الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 1082-1121

ولكن المراد بالتراص ألا يدعوا فرجًا للشياطين، وليس المراد بالتراص التزاحم؛ لأن هناك فرقًا بين التراص وبين التزاحم؛ ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «تَرَاصُّوا وَلَا تَدَعُوا فُرُجَاتٍ لِلشَّيْطَانِ» (8) يعني لا يكون بينكم فرج تدخل منها الشياطين؛ لأن الشياطين تدخل بين الصفوف كأولاد الضأن الصغار من أجل أن يشوشوا على المصلين صلاتهم، هذا من تسوية الصف التراص.
ثالثًا: إكمال الأول فالأول، فإن هذا من استواء الصفوف، فلا يُشرع في الصف الثاني حتى يكمل الصف الأول، وقد ندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى تكميل الصف الأول فقال: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا» (9) تصور، يقول: «ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا»، يعني يقترعوا عليه، فإذا جاء واحد للصف الأول وقال: تعالَ، أنا أحق به منك، قال: لا، أنا أحق.
قال: طيب، إذن نقرع، نسوي قرعة، أينا يكون في هذا المكان الخالي.
ومن لعب الشيطان بكثير من الناس اليوم أنهم يرون الصف الأول ليس فيه إلا نصفه، ومع ذلك يشرعون في الصف الثاني، ثم إذا أُقيمت الصلاة، وقيل لهم: أتموا الصف الأول جعلوا يتلافتون مندهشين كأنهم منذرون بجيش خلفهم، لا يدري الإنسان أين يذهب حيارى، أعوذ بالله! أتموا الصف، فيبقى ويش العلم هذا؟

وكل ذلك -في الحقيقة- سببه أولًا: الجهل العظيم، والشيء الثاني: أن بعض الأئمة لا يبالون بهذا الشيء، ما يبالي يسوى الصف ويتمم يتراصون أو لا، كأنه كل شيء عندهم، استووا اعتدلوا، لو يجد الصف كالسهم من الاستواء قال: استووا، ولو يجده أعوج من قوس الهلال ما وقف حتى يستووا، ما يهتم حتى إن بعض الناس قال لي: إن رجلين إمامًا ومأمومًا قاما يصليان فالتفت الإمام: استووا على اليمين، اعتدلوا، قال: ما على يسارك أحد، ليش؟ لأنهم يظنون أنها سنة مطلقًا، وهي في الواقع سُنَّة عند الحاجة إليها، لكن ينبغي أن تكون سنة مؤثرة بحيث إذا وجد واحدًا متقدمًا: تأخر يا فلان، وقد سمعتم ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام حينما رأى رجلًا باديًا صدره، وكان عليه الصلاة والسلام يُسوِّي الصفوف بيده، يمسح المناكب والصدور بيده من طرف الصف إلى طرفه، وهذه هل توجد عندنا في الأئمة؟ طلبة: لا.
الشيخ: أبدًا لو توجد ويوش عليه واحد من الجماعة ترك كل شيء، وراح المحراب وصلَّى، ولكن الواجب أن الإنسان يصبر ويعوِّد الناس على تسوية الصف حتى يسووا الصفوف، ولا يمكن لإنسان مؤمن يبلغه أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» (7)، ثم لا يبالي بتسوية الصف، وها هنا حديث مشهور عند الناس، وليس له أصل؛ وهو أن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج، ولكن هذا ليس له أصل عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكن فيه ما هو أعظم منه؛ الحديث الذي ذكرنا لكم.
كم وجهًا ذكرنا للتسوية؟ طلبة: ثلاثة.

الشيخ: ثلاثة؟ ومنها أيضًا -من تسوية الصفوف-: التقارب فيما بينها، وفيما بينها وبين الإمام أيضًا؛ لأنهم جماعة، والجماعة مأخوذة من الاجتماع، ولا اجتماع مع التباعد، كلما قربت الصفوف بعضها إلى بعض وقربت إلى الإمام كان أفضل وأجمل، ونحن نرى في بعض المساجد أن بين الإمام وبين الصف الأول ما يتسع لصف أو صفين؛ أي أن الإمام يتقدم كثيرًا، وهذا -فيما أظن- صادر عن الجهل؛ فالسنة للإمام أن يكون قريبًا من المأمومين، وللمأمومين أن يكونوا قريبين من الإمام، وهم أيضًا كل صف قريب من الصف الآخر، هذا من تسوية الصف؛ لأنا قلنا: من الاستواء الذي هو الكمال.
خامسًا: تكميل الأول فالأول.
طلبة: (... ). الشيخ: ذكرنا الصف الأول، لكن هذا فوق الصف الأول؛ يعني حتى الصف الثاني تقدم إليه قبل أن تشرع في الصف الثالث، ولكن هل أن الصف الثاني بالنسبة للصف الثالث صف أول بحيث يدخل في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا» (9) أو لا؟ الظاهر لا؛ وذلك لأن الصف الأول يقتضي المبادرة والتبكير بخلاف الصف الثاني، فقد يكون مع تأخر الإمام، والتقدم إلى المسجد أمر مطلوب.
السادس من استواء الصفوف وكمالها أن يدنو الإنسان من الإمام؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى» (10)، وكلما كان أقرب كان به أولى؛ ولهذا جاء الحث على الدنو من الإمام في صلاة الجمعة؛ لأن الدنو من الإمام في صلاة الجمعة يكتسب الدنو إليه في الصلاة، والدنو إليه في الخطبة.
فالدنو من الإمام أمر مطلوب، نجد بعض الناس يأتي إلى الصف، ويجد فيه مكانًا قريبًا من الإمام، لكن يذهب إلى آخر الصف عند الجدار، وهذا من الحرمان، والسُّنة أن تدنو من الإمام، فكلما دنوت كان أفضل.

ولكن هناك وجه سابع في التسوية وهي تفضيل اليمين؛ يمين الإمام على شماله؛ يعني أن أيمن الصف أفضل من أيسره، ولكن ليس على سبيل الإطلاق كما في الصف الأول؛ لأنه لو كان على سبيل الإطلاق كما في الصف الأول لقال الرسول عليه الصلاة والسلام: أتموا الأيمن فالأيمن، كما قال: «أَتِمُّوا الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ» (11)، وإذا كان ليس من المشروع أن نبدأ بالجانب الأيمن حتى يكمل فإننا ننظر في أصول الشريعة، كيف يكون هذا بالنسبة لليسار؟ نجد أن هذا يكون بالنسبة لليسار إذا تحاذا اليمين واليسار وتساويا فالأفضل اليمين، كما لو كان اليسار خمسة واليمين خمسة، وجاء الحادي عشر نقول له: اذهب إلى اليمين؛ لأن اليمين أفضل مع التساوي أو التقارب أيضًا بحيث لا يظهر التفاوت بين يمين الصف ويساره، أما مع التباعد فلا شك أن اليسار القريب أفضل من اليمين البعيد؛ ويدل لذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان في أول الأمر يأمر الجماعة إذا كانوا ثلاثة أن يقف الإمام بينهما، بين الاثنين (12). وهذا يدل على أن اليمين ليس أفضل مطلقًا؛ لأنه لو كان أفضل مطلقًا لكان الأفضل أن يكون المأمومان عن يمين الإمام، ولكن كان المشروع أن واحدًا عن اليمين وواحدًا عن اليسار حتى يتوسط الإمام، ولا يحصل حيف وجنف في أحد الطرفين.
ومن استواء الصفوف أن تفرد النساء وحدها؛ بمعنى أن يكون النساء خلف الرجال، لا يختلط النساء بالرجال؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» (13)، فبين هنا -عليه الصلاة والسلام- أنه كلما تأخر النساء عن الرجال كان أفضل.

إذن الأفضل أن تؤخر النساء عن صفوف الرجال؛ لما في قربهن إلى الرجال من الفتنة، وأشد من ذلك اختلاطهن بالرجال؛ بأن تكون المرأة إلى جانب الرجل، أو يكون صف من النساء بين صفوف الرجال، هذا لا ينبغي، وهو إلى التحريم مع خوف الفتنة واضح؛ يعني هو محرم مع خوف الفتنة، ومع انتفاء الفتنة خلاف الأولى؛ يعني لو كان النساء من محارمه فهي خلاف الأوْلى وخلاف الأفْضل.
وهل من استواء الصفوف أن يتقدّم الرجال ويتأخر الصبيان؟ وهذا تاسع.
قال بعض العلماء: إن هذا من تسوية الصفوف؛ يعني من استوائها وكمالها أن يكون الرجال البالغون هم الذين يلون الإمام، وأن يكون الصبيان في الخلف، فإذا كان عندنا مئة رجل يمثلون صفًّا ومئة صبي يمثلون نصف الصف، نجعل المئة الرجل الصف الأول، ومئة الطفل الصف الثاني، حتى لو تقدم صبي إلى الأول أخَّرناه؛ لأن استواء الصف أن يكون الرجال البالغون هم الأمام، واستُدِلَّ لذلك بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى» (10). ولكن في هذا نظر، بل نقول: إن الصبيان إذا تقدموا إلى مكان فهم أحق به من غيرهم؛ لعموم الأدلة الدالة على أن من سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد فهو أحق به، والمساجد بيوت الله، يستوي فيها عباد الله، فإذا تقدم الصبي إلى الصف الأول مثلًا، وجلس فليكن في مكانه؛ ولأننا لو قلنا بإزاحة الصبيان عن المكان الفاضل، وجعلناهم في مكان واحد أدَّى ذلك إلى لعبهم؛ لأنهم ينفردون بالصف، كل واحد يكلم الثاني، أو إذا غلط الإمام حكوا، أو إذا سمعوا داخلًا كذلك، ثم مُشْكِل إذا دخل رجال بالغون بعد أن صف الجماعة؟ طالب: يرجعونهم.
الشيخ: يرجعونهم وهم في الصلاة؟ ! مُشْكِل، وإن بقوا صفًّا كاملًا أمامهم، فيا ويح من كان خلفهم سيشوِّشون عليه؛ لأنه يجد هذا يتحرك، وهذا يعبث، وهذا يطلع قلمه، وهذا يطلع ساعته، وهذا يضرب صاحبه، وهكذا، يشتغل اللي وراءهم.

ثم إن في تأخيرهم عن الصف الأول بعد أن كانوا فيه يؤدي إلى محظورين: المحظور الأول: كراهة الصبي للمسجد؛ لأن الصبي، وإن كان صبيًّا لا تحتقره؛ فالشيء ينطبع بقلبه، يقول: أنا جاي أبغي أصلي، وفرح أني توضأت عند أهلي، وجيت ويمكن لابس ثياب الزينة، وبعدين أقوم أجلس في هذا، ويصلي ما شاء الله أن يصلي؛ لأن المفروض إلى ثلاث عشرة سنة، إلى أربع عشرة سنة، إلى خمس عشرة سنة، كل دول يطلعوا وراء، ثم في النهاية يقول لي: روح وراء! ويش يكون تصوره المسجد حبه للمسجد؟ ! لا شك أنه ينقلب كراهة.
كذلك بالنسبة للرجل المعين الذي أخرجه من الصف يبقى هذا في عينه إلى أن يموت، وأنا لا أنسى رجلًا.. على كل حال يبقى الإنسان ما ينسى هذا الرجل إلى يوم القيامة؛ لأنه أخرجه من المكان هذا.
فالحاصل أن هذا القول ضعيف، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى» فمراده -صلوات الله وسلامه عليه- حثُّ هؤلاء على التقدم لا إخراج الصغار من أماكنهم، فصارت أوجه التسوية كم؟ طالب: تسعة.
الشيخ: تسعة، فيه أيضًا وجه عاشر، وهو اقتداء كل صف بمن أمامه عند الحاجة، إذا كان صوت الإمام خفيًّا ولا يبلغ أحد، فكل إنسان وكل صف يقتدي بمن أمامه؛ ولهذا قال العلماء: إذا كان الإنسان خارج المسجد لم يصح ائتمامه بالإمام إلا أن يرى الإمام أو بعض المأمومين، لكن التسوية بالوجه الأول؛ وهي تسوية المحاذاة، هذه واجبة على القول الصحيح.
قال المؤلف: (وتسوية الصف) (أل) هنا للعهد ولَّا للعموم؟ طالب: للعموم.
الشيخ: للعموم، ولهذا عبَّر بعض الفقهاء بقوله: تسوية الصفوف؛ فالصف هنا اسم جنس يشمل جميع الصفوف؛ الأول، والثاني، والثالث، وهلم جرًّا، وتسوية الصف.
طالب: شيخ، إذا قيل له: لا تجعل فرجة للشيطان قال: الشيطان يدخل بين قدمي؟ الشيخ: والله هذا خطر! طالب: كثير جدًّا يقول هذا.

الشيخ: أقول: هذا كلام خطِر جدًّا؛ لأنه شِبه تهكم بما قال الرسول عليه الصلاة والسلام.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- بعض الناس في مواصلة الصف يرص القدم جدًّا حتى إنه يضايق جاره (... )، وجاء في هذا المعنى أن الصحابة كانوا يلصقون أقدامهم بعضهم ببعض، ويقولون: إن الإلزاق يبطل الالتحام والناس يختلفون في قبولهم هذا الأمر.
الشيخ: هو لا شك أن الصحابة كانوا يُلصق الإنسان كعبه بكعب أخيه، ومنكبه بمنكبه تحقيقًا للتسوية والمراصة، لكن ليس كما يفعل بعض الناس الآن يفحج رجليه حتى يُضيّق على من حوله مع أن الكتف بعيد من الكتف الآخر، هذا ليس من السنة، وأنت لو وقفت طبيعيًّا فإن المناكب سوف يرص بعضها بعضًا، وكذلك الأكعب سوف يرص بعضها بعضًا.. طالب: لكن الالتحام؟ الشيخ: لكن إذا كان يؤذي، أنا قلت لكم قبل قليل: ليس هو الزحام، التراص ألا يدعوا فرجات للشيطان، ليس هو الزحام اللي يخلي الإنسان يلَّا يتحرك؛ يعني بعض الناس يزاحم حتى إنه ما يمكن يسجد إلا إذا سجد صاحبه من المراصة، هذا ما هو المطلوب.
أقول: إذا حصل من ذلك أذية فإن أهل العلم قالوا: لا تُرتَكب الأذية من أجل فعل مستحب، بل تُتقى الأذية حتى قالوا في التورُّك: لو أن الإنسان إذا تورك في التشهد الأخير آذى جاره، فإن الأفضل ألا يتورك.
طالب: شيخ، الصف بين السواري يا شيخ؟ طالب آخر: شيخ -أحسن الله إليك- الآن إذا صف النساء كما يحدث في الحرم يصف صفوف النساء أمام الرجال، هل تصح الصلاة؟ الشيخ: إي نعم، سيأتي -إن شاء الله تعالى- في باب الجماعة أن الصلاة لا تبطل إذا كان أمام الرجال نساء يصلين.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- إذا كنت أنا في موقع شعرت أن شخصًا آخر أفضل مني من أولي الأحلام والنهى، فهل أقدمه مكاني؟ (... ). الشيخ: سمعتم؟ طلبة: ما سمعنا.
الشيخ: يقول: هل أُوثر غيري بالمكان الفاضي، كذا؟ هذا خلاصة السؤال.

الجواب: لا، إلا إذا كان في ذلك مصلحة تربو على مصلحة التقدم، وقد ذكرنا فيما سبق أن الإيثار بالقرب قد يكون حرامًا، وقد يكون مكروهًا، فإذا كانت القربة واجبة فالإيثار بها حرام، مثل لو كان عندك ماء يكفيك للوضوء، لكن لا يكفيك أنت وصاحبك، فهنا لا يجوز أن تؤثره بالماء؛ لأنه يجب عليك أن تستعمل هذا الماء، أما الإيثار بالسنن فكرهها أهل العلم، قالوا: يكره إيثار غيره بمكانه الفاضل لا قبول، قالوا: لأن ذلك ينبئ عن رغبة عن الخير، لكن إذا كان هناك مصلحة، مثل لو كان الذي قدم أبوك، وتخشى إن لم تؤثره أن يكون في نفسه شيء، أو كان إنسان له فضل على الناس بإحسان مالي أو غيره، وآثرته فلا بأس، ومن هذا ما يفعله الناس الآن عندنا إيثار المؤذن بالمكان؛ لأن كل الناس الذين يأتون يدعون مكان المؤذن يؤثرونه به هذا للمصلحة فلا بأس.
طالب: (... ). الشيخ: عجيب، يظنون ما تصح صلاة أحد فيه؟ ! الطالب: (... ). الشيخ: نعم؟ طالب: هل يطلب من الجماعة أن يتراصوا على اليمين أكثر من اليسار التسوية، يعني؟ الشيخ: نعم، إذا كان الفرق واضحًا فلا بأس أن تقول: ائتوا لليسار؛ لأجل بيان السنة؛ لأن كثيرًا من الناس الآن يظنون أن الأفضل اليمين مطلقًا، حتى أحيانًا يكمل الصف من اليمين، ولا عندك من اليسار إلا واحد أو اثنين.
طالب: (... ). الشيخ: كراهة الشخص اللي طلعه من المكان.
الطالب: بالنسبة للصف إذا كان صفًّا واحدًا، وكان نصف الصف متقدمين قليلًا، ونصف الصف متأخرًا قليلًا، وجئت أنا أصلي هل أتبع المتأخرين ولَّا المتقدمين الصف صار قسمين يعني؟ الشيخ: شو؟ ! الطالب: مثل الصف صار الآن.. الشيخ: شو هذا؟ ! الطالب: بيحصل.
الشيخ: ما يحصل! الطالب: إلا يحصل.
الشيخ: لا إله إلا الله! ويش لون؟ ! الطالب: مثلًا هذا صف الصلاة يأتي مثلًا.. الشيخ: هذا الأبيض هذا.
الطالب: هذا الأبيض، يأتي أناس يصفون هنا، ويأتي ناس يصفون هنا يعني قبل منهم بقدم.

الشيخ: قدِّم المتأخِّر ولَّا أخِّر المتقدم.
الطالب: كثير الصف، نصف الصف قدام شوي، ونصف الصف ورا شوي.
طالب آخر: (... ). الشيخ: على كل حال.. طالب: كثير تقع.
الشيخ: ويش بدك؟ ! تبغي أقول لك: (... )؟ ! طالب: لا، ويش أسوِّي أكون مع هؤلاء أو مع هؤلاء؟ الشيخ: اقتدِ بالذي يلي الإمام، مثلًا إذا كنت من اليمين شوف اللي على اليسار، اقتدِ باليسار، إذا كنت في يسار الصف اقتدِ بالذي عن يمينك؛ لأن أصل مبتدأ الصف ما هو من آخره، مبتدأ الصف مما يلي الإمام.
طالب: شيخ، قلنا: إذا أسبغ الوضوء وخرج إلى المسجد كان له بكل خطوة أن يُرفع له بها درجة، قد لا يتوضأ الإنسان في البيت مثلًا كأن يكون في المسجد دورة مياه، فهل يُحرم هذا الأجر؟ الشيخ: والله ظاهر الحديث أنه يُحرم؛ لأن هناك فرقًا بين من يخرج من بيته متهيئًا للصلاة قاصدًا لها وبين إنسان يأتي إلى المسجد غير متهيئ للصلاة.
نشوف الجانب هذا.
طالب: بالنسبة لألفاظ تسوية الصفوف يا شيخ.. (... ) الشيخ: (... ).


طالب: بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب صفة الصلاة

يسن القيام عند (قد) من إقامتها وتسوية الصف ويقول: الله أكبر رافعًا يديه مضمومتي الأصابع، ممدودة حذو منكبيه كالسجود، ويُسمِع الإمامُ من خلفه كقراءته في أولتي غير الظهرين، وغيرُه نفسَهُ، ثم يقبض كوع.. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
لماذا يذكر الفقهاء -رحمهم الله- صفة الصلاة والحج والوضوء، وما أشبه ذلك؟ طالب: (... ). الشيخ: يقول: لماذا يذكرونها؟ وهل هناك حاجة إلى ذكرها؟ طالب: لأنه يشترط المتابعة.
الشيخ: لأن من شرط صحة العبادة.
طالب: المتابعة.
الشيخ: المتابعة، وهل هناك شرط آخر؟ الطالب: الإخلاص.
الشيخ: الإخلاص، من الذي يتكلم عن الإخلاص؟ الطالب: أهل العقيدة.

الشيخ: أصحاب العقيدة والتوحيد، ما هو الدليل على اشتراط الإخلاص من القرآن والسنة؟ طالب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: 48].
الشيخ: لا.
طالب: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا﴾ [البينة: 5].
الشيخ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.
(... ) هل يشترط للقيام عند (قد قامت الصلاة) شرط؟ طالب: إي نعم، أن يرووا الإمام.
الشيخ: أن يرووا الإمام، أحسنت، فإن أقاموا والإمام لم يدخل المسجد، ولم يروه فإنهم لا يقومون؛ لاحتمال أن يكون المؤذن أقام سهوًا أو ما أشبه ذلك.
هل في هذه المسألة خلاف؟ الأخ؟ طالب: نعم.
الشيخ: نعم، كيف هو؟ الطالب: البعض مثلًا يقولون: القيام يكون عند سماع المؤذن يقول: (قد قامت الصلاة)، والبعض يقول: عندما يقول: حي على الصلاة، والبعض يقول: عندما يقول: حي على الفلاح، فيه أقوال كثيرة.
الشيخ: طيب.
الطالب: ثمة سبعة أقوال.
الشيخ: نعم.
الطالب: اللي مشى عليه المؤلف أن عند قوله: (قد) مطلقة سواء رأى الإمام أم لا، في المذهب أنه إذا رأى الإمام، وقيل: يقوم إذا الإمام مطلقًا، وقيل: إذا.. الشيخ: هذه ما ذكرناها، نحن ذكرنا إذا رأى الإمام مطلقًا؟ ! طلبة: إي نعم، ذكرناها.
الشيخ: نسيتها.
الطالب: وقيل: إذا شرع في الإقامة، قيل: إذا قال: حي على الصلاة، وقيل: إذا انتهى منها، وقيل في ذلك (... ).. الشيخ: نعم، إذا كبَّر الإمام.
الطالب: إذا كبَّر الإمام.
الشيخ: وذكرنا قولًا آخر؛ وهو أن الأمر في ذلك واسِع؛ يعني إذا قام عند ابتداء الإقامة أو عند (حي على الصلاة)، أو عند (قد قامت الصلاة) فالأمر واسع في هذا.
قال المؤلف: (وتسوية الصف)، الأخ؟ تسوية الصف هذه معطوفة على أيش؟ طالب: يسن القيام عند قد قامت الصلاة (... ). الشيخ: إذن تسويته الصف حكمها على ما مشى عليه المؤلف؟ طالب: نعم.
الشيخ: حكم تسوية الصف على ما مشى عليه المؤلف؟ طالب: سنة.

الشيخ: سنة، وحكم السنة أنه يثاب.
طالب: يثاب فاعله، ولا يعاقب تاركه.
الشيخ: وهذا هو الذي مشى عليه المؤلف.
هل هناك قول آخر؟ طالب: واجب عند تسوية الصف.
الشيخ: عند تسوية الصف بالمحاذاة خاصة واجب.
ما هو الدليل على أنه سنة؟ طالب: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ» (6). الشيخ: نعم، «فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ» (14) «مِنْ تَمَامِ»، والتمام كمال.
القول الثاني أنه واجب، ما هو الدليل؟ طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» (15) (... ). الشيخ: وجه الدلالة على الوجوب؟ الطالب: أن الذي لا يساوي الصف فتوعّده الله سبحانه تعالى والرسول عليه الصلاة والسلام بوعيد شديد.
الشيخ: الوعيد على من لم يسوِّ، والوعيد لا يكون إلا على فعل محرم أو ترك واجب.
إذن هذا القول هو الراجح، لكن ما هو الجواب عن دليل أو عن استدلال من قال بالاستحباب؟ من يعرف؟ الحديث: «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ؛ فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ» (6). طالب: (... ) الاستحباب لا يخالف.
الشيخ: نقول: هذا الحديث أمر، والأمر يقتضي الوجوب، والتمام قد يكون تمام واجب وتمام مستحب، فقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» (16) ها؟ طلبة: واجب.
الشيخ: إتمام واجب؛ فالإتمام قد يكون لإتمام الواجب، ولا شك أن التعليل بقوله: «إِنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ» يُراد به الحث على فعل هذا الأمر، أو على فعل هذا المأمور به، وعلى هذا فالحديث إن لم يكن فيه دليل على الوجوب لم يكن فيه دليل على عدم الوجوب، والصحيح أن فيه دليلًا للوجوب؛ لأن الإتمام قد يكون إتمام واجب وقد يكون إتمام مستحب.

ذكرنا أن تسوية الصف بالمعنى العام المأخوذ من الاستواء بمعنى الكمال لا يختص بتسوية المحاذات بل له عدة أوجه؛ منها، من تسوية الصف؟ طالب: ما فهمت.
الشيخ: أقول: من تسوية الصف؛ يعني تسوية الصف مجرد المحاذاة يعني التساوي.
الطالب: على المنكبين والكعبين على الكعبين.
الشيخ: وغيره ما فيه تسوية ثانية؟ طالب: التراص.
الشيخ: أحسنت، من ذلك التراص.
طالب: إي، وكذلك.. الشيخ: التراص، هل عندك دليل على مشروعية التراص في الصف؟ طالب: إي نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ وَتَرَاصُّوا» (17). الشيخ: نعم، وقال فيه: «أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ » قالوا: كيف يصفون؟ قال: «يَتَرَاصُّونَ وَيُكَمِّلُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ» (18). قال المؤلف: (ويقول: الله أكبر) يقول من؟ يقول المصلي: (الله أكبر)، والقول إذا أطلق فإنما هو قول اللسان، أما إذا قُيِّد فقيل: يقول في قلبه، أو يقول في نفسه فإنه يَتقيَّد بذلك، وأما عند الإطلاق فلا بد أن يكون القول باللسان فيقول: الله أكبر، وهذا القول واجب، بل هو ركن لا تنعقد الصلاة بدونه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسيء في صلاته: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فأَسْبِغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ» مع أنه قال في الأول: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» (19). وعلى هذا فيكون كل ما أمر به الرسول عليه الصلاة والسلام المسيء في صلاته فهو ركن لا تصح الصلاة بدونه، وإن شئت فقل: واجب لا تصح الصلاة بدونه؛ إذ يشمل إسباغ الوضوء، فإنه ليس بركن، بل هو شرط.
إذن هذا الدليل على وجوب هذه التكبيرة، وإذا ثبت وجوبها، ولكن عجز الإنسان عنها لكونه أخرس، لا يستطيع النطق، فهل تسقط عنه أو ينويها بقلبه أو يُحرِّك لسانه وشفتيه؟

نقول: بل ينويها بقلبه؛ لأن قول الإنسان: (الله أكبر) متضمن لقول اللسان وقول القلب، أليس كذلك؟ فإنه لم يقل بلسانه: (الله أكبر) إلا حين قاله بقلبه وعزم عليه، فإذا تعذر النطق باللسان وجب؟ طلبة: القول بالقلب.
الشيخ: القول بالقلب فيقولها بقلبه، ولا يحرك لسانه وشفتيه خلافًا لمن قال من أهل العلم: إنه يحرك لسانه وشفتيه؛ لأن في القول تحريك اللسان والشفتين، فلما تعذر الصوت وجب التحريك.
نحن نقول في الرد على هذا: إن التحريك؛ تحريك اللسان والشفتين، هل هو مقصود لذاته أو لغيره؟ مقصود لغيره؛ لأن القول لا يحصل إلا به، فإذا تعذر المقصود الأصلي سقطت الوسيلة، وصارت هذه الوسيلة مجرد حركة وعبث، ويش الفائدة من إنسان يحرك شفتيه ولسانه وهو لا يستطيع النطق؟ فالقول الراجح في هذه المسألة أن الإنسان إذا كان أخرس لا يستطيع أن يقول بلسانه؛ فإنه ينوي ذلك بقلبه ولا يحرك شفتيه ولا لسانه؛ لأن ذلك عبث وحركة في الصلاة لا حاجة إليها.
قال المؤلف: (ويقول)، وقلنا: إن القول يكون باللسان، فهل يشترط إسماع نفسه لهذا القول؟ الجواب: في هذا خلاف، فمن أهل العلم قال: لا بد أن يكون له صوت يُسمِع به نفسه، وإن لم يسمعه من بجنبه، بل لا بد أن يُسمِع نفسه، فإن نطق بدون أن يُسمِع نفسه فلا عبرة بهذا النطق، ولكن هذا القول ضعيف.
والصحيح أنه لا يُشترط أن يسمع نفسه؛ لأن الإسماع أمر زائد على القول والنطق وما كان زائدًا على ما جاءت به السنة فعلى مُدَّعيه الدليل، وإلا فلا يُقبل.
وعلى هذا فلو تأكد الإنسان من خروج الحروف من مخارجها، ولم يَسمع سواء كان ذلك لضعف سمعه أو لأصوات حوله أو لغير سبب، المهم أنه متأكد أنه نطق بالحروف، ولكن لم يُسمع نفسه فإن القول الراجح أن تكبيره، بل إن جميع أقواله معتبرة، وأنه لا يُشترط أكثر مما دلت النصوص على اشتراطه وهو القول.

يقول المؤلف: (يقول: الله أكبر)، بهذا اللفظ، الله أكبر، فلا يجزئ غيرها، ولو قام مقامها لو قال: الله الأجل، أو: الله أجل، أو: أعظم، أو ما أشبه ذلك فإنه لا يجزئ؛ لأن ألفاظ الذكر توقيفية، يُتوقف فيها على ما ورد به النص، ولا يجوز إبدالها بغيرها؛ لأنها قد تحمل معنى نظن أن غيرها يحمله وهو لا يحمله.
فإن قال: الله الأكبر.
فقال بعض العلماء: إنه يجزئ، وقال آخرون: بل لا يجزئ، والصحيح أنه لا يجزئ؛ لأن قولك: أكبر مع حذف المفضَّل عليه يدل على أكبرية مطلقة بخلاف: الله الأكبر؛ فإنك تقول: ولَدِي هذا هو الأكبر، فلا يدل على ما تدل عليه أكبر بالتنكير، ثم إن هذا هو الذي ورد به النص وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (20)، فالواجب أن يقول: الله أكبر، بهذا اللفظ.
وإذا كان لا يعرف اللغة العربية، ولا يستطيع النطق بها، فماذا يصنع؟ نقول: لدينا قاعدة شرعية قال الله فيها: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (21)، فليُكبِّر بلغته ولا حرج عليه؛ لأنه لا يستطيع، فإذا قال قائل: لماذا لا تقولون له: اسكت وانوِ التكبير بقلبك؟ فالجواب: لأن التكبير يشتمل على لفظ ومعنى؛ ويشتمل على قول بالقلب؛ يعني يشتمل على ثلاثة أشياء: قول القلب، واللفظ الذي جاء به النص؛ وهو العربي، والثالث المعنى، أليس كذلك؟ طلبة: بلى.

الشيخ: هذا الرجل الذي لا يعرف اللغة العربية يستطيع أن يُكبِّر بقلبه، ويستطيع أن يكبر بالمعنى، ولا يستطيع أن يكبر باللفظ، وإذا أخذنا بالآية الكريمة: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ قلنا: أنت الآن تستطيع شيئين، وتعجز عن الثالث، فقم بالشيئين وهما تكبير القلب والمعنى، ويسقط عنك الثالث؛ وهو التكبير اللفظي؛ لأنك عاجز عنه.
ثم نرجع إلى معنى هذه الكلمة (الله أكبر)، ويش معناها؟ وما مناسبة ابتداء الصلاة بها؟ نقول: معناها ظاهر؛ أن الله تعالى أكبر من كل شيء في ذاته وأسمائه وصفاته، وكل ما تحتمله هذه الكلمة من معنى، قال الله عز وجل: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: 67]، وقال عز وجل: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: 104]، ومن هذه عظمته فهو أكبر من كل شيء، أما المعنى فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية: 37]، فكل معنى لهذه الكلمة من معاني الكبرياء فهو ثابت لله عز وجل.

زعم بعض العلماء أن معنى (الله أكبر) الله كبير، ولكن هذا زعم ضعيف جدًّا؛ لأن كل إنسان يعرف الفرق بين الكبير وأكبر، صحيح أن الله تعالى سمَّى نفسه بالكبير المتعال، لكن أكبر غير معنى الكبير، لكنهم فروا من المفاضلة بين الخالق والمخلوق، ولكن هذا الفرار الذي فروا منه أوقعهم في شر مما فروا منه، أوقعهم بأن يأتوا بوصف لو أخذنا بظاهره لكان المخلوق والخالِق سواء، وهذا نظيره في تفسير بعضهم قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ﴾؛ بأن المعنى الله عالِم، يقول: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [النحل: 125] قالوا: هو عالم؛ لأنك إذا قلت: أعلم؛ اقتضى مفضلًا ومفضلًا عليه، فيقال: وما المانع أن يكون الله أعلم من كل أحد، أعلم من كل عالم؟ شو المانع؟ لكن لو قلت: الله عالم أتيت بلفظ لا يمنع المشاركة ولَّا لا؟ لأنك ممكن تقول: الله عالم، والإنسان عالم، وفلان عالم، وفلان عالم، وفلان عالم، وأيما أبلغ في الوصف أن تأتي بلفظ يمنع المشاركة، وهو الأفضلية المطلقة، أو بلفظ لا يمنع المشاركة؟ طلبة: الأول.
الشيخ: الأول، إذن الله يقول عن نفسه: الله أعلم، وأنت تقول: الله عالم، هذا فيه شيء من نقص المعنى.
إذن نقول: (الله أكبر) اسم تفضيل على اسمه، وحذف المفضل عليه ليتناول كل شيء، أكبر من كل شيء عز وجل.

هذه الكلمة كيف تُنطق؟ قال العلماء: يُكره مدُّها، يكره أن يمد الله، بل يقطعها حتى في النهوض من السجود إلى القيام مع طول النهوض، وحتى في الهوي إلى السجود مع طول ما بين القيام والسجود لا تمدها، ما تقول: الله أكبر، اقطعها، قالوا: لأن هذا ما جاءت به السنة فيكون مكروهًا، هكذا نص عليه الفقهاء رحمهم الله، ولكن الظاهر -والله أعلم- أن الأمر في هذا واسع، ولكن ليس مدها بأفضل من قطعها كما يتوهمه بعض الناس، بعض الناس الآن يقول: لا بد أن تجعل للركوع هيئة في التكبير، وللسجود هيئة، وللجلوس هيئة، وللتشهد، وأظن بين السجدتين لأجل أن يكون المأموم خلفك آلة محركة.
حرِّك الزر هذا يشتغل شيء، والزر هذا يشتغل شيء؛ لأن المأموم إذا صارت التكبيرات تختلف ويش يتابع؟ طلبة: (... ). الشيخ: يتابع ها التكبير، إذا كبرت للسجود عرف أنك ساجد، سجد، لو هو سارح القلب، إن كبرت للنهوض كذلك فعل، لكن إذا جزمت أو قطعت التكبير كله صار المأموم قد شد أعصابه وفكره يحسب كل ركعة وسجدة يخشى أن يقوم في موضع الجلوس فيخجل أمام الناس، أو أن يجلس في موضع القيام فيخجل، وتجده قد شد حيله -كما يقولون- أو شد فكره من أجل أن يعرف أن هذه هي الركعة الثانية، وهذه الثالثة، وهذه الرابعة.
صحيح أن المسبوق قد يلتبس عليه الأمر؛ يعني لو دخل معك إنسان في الركعة الثانية، وتكبيرك لا يتغير، ثم كبرت وجلست يظن المسبوق؟ طالب: أنك قائم.
الشيخ: أنك قائم؛ لأنه لا يعرف التفريق، ولكن نقول: هذا محظور يمكن إزالته؛ أولًا: بأن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُنقل عنه أنه يُفرَّق بين التكبيرات، بل إن ظاهر صنيعه -عليه الصلاة والسلام- أنه لا يفرق؛ لأنه لما صنع المنبر صار يصلي عليه، وقال: «إِنَّمَا فَعَلْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي وَلِتَعْلَّمُوا صَلَاتِي» (22). فلو كان يُكبِّر ويغيِّر بين التكبير لكان الناس يأتمون به ولو لم يكن على المنبر.

ثم نقول: هذا المسبوق سيكون يلي شخصًا آخر غير مسبوق، يعرف اللي جنبه، قد يكون مسبوق آخر قبله مسبوق، أليس كذلك؟ المسبوق الذي يلي الذين لم يُسبقوا يعرف فيقتضي به، وهذا يقتضي بهذا، وهذا يقتضي بهذا، وأهم شيء هو اتباع السنة مع حصول الفائدة في كون المأموم يشد نفسه حتى يعرف عدد الركعات، والفقهاء -رحمهم الله- قد نصوا على أنه يكره مدُّه؛ مد التكبير، وبعض الفقهاء قال: يمد التكبير في الهوي إلى السجود، وفي القيام من السجود لطول ما بين الركنين.
قال: (ويقول: الله أكبر رافعًا يديه) (رافعًا) حال من (يقول) حال مقارنة ولَّا لا؟ يعني حال القول يكون رافعًا يديه، واستمع (رافعًا يديه مضمومتي)، كذا عندكم ولَّا مضمومتا؟ طلبة: مضموتي.
الشيخ: بالياء، إي، هذا هو الأحسن (مضمومتي الأصابع ممدودة حذو منكبيه)، حذو يعني (حذاء)، منكبيه يعني كتفيه، عندنا أولًا الرفع، رفع اليدين، ما دليله؟ دليله جاءت به السنة في عدة أحاديث كحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع (23)، وصح عنه أيضًا أنه يرفع يديه إذا قام من الجلسة للتشهد الأول (24). فهذه أربعة مواضع، تُرفع فيها اليدان كما جاءت به السنة.
قال المؤلف: (مضمومتي الأصابع)؛ يعني يضم بعضها إلى بعض، (ممدودة) يعني غير مقبوضة، المد ضد القبض، القبض هكذا، يضم الأصابع إلى الراحة، المد فتحها هكذا، الضم إلصاق بعضها ببعض، وهذا قد جاء في أحاديث في السنن، وإن لم تكن في الصحيحين، لكنها في السنن، هكذا يقول: أما حذو المنكبين فقد جاءت بها الأحاديث في الصحيحين وغيرهما إلى حذو المنكبين.

وقوله: (رافعًا يديه) لم يُبيِّن المؤلف هل هذا عام للرجال والنساء أو خاص بالرجال، ولكنه سيأتي -إن شاء الله- في آخر صفة الصلاة أن المرأة كالرجل إلا أنها تسدل رجليها، وتضم نفسها فلا تتجافى عند السجود، ولا ترفع يديها، تخالف في هذه الأمور الثلاثة، وربما في أكثر كما سننظر إن شاء الله، ولكن الصحيح أن ذلك عام في حق الرجل وحق المرأة، وأن المرأة ترفع يديها كما يرفع الرجل.
فإذا قال قائل: ما الدليل على عموم هذا الحكم للرجال والنساء؟ قلنا: الدليل أن ما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء، وما ثبت في حق النساء ثبت في حق الرجال إلا بدليل، وهنا ليس فيه دليل على أن المرأة لا ترفع يديها، بل النصوص عامة، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (25)، الخطاب فيه للرجال وللنساء، يشمل.
فإذا قال قائل: ما الحكمة من رفع اليدين؟ فالجواب على ذلك: أن الحكمة في ذلك الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فاتباع الرسول عليه الصلاة والسلام هو الحكمة، وهو الذي يُسلِّم به المرء بدون أن يتجول عقله هنا وهناك.
ولهذا لما سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: ما بالُ الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟ قالت: كان يصيبنا ذلك فنُؤْمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة (26). وإنما عللت بالنص؛ لأن النص غاية كل مؤمن ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36]، فالمؤمن إذا قيل له: هذا حكم الله ورسوله، وظيفته أن يقول: سمعنا وأطعنا.
إذن الحكمة من رفع اليدين عند التكبير هو؟ طالب: الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك يمكن أن نتأمل لعلنا نحصل على حكمة من فِعل الرسول؛ يعني لماذا فعل الرسول هذا؟

أنا لست أسأل عن لماذا فعلت أنا، أنا فعلت اتباعًا للرسول عليه الصلاة والسلام، لكن لماذا فعل الرسول هكذا؟ نقول: في هذا تعظيم لله عز وجل، فيجتمع في ذلك التعظيم القولي والفعلي، فإن قولك: (الله أكبر) لا شك أنك لو استحضرت هذا المعنى تمامًا لغابت عنك الدنيا كلها؛ لأن الله أكبر من كل شيء، وأنت الآن ستقف بين يدي من هو أكبر من كل شيء، فيقترن التعظيم القولي والتعظيم الفعلي برفع اليدين، ثم إن بعض العلماء أيضًا علل بتعليل آخر بأنه إشارة إلى رفع الحجاب بينك وبين الله، والإنسان عادة يرفع الأشياء بيديه، ويعمل بيديه، فيقول هكذا كأن شيئًا أزلته لئلا يكون بينك وبين ربك حجاب.
وعلل بعضهم بتعليل ثالث؛ بأن ذلك من زينة الصلاة؛ لأن الإنسان إذا وقف وكبَّر بدون أن يتحرك لم تكن الصلاة على وجه حسن كامل، وهذا وإن كان فيه بعض الشيء، لكن يمكن أن نقول: ليجتمع التعبد لله تعالى عند الدخول في الصلاة بالقول ويش بعد؟ طالب: وبالفعل.
الشيخ: وبالفعل، فيجتمع للإنسان تعبدان في هذا الحال أول ما يدخل؛ لأنك لو مثلًا فرضنا أن قلت: الله أكبر، ولا حركت شيئًا ما صار فيه عبادة مقارنة للتكبير، إذا قال قائل.. طالب: (... ). الشيخ: والله يا أخي، إطلاق القول بأنها بدعة، وفيه اختلاف في الوصف يقصد به التعليم.
طالب: (... ). الشيخ: صحيح، إي، لكن هو يقول: أنا ما أتعبد لله بذلك، لكن لما كان الناس يغفلون وتسرح قلوبهم هذه علشان ننبههم شوية.
على كل حال أنا ما أستطيع إطلاق القول بأنها بدعة، لكن أقول: إنه لا شك أن الأفضل عدم التمييز؛ ولهذا الفقهاء نصوا على الكراهة، أنه يكره المد في التكبير، وأن الأولى قطعه؛ الله أكبر.
طالب: شيخ -جزاك الله خيرًا- يستدلون بعض الناس على أنها بدعة، أن العرب ما يمدون في هذا الموضع؛ لأنه ليس موضع مد (... )، يقولون: إذا مديت فنحن على يقين أنك خالفت فعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن النبي عربي (... ).

الشيخ: على كل حال، يجيك بعض أناس آخرين، يقولون: هذا دين جديد، نحن وجدنا العلماء كلهم قبلك يمدون، (... )، لكن أنا أقول: والله العوام إذا بُيِّن لهم الحق نقول: يا جماعة، لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، فإذا كان الرسول يفعل هذا فعلى العين والرأس، اثبتوا لنا ذلك، ولكم علينا أن نقوله من أول صلاة نصليها بعد أن يثبت عندنا، حينئذٍ يسكتون؛ لأن العامي إذا بين له الحق وُضِّح.. طالب: ذكر النووي أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يمد التكبير عند جلسة الاستراحة، يعني الدليل؟ الشيخ: من اللي قال؟ طالب: النووي.
الشيخ: النووي، كم بينه وبين الرسول صلى الله عليه وسلم؟ طالب: يعني قصدي الدليل.
الشيخ: أقول: كم بينه وبين الرسول، أسألك؟ طالب: (... ). الشيخ: طيب الإسناد منقطع ولَّا متصل؟ الطالب: فيما يبدو أنه منقطع.
الشيخ: خلِّ يثبت هذا بإسناد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وجزاك الله خيرًا، بيِّن لنا هذا.
طالب: أحسن الله إليك، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي» (5)، ما (... ) على أنهم يقوموا إذا رأوا يعني مفهوم المخالفة، أن السنة أن يقوموا للصلاة إذا رأوا الإمام.
الشيخ: إي نعم، وهكذا كثير من العلماء قالوا: السنة إذا رأوا الإمام قاموا من أجل ألا يعيقوه بعد الإقامة؛ يعني بعد الإقامة إذا اشتغل الإمام بتسوية الصفوف؛ يعني يتأخر، لكن إذا قاموا وسووا صفوفهم قبل أن تُقام الصلاة؛ يعني كان هذا طيبًا، وهذا يدل على أن الإنسان يقوم إذا رأى الإمام وإن لم يصل إلى (قد قامت الصلاة).
طالب: والأرجح يا شيخ؟ وهذا الموضوع أقربها يعني للمعنى وللنص؟ الشيخ: هذا جيد.
طالب

: بالنسبة للتكبير، الأربعة مواضع ما قيل عليها زيادة فيه بعض العلماء.. الشيخ: سيأتينا -إن شاء الله- في تكبيرة الجنازة.

طالب: لا، أنا أقصد في جميع حركات الصلاة، الانتقال من حركة إلى حركة..

الشيخ: إي نعم، سيأتينا -إن شاء الله تعالى- أن القول بأنه يسن رفع اليدين في كل خفض ورفع قول ضعيف؛ لأنه مستند إلى حديث ضعيف، ذكر الشيخ ابن القيم -رحمه الله- أنه وهْم من الراوي (... ).


طالب: (... ) وعلى نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، قال رحمه الله تعالى: ويقول: (الله أكبر) رافعًا يديه مضمومتي الأصابع ممدودتين حذو منكبيه في السجود، ويسمع الإمام من خلفه كقراءته في أولتي غير الظهرين وغيره نفسه، ثم يقبض كوع يسراه تحت سرته، وينظر مسجده، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم يستعيذ، ثم يبسمل سرًّا وليست من الفاتحة، ثم يقرأ الفاتحة، فإن قطعها بذكر أو سكوت غير مشروعين قال: أو ترك منها تشديدة، أو حرفًا، أو ترتيبًا لزم غير مأمومه إعادتها، ويجهر الكل بآمين في الجهرية.
الشيخ: (... ) وعلى نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويقول: الله أكبر) إذا كان الإنسان أخرس، فكيف يقول: الله أكبر؟ هل تسقط عنه للعجز أم ماذا؟ طالب: ينويها، يقولها بقلبه.
الشيخ: يقولها بقلبه؟ الطالب: ولا يتلفظ بها كما.. الشيخ: كيف لا يتلفظ بها؟ ! ما يقدر، أخرس! ! الطالب: قالوا: إنه يحرك فمه.
الشيخ: يقولها بقلبه، ما دليلك على أنه يقولها بقلبه؟ الطالب: قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
الشيخ: ﴿إِلَّا وُسْعَهَا﴾.. الطالب: وهذا لا يستطيع إلا أن يقولها بقلبه فـ.. الشيخ: فوجب عليه، وهل يحرك شفتيه ولسانه؟ طالب: لا يحرك.
الشيخ: لماذا؟ أليس القول يلزم منه تحريك اللسان والشفتين؟ طالب: لكن لا يحرك لسانه وشفتيه فقط، إذا كان لا ينطق.. الشيخ: هو أخرس، السؤال عن رجل أخرس.
الطالب: نعم، لا يحرك لسانه وشفتيه.
الشيخ: ألست أنت الآن إذا تكلمت أليس لسانك يتحرك وشفتاك؟ أسألك أليس لسانك وشفتاك تتحركان إذا تكلمت؟ الطالب: نعم.

الشيخ: طيب لماذا لا نقول: يحرك اللسان والشفتين؟ طالب: لأنه أخرس.
الشيخ: إي، أنا أقول: يُحرِّك، لا يجب عليه القول، لكن يجب عليه التحريك.
طالب: لا يحرك شفتيه ولسانه؛ لأن لسانه علامة على قول القلب، فإذا سقط الأصل، وهو النطق يسقط الفرع وهو تحريك لسانه وشفتيه.
الشيخ: لا، هو غير هذا الجواب.
طالب: القول بأن تحريك اللسان والشفتين مقصود لغيره.
الشيخ: مقصود لغيره، وسيلة للنطق، فإذا سقط النطق سقطت الوسيلة؛ تحريك اللسان والشفتين مقصود لغيره وسيلة للنطق، فإذا سقط النطق لعدم القدرة عليه سقطت الوسيلة.
ذكرنا على قول: (الله أكبر) أن الباحث أولًا هل يقوم غيرها مقامها؟ طالب: لا يقوم غيرها مقامها.
الشيخ: ولو كان بمعناها؟ الطالب: ولو كان بمعناها (... ) فيقتصر بها على ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: وهل ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يُعيِّن التكبير؟ الطالب: يقول صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاته: «ارْجِع فَصَلِّ فَإِنَّكَ.. » فكبر، لما قال له: استقبل القبلة.. الشيخ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ» (19)، أحسنت.
هل يجوز أن يقول الله الأكبر؟ طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، لماذا؟ طالب: لأن (... ). الشيخ: لأن مدلول (الله أكبر) أبلغ من مدلول (الله الأكبر)؛ ولأن هذا هو الذي ورد به النص.
فسر بعض العلماء أكبر بكبير، فما رأيك بهذا التفسير؟ طالب: لا، ضعيف يا شيخ.
الشيخ: هذا التفسير ضعيف، وهل يُعتبر أنقص من اللفظ أو لا؟ طالب: أنقص منه؛ لأنه.. الشيخ: أنقص، لماذا؟ الطالب: (... ) ويقع فيه المشاركة.
الشيخ: إذن من قال: أكبر بمعنى (كبير) فقد نقص المعنى؛ لأن كبير لا تمنع المشاركة بخلاف أكبر.
قال المؤلف: (رافعًا يديه مضومتي الأصابع) ما الدليل على رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام؟ طالب: فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: ومن رواه عنه.

الطالب: في البخاري يا شيخ أن الرفع عن ابن عمر أن الرفع في أربعة مواضع.. الشيخ: رواه عنه ابن عمر: كان النبي صلى الله عليه وسلم: يرفع يديه إلى حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة (27). ما هي الحكمة من هذا الرفع؟ طالب: الحكمة قيل: إن في هذا تعظيمًا لله سبحانه وتعالى.
الشيخ: نعم، إظهار التعظيم لله.
الطالب: إي نعم، وقيل: إن هذه إشارة إلى رفع الحجاب بين المصلِّي وبين ربه.
الشيخ: اثنين.
طالب: قيل: إنها من زينة الصلاة.
الشيخ: زينة للصلاة.
الطالب: قيل أيضًا إنها يجتمع فيها العبادتان القولية والفعلية.. الشيخ: إشارة لتعظيم الله، فيجتمع في ذلك التعظيم القولي والفعلي.
وهنا مباحث: أولًا: الرفع يقول المؤلف: (إلى حذو المنكبين)، والمنكبان هما الكتفان، فيكون منتهى الرفع إلى الكتفين، هكذا (مضمومتي الأصابع ممدودة)، فإذا قُدِّر أن في الإنسان آفة تمنعه من رفع اليدين إلى المنكبين، فماذا يصنع؟ يرفع إلى حيث يقدر عليه؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، كذلك إذا قُدِّر أن في الإنسان آفة، لا يستطيع أن يرفعهما إلى حذو المنكبين، بل إلى أكثر من ذلك كما لو كانت مرافِقه لا تنحني بل هي واقفة، ما يقدر يقوم إلا كذا مثلًا، يرفع ولَّا لا؟ طالب: نعم.
الشيخ: يرفع لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ اسْتَطَعْتُمْ﴾، وإذا كان لا يستطيع الرفع بواحدة رفع بالأخرى للآية؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان واقفًا بعرفة فسقط خِطام ناقته، وكان رافعًا يديه يدعو أخذه بإحدى يديه والأخرى مرفوعة يدعو الله بها (28). ويقول المؤلف: (رافعًا يديه مضمومتي الأصابع ممدودة)، الضم أي رَص بعضها إلى بعض، والمد ضد القبض، هكذا.
وقال بعض العلماء: إنه ينشرها؛ أي يفرقها هكذا، ولكن الصحيح ما ذكره المؤلف؛ لأن هذا هو الوارد عن النبي عليه الصلاة والسلام.

رافعًا يَدَيْهِ مَضْمُومَتَيِ الأصابعِ مَمدودةً حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ كالسجودِ، ويُسْمِعُ الإمامُ من خلفِه كقراءتِه في أَوَّلَتَي غيرِ الظُّهْرَيْنِ، وغيرُه نفسَه، ثم يَقْبِضُ كُوعَ يُسراهُ تحتَ سُرَّتِه ويَنظُرُ مَسجِدَهُ ثم يقولُ: " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ " صار لتعظيم الله، فيجتمع في ذلك التعظيم القولي والفعلي.
وهنا مباحث: أولًا: الرفع، يقول المؤلف: إلى حذو المنكبين.
والمنكبان هما الكتفان، فيكون منتهى الرفع إلى الكتفين هكذا (مضمومتي الأصابع ممدودة) فإذا قدر أن في الإنسان آفة تمنعه من رفع اليدين إلى المنكبين فماذا يصنع؟ يرفع إلى حيث يقدر عليه؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].
كذلك إذا قدر أن في الإنسان آفة لا يستطيع أن يرفعهما إلى حذو المنكبين؛ بل إلى أكثر من ذلك، كما لو كانت مرافقه لا تنحني، بل هي واقفة، ما يقدر يقوم مثلًا يرفع ولّا لا؟ يرفع؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وإذا كان لا يستطيع الرفع بواحدة رفع بالأخرى للآية، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان واقفًا بعرفة فسقط خطام ناقته، وكان رافعًا يديه يدعو، أخذه بإحدى يديه والأخرى مرفوعة يدعو الله بها (1). ويقول المؤلف: (رافعًا يديه مضمومتي الأصابع ممدودة) الضم أي رص بعضها إلى بعض، والمد ضد؟ طالب: القبض.
الشيخ: وقال بعض العلماء: إنه ينشرها، أي يفرقها، ولكن الصحيح ما ذكره المؤلف؛ لأن هذا هو الوارد عن النبي عليه الصلاة والسلام.


الشيخ: قال: (حذو منكبيه)؛ ذكرنا أن المراد بالمنكبين الكتفان، ويجوز أن يرفعهما إلى فروع أذنيه؛ لورود ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، فتكون صفة الرفع من العبادات الواردة على وجوه متنوعة.

والعلماء رحمهم الله اختلفوا في العبادات الواردة على وجوه متنوعة، هل الأفضل الاقتصار على واحد منها، أو الأفضل فعل جميعها في أوقات شتى، أو الأفضل أن يجمع بين ما يمكن جمعه؟ والصحيح القول الثاني الوسط، وهو أن العبادات الواردة على وجوه متنوعة يفعل بعضها هكذا وبعضها هكذا، فهنا الرفع ورد إلى حذو منكبيه، ورد إلى فروع أذنيه، فنقول: كل سُنة، والأفضل أن تفعل هذا مرة وهذا مرة؛ ليتحقق فعل السنة على الوجهين، ولبقاء السنة حية؛ لأنك لو أخذت بوجه وتركت الآخر مات الوجه الآخر، فلا يمكن أن تبقى سنة حية إلا إذا كنا نعمل بهذا مرة وبهذا مرة، ولأن الإنسان إذا عمل بهذا مرة وبهذا مرة صار قلبه حاضرًا عند أداء السنة، بخلاف ما إذا اعتاد الشيء دائمًا فإنه يكون فاعلًا له كفعل الآلة عادة، وهذا شيء مشاهد، ولهذا من لزم الاستفتاح مثلًا بقول: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ» دائمًا تجده من يوم يكبِّر يشرع في «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ» من غير شعور؛ لأنه اعتاد ذلك، لكن لو كان يقول هذا مرة والثاني مرة صار منتبهًا.
ففي فعل العبادات المتنوعة على وجوهها الواردة ثلاثة فوائد: الأول: اتباع السنة.
والثاني: إحياء السنة.
والثالث: حضور القلب.
وربما يكون هناك وجه رابع في بعض الأحيان: إذا كانت إحدى الصفات أقصر من الأخرى، كما في الذكر بعد الصلاة أحيانًا يكون الإنسان مثلًا يحب أن يسرع في الانصراف فيقتصر على (سبحان الله) عشر مرات و (الحمد لله) عشر مرات و (الله أكبر) عشر مرات؛ فيكون هنا فاعلًا للسنة قاضيًا لحاجته، ولا حرج على الإنسان أن يفعل ذلك يعني مع قصد الحاجة؛ كما قال تعالى في أهل الحج: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: 198]. إذن الأفضل في رفع اليدين أيش؟ طالب: (... ).

الشيخ: أن يرفعهما مرة إلى حذو المنكبين ومرة إلى فروع الأذنين، وحاول بعض العلماء أن يجمع بين الروايات وقال: من قال: إلى حذو المنكبين أراد أسفل الكف، ومن قال: إلى فروع الأذنين أراد أعلى الكف الأصابع، وهذا يعني يقول: وهذا قريب أن يكون أسفل الكف محاذيًا للمنكب وأعلاه محاذيًا لفروع الأذنين، فمن قال: بفروع الأذنين اعتبر أعلى الكف ومن قال: إلى حذو المنكبين اعتبر أسفله.
ولكن نقول: لا حاجة إلى هذا الجمع؛ لأن الأصل أن المراد الكف نفسه، لا أعلاه ولا أسفله، الظاهر أن المراد الكف نفسه لا أعلاه ولا أسفله، ولأن الأمر في هذا واسع، يعني مثلًا ليس الآن الإنسان مكلفًا إلى أن يتحرى إلى هذه الدقة بحيث يكون أسفل الكف محاذيًا للمنكب، وأعلاه محاذيًا لفروع الأذنين.
طيب، ومتى يبتدئ الرفع؟ المؤلف يقول: (يقول: الله أكبر رافعًا يديه).
فمتى يبتدئ؟ طالب: (... ). الشيخ: الأحاديث الواردة في ذلك وردت أيضًا على وجوه متعددة، فبعضها يدل على أنه يرفع ثم يكبر، وبعضها على أنه يكبر ثم يرفع، وبعضها على أنه يرفع حين يكبر، يعني يكون ابتداء التكبير مع ابتداء الرفع، وانتهاؤه مع انتهاء الرفع، ثم يضع يديه، ونحن نقول: إن الأمر أيضًا في هذا واسع، يعني سواء رفعت ثم كبرت أو كبرت ثم رفعت، أو رفعت مع التكبير، الأمر في هذا واسع؛ إن فعلت أي صفة من هذه الصفات فأنت مصيب للسنة.
يقول: (حذو منكبيه كالسجود) أي كما يفعل في السجود إذا سجد فإنه يجعل يديه حذو منكبيه، وهذا أيضًا إحدى الصفتين في السجود، أن يجعل الإنسان يديه حذو منكبيه، وسيأتي إن شاء الله كيف تكون الذراعان، لكن المؤلف ذكر هذا استطرادًا، وإلا ليس هذا موضع ذكر اليدين في حال السجود، طيب، وسيأتي إن شاء الله أن هناك صفة أخرى وهو أن يسجد بين كفيه فيقدم الكفين حتى يحاذي بهما وجهه ويسجد بينهما.

ثم قال المؤلف: (ويسمع الإمام من خلفه وغيره نفسه) يسمع الإمام من خلفه في أيش؟ في التكبير، يعني المؤلف يقول: يكبر يقول: الله أكبر ثم قال: (ويسمع الإمام من خلفه وغيره نفسه).
يسمع من خلفه حسب ما تقتضيه الحال إن كان من خلفه واحدًا فالصوت الخفي يكفي، إن كان من خلفه كثيرين فلا بد من رفع الصوت، وإذا كان لا يُسمع صوته من وراءه استعان بمبلغ يبلغ عنه كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين جاء وأبو بكر يصلي بالناس، وكان صلوات الله وسلامه عليه مريضًا لا يُسمِع صوته المأمومين، فصلى أبو بكر عن يمينه، وجعل يبلغ الناس تكبير رسول الله صلى الله عليه وسلم (2)، إذا كبر النبي عليه الصلاة والسلام بصوت منخفض كبر أبو بكر بصوت مرتفع فسمعه الناس، وهذا هو أصل التبليغ وراء الإمام.
فإن كان لا حاجة إلى المبلغ بأن كان صوت الإمام يبلغ الناس مباشرة أو بواسطة فما لا حاجة إليه لا حاجة إليه، أي لا يسن أن يعيد أحد تكبير الإمام إذا كان تكبير الإمام يصل إلى المأمومين؛ لأن هذا إنما يفعل عند الحاجة فقط، وإذا لم يكن حاجة فليس بسنة باتفاق المسلمين.


الشيخ: وقول المؤلف: (يسمع الإمام من خلفه) هل هذا على سبيل الاستحباب أو على سبيل الوجوب؟ المشهور من المذهب أنه على سبيل الاستحباب، وليس على سبيل الوجوب، وأن الإمام له أن يكبر تكبيرًا خفيًّا لا يسمع، كما أن للمنفرد والمأموم ذلك، كما أن المأموم لا يرفع الصوت، وكذلك المنفرد، فللإمام أن يفعل كذلك فلا يرفع صوته، ولكن الأفضل أن يرفع صوته.
ولكن ظاهر كلام المؤلف أن هذا على سبيل الوجوب، لا على سبيل الاستحباب؛ لأنه قال: (وغيره نفسه).
وإسماع الغير أي غير الإمام نفسه واجب، فيكون قوله: (ويسمع الإمام من خلفه) أيش؟ واجبًا.
وهذا الذي هو ظاهر كلام المؤلف هذا هو القول الصحيح؛ أنه يجب على الإمام أن يكبر تكبيرًا مسموعًا يسمعه من خلفه:

أولًا: لفعل النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه لو كان الأمر غير واجب لم يكن هناك داع إلى أن يبلغ أبو بكر التكبير لمن خلف النبي صلى الله عليه وسلم.
وثانيًا: لأنه لا يتم اقتداء المأمومين بالإمام إلا بسماع أيش؟ التكبير، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
أنا أعتقد لو أن الإمام إذا قام من السجودلم يرفع صوته بالتكبير، متى يقوم الناس؟ ما يقومون إلا إذا شرع في الفاتحة، إلا إذا شرع في الفاتحة وجهر بها، مع أن جهره بالفاتحة على سبيل الاستحباب، فالصواب بلا شك والقول الصحيح بلا شك أنه يجب على الإمام أن يرفع صوته بالتكبير والتسميع بحيث يسمعه من وراءه بحسب الحال.


قال المؤلف رحمه الله: (يُسمع الإمام من خلفه كقراءته في أولتي غير الظهرين).
أي كما يسمع القراءة في أولتي غير الظهرين، أولتي هذه مثنى ولَّا جمع؟ طلبة: مثنى.
الشيخ: مثنى، أين النون؟ طالب: (... ). الشيخ: حذفت للإضافة كذا؛ لأنه يحذف التنوين والنون عند الإضافة، كذا، صحيح؟ طالب: صحيح نعم.
الشيخ: طيب، (أولتي غير الظهرين) ما هما الظهران؟ الطلبة: الظهر والعصر.
الشيخ: وأطلق عليهما اسم الظهرين تغليبًا؛ كما يقال: العشاءين وكما يقال: العمرين وكما يقال: القمرين.
إذن المراد في (أولتي غير الظهرين) يعني الظهر والعصر، فهو يجهر في كل ركعتين أولتين في غير الظهرين، ولننظر ماذا يشمل؟ يشمل المغرب أو لا؟ والعشاء والفجر، لكن الفجر ليس إلا؟ طالب: ركعتين.
الشيخ: لكنه داخل في كلام المؤلف، يشمل الجمعة، يشمل العيدين، يشمل الاستسقاء، يشمل التراويح، ويشمل الوتر، ويشمل الكسوف، يشمل كل ما تشرع فيه الجماعة، فإنه يسن أن يجهر بالقراءة ما عدا؟ طالب: الظهرين.
الشيخ: ما عدا الظهرين فإنه لا يجهر بالقراءة فيهما، طيب، فإذا قال قائل: صلاة الليل جهرية وصلاة النهار سرية، لماذا؟ ما هي الحكمة في أن يجهر في صلاة الليل ويسر في صلاة النهار؟

فالجواب: لأن الليل تقل فيه الوساوس ويجتمع فيه القلب واللسان على القراءة، فيكون اجتماع الناس على صوت الإمام وقراءة الإمام أبلغ من تفرقهم، ولهذا لا يشرع الجهر في النهار إلا في صلاة جامعة كصلاة؟ طالب: (... ). الشيخ: الجمعة والعيدين والاستسقاء والكسوف؛ يعني الناس يجتمعون، ولا شك أن إنصاتهم على قراءة الإمام تجعل قراءتهم قراءة واحدة؛ لأن المستمع كالقارئ، لكن لو كان الإمام يسر لكان كل واحد يقرأ على نفسه، فيكون الجهر أجمع على القراءة؛ لأنهم يجتمعون على قراءة واحدة، بخلاف السر.
هذا ما ظهر لي من الحكمة في الجهر لصلاة الجمعة والعيدين وشبههما، وكذلك في صلاة الليل.
يقول: (كقراءته في أولتي غير الظهرين وغيره نفسه).
وغيره يعني ويسمع غيره، غير من؟ غير الإمام، فمن غيره؟ الطلبة: (... ). الشيخ: المأموم والمنفرد.
يسمع نفسه، يعني يتكلم وينطق بحيث يسمع نفسه، فإن أبان الحروف بدون أن يسمع نفسه لم تصح قراءته، بل ولم يصح تكبيره، لو كبر وقال: الله أكبر لكن على وجه لا يسمع نفسه لم تنعقد صلاته؛ لأن التكبير أيش؟ لم يصح، لا بد أن يسمع نفسه، ولكن يشترط لوجوب إسماع نفسه ألا يكون هناك مانع من إسماع نفسه، فإن كان هناك مانع سقط وجوب الإسماع لوجود المانع، لو كان يصلي وحوله دركتر.
تعرفون صوت الدركتر؟ ولا يسمع هذا، لا يمكن يسمع نفسه إلا إذا رفع صوته كثيرًا، فنقول: يكفي أن تكون بحيث تسمع نفسك لولا المانع، ولكن سبق لنا أنه لا دليل على اشتراط إسماع النفس، وأن الصحيح أنه متى أبان الحروف فإنه يصح التكبير وتصح القراءة أيضًا كل قول فإنه لا يشترط فيه إسماع النفس.

والغريب أنهم هنا قالوا رحمهم الله: يشترط لإسماع النفس في التكبير والقراءة وقالوا فيما إذا قال الإنسان لزوجته: أنت طالق؛ تطلق وإن لم يسمع نفسه.
وكان مقتضى الأدلة أن تكون المعاملة بالأسهل في حق من؟ في حق الله.
كيف نعامله في حق الله بالأشد ونقول: لا بد أن تسمع نفسك وفي حق الآدمي ولا سيما الطلاق الذي أصله مكروه نقول: يقع الطلاق وإن لم تسمع نفسك، لو قال: زوجتي طالق على وجه لم يسمع هو نطق نفسه فإن زوجته تطلق.
على كل حال القول الراجح أنه لا يشترط لصحة التكبير والقراءة أن يسمع الإنسان نفسه، فمتى بانت الحروف ثبتت القراءة وثبت التكبير.


(وغيره نفسه، ثم يقبض كوع يسراه تحت سرته وينظر مسجده، ثم) بعد أيش؟ طالب: التكبير.
الشيخ: بعد التكبير ورفع اليدين، مكبر رفع يديه إذا أراد أن يضعهما (يقبض كوع يسراه) هذا الكوع يقبضه هكذا يمسكه، طيب بعض الناس نشاهده يقول: الله أكبر ثم يرسل يديه ثم؟ طالب: يرفعها.
الشيخ: يرفعهما ويقبضهما، هذا ليس له أصل، بل من حين أن تنزلها من الرفع؟ طلبة: تقبضها.
الشيخ: تقبض، يقبض الكوع.
أين الكوع؟ الكوع في مفصل الكف من الذراع ويقابله الكرسوع وبينهما الرسغ.
نسأل: أين الكوع والكرسوع؟ طالب: الكف والذراع، مقاس بين الكف والذراع.
الشيخ: المفصل الذي بين الكف والذراع.
لكن هذا المفصل فيه ثلاثة أشياء: فيه كوع وكرسوع ورسغ، من يعرفه؟ طالب: الكوع هو الذي يلي الإبهام، والكرسوع هو الذي يلي الخنصر والرسغ يتوسط بين الكوع والكرسوع.
الشيخ: الذي بينهما طيب، صحيح.
الكوع يقول العلماء: إنه العظم الذي يلي الإبهام، اللي تحت الإبهام، والكرسوع هو الذي يلي؟ الطالب: الخنصر.
الشيخ: والرسغ هو الذي بينهما.
وأنشدوا على ذلك واحفظه: وَعَظْمٌ يَلِي الْإِبْهَامَ كُوعٌ وَمَا يَلِي لِخِنْصِرِهِ الْكُرْسُوعُ وَالرُّسْغُ مَا وَسَطْ

وَعَظْمٌ يَلِي إِبْهَامَ رِجْلٍ مُلَقَّبٌ بِبُوعٍ فَخُذْ بِالْعِلْمِ وَاحْذَرْ مِنَ الْغَلَطْ

المؤلف يقول: (يقبض كوع يسراه)، ومراده بالكوع المفصل، يقبض كوع يسراه تحت سرته، فأفادنا المؤلف رحمه الله أن السنة قبض الكوع، لكن وردت السنة بقبض الكوع كما قال المؤلف، ووردت السنة بوضع اليد على الذراع من غير قبض هكذا بدون قبض.
إذن هاتان صفتان: قبض والثاني؟ طلبة: وضع.
الشيخ: فإن قبضت فعلى خير، وإن وضعت بدون قبض فعلى خير أيضًا، كلاهما سنة.
نرى بعض الناس يقبض المرفق فهل لهذا أصل؟ طالب: لا أصل له.
الشيخ: ليس لهذا أصل، وإنما يقبض الكوع أو الذراع، ففي صحيح البخاري من حديث سهل بن سعد أنه قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة (3)؛ يضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة.
إذن هاتان صفتان إما على الكوع وإما على أيش؟ طلبة: الذراع.


الشيخ: يقول المؤلف: (تحت سرته).
يعني يجعل اليد اليمني واليسرى تحت السرة.
وهذه الصفة التي ذكرها المؤلف هي المشروعة على المشهور من المذهب، وفيها حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: من السنة وضع اليد اليمنى على اليسرى تحت السرة (4). وذهب بعض العلماء إلى أنه يضعها فوق السرة، ونص الإمام أحمد على ذلك أنه يضع اليدين فوق السرة ولكنها تحت الصدر.
وذهب آخرون من أهل العلم إلى أنه يضعهما على الصدر، وهذا هو أقرب الأقوال.
والسنة في ذلك كلها فيها مقال، لكن حديث سهل بن سعد الذي في البخاري ظاهره يؤيد أن الوضع يكون على الصدر، على أن الأحاديث الواردة على ما فيها من المقال أمثلها حديث وائل بن حجر، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضعهما على صدره (5) هكذا، فهذا أحسن ما يكون من الوضع.

نرى بعض الناس يضعهما على جنبه هكذا، يعني على الجنب الأيسر هكذا، وإذا سألته: لماذا؟ قال: لأن هذا جانب القلب، وكأن قلبه يطير إذا دخل في الصلاة فيضع يديه على قلبه ليمسكه، ولكن هذا التعليل عليل، وإن شئت فقل: ميت: أولًا: لأنه في مقابل السنة، وكل تعليل في مقابل السنة فإنه مردود على صاحبه؛ لأن السنة أحق بالاتباع.
وثانيًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلي الرجل مختصرًا (6)، أي واضعًا يده على خاصرته، وهذا إن لم ينطبق عليه النهي فهو قريب منه، لهذا إذا رأيت أحدًا يفعل هكذا فانصحه وقل: ما هكذا السنة.
ثم إن فيه شيئًا آخر شيئًا ثالثًا، وهو أن فيه إجحافًا؛ لعدم التوسط في البدن؛ لأنه الآن فضل جانب اليسار على جانب اليمين، فنقول: خير الأمور الوسط العدل فكن بين اليمين وبين اليسار وضع اليدين على الصدر.
طالب: (... ). الشيخ: نعم هذا يقول: إننا نرى الذين يضعون أيديهم تحت السرة تجده واضعًا يده تحت السرة (... ) يهوجس، يعني يشعر بأنه كسلان وأن رفع اليد يكون في الغالب أنشط، وهذا صحيح، لكن يجب أن نعلم أن العادة لها أثر ربما لما اعتادوا ذلك صار عندهم سهلًا.

طالب: أقوال العلماء (... ). الشيخ: للأسف أثر علي الأثر ضعيف.
طالب: بعض المأمومين يجهر بتكبيرة الإحرام بعدما يكبر الإمام.
الشيخ: يجهر لا على سبيل التبليغ، لكن هو يجهر بنفسه، ولا ينبغي هذا، المأموم لا ينبغي له أن يجهر لا بالتكبير ولا بالتسميع ولا بالقراءة ولا بالتحميد، وقلت: بالتسميع؛ لأن بعض العلماء يرى أن المأموم يسمع والصحيح أنه لا يسمع.
طالب: أحسن الله إليكم، جاء في حديث سهل بن سعد أنه يضع اليمنى على اليسرى على الذراع (7)، لكن إن قبض على الذراع، لا على الكوع؟ الشيخ: فيه أحاديث أخرى.
الطالب: في القبض على الذراع؟ الشيخ: في القبض على الكوع.
الطالب: لا، في الذراع قصدي.
الشيخ: الذراع (... ) وضع.
الطالب: وإن قبض؟ الشيخ: لا، الوضع أحسن.

طالب: جزاك الله خيرًا، بعض الناس تكون يده اليمنى مقطوعة الأصابع، وإذا جاء يتشهد يشرع له أنه يؤشر بأصبعه اليسرى؟ الشيخ: نعم، هذا سابق لأوانه.
طالب: هنا في اللي يعجز عن رفع اليدين؟ الشيخ: لا، ما وصلنا هذا في التشهد.
طالب: وضع اليدين على الثديين قريبًا من النحر.
ما حكمه يا شيخ؟ الشيخ: هذا الظاهر؛ لأنه لا ينافي أن يضعهما على صدره؛ لأن هذا من الصدر، لكن بعض العلماء يضعها على النحر هكذا.
هذا لا شك أنه خطأ؛ لأنه فهمه من قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2] ولكن الآية لا تدل على ذلك، الصواب أن المراد بقوله: ﴿وَانْحَرْ﴾ التقرب إلى الله تعالى بالنحر، بالذبح.
طالب: (... ) الرفع من سجود التلاوة (... )؟ الشيخ: إي نعم، حتى في الرفع من سجود التلاوة، لكن بعض الناس إذا رفع من سجود التلاوة ما يكبر، ما هو يدري أنه يسر بالتكبير؛ لأنه لا يرى أنه يكبر وهمًا منه، حيث ظنوا أن ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم أن سجود التلاوة ليس فيه تكبير عند الرفع، فظنوا أن هذا عام، وهو ظن ليس بصواب، ومراد شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم إذا سجد للتلاوة سجودًا منفردًا، أما إذا كان في صلب الصلاة فإن جميع الواصفين لصلاة النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: إنه كان يكبر كلما ركع وكلما سجد، بل كلما رفع وخفض (8) وهذا عام يشمل حتى سجود التلاوة.


طالب: باسم الله، والحمد لله، قال المؤلف رحمة الله تعالى عليه: ويقول: الله أكبر رافعًا يديه مضمومتي الأصابع، ممدودة حذو منكبيه كالسجود، ويسمع الإمام من خلفه كقراءته في أولتي غير الظهرين وغيره نفسه.
ثم يقبض على كوع يسراه تحت سرته، وينظر مسجده، ويقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويسمع الإمام من خلفه كقراءته في أولتي غير الظهرين وغيره نفسه) هل إسماع الإمام لمن خلفه على سبيل الوجوب أو على سبيل الاستحباب؟ طالب: على سبيل الاستحباب.
الشيخ: هذا الذي يفيده كلام المؤلف.
طالب: كلام المؤلف يفيد الوجوب، يقول: (ويسمع).
الشيخ: كيف علمت أن كلامه يفيد الوجوب؟ الطالب: لقوله: (ويسمع).
الشيخ: يسمع هذه خبر.
طالب: قوله: (وغيره نفسه).
الشيخ: (وغيره نفسه) فإن إسماع غيره نفسه واجب.
ولكن قوله: (كقراءته في أولتي غير الظهرين) قد يمنع من القول بأنه واجب؛ لأن قراءته في أولتي غير الظهرين لا يجب فيها الإسماع، طيب، ماذا يشمل قوله: (كقراءته في أولتي غير الظهرين)؟ طالب: يشمل كل الصلوات التي غير الظهر والعصر، التي يجهر بها بالقراءة.
الشيخ: مثل؟ الطالب: مثل في المغرب والعشاء والعيدين.
الشيخ: والفجر.
الطالب: وصلاة الاستسقاء والكسوف.
الشيخ: اصبر نسيت الفجر.
طالب: والفجر وصلاة الاستسقاء والكسوف والعيدين.
الشيخ: وقيام رمضان.
الطالب: ويوم الجمعة وقيام رمضان.
الشيخ: قوله: (وغيره نفسه).
(غيره) الضمير يعود على من؟ طالب: المأموم.
الشيخ: (غيره) يعود على من؟ الضمير يعود على من؟ الطالب: الضمير يعود على الإمام.
الشيخ: أي غير الإمام يسمع نفسه.
طيب هل هناك قول آخر في المسألة؟ (غيره نفسه)؟ السؤال: فهمنا أن الإمام يسمع من خلفه وأن غير الإمام يسمع نفسه، فهل هناك قول آخر بعدم وجوب إسماع المصلي نفسه؟ طالب: (... ) الإمام لا يسمع.
الشيخ: ما هو الإمام؛ المصلي.
طالب: نعم.
الشيخ: فيه؟ الطالب: نعم.
الشيخ: وما مناط الحكم، أو ما العبرة عند هؤلاء الذين يقولون: لا يجب أن يسمع نفسه العبرة بأيش؟ طالب: العبرة بمخارج الحروف.
الشيخ: نعم، أن يخرج الحروف من مخارجها، فإذا أخرج الحروف فلا شرط، فليس بالشرط أن يسمع نفسه، وهذا القول هو الراجح.

طيب، قال المؤلف: (ثم يقبض كوع يسراه) ما هو الكوع؟ المراد المفصل اللي بين الكف؟ الطالب: والذراع.
الشيخ: طيب، (يقبض)، كيف القبض؟ طالب: (... ) على.. الشيخ: يضع ولا يقبض كذا؟ يمسك يعني.
الطالب: (... ). الشيخ: نعم.
الطالب: وصيغة أخرى بالوضع.
الشيخ: بالوضع فقط، وكلا الأمرين؟ الطالب: سنة.
الشيخ: طيب، قول المؤلف: (تحت سرته)، ما هو الدليل على هذا؟ طالب: الدليل استدل بقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه حيث قال: السنة أن يضع يمينه على.. الشيخ: وضع اليد اليمنى؟ الطالب: على اليسرى تحت السرة.
الشيخ: طيب، فيه قول آخر؟ طالب: قول أنها فوق السرة.
الشيخ: أنها توضع فوق السرة، وقول ثالث؟ طالب: أنها على الصدر، توضع على الصدر.
الشيخ: طيب، وفيها أيضا قول رابع؟ طالب: توضع على النحر.
الشيخ: وأقرب الأقوال إلى الصحة؟ طالب: توضع على الصدر.
الشيخ: على الصدر؛ لحديث؟ الطالب: لحديث ابن عمر، وحديث ما رواه البخاري عن سهل بن سعد الساعدي أمر الناس أن يضعوا.
الشيخ: أن يضع الرجل.
الطالب: الرجل اليد اليمنى على الذراع اليسرى.. الشيخ: في الصلاة (7). فإن ظاهر هذه الصفة؟ الطالب: على الصدر.
الشيخ: أن يكون على الصدر؛ لأنه ما يضع اليد اليمنى على الذراع إلا وقد رفع اليدين، وفيها أيضًا حديث وائل بن حجر.
الطالب: أنه كان النبي صلى الله عليه وسلم كان يضع يده على صدره.
الشيخ: اليمنى على اليسرى فوق صدره.
أما حديث علي فقد ضعفه كثير من أهل العلم ولم يأخذوا به.

قال المؤلف: (وينظر مسجده) أي موضع سجوده، ينظر: الضمير يعود على المصلي، وهو شامل لمن يصلي وحده أو مع الإمام وللإمام أيضًا، يعني يشمل الإمام والمأموم والمنفرد، انتبه أنه ينظر موضع سجوده، وعلى هذا كثير من أهل العلم، واستدلوا بحديث روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا أنه كان ينظر إلى موضع سجوده في حال صلاته (9)، وكذلك قالوا في تفسير قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1، 2] قالوا: إن الخشوع أن ينظر إلى موضع سجوده.
وقال بعض العلماء: بل ينظر إلى حيث كان وجهه تلقاء وجهه، إلا إذا كان جالسًا فإنه ينظر إلى يده حيث يشير عند الدعاء، وإلا فإنه ينظر تلقاء وجهه.
وفصل بعض العلماء بين الإمام والمنفرد وبين المأموم فقال: إن المأموم ينظر إلى إمامه ليتحقق من متابعته، ولهذا قال أبو الدرداء: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد لم يحن أحد منا ظهره حتى يقع رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجدًا، ثم نقع سجودًا بعده (10). قالوا: فهذا دليل على أنهم ينظرون إليه.
واستدلوا أيضًا بما جرى في صلاة الكسوف، حيث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة أنه عرضت عليه الجنة وعرضت عليه النار وقال فيما عرضت عليه الجنة قال: «حَيْثُ رَأَيْتُمُونِي تَقَدَّمْتُ»، وفيما عرضت عليه النار قال: «حِينَمَا رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ» (11) وهذا يدل على أن المأموم ينظر إلى إمامه.
والأمر في هذا واسع، ينظر الإنسان ما هو أخشع له إلا في الجلوس فإنه ينظر إلى أصبعه، يرمي ببصره إلى أصبعه، حيث تكون الإشارة كما جاء ذلك في صحيح مسلم.

واستثنى أهل العلم من هذه المسألة، بل بعض أهل العلم استثنى ما إذا كان في صلاة الخوف، واستدلوا لذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عينًا فجعل ينظر إلى ناحية الشِّعب وهو يصلي لينظر إلى هذا العين (12)، والعين هو الجاسوس، ولأن الإنسان يحتاج إلى النظر يمينًا وشمالًا في حال الخوف.
والعمل ولو كان كثيرًا في حال الخوف مغتفر فكذلك عمل البصر، وهذا الاستثناء صحيح.
واستثنى بعض العلماء المصلي في المسجد الحرام وقالوا: ينبغي أن ينظر إلى الكعبة؛ لأنها قبلة المصلي، ولكن هذا القول ضعيف، فإن النظر إلى الكعبة يشغل المصلي بلا شك؛ لأنه إذا نظر إلى الكعبة نظر إلى الناس وهم يطوفون فأشغلوه، والصحيح أن المسجد الحرام كغيره ينظر فيه المصلي إما إلى موضع سجوده أو تلقاء وجهه.
وأما النظر إلى فوق، إلى السماء، فإنه محرم، بل من كبائر الذنوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك واشتد قوله فيه حتى قال: «لَيَنْتَهُنُّ -يعني الذين يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة- أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ» (13)، وفي لفظ «أَوْ لَا تَرْجِع إِلَيْهِمْ» (14)، وهذا وعيد، والوعيد لا يكون إلا على شيء من كبائر الذنوب.
بل قال بعض العلماء: إن الإنسان إذا رفع بصره إلى السماء وهو يصلي بطلت صلاته، واستدلوا لذلك بوجهين: الوجه الأول: أنه انصرف بوجهه عن جهة القبلة؛ لأن الكعبة في الأرض وليست في السماء.

والثاني: أنه فعل محرمًا منهيًّا عنه في الصلاة بخصوصها، والفعل المحرم المنهي عنه في العبادة بخصوصها يقتضي بطلانها، ولكن جمهور أهل العلم على أن صلاته لا تبطل برفع بصره إلى السماء، لكن هو على القول الراجح آثم بلا شك؛ لأن الوعيد لا يأتي على فعل مكروه فقط.
إذن ينظر المصلي إما تلقاء وجهه وإلا إلى موضع سجوده، ولكن أيهما أرجح: ينبغي أن يختار ما هو أخشع لقلبه، إلا في موضع واحد، بل في موضعين: في حال الخوف، وفيما إذا جلس فإنه يرمي ببصره إلى موضع إشارته إلى أصبعه (15) كما جاءت به السنة عن النبي صلى الله عليه سلم.
أما في حال الصلاة في المسجد الحرام والنظر إلى الكعبة فإن القول الصحيح أنه لا ينظر.
ومن العجيب أن القوم الذين قالوا: ينظر إلى الكعبة قالوا: لأن النظر إلى الكعبة عبادة، وهذا التعليل يحتاج إلى دليل، من أين لنا أن النظر إلى الكعبة عبادة؟ يحتاج إلى دليل هذا؛ لأن إثبات أي عبادة إن لم يكن له أصل من الشرع فإنه يكون بدعة فيه، لو أن الإنسان أغمض عينيه بحيث لا ينظر شيئًا فهل هذا جائز أو لا؟ الصحيح أنه مكروه؛ لأنه يشبه فعل المجوس عند عبادتهم النيران، حيث يغمضون أعينهم، وقيل: إنه أيضًا من فعل اليهود، والتشبه بغير المسلمين أقل أحواله التحريم كما قال شيخ الإسلام رحمه الله، فيكون إغماض البصر في الصلاة مكروهًا على أقل تقدير، إلا إذا كان هناك سبب، مثل أن يكون حوله ما يشغله لو فتح عينيه، فحينئذ يغمض تحاشيًا لهذه المفسدة.
فإن قال قائل: أنا أجد نفسي إذا أغمضت عيني أخشع مما إذا لم أغمض عيني، فهل تفتونني بأن أغمض عيني؟ الجواب: لا؛ لأن هذا الخشوع الذي يحصل لك بفعل مكروه من الشيطان فهو كخشوع الصوفية في أذكارهم التي يتعبدون بها، وهي بدعة.

والشيطان قد يلقي في قلبك أو قد يبعد عن قلبك فلا توسوس إذا أغمضت عينيك من أجل أن يوقعك فيما هو مكروه، فنقول: افتح عينيك وحاول أن تخشع في صلاتك، أما أن تغمض عينيك لتخشع بدون سبب فلا؛ لأن هذا من الشيطان.
قال: (وينظر مسجِده) ولّا مسجَده؟ طلبة: مسجِده.
الشيخ: يقولون: إن القياس مسجَده لكن هذا جاء على خلاف القياس بكسر الجيم.
(ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك).
(سبحانك اللهم وبحمدك) هذه جملة تتضمن التنزيه والإثبات، تتضمن التنزيه في قوله: (سبحانك اللهم)، والإثبات في قولك: (وبحمدك)؛ لأن الحمد هو وصف المحمود بالكمال، فتكون هاتان الجملتان جامعتين للتنزيه، ويش بعد؟ طلبة: والإثبات.
الشيخ: أولًا قوله: (سبحانك) هذه اسم مصدر من سبح يسبح، والمصدر أيش؟ طلبة: تسبيح.
الشيخ: واسم المصدر سبحان، قالوا: وهو دائمًا منصوب على المفعولية المطلقة محذوف العامل مضاف، ففيه ثلاثة أشياء؛ أنه منصوب على المفعولية المطلقة دائمًا، والثاني؟ طلبة: محذوف العامل.
الشيخ: والثالث؟ طلبة: مضاف.
الشيخ: ومعناه: تنزيهًا لك يا رب، وعماذا تنزه الله؟ تنزهه عن كل نقص.
والنقص إما أن يكون في الصفات أو في مماثلة المخلوقات، فصفاته التي يتصف بها منزه فيها عن كل نقص.
يتصف بالعلم أي علم؟ العلم الكامل، بالحياة الكاملة، بالسمع الكامل، بالبصر الكامل، وهكذا جميع الصفات التي يتصف بها هو فيها منزه عن النقص.
كذلك منزه عن أن يوصف بصفة نقص محضة، ما هو بنقص في كمال، بصفة نقص محضة، مثل أن يوصف بالعاجز أو بالظالم أو ما أشبه ذلك، منزه عن مماثلة المخلوقات ولو فيما هو كمال في المخلوق فإن الله تعالى منزه عنه.

جارٍ التحميل