء يقول: إذا اختلف محل السجود لزمه أربع سجدات؛ يعني: إذا سها مرتين إحداهما يقتضي أن يكون السجود بعد السلام، والثاني يقتضي أن يكون قبل السلام فإنه يسجد مرتين؛ مرة قبل السلام، ومرة بعد السلام.
طالب: ذكرت -يا شيخ- قبل السلام مطلقًا يُغلَّب قبل السلام.

الشيخ: لا، يغلب قبل السلام إذا اقتصرنا على سجدتين، على كلام المؤلف، على كل حال فيه قول ثانٍ في المسألة أنه إذا كان السبب الموجب للسجود يقتضي أن يكون السجود قبل السلام وسبب آخر يقتضي أن يكون السجود بعد السلام، فإنه يسجد مرتين؛ مرة قبل السلام، ومرة بعده، مثال ذلك: ترك التشهد الأول وزاد ركوعًا في إحدى الركعات، فالأول محله؟ طلبة: قبل السلام.
الشيخ: والثاني؟ طلبة: بعد السلام.
الشيخ: فيقولون: اسجد مرتين؛ مرة قبل السلام لترك التشهد الأول، ومرة بعده لزيادة الركوع، لكن المذهب لا، يكفيه سجدتان في الجميع، ولكن أيهما يغلب؟ طالب: قبل السلام.
الشيخ: المذهب أنه يغلب ما قبل السلام؛ لأنه أدخل في الصلاة.
طالب: والراجح؟ الشيخ: لا، الراجح يكفي سجود واحد، ويكون قبل السلام إذا اجتمع فيه سببان.


الطالب: (... ) نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال رحمه الله تعالى:

باب صلاة التطوع

ثم قال المؤلف: (باب صلاة التطوع).
أولًا: يجب أن نعلم أن من رحمة الله بعباده وحكمته أن شرع لهم في الواجبات نظيرها من التطوع، كل ركن من أركان الإسلام فله نظير من التطوع؛ الصلاة لها تطوع، والزكاة؟ طلبة: لها تطوع.
الشيخ: والصيام؟ طلبة: له تطوع.
الشيخ: والحج؟ طلبة: له تطوع.
الشيخ: له تطوع، وهذا من رحمة الله بالخلق ومن حكمته؛ أما كونه من رحمته فلأن هذا التطوع يزداد به الإنسان ثوابًا وأجرًا وقُربة إلى الله، وأما كونه من حكمته فلأن هذا التطوع يكمل به نقص الفرائض يوم القيامة، وما من إنسان إلا وفي فرائضه نقص، فمن حكمة الله ورحمته أن جعل هذا التطوع ليجبر به النقص.
نعم.

آكَدُها كُسوفٌ ثم استسقاءٌ ثم تَراويحُ ثم وِتْرٌ يُفْعَلُ بينَ العشاءِ والفجْرِ، وأَقَلُّه رَكعةٌ وأَكثرُه إحدى عشرةَ مَثْنَى مَثْنَى، ويُوتِرُ بواحدةٍ، وإن أَوْتَرَ بخَمْسٍ أو سَبْعٍ لم يَجْلِسْ إلا في آخِرِها، وبتِسْعٍ يَجلِسُ عَقِبَ الثامنةِ ويَتَشَهَّدُ ولا يُسَلِّمُ ثم يُصَلِّي التاسعةَ ويَتَشَهَّدُ ويُسَلِّمُ، وأَدْنَى الكمالِ ثلاثُ رَكَعَاتٍ بسلامَيْنِ يَقرأُ في الأُولى بسَبِّح وفي الثانيةِ بالكافرونَ وفي الثالثةِ بالإخلاصِ، ويَقْنُتُ فيها بعدَ الركوعِ

آكدها كسوف، ثم استسقاء، ثم تراويح، ثم وتر يفعل بين العشاء والفجر، وأقله ركعة، وأكثره إحدى عشرة؛ مثنى مثى، ويوتر بواحدة، وإن أوتر بخمس أو سبع لم يجلس إلا في آخرها، وبتسع يجلس عقب الثامنة، ويتشهد ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة ويتشهد ويسلم، وأدنى الكمال ثلاث ركعات بسلامين، يقرأ في الأولى بـ (سبح)، وفي الثانية بـ (الكافرون)، وفي الثالثة بـ (الإخلاص).

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب صلاة التطوع)، (صلاة التطوع) من باب إضافة الشيء إلى نوعه؛ لأن الصلاة جنس ذو أنواع، فصلاة التطوع يعني: الصلاة التي تكون تطوعًا؛ أي: نافلة.

والتطوع يطلق على فعل الطاعة مطلقًا، فيشمل حتى الواجب، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 158] مع أن الطواف بهما ركن من أركان الحج والعمرة، ولكن المراد بالتطوع في اصطلاح الفقهاء: كل طاعة ليست بواجبة.
ومن حكمة الله عز وجل ورحمته بعباده أن شرع لكل فرض تطوعًا من جنسه؛ ليزداد المؤمن إيمانًا بفعل هذا التطوع، ولتكمل به الفرائض يوم القيامة، فإن الفرائض يعتريها النقص، فتكمل بهذه التطوعات التي من جنسها، وإذا نظرنا إلى العبادات وجدنا أن كل عبادة مفروضة لها تطوع من جنسها؛ فالوضوء واجب وتطوع، والصلاة واجب وتطوع، والصدقة واجب وتطوع، والصيام واجب وتطوع، والحج واجب وتطوع، والجهاد واجب وتطوع، والعلم واجب وتطوع، كل العبادات، صلاة التطوع هي الصلاة التي ليست بواجبة.
وهي أنواع في الحقيقة: منها ما يُشرَع له الجماعة، ومنها ما لا يُشرَع.
ومنها ما هو تابع للفرائض، ومنها ما ليس بتابع.
ومنها ما هو موقت، ومنها ما هو غير موقت.
ومنها ما هو مقيد بسبب، ومنها ما ليس مقيدًا بسبب.
المهم أنها أنواع، وكلها يطلق عليها صلاة تطوع.
قال المؤلف رحمه الله: (آكدها كسوف، ثم استسقاء، ثم تراويح، ثم وتر) قال المؤلف: إن (آكدها الكسوف)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به، وخرج إليه فزعًا، وصلى صلاة غريبة، وعرضت عليه في صلاته هذه الجنة والنار، وخطب بعدها خطبة بليغة عظيمة، وشرع لها الجماعة، فنادى؛ يعني: أمر مناديًا أن ينادي: الصلاة جامعة (3)، فهي آكد صلاة التطوع.

وفهم من كلام المؤلف أن صلاة الكسوف نافلة من باب التطوع، وفيها خلاف بين أهل العلم، والصحيح أن صلاة الكسوف فرض واجب؛ إما على الأعيان، وإما على الكفاية، وأنه لا يمكن للمسلمين أن يروا إنذار الله بكسوف الشمس والقمر ثم يَدَعُوا الصلاة، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بها، وأمر بالصدقة والاستغفار والتكبير والفزع إلى الصلاة، وحصل منه شيء لم يكن مألوفًا من قبل، فكيف تقترن بها هذه الأحوال ثم نقول: هي سنة، لو تركها المسلمون لم يأثموا؟ ! فأقل ما نقول فيها: إنها فرض كفاية، وعلى هذا فتنزع من باب صلاة التطوع لتلحق بصلاة الفريضة.
(ثم استسقاء) الاستسقاء يلي صلاة الكسوف في الآكدية، على ما ذهب إليه المؤلف؛ لأن المؤلف رحمه الله جعل مناط الفضيلة بالاجتماع على الصلاة، فما شرع له الاجتماع فهو أفضل مما لم يشرع له الاجتماع، فالاستسقاء عنده أفضل من الوتر مثلًا، لماذا؟ لأن صلاة الاستسقاء تشرع فيها الجماعة بخلاف الوتر، وما شرعت له الجماعة فهو أوكد من غيره.
ولكن في هذا نظر، والصواب أن الوتر أوكد من الاستسقاء؛ لأن الوتر داوم عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأمر به فقال: «إِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً، فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى» (4)، وقال: «يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ، أَوْتِرُوا» (5). وأما الاستسقاء فإنه لم يرد إلا من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يكن يستسقي بالصلاة، فقد يستسقي بالدعاء في خطبة الجمعة أو في غيرها (6). والاستسقاء هو أن الناس إذا أجدبت الأرض وقحط المطر وتضرروا بذلك، خرجوا إلى الصحراء إلى مصلى العيد، فصلوا كصلاة العيد، ثم دعوا الله عز وجل.

قال: (ثم تراويح) تلي الاستسقاء، (ثم وتر) فقدمها على الوتر -أي: التراويح- بناء على أن مناط الفضيلة هو الجماعة، والتراويح تشرع لها الجماعة بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه عليه الصلاة والسلام صلى بالناس في رمضان ثلاث ليال، ثم تخلَّف في الثالثة أو في الرابعة، وقال: «إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ» (7)، فبقيت الأمة الإسلامية لا تقام فيها صلاة التراويح جماعة حتى جمعهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب على تميم الداري وأبي بن كعب (8). فالمؤلف يرى أن التراويح مقدمة على الوتر، والتراويح من صلاة الليل، ولكن الصحيح أن الوتر مقدم عليها وعلى الاستسقاء؛ لأن الوتر أمر به وداوم عليه النبي صلى الله عليه وسلم، حتى قال بعض أهل العلم: إن الوتر واجب، وألحقوه بالصلاة المفروضة.
وقال بعض العلماء: إنه واجب على من له وِرْدٌ من الليل؛ يعني: على من يقوم الليل، وقال آخرون: إنه سنة.
وصلاة هذا شأنها عند أهل العلم، كيف نجعل التراويح الذي اختلف في استحباب الجماعة لها أفضل منه؟ ! إذن فالصواب: الكسوف، ثم الوتر، ثم الاستسقاء، ثم التراويح؛ لأن الاستسقاء صلاة يقصد بها رفع الضرر، فالناس في حاجة إليها أكثر من التراويح.

قال: (ثم تراويح، ثم وتر) التراويح: هو قيام الليل في رمضان، وسمي تراويح؛ لأن الناس كانوا يطيلون القيام فيه والركوع والسجود، فإذا صلوا أربعًا استراحوا، ثم استأنفوا الصلاة أربعًا، ثم استراحوا، ثم صلوا ثلاثًا، على حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة؛ يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا (9)، وهذه الأربع التي كان يصليها أولًا ثم ثانيًا يسلم فيها من ركعتين، كما جاء ذلك مفسرًا عنها رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في الليل إحدى عشرة ركعة يسلم من كل ركعتين (10). وبه نعرف أن من توهم أن هذه الإحدى عشرة تجمع الأربع في سلام واحد والأربع في سلام واحد فإنه واهم، ولعله لم يطلع على الحديث الذي صرحت فيه بأنه يسلم من كل ركعتين.
وفي الحقيقة أن هذا المسلك الذي يسلكه بعض الناس -وهو التسرع في الحكم من غير تأمل- مسلك مُشْكِل؛ لأننا حتى على فرض أن عائشة لم تفصِّل، فإن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» (11) يحكم على هذه الأربع بأنها يُسلِّم فيها من كل ركعتين؛ لأن فعل الرسول الْمُجْمَل يفسِّره قوله المفصَّل.
أما الوتر فإنه سيأتينا -إن شاء الله- أن أقله ركعة، وأكثره إحدى عشرة ركعة، ويأتي بيان صفته أيضًا.
والوتر سنة مؤكدة، حتى عند القائلين بأنه سنة يرون أنه من السنن المؤكدة جدًّا، حتى إن الإمام أحمد رحمه الله قال: من ترك الوتر فهو رجل سوء لا ينبغي أن تقبل له شهادة، فوصفه بأنه رجل سوء، وحكم عليه بأنه غير مقبول الشهادة، وهذا يدل على تأكد صلاة الوتر.

قال المؤلف في بيان الوتر: (يفعل بين صلاة العشاء والفجر) يعني: هذا وقته بين صلاة العشاء والفجر، وسواء صلى العشاء في وقتها أو صلاها مجموعة إلى المغرب تقديمًا، فإن وقت الوتر يدخل من حين أن يصلي العشاء؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ؛ صَلَاةُ الْوِتْرِ، مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ» (12)، ولأن صلاة الوتر يختم بها صلاة الليل، وإذا انتهت صلاة العشاء فقد انتهت صلاة الليل المفروضة، ولم يبق إلا صلاة التطوع، فللإنسان أن يوتر من بعد صلاة العشاء مباشرة ولو كانت مجموعة إلى المغرب تقديمًا.
وقوله: (والفجر) يعني: طلوع الفجر؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً، فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صَلَّى»، فإذا طلع الفجر فلا وتر.
وما يروى عن بعض السلف أنه كان يوتر بين أذان الفجر وإقامة الفجر فإنه عمل مخالف لما تقتضيه السنة، ولا حجة بقول أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فالوتر ينتهي بطلوع الفجر؛ إذا طلع الفجر وأنت لم توتر فلا توتر، لكن ماذا تصنع؟ تصلي في الضحى وترًا مشفوعًا بركعة، فإذا كان من عادتك أن توتر بثلاث صليت أربعًا، وإذا كان من عادتك أن توتر بخمس فصلِّ ستًا؛ لحديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا غلبه وجع أو نوم صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة (13). إذنْ وقته ما بين صلاة العشاء وطلوع الفجر ولَّا صلاة الفجر؟ الطلبة: طلوع الفجر.

الشيخ: قال المؤلف: (وأقله ركعة) لم يتكلم المؤلف رحمه الله هل الأفضل تقديمه في أول الوقت أو تأخيره، ولكن دلت السنة على أن من طمع أن يقوم من آخر الليل فالأفضل تأخيره؛ لأن صلاة الليل أفضل وهي مشهودة، ومن خاف ألَّا يقوم فأول الليل أفضل، فصار وقته من صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، والأفضل أن يكون في آخر الوقت إلا إذا خاف ألَّا يقوم من آخر الوقت فليوتر أوله.
ثم قال المؤلف: (وأقله ركعة)؛ لأنه يحصل بها الوتر؛ ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ»، أخرجه مسلم (14)، وقوله: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً، فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى»، وهو في الصحيحين، فقوله: «صَلَّى وَاحِدَةً» يدل على أن أقل الوتر واحدة، فإذا اقتصر الإنسان عليها فقد أتى بالسنة وليس عليه إثم، لو أنه صلى العشاء ثم أتى بركعة على أنها الوتر ولم يأت براتبة العشاء، ماذا نقول له؟ نقول: لا بأس ولا حرج، وإذا كنت في سفر فهذا هو السنة؛ أي: أن السنة ألَّا تصلي راتبة العشاء، ثم لك أن توتر بركعة.
يقول: (أكثره إحدى عشرة ركعة؛ مثنى مثنى، ويوتر بواحدة) يعني: يصليها مثنى مثنى؛ أي: اثنتين اثنتين.
(ومثنى مثنى) مرت علينا قريبًا في النحو أنها وصف فيه الوصف والعدل فهو لا ينصرف، لكنه هنا في محل نصب؛ يعني: ما نقول: إنه مجرور بالفتحة.
قال: (ويوتر بواحدة) لقول عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة، يوتر منها بواحدة، وفي لفظ: يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة (10). ويجوز الوتر بثلاث، ويجوز بخمس، ويجوز بسبع، ويجوز بتسع، فإن أوتر بثلاث فله صفتان كلتاهما مشروعة: الصفة الأولى: أن يسرد الثلاثة بتشهد واحد.
والثانية: أن يسلم من ركعتين، ثم يوتر بواحدة.
كل هذا جاءت به السنة، فإذا فعل هذا مرة وهذا مرة فحسن.

أما إذا أوتر بخمس فإنه لا يتشهد إلا مرة واحدة في آخرها ويسلم، هكذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم (15)، وإذا أوتر بسبع فكذلك لا يتشهد إلا مرة واحدة في آخرها، وإذا أوتر بتسع تشهد مرتين؛ مرة في الثامنة، ثم يقوم ولا يسلم، ومرة في التاسعة يتشهد ويسلم، وإن أوتر بإحدى عشرة فإنه ليس له إلا صفة واحدة؛ يسلم من كل ركعتين، ويوتر منها بواحدة.
قال المؤلف: (وإن أوتر بخمس أو سبع لم يجلس إلا في آخرها، وإن أوتر بتسع يجلس عقب الثامنة فيتشهد ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة، ويتشهد ويسلم) إذنْ ذكر المؤلف رحمه الله صفة الوتر في جميع الركعات.
ثم قال: (وأدنى الكمال ثلاث ركعات بسلامين) هذا أدنى الكمال، ويجوز أن يجعلها بسلام واحد، لكن بتشهد واحد لا بتشهدين؛ لأنه لو جعلها بتشهدين لأشبهت صلاة المغرب، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تشبه بصلاة المغرب (16). قال: (يقرأ في الأولى (سبح)، وفي الثانية (الكافرون)، وفي الثالثة (الإخلاص) يقرأ في الأولى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ كاملة، وفي الثانية (الكافرون) أو (الكافرين)؟ الطلبة: الكافرون.
الشيخ: الكافرون، على وجه الحكاية؛ لأن (الكافرين) نفسها ما تقرأ، ولا يمكن أن يتسلط الفعل (يقرأ) على (الكافرين)، الكافر لا يُقرَأ، إذنْ يسلط الفعل على اسم هذه السورة، وهذه السورة تسمى سورة الكافرون.
(وفي الثالثة الإخلاص) وهي ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وسميت الإخلاص؛ لأن الله أخلصها لنفسه، ليس فيها شيء إلا التحدث عن صفات الله، ولأنها تخلص قارئها من الشرك والتعطيل؛ لأن الإقرار بها ينافي الشرك وينافي التعطيل.
قال: (ويقنت فيها بعد الركوع) (يقنت فيها) أي: في الثالثة، (بعد الركوع).

القنوت يطلق على معانٍ؛ منها الخشوع، كما في قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]، وكما في قوله: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: 12].
ويطلق على الدعاء، كما هنا (يقنت بعد الركوع) يعني: يدعو بعد الركوع.
وظاهر كلام المؤلف أنه يدعو بعد أن يقول: ربنا ولك الحمد بدون أن يكمل التحميد، ولكن لو كمله فلا حرج؛ لأن التحميد مفتاح الدعاء، فإن الحمد والثناء على الله والصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم من أسباب إجابة الدعاء.
يقول المؤلف: (يقنت فيها بعد الركوع) ولم يبين هل يرفع يديه أم لا؟ وظاهر كلامه أنه لا يرفع يديه، ولكن قد يقال: إن الكتاب مختصر، وترك ذكر رفع اليدين اقتصارًا لا اعتبارًا؛ يعني: ما تركه اعتبارًا بأنه لا ترفع، ولكن اقتصارًا على ذكر الدعاء فقط.
والصحيح أنه يرفع يديه؛ لأن ذلك صح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه (17)، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه أحد الخلفاء الراشدين الذين لهم سنة متبعة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم فيرفع يديه.
ولكن كيف يرفع يديه؟ قال العلماء: يرفع يديه إلى صدره، ولا يرفعهما كثيرًا؛ لأن هذا الدعاء ليس دعاء ابتهال يبالغ فيه الإنسان بالرفع، ولكنه يرفع إلى صدره؛ لأنه دعاء رغبة، ويبسط يديه هكذا وظهورهما إلى السماء، هكذا قال أصحابنا رحمهم الله.
وظاهر كلام أهل العلم أنه يضم اليدين بعضهما إلى بعض؛ كحال المستجدي الذي يطلب من غيره أن يعطيه شيئًا، وأما بعض الناس يفرق هكذا فلا أعلم لهذا أصلًا؛ لا في السنة، ولا في كلام العلماء.
يقول: (يقنت بعد الركوع ويقول: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت)، إلى آخره إلى أن قال: (ويمسح وجهه بيديه).

يقول: (اللهم اهدني فيمن هديت) وظاهر كلامه أنه يبدأ بهذا الدعاء قبل أن يثني على الله عز وجل، لكن صح عن عمر أنه يبدأ بقوله: اللهم إنا نستعينك، ونستهديك، ونستغفرك، ونتوب إليك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير كله، ونشكرك ولا نكفرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك، ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق (18). (اللهم اهدني فيمن هديت) واختار هذا الإمام أحمد رحمه الله؛ لأنه ثناء على الله، والثناء مقدم على الدعاء؛ لأنه فتح باب الدعاء.
يقول: (اللهم اهدني فيمن هديت) (اللهم) أصله: يا الله، لكن حذفت (يا) وعوض عنها الميم وبقيت (الله)، وإنما حذفت الياء لكثرة الاستعمال، وعوض عنها الميم للدلالة عليها، وأُخِّرت للبداءة باسم الله، وجُعِلت ميمًا للإشارة إلى جمع القلب على هذا الدعاء، ولم تجعل نونًا أو باءً؛ لم تجعل (اللهن) أو (اللهب)، وإنما يقال: اللهم؛ لأن الميم تدل على الجمع إشارة إلى جمع القلب على الله عز وجل في حال الدعاء.
(اللهم اهدني فيمن هديت) والذي يقول: اهدني هو المنفرد، أما الإمام فيقول: اللهم اهدنا، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَمَّ قَوْمًا فَخَصَّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ فَقَدْ خَانَهُمْ» (19)؛ لأنه إذا دعا الإمام فقال: اللهم اهدني والمأمومون يقولون: آمين، صار الدعاء له والمأموم ما له شيء، إلا أنه يؤمن على دعاء الإمام لنفسه، وهذا نوع خيانة، إذن يقول الإمام: اللهم اهدنا بالجمع؛ لأنه يدعو لنفسه ولمن وراءه.
قوله: (اللهم اهدني فيمن هديت) أي: في جملة من هديت، وهذا فيه نوع من التوسل بفعل الله سبحانه وتعالى، وهو هدايته من هدى، فكأنك تتوسل إلى الله الذي هدى غيرك أن يهديك في جملتهم، والهداية هنا يراد بها هداية الإرشاد وهداية التوفيق؛ هداية الإرشاد التي ضدها الضلال، وهداية التوفيق التي ضدها الغي.

واسأل الآن من الذي فقد هداية الإرشاد من الأمم؟ الطالب: النصارى.
الشيخ: النصارى، والذي فقد هداية التوفيق اليهود.
فأنت إذا قلت: (اللهم اهدني) تسأل الله تعالى هدايتين؛ هداية الإرشاد وذلك بالعلم، وهداية التوفيق وذلك بالعمل؛ لأنه ليس كل من علم عمل، وليس كل من عمل عمل عن علم، وتمام التوفيق أن تعلم وتعمل.
وقوله: (وعافني فيمن عافيت) تسأل الله العافية، (فيمن عافيت) أي: في جملة من عافيت، وهذا -كما قلته آنفًا- فيه نوع من التوسل إلى الله تعالى بفعله في غيرك، فكأنك تقول: كما عافيت غيري فعافني.
والمعافاة هل المراد المعافاة في الدين أو في الدين والدنيا؟ طلبة: تشمل الأمرين.
الشيخ: تشمل الأمرين؛ أن يعافيك من أسقام الدين؛ وهي أمراض القلوب التي مدارها على الشهوات والشبهات، ويعافيك من أمراض الأبدان؛ وهي اعتلال صحة البدن.
والإنسان محتاج إلى هذا وإلى هذا، وحاجته إلى المعافاة من مرض القلب أعظم من حاجته إلى المعافاة من مرض البدن؛ ولهذا يجب علينا أن نلاحظ دائمًا قلوبنا، وننظر هل هي مريضة؟ هل هي صحيحة؟ هل صدئت تحتاج إلى دعك وغسل أو هي نظيفة؟ لا نطلق الأمر على علاته؛ لأنك إذا أطلقت الأمر -يا إخواني- ضعت، بقيت دائمًا ليس لك صلة مع الله، فإذا كنت تنظف قلبك دائمًا في معاملتك مع الله وفي معاملتك مع الخلق حصَّلت خيرًا كثيرًا، وإلا فإنك سوف تغفل، وتفقد الصلة مع الله، وحينئذٍ يصعب عليك التراجع.
حافظ على أن تكون دائمًا تفتش في قلبك؛ فيه غفلة، فيه مرض شبهة، فيه مرض شهوة، وكل شيء -ولله الحمد- له دواء، القرآن كله دواء للشبهات والشهوات، الترغيب في الجنة والتحذير من النار مثلًا هذا من أجل طرد الشهوات، بدل ما تميل إلى الشهوات في الدنيا التي فيها المتعة، تذكر متعة الآخرة ونخاف من الشر في الآخرة.

ولهذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يعجبه من الدنيا قال: «لَبَّيْكَ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ» (20)، شوف كيف الدواء «لَبَّيْكَ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ»، فيقول: «لَبَّيْكَ» يعني: إجابة لك، من أجل أن يكبح جماح نفسه حتى لا تغتر بما شاهدت من متع الدنيا، «لَبَّيْكَ» فيقبل على الله، ثم يوطن نفسه ويقول: «إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ» لا عيش الدنيا، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
المهم أن العافية تشمل سؤال العافية من أمراض القلوب التي مدارها على الشبهات والشهوات ودواؤها في كتاب الله، فكتاب الله كله مملوء بالعلم والبيان الذي تزول به الشبهات، ومملوء بالترغيب والترهيب الذي يزول به داء الشهوات، ولكننا في غفلة -في الحقيقة- عن هذا الكتاب العزيز الذي كله خير، وكذلك ما كمَّلته به السنة المطهرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أما عافية الأبدان فطبها نوعان: طِبٌّ جاءت به الشريعة، فهذا أكمل الطب، والطب الذي جاءت به الشريعة نوعان أيضًا: طِبٌّ مادي، وطب معنوي روحي.
فالطب المادي كقول الله تعالى في (النحل): ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: 69]، وكقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحبة السوداء: «إِنَّهَا شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ» (21)، وكقوله صلى الله عليه وسلم في الكمأة: «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ» (22)، وأمثال ذلك، هذا طب نبوي مادي.

والثاني الطب النبوي المعنوي الروحي، وذلك بالقراءة على المرضى، وهذا قد يكون أشد تأثيرًا وأسرع تأثيرًا، انظر إلى رُقْية النبي صلى الله عليه وسلم للمرضى تجد أن المريض يشفى في الحال، فإنه لما قال في يوم خيبر: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ» بات الناس تلك الليلة يخوضون من هذا الرجل؟ فلما أصبحوا غدوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يعني: راحوا في الصباح كل واحد متشوف لها؛ لأنه سوف يغنم مغنمًا كثيرًا؟ لا؛ لأنه سوف ينال هذا الوصف «يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»، فقال: «أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟ » قالوا: يشتكي عينيه، فدعا به فجيء به، فبصق في عينيه ودعا، فبرئ في الحال (23)، كأن لم يكن به أثر، فأعطاه الراية.
وكذلك عين أبي قتادة أظن لما ندرت حتى صارت على خده جيء به إلى الرسول عليه الصلاة والسلام فأخذها بيده ووضعها في مكانها وبرئت (24)، ما فيه عملية ولا شيء، لكن بإذن الله ودعاء الله؛ دعا الله فأجابه.

وكذلك أيضًا في قصة السرية الذين استضافوا قومًا فلم يضيفوهم فتنحوا ناحية، فقدر الله عز وجل أن يلدغ زعيم هؤلاء القوم الذين أبوا أن يضيفوا السرية، فلما لدغ؛ لدغته حية قالوا: من يرقي؟ قال بعضهم لبعض: شوفوا الجماعة الذين نزلوا عليكم ضيوفًا ولم تضيفوهم لعل فيهم قارئًا، فذهبوا إليهم، فقالوا: نعم، فينا من يقرأ، لكن ما نقرأ عليكم إلا بشيء؛ إلا بِجُعْل، فجعلوا لهم قطيعًا من الغنم، جاء الله بالضيافة غصبًا عليهم -الحمد لله- جعلوا لهم قطيعًا من الغنم، فذهب أحدهم يقرأ على هذا اللديغ سورة الفاتحة فقط كرَّرها، فقام اللديغ كأنما نشط من عقال، والذي لدغته حية، فلما غدوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجعوا إليه وأخبروه قال للقارئ: «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ» (25). هذا طِبٌّ نبوي، لكنه معنوي بالقراءة، وما أكثر الذين نشاهدهم ونسمع بهم يؤثرون تأثيرًا بالغًا في المرضى أشد من تأثير الطب الذي يدرك بالتجارب.
فيه أيضًا قلنا: إن مرض القلوب له دواء نبوي، والدواء النبوي نوعان، وله دواء مادي بحت يعرف بالتجارب، وهو ما يكون على يد الأطباء، سواء درسوا في المدارس الراقية وعرفوا أو أخذوا بالتجارب؛ لأنه يوجد أناس من عامة الناس يجرون تجارب على بعض الأعشاب ويحصل منها فائدة، ويكونون بذلك أطباء بدون دراسة؛ لأن هذا يدرك بالتجارب.
فقول القائل: (عافني فيمن عافيت) يسأل الله العافية فيمن عافاه الله من أمراض القلوب وأمراض الأبدان، وأمراض القلوب قلنا: إن طبها يكون بماذا؟ بالقرآن، فيه الشفاء لأمراض القلوب من كل داء ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: 57] ﴿شِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ حتى من صدور الكفار؛ ولهذا قال بعدها: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، فجعل الشفاء عامًّا، والهدى والرحمة للمؤمنين خاصًّا.
طالب: قوله: يوتر بعد الركوع؟

الشيخ: يقنت.
الطالب: ما يجوز قبل الركوع؟ الشيخ: لا، ما يدل على عدم الجواز، لكن يدل على أن السنة بعد الركوع، ويجوز أن يقنت بعد القراءة قبل أن يركع.
طالب: قلت -يا شيخ-: إذا صلى ركعة فقط لا يأثم.
الشيخ: صحيح.
الطالب: إذا ما صلى يأثم؟ الشيخ: لا؛ لأن بعض العلماء قال: إنه يكره أن يوتر بركعة، ولكنه ليس بصحيح.
طالب: المسافر -يا شيخ- وجمع جمع تقديم العشاء والمغرب، هل له أن يوتر قبل أذان العشاء؟ الشيخ: إي نعم، من يوم يصلي العشاء، لو صلى العشاء والمغرب بعد أن مضى ربع ساعة من الوقت؛ يعني: استعجل حتى أكمل الصلاتين ربع ساعة، افرض المسافر صلى المغرب ثلاثًا من حين غربت الشمس والعشاء اثنتين فليوتر، ما فيه مانع.
طالب: أحسن الله إليك، عبارة بعض العلماء: ينبغي أو لا ينبغي، هل هذه يؤخذ منها وجوب أو استحباب أو ماذا؟ الشيخ: لا، إذا قال: ينبغي فهي تشير إلى أنه أعلى رتبة من (يُسن)، ولكنه ليس واجبًا، وكذلك إذا قال: لا ينبغي هو دون الحرام، لكنه لا ينبغي أن يفعله إلا في القرآن والسنة، لا ينبغي؛ يعني: الممتنع غاية الامتناع، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: 92]، وكما في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ» (26). الطالب: لكن يأثم -يا شيخ- إذا قيل: لا ينبغي أفعل كذا؟ الشيخ: لا، ما يأثم.
الطالب: جزاكم الله خيرًا، قول الإمام أحمد: من ترك الوتر عامدًا فهو رجل سوء، هل يؤخذ منه أن من ترك تطوعًا يلقب برجل سوء؟ الشيخ: أما هذا الكلام عن الإمام أحمد يحتمل أنه يرى وجوبه، ويحتمل أنه أراد بقوله: رجل سوء؛ لأن الذي يدع الوتر -وهو ركعة واحدة، وفيه هذه الآكدية- دليل على عدم اهتمامه بالشرع وأن لديه عزوفًا عن الطاعة، ولَّا كيف يترك الوتر وهو ركعة واحدة، وين الديانة والاستقامة؟ !

طالب: شيخ -جزاك الله خيرًا- بعض الناس يوتر أول الليل، فإذا استيقظ آخر الليل صلى واحدة، لكي تشفع الأولى ثم يوتر؟ الشيخ: هذا روي عن ابن عمر (27) ويسمى نقض الوتر، لكنه ليس بصحيح.
(... ) ذكرنا أن للتطوع اصطلاحَيْن؟ طالب: التطوع عند الفقهاء: كل طاعة غير واجبة، وأما عند غير الفقهاء يطلقون التطوع على النافلة.
الشيخ: في الشرع؟ الطالب: على النافلة.
الشيخ: لا، هذه نافلة هي طاعة غير واجبة.
طالب: على فعل الطاعة مطلقًا.
الشيخ: على كل طاعة ولو واجبة.
ما هي الحكمة من مشروعية التطوع؟ طالب: أولًا: حتى تجبر ما نقص في الواجبات، وتزيد إيمان المؤمن، وتعوده على كثرة الطاعات.
الشيخ: إذن جبر ما نقص من الفرائض، والثاني زيادة عمل المؤمن؛ لأنه لولا أن الله شرعها لكانت بدعة لا تحل.
ذكرنا أن كل واجب من واجبات الإسلام له تطوع؟ طالب: الصلاة لها تطوع، الحج له تطوع، الصيام له تطوع، الزكاة لها تطوع.
الشيخ: أو الصدقة.
الطالب: إي، الصدقة.
الشيخ: الصدقة لها تطوع.
بر الوالدين؟ الطلبة: له تطوع.
الشيخ: له تطوع، أقل ما يسمى برًّا هذا واجب، وما زاد فهو تطوع، كل العبادات لها تطوع.
ما هو آكد عبادات البدن؟ طالب: على قول المؤلف صلاة الكسوف آكد.
الشيخ: لا، الصلاة، أنا أظن ما قلتها لكم الحقيقة.
الطلبة: نعم.
الشيخ: إذن نقولها الآن: آكد ما يتطوع به من العبادات البدنية الجهاد، وقيل: العلم، فمن العلماء من فضَّل العلم، ومن العلماء من فضل الجهاد.
والصحيح أنه يختلف باختلاف الفاعل وباختلاف الزمن، فقد نقول لهذا الشخص: إن الأفضل في حقك الجهاد، وللشخص الآخر: إن الأفضل في حقك العلم، فإذا كان هذا الرجل شجاعًا قويًّا نشيطًا بليدًا فالأحسن له الجهاد؛ لأن البليد غالبًا لو تعلمه ليلًا ونهارًا ما يستفيد، وإذا كان ذكيًّا حافظًا قوي الحجة فالأفضل العلم، هذه واحدة، هذه باعتبار الفاعل.

قد يكون باعتبار الزمن؛ إذا كنا في زمن كثر فيه الجهل وكثرت فيه البدع وكثر فيه من يفتي بلا علم فالعلم أفضل من الجهاد، وإذا كنا في زمن كثر فيه العلماء واحتاجت الثغور إلى مرابطين يدافعون عن البلاد الإسلامية فهنا الأفضل الجهاد، فإن لم يكن مرجح لا لهذا ولهذا فالأفضل العلم.
قال الإمام أحمد: العلم لا يعدله شيء لمن صحت نيته، قالوا: كيف تصح النية؟ قال: ينوي بتواضع، وأن يرفع الجهل عن غيره، فقال: لا يعدله شيء لمن صحت نيته، وهذا صحيح؛ لأن مبنى الشرع كله على العلم، كل الشرع حتى الجهاد مبناه على العلم، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 122]، فنفى الله أن ينفر المسلمون كلهم إلى الجهاد، وقد لا يمكن هذا ولكن ينفر طائفة ويبقى طائفة تتعلم، حتى إذا رجع قومهم إليهم أخبروهم بما عندهم من الشرع، ولكن يجب في الجهاد وفي العلم تصحيح النية وإخلاصها لله عز وجل، وهو شرط شديد؛ إخلاص النية.
قال الإمام أحمد رحمه الله: شرط النية شديد، لكنه حُبِّب إلي فجمعته، لما سئل رحمه الله عن علمه وعن نيته -وهو من هو- قال: شرط النية شديد، لكنه حُبِّب إلي فجمعته، رحمه الله، ولكن لا شك أن نيته صالحة، بدليل أنه صار إمامًا للمسلمين، قال ابن مفلح في كتاب الفروع قال: وهذا معنى قولهم: طلبنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله.
وقد ذكر رحمه الله ابن مفلح في أول باب صلاة التطوع بحثًا جيدًا جدًّا في المفاضلة بين الأعمال وفي العلم وطلبه، ونقل نقولًا جيدة لا تكاد تجدها في غيره، بل أنا ما وجدتها في غيره، فمن أحب منكم أن يراجعه فهو طيب كتاب الفروع أول باب صلاة التطوع.
طالب: توضيح قول الإمام أحمد: شرط النية شديد؟

الشيخ: معناه أنه هو رحمه الله يقول: شرط النية شديد؛ معناه أن الإخلاص صعب وشديد، كثير من طلبة العلم يطلبون العلم للعلم، ما يكن على بالهم أنهم يريدون أن يرفعوا الجهل عن أنفسهم وعن غيرهم، بس لأنهم يحبون العلم؛ ولهذا قال: ولكنه حُبِّب إلي العلم فجمعته.
ما هو أفضل التطوع في باب الصلاة؟ طالب: الكسوف على كلام المؤلف.
الشيخ: ثم؟ الطالب: الاستسقاء، ثم التراويح، ثم الوتر.
الشيخ: على أي أساس بنى المؤلف هذه المفاضلة؟ طالب: أن آكدها الكسوف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسم أمر بذلك.
الشيخ: على أي أساس؟ لأنه ذكر ثلاثة أشياء؛ يعني: ما هو اللي بنى المؤلف تفضيله عليه في باب صلاة التطوع؟ طالب: أنه ما يسن له الجماعة مقدم على.. الشيخ: ما تشرع له الجماعة فهو مقدم على ما لا تشرع فيه الجماعة، هذه القاعدة عنده.
وذكر ثلاثة مما تشرع فيه الجماعة وبين أيها آكد، الكسوف آكد من الاستسقاء، لماذا؟ طالب: المؤلف قال: لا تشرع له الجماعة.
الشيخ: كله تشرع له الجماعة.
لكن سؤالي الكسوف قال: أفضل من الاستسقاء ليش؟ الطالب: لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به؛ لأن هناك أحوالًا احتفت بهذه الصلاة جعلتها أفضل من غيرها، فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر بها وأمر بالاستغفار وأمر بالصدقة، وصلاها على غير عادته ونادى بها.
الشيخ: وأما الاستسقاء فلم يأمر بالصلاة له لكنه فعله.
التراويح يقول المؤلف: إنها هي الثالثة، لماذا قدم الاستسقاء عليها؟ طالب: لأن الاستسقاء تفعل لأمر يحتاج له المسلمين مثل الجدب، فيها المراعاة لأمر يحتاج له المسلمين أكثر من غيرها.
الشيخ: لأنه دعاء حاجة، وهذا دعاء فضل؛ يعني: صلاة فضل زيادة تطوع فقط، أما هذه فهي صلاة حاجة الناس محتاجون إليها.
ما هو القول الراجح في الأفضل بين هذه الأربع؛ كسوف استسقاء تراويح وتر؟

الطالب: القول الراجح بعد الكسوف هو الوتر؛ لأن الوتر (... ) رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك بعض العلماء قال: واجبة؛ ولهذا مقدم.
الشيخ: على الاستسقاء والتراويح.
أما بين الكسوف والوتر؟ طالب: الصحيح أن الكسوف واجبة وليست.. الشيخ: ومقدمة على الوتر.
طالب: يا شيخ، الوتر أحق للإنسان بعينه، والتطوع الثاني إذا قام بالوجوب بعض أبناء هذا البلد سقط عن الباقين، والرسول صلى الله عليه وسلم معروف عنه يترك بعض الصلاة في السفر الرباعية يترك منها ركعتين ويصلي ركعتين، والوتر ما فيه شيء.
الشيخ: وأيش المقصد؟ ما فيه شك أنه مؤكد الوتر، لكنه ليس بواجب؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لما سأله الأعرابي قال: هل علي غيرها؟ قال: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» (28)، وقال الله تعالى في ليلة المعراج: «هُنَّ خَمْسٌ بِالْفِعْلِ وَخَمْسُونَ فِي الْمِيزَانِ»، وقال: «أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي» (29)، فهو ليس بواجب، أما الكسوف فإنه واجب؛ لأن الرسول أمر به وفزع له، وصلى صلاة رهيبة وخطب له.
الوتر أولًا نسأل عن وقته؟ طالب: وقته ما بين صلاة العشاء إلى الفجر.
الشيخ: ولو جمعت؟ الطالب: ولو جمعت.
الشيخ: الدليل؟ الطالب: الدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ؛ صَلَاةُ الْوِتْرِ، مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ».
الشيخ: أحسنت.
كم أقله؟ الطالب: واحدة.
الشيخ: أقله ركعة، ما الدليل؟ الطالب: الدليل أن الوتر أقله واحدة.
الشيخ: ما عندك دليل؟ طالب: أن في صحيح مسلم النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الْوِتْرُ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ فِي آخِرِ اللَّيْلِ» (30). الشيخ: ما هنا أصح منه؟ طالب: فَعَلَه عشرة من الصحابة.
الشيخ: نعم، هذا فِعْل الصحابة، لكن نبغي دليلًا عن الرسول؟

طالب: الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ، أَوتِرُوا فِي اللَّيْلِ».
الشيخ: ماذا الدليل؟ نبغي الدليل على أنه ركعة؟ طالب: الدليل في حديث أن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، صلاة الليل أفعلها مثنى مثنى؟ «فَإِنْ خِفْتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ» (4)، رواه الجماعة.
الشيخ: صح، هذا الدليل قال: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى»، قد صلى واحدة فأوترت.
طالب: لكن هل هذا دليل -يا شيخ- على أقل من ركعة؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: قال قبلها: «مَثْنَى مَثْنَى».
الشيخ: إي، هي صلاة الليل ما سماها وترًا، ثم قال: «إِذَا خَشِيَ الصُّبْحَ فَلْيُوتِرْ بِوَاحِدَةٍ».
أكثره؟ الطالب: إحدى عشرة ركعة.
الشيخ: الدليل؟ الطالب: قول عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة.
الشيخ: نعم، وقالت: ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة.
أوتر بخمس كيف يوتر؟ طالب: يسردها ويجلس آخر ركعتين.
الشيخ: وبسبع؟ الطالب: كذلك.
الشيخ: وبتسع؟ الطالب: يجلس في الثامنة ويتشهد ولا يسلم، ثم يأتي بالتاسعة ويتشهد ويسلم.
الشيخ: صح.
هل يفعل هذه الصفة إذا كان إمامًا للناس في رمضان؟ طالب: أما السرد فلا ينبغي (... ) ينبغي أن يسلم بعد كل ركعتين.
الشيخ: أو الخمس؟ الطالب: أو الخمس؛ لأن هذا يحدث (... ) قد يكون بعض الناس ما يريد أن يوتر في (... ) يصلي في (... ). الشيخ: إي نعم.
طالب: النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان ما فعله.
الشيخ: وأن الرسول ما فعله في رمضان، إنما كان يفعله في بيته.
طالب: فصارت التراويح مثل قيام الليل للمنفرد.
الشيخ: نعم، وصارت وترًا، لا، وفي أشد شيء.
طالب: هل هذا في صلاة الليل أخف عليهم من سردهم خمسًا؟

الشيخ: على من؟ الطالب: على المأمومين.
الشيخ: هذا هو كلام خالد يقول: يحجز المأمومين فيؤذيهم، وفيه أيضًا مفسدة الداخل سوف ينوي صلاة ليل فإذا هو وتر؛ لأنه ما يعلم أن هذا يوتر.
إذنْ ما فعله بعض الناس اجتهادًا فهذا من الاجتهاد الذي لم يكن مصيبًا، وهذا هو الذي أنا أحثكم عليه؛ على أن تطلبوا العلم، حتى لا تأخذوا بأطراف الأدلة وتمسكوا العصا من وسطها، حتى تعرفوا ويتبين لكم الشيء الذي هو مراد الله ورسوله والذي ليس مراد الله ورسوله.
إذا أوتر بثلاث فلها ثلاث صفات؟ طالب: يجمع الثلاثة مع بعض؛ يصلي ركعتين ويسلم ويوتر بواحدة، هذه هي.
الشيخ: أنا قلت: ثلاثة.
الطالب: وهي اثنين، الموجودة اثنين.
طالب آخر: الثالثة صلاة المغرب منهي عنها.
الشيخ: أحسنت، الثالثة أن يوتر كالمغرب وهذه منهي عنها ليست مشروعة؛ يعني: يتشهد بعد الثانية ثم يأتي بالثالثة فهذه غير مشروعة منهي عنها.
إذا أوتر بثلاث يقرأ؟ الطالب: بـ (سبح) و (الكافرون) و (الإخلاص).
الشيخ: في كل ركعة؟ الطالب: في الأولى بـ (سبح)، والثانية (الكافرون)، والثالثة (الإخلاص)، سنة.
الشيخ: سنة.
قال المؤلف رحمه الله: (ويقنت فيها) يؤخذ من كلام المؤلف رحمه الله أنه يقنت كل ما أوتر؛ لأنه جعل القنوت من صفة الوتر اللازمة.
قال: (يقنت فيها بعد الركوع)، ولكن من تدبر صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الليل التي شهدها جماعة من الصحابة تبين له أنه كان لا يقنت؛ لأنهم لا يذكرون القنوت مع أن الحاجة داعية إلى ذكره وذكروا ما هو أدنى منه، فدل هذا على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يقنت في الوتر؛ ولهذا لم يصح عنه أنه قنت في الوتر، لكن روي أحاديث قد تصل إلى درجة الحسن وقد تنقص عنه.

ويَقْنُتُ فيها بعدَ الركوعِ ويَقولُ: "اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وعافِنِي فيمَن عَافَيْتَ، وتَوَلَّنِي فيمَنْ تَوَلَّيْتَ وبارِكْ لي فيما أَعْطَيْتَ وقِنِي شرَّ ما قَضَيْتَ، إنك تَقْضِي ولا يُقْضَى عليك، إنه لا يَذِلُّ مَن وَالَيْتَ ولا يَعِزُّ مَن عَادَيْتَ، تَبارَكْتَ رَبَّنَا وتَعَالَيْتَ.
اللهمُّ إني أَعوذُ برِضاكَ مِن سَخَطِكَ، وبعَفْوِك من عُقوبتِك، وبك منك، لا نُحْصِي ثناءً عليك أنتَ كما أَثْنَيْتَ على نفسِك، اللهمَّ صلِّ على مُحَمَّدٍ وعلى آلِ مُحمَّدٍ، ويَمْسَحُ وَجْهَه بيَدَيْه، ويُكْرَهُ قُنوتُه في غيرِ الوتِرِ إلا أن تَنْزِلَ بالمسلمينَ نازلةٌ غيرَ الطاعونِ فيَقْنُتُ الإمامُ في الفرائضِ.
والتراويحُ عشرون رَكعةً أنه يقنت كلما أوتر؛ لأنه جعل القنوت من صفة الوتر اللازمة.
قال: (يقنت فيها بعد الركوع).
ولكن من تدبر صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الليل التي شهدها جماعة من الصحابة، تبين له أنه كان لا يقنت؛ لأنهم لا يذكرون القنوت مع أن الحاجة داعية إلى ذكره، وذكروا ما هو أدنى منه، فدل هذا على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يقنت في الوتر، ولهذا لم يصح عنه أنه قنت في الوتر، لكن روي أحاديث قد تصل إلى درجة الحسن، وقد تنقص عنه، إلا أنه أخرج أهل السنن من حديث الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه دعاء يدعو به في قنوت الوتر (1)، وهذا يقتضي أن للوتر قنوتًا، ولكن ليس بالسنة الدائمة التي يحافظ عليها كلما قنت؛ لأن السنة الدائمة لا يمكن أن يدعها الرسول صلى الله عليه وسلم، لكنها من السنن التي تفعل، وإذا فعلها الإنسان فإنه يدعو بالدعاء الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم الحسن.

أيضًا قال المؤلف: (بعد الركوع) فهل هذا المكان هو المتعين أو يجوز أن يقنت قبل ذلك؟ ظاهر كلام المؤلف أنه لا يشرع القنوت قبل الركوع، ولكن المشهور من المذهب أنه يجوز القنوت قبل الركوع وبعد القراءة؛ فإذا انتهى من قراءته قنت، ثم ركع؛ لأنه ورد ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام (2). وعليه: فيكون موضع القنوت من السنن المتنوعة؛ التي يفعلها أحيانًا هكذا، وأحيانًا هكذا.
وقول المؤلف: (اللهم اهدني فيمن هديت) سبقت الإشارة إليه، وقلنا: إنه يقول هذا إذا كان منفردًا، أما الإمام فيقول: اللهم اهدنا؛ لأنه يدعو لنفسه ولغيره.
وسبق لنا أن قوله: (اللهم اهدني فيمن هديت) يعني: في جملتهم، وهذا نوع من التوسل، كأنه يقول: كما هديت غيري فاهدني فيهم.
(وعافني فيمن عافيت) كذلك نقول فيها ما قلنا في (اللهم اهدني فيمن هديت).
وسبق لنا أن المعافاة تكون من أمراض القلوب وأمراض الأبدان، وقال بعضهم: المعافاة أن يعافيك الله من الناس ويعافي الناس منك، وهذا معنى طريف أن يعافيك الله من الناس ويعافي الناس منك، يعافيك الله من الناس فيكفّ ألسنتهم عن الخوض فيك، ويعافي الناس منك يكف لسانك عن الخوض فيهم، وهذا لا شك أنه من العافية، إذا عافاك الله من الناس وعافى الناس منك فلا شك أنه من العافية، لكنه يعود على ما شرحنا بالأمس، عافية البدن أو عافية القلب؟ عافية القلب هذا في معافاة الناس منك، معافاة من الناس أقرب ما لها أن تكون للبدن.
قال: (وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت) هل هي من الولاية أو من الوِلَى؛ يعني: أن يليك، أو منهما جميعًا؟ منهما جميعًا؛ يعني: تولني فيمن توليت اجعلني قريبًا منك، كما يقال: ولي فلان فلانًا، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لِيَلِيَنِي مِنْكُمْ أَولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى» (3)؛ يعني: من الولاية، وهي القرب.

أو (تولني فيمن توليت) يعني: اعتن بي، وكن لي وليًّا، ناصرًا لي، معينًا لي في أموري، أيهما؟ نقول: يشمل الأمرين، وإن كان المتبادر إلى الذهن أنه من الموالاة وهي النصرة.
ونقول: فيها اجعلني لك وليًّا، وليًّا بالولاية العامة أو الخاصة؟ بالولاية الخاصة؛ لأن الولاية العامة شاملة لكل أحد مؤمن وكافر، بر وفاجر، كل أحد فالله تعالى مولاه، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: 61، 62]، فقال: ﴿رُدُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ يشمل كل من مات من مؤمن وكافر، وبر وفاجر، وهذه ولايته العامة؛ لأن الله يتولى شؤون جميع الخلق.
أما الولاية الخاصة فهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 257]، وفي قوله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: 62، 63]، والسائل الذي قال: (تولني فيمن توليت) يريد الولاية الخاصة.

(وبارك لي فيما أعطيت) أي: أنزل البركة لي فيما أعطيت، من المال من العلم من الجاه، من الولد، من كل ما أعطيتني ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53]، إذن: بارك لي في جميع ما أنعمت به عليَّ، وإذا أنزل الله البركة لشخص فيما أعطاه صار القليل منه كثيرًا، وإذا نُزعت البركة صار الكثير قليلًا، كم من إنسان يجعل الله على يديه من الخير في أيام قليلة ما لا يجعل على يد غيره في أيام كثيرة؟ وكم من إنسان يكون المال عنده قليلًا لكنه متنعم في بيته، قد بارك الله له في ماله، ولا تكون البركة عند شخص آخر أكثر منه مالًا؟ أحيانًا تحس بأن الله بارك لك في هذا الشيء بحيث يبقى ويبطئ عندك، حتى تقول: كيف ما قضى إلى الحين؟ ربما تمل تقول: عسى الله يخلصه، من بركته.
ومن أسباب البركة في الطعام: ألا تقتر وتكيل؛ لأن الرسول قال: «لَا تُوعِي فَيُوعِيَ اللَّهُ عَلَيْكَ» (4)، فإذا قترت وكلت نُزعت البركة، ولهذا تقول عائشة أم المؤمنين: كان عندها شيء من الشعير قد بارك الله لها فيه، تأخذ منه، وكأنه لا ينقص، تقول: فكلته ذات يوم -أشوف أيش اللي بقى منه- ففني بسرعة (5). إذن (بارك لي فيما أعطيت) يشمل البركة في المال، البركة في العلم، البركة في الجاه، البركة في الأولاد، كل شيء حتى في الزوجات وغيرها، إذا أنزل الله البركة للإنسان فهذا من نعمة الله عليه.
(وقني شر ما قضيت) (ما) اسم موصول ولّا مصدرية؟ طالب: اسم موصول.
الشيخ: اسم موصول؛ يعني: قني شر الذي قضيت؛ لأن الذي يقيه الله منه ما هو خير ومنه ما هو شر، فالمرض من قضاء الله، شر ولّا خير؟ طلبة: شر.
الشيخ: شر بذاته، لكن قد يكون يوصل إلى خير، إذا وفق الإنسان وصبر على هذا المرض صار خيرًا له، لكن هو في حد ذاته شر.

المصائب التي تصيب الإنسان في بدنه، في ماله، في أهله، كلها شر، لكن قد تكون خيرًا باعتبارٍ آخر، إنما هي من قضاء الله ولّا من غير قضاء الله؟ من قضاء الله، نفسك من الله، ولها شر ولّا ما لها شر؟ لها شر، اللَّهُمَّ قِنِي شَرَّ نَفْسِي.
إذن: (قنا شر ما قضيت) أي: شر الذي قضيته.
لو قال قائل: (شر ما قضيت) أجعل (ما) مصدرية، وأقول: شر قضائك.
قلنا: هذا لا يصح إلا إذا أردت بالقضاء المقضي، أما أن يكون قضاء الله نفسه؛ فإن قضاء الله ليس بشر، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ»، قال: «الْخَيْرُ بِيَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» (6). ولهذا لا يجوز أن تقول: بيدك الخير والشر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم عدل عن قوله بيدك الخير والشر، إلى قوله: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ».
فإن قال قائل: ألستم تقولون: إن من الإيمانِ الإيمانَ بالقدر خيره وشره؟ نقول: نعم، نقول: هذا ولا بد، ولكن لنا على هذا جوابان: الجواب الأول: أن المراد بالقدر المقدور، والمقدور فيه الشر ولَّا لا؟ فيه الشر، فالشر باعتبار المفعول لا باعتبار الفعل.
الوجه الثاني أن نقول: إنه شر باعتبار الفعل، لكن هذا الشر يترتب عليه خير كثير، هو شر من قضاء الله، لكن فيه خير كثير، مراد به خير كثير، الفساد في البر والبحر شر، لكن خير ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41]، ألست أنت تأتي بولدك الذي هو أحب الناس إليك، ولدك ريحانة، أحب الناس إليك، وهو مريض، وتأتي بالحديدة تحميها على النار حتى تتلهب وتكويه بها حتى يصرخ ويتألم، هذا شر ولّا ما هو بشر؟ شر لكن ثمرته خير، كذلك أفعال الله عز وجل هي شر باعتبار ذاتها، أما باعتبار ما أراد الله بها من الخير فهي خير.
فالشر إذن أمر نسبي، أما حقيقة فعل الله فإنه ليس بشر إطلاقًا، حتى لو وقع من الله عز وجل ما يسمى شرًّا فهو خير باعتبار آثاره الحميدة.

جارٍ التحميل