الشيخ: نقول: الواقع أن الجبهة والأنف ليس شيئًا واحدًا في الحقيقة، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام ألْحَقَ الأنف بالجبهة إلحاقًا، وسنتلو الحديث، روى ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أُمِرْنَا أَنْ نَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ -أَوْ أَعْضَاءٍ- عَلَى الْجَبْهَةِ»، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَنْفِهِ (1).
وهنا لو كان الأنف من الجبهة حكمًا وحقيقةً ما أشار إليه، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: ولو كان عضوًا مستقلًّا لنص عليه، وجعله مستقلًّا، وقال: على الجبهة وعلى الأنف، إذن فهو تابع، فهو من الجبهة حُكْمًا لا حقيقة، ولهذا أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم إشارة.
الجبهة واليدين، يقول المؤلف: (ثم يديه)، (يديه)، والحديث «كَفَّيْهِ»، و «الْكَفَّيْنِ» (2)، فهل بينهما فرق؟ لا؛ لأن اليد عند الإطلاق هي الكف فقط.
أرأيتم قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: 38].
ثم أرأيتم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: 6]، ماذا يُطلَق عليه لفظ اليدين في الآيتين؟
الطلبة: الكف.
الشيخ: الكف.
ولهذا يُقطَع السارق من مفصل الكف، وفي التيمم أرى النبي صلى الله عليه وسلم عمار بن ياسر كيف مسح اليدين، فمسح ظاهر كفيه، ومسح الشمال على اليمين (3).
إذن كلام المؤلف لا يعارض الحديث؛ لأن اليدين عند الإطلاق؟
الطلبة: (... ).
الشيخ: يُراد بهما الكف، وأما إذا قُيِّدت اليد فعلى حسب ما قُيِّدَت به، كما في قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6].
يقول المؤلف رحمه الله: (ثم يديه، ثم جبهته مع أنفه)، (جبهته مع أنفه)، ولهذا ما قال: جبهته وأنفه، أو ثم أنفه.
قال: (مع)، إشارة إلى أن الأنف تابع مصاحِب، وهو كذلك.
وبقي علينا نظر آخر في هذه العبارة.
أولًا: قال المؤلف: (على سبعة أعضاء: رجليه)، أليس هو قائم على رجليه من الأصل؟
الطلبة: في السجود.
الشيخ: في السجود ربما يرفعهما، كذا ولَّا لا؟
الطلبة: إي.
الشيخ: ولهذا نص عليهما، حتى لا يرفعهما إذا سجد.
ينزل المصلي على ركبتيه أولا ثم يديه ثم قال المؤلف: (ثم ركبتيه، ثم يديه).
فأفاد المؤلف بالنص الصريح أن الركبتين مقدمتان على اليدين، وهذا الذي ذهب إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعامة أهل العلم -ومنهم الأئمة الثلاثة؛ أحمد وأبو حنيفة والشافعي- على أن الركبتين مقدمتان على اليدين، وهذا مقتضى النص المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم فعلًا، والذي ثبت عنه أو كاد يثبت قولًا، وهو أيضًا مقتضى النظر الصحيح.
أما الأول؛ وهو أنه مقتضى النص، فلأن النبي صلى الله عليه وسلم رُوِيَ عنه أنه كان إذا سجد بدأ بركبتيه قبل يديه (4)، لكن هذا الحديث طعن فيه كثير من أهل العلم وقالوا: إنه ضعيف.
وأما ما ثبت عنه قولًا أو كاد يثبت فهو حديث أبي هريرة، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ» (5)، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى أن يبرك الرجل كما يبرك البعير، والبعير إذا برك يقدم يديه، فيقدم مُقَدَّمه على مُؤَخَّره كما هو ظاهر.
وقد ظن بعض أهل العلم أن معنى قوله: «فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ»، يعني: فلا يبرك على ما يبرك عليه البعير، وأنه نهى أن يبرك الإنسان على ركبتيه، وعلى هذا فيقدِّم يديه.
ولكن بين اللفظين فرقًا واضحًا، فإن النهي في قوله: «كَمَا يَبْرُكُ» نهي عن؟ الكيفية؛ لأن الكاف للتشبيه.
وأما النهي فلا يبرك على ما يبرك، لو كان بهذا اللفظ لكان نهيًا على ما يسجد عليه، وعلى هذا فلا يسجد على الركبتين؛ لأن البعير يَبْرُك على ركبتيه.
وأما النظر فلأن الوضع الطبيعي للبدن أن ينزل شيئًا فشيئًا، كما أنه يقوم من الأرض شيئًا فشيئًا، فإذا كان ينزل شيئًا فشيئًا فالأسفل منه ينزل قبل الأعلى، وإذا قام شيئًا فشيئًا فالأعلى يكون قبل الأسفل، وعلى هذا فيكون هذا القول الذي عليه عامة أهل العلم هو الموافق للمنقول والطبيعة.
لكن مع ذلك لو أن إنسانًا كان ثقيلًا أو مريضًا، أو في ركبتيه ما يشق عليه به السجود على الركبتين؟ ففي هذه الحال نقول: لا بأس أن الإنسان يفعل ويقدم اليدين، ويكون النهي ما لم يوجَد سبب يقتضيه، فإن وُجِدَ سبب يقتضيه كالحاجة لمرض أو كِبَر أو ألم في الركبتين، أو غير ذلك فإن هذا لا بأس به؛ لأن مبنى الدين الإسلامي -ولله الحمد- على.. ؟
طالب: اليسر.
الشيخ: اليسر والسهولة؛ ففي القرآن الكريم يقول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، والإرادة هنا شرعية، يعني أن الشرع هو التيسير.
وفي السنة: «بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» (6)، «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا» (7).
فالمقصود الوصول إلى السجود، فإن تمكن الإنسان به على الوجه الأكمل فهو أكمل، وإن شق عليه فإنه يفعل ما تَيَسَّر.
ومن العلماء من يقول: بل يسجد على يديه أولًا، ظنًّا منه أن قوله: «فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ» (5) يراد به: فلا يبرك على ما يبرك عليه البعير، وقال: إن رُكْبَتَيِ البعير في يديه، وهذا صحيح؛ أن ركبتي البعير وكل ذات أربع في اليدين، لكن الحديث لا يساعد لفظه على هذا المعنى.
وأما آخر الحديث المفرع على أوله، ففيه انقلاب كما حققه ابن القيم، وهو قوله: «وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتِهِ»؛ لأنه لو كان على الصحة لكان مناقضًا لأول الحديث، وكلام النبي عليه الصلاة والسلام لا مناقضة فيه.
أقول: من العلماء من قال: إنه يبدأ بيديه قبل ركبتيه.
ومن العلماء، بل ما هم من العلماء، بل من الناس الإخوة المبتدئين مَن حاول أن يجمع بين الأمرين، فقال: لا أنزل أعالي بدني ولا أسجد على الركبتين، أجلس مُسْتَوْفِزًا ثم أضع يدي على الأرض كذا، ثم أدفعهما إلى الأمام كذا، يسحبها إلى الأمام.
فنقول: مَن جاء بهذه الصفة؟ هذه الصفة ما قال بها أحد من المتقدمين أبدًا، والجمع بين النصوص بصفة تخالف ما تقتضيه النصوص وتخرج عما قاله العلماء خطأ.
رأيت بعض الناس يحط يديه يبغي يسجد (يبُوبَز) كما نقول باللغة العامية، وما أدري يا إخوان اللي..
يحاول أن يجمع بين وصول اليدين إلى الأرض قبل الركبتين، وبين أن لا يخطئ أعاليه، ويش اللي راح؟ أعاليه قبل أسافله.
فالحقيقة أن هذه الصفة غريبة، ما رأيت أحدًا من أهل العلم قال بها أبدًا، وتحتاج إلى دليل إثبات أن الرسول يخلي إيديه يصح من عند الرُّكب إلى أن يوازي الوجه.
هذا فعل خلاف ما تقتضيه الطبيعة والجِبِلَّة، وكل فعل يخالف ما تقتضيه الطبيعة والجِبِلَّة في الصلاة يحتاج إلى دليل؛ لأن الصلاة عبادة كلها بأفعالها وأقوالها.
وهذه قاعدة أُحِبُّ أن تنتبهوا لها: كل فعل يخالف مقتضى الطبيعة -العادة يعني- في تنقُّلات البدن يحتاج إلى دليل على إثباته؛ لأنه يكون مشروعًا.
وبناءً على ذلك نقول: الأصل وضع الأعضاء على ما هي عليه في الصلاة حتى يقوم دليل على أيش؟
طالب: المخالفة.
الشيخ: على المخالفة.
ولهذا لولا أنه ورد ما يدل على تطابق الرِّجْلَين في السجود لكنا نقول: إن الإنسان يجعلهما طبيعيتين، فإذا كان الركبتان متباعدتين فلتكن القدمان كذلك.
لكن لَمَّا ورد ما يدل على أنها يلصق بعضهما ببعض خرجنا عن هذا الأصل، فكل شيء لم يُنقل مما خرج عن عادة البدن فإنه يبقى على ما هو عليه من عادة البدن.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، (... ) أنه لقي في العبادة.
الشيخ: نعم.
الطالب: (... ) فيها، لكن مر علينا أن قلنا: إنه يجوز للمعتكف أن يخرج من مُعْتَكَفِه إن اشترط ذلك، قياسًا على حديث ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ.
الشيخ: نعم.
الطالب: (... ).
الشيخ: هذه ليست في الصفة؛ لأن الرسول قال: «إِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ» (8)، فهذا التعليل يدل على أن كل عبادة تَلْزَم للدخول فيها إذا استثنى فيها الإنسان فله ذلك.
طالب: ما فهمت يا شيخ.
الشيخ: أقول: التعليل، «فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ».
الطالب: نعم.
الشيخ: يدل على أن كل عبادة إذا شرع فيها الإنسان لزمته، فإنه إذا استثنى فيها فله على ربه ما استثناه، يعني فيه علة تشير إلى هذا.
طالب: بارك الله فيك، عندما يكون الإمام واقفًا يا شيخ وقف على سجود التلاوة، فيكبِّر يرفع يديه ويسجد.
الشيخ: لا، هذا قال الفقهاء: إنه يُشرع، الفقهاء -رحمهم الله- استثنوا من السجود مسألتين:
المسألة الأولى: إذا سجد للتلاوة.
والمسألة الثانية: إذا سجد بعد القنوت في الوتر.
ولكن لا دليل على ذلك، الصحيح أنه لا يُسْتَثْنَى شيء.
طالب: بالنسبة لفعل ابن عمر يا شيخ، فقد كان يقدِّم يديه على ركبتيه.
الشيخ: نعم.
طالب: ما أدري ما الإجابة على ذلك؟
الشيخ: الإجابة عن هذا من وجهين:
الوجه الأول: أنه فعل صحابي معارَض بفعل من هو أعلم منه وهو أبوه عمر.
والوجه الثاني: أن ابن عمر رضي الله عنهما كان في آخر عمره ثقيلًا، فقد كان حتى في جلوسه في الصلاة يتربع ولا يفترش، وسأله أحد أبنائه لماذا كان يصنع ذلك والرسول عليه الصلاة والسلام كان يفترش؟ قال: إن رِجْلَيَّ لا تُقِلَّانِي (9).
ورجل تصل به الحال إلى هذا، لا شك أنه يحتاج إلى أن ينزل على يديه؛ لأنه أيسر له.
طالب: شيخ، لو قال إنسان يعني خروجًا من الخلاف: إنه يفعل هذا مرة وهذا مرة (... ).
الشيخ: لا، لو قال: خروجًا من الخلاف، أولًا: النصوص ما تدل على هذا حتى يُثبت خلافًا، وأقوال العلماء إذا لم يكن لها حظ من النظر يبقى أهل العلم فيها معذورين فيما ذهبوا إليه، لكن لا يُجعل قولهم قولًا مُشَرِّعًا.
وليست هذه المسألة كجلسة الاستراحة التي يمكن أن تُحْمَل على حال دون حال -كما سيأتينا إن شاء الله تعالى - بل هذه صفة، إما هذه ولَّا هذه.
(... ) نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
(يَخِرُّ مُكَبِّرًا ساجدًا على سبعة أعضاء؛ رِجْلَيْه، ثم ركبيته، ثم يديه، ثم جبهته مع أنفه).
وأوردنا إشكالًا على قوله: (رجليه)، ما هو الإشكال؟
طالب: تكون مضمومتين أو..
الشيخ: لا، أوردنا إشكالًا على قول المؤلف: (رِجْلَيْه)، مع أن الرِّجْلين في الأرض من الأصل.
الطالب: إي نعم، ولذلك إذا سجد فإنهما يرتفعان عن الأرض.
الشيخ: إذا سجد فلا يرفعهما.
الطالب: نعم.
الشيخ: عن الأرض، ثم إن كيفيتهما في القيام غير كيفيتهما في السجود، أليس كذلك؟
الطالب: بلى.
الشيخ: يقول: (ثم جبهته مع أنفه)، قال: (ولو مع حائل ليس من أعضاء سجوده).
(ولو مع حائل) يعني: يسجد على الأرض ولو مع حائل ليس من أعضاء السجود.
(الحائل): يشمل الثوب، والغُطرة، والمَشْلَح، وما كان من جنس الأرض، وما كان من غير جنسها، عامٌّ، لكن لا بد أن يكون طاهرًا؛ لأنه لا يمكن السجود على النجس؛ إذ إن من شرط الصلاة -كما سبق- اجتناب النجاسة.
وقول المؤلف: (ليس من أعضاء سجوده).
يعني: لا يجوز أن يسجد على حائل من أعضاء السجود بأن يضع جبهته على كفَّيْه مثلًا، أو يضع يديه بعضهما على بعض، أو يضع رِجْلَيْه بعضهما على بعض؛ لأنه إذا فعل ذلك فكأنما سجد على عضو واحد، إذا وضع جبهته على يديه فلم يسجد على الجبهة في الحقيقة، بل سجد على العضو المباشر دون العضو الذي فوقه.
وقوله رحمه الله: (ولو مع حائل ليس من أعضاء السجود).
لم يُبَيِّن حكم السجود على الحائل إذا كان من غير أعضاء السجود، إنما بَيَّنَ أن السجود مُجْزِئ مع الحائل، لكن ما حكم وضع الحائل؟
قال أهل العلم: إن الحائل ينقسم إلى قسمين:
قسم متصل بالمصلِّي؛ فهذا يُكره أن يسجد عليه إلا من حاجة، مثل: الثوب الملبوس، والْمَشْلَح الملبوس، والغُطرة، وما أشبه ذلك.
ودليل ذلك حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يُمَكِّن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه (10).
فقوله: (إذا لم يستطع أن يُمَكِّن)، دل على أنهم لا يفعلون ذلك مع الاستطاعة، ثم التعبير (إذا لم يستطع) يدل على أنه مكروه لا يُفْعَل إلا عند الحاجة.
أما إذا كان الحائل منفصلًا فهذا لا بأس به، ولا كراهة فيه؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى على الخمرة (11)، والخمرة عبارة عن خَصيف من النخل يَسع جبهة المصلي وكفَّيْه فقط.
وعلى هذا فتكون الحوائل ثلاثة أقسام:
قسم من أعضاء السجود؛ فهذا السجود عليه حرام، ولا يجزئ السجود.
وقسم من غير أعضاء السجود لكنه متصل بالمصلي؛ فهذا مكروه، ولو فعل لأجزأ السجود لكنه مع الكراهة.
والثالث: قسم منفصل، فهذا لا بأس به.
ولكن قال أهل العلم: يُكره أن يَخُصَّ جبهته فقط بما يسجد عليه، وعلَّلُوا ذلك بأن هذا يشابه فعل الرافضة في صلاتهم، فإن الرافضة يتخذون هذا تديُّنًا، يصلون على قطعة من المَدَر كالفخار يصنعونها مما يسمونه النجف الأشرف، ولهذا تجد عند أبواب مساجدهم، تجد الصناديق الدواليب مملوءة من هذه الحجارة، إذا أراد الإنسان أن يدخل المسجد أخذ حجارة ليسجد عليها.
ومنهم من يفعل ذلك؛ لأنه يرى أنه لا يجوز السجود إلا على شيء من جنس الأرض، فلا يجوز السجود على الفراش ولو من خصيف النخل، مع أنه ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه سجد على خصيف النخل كما في حديث أنس حينما غسل له الحصير الذي اسودَّ من طول ما لُبِس، وصلى عليه صلى الله عليه وسلم (12).
لكن هم لا يرون ذلك، فيسجدون على شيء معيَّن، لكن يضعون الجبهة عليه فقط، ولهذا قال أهل العلم: يُكْرَه أن يَخص جبهته بما يسجد عليه؛ لأنه فعل الرافضة.
المؤلف -رحمه الله- يقول: (يسجد على أعضائه السبعة) (ولو مع حائل ليس من أعضاء السجود).
السجود على هذه الأعضاء السبعة واجب في كل حال السجود، بمعنى أنه لا يجوز أن يرفع عضوًا من أعضائه حال سجوده؛ لا يدًا، ولا رجلًا، ولا أنفًا، ولا جبهة، ولا أي شيء من هذه الأعضاء السبعة، فإن فعل -فإن كان في جميع حال السجود- فلا شك أن سجوده لا يصح؛ لأنه نقص عضوًا من الأعضاء التي يجب أن تسجد.
وأما إذا كان في أثناء السجود، بمعنى أن رَجُلًا حَكَّتْهُ رِجْلُه فحَكَّها بالرِّجْل الأخرى فهذا محل نظر؛ قد يقال: إنها لا تصح صلاته؛ لأنه ترك هذا الركن جزءًا من السجود.
وقد يقال: إنه يجزئه؛ لأن العبرة بالأعم والأكثر، فإذا كان الأعم والأكثر أنه ساجد على الأعضاء السبعة أجزأه.
وعلى هذا فيكون الاحتياط أن لا يرفع شيئًا، وليصبر حتى لو أصابته حكة في يده مثلًا، أو في فخذه، أو في رجله فليصبر حتى يقوم من السجود.
ومن المباحث في هذا الركن: أنه إذا عجز عن السجود ببعض الأعضاء فهل يسجد على البقية أو لا؟
نقول: لدينا قاعدة تبين هذا وغيره، وهي قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (13).
فإذا قُدِّر أن إحدى يديه جريحة لا يستطيع أن يسجد عليها فليسجد على بقية الأعضاء؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
وإذا قُدِّر أنه قد عمل عملية في عينيه، وقيل له: لا تسجد على الأرض، فليومئ ما أمكنه، وليضع من أعضاء السجود ما أمكنه.
وأما قول بعض الفقهاء: مَن عجز عن السجود بالجبهة لم يلزمه بغيرها.
فهذا مُسَلَّم في بعض الأحوال؛ مُسَلَّم فيما إذا كان لا يستطيع أن ينحني بحيث يكون إلى السجود التام أقرب منه إلى الاعتدال التام، فهذا مُسَلَّم أن يقال: لا يلزمك السجود.
مثلًا: لو كان ما يستطيع إلا أن يقول هكذا، ما نقول: ضع يديك؛ لأنه لو وضع يديه ليس كهيئة.. ؟
طالب: السجود.
الشيخ: الساجد.
لكن إذا كان يستطيع أن يومئ بحيث يكون إلى السجود التام أقرب منه إلى الجلوس التام فهنا يلزمه أن يسجد ببقية الأعضاء، فيدنو من الأرض بقدر ما يمكنه، ثم يضع أيش؟
طلبة: يديه.
الشيخ: يضع يديه.
فإذا قال قائل: ما هو الدليل على هذا؟
قلنا: الدليل أننا أُمِرْنَا بالسجود، وأُمِرْنَا أن نتقي الله ما استطعنا، فإذا كنا أقرب إلى السجود وجب أن (... )؛ لأننا نكون كهيئة الساجد الذي رفع جبهته، فيلزمنا ذلك.
أما إذا كنا لا نستطيع أن ندنو من الأرض بحيث نكون إلى السجود أقرب ففَرْضُنَا حينئذ الإيماء، فيومئ الإنسان ولا يلزمه أن يضع يديه أو ركبتيه على الأرض، أفهمنا هذا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: إذن بَيَّنَّا هذا الأمر ببحثين، ما هما؟
طالب: استدامة.
الشيخ: استدامة السجود على الأعضاء السبعة، والثاني؟ إذا عجزنا عن بعضها فهل يلزمنا البعض الآخر، وعرفتم التفصيل.
فإذا قال قائل: ما هي الحكمة من السجود؟ وما هو السر في هذا السجود؟
قلنا: لأنه من كمال التعبد لله والذل له، فإن الإنسان يضع أشرف ما فيه بحذاء أدنى ما فيه، كذا؟ يضع أشرف ما فيه وهو وجهه، بحذاء أسفل ما فيه وهو: قدمه.
وأيضًا يضعه على موطئ الأقدام، كل هذا تعبدًا لله تعالى وتقربًا إليه، ومن أجل هذا التطامُن والنزول للرب عز وجل صار أقرب ما يكون الإنسان من ربه وهو؟
الطلبة: ساجد.
الشيخ: ساجد.
يعني: مع أنه لو قام لكان أعلى وأقرب، كل ما علا الإنسان كان أقرب لله عز وجل، لكن هذا نزل حتى صار في الأسفل، ولنزوله لله عز وجل صار أقرب إلى الله «مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ» (14)، هذا هو الحكمة والسر في هذا السجود العظيم، ولهذا ينبغي لنا أن تسجد قلوبنا قبل أن تسجد جوارحنا، قبل أن تسجد أعضاؤنا، بأن يشعر الإنسان بهذا الذل والتطامُن والتواضع لله عز وجل حتى يدرك لذة السجود وحلاوته، ويعرف أنه الآن قَرُبَ من ربه سبحانه وتعالى، بل هو أقرب ما يكون إلى الله.
هذا المعنى قد يغفل عنه أصحاب الظواهر الذين يريدون أن يُجَمِّلوا الطاعات بظاهرِها، وهم يُحْمَدون على هذا، لا شك أننا مأمورون بأن نُجَمِّل الطاعات بظواهرها، أو نُجَمِّل ظواهرها بتمام الاتباع وكماله، لكن هناك شيء آخر يغفل عنه كثير من الناس، ويعتني به أرباب السلوك، وهو تكميل الباطن بحيث يركع القلب قبل ركوع البدن، ويسجد قبل سجود البدن.
ولكن قد يُخطئ أرباب السلوك الذين يعتنون بالبواطن، قد يقصرون في إصلاح الظواهر، فتجدهم يُخِلُّون كثيرًا في إصلاح الظواهر، والكمال هو؟
طالب: إصلاح الظاهر والباطن.
الشيخ: إصلاح الأمرين جميعًا، والعناية بكمالهما جميعًا؛ بكمال البواطن وكمال الظواهر.
وإني والله، وأُشهِدُ الله، أننا لو أقمنا الصلاة كما ينبغي لخرجنا في كل ما نخرج من صلاة بإيمان جديد قوي؛ لأن الله يقول: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]، لكن نسأل الله أن يعاملنا بعفوه، ندخل فيها بقلب ونخرج منها بقلب هو القلب الأول إن لم يكن أردأ؛ لأننا ما نأتي بما ينبغي أن نأتي به من خضوع القلب وحضوره وشعوره بهذه التنقلات التي هي رياض في الواقع، رياض عبادة، يعني الصلاة هي صلاة واحدة، لكنها رياض متنوعة، أفعال مختلفة متنوعة، وأقوال كذلك ما بين قراءة كلام الله عز وجل وذكره، وتعظيمه وتكبيره، ودعائه والثناء عليه، ووصفه بأكمل الصفات (التحيات لله، والصلوات والطيبات)، إلى آخره، فهي رياض عظيمة، لكن فينا قصور من جهة مراعاة هذه الأسرار.
إذن نقول: إن هذا هو السر في السجود؛ كمال التعبد لله والتواضع له، ولهذا كان جزاء الساجد أن يكون أقرب ما يكون من ربه عز وجل؛ لأنه تَوَاضَع لله ونَزَل، فرفعه الله وصار أقرب ما يكون إلى ربه.
وقد ورد في الحديث أن الله حرَّم على النار أن تأكل أعضاء السجود (15) فيمن يدخل النار من العصاة؛ لأن عصاة المؤمنين إذا لم يتب الله عليهم ولم تكن لهم حسنات تَرْجُح على سيئاتهم فإنهم يعذَّبُون في النار بقدر ذنوبهم، لكن أعضاء السجود محترَمة لا تأكلها النار ولا تؤثر فيها، ولهذا قال بعضهم:
يَا رَبِّ أَعْضَاءَ السُّجُودِ عَتَقْتَهَا
مِنْ فَضْلِكَ الْوَافِي وَأَنْتَ الْبَاقِي
وَالْعِتْقُ يَسْرِي فِي الْغِنَى يَا ذَا الْغِنَى
فَامْنُنْ عَلَى الْفَانِي بِعِتْقِ الْبَاقِي
فتوسَّل إلى الله بعتق هذه الأعضاء إلى أن يُعتِق جميع البدن بسريان العتق إليه.
قال المؤلف -رحمه الله-: (ولو مع حائل ليس من أعضاء سجوده).
قال: (ويجافي عضديه عن جنبيه).
(يجافي): الفاعل من؟
طلبة: المصلي.
الشيخ: المصلي الساجد.
(يجافي عضديه عن جنبيه) يعني يبعدهما؛ لأنه ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يفعل ذلك (16)، حتى إن الصحابة ليأوون له، يَرِقُّونَ له من شدة مجافاته صلوات الله وسلامه عليه، وحتى إنه ليُرَى بياض إبطه (17) من شدة مجافاته، يعني رداءه يتمايز عن جنبيه حتى يبدو بياض إبطه، وحتى إنه لو شاءت أن تمر البَهْمَة -وهي صغار الغنم- من تحته لَمَرَّت (18) من شدة مجافاته.
فـ (يجافي عضديه عن جنبيه)، ويُسْتَثْنَى من ذلك ما إذا كان في الجماعة وخشي أن يؤذي جاره، فإنه لا يُستحب له أذية جاره، وذلك لأن هذه المجافاةَ سُنَّة، والإيذاء أقل أحواله الكراهة، ولا يمكن أن يُفعل شيء مكروه مُؤْذٍ لجارك مُشَوِّشٍ عليه من أجل سُنَّة، ولهذا استثنى العلماء -رحمهم الله- ذلك، فقالوا: ما لم يؤذ جاره، فإن آذى جاره فلا يفعل.
ولكن اعلم أنك متى تركت السنة لدرء المفسدة، والله يعلم أنه لولا ذلك لفعلت، فإنه يُكْتَب لك أجرها، فإن الرجل إذا ترك العمل لله عوَّضَه الله عز وجل، بل إذا تركه بغير اختياره، مَن مَرِضَ أو سَافرَ كُتِبَ له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا، فيجافي عضديه عن جنبيه.
قال: (وبطنه عن فخذيه)، يجافي بطنه عن فخذيه، أي: يرفعه، وكذلك أيضًا يرفع الفخذين عن الساقين.
فهذه ثلاثة أشياء:
التجافي بالعضدين عن أيش؟
الطلبة: عن الجنبين.
الشيخ: عن الجنبين، وبالبطن عن الفخذين، وبالفخذين عن الساقين، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ» (19)، «اعْتَدِلُوا» يعني: اجعلوه سجودًا معتدلًا، لا تَخْصِرُون فتنزل البطن على الفخذ، والفخذ على الساق، ولا تمتدون أيضًا، كما يفعل بعض الناس، تجده إذا سجد يمتد حتى يقرب من الانبطاح، فهذا لا شك أنه من البدعة؛ لأنه ليس بسنة، ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام ولا عن الصحابة فيما نعلم أن الإنسان يمد ظهره في السجود، إنما مد الظهر في حال أيش؟ الركوع، أما السجود فإنه يرتفع ببطنه ولا يمده.
ويقول المؤلف -رحمه الله-: (وعضده عن جنبيه) (ويفرق ركبتيه).
(يفرق ركبتيه) يعني: لا يضم ركبتيه بعضهما إلى بعض، واليدين؟
طالب: يجافيهما.
الشيخ: يجافيها، إذن لا بد أن يفرقهم، والركبتان تفرَّق، القدمان؟
الطلبة: يتراصَّا.
الشيخ: اختلف العلماء في ذلك:
فمن العلماء من يقول: إنه يفرِّق قدميه أيضًا؛ لأن القدمين تابعان للساقين، والركبتين، فإذا كانت السُّنَّة تفريق الركبتين، فلتكن السنة أيضًا تفريق القدمين، حتى إن بعض الفقهاء -رحمهم الله- قدَّرُوا ذلك بأن يكون بينهما مقدار شبر للتفريق.
ولكن الذي يظهر من السنة أن القدمين تكونان مرصوصتين، يعني يَرُصّ القدمين بعضهما ببعض، كما في الصحيح في حديث عائشة حين فقدت النبي صلى الله عليه وسلم، فوقعت يدها على قدميه منصوبتين وهو ساجد (20).
واليد الواحدة لا تبقى على القدمين إلا في حال التراصّ، وقد جاء ذلك أيضًا في صحيح ابن خزيمة (21): أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يَرُصُّ قدميه.
وعلى هذا فالسُّنَّة في القدمين هي التراص بخلاف الركبتين واليدين.
ولم يذكر المؤلف -رحمه الله- أين يكون محل اليدين، هنا ما ذكره، ولكنه ذكره في أول باب صفة الصلاة حين قال: (يرفع يديه حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ كالسجود).
وعلى هذا فيكون موضع اليدين على حذاء المنكبين، وإن شاء قدَّمَهُمَا وسجد وجعلهما على حذاء الجبهة أو فروع الأذنين؛ لأن كل هذا مما جاءت به السنة.
فله أن يجعلهما على حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ، وله أن يقدِّمَهُما حتى يكونا حَذْوَ جبهته وأنفه، كل هذا جاءت به السنة.
ولكن ماذا يصنع لو طال السجود؛ بأن كان خلف إمام يطيل السجود، فماذا يصنع؟ هل يضع ذراعيه على الأرض، يتكئ على الأرض، أو ماذا يصنع؟
نقول: لا، لا يتكئ على الأرض؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، قال: «لَا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ» (19). إذن أين يضعهما؟
قال العلماء -رحمهم الله-: يعتمد على ركبتيه، يعني يضع طرف المرفق على الركبة إذا شَقَّ عليه طول السجود، وهذا إذا كان مع إمام، أما إذا كان في نفسه فإنه لا ينبغي له أن يكلِّف نفسه ويشق عليها، بل إذا شق عليه وتعب فإنه يقوم، ولا ينبغي للإنسان أن يشق على نفسه؛ لأن الله سبحانه وتعالى يَسَّر على عباده.
يقول -رحمه الله-: (ويفرِّق ركبتيه، ويقول: سبحان ربي الأعلى).
يقول في حال السجود: (سبحان ربي الأعلى).
وقد مَرَّ علينا معنى التسبيح، وما الذي يُسبَّح الله عنه، أي يُنَزَّه.
وأما قوله: (ربي الأعلى) دون أن يقول: (ربي العظيم)؛ لأن ذِكر عُلُوِّ الله هنا أنسب من ذِكْر العظمة؛ فإن الإنسان الآن أنزل ما يكون، فلما كان أنزل ما يكون كان من المناسب أن يثني على الله بماذا؟
طلبة: بارتفاعه.
الشيخ: بالعُلُو، وانظر إلى الحكمة والمناسبة في مثل هذه الأمور، كيف كان الصحابة -رضي الله عنهم- في السفر إذا عَلَوْا شيئًا كَبَّرُوا، وإذا هَبَطُوا واديًا سَبَّحُوا.
(22) لماذا؟
لأن الإنسان إذا علا وارتفع قد يتعاظم في نفسه ويتكبر ويعلو، فناسب أن يقول: الله أكبر؛ ليُذَكِّر نفسه بكبرياء الله عز وجل، أما إذا نزل فإن النزول لا شك أنه نقص، فكان ذِكْر التسبيح أولى، تنزيه الله عز وجل عن النقص الذي أنا كنت فيه الآن، انحدرت، فكان هذا من المناسبة أن الإنسان يُذَكِّر نفسه بما هو أعلى منها.
ونظير هذا من بعض الوجوه أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى شيئًا يعجبه من الدنيا يقول: «لَبَّيْكَ، إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ» (23)، سبحان الله! لَبَّيْكَ، ويش المناسبة لَبَّيْكَ؟
لأن الإنسان إذا رأى ما يعجبه من الدنيا ربما يلتفت إليه فيُعرض عن الله، فيقول: «لَبَّيْكَ» استجابة لله عز وجل، ثم يُوطِّن نفسه فيقول: «إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ».
فهذا العيش الذي يعجبُكِ لا تغترِّي به، عيش زائل، العيش حقيقة هو عيش الآخرة، ولهذا كان من السنة إذا رأى الإنسان ما يعجبه في الدنيا وخاف أن تنقاد نفسه إليه أن يقول: لَبَّيْكَ، إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ، ذكرنا هذا استطرادًا.
المهم أن الإنسان يقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى.
وما المراد بالعلو؛ أعُلُوُّ المكان، أم علو الصفة؟
طلبة: (... ).
الشيخ: يشمل الأمرين جميعًا.
وهذا أمر - أعني أنه يشمل الأمرين جميعًا - مُتَّفَقٌ عليه في فِطَر الناس، إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته، فإن علو الله عز وجل عُلُوُّ ذات، أمر مفطور عليه الخلق.
لو أنك قلت للعامي: ماذا تريد بقولك: سبحان ربي الأعلى؟
طلبة: (... ).
الشيخ: عُلُوُّ المكان، يعني عُلُوّ الذات، ولا يدري عن علو الصفة، ومع ذلك فقد أنكر عُلُوَّه في ذاته مَن أنكره ممن يستقبلون قِبْلَتَنَا، ولا شك أنهم خالفوا الكتاب والسنة وإجماع السلف والعقل والفطرة، ولو رجعوا إلى فِطَرِهم لعرفوا أن هذا أمر لا بد منه، لا بد من الإقرار به، هم عندما يصيبهم شيء يندهشون منه بسرعة، أين تنصرف قلوبهم؟
طلبة: (... ).
الشيخ: إلى السُّمُوّ، إلى العلو، هم يقفون بعرفة الله يدعون الله ويرفعون أيديهم، ولَّا ينزلونها للأرض؟
طلبة: يرفعونها.
الشيخ: يرفعون أيديهم، ومن العجيب أنهم يرفعون أيديهم ويَدَّعون أن الله في الأرض - نسأل الله العافية-.
المهم أننا نشعر بقولنا: سبحان ربي الأعلى، بأن الله عَلِيٌّ في ذاته وعَلِيٌّ في صفاته، بل هو أعلى من كل شيء، والله تعالى وصف نفسه أحيانًا بالأعلى، وأحيانًا بالعَلِيّ؛ لأن الوصفين ثابتان له؛ العلو، وكونه أعلى، كما أنه يُوصف بأنه الكبير، وأنه الأكبر، وبالعليم وأيش؟
طلبة: الأعلم.
الشيخ: وبالأعلم، وصيغة التفضيل في هذه الأشياء على بابها، وليست بمعنى اسم الفاعل كما يدَّعِيه بعض العلماء.
(... ) -رحمه الله تعالى-: (ثم يرفع رأسه مُكَبِّرًا).
(يرفع رأسه)، يعني: وما يتبعه من اليدين.
(مُكَبِّرًا): حال من فاعل (يرفع).
وعلى هذا فيكون التكبير في حال أيش؟ في حال الرفع؛ لأن هذا التكبير تكبير انتقال، وتكبير الانتقالات كلها تكون ما بين الركنين، لا يبدأ بها قبل ولا يؤخرها إلى ما بعد؛ لأنه إن بدأها قبل أدخلها على أذكار الركن الذي انتقل منه، وإن أخَّرَها أدخلها على أذكار الركن الذي انتقل إليه، فالسنة أن يكون التكبير في حال الانتقال.
(مُكَبِّرًا، ويجلس مفترشًا يُسْرَاه).
(يجلس) يعني: بعد السجدة الأولى.
(مفترشًا يسراه) يعني: جاعلًا لها كالفراش.
هذا من الافتراش، والفراش يكون تحت الإنسان، أي يضعها تحته مفترِشًا لها، لا جالسًا على عَقِبَيْهِ، بل يفترش هو عليه، فيكون ظهرها إلى الأرض، وبطنها إلى أعلى، هذا معنى الافتراش.
يقول: (مفترشًا يُسْرَاه، ناصبًا يمناه).
(ناصبًا يمناه) يعني: جاعلها منتصبة، والمراد: القدم.
وحينئذ لا بد أن يُخرجها من يمينه، فتكون الرِّجْل اليمنى مُخْرَجة من اليمين، واليسرى مفترشة، وهذه الصفة متَّفَق عليها، أي أنه يجلس بين السجدتين هكذا، لا يجلس مُتَوَرِّكًا.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا يُسَنُّ في هذا الجلوس سوى هذه الصفة.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجلس ناصبًا قدميه على عقبيه، واستدلوا بحديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أن ذلك هو السنة.
(24)
ولكن المعروف عند أصحاب الإمام أحمد-رحمه الله- أن ذلك ليس من السنة؛ لأن أكثر الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم كلها تصف هذه الجلسة بالافتراش، ولا يبعد أن يكون ابن عباس -رضي الله عنهما- ذكر ما كان أولًا، فإن صفة الجلوس قد تكون كصفة الركوع، وكان المسلمون في أول الأمر يركع الرجل فيضع يديه بين فخذيه، ولا يضعهما على الركبتين (25)، حتى إن ابن مسعود -رضي الله عنه- تَمَسَّك بهذا، ويسمى عندهم التطبيق، ولم يَعلم ابن مسعود بالسنة التي نسخت هذا الفعل مع أنه منسوخ بلا شك، صح عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا.
ففقهاؤنا -رحمهم الله- يرون أن هذه الجلسة ليس لها إلا صفة الافتراش فقط.
ويقول المؤلف: (ناصبًا يمناه، ويقول: رب اغفر لي وارحمني) إلى آخره.
لم يذكر المؤلف -رحمه الله- أين يضع اليدين، وكيف يضعهما، مع أنهما من الأمر المهم.
في هذه الجلسة يضع يديه على فخذيه، وينتهي الوضع إلى الركبة، هذه صفة.
صفة ثانية: أنه يضع اليد اليمنى على الركبة، واليد اليسرى تُلقم الركبة، يعني يمسكها هكذا كأنه قابض لها.
يعني: إما أن يضع اليدين على الفخذين، يكون أطراف الأصابع على حد الرُّكبة.
أو يقدِّم شوي، ويكون اليد اليسرى يُلْقِمُهَا الرُّكْبة، واليد اليمنى يضعها على حرف الركبة.
صفتان عن النبي صلى الله عليه وسلم كلاهما صحيحة، ولكن كيف يكون وضع اليد؟ الآن عرفنا المكان، لكن كيف يكون الوضع؟
أما بالنسبة لليسرى فتكون مبسوطة مضمومة الأصابع موجَّهة إلى القبلة، ويكون طرف الْمِرْفَق عند طرف الفخذ، بمعنى أنه لا يقول هكذا، يُخرجها، بل يضمها إلى الفخذ حتى يكون طرف المرفق على طرف الفخذ.
أما اليمنى فإن السُّنَّة تدل على أنه يقبض منها الخنصر والبنصر، ويُحلق الإبهام مع الوسطى، ويرفع السبابة ويُحركها عند الدعاء.
هكذا جاء فيما روى الإمام أحمد (26) من حديث وائل بن حجر بسند قال فيه صاحب الفتح الرباني: إنه جيد.
وقال فيه الْمُحَشِّي على زاد المعاد: إنه صحيح.
وإلى هذا ذهب ابن القيم -رحمه الله-.
أما كلام الفقهاء فيرون أن اليد اليمنى تكون مبسوطة في الجلسة بين السجدتين كاليد اليسرى.
ولكن اتباع السنة أولى، إذا كان هذا قد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام فإنه هو الأولى.
ولذلك لم يرد في السنة لا بحديث صحيح ولا ضعيف ولا حسن أن اليد اليمنى تكون مبسوطة على الرِّجل اليمنى.
إنما ورد أنها تُقْبَض، يعني يقبض الخنصر والبنصر ويحلق الإبهام مع الوسطى، أو تضم الوسطى أيضًا ويضم إليها الإبهام، إذا جلس في الصلاة (27)، وفي بعض الألفاظ: إذا جلس في التشهد (28). وكلاهما في الصحيح؛ صحيح مسلم.
فنحن إذا أخذنا كلمة: إذا جلس في الصلاة.
قلنا: هذا عام في جميع الجلسات.
وقوله: إذا جلس في التشهد في بعض الألفاظ لا يدل على التخصيص؛ لأن لدينا قاعدة ذكرها الأصوليون، وممن كان يذكرها دائمًا الشوكاني في نيل الأوطار، والشنقيطي في أضواء البيان، على أنه إذا ذُكِرَ بعض أفراد العام بحكم يطابق العام فإن ذلك لا يدل على التخصيص.
يعني ذكر بعض أفراد العام بحكم يوافق العام ليس ذلك تخصيصًا، إنما التخصيص أن يُذكر بعض أفراد العام بحكم يُخالف العام.
مثال الأول: قلت لك: أكرم الطلبة.
هذا عام يشمل كل طالب، ثم قلت: أكرم فلانًا؛ وهو من الطلبة، فهل هذا يقتضي أن لا أُكرم سواه؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، لكن يقتضي أن هناك عناية من أجلها خصصته بالذِّكْر.
أما إذا قلت -وهو مثال للثاني-: أكرم الطلبة.
ثم قلت: لا تكرم فلانًا؛ وهو من الطلبة، فهذا تخصيص؛ لأن الأول ذكرت فلانًا بحكم يُوافق العام، وهنا ذكرته بحكم يُخالف العام.
ولهذا يقولون في تعريف التخصيص: تخصيص بعض أفراد العام بحكم يخالف، أو إخراج بعض أفراد العام من الحكم.
فهو لا بد أن يكون مخالفًا، أما إذا كان موافقًا فإن الجمهور -جمهور الأصوليين- كما حكاه صاحب أضواء البيان يرون أنه لا يفيد التخصيص، وهو ظاهر كما في المثال الذي ذكرنا لكم.
وعلى هذا فيكون بعض أفراد حديث ابن عمر الذي خُصَّ بالتشهد لا يقتضي التخصيص من بعض ألفاظه الدالة على العموم.
أما الفقهاء -رحمهم الله- فقالوا: إنه في هذه الجلسة يبسط يده اليمنى كما يبسط يده اليسرى.
وبناءً على كلام الفقهاء تكون كل جلسة من جلسات الصلاة مخالِفة للأخرى، من أجل التمييز، كيف ذلك؟
لأن الجلسة بين السجدتين افتراش مع كون اليدين مبسوطتين، في التشهد الأول افتراش لكن اليمنى تُقبَض، في التشهد الأخير تَوَرُّك وإن كان يوافق التشهد الأول في قبض اليد.
فهم -رحمهم الله- يجعلون لكل جلسة صفة تميزها عن الصفات الأخرى.
ولكن كما قلت لكم: إن اتباع السنة أولى من اتباع الرأي.
أما ما يقول في هذه الجلسة، فيقول المؤلف: (يقول: رب اغفر لي)، وسكت عما سواه.
اقتصر -رحمه الله- على الواجب، ولكن الصحيح أنه يقول كل ما ذُكر عن النبي عليه الصلاة والسلام: «رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَعَافِنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي» (29)، أو: «اجْبُرْنِي» (30) بدل: «ارْزُقْنِي».
وإن شاء جمع بينها؛ لأن المقام مقام دعاء.
قوله: «رَبِّ اغْفِرْ لِي» يعني أنك تسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لك الذنوب كلها أو الصغائر؟
طلبة: كلها.
الشيخ: كلها، الصغائر والكبائر، والمغفرة هي ستر الذنب والعفو عنه، مأخوذة من المِغْفَر الذي يكون على رأس الإنسان عند الحرب يتقي به السهام.
وأما «ارْحَمْنِي» فهو طلب رحمة الله عز وجل التي بها حصول المطلوب، وبالمغفرة زوال المرهوب، هذا إذا جُمِعَ بينهما.
إما إذا فُرِّقت المغفرة عن الرحمة فإن كل واحدة منهما تشمل الأخرى، ولهذا نظائر في اللغة العربية:
فالفقير والمسكين إذا ذُكِرَا جميعًا صار لكل واحد منهما معنى، وإذا أُفرد أحدهما عن الآخر صار معناهما واحدًا.
يعني: إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا.
وأما قوله: «ارْزُقْنِي» فهو طلب الرزق، ولكن، ما هو الرزق؟ هل هو ما يقوم به البدن، أو ما يقوم به الدين؟
طلبة: الرزق.
الشيخ: كلاهما، يعني أن رزق الله عز وجل ما يقوم به البدن من طعام وشراب ولباس وسكن، وما يقوم به الدين من علم وإيمان وعمل صالح.
فهل نحن نستحضر هذه المعاني عندما نقول: «ارْزُقْنِي»؟ ويش نستحضر؟
طلبة: الأول.
الشيخ: يعني ما تستحضر إلا أن الله يرزقك طعامًا وشرابًا ولباسًا.
طالب: نعم.
طلبة: ده الغالب.
الشيخ: أو ما نستحضر شيئًا أبدًا، نقول هذا على أنه دعاء يقال في هذا المكان.
على كل حال الإنسان ينبغي له أن يعوِّد نفسه على استحضار هذه المعاني العظيمة، حتى يخرج منتفعًا.
فإذا قال: ارْزُقْنِي، يعني: ارزقني ما به قوام البدن، وما به قوام الدين؛ قوام البدن بالطعام والشراب واللباس والمسكن.
وقوام الدين؟
طالب: بالعلم.
الشيخ: بالعلم والإيمان والعمل الصالح.
«وَعَافِنِي» من أي مرض؟
أما إذا كان الإنسان صحيحًا، فالظاهر أنه يقول: «عَافِنِي»؛ لأنها دعاء مسنون في هذا المكان، دون أن يستحضر شيئًا.
وإن كان مريضًا مرضًا بدنيًّا، استحضر أنه يسأل الله أن يعافيه من هذا المرض البدني، أما إذا كان مريضًا مرضًا قلبيًّا، وما أكثر الأمراض القلبية! -نسأل الله أن يعافينا منها- فما أدري أنستحضر ذلك أو لا؟ نعم، ما أدري.
على كل حال ينبغي للإنسان إذا سأل العافية في هذا المكان أو غيره أن يستحضر أنه يسأل الله العافية؛ عافية البدن، وعافية القلب، ولا حرج أن يقول: عافني في بدني وقلبي، حتى يستحضر؛ لأنه إن لم يقل هذا قد يغفل.
«اجْبُرْنِي»، الجبر يكون من النقص، وكل إنسان ناقص، مُفرِّط، مُسْرِف على نفسه بتجاوز الحد أو القصور عنه، يحتاج إلى جَبْر حتى يعود سليمًا بعد كسره.
ولكن جَبْر مِن كَسْر العظم، ولَّا منين؟
طلبة: الجميع.
الشيخ: نعم، من كسر العظام البدنية، ومن كسر العظام المعنوية، الإنسان يحتاج إلى جبر يجبر له النقص الذي يكون فيه، فهذه المعاني التي تُذكر في الأدعية ينبغي للإنسان أن يستحضرها.
فإن قال قائل: أليس يغني عن ذلك كله أن يقول: اللهم ارحمني؛ لأن الرحمة عند الإطلاق بها يحصل المحبوب وزوال المكروه؟
فالجواب: بلى.
لكن مقام الدعاء ينبغي فيه البسط، لكن البسط على حسب ما جاءت به السنة، ما هو بالبسط الذي يذكرونه، بعض الناس يجعلونه من هذا إلى مكة، أو إلى مصر، أو غيرها، أدعية مسجوعة يمكن لا يكون لها معنى، أو لها معنًى غير صحيح.
لماذا كان المشروع فيه البسط؟ لأسباب؛ أولًا: أن الدعاء عبادة، وكلما ازددت في العبادة ازددت خيرًا.
ثانيًا: أن الدعاء مناجاة لله عز وجل، وأحب شيء إليك هو الله عز وجل، ولا شك أن كثرة المناجاة مع الحبيب مما تزيد في الحب، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: ثالثًا: أن يستحضر الإنسان ذنوبه؛ لأن الذنوب أنواع، فإذا كُرِّر، إذا زِيد في الدعاء استحضر، ولهذا كان من دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجِلَّهُ، عَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ» (31).
فلهذا كان من المشروع أن يزيد الإنسان في الدعاء ولو كان متكرِّرًا، ولو كان مبسوطًا؛ لأن كل مقام له مقال.
قال: (ويسجد الثانية كالأولى)، يسجدها كالأولى في القول ولَّا في الفعل؟
طلبة: في كل شيء.
الشيخ: في كل شيء؛ في القول والفعل، يعني فيما يقال فيها من أذكار وما يقال فيها من الأفعال، وسبق لنا أن أقوال السجود أن يقول: سبحان ربي الأعلى، (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، سُبُّوح قُدُّوس رب الملائكة والروح.
ويدعو، وكلما أكثر من الدعاء في السجود كان أولى؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَأَمَّا السُّجُودُ فَأَكْثِرُوا مِنَ الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» (32).
وهل يَقرأ القرآن وهو ساجد؟
لا، بل قد نُهِيَ عن ذلك، نُهِيَ النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرأ القرآن وهو راكع أو ساجد (32)، اللهم إلا إذا دعا بجملة من القرآن مثل: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8]، فهذا لا يضر؛ لأن المقصود به الدعاء.
قال: (ثم يرفع مُكَبِّرًا ناهضًا على صدور قدميه).
(يرفع) من السجدة الثانية.
(مُكَبِّرًا) حال من فاعل (يرفع)، فيكون التكبير في حال الرفع.
(ناهضًا على صدور قدميه)، قال في الشرح: ولا يجلس للاستراحة.
يعني ينهض على صدور قدميه مُعْتَمِدًا على ركبتيه؛ كما قال: (معتمدًا على ركبتيه إن سَهُل)، وإن لم يسهُل عليه فإنه يعتمد على الأرض.
يقول -رحمه الله-: (ناهضًا على صدور قدميه).
ويبدأ بالنهوض من السجود، يبدأ بالجبهة والأنف، ثم باليدين فيضعهما على الركبتين، ثم ينهض على صدور القدمين، هذا هو السنة على ما ذهب إليه المؤلف -رحمه الله-.
فاستفدنا من كلامه أنه لا يجلس إذا قام إلى الركعة الثانية.
وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل الحديث وبين الفقهاء أيضًا؛ فمنهم من قال: إنه لا يجلس، كما ذكره المؤلف، فلا يُسَنُّ الجلوس مطلَقًا، لكن إن احتاج إليه جلس لا للتعبد ولكن لمشقة النهوض، كما لو كان شيخًا كبيرًا، أو كان مريضًا، أو كان في ركبتيه ألم، فيجلس هنا لا تعبدًا ولكن لدفع المشقة.
وقال بعض العلماء: بل يجلس مطلقًا.
وهذان قولان متقابلان.
هذا القول الثاني يقول: يجلس، سواء كان محتاجًا للجلوس أم لم يحتج، يجلس تعبُّدًا لله عز وجل.
القول الثالث: قول وسط؛ وافق هؤلاء في حال، ووافق هؤلاء في حال، فقال: إن كان الإنسان محتاجًا إلى الجلوس، أي أنه لا يستطيع أن ينهض فيجلس، وإذا كان يستطيع أن ينهض فلا يجلس.
ولكل قول من هذه الأقوال الثلاثة دليل، ونتكلم عليه إن شاء الله في الدرس القادم.
طالب: بالنسبة يا شيخ للجلسة بين السجدتين، قوله: «رَبِّ اغْفِرْ لِي»، هل يكرِّرها أو يقتصر على هذا كما وردت به السنة؟
الشيخ: ظاهر كلام المؤلف أنه يقتصر على هذا فقط، والحقيقة أني نسيت أن أذكر هل يُطيل هذا الركن أو لا، وهو مهم، إن شاء الله نعود إليه في الدرس القادم.
طالب: بالنسبة لقيام الليل، كان النبي صلى الله عليه وسلم يكرِّرها، وما ثبت في النفل ثبت في الفرض، إلا بدليل؟
الشيخ: نعم، ولهذا قال الفقهاء اللي غير المؤلف، قالوا: يُسَنُّ تكرارها ثلاثًا.
طالب: شيخ، القاعدة اللي قررناها أن الأوراد توقيفية لا يقال فيه بشيء إلا موافِقًا للنص، والآن قلنا في الدرس: إنه إذا جمع بين (ارْزُقْنِي) و (اجْبُرْنِي)، أو مثلًا قال: عافِنِي في القلب والبدن، أن هذا جائز، كيف نوفِّق بين القاعدة؟
الشيخ: أصل هذه الأدعية ليس معناها أنها محصور فيها، ليس محصورًا، وإلا لو أخذنا بهذا لقلنا: لا يجوز لنا أن نقرأ في الصلاة إلا بما قرأ به النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنها توقيفية، لكن إذا علمنا أن هذا مكان دعاء نجعله مكان دعاء، إذا علمناه مكان ذِكر نجعله مكان ذِكر، لو زاد.
طالب: شيخ، تردد في السنة النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يقال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ»، واحد نقله للسجود، قلنا: هذه أدعية جامعة.
الشيخ: نعم.
الطالب: لأن المكان يعني مكان استجابة.
الشيخ: نعم، نقول: إذا نقلها تعبُّدًا فهذا غلط، وإن نقلها لأنها دعاء يحب أن يدعو الله به فلا بأس، لكن يذكرها أيضًا إذا فرغ من التشهد الأخير؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر به، أمر إذا فرغ من التشهد الأخير أن يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ» (33) إلى آخره.
طالب: (... ) لازم يكون (... ).
الشيخ: نعم، الأفضل أن يحافظ أولًا على ما ورد، فإذا زاد الوقت مثل في صلاة الليل أو مع الإمام وأطال، يقول: نعم.
طالب: شيخ، ما يتذكر قلنا في دروس سابقة أنه من ادعى في الحديث إما نسخًا أو أنه كان في أول الإسلام، فعليه الدليل أو (... ).
الشيخ: نعم.
الطالب: فإن لم يأت بذلك فلا دليل، وقلنا يا شيخ: قول الحنابلة إن قول ابن عباس (... ) هذا متأخِّر، يعني قول منسوخ..
الشيخ: منسوخ، ما هو متأخر.
الطالب: أين الناسخ؟
الشيخ: هم يقولون: إن أكثر الأحاديث الواردة عن الرسول حتى من المتأخرين من الصحابة كلها تدل على التورك وعلى الافتراش.
طالب: هذا يكون دليلًا على النسخ؟
الشيخ: هو ليس بدليل إلى ذاك، يعني ما هو إلى ذاك في القوة، لكن لا شك أن الجلوس افتراش أريح للإنسان، وأكثر في الطمأنينة، وتعرف الإنسان لو يجلس على عقبيه هذه الجلسة هو بين أمرين: يا إما بيتحمل على ركبتيه بيديه، ولَّا بيتعب بسرعة، ثم قد لا يطمئن لا سيما إذا كان الإنسان ثقيلًا.
(... )
طالب:.. محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (ويصلي الثانية كذلك ما عدا التحريمة والاستفتاح، والتعوذ، وتجديدَ النية، ثم يجلس مفترشًا ويداه على فخذيه، يقبض خنصر اليمنى، وبنصرها، ويحلِّق إبهامها مع الوسطى).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أن الإنسان إذا قام من السجود يقوم مُكَبِّرًا ناهضًا على صدور قدميه، ولكن المؤلف قيَّده بقوله: (إن سهل) يعني: فإن شق فعلى ما تيسر.
والذي ذهب إليه المؤلف -رحمه الله- من كون المصلي يقوم معتمِدًا على ركبتيه، على صدور قدميه، هو المشهور من مذهب الحنابلة، وعلى هذا فلا يُسَنُّ أن يجلس عند القيام إلى الثانية، أو القيام إلى الرابعة، وهذه الجلسة تسمى عند العلماء جلسة الاستراحة.
ومعلوم أن إضافتها إلى الاستراحة يعطيها حكمًا خاصًّا بما إذا كان الإنسان يستريح بها، ولهذا رفض بعضهم أن تسمى جلسة الاستراحة، وقال: يجلس، ولا نقول: جلسة استراحة ولا غير استراحة؛ لأننا إذا سميناها جلسة الاستراحة رفعنا عنها حكم التعبُّد، وصارت لمجرد الاستراحة.
ولكن في هذا شيء من النظر؛ لأن الاستراحة للتقوِّي على العبادة عبادة، كقول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185] فتسمية العلماء لها قاطبة فيما نعلم بجلسة الاستراحة لا يُنكَر؛ لأننا نقول: حتى وإن سَمَّيْنَاها جلسة الاستراحة فإن التعبد لله بها إذا كان الإنسان يستريح بها لينشط على العبادة يجعلها عبادة.
المهم نحن وعدنا بأن نتكلم على خلاف العلماء في هذه الجلسة، فالمشهور من المذهب كما رأيتم أنها لا تُسَنُّ مطلَقًا، بل السنة أن ينهض على صدور قدميه معتمدًا على ركبتيه، سواء كان نشيطًا، أو غير نشيط.
وقال بعض العلماء: بل يجلس؛ لأنه ثبت في صحيح البخاري (34) من حديث مالك بن الحويرث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا.
وكذلك في نفس الحديث أنه كان يعتمد على يديه، أي يعتمد على الأرض ثم يقوم.
قالوا: وهذا دليل على أنها جلسة يستقر فيها؛ لأن الاستواء بمعنى الاستقرار، ومنه قوله تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: 13، 14].
فإذا كان مالك بن الحويرث يروي هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي روى قوله صلى الله عليه وسلم: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (35)، وقد جاء في وفد قومه في السنة التاسعة في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن هذا يدل على أنها مستحبة، وأنها من الجلسات المندوبة، وليست من الجلسات التي تفعل بمقتضى الطبيعة والجِبِلَّة.
جلسة الاستراحة قبل القيام من السجود سنة في حق من يحتاجها فقط للراحة وعدم المشقة وفصَّل بعض العلماء في هذا، وقال: قد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان لا يجلس، وأنه كان يجلس، ومن المعلوم أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم حالين؛ حالًا فيها كان نشيطًا شابًّا قويًّا، وحالًا كان فيها دون ذلك، فإنه كان عليه الصلاة والسلام في آخر حياته يصلي الليل قاعدًا، أكثر من سَنَة يصلي قاعدًا، وكان عليه الصلاة والسلام سابَقَ عائشة فسبقها، ثم سابقها فسبقته (36).
ثم إنه عليه الصلاة والسلام كان يحب أن ييسر على نفسه في العبادة، وكذلك يحب أن ييسر الإنسان على نفسه في العبادة، حتى إنه أنكر على الذين قالوا: نصوم ولا نفطر، ونقوم ولا ننام، ولا نتزوج النساء (37).
ومنع عبدَ الله بن عمرو بن العاص من أن يصوم الدهر، وأرشده إلى أن يصوم يومًا ويدع يومًا، ومنعه من أن يقوم الليل كله، وأرشده إلى أن ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه (38)، وهذا دليل على أن شريعة النبي عليه الصلاة والسلام مبنية على اليسر والسهولة.
وكان مالك بن الحويرث قَدِمَ إليه في آخر حياته، فكان صلى الله عليه وسلم يحب التيسير على نفسه، فيجلس ثم يعتمد بيديه على الأرض، وهذا يدل على أن قيامه فيه شيء من المشقة، بدليل اعتماده على الأرض؛ لأن مَن كان نشيطًا فإنه وإن جلس للتشهد أو لغير التشهد لا يحتاج إلى الاعتماد، فلولا أنه كان عليه الصلاة والسلام محتاجًا إلى هذه الجلسة ما اعتمد عند النهوض منها.
وقالوا أيضًا: إن من المعلوم أن جميع أفعال الصلاة المستقلة أركان، وأن كل ركن له ذكر خاص، وهذه ليست ركنًا بالإجماع، أكثر ما فيها أن العلماء اختلفوا في مشروعيتها.
أما أنها ركن فإنه قد نَقل غيرُ واحد الإجماع على أنها ليست بركن، وأيضًا كل فعل من أفعال الصلاة له ذِكر، وهذه ليس لها ذِكْر، فدل على أنها فعل ليس فعل عبادة.
وعليه فنقول: إن احتاج الإنسان إليها صارت مشروعة لغيرها؛ للراحة وعدم المشقة، وإن لم يحتج فليست بمشروعة، وهذا القول كما ترون قول وسط، تجتمع فيه الأخبار كما قال صاحب المغني رحمه الله، وهو اختيار ابن القيم؛ أننا لا نقول: سُنَّة، على الإطلاق، ولا غير سُنَّة، على الإطلاق، بل نقول: هي سُنَّة في حق مَن؟
طالب: يحتاجها.
الشيخ: يحتاج إليها لكِبَر أو مرض أو غير ذلك.
وكنت أميل إلى أنها مستحبة على الإطلاق، وأن الإنسان ينبغي له أن يجلس، وكنت أفعل ذلك أيضًا بعد أن كنت إمامًا، ولكن تبين لي بعد التأمل الطويل أن هذا القول المفصَّل قول وسط، وأنه أرجح من القول بالاستحباب مطلقًا، وإن كان الرُّجحان فيه ليس جيدًا عندي، لكنه تميل إليه نفسي أكثر، فاعتمدت ذلك.
يبقى النظر، إذا كان الإنسان مأمومًا فهل يُسَنُّ له أن يجلس إذا كان يرى هذا الجلوس سنة، أو متابعة الإمام أفضل؟
والجواب على ذلك: أن متابعة الإمام أفضل، ولهذا تُرِك الواجب، وهو التشهد الأول، من أجل متابعة الإمام، وفُعِل الزائد، كما لو أدرك الإمام في الركعة الثانية فإنه سوف يتشهد في أيش؟ في أول ركعة، فيأتي بتشهد زائد، كل ذلك من أجل متابعة الإمام.
بل يترك الإنسان الركن من أجل متابعة الإمام، فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا»..
طلبة: «قُعُودًا».
الشيخ: «قُعُودًا» (39).
فهو يترك ركن القيام وركن الركوع، فيجلس في موضع القيام، ويومئ في موضع الركوع، كل هذا من أجل متابعة الإمام.
فإن قال قائل: الجلسة هذه يسيرة لا يحصل بها تخلف عن الإمام.
فالجواب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا» (40)، فأتى بالفاء الدالة على الترتيب والتعقيب بدون مهلة، وهذا يدل على أن الأفضل في حق المأموم أن لا يتأخر عن الإمام ولا تأخرًا يسيرًا، بل أن يبادر بالمتابعة، فلا يوافِق ولا يُسابِق ولا يتأخَّر، بل يكون مبادِرًا للفعل مع الإمام.
وهذا هو حقيقة الائتمام؛ أن لا تتأخر عن إمامك، وأن لا تسبقه، وأن لا توافقه، فإذا كان الأمر بالعكس بأن كان الإمام يرى هذه الجلسة وأنت لا تراها؟
فإن الواجب عليك أن تجلس؛ لأنك لو لم تجلس لقُمْتَ قبل إمامك، وهذه مسابَقة، والمسابَقة حرام؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ، أَوْ يَجْعَلَ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ» (41).
قد يقول: أنا لا أقوم قبله، لكن أَتَأَنَّى في السجود حتى أظن أنه قام؟
قلنا: إذن لم تفعل محرَّمًا، لكن تَرَكْتَ أيش؟
طلبة: (... ).
الشيخ: سُنَّة، وهي المبادرة بمتابعة الإمام، فإذا كنت لا ترى أنها مستحبة والإمام يرى فاجلس مع إمامك، كما أنك تجلس معه في التشهد الذي ليس في محل تشهد، كل ذلك من أجل المتابعة.
تُشرع جلسة الاستراحة قبل القيام من السجود إذن القول الذي يترجَّح عندي، وليس رجحانه كثيرًا، لكنني أميل إليه، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها: أن هذه الجلسة مشروعة عند الحاجة إليها، وإلا فلا يجلس.
أما بالنسبة للمأموم فقد عرفتم ما ذكرناه.
يقول المؤلف: (معتمدًا على ركبتيه إن سهل، ويصلي الثانية كالأولى).
(يصلي الثانية)، يعني: الركعة الثانية (كالأولى).
وعلى هذا فـ (الثانية) صفة لموصوف محذوف، تقديره؟
طلبة: الركعة.
الشيخ: الركعة.
فإذا قال قائل: هل يجوز أن يُحذَف الموصوف وتبقى الصفة؟
نقول: نعم، وهذا كثير جدًّا، هذا كثير في القرآن، وكلام الناس؛ قال الله تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: 11] أي؟
الطلبة: دروعًا سابغات.
الشيخ: دروعًا سابغات.
وقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الشعراء: 227] أي: الأعمال الصالحات.
وأمثالها كثير، لكن الذي يَقِلُّ هو العكس، وهو حذف النعت وبقاء المنعوت؛ لأن النعت -وهي الصفة- هو المقصود، ولهذا قال ابن مالك:
وَمَا مِنَ الْمَنْعُوتِ وَالنَّعْتِ عُقِلْ
يَجُوزُ حَذْفُهُ وَفِي النَّعْتِ يَقِلْ
يقول: (الثانية كالأولى ما عدا التحريمة).
طالب: كذلك.
الشيخ: كذلك، نعم، أي: كالأولى، يُصلِّيها كالأولى، يعني: في القيام والركوع والسجود والجلوس وما يقال فيها.
ثم استثنى المؤلف فقال: (ما عدا التحريمة) أي: تكبيرة الإحرام، لماذا؟
لأن التحريمة تُفتَتَح بها الصلاة، وقد افتتحت، بل لو أنه كبَّر ناويًا التحريمة بطلت صلاته؛ لأن لازم ذلك أن يكون قد قطع الركعة الأولى، وابتدأ الثانية من جديد، وهذا يبطل الصلاة.
وقوله: (ما عدا التحريمةَ) بالنصب ولَّا بالجر؟
طلبة: بالنصب.
الشيخ: وجوبًا ولَّا جوازًا؟
طالب: جوازًا.
طلبة: وجوبًا لسبقها بـ (ما).
الشيخ: إيه، هذه يجب فيها النصب؛ لأنها مسبوقة بـ (ما)، أما لو خلت من (ما) جاز الوجهان.
قال: (ما عدا التحريمةَ والاستفتاح).
أيضًا الاستفتاح لا يُسَنُّ في الركعة الثانية؛ لأن الاستفتاح تُفْتَتَح به الصلاة بعد التحريم، فلا يُعاد مرة أخرى.
فإن قال أحد من الناس: أستفتح في الركعة الأولى بنوع من الاستفتاحات، وأستفتح في الركعة الثانية بنوع آخر.
قلنا: هذا من البدع؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يستفتح مرة واحدة في؟
طلبة: أول الصلاة.
الشيخ: أول الصلاة.
قال: (والتعوذ) يعني: وما عدا التعوذ، يعني قوله: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فإنه يُشرع في الأولى، ولا يُشرع في الثانية، لماذا؟
لأن قراءة الصلاة قراءة واحدة، فإن الصلاة عبادة واحدة من أولها إلى آخرها، فإذا تعوَّذْت لأول مرة كفى؛ لأن القراءة واحدة.
ولهذا بناءً على ذلك قالوا: لو قرأ في الركعة الأولى سورة، ثم قرأ في الركعة الثانية ما قبلها، لكان ذلك مكروهًا؛ لمخالفة الترتيب، ولو كان في الركعة الثانية؛ لأن قراءة الصلاة واحدة.
وقال بعض أهل العلم: بل يتعوذ.
ما عدا التحريمةَ والاستفتاحَ والتعوُّذَ وتجديدَ النِّيَّةِ، ثم يَجلِسُ مُفتَرِشًا ويَداهُ على فَخِذَيْهِ يَقْبِضُ خِنْصَرَ الْيُمْنَى وبِنْصَرَها ويُحَلِّقُ إبهامَها مع الوُسْطَى ويُشيرُ بسَبَّابَتِها في تَشَهُّدِه ويَبْسُطُ اليُسرَى ويَقولُ " التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ والصلواتُ والطيِّباتُ، السلامُ عليك أيُّها النبيُّ ورَحمةُ اللهِ وبركاتُه، السلامُ علينا وعلى عِبادِ اللهِ الصالحينَ، أَشْهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وأَشْهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبْدُه ورسولُه " هذا التَّشَهُّدُ الأَوَّلُ، ثم يقولُ " اللهمَّ صلِّ على محمَّدٍ وعلى آلِ محمَّدٍ كما صَلَّيْتَ على آلِ إبراهيمَ
مالك:
وَمَا مِنَ الْمَنْعُوتِ وَالنَّعْتِ عُقِلْ
يَجُوزُ حَذْفُهُ وَفِي النَّعْتِ يَقِلْ
يقول: الثانية كالأولى، (ما عدا التحريمة).
(كذلك) أي: كالأُولى، يصلِّيها كالأُولى؛ يعني: في القيام والرُّكوعِ والسُّجودِ والجلوسِ، وما يقال فيها.
ثم استثنى المؤلف فقال: (ما عدا التحريمة) أي: تكبيرة الإحرام، لماذا؟ لأن التحريمة تُفتتح بها الصَّلاةُ، وقد افْتتِحَتْ، بل لو أنه كَبَّرَ ناويًا التَّحريمة بطلت صلاتُه؛ لأن لازم ذلك أن يكون قد قطع الركعة الأُولى، وابتدأ الثانية مِن جديد، وهذا يُبطل الصَّلاةَ.
وقوله: (ما عدا التحريمة) بالنصب ولّا بالجر؟
طلبة: بالنصب.
الشيخ: وجوبًا ولّا جوازًا؟
طلبة: وجوبًا.
طلبة آخرون: جوازًا.
الشيخ: إي، هذه يجب فيها النصب؛ لأنها مسبوقة بـ (بما)، أما لو خلت من (ما) جاز الوجهان.
قال: (ما عدا التحريمة والاستفتاح)، أيضًا الاستفتاح لا يُسَنُّ في الركعة الثانية؛ لأن الاستفتاح تُفتتح به الصَّلاةُ بعد التحريمة، فلا يُعاد مرة أخرى.
فإن قال أحد مِن النَّاس: أستفتحُ في الركعة الأُولى بنوعٍ من الاستفتاحات، وأستفتحُ في الركعة الثانية بنوعٍ آخر.
قلنا: هذا بدعة؛ لأن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم كان يستفتح مرَّة واحدة في أوَّل الصَّلاةِ.
قال: (والتعوذ) يعني: وما عدا التعوُّذَ؛ يعني: قوله: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فإنه يُشرع في الأُولى ولا يُشرع في الثانية؛ لماذا؟ لأن قراءة الصَّلاة واحدة، فإنَّ الصَّلاةَ عبادةٌ واحدةٌ من أوَّلها إلى آخرها، فإذا تعوَّذَت لأوَّل مرَّة كفى؛ لأن القراءة واحدة، ولهذا بناء على ذلك قالوا: لو قرأ في الرَّكعة الأُولى سورةً، ثم قرأ في الركعة الثانية ما قبلها؛ لكان ذلك مكروهًا؛ لمخالفة التَّرتيب، ولو كان في الركعة الثانية؛ لأن قراءة الصَّلاةِ واحدة.
وقال بعض أهل العلم: بل يتعوَّذ في كل ركعة، وذلك لأنه حال بين القراءتين أذكار وأفعال، فيستعيذ بالله عند القراءة في كل ركعة، والأمر في هذا سهل، لو قيل: إنه يخير لتكافؤ الأدلة، لكان له وجه، فنقول: إن استعذت بالله من الشيطان الرجيم فحسن، وإن لم تستعذ اكتفاءً بالأول أجزأ أيضًا.
ثم قال: (والتعوذ وتجديد النية)، كيف تجديد النية؟ يعني أنَّه لا يأتي بنيَّةٍ جديدة، بخلاف الرَّكعةِ الأُولى، فإن الرَّكعةَ الأُولى يدخُلُ في الصَّلاةِ بنيَّةٍ جديدة، فلو نوى الدخول بنيَّةٍ جديدةٍ في الرَّكعة الثانية بطلت الأُولى؛ لأنَّ لازمَ تجديد النيَّة في الركعة الثانية قَطْعُ النيّة في الركعة الأُولى.
عندي في الشرح يقول: إلا إذا لم يتعوَّذ في الأُولى فيتعوَّذُ في الثانية، وهذا استثناء جيد، إذا لم يتعوَّذ في الأُولى فيتعوَّذُ في الثانية، مثل أن يدركَ الإمامَ راكعًا، فإنه إذا أدرك الإمام راكعًا سوف يُكبِّر تكبيرة الإحرام، ثم يُكبِّر للرُّكوع ويركع، وتكون القراءة متى؟ في الرَّكعةِ الثانيةِ، وحينئذٍ يتعوَّذ.
وهذا الذي قاله في الشرح هو مرادهم فيما يظهر، لماذا؟ لأن تعليلهم يدلُّ عليه، حيث قالوا: إنه تعوَّذ في القراءةِ الأُولى، وقراءةُ الصَّلاةِ قراءةٌ واحدة.
وظاهر كلام المؤلف رحمه الله: أنَّ الرَّكعة الثانية كالأُولى حتى في مقدار القراءة؛ لأنه لم يستثنِ إلا هذه المسائل الأربع، وهي أيش؟ التحريمة، الاستفتاح، والتعوذ، وتجديد النية.
فظاهره: أنَّ القراءة في الرَّكعة الثانية كالقراءة في الرَّكعة الأُولى، ولكن الصواب خِلافُ ذلك، فإنَّ القراءةَ في الركعةِ الثانيةِ دون القراءة في الركعة الأُولى، كما هو صريح حديث أبي قتادة (1)، لكن في حديث أبي سعيد (2) ما يدلُّ على أن الركعة الثانية كالأُولى، إلا أنه -أي: حديث أبي سعيد- يدلُّ على أن القراءة مشروعة في الركعات الأربع؛ أي: قراءة ما عدا الفاتحة، فإن حديث أبي سعيد الخدري يدلُّ على أنَّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان يقرأ مع الفاتحة في كلِّ ركعة، لكن في الركعتين الأوليين يقرأ قراءة سواء، في الركعتين الأخريين سواء، لكنها دون الأولى على النِّصْفِ مِن الأولى.
يقول: (ثم يجلس مفترشًا) ثم أيش بعد؟ بعد أن يُصلِّي الثانيةَ بركوعها وسجودها وقيامها وقعودها يجلس، وهذا الجلوس للتشهُّدِ؛ إمَّا الأول، وإمَّا الأخير، إن كانت الصَّلاةُ رباعية أو ثلاثية فهذا أوَّل، وإن كانت سوى ذلك فهذا أخير.
يقول: (ثم يجلس مفترشًا ويداه على فخذيه) قوله: (مفترشًا) سَبَقَ لنا تفسيرُها، وأنَّ معنى الافتراش أن يجعلَ رِجْلَهُ اليسرى تحت مقعدته كأنها فراش، ويُخرج اليُمنى مِن الجانب الأيمن ناصبًا لها، هذا الافتراش.
قال المؤلف: (ويداه على فخذيه) الجملةُ يحتملُ أن تكون في مَوضعِ نَصْبٍ على الحال مِن فاعل (يجلس) يعني: يجلس والحالُ أن يديه على فخذيه، ويحتملُ أنها جملةٌ استئنافية، وعلى كُلِّ تقديرٍ؛ فإنَّ معنى العبارة: أنه في هذا الجلوس يَجعلُ يديه على فخذيه.
وظاهر كلامه أنه لا يقدمهما حتى تكونا على الرُّكبة؛ لأن الفخذَ حَدُّهُ الرُّكبة، الرُّكبة ليست مِن الفخذِ، فكلام المؤلف يدل على أنك تجعل اليد اليمنى واليد اليسرى لا تصل إلى حِذاء الرُّكبة، بل على حَدِّها؛ لأنها لو وصلت إلى حِذاء الرُّكبة خرجت عن الفخذ، وعلى هذا؛ فلا يُلْقِم اليُسرى ركبته، ولا يضع اليُمنى على حرف الفخذِ، وهذا ما ذهب إليه المؤلِّفُ، ولكن سبق لنا أن السُّنَّة دَلَّت على مشروعية الأمرين؛ أي: أن تضعَ اليدين على الفخذين، وأن تُلْقِمَ اليُسرى الرُّكبةَ وتَجعلَ اليُمنى على حَرْفِ الفخذِ؛ يعني: على طَرَفِهِ، فكلاهما صفتان.
وعلى هذا نقول: إن اليدين لهما صفتان في الرَّفْعِ والسُّجود والجلوس، أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: صفتان في الرَّفْعِ؛ حذو المنكبين أو فروع الأذنين.
في السجود حذو المنكبين أو أن يسجد بينهما، هذا في السجود.
في الجلوس: إمَّا أن يجعلَهما على الفخذين، أو على الرُّكبتين، لكنها في اليُسرى تُلْقَم.
قال: (ويقبض خنصر اليمنى وبنصرها، ويحلق إبهامها مع الوسطى) الخنصر أين هو؟
طالب: الصغرى.
الشيخ: الصغرى، البنصر: هو الذي يليه، والوسطى: هي التي تلي البنصر.
يقول المؤلف: (يقبض الخنصر والبنصر، ويحلق الإبهام مع الوسطى) هكذا كالحلقة، وتبقى السَّبَّابةُ مفتوحةً لا يضمُّها، وهذه صفة أيضًا، واقتصار المصنِّف رحمه الله عليها لا يسلتزم نفي ما عداها، وهناك صفة أخرى؛ بأن نضمَّ الخنصرَ والبنصرَ والوسطى، ويضمَّ إليها الإبهامَ وتبقى السَّبَّابةُ مفتوحةً، فهاتان أيضًا صفتان في كيفية أصابع اليد اليُمنى، ففيها صفتان، أما اليسرى فهي على الفخذ مبسوطة مضمومة الأصابع ممدودة على الفخذ.
قال المؤلف رحمه الله: (ويشير بسبابتها في تشهده) السَّبَّابة: ما بين الإبهام والوسطى، وسُمِّيت سَبَّابة؛ لأن الإنسان يُشيرُ بها عند السَّبِّ، يقول: شوف هذا الرجل الفاجر، يشير بها، وتُسَمَّى أيضًا سَبَّاحة، سبحان الله، هذا من باب الأضداد، سَبَّابة بسَّبِّ بها الناس، سباحة يُسَبَّح بها اللَّهُ عزّ وجل؛ لأنه يُشيرُ بها عند تسبيح الله.
على كل يقول: (يشير بها في تشهده): و (في) للظَّرفية، والظَّرفُ أوسعُ مِن المظروف، فهل المراد: يُشيرُ بها في تشهُّدِه مِن حين ما يبدأ إلى أن ينتهي، أو المراد: يُشيرُ بها في تشهُّدِه في موضع الإشارة؟
فيه احتمال كلامُ المؤلِّف، لكن غيره بَيَّنَ أنه يُشيرُ بها عند وجودِ سبب الإشارة، وما هو سبب الإشارة؟
ذِكْرُ الله، واختلف الفقهاءُ المتأخرون في معنى كلمة: ذِكْر الله، هل المعنى عند ذِكْرِ الجلالة، وعلى هذا؛ فإذا قلت: (التحيات لله) تُشِيرُ، (السَّلام عليك أيُّها النبي ورحمة الله) تُشِيرُ، (السَّلام علينا وعلى عباد الله) تُشِيرُ، (أشهد أنْ لا إله إلا الله) تُشِيرُ، هذه أربع مرَّات في التشهُّدِ الأول، (اللَّهم صَلِّ) خَمْس؛ (اللهم) أصلُها (الله)، (اللَّهُمَّ بارك) سِتٌّ، (أعوذ بالله مِن عذاب جهنم) سبع.
وقيل: المراد بذِكْرِ الله: الذِّكْر الخاصُّ، وهو (لا إله إلا الله)، وعلى هذا؛ فلا تشيرُ إلا مَرَّةً واحدةً، وذلك عندما تقول: أشهد أنْ لا إله إلا الله.
هذا اختلاف الفقهاء، ولكن السُّنَّة دَلَّت على أنه يُشير بها عند الدعاء؛ لأن لفظ الحديث: يُحرِّكُها يدعو بها (3)، وقد وَرَدَ في الحديث نَفْيُ التَّحريك وإثباتُ التحريك، نفي التحريك لا يحركها، إثباته يحركها، والجمعُ بينهما سهل؛ أن نفيُ التَّحريك يُراد به التَّحريكُ الدَّائم، وإثباتُ التَّحريك يُراد به التَّحريكُ عند الدُّعاء، فكلما دعوت تحرِّكْ؛ إشارة إلى علوِّ المدعو سبحانه وتعالى، وعلى هذا فنقول: (التحيات لله) ما فيها إشارة أو لا؟
(السلام عليك أيُّها النبيِّ) فيه إشارة؛ لأن السَّلامَ خَبَرٌ بمعنى الدُّعاءِ، (السَّلامُ علينا) فيه إشارة؛ لأن السَّلامَ خَبَرٌ بمعنى الدُّعاءِ، (اللهم صَلِّ على محمَّد) فيه إشارة، (اللهم بارك على محمَّد) فيه إشارة، (أعوذ بالله من عذاب جهنَّم) فيه إشارة، (ومِن عذاب القبر) إشارة، (ومِن فتنة المحيا والممات) إشارة، (ومِن فتنة المسيح الدَّجَّال) إشارة، وكُلَّما دعوت تُؤشّر إشارةً إلى عُلُوِّ مَنْ تدعوه سبحانه وتعالى، وهذا أقربُ إلى السُّنَّة، وهو اللفظ الذي ذكرته لكم يحركها يدعو بها.
يقول المؤلف رحمه الله: (ويبسط اليسرى) يعني: أصابعها على أيش على الفخذِ الأيسر؛ لأنه قال بالأول: (ويداه على فخذيه).
(ويقول: التحيات لله وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ) إلى آخره، يقول بقلبه أو بلسانه؟
طلبة: بلسانه.
طالب: بالاثنين.
الشيخ: نعم، يقول بلسانه متدبِّرًا لذلك بقلبه.
وهل يُشترطُ أن يُسمعَ نفسَه؟ فيه خِلافٌ، أمَّا المذهبُ فيُشترط أن يُسمعَ نفسَه في الفاتحة، وفي كُلِّ ذِكْرٍ واجبٍ.
قوله: (التحيات لله) ما معنى التحيات؟ التحيات: جمع تحيَّة، والتحيَّة هي: التَّعظيم، كلُّ لَفْظٍ يدلُّ على التَّعظيم فهو تحيَّة، وهنا يقول: (التحيات)، (أل) المفيدة للعموم، وجُمعها لاختلاف أنواعها، أما أفرادها فلا حدَّ لها؛ يعني: كل تحية، بل كُلَّ نوع من أنواع التَّحيَّات فهو لله، واللام هنا للاستحقاق والاختصاص؛ فلا يستحقُّ التَّحيَّات على الإطلاق إلا الله عزّ وجل، ولا أحد يُحَيَّا على الإطلاق إلا الله، وأمَّا إذا حَيَّا إنسان على سبيل الخصوص فلا بأس به.
لو قلت مثلًا: لك تحيَّاتي، لك تحيَّاتُنَا، مع التحيَّة، فلا بأس بذلك، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: 86]، لكن التَّحيَّات على سبيل العموم والكمال لا تكون إلا لله عزّ وجل.
فإذا قال قائل: هل اللَّهُ بحاجة إلى أن تحييه؟
فالجواب: كلاَّ؛ ليس بحاجة، لكنه أهْلٌ للتعظيم، فأعظِّمه لحاجتي لذلك، لا لحاجته لذلك، والمصلحة لمن؟
طلبة: للعبد.
الشيخ: للعبد، ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: 7].
(التحيات لله وَالصَّلَوَاتُ)، الصلوات ما هي الصلوات؟
طالب: جمع صلاة.
الشيخ: الخمس مع النوافل، الجمعة، الأدعية، الجواب كلِّ ما يُطلق عليه اسم صلاة شرعًا أو لُغةً فهو شامل، فالصَّلوات كلُّها لله حقًّا واستحقاقًا، لا أحد يستحقُّها؛ وليست حقًّا لأحد سوى الله عزّ وجل، الدُّعاءُ أيضا حقًّا واستحقاقًا لمن؟ لله عزّ وجل ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]، كلُّ الصلوات فرضُها ونفلُها، ليليها ونهاريها، كلها لله، كُلُّ الأدعية لله.
طالب: (... ) الصلاة، يصلي إمامًا، البعض يقول: (... ).
الشيخ: والله هذه يمكن أن يخرج عنها بأن يجلس ثم عند التكبير يقوم، إلا إذا كانوا من أصحابه اللي يعرفونه فيكبر عند النهوض من السجود ويجلس ويجلسون معه.
الطالب: عامة؟
الشيخ: لا، عامة الناس أنا أرى إذا كان الإمام يراها ألا يكبر حتى ينهض منها.
طالب: وينهض من السجود بلا تكبير يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم؛ لأن كل هذا من السجود إلى انتهاء القيام كله محل التكبير.
طالب: فتح الله عليك يا شيخ، ذكرت أن المسبوق يستعيذ في الركعة الثانية، هل يستفتح يا شيخ؟
الشيخ: لا، الاستفتاح نقول: سنة فات محلها.
طالب: بالنسبة يا شيخ التطويل في الجلوس بين السجدتين.
الشيخ: على كل حال، التطويل في الجلسة بين السجدتين كالتطويل في القيام بعد الركوع، أي أنه مشروع؛ لأنه مشروع الركوع والرفع منه والسجود والرفع منه أن تكون قريبًا من السواء، وهذا الأفضل.
طالب: مقدار جلسة الاستراحة يقولون: إنها سنة، وكثير من الناس..
الشيخ: الذين يقولون: إنها سنة، يرون أنها خفيفة جدًّا، ولهذا أجابوا عن القائلين بأنها لو كانت مشروعة لشرع فيها ذكر، أجابوا عنه، قالوا بأنها جلسة خفيفة ما تحتاج إلى ذكر، مع أن ظاهر حديث مالك بن حويرث: حتى يستوي (4)، يدل على أنها ليست كما يتصورون، إنها جلسة فيها شيء من الاستقرار.
الطالب: (... ) وعلى آله وأصحابه أجمعين، قال المؤلف رحمه الله تعالى:
ويقول: التحيات لله والصلوات الطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، هذا التشهد الأول.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أنه يصلي الركعة الثانية كالركعة الأولى إلا فيما استُثْنِي، ومنه؟
طالب: النية والاستفتاح.
الشيخ: النية، ويش معنى النية؟
طالب: تغيير النية.
الشيخ: تجديد.
طالب: نعم، تجديد النية.
الشيخ: وأما استمرار النية؟
الطالب: هذا لا (... )، لا بد من استمرار النية.
الشيخ: فلا بد من استمرارها.
لماذا يستثنى تجديد النية؟
طالب: لأنه إذا جدد النية قطع الصلاة.
الشيخ: إذا جدد النية معناه أنه أبطل الركعة الأولى.
الثاني؟
طالب: الثاني الاستفتاح.
الشيخ: الاستفتاح، فلا يستفتح في الأولى؟
طالب: يستفتح في الأولى، ولا يستفتح في الثانية.
الشيخ: ولا يستفتح في الثانية، هل يستثنى من ذلك شيء؟
طالب: إذا لم يستفتح في الأولى..
الشيخ: كيف يستفتح في الأولى؟ ويش لون يعني؟
طالب: يعني جاء والإمام راكع فركع معه.
الشيخ: أو هذا في التعوذ، نحن نتكلم عن الاستفتاح.
طالب: (... ).
الشيخ: سنة فات محلها.
الثالث؟
طالب: التعوذ.
الشيخ: التعوذ، فلا يتعوذ في الثانية، إلا؟
طالب: إلا إذا أتى والإمام راكع.
الشيخ: إلا إذا لم يتعوذ في الأولى، مثل أن يأتي والإمام راكع ولا يتعوذ ولا يقرأ الفاتحة.
وهل هذا متفق عليه؟
طالب: لا ليس متفقًا عليه، بل قال أهل العلم: في كل ركعة.
الشيخ: يتعوذ في كل ركعة.
مبنى الخلاف هنا على أي شيء؟
طالب: هل التعوذ يعني..
طالب آخر: هل يعد ما حصل بين الركعة الأولى والثانية فاصلًا؟
الشيخ: هل قراءة الصلاة قراءة واحدة أو لكل ركعة قراءة مستقلة؟ فإن قلنا بالأول..
طالب: فيكفيه الاستفتاح الأول (... ) أن القراءة واحدة، ويكفي الاستعاذة في أول قراءة.
الشيخ: فإن قلنا: قراءة الصلاة واحدة كفى التعوذ الأول، وإن قلنا: لكل ركعة قراءة؟
طالب: فيستعيذ لكل قراءة.
الشيخ: يستعيذ في كل قراءة.
بقي الرابع.
طالب: تكبيرة الإحرام.
الشيخ: تكبيرة الإحرام؟
طالب: نعم، لا يعيد تكبيرة الإحرام في الثانية.
الشيخ: لا يعيدها في الركعة الثانية، لماذا؟
طالب: خوف النية؛ لأنه لو أعادها كأنه أبطل الأولى وشَرَع من جديد.
الشيخ: أحسنت، لو كبر للإحرام في الثانية كأنه قطع الأولى وشَرَع من جديد.
قال بعد ذلك: يقول: (يجلس مفترشًا) كما سبق، ويقول؟
طالب: التحيات لله.
الشيخ: ما معنى التحيات؟
طالب: أي التعظيمات لله عز وجل.
الشيخ: يعني الكلمات الدالة على التعظيم.
بالقول ولا بالفعل؟
الطالب: بكليهما.
الشيخ: نعم، التحيات يعني كل ما يدل على التعظيم بالقول أو بالفعل فهو لله.
استحقاقًا واختصاصًا ولّا استحقاقًا فقط؟
طالب: استحقاقًا واختصاصًا.
الشيخ: استحقاقًا واختصاصًا، إذ لا أحد يستحق التعظيم المطلق إلا الله عز وجل.
(الصلوات)؟
طالب: هي كل الصلوات من أقوال..
الشيخ: الصلاة الشرعية ولّا اللغوية؟ ولّا هذه وهذه؟
الطالب: كل الصلوات الشرعية بأقوالها وأفعالها.
الشيخ: واللغوية؟
الطالب: واللغوية أيضًا.
الشيخ: ما الفرق بين الشرعية واللغوية؟
الطالب: الشرعية ما شُرِع مثل هذه الصلاة المفروضة، واللغوية هي الدعاء.
الشيخ: إذن الدعاء والصلوات المعروفة الخمس والنوافل والجمعة كلها.
الطالب: لله سبحانه وتعالى.
الشيخ: لله، استحقاقًا واختصاصًا؟ ولّا استحقاقًا فقط؟
الطالب: استحقاقًا واختصاصًا.
الشيخ: قال: (والطيبات لله) الطيبات يشمل الأعمال القولية والفعلية، ويشمل الأوصاف أيضًا، فالله سبحانه وتعالى له من الأوصاف أطيبها، قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ» (5)، فكل أنواع الطيب ثابتة لله عز وجل من كل وجه، وله أيضًا ما طاب من الأقوال والأفعال الصادرة من الخلق لقوله: «لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا».
فالطيبات إذن لها معنيان: المعنى الأول: ما يتعلَّق بالله، والمعنى الثاني: ما يتعلَّق بأفعال العباد، فما يتعلَّق بالله فله مِن الأوصاف أطيبها، ومِن الأفعال أطيبها، ومن الأقوال أطيبها؛ يعني: لا يقول إلا الطيب، ولا يَفعلُ إلا الطَّيب، ولا يتَّصفُ إلا بالطيب، فهو طيب في كُلِّ شيء؛ في ذاته وصفاته وأفعالِه.