الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 1162-1201

قوله: (سُورة) يلزم من قراءة السُّورة أن يقرأَ قبلها: (بسم الله الرحمن الرحيم)، وعلى هذا؛ فتكون البسملةُ مكرَّرة كم مرة؟ الطلبة: مرَّتين.
الشيخ: مرَّتين: مرَّة للفاتحة، ومرَّة للسُّورة، أما إنْ قرأ مِن أثناء السُّورة فإنه لا يُبسمل؛ لأن الله لم يأمر عند قراءة القرآن إلا بالاستعاذةِ، وأما البسملة فإنها لا تكون في أواسط السُّور.
يقول المؤلف: (تَكُونُ فِي الصُّبْحِ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ وَفِي الْمَغْرِبِ مِنْ قِصَارِهِ، وَفِي الْبَاقِي مِنْ أَوْسَاطِهِ) (تكون) أي: السُّورة، (في الصبح) أي: في صلاة الصُّبح، (من طِوال المُفصَّلِ) بكسر الطاء، ولا يقال: طُوال؛ لأن طُوال صفة للرَّجُل الطويل، وأما طِوال بالكسر فهي جمع طُول، أي: سُورة من السُّور الطِوال مِن المفصل.
المفصَّل ثلاثة أقسام، كما يدلُّ عليه كلام المؤلِّف: منه طِوال، ومنه قِصار، ومنه وسط، فمِن (ق) إلى (عَمَّ) هذا هو الطِوال، ومِن (عَمَّ) إلى (الضُّحَى) أوساط، ومُن (الضُّحَى) إلى آخره قِصار.
وسُمِّيَ مُفصَّلًا لكثرة فواصله؛ لأن سُورَهُ قصيرةٌ، فلهذا سمي مفصلا.
من (ق) إلى آخر (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) أربعة أجزاء وشيء أو لا؟ يساوي البقرة وآل عمران، ورُبعًا مِن النساء، وشيئًا قليلًا، تكون في الصُّبح مِن طِوال المُفصَّل؛ لماذا؟ لأن الله عزَّ وجلَّ نصَّ على القرآن في صلاة الفجر فقال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: 78]، فَعبَّرَ عن الصَّلاةِ بالقرآن إشارةً إلى أنَّه ينبغي أن يكون القرآن مستوعِبًا لأكثرها، وهو كذلك، ولهذا بقيت صلاةُ الصُّبح على ركعتين لم تُزَدْ، بينما الظُّهر والعصر والعشاء كلها زِيدت.
قال المؤلف: (وَفِي الْمَغْرِبِ مِنْ قِصَارِهِ) يعني: من الضُّحى إلى آخره هذا هو الأفضل.

(وَفِي الْبَاقِي مِنْ أَوْسَاطِهِ) من عَمَّ إلى الضحى دليل ذلك السُّنَّة الواردة عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام؛ فإن الغالب مِن فِعْلِ النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ هو هذا.
لكنه أحيانًا يقرأ في الفجر مِن القِصَار، وفي المغرب من الطِوال، فمرَّة صَلَّى الفجرَ بـ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ قرأها مرتين في الرَّكعتين، ومرَّة في المغرب قرأ بسُورة الأَعْرَافِ، وقرأ بسورة الْطُّور، وقرأ بـ (المرسلات)، وكلُّ هذا من أطول ما يكون من السُّور، فدلَّ ذلك على أنه ينبغي للإِمام أن يكون غالبًا على ما ذَكَرَ المؤلِّفُ، ولكن لا بأس أن يطيل في بعض الأحيان في المغرب، ويُقَصِّرَ في الفجر.
وقول المؤلف: (وفي الباقي من أوساطه) الدليل على ذلك؛ أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أرشد معاذَ بنَ جَبَلٍ أن يقرأ في صلاة العشاء بـ (سَبِّحِ) والغاشية و (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى)، و (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا)، ونحوها، فدلَّ هذا على أن هذا هو الأفضل.
وهنا سؤال: هل يجوز أن يقرأَ الإِنسانُ بالسُّورةِ في الرَّكعتينِ بمعنى أنْ يكرِّرها مرَّتين؟ الجواب: نعم، ولا بأس بذلك، والدَّليلُ فِعْلُ الرسول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أنه قرأ: (إِذَا زُلْزِلَت) في الرَّكعتين جميعًا، أي: كرَّرها.
لكن قد يقول قائل: لعلَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم نَسِيَ؛ لأنَّ مِن عادته أنه لا يُكرِّر السُّورة.

والجواب عن هذا: أن يُقال: احتمالُ النسيانِ وارد، ولكن أقوى منه احتمال التشريع؛ أي: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كرَّرها تشريعًا للأمة؛ ليبيِّن للأمة أن ذلك جائز، يُرجّح احتمالِ النسيان أنَّ العادة من فِعْلِ الرسول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ألا يكرر، ويرجح احتمال التشريعُ أن الأصل في فِعْلِ الرسول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ التشريعُ، وأنه لو كان ناسيًا لنبّه عليه، وهذا الأخيرُ -أي: أنَّ ذلك مِن باب التشريع- أحوطُ وأقربُ إلى الصَّوابِ، وأنه يجوز للإنسان أحيانًا أن يكرر السورة ولا بأس.
قال: (وفي الباقي من أوساطه).
بحث المؤلف الشارح -رحمه الله- تنكيس السُّور، والآيات، والكلمات، والحروف، وإن كان لم يبحث في هذه الأربعة، ولكن نحن الآن نبحث فيها، تنكيس السُّور وتنكيس الآيات وتنكيس الكلمات وتنكيس الحروف.
أما تنكيس الحروف؛ فهذا لا شك في تحريمه؛ بمعنى أن تكون الكلمة مشتملة على ثلاثة أحرف؛ فيبدؤها الإنسان مِن آخرها مثلًا، هذا لا شكَّ في تحريمه، وأنَّ الصَّلاةَ تبطلُ به؛ لأنه إخراج للقرآن عن الوجه الذي تكلَّم الله به، كما أن الغالب أنَّ المعنى يختلفُ اختلافًا كبيرًا.
وأما تنكيس الكلمات؛ أي: أن يبدأ بكلمة قبل الأُخرى، مثل أن يقول: الحمد لربِّ العالمين، الله الرحمن الرحيم، فهذا أيضًا محرَّم بلا شكٍّ؛ لأنه إخراجٌ لكلامِ الله عن الوجه الذي تكلَّم اللَّهُ به.

تنكيس الآيات أيضًا؛ محرَّم على القول الرَّاجح؛ لأن ترتيب الآيات توقيفي، ومعنى توقيفي: أنه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا تَجِدُ أحيانًا بعضَ الآيات بين آيات لا يَظهرُ لك تَعَلُّقُها به، مما يدلُّ على أن الأمر توقيفي مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأِزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ الآية [البقرة: 240]. أيهما أسبق قراءة؟ الطلبة: الثانية.
الشيخ: لا، الأولى أسبق، الأولى سابقة عليها في القراءة.
وأيهما أسبق نزولا؟ الطلبة: الثانية.
الشيخ: الثانية، ولو كان التَّرتيبُ غيرَ توقيفي؛ لكان على حسب النُّزولِ، لكنه توقيفي، أي أن الأمر فيه موقوف على ورود الشرع به، وعلى هذا فيحرم تنكيس أيش؟ الطلبة: الآيات.
الشيخ: الآيات، هذه ثلاثة أشياء.
تنكيس السور يُكره، وقيل: يجوز، وأظن فيه قولًا بالتحريم فهذه ثلاثة أقوال.
أما الذين قالوا بالجواز فاستدلُّوا: بحديث حذيفة بن اليمان، الذي في صحيح مسلم أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم: قامَ مِن اللَّيلِ فقرأَ بسورةِ البقرةِ، ثم بالنِّساءِ، ثم آل عمران، وهذا على غير التَّرتيبِ المعروف، قالوا: وفِعْلُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم دليلٌ على الجواز.
وأما الذين قالوا بالكراهة، فقالوا: إنَّ الصَّحابةَ رضي الله عنهم وَضَعُوا المُصحفَ الإِمام -الذي يكادون يُجمعون عليه- في عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وَضَعوه على هذا التَّرتيب، فلا ينبغي الخروجُ عن إجماعهم، أو عمَّا يكون كالإِجماع منهم؛ لأنَّهم سلفُنا وقدوتُنا.

وأما الذين قالوا بالتحريم، فقالوا: إن هذا إجماع من الصحابة، أو يكاد يكون إجماعًا، وهو من سُنَّة الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقد أُمِرْنَا باتِّباعِه، فوجب علينا أن نقرأ القرآن مرتبًا؛ ولأنه قد يكون فيه تشويشٌ على العامة، وتَنَقُّصٌ لكلام الله عزّ وجل إذا رأى العامة أنَّ النَّاسَ يقدِّمون ويؤخِّرون فيه، والعامي عامي جاهل لا يعرف.
ولكن؛ القول بالكراهة قولٌ وسطٌ بين قولين، فيقال: إنَّ إجماع الصحابة على هذا الترتيب غير موجود، فإن في مصاحف بعضِهم ما يخالف هذا التَّرتيب كمصحف ابن مسعود، رضي الله عنه، وأما قراءة النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في حديث حذيفة لـ (النساء) قبل (آل عمران) فهذا -لعلَّه- قبل العرضة الأخيرة؛ لأنَّ جبريلَ كان يُعارِضُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم القرآن في كُلِّ رمضان، فيكون ما اتَّفق عليه الصحابةُ أو ما كادوا يتَّفقون عليه هو الذي استقرَّ عليه الأمر، لا سيما وأنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يقرنُ بين البقرة وآل عمران، مما يدلُّ على أنهما قرينتان، فيكون تقديمه النساء في حديث حذيفة قبل الترتيب الأخير.
والحق أن الترتيب بين السُّور منه توقيفي، ومنه اجتهادي، فما وَرَدَتْ به السُّنَّةُ كالترتيب بين (الجُمعة) و (المنافقين)، وبين (سَبِّحِ) و (الغاشية) فهو على سبيل التوقيف؛ فالنبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ قرأَ (الجمعة) قبل (المنافقون).
وقرأ (سَبِّح) قبل (الغاشية) فهذا على سبيل الترتيب التوقيفي، وما لم تَرِدْ به السُّنَّةُ فهو اجتهادٌ من الصَّحابةِ، والغالب أنَّ الاجتهادَ، إذا كان معه الأكثر أقربُ إلى الصَّوابِ.
طالب: (... ) يبدأ من البقرة، يقرأ كل يوم..

الشيخ: إي نعم، هذا خلاف السنة لا شك؛ يعني بعض المصلين يبدأ القرآن من أوله إلى آخره، ويدعي أنه يفعل ذلك من أجل أن يسمع الناس كلام الله من أوله إلى آخره، فنقول له: أين النبي صلى الله عليه وسلم من هذا؟ أليس النبي صلى الله عليه وسلم أولى الناس بذلك؛ لأجل أن يبلغ الناس كلام الله ولا ينسيهم إياه، فأين هو من ذلك أهو لا يدري أم ماذا؟ ثم نقول: العلماء لم يقولوا بهذا، وإذا لم يقولوا به فإنه يكون ذلك خروجًا عن السنة المعروفة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك يكون خروجًا عما قاله علماء هذه الأمة.
طالب: شيخ أحسن الله إليكم، أقول ذكر بعض الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الظهر حتى إن الذاهب ليذهب إلى البقيع فيقضي الحاجة، ثم يتوضأ، ثم يدرك الركعة الأولى، وقوله: (كان) كأنها (... ) اللفظ تفيد الاستمرار، وقد ذكرنا في كلام المؤلف أنه يقرأ في الباقي من أوساطهم؛ من أوساط المفصل.
الشيخ: نعم، هذا الغالب.
الطالب: لكن كأنه يقول: إنه كان يديم الاستمرار في التطويل في الظهر.
الشيخ: لا، هذا الطول لا يديمه؛ لأنه وردت أحاديث تدل على خلاف ذلك.
طالب: بالنسبة لتحديد المفصل هل هو توقيفي أو اجتهادي؟ الشيخ: لا، اجتهاد، الظاهر إنه اجتهاد من العلماء ما سمعت بهذا في السنة.
طالب: شيخ، إذا كان رجل ما يرتب القرآن -يقرأ علينا القرآن بالترتيب- لكن يحاول أنه يمر على القرآن أو على أغلبه؛ لكي يسمع الناس أكثر القرآن، وبعض الآيات ناقصة (... ) جهاد وبغي و..

الشيخ: ما أرى هذا، أنا ما أرى هذا، شيء لم يفعله السلف لا خير فيه، نعم لو فُرض أن هناك مناسبة وقرأ بهذا لم أرَ في هذا بأسا على أنه فيه ثقل عندي؛ يعني –مثلًا- لو ابتدأ في رمضان ابتدأ صلاة المغرب أول ليلة منه بآيات الصيام مثلًا، أو صلاة العشاء لكان في هذا شيء من التساهل، على إني لا أحب هذا؛ لأن هذه المناسبة أيضًا موجودة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يُعهد أو لم يُنقل أنه كان يقرأ بذلك، فالذي أرى أن الإنسان لا يتخذ سنة لم يسنها مَن قبله أبدًا، الاتباع أولى من الابتداع مهما حسن عند العبد.
ولا تَصِحُّ الصلاةُ بقراءةٍ خارجةٍ عن مُصْحَفِ عُثمانَ، ثم يَرْكَعُ مُكَبِّرًا رافعًا يَدَيْهِ ويَضَعُهما على رُكبتَيْهِ مُفَرَّجَتَي الأصابعِ مُستويًا ظَهْرُه ويَقولُ: " سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ " ثم يَرفعُ رأسَه ويَدَيْهِ قائلاً إمامٌ ومنفرِدٌ: (سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) وبعدَ قِيامِهما " رَبَّنا ولك الْحَمْدُ، مِلْءَ السماءِ ومِلءَ الأرضِ، ومِلءَ ما شِئْتَ من شيءٍ بَعْدُ " ومأمومٌ في رَفْعِه " رَبَّنا وَلَكَ الْحَمْدُ " فقط، ثم يَخِرُّ مُكَبِّرًا ساجدًا على سبعةِ أعضاءٍ؛ رِجْلَيْهِ ثم رُكْبَتَيْهِ ثم يَدَيْهِ ثم جَبْهَتِه مع أَنْفِه قوله: (لا تصح): نفي الصحة يقتضي الفساد.
فإذا قرأ بقراءة خارجة عن مصحف عثمان فصلاته فاسدة على كلام المؤلف.
وما المراد بالصحة؛ إذا قال العلماء في العبادات: تصح أو لا تصح؟ قال العلماء: الصحيح ما سقط به الطلب، وبرئت به الذمة، والفاسد ما ليس كذلك، فإذا فعل الإنسان عبادة ولم يسقط الطلب بها عنه لاختلال شرط أو وجود مفسد قلنا: إنها فاسدة، وإذا فعل عبادة وسقط بها الطلب وبرئت بها الذمة قلنا: إنها صحيحة.

وقوله: (بقراءة خارجة عن مصحف عثمان) ما مصحف عثمان؟ مصحف عثمان رضي الله عنه هو الذي جمع الناس عليه في خلافته؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي والقرآن لم يجمع، بل كان في صدور الرجال، وفي عسب النخل، وفي اللخاف: في الحجارة البيضاء الرهيفة، وما أشبه ذلك، ثم جُمع في خلافة أبي بكر رضي الله عنه حين استحر القتل بالقراء في اليمامة.
ثم جمع في عهد عثمان رضي الله عنه، سبب جمعه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ» (1)، فكان الناس يقرؤون بهذه الأحرف، وقد اختلفت لهجات الناس، فصار فيه خلاف، في الأجناد الذين يقاتلون في أطراف المملكة الإسلامية، فخشي بعض القواد من الفتنة، فكتبوا إلى عثمان رضي الله عنه في ذلك، فاستشار الصحابة، فجمع المصحف، بل القراءات على حرف واحد، وهو لغة قريش، يعني على لغة واحدة وهي لغة قريش، واختارها لأنها أشرف اللغات، حيث إنها لغة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أعرب اللغات أيضًا، يعني أنها أرسخها في العربية، فجمع المصاحف كلها على مصحف واحد وأحرق ما سواها.
فاجتمعت الأمة على هذا المصحف، ونُقل إلينا نقلًا متواترًا، ينقُله الأصاغر عن الأكابر، ولم تختلف فيه الأيدي ولا النقلة، بل هو محفوظ بحفظ الله عز وجل إلى يوم القيامة.
لكن هناك قراءات خارجة عن هذا المصحف الذي أمر عثمان بجمع المصاحف عليه، وهذه القراءات صحيحة ثابتة عمن قرأ بها عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكنها تعتبر عند القراء اصطلاحًا شاذة، وإن كانت صحيحة، وقد اختلف العلماء رحمهم الله في هذه القراءة الشاذة في أمرين: الأمر الأول: هل تجوز القراءة بها، أو لا تجوز؟ وعلى القول بالجواز فهل تجوز القراءة بها في الصلاة وخارج الصلاة، أو خارج الصلاة فقط؟

الأمر الثاني: اختلف العلماء الذين يقولون: لا يقرأ بها هل هي حجة في الحكم، أو ليست بحجة؟ فمنهم من قال: إنها ليست بحجة، ومنهم من قال: إنها حجة.
وأصح هذه الأقوال أنه إذا صحت هذه القراءة عمن قرأ بها من الصحابة، فإنها مرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتصح القراءة بها في الصلاة وخارج الصلاة، هذا هو الأصح، أصح الأقاويل في هذا؛ لأنها إذا صحت موصولة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فما المانع؟ نعم لا نقرأ بها أمام العامة؛ لأننا إذا قرأنا بها أمام العامة حصل بذلك فتنة، وحصل بذلك تشويش، وحصل بذلك قلة اطمئنان إلى القرآن الكريم، وقلة ثقة به، وهذا لا شك أنه مؤثر ربما على العقيدة فضلًا عن العمل.
لكن الكلام فيما بين الإنسان وبين نفسه، أو فيما بينه وبين طلبة العلم الذين يفهمون حقيقة هذا الأمر، لا يقول قائل: إذا صحت وصححتم الصلاة بها وصححتم القراءة بها وأثبتم الأحكام بها، لا يقول قائل: لماذا لا تقرؤونها على العامة؟ لأننا نقول: إن هدي الصحابة رضي الله عنهم ألا تحدث الناس بحديث لا تبلغه عقولهم، كما في حديث علي رضي الله عنه: حدثوا الناس بما يعرفون -أي: بما يمكن أن يعرفوه ويهضموه وتبلغه عقولهم- أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ (2). يعني العامي إذا جاءه أمر غريب عليه نفر على طول، وكذب، وقال: هذا شيء محال، مستحيل، أنا لا أؤمن بهذا الشيء.
ربما يقول هكذا.
مشكلة هذا.
وقال ابن مسعود: إنك لا تحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة (3). وصدق رضي الله عنه، فلهذا نحن لا نحدث العامة بشيء لا تبلغه عقولهم؛ لئلا تحصل الفتنة، ويتضرر في عقيدته وفي عمله.

ومن ذلك ما يكثر السؤال عنه من الطلبة، وهو أنه ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه لما قرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: 58] أنه وضع إبهامه وسبابته على أذنه وعلى عينيه (4): فقال: هل يجوز أن أفعل هذا؟ فجوابنا على هذا أن نقول: لا تفعله أمام العامة؛ لأن العامة ربما ينتقلون بسرعة إلى اعتقاد المشابهة والمماثلة، بخلاف طالب العلم.
ثم هذا فعل من الرسول عليه الصلاة والسلام وليس أمرًا، ما قال لنا: ضعوا أصابعكم على أعينكم وآذانكم حتى نقول: لا بد من تنفيذ أمر الرسول، هو فعل قصد به تحقيق هذا الأمر، لا التعبد بذلك، فيما يظهر لنا، فلماذا نلزم أنفسنا ونكرر السؤال عن مثل هذا من أجل أن نقوله أمام العامة؟ فالحاصل أنه ينبغي لطالب العلم أن يكون معلمًا مربيًا، والشيء الذي يخشى منه الفتنة وليس أمرًا لازمًا لا بد منه ينبغي للإنسان أن يتجنبه.

إذن يقول المؤلف رحمه الله: (لو قرأ بقراءة خارجة عن مصحف عثمان لم تصح الصلاة) مثال ذلك: قوله تعالى في آية كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: 89]، في قراءة ابن مسعود: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ﴾، فلو قرأ الإنسان في الصلاة: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ﴾ بطلت صلاته، لماذا؟ قالوا: لأن هذه الكلمة ليست من كلام الله، ما نعتبرها من كلام الله حكمًا، وإن كانت قد تكون من كلام الله حقيقة، لكننا لا نعتبرها حكمًا من كلام الله، فتكون من كلام الآدميين، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ» (5). ولكن هذا القول إذا تأملته وجدته ضعيفًا، وكيف تكون من كلام الآدميين وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بها؟ ولا سيما قراءة ابن مسعود الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ -أو قال: طَرِيًّا كَمَا أُنْزِلْ- فَلْيَقْرَأْ، أو فَعَلَيْهِ بِقِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ» (6)، يعني قراءة ابن مسعود.
فقراءة أوصى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف يقول قائل بعد صحتها وثبوتها عن ابن مسعود: إن الصلاة لا تصح بها؟ ولهذا كلما تأملت هذا القول وجدته ضعيفًا.
ولكن احذروا أن تقرؤوا بها أمام العامة؛ لما علمتم من خوف الفتنة.
قال: (ولا تصح الصلاة بقراءة خارجة عن مصحف عثمان رضي الله عنه، ثم يركع مكبِّرًا) يعني بعد القراءة يركع مكبرًا.

وقوله (ثم يركع) نقول فيها مثلما قلنا في: ثم يقرأ بعد الفاتحة: إنها للترتيب والتراخي.
فينبغي قبل أن يركع أن يسكت سكوتًا، لكنه ليس سكوتًا طويلًا، بل بقدر ما يرتد إليه نفسه، فإن ذلك قد جاء في حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه (7)، فيسكت بين القراءتين الفاتحة والسورة، وبين القراءة والركوع، لكنه ليس سكوتًا طويلًا بل سكوتًا قصيرًا.
وقوله (يركع): الركوع هو الانحناء في الظهر، فيركع، وهذا الركوع المقصود به: تعظيم الله عز وجل؛ فإن هذه الهيئة من هيئات التعظيم، ولذلك كان الناس يفعلونها أمام الملوك والكبراء والأسياد، ينحنون لهم، وربما يركعون، وربما يسجدون، والعياذ بالله، لكن الركوع هيئة تدل على تعظيم الراكع بين يدي من ركع له، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ» (8) ليجتمع فيه التعظيم القولي والتعظيم الفعلي.
وقوله (مكبرًا) حال من يركع، حال مقارنة ولا غير مقارنة؟ طالب: مقارنة.
الشيخ: مقارنة.
يعني في حال هويه إلى الركوع يكبر، فلا يبدأ قبل، ولا يؤخره حتى يصل إلى الركوع، أي يجب أن يكون التكبير فيما بين الانتقال والانتهاء، حتى قال الفقهاء رحمهم الله: لو بدأ بالتكبير قبل أن يهوي، أو أتمه بعد أن يصل إلى الركوع فإنه لا يجزئه؛ لأنهم يقولون: إن هذا تكبير في الانتقال، فمحله ما بين الركنين، فإن أدخله في الركن الأول لم يصح، وإن أدخله في الركن الثاني أيضًا لم يصح؛ لأنه مكان لا يشرع فيه هذا الذكر، فالقيام لا يشرع فيه التكبير، والركوع لا يشرع فيه التكبير، إنما التكبير بين القيام وبين الركوع.

ولا شك أن هذا القول له وجهة من النظر؛ لأن التكبير علامة على الانتقال، فينبغي أن يكون في حال الانتقال، ولكن القول بأنه إن كمله بعد الوصول للركوع، أو بدأ به قبل الانحناء مبطل للصلاة؛ القول بأن ذلك مبطل للصلاة فيه مشقة على الناس؛ لأنك لو تأملت أحوال الناس اليوم لوجدت أكثر الناس لا يعملون بهذا، منهم من يكبر قبل أن يتحرك للهوي، ومنهم من يصل إلى الركوع قبل أن يكمل.
والغريب أن بعض الجهال اجتهد اجتهادًا خاطئًا، وقال: لا أكبر حتى أصل إلى الركوع، لا أكبر حتى أصل إلى الركوع، لماذا؟ قال: لأنني لو كبرت قبل أن أصل إلى الركوع لسابقني المأمومون، يسابقونني فيهوون قبل أن أصل إلى الركوع، وربما وصلوا إلى الركوع قبل أن أصل إليه.
وهذا من غرائب الاجتهاد؛ أن تفسد عبادتك لتصحيح عبادة غيرك الذي ليس مأمورًا بأن يسابقك، يعني هو المخطئ، يعني لو قدر أن المأموم من حين ما سمع لفظ: الله أكبر أهوى إلى الركوع، فهل هو مخطئ أو أنت المخطئ؟ المخطئ المأموم.
كيف أذهب إلى شيء يرى بعض العلماء أن صلاتي تفسد به من أجل تصحيح خطأ لإنسان هو المخطئ؟ ! ولهذا نقول: هذا اجتهاد في غير محله، ونسمي المجتهد هذا الاجتهاد أيش؟ طلبة: جاهلًا مركبًا.
الشيخ: جاهلًا مركبًا؛ لأنه جهل، وجهل أنه جاهل.
إذن نقول: كبر من حين أن تهوي، واحرص على أن ينتهي قبل أن تصل إلى الركوع، ولكن لو وصلت إلى الركوع قبل أن تنتهي فلا حرج عليك، والقول بأن الصلاة تفسد بذلك قول ضعيف ولا يمكن العمل به.
قال (ثم يركع مكبرًا) ولا يمكن العمل به إلا بمشقة.
(ثم يركع مكبرًا، رافعًا يديه) رافعًا يديه إلى حذو منكبيه، أو إلى فُرُع أذنيه كما سبق عند تكبيرة الإحرام.
ويرفع يديه إذا أراد أن يركع، ثم يضعهما على ركبتيه.
ودليل ذلك: حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه إذا كبر للركوع (9)، والحديث ثابت في الصحيحين وغيرهما.

يقول: (رافعًا يديه، ويضعهما على ركبيته) سبق لنا بحث في هذه المسألة، وهو إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يرفعهما إلى الفروع أو إلى المنكبين فماذا يصنع؟ طلبة: المستطاع.
الشيخ: يرفعهما بقدر المستطاع، وإذا كان لا يستطيع أن يرفعهما إلا فوق، مثل أن تكون يداه ما تتعكف، ممدودة، نقول: يرفع ولو زاد؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].
قال: (ويضعهما على ركبتيه) يضعهما: أي اليدين.
والمراد باليدين هنا؟ طالب: الكفان.
الشيخ: المراد الكفان؛ لأننا هو سبق لنا قاعدة: أن اليد إذا أطلقت فهي الكف.
صح؟ طالب: نعم.
الشيخ: تليها قاعدة؛ أن الله لما أراد ما خرج عن الكف بين في قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6]، ولهذا يقطع السارق من مفصل الكف؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]، ولا يقطع من المرفق؛ لأنه لو أراد ذلك لقيده.
طالب: شيخ، القراءات هذه (... ) هل هذه من قراءة مصحف.. ؟ الشيخ: إي نعم، كل القراءات السبعية هذه كلها من مصحف عثمان.
طالب: طيب، أيش معنى هذه الأول، لغات يعني؟ الشيخ: ما نعرف هذه اللغات ماتت، لما اقتصر الناس على المصحف هذا، على لغة قريش، ماتت اللغات الأخرى، ما نعلمها.
طالب: هذه يعني يقرؤها الرسول صلى الله عليه وسلم؟ الشيخ: إي، لا، ما هو بالرسول قرأ بها، لكن هم رخص لهم في ذلك، رخص لهم، فالآن مثلًا اللهجات تجد فرقًا بين لهجة القصيم مثلًا ولهجة الرياض ولهجة الحجاز وما أشبه ذلك.
طالب: شيخ (... ) بعدما يقرأ الفاتحة؟ الشيخ: كلا.
الطالب: (... ). الشيخ: لا، أطول شويه، علشان يبدأ المأموم بالقراءة.
نعم.
طالب: وضع اليد اليمنى على اليسرى للمرأة، اختلاف بين بعض الطلبة بينهم (... ) والرحمة.
الشيخ: إحنا ذكرنا أنه إما وضع أو قبض.
طالب: (... ) على القبض (... ) قبض (... ). الشيخ: أيش لون؟

طالب: ممكن يقول: يحط إصبعين (... ) ويحط الباقي ذلك، ومنهم يقول (... ) أو (... ). الشيخ: القبض كذا، إحنا ذكرنا، وقلت لكم، قبض عادي، إي نعم.
أما هذه ذكر بعض العلماء أنه لما وردت الأحاديث بالقبض والوضع قال: نجمع بينهما بالفعل، ونخلي خنصر وإبهام (... ) على فوق، علشان يجمع بينهما، لكن ما هو بصحيح هذا، بل هما هيئتان مستقلتان.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، أقول: إذا فرغ المأموم من التشهد الأول قبل أن يقوم الإمام، هل يعيد أو يصبر.
الشيخ: بيجينا إن شاء الله.
طالب: لا؛ لأنه (... ) يا شيخ هذا والله.
الشيخ: نعم؟ طالب: إذا صلى إمام بطلبة علم وقرأ بقراءة أخرى، لكن هم ما عندهم علم بالقراءات؟ الشيخ: وأيش تقولون في هذا؟ يعني صلى إمام بطلبة علم لكن ما عندهم علم بالقراءات؟ طلبة: يبين، يعلمهم.
الشيخ: إي ما يخالف، يعلمهم قبل ولا عقب؟ طالب: قبل.
الشيخ: قبل أحسن؛ لأنه إذا قرأ بالقراءة اللي ما يعرفونها يشوش عليهم في صلاتهم، يمكن يردون عليه، ويمكن لو هابوه لعلمه، نعم، يصير في قلوبهم شك، فالأحسن يقول لهم مثلًا قبل.
طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، وردت بعض الروايات: كان يكبِّر حين يسجد (10)، ما هو الدليل؟ الشيخ: ما وصلنا للسجود، جزاك الله خيرًا.
طالب: لا، بس موضع التكبير بس.
الشيخ: إي، التكبير في الانتقال.
طالب: لا، الرواية هذه حين يسجد.
الشيخ: تبقى تجيئنا إن شاء الله في السجود.
طالب: شيخ، بالنسبة للسكتة بعد الفاتحة، بعضهم يقول: ينبغي للإمام أنه ما يسكت.
الشيخ: إي نعم.
طالب: حتى السكتة الصغيرة هذه؛ لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: هؤلاء الذين لم يصححوا حديث سمرة قالوا: لا يسكت، ولكن لا شك أن الصحيح السكوت: أولًا: لأن الحديث كما قال ابن حجر ثابت، وحسنه بعضهم، ما هو صحيح أنه واصل إلى درجة الحسن بلا شك.

والشيء الثاني: أنه من القاعدة الشرعية: التفريق بين الفرض والنفل، وقراءة الفاتحة ركن، وما بعدها نفل، فلو واصلت لم يتضح الفرض.
طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا يا شيخ.
لو قال قائل: إن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم الزلزلة في الركعتين؛ لعله كان مسافرًا، وإذا كان الإنسان مسافرًا يقرأ من قصار قصد.
الشيخ: ما يخالف، لا، هو ما هو بالمشكلة أنه قرأ قصير، المشكلة أنه كررها، هل هو نسيان أو تشريع؟ أما مسألة التقصير لا.
نعم.
طالب: يقال: إنه (... ). الشيخ: أيش؟ طالب: وضع اليدين على الركبتين نسف وضعًا آخر ثابتًا.
الشيخ: إي نعم، صحيح.
طالب: (... ). الشيخ: ما وصلناه.
طالب: شيخ، بعض الأئمة حريصون على تطبيق هذه السنة في المغرب، يحبون يقرأون بسورة الأعراف، بعضهم يعني يخبر المأموين أو يكتب لوحة على الباب بأننا سنقرأ اليوم الأعراف، علشان ما يشق عليهم.. الشيخ: سمعتم سؤاله؟ طالب: لا ما سمعنا.
الشيخ: يقول: بعض الأئمة يحب أن يفعل السنة في قراءة الأعراف، فيكتب على الباب: إننا الليلة سنقرأ في سورة الأعراف، أو يخبرهم مثلًا، فهل هذا مشروع أو غير مشروع أنه يخبرهم؟ طلبة: (... ). الشيخ: هو لا شك أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما أخبر الصحابة فيما يظهر، لكن بعض الناس اجتهد قال: لأني أخشى أن يكون من الناس من له حاجة، والنبي عليه الصلاة والسلام أمر بمراعاة ذوي الحاجات بأن نقصر الصلاة؛ يجيء واحد مثلًا عنده شغل؛ إما مواعد أحدًا، إما ضيوف عنده، إذا قرأنا سورة الأعراف يمكن يؤذن الأخير ما خلصنا، وربما أنه يقطع الصلاة.
لكن قد يقول قائل: نعم، له أن يقطع الصلاة، ولا مانع؟ طلبة: (... ). الشيخ: ما يعرف الحكم؟ هذه مشكلة.
طلبة: بعضهم ما يعرف يقرأ.
طالب آخر: فيه حل يا شيخ.
(... ). الشيخ: لا أدري، اللي وده يطبق السنة..

طالب: اللي وده يطبق السنة، ما يطبقه بالمسجد العام الذي يأتي كل أحد، (... )، أنا أذكر أني سألتك السؤال يا شيخ هذا، (... ) طلبة علم، لا يصلي (... ). الشيخ: لا، هو يرى أن السنة أن يفعل الإنسان في مسجده الذي يصلي فيه.
طالب: إذا علم الناس السنة يجهلون هذا (... ). الشيخ: لكن هي ما هي السنة راتبة، يمكن الرسول فعلها مرة واحدة.
طالب: شيخ (... ). الشيخ: نعم.
طالب: ما أظن الحل يا شيخ، ما أظن (... ). الشيخ: نعم.
لا قلنا.
أنا أرى أنه ما يكتب، لكن مهما قال لك ربما نقول: إذا علمنا أن الناس اختلفت أحوالهم، وأنهم لهم علاقات بعد المغرب، ألا تكلف عليهم.
نعم إذا كنتم محصورين، في جماعة مثلًا، في المسجد معروف جماعتنا، ويعرفون السنة، وقرأت بهم؛ لأنه بعد حتى قلنا له أن ينفصل أو ينفرد، فقالوا: ربما لا يعلم جواز الانفراد.
طالب: (... ) إذا قام ساكتًا حتى يعني جلس جلسة الاستراحة، ثم بعد جلسة الاستراحة يكبر ويقوم.
الشيخ: لا، أنا أرى إذا كان الإمام يرى جلسة الاستراحة أنه من يوم يرفع من السجود يكبر علشان يشوفه المأمومون ويجلسون؛ لأن السنة إذا كان الإمام يجلس استراحة أن تجلس.
طالب: طيب، هم يقومون من قبل إذا كبر وجلس للاستراحة (... ). الشيخ: إذا خاف من هذا، يعني مثلًا بأن كان ما هي معروفة من حالة الإمام، ربما نقول: لا تكبر إلا إذا قمت.
طالب: بعد أن قام للاستراحة؟ الشيخ: نعم.
الشيخ: قال (ويضعهما على ركبتيه) ويضعهما: يعني اليدين (على ركبتيه مفرجتي الأصابع).
قوله: (يضعهما على ركبتيه) هذا هو السنة، وهي السنة الأخيرة، وقد كانت السنة قبل ذلك التطبيق، وهو أن يضع الإنسان بطن كفه على كفه الأخرى، ثم يضعهما بين ركبتيه، أو بين فخذيه، وهذا كان في أول الإسلام، ثم بعد ذلك نسخ، وقد كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يعمل بذلك؛ لأنه لم يبلغه الناسخ، ولكنه قد ثبت في صحيح مسلم وغيره أن ذلك كان في أول الأمر ثم نسخ.

وعلى هذا فيضع الكفين على الركبتين معتمدًا عليهما، ليس مجرد لمس، بل يعتمد، وتكون مفرجتي الأصابع، يعني لا مضمومة هكذا، بل مفرجة هكذا، كأنه قابض ركبتيه، كما جاءت بذلك السنة.
وقوله: (مستويًا ظهره) الاستواء يشمل استواء الظهر في المد، واستواءه في العلو والنزول، يعني فليس يقوس ظهره ولا يستره حتى ينزل وسطه، وليس أيضًا ينزل مقدم الظهر حتى يكون كالذي يريد أن يصل إلى الأرض بوجهه، بل كان ظهره مستويًا، وقد جاءت بذلك السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قالت عائشة رضي الله عنها: كان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه -لم يشخصه: يعني لم يرفعه، ولم يصوبه: يعني لم ينزله- ولكن بين ذلك (11). وجاء كذلك فيما رواه الإمام أحمد: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسوي ظهره (12). وجاء عنه أيضًا أنه كان يسويه حتى لو صب عليه الماء لاستقر (12). وهذا يدل على كمال التسوية.
هذا بالنسبة للظهر: فيكون الظهر والرأس سواءً، ويكون الظهر ممدودًا مستويًا، أما بالنسبة لليدين فعرفتم أنهما توضَعان على الركب مفرجتي الأصابع.
وينبغي كذلك أيضًا أن يفرج في يديه، فيفرجهما عن جنبيه، ولكن هذا مشروط بما إذا لم يكن فيه أذية، فإن كان فيه أذية لمن كان إلى جانبه، فإنه لا ينبغي للإنسان أن يفعل سنة يؤذي بها غيره؛ لأن الأذية فيها تشويش على المصلي إلى جنبك، وتلبيس عليه، ثم إنه يخشى أن يكون ذلك داخلًا في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 58] فإن هذا يشمل الأذى القولي والفعلي.
على كل حال يفرج عضديه عن جنبيه ما لم يؤذ جاره، فإن آذاه فلا ينتهك حرمة المسلم من أجل فعل سنة.
قال: (مفرجتي الأصابع مستويًا ظهره) والواجب من هذا أن ينحني بحيث يكون إلى الركوع التام أقرب منه إلى الوقوف التام، يعني بحيث يعرف أن هذا الرجل راكع.

وقيل: الواجب أن ينحني بحيث يمكن من كان وسطًا أن يمس ركبتيه بيديه، وهذا هو المشهور من المذهب، أنه ينحني بحيث يمكن أن يمس ركبتيه بيديه إذا كان وسطًا، يعني إذا كانت يداه ليستا طويلتين ولا قصيرتين.
لكن القول الأول أظهر، وهو أن يكون إلى الركوع التام أقرب منه إلى الوقوف التام، بحيث يعرف من يراه أنه قد حنى ظهره.
يقول: (ويقول: سبحان ربي العظيم)، يقول متى؟ طالب: في الركوع.
الشيخ: يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم.
وسبحان: اسم مصدر منصوب على المفعولية المطلقة دائمًا، محذوف العامل دائمًا أيضًا.
ومعنى التسبيح: التنزيه.
والذي ينزه الله عنه أمران: أحدهما: النقص المطلق.
والثاني: النقص في كماله.
والثالث، وقد يكون من الثاني: مشابهة المخلوقين.
فهذه ثلاثة أشياء ينزه الله عنها: النقص المطلق، والثاني؟ طلبة: النقص في الكمال.
الشيخ: النقص في الكمال.
والثالث؟ طلبة: مشابهة المخلوقين.
الشيخ: مشابهة المخلوقين.
أما الأول فينزه عز وجل عن الجهل والعجز والضعف والموت والنوم وما أشبه ذلك.
وأما الثاني فينزه عن التعب فيما يفعله؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: 38].
فالقدرة والخلق لا شك أنه كمال، لكن قد يعتريها النقص بالنسبة للمخلوق، فالمخلوق قد يصنع بابًا، قد يصنع قِدرًا، قد يبني بناءً، ولكن مع التعب والإعياء، فيكون هذا نقصًا في أيش؟ في الكمال.
أما الرب عز وجل فإنه لا يلحقه تعب ولا إعياء، حتى مع هذه المخلوقات العظيمة، السماوات والأرض، وفي هذه المدة الوجيزة، ومع ذلك ما مسه تعب ولا إعياء.
الثالث: مشابهة المخلوقين، فإن مشابهة المخلوقين نقص؛ لأن إلحاق الكامل بالناقص يجعله ناقصًا، بل مقارنة الكامل بالناقص يجعله ناقصًا، كما قيل: أَلَمْ تَرَ أَنَّ السَّيْفَ يَنْقُصُ قَدْرُهُ

إِذَا قِيلَ: إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَ الْعَصَا

لأنك لو قلت: والله عندي سيف حديد قوي أمضى من العصا، ماذا يفهم الناس من هذا السيف؟ طلبة: أنه ناقص.
الشيخ: أنه ضعيف.
إذا قلت: إنه أمضى من العصا معناه أنه ليس بشيء.
فعلى كل حال: الذي ينزه الله عنه هذه الأمور الثلاثة: النقص المطلق، والنقص في الكمال، ومشابهة المخلوقين.
وقوله (ربي العظيم): العظيم في ذاته وصفاته، فإنه سبحانه وتعالى في ذاته أعظم من كل شيء، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: 104]، طي السجل للكتب سهل جدًّا، إذا كتب الإنسان وثيقة وطواها فهي عنده سهلة، وقال عز وجل: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: 67]، وما السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في كف أحدنا (13). وأما عظم صفاته فلا تسأل عنها، ما من صفة من صفاته إلا وهي عظمى؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: 60].
إذن أنت تنزه الله سبحانه وتعالى وتصفه بعد تنزيهه بأمرين كماليين كاملين وهما: الربوبية والعظمة، فيجتمع من هذا الذكر التنزيه والتعظيم.
والتنزيه والتعظيم باللسان تعظيم قولي، وبالركوع تعظيم فعلي، فيكون الركوع جامعًا بين التعظيمين القولي والفعلي، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَلَا وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ» (14).

ومقام تعظيم الغير مقام ذل للمعظم، ولهذا لما كان القرآن أشرف الذكر لم يناسب أن يقرأه الإنسان وهو في هذا الانحناء والخضوع، بل يُقرأ في حال القيام، والقيام أكمل حالًا من الركوع من حيث الهيئة، وإن كان الركوع لا شك أن الذل لله عز وجل.
قال: (يقول: سبحان ربي العظيم) ولم يذكر المؤلف كم يقول ذلك، نعم، ولكن سيأتينا إن شاء الله تعالى في ذكرٍ لواجبات الصلاة أن الواجب مرة، وما زاد فهو سنة.
وقول المؤلف (يقول: سبحان ربي العظيم) ظاهره أنه لا يزيد عليها شيئًا، فلا يقول: وبحمده، وهذا هو المشهور من المذهب، وهو أن الاقتصار على قول: (سبحان ربي العظيم) أفضل من أن يزيد قوله: (وبحمده).
ولكن الصحيح أن المشروع أن يقول أحيانًا: (وبحمده)؛ لأن ذلك قد جاءت به السنة، وقد نص الإمام أحمد رحمه الله أنه يقول هذا وهذا؛ لورود السنة به، فيقتصر أحيانًا على (سبحان ربي العظيم) وأحيانًا يزيد: (وبحمده).
وظاهر كلامه أيضًا: أنه لا يقول ما صح به الحديث عن عائشة رضي الله عنها؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» (15)، ولكن السنة قول ذلك، وأن يقول الإنسان هذا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوله: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي».
وكذلك أيظًا ظاهر كلام المؤلف أنه لا يقول: «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ» (16)، ولكن السنة قد جاءت به وصحت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فعلى هذا يزيد: سبوح قدوس رب الملائكة والروح.
ولكن هل يقول هذه الزيادة الأخيرة دائمًا بالإضافة إلى (سبحان ربي العظيم) و (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك) أو أحيانًا؟

هذا محل احتمال، وقد سبق لنا أن الاستفتاحات الواردة لا تقال جميعًا، إنما يقال بعضها أحيانًا وبعضها أحيانًا، لكن أذكار الركوع المعروف عند عامة العلماء أنها تذكر جميعًا.
قال: (ويقول: سبحان ربي العظيم، ثم يرفع رأسه) ثم يرفع رأسه فقط الرأس؟ طلبة: (... ). الشيخ: والظهر.
طلبة: (... ). الشيخ: يرفع رأسه وظهره، نعم؛ لأن المؤلف قال: (ثم يركع)، والركوع هو انحناء الظهر، لكن مراده يرفع رأسه وظهره بلا شك.
(يرفع رأسه ويديه قائلًا إمام ومنفرد) إلى آخره.
(يرفع رأسه ويديه) الرفع من الركوع ركن، ولا بد منه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاته: «ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ قَائِمًا» (17). وأما رفع اليدين فإنه سنة، إن فعله الإنسان فهو أفضل، وإن تركه فصلاته صحيحة، هذا هو الذي عليه عامة أهل العلم.
والرفع هنا سنة ثبتت بحديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين وغيرهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه إذا كبر للركوع وإذا رفع من الركوع، إذا قال: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» (18). قال: (قائلًا إمام ومنفرد).
(قائلًا): حال من؟ طالب: فاعل يرفع.
الشيخ: حال من فاعل يرفع.
إذن فيكون القول في حال الرفع، ويكون هذا الذكر (سمع الله لمن حمده) من أذكار الرفع، فلا يقال قبل الرفع ولا يؤخر لما بعده.
ويقال في هذا ما قيل في التكبير؛ فمن العلماء من قال: يجب أن يكون قوله: (سمع الله لمن حمده) ما بين النهوض إلى الاعتدال، فإن قاله قبل أن ينهض أو أخر بعضه أو كله حتى اعتدل فإن صلاته لا تصح، لكن سبق لنا أن الأمر في هذا واسع، وأنه لا ينبغي إلحاق الناس الحرج في هذا الأمر.

(قائلًا إمام ومنفرد: سمع الله لمن حمده)، (سمع) من المعروف أنها تتعدى بنفسها، كما قال الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: 1]، وهنا تعدت باللام، ولا يمكن أن نقول: إن تعديتها باللام من أجل ضعف العامل؛ لأن العامل هنا فعل، وهو الأصل في العمل، ولكن نقول: تعدت باللام لأنها ضمنت معنى فعل يعدى باللام، يعني (سمع) هنا ضمنت معنى فعل يعدى باللام، ما هو أقرب فعل يتناسب مع هذا الفعل؟ طلبة: استجاب.
الشيخ: استجاب.
قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: 195]. وعلى هذا فمعنى (يستمع) أي: استجاب.
وهذا هو المراد بدلالة اللفظ ودلالة المقام.
أما دلالة اللفظ فهو تعدي الفعل بأيش؟ طلبة: باللام.
الشيخ: وأما دلالة المقام فلأن مجرد السمع لا يستفيد منه الحامد، إنما يستفيد الحامد بماذا؟ بالاستجابة، أما مجرد السمع فإن الله يسمع من حمده ومن لم يحمده، ولكن الذي يستفيد منه هو الاستجابة.
وعلى هذا فيكون الفعل هنا مضمنًا معنى (استجاب)، نقول ذلك بدلالة لفظية ودلالة حالية أو مقامية؟ اللفظية: ما هي؟ طلبة: تعديه.
الشيخ: تعديه باللام، والحالية أو المقامية إذا شئت هو أنه لا يستفيد الإنسان من سمع الله المجرد، بل لا يستفيد إلا من استجابته.
وقوله: (سمع الله لمن حمده) سبق لنا أن الحمد هو وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، ولكن قد يقول قائل: كيف تقولون: إن (سمع) بمعنى (استجاب)، وهنا ليس فيه دعاء؟ والجواب على ذلك أن نقول: إن من حمد الله فإنه قد دعا ربه بلسان الحال؛ لأن الذي يحمد الله ويش يرجو؟ طلبة: الثواب.
الشيخ: يرجو الثواب، فإذا كان يرجو الثواب فإن الثناء على الله بالحمد والذكر والتكبير مثلًا متضمن للدعاء؛ لأنه لم يحمد الله إلا رجاء الثواب.

فإذن نقول: (سمع الله لمن حمده)، كيف تقول: إن معناها استجاب؟ فنقول: لأن الحامد إنما حمد الله رجاءً لثوابه، فيكون (استجاب) مناسبًا تمامًا لذلك.
قال: (سمع الله لمن حمده) لا بد أن يكون بهذا اللفظ، فلو قال: استجاب الله لمن أثنى عليه، فهل يصح؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأن هذا ذكر واجب، فيقتصر فيه على الوارد، ولا بد أن يكون على هذا الترتيب: (سمع الله لمن حمده)، فلو قال: (الله سمع لمن حمده) لم يصح، ولو قال: (لمن حمده سمع الله) لم يصح أيضًا، لا بد من الترتيب؛ لأنها السنة وردت هكذا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (19)، ولأنه ذِكر واجب، فوجب الاقتصار فيه على الوارد.
قال: (وبعد قيامهما) الضمير يعود على الإمام والمنفرد.
(بعد قيامهما) يقولان: (ربنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد).
يقول: (ربنا ولك الحمد) ولم يذكر المؤلف غير هذه الصيغة، فهل هذا يقتضي أن تكون هي الواجبة؟ يحتمل أن يكون هكذا، ويحتمل أن المؤلف اقتصر على هذه الصيغة طلبًا للاختصار.
وعلى كل فهذه الصيغة فيها أربع صفات: الصفة الأولى: ربنا ولك الحمد.
والصفة الثانية: ربنا لك الحمد.
والصفة الثالثة: اللهم ربنا لك الحمد.
والصفة الرابعة: اللهم ربنا ولك الحمد.
وكل واحدة من هذه الصفات مجزِئة، ولكن الأفضل أن يقول هذا أحيانًا وهذا أحيانًا على القاعدة التي قررناها فيما سبق؛ من أن العبادات الواردة على وجوه متنوعة الأفضل فيها فعلها على هذه الوجوه، وذكرنا أن في ذلك ثلاث فوائد: طالب: الفائدة الأولى: نحافظ على الشكل.
الشيخ: نحافظ على السنة، يعني إحياء كل من السنن.
طالب: اتباع السنة.
الشيخ: اتباع السنة.
الطالب: حضور القلب.

الشيخ: حضور القلب؛ لأن الإنسان إذا صار مستمرًّا على صيغة واحدة صارت كأنها أتوماتيكية، يقولها ولا يشعر، فإذا كان منتبهًا يغير يقول هذا أحيانًا وهذا أحيانًا صار ذلك أدعى لحضور القلب؟ طالب: إبعاد الملل الذي.. الشيخ: نعم، دفع الملل عن الإنسان، وهذا في العبادات؟ طالب: المتنوعة.
الشيخ: المتنوعة، قد يكون في غير هذا الموضع أيضًا.
نعم.
طالب: سؤال يا شيخ، السؤال الثاني.
الشيخ: سؤال، طيب.
طالب: شيخ، نقل بعض الأقوال عندنا فتوى عند من ذكر هذه الأذكار جملة ذكروا أكثر من الأذكار هذه في أحد أركانه، في الصلاة.
الشيخ: أيش، أن من؟ طالب: من ذكر هذه الأذكار المتنوعة في موضع واحد فقط أنها بدعة، وصور لذلك مثل الأذكار الصباح والمساء.
الشيخ: نعم، أن من ذكرها في موضع واحد؟ طالب: نعم.
الشيخ: يعني من جمعها قصدك.
طالب: نعم، الأذكار المتنوعة جمعها كلها في موضع واحد.
الشيخ: أما إذا كانت كل واحدة بدلًا عن الأخرى فهذا لا شك أنها بدعة، يعني لو قال الإنسان: ربنا ولك الحمد، اللهم ربنا لك الحمد، اللهم ربنا ولك الحمد، ربنا لك الحمد، قلنا: هذا بدعة.
طالب: يقاس عليها؟ الشيخ: لكن إذا جمعها وهي مختلفة، ما هي من نوع الواحد، فلا يظهر أنها بدعة؛ ولهذا نقول في أذكار الصلوات: تجمع بينها، أذكار الصباح والمساء كذلك.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، استمرار وضع اليد على الركبة هل هو شرط في الركوع أم لا؟ الشيخ: لا، ما هو شرط.
طالب: بعض الأئمة يا شيخ يرفعون من الركوع ولا يقولون: (سمع الله لمن حمده) إلا وهو قائم، في هذه الحال يأتي مسبوق ويركع، وهو رافع من الركوع، فهل يصح أم لا يصح؟ تجزئه الركعة هذه اللي أدركها مع الإمام قبل أن يقول: سمع الله لمن حمده؟

الشيخ: سمعتم السؤال؟ يقول: إن بعض الأئمة لا يقولون: سمع الله لمن حمده إلا بعد قيامهم، ثم يأتي شخص فيركع والإمام قد رفع، فهل يعتد بهذه الركعة؛ لأنه ركع قبل أن يقول الإمام: سمع الله لمن حمده، أو لا يعتد بها؛ لأن الإمام رفع من الركوع؟ طالب: لا يعتد.
الشيخ: الجواب، لا يعتد بها، لا يعتد بها لا شك، لكن هذا من جهل الأئمة، وقد مر علينا أن بعضهم يقول: أنا أؤخر التكبير أو التسميع لئلا يسبقني المأمومون، وسبق لنا بيان خطأ هذا الشخص، وهذا الذي ذكرت أيضًا فيه خطأ آخر وهو أن بعض المسبوقين يعتد بهذه الركعة مع أنها لا تجزئه.
إي نعم.
طالب: شيخ، المأموم إذا قال: سمع الله لمن حمده، فهل تبطل صلاته؟ الشيخ: إي بيجينا إن شاء الله.
طالب: شيخ، عبد الله بن مسعود يا شيخ كان بيطبق في الركوع، هل بلغه النسخ عن الرسول صلى الله عليه وسلم؟ الشيخ: لم يبلغه، اللهم ما بلغه، قطعًا لو بلغه ما بقي هكذا.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، قلنا: إن الثناء هو الدعاء (... ) استجاب سمع الله لمن حمده.
الشيخ: الثناء متضمن للدعاء.
طالب: متضمن للدعاء.
الشيخ: نعم.
طالب: لكن هو يقول: سمع الله لمن حمده، ولم يقل: اللهم لك الحمد، يعني: لم يحمد الله، قال: لمن حمده.
الشيخ: نعم، صح.
طالب: وين الحمد؟ الشيخ: يعني كل من حمد الله فالله يستجيب له.
طالب: يعني هو لا يخبر عن نفسه.
الشيخ: لا، ما هو بيخبر عن نفسه، ما قال: سمع الله لي، يخبر بأن الله سبحانه وتعالى لفضله وكرمه كل من حمده استجاب له.


طالب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: ومأموم في رفعه: ربنا ولك الحمد فقط، ثم يخر مكبرًا ساجدًا على سبعة أعضاء: رجليه ثم ركبتيه ثم يديه ثم جبهته مع أنفه، ولو مع حائل ليس من أعضاء سجوده.
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومأموم في رفعه: ربنا ولك الحمد فقط).
قال: (سمع الله لمن حمده) معنى سمع يعني استجاب، كما فهمتم، والحمد هو الثناء، أو بل الحمد وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم.
فيقال: حمد الشيء أو حمد فلانًا يعني وصفه بصفات الكمال مع محبته وتعظيمه، وأنه ذو احترام في قلبه.
قال ابن القيم: وبهذا يعرف الفرق بين الحمد والمدح؛ فإن المدح وصف الممدوح بالكمال أو بالصفات الحميدة، لكن لا يلزم منه أن يكون محبًّا معظمًا، قد يمدحه من أجل أن ينال غرضًا له، قد يمدحه من أجل أن يتقي شره، لكن الحمد لا يكون إلا مع محبة وتعظيم.
وبهذا نعرف قوة سر اللغة العربية؛ حيث إن الحروف واحدة هنا: حمد ومدح، الحروف فيها واحدة، لكن إذا اختلف ترتيب الحروف اختلف المعنى، فمدح مقلوب؟ طلبة: حمد.
الشيخ: مقلوب حمد، يعني: مختلف في الترتيب، وإن كان ليس مقلوبًا من كل وجه، لكن لما اختلف ترتيب الحروف اختلف المعنى.
المهم أن الحمد هو وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، وأما من عرّف الحمد بأنه الثناء بالجميل الاختياري فهذا قاصر: أولًا: لأن الثناء أخص من المدح؛ لأن الثناء هو مدح مكرر، كما جاء في الحديث الصحيح أن الإنسان إذا قال: «﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله: حَمِدَنِي عَبْدِي، فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي» (20)، ففرق الله سبحانه وتعالى بين الحمد والثناء.
ثانيًا: أنه الجميل الاختياري يخرج الحمد على كمال الصفات اللازمة التي لا تتعدى كالعظمة والكبرياء وما أشبه ذلك، والله تعالى محمود على صفات الكمال اللازمة وصفات الكمال المتعدية، فهو محمود على كماله، ومحمود على إحسانه سبحانه وتعالى.

قال: (ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد) (ملء) هذه صفة لموصوف محذوف، والتقدير: حمدًا ملء.
و (حمدًا) هذه المحذوفة منصوبة على المصدر، والعامل فيها المصدر في قوله: (ربنا ولك الحمد).
وقوله: (ملء السماء وملء الأرض) هكذا قال المؤلف بلفظ الإفراد، وأكثر الروايات الواردة في هذا بلفظ الجمع: «مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ» (21). هذا أكثر الروايات الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية لمسلم: «مِلْءَ السَّمَاءِ» (22)، لكن أكثر الروايات بالجمع.
(وملء الأرض): جاء بها مفردة؛ لأن هذا هو التعبير القرآني، فالله سبحانه وتعالى في القرآن يعبر عن الأرض بالإفراد وعن السماوات بالجمع.
وقوله (ملء السماوات وملء الأرض) ما معنى قوله: (ملء)؟ قال بعض أهل العلم: معناه أنه لو كان الحمد أجسامًا لملأ السماء وملأ الأرض، فيكون ملأها بالحجم، يعني لو قدر أن هذا الحمد أجسام لملأ السماء والأرض، ولكن الصحيح خلاف ذلك وأن معنى قوله: (ملء السماء) هو أن الله سبحانه وتعالى محمود على كل مخلوق، وعلى كل فعل يفعله، فكل فعل يفعله وكل مخلوق يخلقه فإن الله تعالى يستحق عليه الحمد.
ومعلوم أن السماوات والأرض بما فيها كلها من خلق الله، فيكون الحمد حينئذ مالئًا للسماوات والأرض؛ لأن المخلوقات تملأ السماوات والأرض، وهذا أولى؛ لأن الإنسان يستحضر به أن الله محمود على كل فعل فعله وعلى كل خلق خلقه.
أما أن يقدر أنه أجسام متراكمة فهذه أيضًا تختلف؛ لأن الأجسام قد تكون صغيرة وقد تكون كبيرة، ومعلوم الفرق بين ما ملئ بأجسام صغيرة وما ملئ بأجسام كبيرة؛ لأن ما ملئ بأجسام كبيرة في الغالب يكون فيه فراغات، وقدر ذلك بصاع من الأقط المقروص، الذي جعل كالقرصان، ومن صاع من الرز، تجد الفراغات الكثيرة في الأول دون الثاني.

فالمهم أن القول الصحيح في هذه المسألة: أن الله تعالى يحمَد على كل ما في السماوات وما في الأرض من مخلوقاته، وعلى كل فعل فعله سبحانه وتعالى.
وقوله: (ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد).
هل يشاء الله من شيء بعد؟ الجواب: نعم؛ لأن السماوات والأرض تطوى وتزول، ثم تأتي الجنة والنار، فهو أعم من بقاء السماء والأرض.
ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد مما لا يعلمه إلا الله.
في بعض روايات مسلم: «وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا» (23)، وهذا نص على ما بينهما، ولو حذفت لكان قوله: «مِلْءَ السَّماوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ» مغنيًا عنها، ولهذا يذكر الله تعالى أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ويذكر أحيانًا أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام.
(ملء السماء، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد) من يقول هذا؟ يقوله الإمام والمنفرد؛ لقول المؤلف: (ومأموم في رفعه: ربنا ولك الحمد فقط).
قال (ومأموم) يعني أن المأموم يقول في رفعه، في حال الرفع: ربنا ولك الحمد.
أما الإمام والمنفرد فيقول في رفعه: سمع الله لمن حمده.
إذن المأموم يقول في رفعه: ربنا ولك الحمد.
قال: (فقط): هذه بمعنى: فحسْب، يعني لا يزيد على ذلك، فيقتصر على هذا ويقف ساكتًا.
الدليل: قوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» (24).

ولكن عند التأمل نجد أن هذا القول ضعيف، وأن المأموم ينبغي أن يقول كما يقول الإمام والمنفرد، يعني يقول بعد رفعه: ربنا ولك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»، فجعل قول المأموم: (ربنا ولك الحمد) معادلًا لقول الإمام: (سمع الله لمن حمده).
والإمام يقول: (سمع الله لمن حمده) في حال الرفع، فيكون المأموم في حال الرفع يقول: ربنا ولك الحمد، أما بعد القيام فيقول: ملء السماوات إلى آخره؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (19). فهذا هو القول الراجح في هذه المسألة: أن المأموم يقول كما يقول الإمام والمنفرد بعد رفعهما، وعرفتم وجه الترجيح.
إذن يترجح بأمرين: الأمر الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل قول المأموم: (ربنا ولك الحمد) بإزاء قول الإمام؟ طلبة: سمع الله لمن حمده.
الشيخ: سمع الله لمن حمده.
وهذا حين الرفع.
الوجه الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (19)، فإن هذا يشمل المأموم كما يشمل الإمام والمنفرد.
وعلم من كلام المؤلف أن المأموم لا يقول: سمع الله لمن حمده.
وهو كذلك.
فإذا قال قائل: ما الجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»، وقد كان يقول: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»؟ فالجواب على هذا سهل وهو أن قوله: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» عام، وإذا قال: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» (25) هذا خاص، والخاص يقضي؟ طلبة: على العام.

الشيخ: على العام، فيكون المأموم مستثنًى من هذا العموم بالنسبة لقول: (سمع الله لمن حمده) فإنه يقول: (ربنا ولك الحمد) فقط.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا يزيد على هذا الذكر الواجب بعد القيام من الركوع.
ولكن الصحيح أنه يزيد ما جاءت به السنة، مثل: «أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» (26). وعلى هذا فالظاهر أن المؤلف حذف هذه الجملة اقتصارًا أو اختصارًا؟ طلبة: اختصار.. طلبة: اقتصار.. الشيخ: هو في الحقيقة فيه احتمال أن يكون اقتصارًا أو اختصارًا؛ إن كان اختصارًا فالمعنى أن المؤلف اقتصر على بعض الذكر الوارد، وإذا كان اقتصارًا فالمعنى أن المؤلف يرى ألا يقال سواه، يعني هو اقتصر على هذا.
ولكن الذي يظهر أنه اقتصار، أنه حذفها اقتصارًا؛ لأن المقام مقام ذكر، والذكر ينبغي أن يذكر كل ما ورد فيه، إلا أن يدعي مدعٍ أن المؤلف يرى أن هذا الكتاب مختصر، فاختصر.
على كل حال لا يهمنا ما أراده المؤلف، الذي يهمنا أن السنة أن يقول الإنسان ما ورد في هذا مما زاد على كلام المؤلف.
قال: (ومأموم في رفعه: ربنا ولك الحمد فقط) ولم يذكر المؤلف رحمه الله ماذا يصنع بيديه بعد الرفع من الركوع؟ هل يعيدهما على ما كانتا عليه قبل الركوع فيضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى، أو يرسلهما؟ فالمنصوص عن الإمام أحمد رحمه الله أن الإنسان يخير بين إرسالهما وبين وضع اليد اليمنى على ذراع اليسرى، وكأن الإمام أحمد رحمه الله رأى ذلك؛ لأنه ليس في السنة ما هو صريح في هذا، فقال: الإنسان مخير، وهذا كما يقول بعض العلماء في مثل هذه المسألة: الأمر في ذلك واسع؛ إن شاء أرسل، وإن شاء وضع.

ولكن الذي يظهر من السنة أن السنة هي وضع اليمنى على ذراع اليسرى؛ لعموم حديث سهل بن سعد الثابت في البخاري: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة (27). فإنك إذا أخذت بعموم هذا الحديث في الصلاة ولم يقل: في القيام، تبين لك أن القيام بعد الركوع يشرع فيه الوضع؛ لأن الصلاة اليدان فيها حال الركوع تكون على الركبتين، وفي حال السجود على الأرض، وفي حال الجلوس على الفخذين، وأيش بقي؟ طلبة: القيام.
الشيخ: حال القيام يشمل ما قبل الركوع وما بعد الركوع، فيضع الإنسان يده اليمنى على ذراعه اليسرى، وهذا هو الصحيح.
طالب: شيخ، لم يذكر المصنف قول المأموم: حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه (28). الشيخ: إي نعم، هذا أيضًا ما ذكره المؤلف، مع أنه قد ثبتت به السنة في إقرار الرسول عليه الصلاة والسلام للرجل الذي قال ذلك.
طالب: ما ورد في السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم.
طالب آخر: نسمع السؤال الأول يا شيخ.
الشيخ: السؤال يقول: ما ذكر: حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه.
إي نعم.
طالب: وهل جاء في السنة قول الصحابي حينما أقره النبي صلى الله عليه وسلم: كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك؟ الشيخ: لا أعرف هذا.
طالب: الذي تعرف (... ). الشيخ: إي، ما ذكر هذا.
طالب: شيخ، الإكثار من الحمد، يعني النبي صلى الله عليه وسلم كان يقف وقوفًا طويلًا، لا نقول يعني: إن الإنسان يحمد كما يشاء، ما جاءت به السنة وما لم تأت.
الشيخ: نعم.
يعني مثلًا إذا كان في صلاة تطال فيها الأركان.
طالب: مثل؟ الشيخ: مثل الركوع، والقيام بعده، والسجود، والجلوس، يكرر الحمد، أقول: يكرر الحمد.
طالب: هل يكرر ويأتي.. ؟ الشيخ: يأتي بالوارد ويكرر ما شاء، مثلًا يقول: لربي الحمد، اللهم لك الحمد، وما أشبه ذلك.

طالب: طيب، يا شيخ، فيه وجه (... ) أن المأمومين يقولون مثل الإمام، أنت قلت: النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي».
الشيخ: نعم.
طالب: فيه وجه يا شيخ، ما نقول: قاعدة: أن المأموم الأصل يفعل مثل الإمام إلا ما جاء الدليل بالتخصيص.
الشيخ: نعم، ما فيه شك، هذا هو الأصل، كل مصل؛ إمام أو مأموم أو منفرد ذكر أو أنثى، فيفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
طالب: أحسن الله إليك، هل يجوز أن يوصل الأذكار في قوله: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، ملء السماوات وملء الأرض؟ الشيخ: الظاهر أنه لا بأس به؛ لأن الأول بإقرار الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا بفعله، لكن كونه يبدأ بما جاءت به السنة الصريحة عن الرسول أحسن، إي نعم.
طالب: (... ) الحمد والشكر.
الشيخ: في هذه من الزيادات التي لا تنبغي.
طالب: هذا اللفظ.
الشيخ: لغة إي نعم؛ لأنه يقال: إن الألفاظ الواردة في الأذكار ينبغي المحافظة عليها.
نعم.
طالب: جزاك الله خيرًا، بالنسبة لإرسال اليدين بعد الركوع، لو شاهدنا رجلًا يرسل يديه هل نقول له: أنت خالفت السنة أو نقول: إن الأمر على السعة؟ الشيخ: أما على مذهب الإمام أحمد فالأمر على السعة، ما نقول له شيئًا، لا نقول: ضع ولا أرسل، لكن على ما رجحناه: ينبغي أن ندله؛ لأن بعض الناس قد يغتر بكلام بعض العلماء الذين أنكروا هذا إنكارًا عظيمًا، يعني أنكروا الوضع، وزعموا أنه بدعة، فيبين له؛ لأنه يخشى أن يعتقد أن الوضع بدعة، فيكون في هذا خطر عليه.
طالب: شيخ.
قد جاء في سنن الدارقطني من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: كنا إذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، قلنا: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد (29). فماذا يجاب عليه؟

الشيخ: يجاب بأن هذا اجتهاد منهم مخالف لأمر الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن الرسول قال: «إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» مع أن الإمام يقول: ربنا ولك الحمد بالاتفاق.
طالب: لكن هو يقول يا شيخ: كنا يعني إن صح.. الشيخ: إي، هذا مثل قول ابن مسعود رضي الله عنه: كنا نقول بعد موت الرسول: السلام على النبي، بدل قوله: السلام عليك أيها النبي (30). ولا شك أن هذا من فعل ابن مسعود رضي الله عنه، ليس عن جميع الصحابة؛ لأن عمر بن الخطاب خطب على المنبر؛ على منبر الرسول، وأمر بالتشهد، وقال: قولوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته (31). صريحة.


(... ) وآله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ثم يقرأ الفاتحة).
وسؤالنا الآن: ما حكم قراءة الفاتحة على ما ذهب إليه المؤلف؟ طالب: حكم قراءة الفاتحة واجب.
الشيخ: من أي نوع من أنواع الواجبات؟ الطالب: الواجب لازم على صاحبي الحال.
الشيخ: هذا تعريف الواجب.
طالب: الواجب الذي.. الشيخ: من أي أنواع الواجبات؟ طالب: شو أنواع الواجبات؟ الشيخ: لأن الواجبات لها أنواع، الواجبات في الصلاة التي يجب تحققها في الصلاة أنواع.
طالب: هذه من الأشياء التي يجب تحققها في الصلاة.
الشيخ: ما هذا يعني؟ نعم.
طالب: إنها ركن.
الشيخ: من الأركان؟ صح.
من الأركان.
يعني فيه واجب وركن وشرط، وكلها يصدق عليها اسم واجب، لكنها أنواع.
هي ركن من أركان الصلاة على كل مصلٍّ، على ما ذهب إليه المؤلف؟ طالب: لا.
على المنفرد والإمام، أما المأموم فلا.
الشيخ: إذن فيه ركن في حق الإمام والمنفرد، دون المأموم؟ كيف نستخرج هذا من كلام المؤلف؟ طالب: إي نعم.
لأنه قال: (ثم يقرأ الفاتحة) يتكلم عن الإمام.
الشيخ: لا.
طالب: لا؛ لقوله: (يقرأ به لزم غير مأموم إعادتها).
الشيخ: نعم.
نأخذه من قوله: (لزم غير مأموم)؟ طالب: (إعادتها).

الشيخ: (إعادتها)، وغير المأموم هو المنفرد؟ طالب: والإمام.
الشيخ: والإمام.
طيب.
ما هو الدليل على ركنية قراءة الفاتحة؟ طالب: قوله صلى الله عليه وسلم: إنه صلاة لم يقرأ فيها بالفاتحة فهي خداج.
الشيخ: «بِأُمِّ».
طالب: «بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خَدَاجٌ» (20). الشيخ: نعم خَدَاجٌ يعني فاسدة.
هذا حديث أبي هريرة.
حديث عبادة (32): «لَا صَلَاةَ».
طالب: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِ.. ». الشيخ: طيب.
لو قال قائل: هذا لنفي الكمال؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: 20]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المسيء في صلاته: «فَاقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» (17). طالب: نعم هو يقال: هذا مردود من وجهين.
الشيخ: نعم.
طالب: الأول: قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ» (32). الشيخ: نعم.
طالب: الثاني: أن النفي إذا أطلق فإنه يعني ينصرف إلى نفي الصحة، فإن لم يمكن حمله على ذلك على نفي الوجود (... ). الشيخ: لأنه قد يصلي بلا فاتحة.
طالب: فيحمل على نفي الصحة، ولا ينتقل عنه إلا بدليل.
الشيخ: هو يقول: عندي دليل: ﴿اقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ هذا في القرآن، «فَاقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» (17) هذا في السنة.
طالب: (... ). الشيخ: إي نعم.
طالب: نقول: إن الآية هذه والحديث هذا عام.
الشيخ: نعم.
طالب: وحديث عبادة بن الصامت يخصص الفاتحة فقط.
الشيخ: إي نعم، نجيب عنه بهذا، نجيب عنه بأن هذا عام وهذا خاص، ثم نقول أيضًا: ما أشار إليه «لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ» (32). وحديث أبي هريرة: «فَهِيَ خَدَاجٌ» (20)، يعني؟ طلبة: فاسدة.
الشيخ: فاسدة، الخداج: الشيء الفاسد.
ثم نقول أيضًا: في الغالب أن أيسر ما يكون من القرآن؟ طالب: الفاتحة.
الشيخ: الفاتحة عند المسلمين؛ لأنهم يقرأونها كثيرًا (... )


طالب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ثم يخر مكبرًا ساجدًا على سبعة أعضاء: رجليه، ثم ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته مع أنفه، ولو مع حائل ليس من أعضاء سجوده.
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ثم يخر مكبرًا).
قوله: (ثم) كلمة أو حرف عطف يفيد الترتيب والتراخي، ولم يبين المؤلف رحمه الله مقدار هذا التراخي، ولكنه قد دلت السنة من حديث البراء بن عازب وغيره على أن هذا القيام -أعني الاعتدال بعد الركوع- يكون بمقدار الركوع تقريبًا، فقد قال البراء بن عازب رضي الله عنه: رمقت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، أو قال: الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم، فوجدت قيامه وقعوده وركوعه وسجوده ما عدا القيام والجلوس -يعني في التشهد- قريبًا من السواء (33). وعلى هذا فالسنة الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام إطالة هذا الركن -أعني ما بين الركوع والسجود- خلافًا لمن كان يسرع فيهما، بل لمن كان لا يطمئن فيهما، كما نشاهده من بعض المصلين؛ من حين أن يرفع من الركوع يسجد، فالذي يفعل هذا -أي لا يطمئن بعد الركوع- صلاته باطلة؛ لأنه ترك ركنًا من أركان الصلاة، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا يصلي ولا يطمئن، فصلى الرجل ثلاث مرات وكلها يقول فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» (17).

والآفة التي جاءت المسلمين في هذا الركن -القيام بعد الركوع- وفي الركن الذي بين السجدتين يقول شيخ الإسلام: إن هذا جاء من بعض أمراء بني أمية؛ فإنهم كانوا لا يطيلون هذين الركنين، أي القيام بعد الركوع والجلوس بين السجدتين.
وتعرفون أن الناس على دين ملوكهم، فتلقى الناس عنهم التخفيف في هذين الركنين، فظن كثير من الناس أن ذلك هو السنة، فماتت السنة، حتى صار إظهارها من المنكر، أو يكاد يكون منكرًا، حتى إن الإنسان إذا أطال فيهما ظن الظان أنه قد نسي وأوهم.
المهم أن قول المؤلف: (ثم يخر): لم يبين مقدار المهلة أو التراخي ولكن نقول: دلت السنة على أنه أيش؟ بمقدار الركوع أو قريبًا منه.
وبناءً على ذلك فنحن نعلم جميعًا أنه في صلاة الكسوف يطال الركوع، أليس كذلك؟ طلبة: بلى.
الشيخ: يطال إطالة طويلة، فإذا رفع من الركوع -الركوع الثاني- فإنه أيضًا يطيل القيام نحوًا من الركوع، ولكن ماذا يقول؟ يكرر الحمد، إن كان يعرف ما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام في هذا المقام قاله، وإن كان لا يعرف كرر، والإنسان يستطيع أن يكرر الحمد مدة طويلة؛ لأن هذا الركن ذكره حمد، من حين ما يرفع الإنسان، يقول: سمع الله لمن حمده.
ثم يشرع في الحمد.
فهذا الركن إذن ركن حمد، فإذا كنت تعرف ما جاءت به السنة في هذا فذلك أفضل، وإذا لم تعرف فكرر الحمد، لو تقول: لربي الحمد، ربي ولك الحمد، وما أشبه ذلك من الكلمات كفى.
قال المؤلف: (ثم يخر مكبرًا ساجدًا) (يخر مكبرًا) حال من فاعل (يخر).
والحال الأصل فيها أنها مقارنة للفعل، فإذا قلت مثلًا: جاء زيد راكبًا.
فمتى ركوبه؟ حين مجيئه.
(خر مكبرًا): متى تكبيره؟ حين خروره.

وهو كذلك؛ فإن محل التكبير هو الخرور من القيام إلى السجود، وكذلك جميع تكبيرات الانتقال محلها ما بين الركن الذي انتقلت منه وبين الركن الذي انتقلت إليه.
وقد سبق لنا البحث في هذا، فلا حاجة إلى إعادته.
المهم أنك تكبر في حال الخرور إلى السجود.
ولم يذكر المؤلف رحمه الله رفع اليدين، فهل هذا من باب الاختصار أو الاقتصار أو العمد؟ طالب: الثالث.. الشيخ: الجواب: الثالث.
من باب العمد؛ لأن رفع اليدين عند السجود ليس بسنة؛ فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما -وهو من أشد الناس حرصًا على السنة وأضبط الناس لها- أنه ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه إذا كبر للإحرام، وإذا ركع كبر للركوع، وإذا رفع من الركوع.
قال: وكان لا يفعل ذلك في السجود، ولا إذا قام من السجود (34). والرجل قد ضبط وفصل وبين، وليس هذا من باب النفي المجرد، هذا نفي يدل على إثبات ترك الفعل؛ لأن الرجل قد تحرى الصلاة وضبط: تكبير عند الدخول في الصلاة، عند الركوع، عند الرفع منه، عند السجود، عند القيام من السجود.
هذه محلات الانتقالات، فأثبت التكبير في ثلاثة مواضع ونفاها في السجود، وعند القيام من السجود.
طالب: الرفع ولا التكبير.
الشيخ: (... ) الرفع.
طالب: تقول: التكبير.
الشيخ: لا، أنا أقول: هذه التكبيرات اللي أثبتها.
على كل حال الرفع، نحن نتكلم عن الرفع.
وعلى هذا فليس من السنة أنه يرفع يديه إذا سجد.
وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يرفع في كل خفض ورفع.
ولكن ابن القيم رحمه الله ذكر أن هذا وهم، وأن صواب الحديث: كان يكبر في كل خفض ورفع، وقال: إن وجه الوهم فيه حديث ابن عمر فإنه صريح في عدم الرفع عند السجود وعند الرفع من السجود.

وليس هذا من باب تعارض مثبت ومنفي حتى نقول بالقاعدة المشهورة: إن المثبت مقدم على النافي؛ لأن النفي هنا في قوة الإثبات، فإنه رجل يحكي عن عمل واحد فصله، قال: هذا فيه كذا، وأثبته، وهذا ليس فيه كذا، ونفاه.
وفرق بين النفي المطلق وبين النفي المقرون بالتفصيل؛ فإن النفي المقرون بالتفصيل دليل على أن صاحبه قد ضبط حتى وصل إلى هذه الحال، عرف ما ثبت فيه الرفع وما لم يثبت فيه الرفع.
وعلى هذا فنقول: إن حديث ابن عمر الثابت في الصحيحين مقدم على ذلك الحديث الضعيف، والوهم فيه قريب.
وعلى هذا فإذا قال قائل: ما الفرق بين الهوي إلى الركوع والهوي إلى السجود؟ أليس كل منهما انتقالًا من أعلى إلى أسفل؟ الجواب: بلى، ولكن العبادات مبنية على؟ طلبة: التوقيف.
الشيخ: التوقيف، فلا قياس فيها.
ولو دخل القياس في مثل هذه الأمور في صفات العبادات وما أشبهها لضاع انضباط الناس، ولصار كل إنسان يقيس على ما يريد، أو على ما يظن أن القياس فيه تام الأركان، ويضيع الاتفاق بين الأمة في عباداتهم التي يتقربون بها إلى الله عز وجل.
يقول المؤلف رحمه الله: (ثم يخر مكبرًا ساجدًا على سبعة أعضاء) (ساجدًا) حال من أين؟ طلبة: فاعل يخر.
الشيخ: من فاعل يخر، ولكنها حال مقارنة ولّا حال يعني لاحقة؟ طلبة: لاحقة.
الشيخ: لاحقة؛ لأن هذه الحال -أعني السجود- لا تكون في حال الخرور، ولكنها تكون بعد انتهاء الخرور، فهي حال لاحقة مقدرة.
يقول: (ساجدًا على سبعة أعضاء): (ساجدًا) لا بد أن يكون ساجدًا، والسجود بحيث تتساوى أطرافه العليا والسفلى، فلو فرض أنه سجد على شيء مرتفع هكذا منزلق وصار إلى القعود أقرب منه إلى السجود، فإن ذلك؟ طلبة: لا يعد.. الشيخ: لا يعد سجودًا، لا بد من تساوي الأعالي والأسافل، أو على الأقل نقول: أن يكون إلى السجود التام أقرب منه إلى الجلوس التام، فيما لو كانت الأرض متصاعدة.

يقول: (ساجدًا على سبعة أعضاء) وبيَّنها قال: (رجليه ثم ركبتيه ثم يديه ثم جبهته مع أنفه).كم هذه؟ طلبة: سبعة.
الشيخ: سبعة؟ نعدها زين؛ رجليه ثم ركبتيه.
طلبة: أربعة.
الشيخ: أربعة، ثم؟ طلبة: (... ). الشيخ: ثم يديه ستة.
ثم جبهته مع أنفه.
طلبة: هذه واحد.
الشيخ: جبهة وأنف؟ طلبة: واحد.
الشيخ: الجبهة والأنف واحد؟ طلبة: واحد.
الشيخ: واحد؟ طالب: عضو واحد.
الشيخ: عضو واحد.
طيب لو قضم الإنسان أنف رجل، كان فيه نصف الدية ولا دية كاملة؟ طلبة: دية كاملة.
الشيخ: طيب، إذا كان هو الجبهة والعضو واحدًا، معناه ما قضم إلا نصف العضو؟ ساجدًا على سبعةِ أعضاءٍ؛ رِجْلَيْهِ ثم رُكْبَتَيْهِ ثم يَدَيْهِ ثم جَبْهَتِه مع أَنْفِه ولو مع حائلٍ ليس من أعضاءِ سُجودِه، ويُجافِي عَضُدَيْهِ عن جَنْبَيْهِ وبَطْنَه عن فَخِذَيْه، ويُفَرِّقُ رُكبتَيْهِ ويقولُ: " سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى " ثم يَرفعُ رأسَه مُكَبِّرًا ويَجلِسُ مُفْتَرِشًا يُسراهُ ناصبًا يُمْنَاهُ ويقولُ: " رَبِّ اغْفِرْ لِي "، ويَسْجُدُ الثانيةَ كالأُولى، ثم يَرْفَعُ مُكَبِّرًا ناهضًا على صُدُورِ قَدَمَيْه مُعْتَمِدًا على رُكْبَتَيْهِ إن سَهُلَ، ويُصَلِّي الثانيةَ كذلك ما عدا التحريمةَ والاستفتاحَ والتعوُّذَ يقول: (ساجدًا على سبعة أعضاء).
(سبعة أعضاء): وبيَّنَاها.
قال: (رجليه، ثم ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته مع أنفه)، كم هذه؟ طلبة: سبعة.
الشيخ: سبعة؟ نَعُد زين؛ رجليه.
طالب: اثنان.
الشيخ: ثم ركبتيه.
طلبة: أربعة.
الشيخ: أربعة، ثم؟ الطلبة: يديه.
الشيخ: ثم يديه؛ ستة، ثم جبهته مع أنفه.
الطلبة: واحد.
الشيخ: الجبهة والأنف واحد؟ الطلبة: الأنف والجبهة واحد.
الشيخ: واحد؟ طالب: عضو واحد.
الشيخ: عضو واحد، لو قضم الإنسان أنف رَجُل كان فيه نصف الدية ولَّا دية كاملة؟ الطلبة: دية كاملة.
الشيخ: إذا كان هو الجبهة والعضو واحد، معناه ما قضم إلا نصف العضو؟ الطلبة: محل واحد.

جارٍ التحميل