إذن يشترط أن تكون معلومة، والحقيقة أن هذا الشرط الثالث داخل في ضمن الشرط الثاني؛ لأن العلم ما هي بتحديد، فيُشترط أن يكون أدى عليه مئة درهم بمئة صاع بمئة كيلو، ويذكر النوع والجنس كما سبق، كل هذا لأجل ألا يزول الاشتباه فيما بعد، ويقول: إن الذي حُكم لي عليه غير ما أدعي به الآن؛ فلهذا نقول: إن اشتراط العلم لا شك أنه يوجب أن تكون القضية واضحة، وأن تنقطع الخصومة انقطاعًا نهائيَّا، ولكن كما قلنا: الصحيح أنه ليس بشرط لسماع الدعوى، وأنها تُسمع الدعوى مع الجهل، ولكنه يُطلَب من المدَّعِي أن يُعيِّن قدر ما ادعى به حتى يُحكَم له به.
طالب: لماذا قلنا: السدس لمن حكم له بسهم؟ لماذا حددنا السدس؟
الشيخ: لأنه ورد عن بعض الصحابة هذا أن السهم يُطلق على السدس.
الشرط الرابع: ذكر شروط العقد إن كانت لعقد.
يعني مثلًا إذا قال: أدعِي عليه أنه باع عليَّ بيته، لا بد أن يذكر شروط العقد، شروط العقد معروفة؛ شروط عقد البيع كم؟ سبعة شروط، لا بد أن يذكر هذه الشروط السبعة؛ لأنه لا يتم البيع إلا بها، فإذا ادَّعى بيعًا وهو لم يذكر شروطه قد يعتقد أن هذا بيع وهو في الواقع ليس ببيع، فيقول مثلًا: باع عليَّ ملكه وهو بحالة جواز التصرف، والملك معلوم، والثمن أيضًا معلوم، فلا بد من ذكر الشروط، ولا يحتاج إلى ذكر الموانع؛ لأنه إن كان فيه مانع فإنه يذكره المدَّعَى عليه.
مثلًا هذا الرجل ادعيت عليه أنه باع عليَّ بيته، وقلت: إنه باعه في حال جواز تصرفه وعِلمه وعلم الثمن، وأذكر بقية الشروط، هل يشترط أن أقول: وأنه لم يبعه بعد نداء الجمعة الثاني؟ وأنه ليس مرهونًا وما أشبه ذلك؟
طالب: لا.
الشيخ: لا؛ لأن هذه موانع، فإذا كانت هذه الموانع موجودة فبإمكان المدَّعَى عليه أن يدلي بها، ثم يُنظر.
وقيل: إن ذكر شروط العقد ليست بشرط، وأنه إذا ادعى البيع سُمعت الدعوى، ثم إن ادعى المدَّعَى عليه ما ينافي الصحة فعليه بيانه مثل لو قال: باع عليَّ بيتي فادعى المدعى عليه أنه كان مكرهًا، فإن من شروط البيع كما هو معروف.
طالب: التراضي.
الشيخ: أن يكون عن تراضٍ، فالمدعي يقول: ما يحتاج أني أقول عن تراضٍ، إذا كان بيدعي أنه مكره فليدلِ بحجته، وينظر في الموضوع، وهذا القول أصح، وهذا هو الذي عليه العمل الآن.
الآن الناس يدعون أنهم باعوا بيوتهم، وأنه اشترى هذا البيت من فلان، أو باعه على فلان، وليسوا يذكرون شروط العقد، لكن إن وُجِد ما يمنع الصحة فإن من وجده يدليه، ولو قلنا: إنه لا بد أن يذكر هذه الأشياء لكانت في هذا خطر في الحقيقة في (... )؛ إذ إننا نجد وثائق للمتقدمين بأن فلانًا باع على فلان بيع بيته بمقتضى ثمن وقدره، كذا وكذا وقبض الثمن.
وليسوا يذكرون الشروط، نعم يُوجد مثلًا بعض العلماء أو بعض القضاة يُذيِّل على هذه الوثيقة، فيقول: البيع المتبوع على ما كان وقع صحيحًا بتمام شروطه وانتفاء موانعه.
حينئذٍ نعرف أنه صحيح بسبب تصديق هذا القاضي عليه، لكن أحيانًا تأتينا وثائق، أو نشاهد الوثائق ما فيها ذكر المدعِي بهذه الوثيقة نقول: لا نقبل دعواك؛ لأنك لم تذكر الشروط؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، ولهذا الصحيح أن ذكر شروط العقد ليست بلازمة، ولكن للمدَّعَى عليه الإدلاء بما يراه ناقضًا لهذه الشروط، فإذا أدلى به ينظر في الموضوع؛ وذلك لأن الأصل في العقود، ويش الأصل فيها؟
طالب: الصحة.
الشيخ: الصحة ولَّا الفساد؟
طلبة: الصحة.
الشيخ: الأصل فيها الصحة حتى يتبين أنها فاسدة، وعلى هذا فإذا ادَّعى عقدًا قلنا: إن الدعوى مسموعة، وإذا كان لخصمك دعوى تقتضي بطلان هذا العقد الذي ادعيت فليدلِ بما معه.
طالب: (... ).
الشيخ: سماعًا بمعنى أنه إذا جاء يطلب إحضار خصمه أحضرناه، وإذا قلنا بعدم السماع ما يصح إطلاقًا، فهناك سماع للدعوى وقبول الدعوى؛ القبول معناه أن نأخذ بقول هذا المدعي، ونقول: خذ ما ادعيت، والسماع أن نقول: إنما نستمع إلى ما تقول فأحضر خصمك.
فلو جاء إنسان يدعي على شخص بأنه سرق منه منذ عشرة أعوام وعمر هذا الشخص عشرة أعوام، نقول: حضِّر خصمك؟
طالب: لا.
الشيخ: ما نقول: حضر خصمك؛ لأن ما نسمع إطلاقًا.
طالب: (... ).
الشيخ: كل هذا شرط للسماع على المذهب.
الطالب: (... )؟
الشيخ: لا، لا بد أنه يقدم الدعوى متضمنة هذه الشروط، إذا لم تتضمن هذه الشروط فإنها لا تسمع، ولا يحضر خصمه.
الطالب: (... ).
الشيخ: ما يستقصي، ما يلزم الاستقصاء إلا على القول بأنها تسمع مقبولة، يعني ما يشترط فيها التحرير، ولا العلم، ولا ذكر الشروط، فعلى هذا لا بد أن يستقصي، يخبره ويستقصي، يخبر الخصم ويستقصي.
الشرط الخامس: أن يدعي لنفسه لا عليه، أن يدعي الإنسان لنفسه ما يدعي على أي أحد، هل أحد بيدعي على نفسه؟ معلوم أن الإنسان يدعي لنفسه وليس يدعي عليها، لكنه ربما يدعي عليها، ولهذا قال: (فلا تصح الدعوى المقلوبة)؛ الدعوى المقلوبة أن يقول الإنسان: أدعي على هذا الرجل أنه يدعي عليَّ بمئة درهم مثلًا، أو أدعي عليه أنه يدعي عليَّ أني بعت بيتي عليه، هذه لا تسمع، لماذا؟
طالب: مقلوبة.
الشيخ: لأنه ادعى على نفسه ولَّا لها؟
طلبة: نعم، ادعى على نفسه.
الشيخ: على نفسه، يقال له-على القول بأنها لا تسمع- يقال له: أنت تدعي أن فلانًا يدعي عليك أنك بعتَ عليه بيتك؟ فيقول: نعم، نقول: انتظر حتى يأتي ويدعي ونحكم بما تقتضيه الحال، لكن الصحيح الراجح أنها تصح؛ لأن فيها فائدة، وهي التخلص من المدعي هذا المدعي كلما مر شهران ثلاثة جاءنا، قال له: هطلع أنا البيت، أنت بايع عليَّ البيت، ومرة يقول: هذا ما يمكن أن أبسطه أو أستقر، فأنا أدعي عليه لأجل أن يحضر وأحاكمه، ثم آخذ صكًّا من المحكمة بأنه ليس له حق في دعواه، وحينئذٍ أستريح.
كذلك أيضًا يُوجد بعض الناس يجيلوا شخص يقول: أنا أطلب كثيرًا مئة ألف فأقول لهما: أبينوا الشروط، هذا الرجل (... )، ثم إذا بقي مدة من الزمن جاء إليه، وهكذا دواليك.
الإنسان ليس بصابر على هذا الأمر، فهو يدعي عليه بأنه يدعي عليه لأجل أن يحضر إلى القاضي، ثم يُحكم ببراءة المدَّعَى عليه، وحينئذٍ إذا أتاه مرة ثانية يستطيع أن يرفعه إلى ولاة الأمور ليأدبوه، أما إذا لم يُحكم له فإن ما أحد يقول يقدر يقول: إذا أدبه ليش يدعي عليه؟ حتى يتبين براءته.
فالحاصل أن المسألة اختلف فيها أهل العلم؛ المشهور من المذهب أنها لا تُسمع، وأنه يشترط في الدعوى أن يدعي لنفسه لا عليها، والقول الثاني في المسألة أنه يصح؛ لأن في ذلك مصلحة، وهي تخليص أو تخلُّص هذا المدَّعى عليه من هذا المدعي لأجل أن يستريح منه.
وكوننا نقول: إن الآن الحق له، كيف يطالب به؟
نقول: هو ما طالب بأن يُعطي الحق، لو كان مُقرًّا بأن عليه حقًّا لكان أجيبوا، لو كان يقر هذا الذي يدعي أنه يدعي عليه لو كان يقر بأن للمدعي حقًّا.
طالب: لسلمه.
الشيخ: لسلمه إياه وانتهى منه، لكن هو يقول: ما له حق عليَّ، لكنه يؤذيني بالمطالبة فأنا أدعي عليه أنه يدعي عليَّ لأجل أن يحضر إلى المحكمة، ثم ينهى موضوعه حينئذٍ أتخلص منه.
ولا شك أن في هذا فائدة كبيرة جدًّا ولا سيما في بعض الأحيان في الأوقاف التي يدعي بعض الناس أن له حقًّا فيها، ويؤذي القائمين عليها في المراجعات، فتُقام الدعوى هذه المطلوبة لأجل أن يتخلص من دعوته.
طالب: (... )؟
الشيخ: لا، هي لها مدى معين في الحقيقة (... )، وهي المقصود بها ما يقصد بالدعوى المقلوبة؛ لأن المقصود من هذا الذي بيده الملك مثلًا المبلغ عنه يريد إذا كان لأحد دعوى يتقدم لأجل أن يحكم له هو إذا لم يتبين له.
طالب: (... )؟
الشيخ: لا، له مختصم هذا، أصله من بعد الشهر يحكم (... )، لكن لو يجي أحد فيما بعد يدعي فإنه ينظر في الموضوع.
طيب الشروط إذن (... ) لو ادعى الاستحقاق في هذه الملك، يحتاج إلى ذكر السبب ولَّا لا؟
طالب: لا.
طالب آخر: يحتاج.
الشيخ: يحتاج إلى ذكر السبب؛ لأنه لا تعتبر إلا بوجود السبب، فلو قال: أنا وارث لهذا الملك، أنا أقول: بأي طريقة زوجية فرادى ولاء إلا أن الفقهاء قالوا: إذا كان الملك أو المال ليس له وارث معلوم، فيكفي ذِكْر الجهة مطلقًا بأن يقول: أنا قريب مثلًا لي قرابة مثلًا من هذه (... )، وأما إذا كان له مالك معلوم فلا بد أن يذكر السبب، ولا بد أن يذكر أيضًا الجهة (... )، ويقول: بأن ابن عمه الذي بيني وبينه كذا جد.
والحاصل أن المهم أن الدعوى يعني على سبيل العموم لا بد من اشتراط إمكانها، وما يكذبه الحس أو العقل فلا يصح، ولا بد أيضًا أن يذكر ما لا تحل إلا به إلا أنها تصح مجملة في الحقوق والقاضي هو الذي يستفصل.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، ننظر؛ لأنهم يرون أن هذا من حقوق العقد لا من حقوق العاقِد؛ يعني هذا الشرط يتعلق بالعقد، فلا يمكن يحكم لهذا العقد إلا بوجود شروطه.
الطالب: (... )؟
الشيخ: هذا ينطبق على الكل بأنه ليس بشرط، وأن البعض يستقصي، لو شك القاضي مثلًا في هذا العقد لا بد أن يستقصي؛ لأنه افرضوا مثلًا ادعى عليه البيع، وهذا البائع ليس بماله هذا ممكن ولَّا غير ممكن؟ يمكن يجي واحد يتحرج على بيت فلان ويقول: هذا بيتي، يقول على واحد، نعم، مثلما قيل عن الرجل اللي طلق امرأة غيره.
قد يبيع، يلزمه بغيره فلا بد أن يُذكر الشروط، لكن مثل هذا قلنا: إن الأصل في العقود، الأصل فيها الصحة، فإذا ادُّعِي على ما يفيد (... ).
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
مدخل
﴿كتاب الشهادات﴾ أولًا: تعريف الشهادة، الشهادة تكون من المشاهدة، وهي الرؤية بالعين، ومن الشهود يكون الحضور، وعلى هذا فهي في اللغة تعود إلى هذين المعنيين؛ شهود بمعنى الحضور كما قال الله تعالى: ﴿إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: 61] شهودًا يعني يشاهدكم وهو سبحانه وتعالى مع الخلق، وإن كان على عرشه، وكذلك أيضًا من الشهادة كقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف: 86].
إذا تعدت بنفسها فهي تصلح بمعنى الحضور، وبمعنى المشاهدة بالعين؛ تقول: شهدت كذا، أما إذا تعدت بالباء فهي بمعنى الشهادة في الشيء، وهي الإخبار عما علمه، وهل يشترط أن تكون بلفظ: أشهد أو لا؟
فالمشهور من المذهب أنها لا بد أن تكون بلفظ أشهد فقال: (إخباره بما علمه بلفظ أشهد ونحوها).
وقيل: إنه لا يشترط هذه الزيادة وأنه متى أخبر بالشيء فقد شهد به؛ ولهذا مما قيل للإمام أحمد: إن فلانًا يقول أقول: إن العشرة في الجنة ولا أشهد، قال: إنه إذا قال فقد شهد.
إذن فهي إخبار عما يعلمه سواء بلفظ: أشهد، أو بلفظ: أقول، أو ما أدى معناها، وحكمها تحمُّل وأداء، حكمها أنها فرض كفاية، إذا قام بها من يكفي لم تجب على الآخرين؛ لأن المقصود بها حفظ الحقوق المشهود بها، والتحمل لفظ الشهادة، والأداء إبراز الشهادة؛ فالتحمل يكون المشهود له محتاجًا إليها عند وقوع الشيء المشهود به والأداء يكون محتاجًا إليها عند الحكم له به، وكلاهما فرض كفاية.
وقيل: إن التحمل فرض كفاية، والأداء فرض عين، وأنه لو تحمل هذه الشهادة عشرة فإنه يجب على كل واحد منهم أن يشهد؛ أي أن يؤدي شهادته؛ لأننا لو قلنا: إن الشهادة أداؤها فرض كفاية، فطلبنا من الشاهد الأول أن يشهد، قال: فيه من يكفي، ذهبنا إلى الثاني، فقال: فيه من يكفي، ثم ربما يضيع الحق من هذه المماطلة؛ ولهذا التفصيل؛ يعني التفريق بين التحمل والأداء له وجه؛ فالتحمل فرْض كفاية إذا علمنا أن في المقام أو في المكان من يكفي في الشهادة، فلا يجب عليه، وأما الأداء فإنه فرض عين.
ولكن لا بد فيها من شروط كغيرها من الواجبات؛ وهي أن يكون الإنسان قادرًا على أدائها بلا ضرر، فإن كان لا يمكنه إلا بضرر فإنه لا يجب عليه أن يؤدي، مثل: لو فرضنا أنه لو شهد بهذا الأمر لأدى ذلك إلى قتله أو حبسه أو ما أشبه ذلك فإنه يقول أهل العلم: إنه لا يجب عليه مُستدلين على ذلك بقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].
والدليل على وجوبها قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282]، وهذا نهي، والأصل في النهي التحريم.
وقوله: ﴿إِذَا مَا دُعُوا﴾ يشمل الدعاء إلى تحملها والدعاء إلى أدائها، ثم إنه قد لا تقتضي الحال؛ يعني قد لا تقتضي الحال أن يدعوك باللفظ، قد يدعوك بالحال، فإذا كانت القرينة تقتضي أن تتحمل هذا الأمر الواقع، وإن لم يقل لي: اشهد على كذا فإنه يجب عليك أن تشهد.
وبعض العوام يظنون أنهم إذا لم يقل: اشهد على فلان فإنه لا يجب عليه الأداء، وهذا خطأ، بل المقصود تحمل الدعوى إليها: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282] سواء دعاه بلسان الحال أو بلسان المقال.
طالب: (... )؟
الشيخ: لا، باعتبار ما يكون؛ لأني إذا دعوتك وقلت: تعالَ اشهد فأنت الآن المطلوب منك أن تكون شهيدًا فهو شاهد، لكن لا شك أن أداءها أوْفَى من وجوه؛ لأن أداءها فرض عين.
(ويشترط فيها ذكر الشروط والأوصاف المعتبرة في المشهود به) يعني ما يكفي الشهادة المجملة حتى يُبَيِّن الشروط والأوصاف المعتبرة.
الشروط مثلًا: إذا أشهدني على بيع فإنه يجب أن أسأل ما هذا البيع حتى لا يكون التباس في هذا المشهود به، وأعرف أن هذا البيع قد تم بشروطه كذلك لا بد أيضًا من الأوصاف المعتَبرة، إذا كان مثلًا هذا الشيء المشهود به أحمر أبيض أخضر من النوع الفلاني، لا بد أن تُدركه، فلا يكفي أن أشهد بشيء مجمل في يد المشهود عليه؛ ولهذا لو رأيت لصًّا دخل بيتًا وخرج بكيس معه، ثم ادعى صاحب البيت أنه سرق دراهم في كيس، فهل يجوز لي أن أشهد بأنه سرق هذه الدراهم؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ولكني أشهد بما رأيت؛ بأني رأيت رجلًا خرج من هذا البيت يحمل كيسًا، أما أن فيه دراهم أو غير دراهم فهذا لا أشهد به، فلا بد من الأوصاف المعتبرة.
كذلك أيضًا لو شهدت على شخص بأنه جنا على آخر، فلا بد من أن أشهد بأنه جنا عليه في حال يؤاخذ بالجناية؛ بألا يكون مدافعًا، وأن يكون بالغًا عاقلًا إلى آخر ما يقتضى في المشهود به، والمهم أن هذه الشهادة لا بد أن تكون مُحرَّرة أشد من الدعوى التي سبق أن ذكرنا فيها الخلاف؛ لقول الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: 86].
ويُروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: «تَرَى الشَّمْسَ؟ ». قال: نعم.
قال: «عَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ أَوْ دَعْ» (5). ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الكبائر: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟ ». فقالوا: بلى.
فذكر منها شهادة الزور.
(6) وكان متكئًا فجلس.
والزور معناه الميل والانحراف؛ وكل شهادة لا تكون بها الحق فإنها جرم، ولهذا يجب علينا أن نتحرز غاية التحرز في الشهادة، وألا نبالي أو نحابي أحدًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135].
أما شروط الشاهد فهي أولًا: البلوغ، يشترط في الشهادة أن يكون بالغًا، والبلوغ معروف لديكم؛ فالصغير لا تُقبل شهادته؛ لأنه غير مؤتَمن لا من ناحية الحفظ ولا من ناحية التأثير؛ إذ إن الصبي قد يُؤثَّر عليه إما بالوعد وإما بالوعيد؛ فلهذا لا تُقبل شهادته.
وكلام الفقهاء رحمهم الله يقولون: لا تُقبل حتى فيما لا يطلع عليه إلا الصبيان؛ يعني ما يجري بين الصبيان فيما بينهم لا تُقبل شهادتهم فيه؛ لأن المحظور الذي (... ) به رد الشهادة موجود، قد يكون هذا الصبي الذي شُهد عليه يكون منازعة مثلًا منازعة مهاجرة يهجره حتى إنه ما يذكر ولا اسمه، فيشهد عليه ولَّا لا؟ وقد يكون صديقًا له جدًّا، فيشهد له؛ فهو غير مؤتَمن في الواقع.
وقال بعض العلماء: إن شهادة الصبيان مقبولة بعضهم ببعض أو على بعض فيما لا يطلع عليه إلا الصبيان؛ كالذي يكون بينهم في أسواقهم.
وقيل: إنه مقبول في الجراحات دون الأموال؛ لأن الجرح للصبي يؤثِّر عليه تأثيرًا بالغًا، ويهتم به اهتمامًا بالغًا بخلاف الأموال؛ يعني بمعنى أن الصبي يندهش إذا رأى الجرح، ولا يمكن أن يُخلف أو أن يقول ما لم يقع بخلاف المال، وهذا واضح في أن الصبيان يندهشون إذا رأوا الجراحات.
وقال بعض العلماء: إنه يُقبل ما لم يتفرقوا، إذا كان في وقت الحال قبلوا، وأما إذا تفرقوا فلا يقبلوا، لماذا؟ لأنه بعد التفرق يمكن أن يُلقَّن ويُؤثَّر عليه، لكن قبل التفرق هذا شيء بعيد.
إذن كل هذه الأقوال أو هذه الاختلافات كلها ترجع إلى أننا هل نثق بشهادتهم أو لا نثق؟
وإذا كانت كذلك فإن القاضي من حيث القضاء يستطيع أن يحكم بالقبول أو بالرفض بناءً على القرائن الخارجية أو القرائن الداخلية بالنسبة للأطفال؛ لأن الأطفال أيضًا يختلفون؛ فمثلًا بالنسبة للطفل الذي نعرف أنه طفل متزن، وأن من شهد له ليس بينه وبينه صداقة، وأن من شهد عليه ليس بينه وبينه عداوة ظاهرة؛ فإن هذا ربما نقبله، وإذا كان الأمر يختلف فقد نرده؛ لأن إهدار شهادته مطلقًا، ولو دلت القرائن فيه أيضًا ضرر، من الذي يعرف أن هذا الصبي مثلًا رمى بالحجر حتى أصاب الصبي الثاني في مكان مجلس الصبيان؟ من الذي يدري؟
طالب: الصبيان.
الشيخ: ما يدري إلا الصبيان، لو أننا أهدرنا مثل هذه الأمور لكان في ذلك إهدار لأشياء كثيرة تفوت؛ ولهذا الذي نرى أن القول الراجح في هذه المسألة أن للقاضي أن يحكم بشهادتهم إذا دلت القرائن على صدقهم.
البلوغ هل هو شرط للتحمُّل والأداء، أو للأداء فقط؟ للأداء فقط؛ ولهذا لو تحمل وهو صغير وأدى وهو بالغ فإنه يُقبل؛ لأن العلة التي مُنع منها قبول الشهادة بعد البلوغ تزول، وأظن الرواية قد مر عليكم هذا في الرواة أنه إذا تحمَّل صغيرًا وأدَّى كبيرًا فإنها تُقبل، هكذا أيضًا الشهادة إذا تحمل وهو صغير وأداها وهو بالغ؛ فإنها تقبل لزوال المحظور.
(أقسام العقل) وما هو العقل؟ العقل هو صفة ذاتية يستطيع بها الإنسان أن يعرف ما يضره وما ينفعه.
وهل نزيد بذلك وأن يتصرف في ما ينفعه وفيما يضره حسب المنفعة أو المضرة، ولَّا ما هو بشرط؟
طلبة: ليس بشرط.
الشيخ: ليس بشرط إلا أن الأخير شرط للعقل النافع؛ ولهذا نفى الله العقل عن الكفار مع أنهم أذكياء وعندهم عقول يدركون بها، العقول اللي هي مناط التكليف موجودة في الكفار، لكن العقول اللي هي حُسن التصرف ليس موجودًا فيهم؛ فالعقل إذن إدراك الأمور بحيث يدرك الشيء الذي ينفعه والذي يضره، أما إذا كان فاقد العقل فإنها لا تُقبل شهادته؛ لأن ما يمكن أن يعرف، ولا أن يتصور، ولا أن يؤدي.
إذا كان يعقل أحيانًا، ويُجن أحيانًا فإنها تُقبل شهادته في حال فقط؛ إذا تحملها وهو مفيق، وأداها وهو مفيق فإنها تُقبل.
طيب السكران، تُقبل شهادته؟
طلبة: لا تقبل.
الشيخ: في حال السكر لا تُقبل، إذا تحملها أو أداها في حال السكر ما تُقبل، وفي حال الصحو تُقبل.
طيب المخرِّف؟
طالب: (... ).
الشيخ: ما تُقبل إلا إذا كان يعقل؛ لأن فيه بعض المخرفين في بعض الأحيان يصحون صحوًا تامًّا، وفي بعض الأحيان ينسون، فالحكم يدور مع علته، متى وُجِد التعقل صحت الشهادة، ومتى فُقِد ردت الشهادة.
فما أدري منكم أحد علَّق على مسألة السكران؟
طالب: (... ).
الشيخ: ما يتحمل إذا استطاع، وقد تتصور الشهادة بخلاف ما هو عليه، إنما نشوف العدالة؛ لأنه ظننتم تقولون: إنه يشترط العدالة، والسكران ليس بعدل، هذه (... ).
الثالث: الحكم.
طالب: (... ).
الشيخ: إي، يجيبون أخبارهم.
الطالب: (... ).
الشيخ: إي، لكن يجيبون أخبارهم يعني أخبار عن غيرهم؟
الطالب: (... ).
الشيخ: كيف؟ ! يعني ما قلنا بحكمة المجنون أبدًا، الحكمة للعاقل.
الطالب: (... ).
الشيخ: كيف؟
الطالب: (... ).
الشيخ: نعم، إن هذه الحكمة إذا صح أنه قد يعبر بشيء معقولًا فإنه لا يتصور الشيء المعقول، قد يجيبه من ذات نفسه، لكن ما يعرف أنه شهادة، أو أنه شاهد، أو أنه يثق.
ثم لو فُرِض أنه أصاب فيما رأى ما نثق به في جميع المرات، ليس محل ثقة، هذا شيء معروف، كيف الإنسان المجنون الذي نقبل منه ما شهد به مرئيًّا كان أو مسموعًا؟ هذا لا يضمن.
كذلك أيضًا في المعتوه اللي بين العاقل والمجنون أيضًا لا تُقبل؛ لأن المعتوه أشد من الصبي، فإذا كان الصبي لا يُقبل، فكيف يقبل المعتوه؟ !
طالب: (... )؟
الشيخ: لا، هو إذا كان ممكن إذا كان يصعب فإنه ما ينظر، ما تُقبل شهادته، لكن إذا كان يمكن؛ لأن بعض المعاتيه في بعض الأحيان يعرف تمامًا اللي حصل ويحدِّثك بما حصل تمامًا؛ فالحكم يدور مع عِلته؛ فمتى اشتبهنا في الشهادة؛ لأن الشهادة -كما أشرنا إليها قبل ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف: 86]- ومعلوم لا بد أن نعلم بأن هذا الشيء أمر واقع، وإلا فلا يُقبل.
طالب: (... ).
الشيخ: إي، بس الشهادة اللي تُوجب الحكم من إنسان (... ) ما يمكن أن تُقبل، أما كونه هو يتحدث عما فعل فيما مضى، فهذا معناه أن الذاكرة حفظت هذا الشيء، وهؤلاء المجانين أحيانًا يتحدثون بما جرى في أزمان ماضية، وتكون موافقة للواقع، لكن هل نحن نثق حتى نحكم بشهادتهم؟
طالب: (... ).
الشيخ: إذا جاء قد شهد وهو عاقل نأخذ بشهادة الشاهد.
الثالث: الحفظ؛ والحفظ له معنيان: أحدهما: إدراك الشيء؛ بمعنى أنه بيحفظه ويخزنه عنده، والثاني: أداء الشيء؛ لأن الإنسان أحيانًا بيخطئ في الحِفظ عند تصوُّر الشيء، يسمع الكلمة على غير ما قيلت، ثم يحفظها كذلك، وأحيانًا يحفظ الشيء ويتلقَّاه تلقيًا كاملًا، لكنه كثير النسيان؛ فالأول عنده حساب التصور، والثاني عنده ضعْف الحافظة، فلا بد من الأمرين أن يكون حافظًا عند التلقي، وعند الأداء، فإذا كان كثير النسيان فإنها لا تُقبل شهادته، وإذا كان ينسى ما تُقبل شهادته؟ إذا كان ينسى ما هو كثير النسيان.
طالب: تُقبل.
الشيخ: تقبل؛ لأنه ما من أحد إلا وينسى، لكن بعض الناس يكون معروف بالنسيان تُحدِّثه في الصباح وتبحث معه في المساء عما قد حدثته في الصباح فلا يذكره، هذا ما يمكن أن يكون شاهدًا، لكن يمكن التخلص من هذا بكتابته كتابة الشهادة ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: إذا كتبها فإنه يذكر، ولكن إذا كتبها، ثم أدَّاها وهو يعلم أن هذا هو خطه، لكنه نسي الواقعة، نسيها نهائيًّا، لكن يعلم أن هذا خطه، فهل يجوز أن يشهد وتُقبل شهادته ولَّا لا؟
المشهور من المذهب أنه لا يجوز حتى يتذكر الواقعة، ولكن الصحيح -بلا ريب- أنه يجوز أن يشهد؛ لأنه ما دام أنه يعرف أن هذا خطه وتيقنه مثل الشمس فليس بشرط أن يتصور، أو أن يتذكر الواقعة، وما فائدة التعليم بالقلم؟ الله تعالى امتنّ على العباد قال: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق: 4]، والقلم فيه فصل الأشياء الخطيرة، لولا القلم لضاع الناس في دينهم ودنياهم، ولكن الله تبارك وتعالى جعل هذا القلم حافظًا لأمور لا تحفظها الذاكرة.
فالصواب -بلا ريب- أنه إذا كان يعرف أن هذا خطه فله أن يشهد به ولو كان قد نسي، ولو أننا أخذنا بما قاله الفقهاء في المذهب، لو أخذنا به لكان كثير من الشهادات اليوم تُلغى، لو أتيت بواحد قد كتب شهادته منذ خمسين سنة، قلت: تأكدت من هذه القضية؟ قال: ما أذكر، لكن أشهد أن هذا خطي.
على المذهب تبطل هذه الشهادة حتى يتذكر هو بنفسه أنه وقع هذا الشيء، ولكن الصحيح -بلا ريب- أنها لا تبطل هذه الشهادة، وله أن يشهد بها.
ما حجة المذهب؟ يقولون: لأن الخط قد يُقلَّد، وهذا صحيح أن الخط قد يُقلَّد، لكنه مهما قُلِّد فإن الإنسان يعرف خطه؛ لأن هناك ميزات مثل ما تعرف الخط بوجه ولو كان به شبيه بوجه تعرف الخط.
فالصواب أنه وإن قُلِّد، لكن لا يمكن أن يكون مثل خط الإنسان مئة بالمئة أبدًا، ولا بد أن يعرفه، ثم هذا الاحتمال يرد علينا في أشياء كثيرة أيضًا، كل شيء يمكن أن يُقلَّد حتى صوت الإنسان إذا بغى يشهد على (... ) فقد يُقلَّد، افرض أن الشاهد أعمى، الآن الطريقة التي يدلي بها الشهادة أو تحمله السماع؛ لأنه لو شهد بشيء مقروء على فِعله نقبله ولَّا لا؟
ما نقبله، ما يمكن يكون شاهد، لكن لو شهِد على شيء مسموع تُقبل شهادته؟
طالب: تُقبل.
الشيخ: أليس يمكن أن يأتي واحد عفريت يقلد الشخص بنفسه؟
هنا توقف الشيخ -رحمه الله- عن شرح متن الزاد إلى الشرح من مذكرة أخرى.
لو أن الاحتمالات العقلية أُلْحِقَت بالأمور الخبرية لكان كل خبر يمكن أن يدخله الاحتمال ونُبْطِلَه بهذا الاحتمال.
طالب: (... ).
الشيخ: الوصايا أيضًا قد يوصي الإنسان بوصية قديمة مكتوبة، ويرجع الكاتب ويشهد أن هذا خطه فيشهد بها، ويكون عند الموصي وصية أخرى ناسخة للوصية الأولى، وتعرفون أن الوصية يجوز الرجوع فيها، ويكون الشاهد الأول لم يعلم برجوعه، ومع ذلك نحكم بها حتى يثبت الرجوع.
يشترط أيضًا الإسلام إلا ما استثني (... ) الرابع الإسلام، وخرج بقيد الإسلام ما عداه من الأديان من اليهودية والنصرانية والوثنية وغيرها، فلا بد أن يكون الشاهد مسلمًا؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2]، وقال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282]، والخطاب هنا لمن؟ للمؤمنين فيشترط الإسلام، ولأن الكافر غير مأمون؛ لأنه يقول على الله ما هو باطل، والقائل على الله ما هو باطل يمكن أن يقول على عباد الله ما هو باطل، ولأن الله تعالى أمرنا بأن نتوقف في خبر الفاسق؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: 6]، وإذا كان يجب علينا أن نتوقف في خبر الفاسق فخبر الكافر من باب أولى، إلا ما استثني، والذي استثني من ذلك ما ذكره الله تعالى في سورة المائدة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 106] هذا الخطاب للمسلمين ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ لكن بشروط ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: في السفر، يعني السفر ﴿أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ ما تستطيعون أن تؤجِّلوا الوصية؛ لأن الموت حضركم، والكلام أيضًا في الوصية ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾، فهذه الشروط كم؟ ثلاثة، الوصية في السفر، قلنا: الثالث؟ طلبة: (... ).
الشيخ: لا، ما هو شرط، الوصية في السفر، وأن لا يوجد غيره؛ لقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ فـ (أو) هنا ليست للتخيير، ولكنها للترتيب والتنويع؛ يعني: هذا أو هذا، ثم قال الله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ [المائدة: 106] إلى آخره، فالفقهاء رحمهم الله قالوا: هذه المسألة تُستَثْنى من اشتراط الإسلام، وهي الوصية في السفر لمن حضره الموت، وليس عنده مسلم لماذا؟ قالوا: لأجل الضرورة؛ لأن الآن نحن في ضرورة إلى قبول شهادة هذا الكافر فنقبله، فهل يلحق به جميع الضرورات؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: يُلحَق به جميع الضرورات، وقال الفقهاء: لا، نقتصر على الوارد؛ لأن الأصل اشتراط الإسلام فلا نخصص هذا الأصل إلا بما ورد به النص.
هل يُخَصُّ بالوصية ولَّا لا؟ يعني: هل يكون هذا في الوصية أو في كل معاملة إذا كان ذلك في السفر، ولم يوجد غير هؤلاء الكافرين؟
الصحيح أنه ليس خاصًّا بالوصية؛ لأن الآية نزلت في قضية معينة كما عُرِفَ في أسباب النزول وفي قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: 106] ما يشمل اليهود والنصارى وغيرهم، وتخصيص هذا باليهود والنصارى ليس بصحيح، وإن كان المذهب يُخَصِّصُونه بأهل الكتاب، ولكن الصواب العموم.
إذن الذي استُثْنِي هو شهادة الكافر في حال الضرورة في السفر، ولكنه خاصٌّ بالوصية ولَّا في غير الوصية؟
فيه خلاف، والصحيح
العموم،
لو كان الإنسان في ضرورة إلى شهادة الكافر في الحضر؛ على رأي شيخ الإسلام يجوز، وعلى الرأي الثاني لا يجوز.
طالب: تصوير المسألة في الوقت الحاضر.
الشيخ: تصوير المسألة في الحاضر؛ لنفرض إنسانًا حصل عليه حادث، وليس حوله إلا أناس كفار، يشتغل مثلًا مع أناس كافرين في نفس البلد، وحصل عليه حادث، وأراد أن يوصي بوصية وليس عنده إلا هؤلاء الكفار، فهذا الآن في ضرورة، لكنه ليس في السفر، فعند شيخ الإسلام يقول: يصح؛ لأن العبرة بالضرورة، والمذهب يخصون ذلك بالسفر؛ لأنهم يقولون: إن الأصل اشتراط الإسلام، فلا نخصصه إلا بما جاء به النص فقط.
طالب: (... ) الآية (... ).
الشيخ: يعني: (... ) القسم بالله.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: هو على كل حال إذا كان يعظم الله قد يكون مفسدًا ولكن يعظم الله، بناء على تعظيم المسلمين الذين يستحلفونه، فإذا قَدَّرْنا أن القسم بالله ما يفيد؛ لأنه لا يهمه أن يعظم الله أو لا يعظم الله، حينئذ لا يمكن الحكم بشهادته، ثم إن قوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: 106] مشروط بقوله: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾، ومفهوم الآية إذا لم نرتب فإننا لا نحلفه.
الخامس العدالة، والعدالة في اللغة الاستقامة، وفي الاصطلاح استقامة الدين والمروءة؛ فاستقامة الدين ألَّا يفعل كبيرة ولا يُصِرُّ على صغيرة، واستقامة المروءة ألَّا يفعل ما يُذَمُّ عليه عُرْفًا هذه هي العدالة، والدليل على اشتراطها قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] في عدة آيات، ولأن غير العدل لا يُؤْمَن، بل هو لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] والشهادة إتيان بنبأ؛ فلا بد أن نتبين خوفًا من أن نصيب قومًا بجهالة، وإذا فسَّرنا العدالة بهذا التفسير؛ بأنها استقامة الدين والمروءة، فهل يمكن أن نجد من تنطبق عليه؟ هذه العدالة في وقتنا الحاضر..
طالب: قليل.
الشيخ: قليل جدًّا؛ مثلًا الغيبة من كبائر الذنوب، إذا اغتاب الإنسان رجلًا واحدًا مرة واحدة صار بذلك فاسقًا ما لم يَتُبْ، فمن الذي يَسْلَمُ من الغِيبة اليوم؟ والغيبة لو تقول: هذا الرجل مثلًا تصفه بصفات عيب في جسمه صار ذلك من الغيبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الْغِيبَةُ ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ» (1) من عيبٍ خُلُقِيٍّ أو خَلْقِيٍّ أيضًا.
مسألة الإصرار على الصغيرة، الآن الإصرار على الصغيرة بكثرة، ومنها مثلًا الإصرار على حلق اللحية أو على الدخان أو ما أشبه ذلك من الصغائر، فهل نقول: إن هذا الشيء إذا وجد ما نقبل الشهادة؟ فيه صعوبة؛ ولهذا اختار شيخ الإسلام رحمه الله أن العدالة شرطٌ عند الإمكان، وإذا لم يمكن فليست بشرط، ولكن الشرط الذي لا بد منه قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] المهم يكون هذا مرضيًّا عند الناس، أمَّا مَنْ ليس بمرضيٍّ لكونه معروفًا بعدم المبالاة، وما أشبه ذلك، فهذا لا يُقْبَل، ونحن الآن نعرف أناسًا مُصِرِّينَ على بعض الذنوب يستحقون بها أن يُسْلَبوا العدالة، حسب تطبيق هذا التعريف على العدالة ومع ذلك أخبارهم موثوقة ومرضية عند الناس، وهذا أمر مشاهد، فهل نقول: إن مثل هؤلاء لا يُسْتَشْهَدُون؟ فيه صعوبة.
فالذي أرى في هذه المسألة ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية؛ أن العدالة هي الاستقامة، وأن المراد بالاستقامة هنا ما كان مستقيمًا عند الناس بحيث يرضونه، وهذا لا ينافي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]، فإن الله لم يأمر بردِّ خبر الفاسق مطلقًا، بل قال: ﴿تَبَيَّنُوا﴾؛ يعني: تبينوا الأمر، وانتظروا حتى يحصل البيان، فإذا علمنا بأن هذا الرجل موثوقٌ في قوله، وإنه ما يمكن أن يقول إلا ما هو حق؛ فإنه لا مانع من أن نقبل شهادته، وهذا هو الذي عليه عُرْف الناس اليوم، فتجد في المحكمة مثلًا مَنْ يشهدون وهم حالقو لحاهم، وتجد فيهم في المحكمة مَنْ يشهد وهو معروف بأنه يغتاب الناس، ولكن الناس يثقون بقوله في الشهادة؛ لهذا القولُ بأنه لا بد من استقامة الدين والمروءة مشكل، في المروءة الآن لو خرج الإنسان لابسًا إزارًا ورداء وعمامة ويش رأيكم؟
طلبة: (... ).
الشيخ: هذا خلاف المروءة ولّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: إزار ورداء وعمامة، (... ) المروءة ونطالبه الآن، يفعل، لكن نريد من أهل نجد، هذا يخالف المروءة؟ كذلك أيضًا لو كان يمشي في السوق ومعه فصفص (... )، ويش رأيكم؟
طالب: (... ).
الشيخ: كيف اختلافهم؟
الطالب: (... ).
الشيخ: إي نعم، وبم ترتضي؟
طالب: (... ).
الشيخ: لا يخالفهم (... ) صحيح، هذا هو الواقع، كان الناس في الأول يرون أن الأكل في السوق أو الشرب في السوق يرونه مخالفًا للمروءة، والآن هي مطاعم في السوق والناس على عتبات الدكاكين يشربون الشاي والقهوة (... ).
شروط الدعوى، الدعوى هي ادعاء الإنسان على غيره حقًّا، سواء كان هذا الحق عينًا أو دينًا، أو أي حق من الحقوق (... ) عليه، وإذا لم يكن متكلمًا فإنه لا (... ) به الإشارة، قد لا تفهم، وإذا فهمت فإنها لا تفهم على سبيل التفصيل؛ ولهذا يقول: إلا تُقْبَل من الأخرس بخطه، إذا كتب ما شهد به قبلت؛ لأن المانع الذي من أجله منع من لا ينطق يزول بالكتابة.
فالحاصل الآن أن الشرط الثالث هو الكلام، وليس فيه دليل، ولكن فيه تعليل وهو أن مَنْ لا يتكلم لا يمكن العلم بما عنده، حتى ولو أشار إشارة تفهم فإنه لا يحصل بذلك التفصيل، والمسألة مهمة؛ الشهادة، ولكن إذا أدَّاها بخطه فإنها تُقْبَل منه.
هل تُقْبَل من الأخرس بما يسمع كما لو شهد بأن فلانًا طلق زوجته أو أقر بكذا لفلان؟
طالب: ما تُقْبَل.
الشيخ: ما تقبل لماذا؟ لأنه لا يُسْمَع، وإذا كان لا يُسْمَع؛ فكيف يشهد بما يسمع؟ فلا تقبل شهادته، قد يقول: أنا أفهم الكلام من حركة الشفتين واللسان ويش نقول؟
ما يصح ولا ينضبط، فيه ناس من الخُرْس -اللهم عافنا- يفهمون الكلام، لكنه إذا جعل الكلام كإشارة له؛ يعني: مثلًا اللي عنده قريبه اللي دائم معه تجد يكون معه إشارة تحريك الشفتين، ويعرف ما يقول بتحريك شفتيه فهذا يكون كالإشارة المفهومة، لكنها لا تنضبط فلا يُقْبَل إذن، شهادتُه تكون بأي شيء؟ (... ).
طالب: (... ).
الشيخ: لا ما هو بالأداء؛ يعني: تحمُّل الشهادة للأخرس؛ قلنا: ما يمكن أن يتحمل ما يسمع، يتحمل ما يرى، يتحمل ما يشم ولَّا لا؟ يتحمل ما يُلْمَس؛ يعني: عندنا بقية الحواس، ليست الحواس مخصوصة بالسمع؛ قد يُدْرَك الشيء بغير السمع،
باب موانع الشهادة وعدد الشهود
موانع الشهادة نحن عرفنا أن الأمور القاعدة العامة عندنا أن كل شيء لا يتم إلا بوجود شروطه وانتفاء موانعه؛ فالشروط عرفناها ستة هناك موانع توجب رد شهادة الشاهد، ولو كان اتصف بالشروط الستة وهي:
أولًا القرابة؛ فالقرابة من موانع الشهادة، ولكن ليس كل قريب تُرَدُّ شهادته لقريبه؛ ولهذا قلنا: تختص في عمودَيِ النسب، وعمودا النسب هما الأصول والفروع فلا تُقْبَل شهادة الوالد لولده من أب أو أم، ولا تقبل شهادة الولد لوالده كذا؟ لا تُقْبَل شهادة الوالد لولده، ولا الولد لوالده، إذن الولد وإن نزل نقول..
طالب: لا تقبل.
الشيخ: وإن نزل، وكذلك الوالد وإن علا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135]، وهؤلاء يعني: ما فيه دليل على ما قلنا، لكن هؤلاء ثم قال: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ﴾، لما كان الإنسان قد يحابي والديه وأقاربه قال: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ وهذه العلة أي: القرابة في الأصول والفروع مانعة مطلقًا على المشهور من المذهب، حتى لو فرض أن الشاهد مبرز في العدالة، ووجدت قرائن تدل على صدقه فإن شهادته لعمودي نسبه غير مقبولة.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا كان مبرزًا في العدالة، ووُجِدَتْ قرائن تدل على صدقه فإن شهادته مقبولة؛ لأن الشروط موجودة والموانع مفقودة هنا، وليس عندنا نص شامل يقول: إن الوالدين أو الأولاد لا يشهد بعضهم لبعض، ما عندنا نص، وإنما عندنا عمومات واحترازات في الشهادة، فإذا قُدِّر أن هذا الوالد شهد لولده في أمر دلت عليه القرينة، والوالد معروف بالعدالة التامة، فما المانع من قبول شهادته؟ ألا يدخل في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2]؟ هذا عدل، ولم يوجد مانع يرد شهادته، بل وُجِدتْ قرائن تؤيد شهادته، لكن المعمول به الآن هو رد شهادة الأصول والفروع بعضهم لبعض مطلقًا، وإنما ردوها؛ لأن تحقيق المناط في المسألة صعب؛ لأن العلم بظاهر هذا الرجل وباطنه وأنه مبرز في العدالة أمر يشق، ثم إنه يفتح لنا باب الفوضى؛ يأتي رجل يشهد لولده في قضية فنحكم بشهادته، ويأتي بعده رجل يشهد لولده في قضية فنمنع شهادته؛ لأن الأول دلت القرائن على صدقه، والثاني لم تدل، حينئذ يحصل التباس بين الناس، ويعزون القضاة إلى أي شيء؛ إلى الجور والجنح، ويقولون: قَبِلَ شهادة فلان لابنه، ورد شهادة فلان لابنه، هل يمنع هذا المانع الشهادة على الشخص ولّا لا؟
طالب: (... ).
الشيخ: أو عليه.
طالب: له.
الشيخ: إي نعم، له؛ لأن له هي محل التهمة، أما عليه فإنها ليست محل تهمة، بل قد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينْ﴾ [النساء: 135] ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، ومن المعلوم أنه يبعد غاية البعد أن يشهد الوالد على ابنه وهو كاذب، لكن يشهد لابنه وهو كاذب، ممكن أما أن يشهد عليه وهو كاذب، فهذا بعيد، ولهذا قال الله: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾.
إذن هنا المانع مانع للشهادة له لا للشهادة عليه.
ثانيًا: الزوجية؛ ما تُقْبَل شهادة الزوج لزوجته، ولا الزوجة لزوجها، فيه دليل؟ لا، ما فيه دليل، ولكن فيه تعليل، وهو أن العادة جرت بأن الزوجين يحابي بعضهما بعضًا لا سيما في الغالب مَنْ؟ الزوجة، الغالب أن الزوجة تحابي زوجها أكثر من العادة، ولا سيما أيضًا أن الزوجة في الغالب أقل دينًا من الرجل، وتحملها العاطفة أكثر، فالمهم أن شهادة الزوجة لزوجها لا تُقْبَل، وشهادة الزوج لزوجته لا تُقْبَل، بعد الفراق تُقْبَل ولَّا لا؟
طالب: فيه تفصيل، إن كانت تحبه (... ).
الشيخ: (... ).
طالب: (... ).
الشيخ: إي نعم، وإن كانت تكرهه.
طالب: وإن كانت تكرهه في الغالب، فإنها تقبل شهادتها.
الشيخ: إذن -على كلامك- تكون العلة المحبة والكراهة، لو كانت تكرهه وهي في حباله..
طالب: (... ).
الشيخ: هي تحاول بكل ما تستطيع أنها تتخلص منه، لكن ما هو بيدها وهي تكرهه وتدعو عليه بالليل والنهار، وتقول: الله يفرجني من هذا الرجل؛ يعني: إذا جعلنا العلة المحبة لزم أن الحكم يدور مع علته، فإذا كانت تكرهه فتُقْبَل شهادتها.
ثابت على هذا ولَّا عندك رأي ثاني؟
طالب: (... ).
الشيخ: (... ).
الطالب: (... ).
الشيخ: إي نعم، هذا هو الصحيح، المذهب يقول: ولو بعد الفراق، لكن ليس له وجه، فالصواب أنه بعد الفراق تزول مع أن الأصل كما قلنا قبل قليل: الأصل قبول الشهادة، لكن نظرًا إلى أنه ربما تحصل محاباة منعت الشهادة للزوجة أو للزوج.
طالب: (... ) الزواج (... ).
الشيخ: كيف (... ) بعد الزواج؟
طالب: (... ) بعد الفراق.
الشيخ: حتى ولو كانت معه يعني.
الطالب: بعد الفراق.
الشيخ: بعد الفراق إذا شهدت له ما هي عليه، إذا شهدت له فلا بأس.
طالب: (... ).
الشيخ: هل تقبل شهادة أحد الزوجين على الآخر؟ نعم، تقبل على الآخر، أما له فلا تقبل، إذا كانت الزوجية باقية.
طيب، ما رأيكم في الخطيبة شهادة الإنسان لخطيبته أي: لمخطوبته أو بالعكس؟
طالب: ما تقبل.
الشيخ: الزوجية ما تمت الآن، لكن أنا عندي أن المحاباة أكثر ولَّا لا؟ لأنه (... ) علشان توافق على خطبته أو بالعكس، فلهذا ما دامت المسألة مبناها على العلة؛ فإننا نقول: وكذلك المخطوبة إذا شهد لها أو شهدت له؛ لأن هذه من وسائل التودد بين الخاطب والمخطوبة.
ثالثًا: التهمة بسبب ظاهر.
طالب: (... ) العلة (... ).
الشيخ: هذا هو الذي مشى عليه شيخ الإسلام ابن تيمية على أن العلة التهمة مطلقًا، فإذا انتفت التهمة حتى في الأصول والفروع فإنها تُقْبَل الشهادة.
طالب: (... ).
الشيخ: على كل حال الأصل أن ما فيه تهمة بعد الفراق؛ لأنه ويش يراعي؟ وهي أيضًا ماذا تراعي؟ لكن إن وجد في قضية معينة تهمة فللحاكم أن ينظر في الموضوع.
التهمة بسبب ظاهر؛ كمن يشهد بما يَجُرُّ إليه نفعًا أو يدفع عنه ضررًا، التهمة بسبب ظاهر؛ يعني: معلوم ما تكون التهمة بسبب تكون مانعًا؛ ولهذا لو شهد الصديق لصديقه تقبل ولَّا لا؟ تقبل، وشهادة المحب لمحبه تقبل، ولو لم نقل بذلك لزم أن نرد شهادة المؤمنين بعضهم لبعض؛ لأنهم يتحابون في الله لكن إذا كان السبب ظاهرًا -سبب التهمة- فإنه يُرَدُّ؛ مثل شهد إنسان بشيء يجر إليه نفعًا؛ مثل أن يشهد الوارث بأن هذا الميت الذي مات قد طلَّق زوجته، وانقضت عدتها منه قبل وفاته، ويش اللي بيصير؟
طالب: (... ).
الشيخ: يجُرُّ إلى نفسه نفعًا ولَّا لا؟ يجر إلى نفسه نفعًا؛ وهو أن يتوفر مال الميت له، بدل ما تأخذ الزوجة الربع مثلًا وله ثلاثة أرباع، يكون له المال كله، فقد جَرَّ إلى نفسه نفعًا.
كذلك أيضًا شهادة الورثة بجرح المورث قبل اندمال الجرح؛ يعني: شهدوا بأن الذي جرحه فلان، والجُرح ما بعد بَرِئ، هذا لا شك أنه يجر إليه نفعًا؛ لأنه لو مات بهذا الجرح وجبت عليه الدية؛ على الجارح، والدية من تكون له؟
طلبة: للورثة.
الشيخ: تكون للورثة فلا تُقْبَل شهادتهم في هذه الحال؛ لأنهم يجرون إلى أنفسهم نفعًا.
كذلك إذا شهد بما يدفع عنه ضررًا؛ إنسان شهد بشهادة توجب أن يندفع بذلك عنه الضرر؛ مثل أن يشهد بجرح الشهود بدين على مورثه، إنسان بعد ما مات هذا الرجل جاء وادعى عليه بدين، كم الدين؟ قال: الدين عشرة آلاف ريال.
وين شهودك؟ جاء بالشهود، الورثة جرحوا بهؤلاء الشهود؛ قالوا: هؤلاء الشهود ما هم بعدول، هؤلاء فُسَّاق؛ لأجل ويش؟ لأجل ألَّا يسقط الدين، إذا لم يسقط الدين صار ما جاءهم ضرر، لكن لو ثبت الدين صار عليهم ضرر؛ لأنه يأخذ من التركة؛ فإذا شهد إنسان بما يدفع به الضرر عن نفسه؛ فإن شهادته لا تقبل؛ لماذا؟ لأنه مُتَّهَمٌ بجر النفع إلى نفسه أو دفع الضرر عنه، ومثلُها أيضًا لو زكى الشفيع شهادة بالبيع ببيع شريكه؛ زكَّاه؛ فإنها لا تُقْبَل؛ لأنه يَجُرُّ إلى نفسه نفعًا.
مثلًا شريكي باع نصيبه من أرض مشتركة بيني وبينه يكون لي فيها الشفعة ولَّا لا؟ لي فيها شفعة، لكن شريكي أنكر البيع، فأتى المشتري بشهود يشهدون بالبيع، فجرحهم شريكي، ولكني أنا زكيتهم، لماذا زكيتهم؟ لأنه إذا ثبت البيع ثبتت لي الشفعة، فأنا بهذه الشهادة أجر إلى نفسي نفعًا.
وعلى كل حال الأمثلة كثيرة، ولكن الضابط أنه إذا كلما كانت الشهادة تتضمن جَلْبَ نفع إلى الشاهد أو دفع ضرر عنه فإنها لا تقبل.
كذلك لو شهد الإنسان على عدوه فإنها تهمة ظاهرة، ولكن من هو العدو؟ هل هو الكافر؟
يقول العلماء في ضابط العدو هنا: (مَنْ سرَّه مساءةُ شخص أو غَمَّه فَرَحُه فهو عدوُّه)؛ كل إنسان يفرح بما يسيء إلى هذا الرجل، ويغتم بما يفرح؛ هذا الرجل فإنه يعتبر عدوًّا له، شوفوا هذا الضابط هل هو صحيح، ولَّا غير صحيح؟
طالب: غير صحيح.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأن كثيرًا من الناس تتوفر فيه هذه الأشياء.
الشيخ: كيف تتوفر؟
طالب: تتوفر فيه أنه يفرح بمصيبة شخصٍ؛ مثلًا بمجرد أن حصل بينه وبينهما شيءٌ وإن كان بسيطًا، ويساء أيضًا لمسرة هذا الشخص (... ).
طالب آخر: قد يكون بينه وبين شخص (... )؛ يفرح إذا أصابته ضراء، ويكون عدلًا في نفسه فلا يشهد إلا بالحق، فالحاصل يا شيخ (... ) للمصلحة (... ). الشيخ: إي صحيح، هذه النقطة التي نريد أن نشوف؛ لأنا إذا أخذنا بهذه القاعدة، فإن الحاسد يغتم بكل سرور، كل أحد يُسَرُّ بنعمة تجد الحاسد يَغْتَمُّ له؛ فإذا أصيب أحد بنقمة فإنه قد يفرح لذلك، وهذا في الحقيقة إذا كانت هذه -والعياذ بالله- صفةَ الإنسان يبقى جميع الناس أعداءً له، لكن مراد أهل العلم غير هذا؛ مرادهم بذلك إذا كان هذا الشيء متعلقًا بعين الشخص؛ لأن الحاسد ما يكون هذا وصفه بالنسبة لفلان دون فلان، بل هو لجميع الناس، إنما إذا كان لهذا الشخص المعين إذا أصيب بنكبة فرح بها، وإذا أصيب بنعمة اغتم بها، فإنه يكون عدوًّا له، فلا تقبل شهادتُه عليه؛ لماذا لا تقبل؟ قالوا: لأنه إذا كان يغتم بما يَسُرُّه، فإن الحكم على هذا الشخص يسوؤه ولّا لا؟ إذا صار يغتم بما يسوء هذا الشخص فإن القاضي إذا حكم على هذا الشخص، فهل يسوؤه الحكم عليه؟ يعني: هل يسوء المحكوم عليه هذا الحكم ولّا لا؟ خصمان عند القاضي حُكِمَ على أحدهما بما ادعاه خصمه هذا الحكم، هل يسوء هذا المحكوم عليه ولّا لا؟ يسوؤه بلا شك، إذا حكم عليه مثلًا بمليون ريال أو حكم عليه مثلًا بدفع دية أو ما أشبه ذلك، لا شك أنه يسوؤه، ولولا أنه يسوؤه فمن يخاصم لو كان لا يهمه لاعترف به، ولم يخاصم؛ فيقولون: إذا كان يسرُّه ما يسوء هذا الشخص فإنه يسره أن يحكم عليه؛ وحينئذ يشهد عليه بما يسوؤه لأجل أن ينال مراده بالسرور، هذا وجه كون العدو لا تُقْبل شهادته على عدوه.
مثل ذلك الصديق؛ إذا كان بالغ الصداقة، هل نقول: لا تقبل شهادته لصديقه؟ نعم، نقول: لا تُقْبَل على القول الصحيح، أما المذهب فتُقْبَل مهما كانت الصداقة، ولكن الصحيح أنه إذا كان صديقًا حميمًا الصداقةُ متمكنة بقلبه؛ فإنها لا تقبل شهادته له إلا إذا وُجِدَ سببٌ قوي يقضي على هذه التهمة، فحينئذ نقبل شهادته؛ لأن بعض الناس الآن شهادتُه لصديقه أحبُّ إليه من شهادته لأخيه، بعض الناس إذا صادق شخصًا صداقة عميقة، يمكن يُفضِّل ما يسره على ما يسر والده، فكذلك الصداقة القوية لا شك أنها مانعة من موانع الشهادة؛ شهادته له، ولكنه إذا وُجِدَ سبب أقوى منه؛ مثل أن يكون هذا الشاهد معروفًا بالعدالة والاستقامة، والتهمة منه بعيدة، فإنها تُقْبَل شهادتُه.
طالب: (... ).
الشيخ: يقول العلماء: إنه إذا فسخ (... ).
طالب: (... ).
الشيخ: إن السؤال عن الموانع ليس بشرط، لا في مسألة الفتوى، ولا في مسألة الشهادة، ولا في غيرها؛ لأن الأصل عدم المانع.
طالب: (... ).
الشيخ: نعم، كما أن الأصل عدم الشرط فلا بد من تحقق وجوده، الأصل عدم وجود الشرط، فلا بد أن يتحقق وجوده، فنسأل هو موجود ولَّا ما هو موجود؟
طالب: (... ) شهادة العدو على عدوه (... ).
الشيخ: أقول: إنهم يقولون: إن مَنْ ساءه مسرةُ شخص وغمَّه فرحُه فهو عدوه، وسألنا هل هذا التعريف صحيح أو لا؟ وقلنا: إنه يرد عليه الحاسد، فإن الحاسد يَغمه فرح كل محسود ويسره مساءته، قلنا: الحاسد ليس بوارث؛ لأن المحسود يسره أو يغمه أن هذا الشخص بعينه، فإذا تبين أن هذا الشخص يحب أن هذا الشخص بعينه يناله سوء ويفرح كذلك، ويغتم إذا ناله السرور فهو عدوُّه؛ ووجه امتناع قبول شهادته عليه؛ لأن الحكم عليه إساءة فهو يحب أن يساء فيشهد عليه.
طالب: لو كان في قرينة.
الشيخ: ما يمكن يشهد، لو أحب أنه يساعده ما يمكن يشهد إلا بحق، ووجد قرائن تدل على صدقة، فيُقْبَل، لكن الأصل أن العداوة سبب ظاهر يعني علامة وسبب ظاهر على منع الشهادة، وهذا الشيء الظاهر إذا وُجِدَ ما هو أقوى منه يمنع العمل.
طالب: (... ).
الشيخ: قلت لك: إذا كان عدوًّا لك وشهد عليك فإنها تمنع شهادته عليك، لكن إذا وجد سبب يقتضي أن نقبله، وذلك لكون هذا العدو مبرزًا في العدالة ولا يمكن أن يشهد إلا بحق، ووجدت قرائن أيضًا تؤيد ما شهد به، حُكِمَ بذلك.
طالب: لو وجد (... ) العدالة (... ).
الشيخ: نعم، أو من فروعه.
طالب: هو الراجح.
الشيخ: هو الراجح، إي نعم؛ لأن المسألة ما فيها نص على المذهب والمدار كله على؟
طالب: على العدالة.
الشيخ: لا، على التهمة، فإذا وجد ما يمنع هذه التهمة لقوة العدالة ووجود القرينة المؤيدة له حكم به.
العدد المعتبر في الشهادة في الحقيقة أن المشهود به يختلف؛ منه ما يحتاج إلى الاحتياط كثيرًا مثل الزنا؛ لأن الشهادة بالزنا عدد الشهود الأول أن يكونوا أربعة رجال، وذلك في الزنا واللواط، والإقرار بهما لا بد أن يكون أربعة رجال، وطبعًا متفقين في الشروط السابقة العدالة إلى آخره، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 13] وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 4] وشهداء جمع شهيد فلا بد من أربعة رجال متصفين بما يجب أن يتصفوا به لقبول الشهادة، ويشهدوا على الزنا، وكذلك أيضًا في اللواط؛ والحكمة من ذلك: لأن الزنا يحتاط له حيث يترتب عليه أمر عظيم وهو شرف الإنسان ينهدم بزناه واختلاط الأنساب، وغير ذلك من الأمور الكثيرة؛ لهذا احتيط له بأن يكون العدد أربعة رجال ولا بد أيضًا في أداء الشهادة أن يذكروا كل ما يعتبر (... ).
وهذا شيء يعني يكون من المتعجب؛ ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في كتاب منهاج السنة قال: إنه لم يثبت الزنا بطريق الشهادة من عهد الرسول عليه الصلاة والسلام إلى يومنا، وأظنه أيضًا من يوم الشيخ إلى يومنا هذا ما يثبت بطريق الشهادة؛ لأن هذا صعب جدًّا، أليس كذلك بطريق الإقرار ممكن ثبوته؟ وثبت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفيما بعده، لكن بطريق الشهادة، هذا صعب.
طالب: ثبتت (... ).
الشيخ: ثبتت؟
طالب: إي.
الشيخ: شهدوا عليه؟
طالب: (... ).
الشيخ: حقيقة الوطء، ويتفقون على الزاني والمزني بها، والزمان والمكان وصفة الفعل، كل هذا لا بد منه وهذا أمر -ولله الحمد- يكاد أن يكون متعذرًا، لكن بالنسبة للإقرار به ممكن، وقد سبق لنا أنه لا بد في الإقرار على المشهور من المذهب، لا بد فيه من تكراره أربع مرات، كذلك في اللواط -نسأل الله السلامة- لا بد فيه من أربعة رجال، واللواط قد يكون الشهادة عليه أيضًا كالشهادة على الزنا؛ لأنه يمكن الاستشهاد فلا بد فيه من أربعة؛ لأنه أخبث من الزنا؛ ولهذا قال الله في الزنا: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء: 32] فاحشة نكرة؛ يعني فاحشة من الفواحش، وقال لوط لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف: 80] فأتى بـ (أل) الدالة على التعظيم، وأنها أعظم، ولذلك كان الصحيح -كما مر علينا- أن عقوبة اللواط هي القتل بكل حال، هذه واحدة.
العدد الأربعة، إنما يختص بالزنا واللواط والإقرار بهما، يعني بأن يشهدوا على أن هذا الرجل أقر بالزنا أربع مرات.
طالب: (... ).
الشيخ: الدليل لأنه أخبث من الزنا (... ) السياق، ولا ما في دليل.
طالب: (... ) أربعة (... ).
الشيخ: أبدًا ما يجوز، حتى لو رأوا الرجل على المرأة عاريين، ما يجوز (... ).
طالب: (... ).
الشيخ: لا، ما هم، ينهونهم عن هذا، ويضربونهم، ويعزرون، لكن ما يقولون: نشهد بأنه زنا بها؛ يقولون: نشهد بأنا رأينا أمرًا منكرًا، رأيناه عليها (... ) لكن ما يقول: رأيناه يزني بها، لو قال: رأيناه يزني بها، جلدوا ثمانين جلدة؛ كل واحد يُجلَد ثمانين جلدة؛ ولهذا القصة التي تروى عن عمر، ولا نعرف عن صحتها، لكنه شهد أربعة رجال على شخص بالزنا شهدوا عليه قال: شهدتم أنكم رأيتم ذكره في فرجها، قالوا: نعم، ولما وصل إلى الرابع قال له: أنت تشهد عليه، اتق الله، والله لو كنت بين أصحابنا ما شهدت بما شهدوا به، فتوقف وقال: يا أمير المؤمنين، رأيت ذَكَرًا ينزو، واستًا تنبو، ولا أدري عن غير ذلك، فكبَّر عمر رضي الله عنه، ثم أمر أن يُجْلَد هؤلاء الثلاثة؛ كل واحد يجلد ثمانين جلدة ولم يَحُدَّ المشهود عليه (2)؛ لأنه ما تمت الشهادة، إنما مثل هذه ما نقول: اتركوا الناس في محل التُّهم، بل نقول: اشهدوا، لكن ما هو بالزنا، وفي هذه الحال يكفي شاهدان، إذا كان دون الزنا فهو يكفي شاهدان، يتهمه بأن هذه المرأة وجدوها عند هذا الرجل، أو قال: وجدناه راكبًا عليها فيكفي شاهدان، ولكنه ما يقال: حده الزنا؛ لأن الزنا ما ثبت، يُعَزَّر بما يراه الإمام رادعًا.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، ما يجوز، لكنه إذا أقر نؤاخذه بإقراره بعد أن يتبين لنا الأمر.
طالب: (... ).
الشيخ: ما يؤخذ به؛ أولًا لأن الطبيب واحد حتى لو قُدِّرَ أن أربعة أقرُّوا بهذا وخرجوا ما يؤخذ به؛ لأنه قد يكون مثلًا حصل بغير اختيار بإكراه، وما أشبه ذلك فلا يؤخذ به.
طالب: والحمل.
الشيخ: الحمل تقدَّم لنا أن الصحيح أنها تؤخذ أنها تعتبر زانية ما لم تدعي شبهة.
ثانيًا: أقول: ثلاثة رجال، فيه غنيٌّ ادَّعى الفقر لأخذ الزكاة، ثلاثة رجال يعني: لا مدخل للنساء في هذه الشهادة، كما أنه لا مدخل لهن في القسم الأول، شهادة رجال في غني ادعى الفقر لأخذ الزكاة يعني: رجل معروف بالغنى، وجاء إلينا يسألنا من الزكاة، نقول: هات الشهود أنك افتقرت، كم الشهود؟ لا بد من ثلاثة؛ ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام في حديث قَبِيصَة قال: «إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِثَلَاثَةٍ رَجُلٍ» وذكر منهم؛ «رَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ فَشَهِدَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ أَنَّ فُلَانًا أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ» (3) فقال: شهد ثلاثة من ذوي الحجا يعني العقل من قومه أن فلانًا أصابته فاقة إذا قيل لماذا؟
نقول: لأن حقيقة الأمر أن دعواه هذه تضمنت اتصافه بأهل الزكاة، وانتفاء الغنى عنه، والثالث أيضًا تضييقه على المستحقين؛ لأنا إذا قدَّرنا أن الزكاة مثلًا ألف ريال، وادعى هو الفقر وهو بيأخذ من الألف، فينقص الألف عن غيره من المستحقين، فهذه الدعوى لما تضمنت ثلاثة أمور صارت الشهادة فيها ثلاثة رجال.
ثالثًا: (رجلان في بقية الحدود، وفي القصاص وكل ما ليس بمال ولا يؤخذ به المال غالبًا) رجلان يعني (... ) أيضًا من هذا القسم، ولكنه أقل عددًا من الأول أولًا: في بقية الحدود، ويش بقية الحدود؟ السرقة، القذف، قطع الطريق.
طالب: الخمر على القول بأنه..
الشيخ: الخمر على القول بأنه حَدٌّ.
طالب: البغي.
الشيخ: قتال أهل البغي، لا، وكذلك أيضًا القصاص ليس من الحدود، وأما أن بعض الناس يعدونه في الحدود، ليس في الحدود؛ لأن القصاص راجع إلى رأي مَنْ؟ لرأي الورثة إذا شاؤوا اقتصوا، وإذا شاؤوا لم يقتصوا، والحدود هل تُرَدُّ إلى أحد؟ بل لا يجوز الشفاعة فيها، إذن في بقية الحدود لا بد من رجلين كذلك في القصاص، القصاص في النفس ولَّا حتى فيما دونها؟ حتى فيما دونها.
القتل خطأ لا بد من رجلين؟ لا؛ لأن القتل خطأ لا يوجب القصاص، إنما القتل عمدًا، أو قطع الطرف عمدًا الذي يوجب القصاص كما مر علينا فيما سبق، هذا لا بد فيه مِنْ رجلين، إذا قيل: لماذا لا تأخذون النساء في هذا؟
قلنا: لأن باب القصاص خطير جدًّا؛ فلهذا اعتمد فيه على الرجال؛ لأنهم أكمل عقولًا من النساء.
(كل ما ليس بمال ولا يقصد به المال غالبا) مثل الطلاق؛ الطلاق ليس بمال، ولا يُقْصَد به المال غالبًا، النكاح مثله؛ لأنه ليس بمال، ولا يقصد به المال غالبًا، يعني نادر أنك تلقى إنسانًا يتزوج علشان المال، وإن كان قد يقصد، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ» (4) وذكر منها المال، لكن هذا نادر، لو تسأل الذين يتزوجون وجدت تسعين بالمئة أو أكثر لا يتزوجون من أجل المال، إنما يتزوجون من أجل الاستمتاع، فكل ما ليس بمال، ولا يُقْصَد به المال، فإنه لا بد فيه من رجلين.
وقولُنا: (لا يُقْصَد به المال) خرج به ما يقصد به المال فينتقل إلى القسم الرابع؛ وهو رجلان أو رجل وامرأتان أو رجل ويمين المدعي، وهذا مذكور في القرآن الصنف الأول والثاني منه قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282]، وهذا مذكور في آية الدين، وهي من المال، فشهادة المال رجلان أو رجل وامرأتان، وهل الرجل والمرأتان اشترطوا فيهما ألا يوجد رجلان؟ لا ليس بشرط فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾ دليل على أنه ليس بشرط، وإلا لقال: فإن لم يكن رجلان يعني: فإن لم يوجد رجلان، أما هنا قال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا﴾ أي: الشاهدان رجلان يعني: إِنْ ما استشهدتم رجلين، فاستشهدوا رجلًا وامرأتين، لكن لو قال: فإن لم يكن رجلان؛ يعني: فإن لم يوجد لصار شهادة الرجل والمرأتين لا تُقْبَل إلا إذا عُدِمَ الرجلان، لماذا تعددت المرأة؟
طالب: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: 282].
الشيخ: إي: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: 282] يعني: إذن جبرًا لنقصه، ويُفْهَم من هذا التعليل أن الشاهد إذا نسي شهادته فذُكِّرَ بها فذكر قُبلت، وإن ذُكِّر بها فلم يذكر لم تقبل؛ ولهذا أبو موسى ذَكَّرَ عمر رضي الله عنه التيمم للجنابة، ولكنه لم يذكر، إنما رخص له أن يفتي الناس بذلك، وقال: نوليك ما توليت (5) فالمهم أن الإنسان إذا ذُكِّرَ بالشهادة فإنه إذا ذكر شهد وإن لم يذكر لم يشهد.
رجل..
طالب: (... ).
الشيخ: إي نعم، قال: الرجل ويمين المدعي هذا أيضًا يقبل في المال وما يقصد به، وهل يُشْتَرط ألا يكفر على رجلين أو رجل وامرأتين، أو ليس بشرط، ليس بشرط؛ لأنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد واليمين (6) بدون أن يستفصل: هل قدرتم على شاهدين أم لا؟ فدلَّ هذا على جواز القضاء بالشاهد ويمين المدعي، يمين المدعي كيف كانت هنا اليمين في جانب المدعي، والقاعدة أن اليمين في جانب المدعى عليه؟
طالب: قوة جانبه بالشاهد.
الشيخ: إي نعم، لقوة جانبه بالشاهد؛ ولهذا يقال للشاهد: اشهد قبل أن يقال للمدعي: احلف؛ يعني: تَقَدَّم قبل هذا الشاهد.
ثم بعد ذلك يحلف، فهذا أيضًا مما يُقْبَل فيه الرجل وامرأتان؛ المال وما يقصد به، وإنما كان كذلك أي: تيسيرًا على الأمة؛ لأن المال كما تعرفون المعاملات المالية أكثر من غيرها؛ ولذلك رَخَّص بالشهادة فيها؛ لأجل أن يتوسع إثبات الحق أو يقال: توسع طرق إثبات الحق؛ فجعل طرق إثبات المال وما يقصد به المال ثلاثة؛ وهي رجلان، رجل وامرأتان، رجل ويمين المدعي.
هل يجوز أربع نساء بدل عن رجل وامرأتين؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يجوز، وجوَّزه بعض أهل العلم فيما إذا لم يوجد إلا نساء، فجوَّزه بعض العلماء، وهذا كثيرًا ما يقع في العائلات، يجيء مثلًا أخ في البيت عند أخيه ويبيع عليه شيئًا، أو يشتري منه شيئًا، وليس في البيت إلا نساء، فيشهدن بما سمعن، فإذا قلنا بأن المرأة تقوم مقام الرجل عند عدمه، ويكون رجل وامرأتان، قلنا بقبول هذه الشهادة، وإذا قلنا بأنه لا يُقْبَل إلا رجل وامرأتان، فإننا لا نقول بقبول الشهادة، وهذا الأخير هو المشهور من المذهب، والمشهور من المذهب أنه لا يُقْبَل إلا رجل وامرأتان، أما النساء لو يجتمع أربع مئة امرأة ما تقبل، واختار شيخ الإسلام أن النساء إذا تعذَّر الرجال، فكل اثنتين عن رجل.
طيب، في المال وما يقصد به المال، المال وما يقصد به؟ المال مثل أيش؟
مثل بيع، شراء، إقراض بالمال، إتلاف مال، وما أشبه ذلك، ما يقصد به المال؛ مثل الشفعة، الخيار.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، الإجارة (... ) الرهن مال.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، هذه مال مثلًا، نقول: الخيار في البيع هو مال ولَّا لا؟ يعني: شهد شاهد بأن هذا الرجل اشترى هذا البيت، واشترط الخيار لنفسه شهرًا، هذا مال ولَّا لا؟ الخيار ما هو بمال، الخيار هو النظر في خير الأمرين، واختيار أحدهما، لكنه يقصد به المال في الحقيقة؛ لأنه من المصالح المتعلقة بهذا المال.
الشفعة يعني أن الشريك شفع، وأتى بشاهد ويمين يقبل؛ لأنه مما يُقْصَد به المال، وكذلك الرهن وغيره.
خامسًا: امرأة واحدة بما لا يَطَّلِع عليه الرجال غالبًا؛ يعني: امرأة واحدة للذي لا يَطَّلِعُ عليه الرجال غالبًا؛ مثل الولادة، استهلال الصبي كذلك أيضًا من الجنايات وغيرها، في عرف ما يحضره إلا النساء، فكل شيء لا يحضره إلا النساء غالبًا، يكتفى فيه بامرأة، لو شهد رجل بدل المرأة؟
طالب: يُقْبَل.
الشيخ: إي نعم، يُقْبَل من باب أولى؛ لو شَهِدَ به رجل لقُبِلَ مِنْ باب أولى؛ لأنه أقوى من المرأة.
الرضاع.
طالب: امرأة واحدة.
الشيخ: امرأة واحدة؟ إي نعم امرأة واحدة؛ لأن الرضاع في الغالب لا يطلع عليه إلا النساء، وهنا لا بد من مراعاة الموانع والشروط السابقة، لو قُدِّرَ أن رجلًا خطب امرأة فشهدت أم زوجته بأنها أرضعته، أرضعت المخطوبة تُقْبَل ولَّا ما تقبل؟
طالب: ما تقبل.
الشيخ: ليش؟
طالب: تهمة.
الشيخ: ويش التهمة؟
لأجل ألَّا يتزوج على بنتها، وهذه المسألة أيضًا يجب أن يلاحظ فيها حالة المرأة الشاهدة؛ هل هي امرأة ثقة عدل، ولا يمكن أن تكذب، أو أنها امرأة خفيفة الدين فتشهد لأجل أن تسلم ابنتها من الضرة، على حسب ما يراه الحاكم.
الشرط الثاني: أقسام العدد التي تعتبر في الشهادة خمسة ما لا بد فيه من أربعة شهود وثلاثة واثنان ورجلان أو رجل وامرأتان أو رجل ويمين المدعي.
طالب: أو امرأة واحدة.
الشيخ: أو امرأة واحدة والله أعلم.
طالب: (... ) ذكر القول (... ).
الشيخ: الظاهر أن الراجح اختيار شيخ الإسلام؛ لأن هذا ضرورة يضيع الحق، مشكل، وهذه النساء إذا كن عشرًا وموصوفات بالعدل، فما المانع، كم؟
طالب: عشر.
الشيخ: عشر.
طالب: (... ) الأخيرة (... ) موانع الشهادة، لاحظنا أن التهمة بالنسبة للرضاع (... ).
الشيخ: لا، عندنا مانع؛ التهمة موجودة، كونها تشهد بأنها أرضعت هذه المخطوبة وابنتها مع الخاطب، موجودة التهمة الآن.
طالب: إذا ما علم الخاطب.
الشيخ: إذا ما علم (... ).
طالب: (... ).
الشيخ: يتحمل هذا الشخص في أمر من الأمور، مثلًا أنا عندي شهادة على فلان أو لفلان، أبغي أحملك الشهادة عني، تُسَمَّى شهادتك أنت شهادة على شهادتي وهذه جائزة، لكن بشروط، الشرط الأول يقولون: أن تتعذر شهادة الأصل، الأصل أنه ما يمكن يشهد إما لكونه غائبًا أو ميتًا أو مريضًا، ما يمكن انتظاره وما أشبه ذلك لماذا؟ لأنه إذا تعذَّر الأصل فإننا لا (... ) إلى الفرع.
الشرط الثاني: أن تكون في حقوق الآدميين خاصة دون حقوق الله كالحدود، وهذه المسألة فيها خلاف؛ فالذين قالوا: لا بد من ثبوت حقوق الآدميين، دون حقوق الله قالوا: لأن حقوق الله مبنية على الستر، وعلى كل ما قل تنفيذه فهو أولى، والشهادة على الشهادة توجب تنفيذ ذلك، وهذه المسألة فيها خلاف، والصحيح أنه
يجوز
الشرط الثالث: أن يسترعيه الأصل في الشهادة؛ قالوا: معنى الاسترعاء أن يقول: أرعني سمعك؛ يعني: استمع لما أحملك بحيث يقول: اشهد على شهادتي على فلان أو لفلان بكذا، فإن سمعه يشهد بها فقط بدون استرعاء، فإنه لا يجوز أن يشهد مثلًا أنا وأنت في مكان سمعتني أقول: أنا أشهد بأن لفلان على فلان كذا درهم أو أشهد أن فلانًا باع على فلان بيته أو سيارته، ولكني ما حملتك، لا يجوز لك أن تشهد على شهادتي هذه؛ لأنني ما حملتك، ويجوز أني أنا أتحدث عن أمر (... ) مثلًا إلا أن العلماء يقولون: إذا سمعه يعزو هذا الشيء أي شاهد الأصل إلى سبب، فله أن يشهد به أو سمعه يشهد بها عند القاضي فله أن يشهد بها؛ مثلًا سمعت أني أقول: أشهد أن لفلان على فلان عشرة آلاف؛ قيمة سيارة اشتراها منه، فلك أن تشهد على شهادتي، أو سمعتني مثلًا أشهد بهذه الشهادة عند القاضي، فلك أن تشهد؛ وذلك لأن الاحتمال وارد أن يكون هذا الرجل تحدث بها حديثًا عابرًا بدون أن يكون مصممًا على أداء الشهادة، هذه الشهادة على الشهادة، فصار الشهادة على الشهادة معناه تحميل شاهد غيره شهادته، وهي لا يجوز الحكم بها إلا بالشروط التي سمعتم.
طالب: كيفية أداء هذه الشهادة.
الشيخ: أن يقول مثلًا: أشهد على فلان أنه شهد بكذا وكذا أو يقول: أشهد على فلان بأن في ذمته لفلان كذا، حملني من هذه الشهادة فلان (... ).
الإقرار اعتراف الإنسان بما عليه من حقوق مالية أو بدنية، هذا هو الإقرار، والدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران: 81] يعني: اعترفنا بهذا الشيء، فالإقرار في اللغة الاعتراف، وهو في الشرع اعتراف الإنسان بما عليه، وبهذا تتم الأحوال الثلاثة في مسألة الإقرار، إذا أخبر الإنسان بحق عليه فهو إقرار، وإن أخبر بحق لغيره على غيره، فهي شهادة، وإن أخبر بحق له على غيره فهي دعوى، فالإنسان إما أن يكون ماله على غيره أو ما عليه لغيره.
أو ما لغيره على غيره فهي إما شهادة أو إقرار أو دعوى وقد سبقت الدعوى وسبقت الشهادة، الإقرار يمكن أن نلحقه بالشهادة؛ لأنه في الحقيقة شهادة على مشهود؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: 135] فجعل الله الإقرار شهادة، وشروطه أن يكون المقر مكلفًا يعني: بالغًا عاقلًا، وضد ذلك الصغير والمجنون؛ أما المجنون فإنه لا يُقْبَل إقراره؛ لأن جميع أقواله وأفعاله غير معتبرة؛ لكونه قد رفع عنه القلم، ولكونه غير ذي قصد، فلا يُقْبَل إقرارُه.
وأما الصغير فلأنه ليس أهلًا للتحمل، والإقرار تحمل واعتراف فهو ليس أهلًا للتحمل، ولأنه أيضًا قد يُخْدَع فيقر بما ليس عليه خديعة، قد يقول له إنسان مثلًا: أنا بعطيك هذا الشيء الذي (... )، ولكن تقر بأنك فعلت كذا وكذا فيفعل فيخدع إلا أنه يستثنى من الصغر قال: لكن يصح إقرار الصبي بما أذن له فيه من تصرف، وقد سبق في كتاب البيع أنه يجوز الإذن للصبي بالتصرف في الأمور اليسيرة؛ مثل البيض والدجاج والحلوى وما أشبهه؛ فإذا أقر الصبي بما أذن له في التصرف فيه صار إقراره صحيحًا لماذا؟
لأننا لو لم نقبل إقراره بذلك لم يكن للإذن له بالتصرف كبير فائدة؛ إذ إن المقصود بالتصرف أن يكون مقبولًا بما أقر به، حتى يكون تصرفه معتبرًا، هذا الشرط يستثنى منه مسألة واحدة؛ وهي إقرار الصبي بما أذن له بالتصرف فيه، فإنه يقبل.
إقراره بغير ذلك؛ يمكن أنا أعطيته مئة درهم ليتصرف بها فأقر بما يستلزم وجوب مئتي درهم، فالإقرار هنا لا يصح؛ لأنه إنما أذن له بالتصرف في مئة درهم فقط.
الشرط الثاني: أن يكون جائز التصرف فيما أقر به؛ فلو أقر الإنسان بأمر لا يجوز له التصرف به لم يصح؛ مثل أن يقر المحجور عليه بشيء يتعلق بأعيان المالك، وأظن مر علينا الحجر إذا كانت الديون أكثر من مال الشخص؛ فإنه يحجر عليه بطلب الغرماء أو بعضهم، فإذا حجرنا عليه وأقر على أعيان ماله المحجور عليه فيها، فإن إقراره لا يقبل، لكن لو أقر بشيء في ذمته فإن إقراره يقبل، والفرق لأنه غير جائز التصرف في أعيان المالك؛ فلا يقبل إقراره عليها.