الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 3860-3899

الشيخ: لا، ما يفي؛ لأن صوم الدهر ليس بطاعة، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عنه، وقال: «أَنَا أَصُومُ وَأُفْطِرُ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي».
(7) لو نذر أن يصلي ركعتين في الشمس حاسر الرأس في الهاجرة وقت الصيف يجب عليه الوفاء ولّا ما يجب؟ طلبة: ما يجب.
الشيخ: لا، يجب عليه الوفاء، يصلي ركعتين لكن في الظل، وهل يجب عليه أن يُكَفِّر كفارة يمين؛ لأنه خالف النذر في صفته، أو لا يُكَفِّر لأن ذاك نذر ليس مستقلًّا، بل هو صفة في عبادة، وهو صفة غير مشروعة فيلغى وتبقى العبادة المشروعة؟ فيه اختلاف بين العلماء، والمذهب أنه يُكَفِّر كفارة يمين؛ لأنه خالف النذر في صفته، فلما ألغيت الصفة بإلغاء الشرع لها وجب أن يُكَفِّر كفارة يمين.
على أننا نقول: كل هذه الأشياء إنما تقع في الغالب من إنسان سفيه، أو من إنسان مثلًا أحمق ما يفهم في الفقه، وإلا كيف بينذر أن يصلي في الهاجرة حاسر الرأس في الرمضاء، هذا ما أحد يفعله إلا إنسان سفيه، إنما لو فرض أنه وقع هذا نقول: ما يمكن أن تعذِّب نفسك؛ لأن الله يقول: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: 147]، ولكن عليك أن تصلي ركعتين؛ لأنها طاعة، لكن على وجه مباح، وتُكَفِّر كفارة يمين؛ لاختلاف الصفة.

عندنا يقول: إلا إذا نذر الصدقة بما يزيد على ثلث ماله فإنه يجزئه ثلثه، يجزئه الثلث إذا نذر الصدقة بما يزيد على ثلث المال، مثل أن يقول: لله عليَّ نذرٌ أن أتصدق بنصف مالي، أو بمالي كله، فإنه يجزئه الثلث؛ لأن ذلك جاءت به السنة، فإن أبا لبابة بن المنذر نَذَرَ حين تاب الله عليه أن ينخلع من ماله صدقةً إلى الله ورسوله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يَجْزِيكَ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ» (8)، فرَخَّصَ له النبي عليه الصلاة والسلام أن يتصدق بثلثه، ولم يلزمه بكفارة اليمين، والفرق بينه وبين ما ذكرناه آنفًا في مسألة الصلاة في الرمضاء وشبهها أن هذا القدر يجزئ عن الكل إجزاءً مطلقًا بنص الحديث، فلما كان يجزئ عنه حل محله، فكأنه وفى بنذره، كما نقول في الرجل الْمُحْرِم إذا لم يجد إزارًا فإنه يلبس سراويل وعليه كفارة، ولّا لا؟ طلبة: لا.
الشيخ: ما عليه فدية؛ لأن السراويل قامت مقام الإزار، بخلاف مَن احتاج إلى تغطية رأسه فإنه يغطي رأسه، ولكن.. طالب: عليه الفدية.
الشيخ: عليه الفدية، أو إن احتاج إلى حَلْق رأسه فإنه يحلقه وعليه الفدية.
هذه هي أقسام النذر العامة، وفي النذر تفاصيل أيضًا ينبغي أن تراجعوها في الكتب المطوَّلة؛ لأنه مهم، ويقع كثيرًا من الإنسان.
طالب: أليس يدل (... ). الشيخ: إي نعم.
طالب: (... ). الشيخ: إي، لكن الرسول قال: يجزئه، إحنا ما نقول: حرام عليك، إنك توفي بما نذرت لكنه يجزئك هذا، فهذا من باب التخفيف عن العبد أنه يلزمهم بالثلث.

المعصية فيها خلاف، والصحيح أنه يُكَفِّر؛ للحديث الذي أشرت إليه وإن كان فيه نظر.
طالب: (... ). الشيخ: يُكَفِّر كفارة يمين (... ) حتى الآن ما راجعته، لكن هو فيه نظر في صحته، وهو أحوط.

﴿كتاب القضاء﴾ ثم قال: (كِتَابُ القَضَاءِ)، كتاب القضاء مهم بالنسبة لكم؛ لأننا نرجو أن تكونوا قضاةً.
طالب: إن شاء الله.
الشيخ: نسأل الله تعالى؛ لأنكم -والحمد لله- عندكم من العلم ما ليس عند غيركم، وعندكم إن شاء الله من الدين -وحسبكم الله- ما ليس عند غيركم، فإننا نرجو إن شاء الله يسمحون لكم بدخول سلك القضاء لعل الله ينفع بكم.

مدخل

(كتاب القضاء)، القضاء في اللغة يُطْلَق على عدة معاني، منها: الفراغ من الشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: 12]، ومنها: الحكم بالشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 23]، أي: حَكَمَ، ومنه أيضًا وفاء الدَّيْن، وهذا مثل قولهم: قضى الرجل دَيْنَه.
فيُطْلَق على عدة معاني، لكنها في الحقيقة كلها ترجع إلى معنى يدور حول الحكم بالشيء؛ لأن قضاء الدَّيْن حُكْمٌ بالبراءة، والفراغ من الشيء حُكْم بالانتهاء، والأمر بالشيء حكم بفعله.
ولهذا نقول: إن تعريفه في اللغة له عدة معانٍ كما أشرنا إلى بعضها، أما في الشرع فإن تعريف القضاء: هو بيان الحكم الشرعي والإلزام به.
وبعضهم يزيد في هذا فيقول: وفصل الحكومات، فقولنا: بيان الحكم الشرعي، خرج به بيان أي شيء من غير الأحكام الشرعية، مثل لو بَيَّن طريقة حسابية أو شيئًا آخر فإنه لا يُعْتَبَر قضاءً.
وقولنا: والإلزام به، خرج به الْمُفْتِي، فإن الْمُفْتِي يُبَيِّن الحكم الشرعي، ولكنه لا يُلْزِم به بخلاف القاضي، القاضي يبينه ويقول: هذا حكم الله ويُلْزِم به.

وبهذا عرفنا أن حكم القاضي إلزام، وأما حكم المفتي فليس بإلزام، ولهذا يجوز الإفتاء على الغائب، ولا يجوز الحكم على الغائب؛ فهند بنت عتبة شكت إلى النبي صلى الله عليه وسلم زوجها أبا سفيان بأنه كان شحيحًا لا يعطيها ما يكفيها وولدها، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «خُذِي مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ –أَوْ: وَلَدَكِ- بِالْمَعْرُوفِ» (9)، لو كان هذا من باب الحكم ما صح؛ لأن المحكوم عليه.
طالب: غائب.
الشيخ: غائب، ولكن هذا من باب الإخبار بالحكم الشرعي، وليس من باب القضاء بينها وبين زوجها، فكأنه يقول: إن كان الأمر كما تقولين فإنه يجوز لك أن تفعلي كذا وكذا، ولكنه لم يُلْزِم زوجها بشيء.
هذه المسألة ليست من باب القضاء، ولهذا مَن استدل بالحديث على القضاء على الغائب ففي استدلاله نظر؛ لأن هذا في الحقيقة إخبار وليس بحكم، لكن إذا استدل به بأمور أخرى فسيأتي إن شاء الله ذِكْرُه.
حكم القضاء يُرَادُ به شيئان؛ الشيء الأول: الدخول في ولاية القضاء، والشيء الثاني: القضاء بين الناس.
أما القضاء بين الناس فلا شك أنه واجب، واجب أن يقضى بين الناس بالحق، وأما توليه فإنه فرضُ كفايةٍ، يتعيَّن على مَن كان أهلًا له ولم يوجد غيره، أو وُجِدَ غيره ولكنه لا يقوم به؛ إما لقصور في علمه، أو تقصير في حكمه؛ لأن اللي ما يصح في القضاء إما قاصر في علمه أو مُقَصِّر في حكمه، نعرف أن الرجل ليس له ذمة يحابي الناس في الحكم وما أشبه ذلك، هذا ما تبرأ به الذمة، ولا يدخل في الواجب بالنسبة إلى من يتولى القضاء غيره.
فالآن عندما نقول: حكم القضاء، يراد به أمران، هما؟ طالب: الحكم بين الناس.

الشيخ: الحكم بين الناس واجب، فرضُ عينٍ، حتى لو حكم أحد بغير ما أنزل الله يجب على بقية المسلمين أن يقوموا عليه ببيان الحق ويُغَيِّرُوا هذا؛ لأن الحكم بغير ما أنزل الله خطير جدًّا، إذا كان الإنسان حكم بغير ما أنزل الله معتقدًا أن هذا هو الذي يجب أن يسير الناس عليه ويُرْجِؤُوا حكم الله فهذا كفر.
الأمر الثاني مما يراد به تولي القضاء، نقول: هو فرض كفاية إذا قام به مَن يكفي علمًا وتطبيقًا ومنهجًا سقط عن الباقين، وإلا وجب على أن مَن كان أهلًا إذا لم يقم به غيره.
وهل نقول: ولم يشغله عما هو أهم منه؟ إن قلنا: ولم يشغله عما هو أهم منه، فتحنا لكم بابًا لا يمكن إغلاقه؛ لأنكم ستقولون: التدريس أهم منه، والدعوة إلى الله أهم منه، ولكن في الحقيقة هو من أهم ما يكون؛ لأن عليه مدار إصلاح المجتمع، فإنه إذا ساء الحكم بين الناس فسد المجتمع، وصار الناس لا يُحِلُّون ولا يُحَرِّمُون، يأكل الإنسان مال غيره، ويجحد ما يجب عليه ولا يهتم بشيء، لكن إذا علم أن القاضي يحكم بالحق كل إنسان يقف على حده، ولا يمكن أن يعتدي أحد على أحد.
فلهذا كان القضاء مَنْصِبًا عظيمًا مهمًّا جدًّا في الشريعة الإسلامية، ثم إن مِن نعمة الله سبحانه وتعالى على العبد أن يكون أهلًا لهذا المقام؛ لأن هذا المقام مقام الأنبياء وخلفائهم، ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: 26].
وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم يبعث البعوث ويجعل عليهم أميرًا قاضيًا، كما بعث معاذًا إلى اليمن (10)، بعثه مُعَلِّمًا وداعيًا وحاكمًا.
فالقضاء أَمْرُه مهم جدًّا، وإذا رأينا الناس اليوم وجدنا أنه قد يولى القضاء مَن ليس أهلًا له؛ إما لقصور في علمه أو بتقصير في حكمه، والقضاء مهم ويتركز على أمرين:

أحدهما: معرفة الحكم الشرعي، والثاني: معرفة الواقع بمعرفة الناس وأحوال الناس، أفهمتم؟ طالب: نعم.
الشيخ: الحكم الشرعي كل إنسان يمكن يدركه بالطلب والجد، لكن العلم بأحوال الناس وأعراف الناس هذا يحتاج إلى أن يكون الإنسان عائشًا بينهم، ما هو بتجيب واحد ما يعرف عُرْف الناس وتخليه يحكم بينهم، يمكن تكون كلمة لها معنى في العُرْف وهي عند هذا القاضي الجديد على أهل هذا المكان لها معنى آخر، كذلك أيضًا اللي ما يعرف أحوال الناس، من جهة الرجل الذي لا يريد حق غيره فهذا أيضًا قد يضيع حقوقًا كثيرة بسبب عدم معرفته، وهذا الأخير يعود إلى فراسة القاضي، وأظن مَرَّ عليكم قصة سليمان مع المرأتين وداود أو لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: اللي خرجتا إلى البَرّ وأكل الذئب ابن إحداهما، وتخاصمتا إلى داود، فجعل الابن الباقي ابن الكبيرة، ثم خرجتا فمَرَّتَا على سليمان، فقال: إننا نريد أن نشق الولد بينكما نصفين، يصير للكبيرة لها نصفه، وللصغيرة لها نصفه، الكبيرة وافقت على هذا؛ لأن الولد ليس ولدًا لها، خَلِّيه (... )، وأما الصغيرة فقالت له: لا يا نبي الله، هو لها، فعَلِمَ بذلك أنه؟ طالب: أنه للصغيرة.
الشيخ: أنه للصغيرة فحكم لها به.
فالمهم أن هذا مهم معرفة الحكم الشرعي ومعرفة أحوال الناس العامة وهي حال العُرْف، والخاصة وهي حال الشخص المعيَّن، وكم من إنسان مُبْطِل، يعني صاحب دعوى وجدل يضيع الحق بسبب جداله، إلا إذا قَيَّضَ الله حاكمًا فطنًا.
أما من يولي القضاة؟ الذي يولي القضاة هو السلطان الأعلى في الدولة، أو نائبه هو الذي يولي القضاة، وكذلك الأمراء هو الذي يوليهم السلطان أو نائبه، في وقتنا هذا السلطان الأعلى ما يتولى نصب القضاة، يتولى ذلك نائبه وهو وزير العدل، فهو الذي يولي القضاة، وعليه وعلى كل إنسان يتولى أمور المسلمين ألَّا يولي إلا مَن كان أرضى لله ورسوله.

ولهذا ورد في الحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ مَنْ وَلَّاهُ اللهُ عِصَابَةً فَوَلَّى عَلَيْهِمْ مَنْ غَيْرُهُ أَرْضَى لِلَّهِ مِنْهُ فَقَدْ خَانَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ».
(11) ولهذا يجب أنه يختار أحسن مَن يوجد في هذا الأمر، أما التولية فإنها أربعة أقسام: التولية فرض ولّا لا؟ التولية في القضاء فرض على وزير العدل مثلًا.
طالب: نعم.
الشيخ: إي نعم، فرض يجب أن يولي مَن تحصل بهم الكفاية.
التولية أربعة أقسام: أولًا: عموم النظر في عموم العمل، وخصوصه فيهما -يعني خصوص النظر في خصوص العمل-، وعمومه بالنظر فقط، وعمومه بالعمل فقط، هذه أربعة أقسام.
والذي يدلنا على هذا الحصر هو الاستقراء؛ لأنها ما تخرج من هذه الأربعة أقسام: عموم في العمل والنظر، أو خصوص فيهما، أو عموم في أحدهما وخصوص في الآخر، هذه أربعة أقسام.
(عموم النظر في عموم العمل).
أولًا: ما هو النظر، وما هو العمل؟ (النظر) جميع القضايا، النظر يعني القضايا، إنه ينظر في جميع القضايا، و (العمل) البلاد، عموم العمل يعني معناه أن يكون عمله في كل البلاد، لنفرض مثلًا واحدًا وَلَّيْنَاه القضاء في منطقة القصيم، هذا عموم عمل؛ لأننا جعلنا كل القصيم هو قاضيها، فيكون هذا عموم العمل، عموم النظر قلنا: لك النظر أو لك القضاء في جميع القضايا؛ من حقوق شخصية ومالية وغير ذلك، جميع القضايا يقول: هذا (عموم النظر في عموم العمل)، وَلَّيْنَاه عموم النظر في عموم العمل.
إذن إذا جاءه رجلان يتحاكمان إليه في طلاق ينظر فيه ولّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: ينظر فيه، وفي دماء وقصاص ينظر فيه، وفي أموال ينظر فيه، كل ما يكون محتاجًا إلى الحكم بين الناس فإنه يتولاه في جميع منطقة القصيم، هذا نسميه أيش؟ عموم النظر في عموم العمل.

خصوص النظر فيهما معناه: خصوص النظر في خصوص العمل، يكون النظر خاصًّا والعمل خاصًّا، مثل، أقول: وَلَّيْتُك الأنكحة، يعني يقول وزير العدل مثلًا: وَلَّيْتُك القضاء في الأنكحة في بُرَيْدَة فقط، ويش يصير هذا؟ طلبة: خصوص.
الشيخ: هذا خصوص النظر.
طلبة: في خصوص العمل.
الشيخ: في خصوص العمل، ليش؟ لأنه.. طالب: خاص.
الشيخ: خاص، ما (... ) في غير الأنكحة، لو جاءه رجلان يتحاكمان إليه في قصاص بينهما ما يحكم بينهما، ولو حكم لم ينفذ، اللهم إلا أن يُحَكِّمَاه بصفة خاصة، كما سيأتي، فيجوز، واضح؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لو أنه ذهب إلى عُنَيْزَة زائرًا، وتخاصم إليه أناس من أهل عنيزة فيها، يقضي ولّا ما يقضي؟ طلبة: لا يقضي.
الشيخ: لا يقضي؛ لأنها ليست من عمله.
لو تحاكم إليه رجلان في مكة التقيا به في الحج وهما من منطقة عمله، يحكم بينهما ولّا لا؟ طلبة: لا.
طالب آخر: يحكم.
الشيخ: يحكم، ليش؟ لأن الرجلين.. طالب: من ولايته.
الشيخ: من ولايته، وكذلك الأمر الذي يتحاكمان فيه في منطقة عمله، لكن لو يتخاصمان وهما من أهل القصيم يتخاصمان إليه في أرض بينهما في مكة وهو في مكة؟ طلبة: ما ينظر.
الشيخ: ينظر ولّا ما ينظر؟ طلبة: لا ينظر.
الشيخ: لا ينظر؛ لأنه الآن المدَّعَى به ليس في منطقة عمله، وهما أيضًا الرجلان في هذا الحال ليسَا في منطقة عمله.
فالحاصل الآن أنه يتخصص، تخصص الولاية بتخصيصها، والصيغ عاد معروفة عند الذي يولي.
عموم النظر فقط، يعني معناه: عموم النظر في خصوص العمل، يبين هذا بالأمثلة.
(... ) عموم العمل وإن كانت عامة نسبية.
بالعكس عمومه؛ أي عموم النظر في العمل فقط.
طالب: خصوص النظر في عموم العمل.
الشيخ: عموم النظر فقط معناه أنه عامٌّ في النظر خاص في العمل، عمومه في العمل فقط معناه أنه خاص؟ طلبة: في النظر.
الشيخ: في النظر، مثال العام؟ طالب: خصوص النظر أن ينظر في حق الدماء.
الشيخ: إي، لكن في أي منطقة أو في إي بلد؟

الطالب: في عموم البلاد.
الشيخ: في عموم البلاد، في منطقة القصيم مثلًا هذا عموم في العمل، وخصوص؟ الطالب: في النظر.
الشيخ: في النظر، واضح يا جماعة؟ طلبة: نعم.
الشيخ: المهم أن الولاية تتقيد بما قُيِّدَت به، فالذي قُيِّدَ عما قُيِّدَت ولايته في نظر لا يوصَف بغيره في عمل لا يحكم في غير هذا المكان، ليش؟ لأنها ولاية تُسْتَفَاد بالإذن، فوجب الاقتصار على ما يقتضيه هذا الإذن.
طالب: (... ). الشيخ: يُنْظَر إلى المدَّعَى به.
الآن هل عندنا قضاة خَاصُّون بالنظر؟ فيه أظن (... ) طالب: قاضي الجنايات.
الشيخ: وفيه الجنايات، فيجب أن يتقيد بما قُيِّدَ به.
بناء على ذلك لو وردت قضية إلى رئيس المحكمة وهي من خصوصياته، يعني مما له الحكم فيه، هل يجوز أن يُحِيلَها إلى مَن تحته؟ ما يجوز، اللهم إلا للضرورة، مثل أن يكون لديه قضايا كثيرة ومَن تحته ليس عنده شيء، فهنا يجوز أن يُحِيلَها؛ لأن فيه مصلحة للناس، وأما من جهة التَّشَهِّي إذا شاف المسألة سهلة قال: أنا أقضي بها، ولو صارت صعبة قال: حلتها على هذا، هذا ما يجوز.
ثم إن بعض الناس أيضًا قد لا يكون عنده الثقة من هذا القاضي المعيَّن، إما لقصور في علمه، أو لتقصير في حكمه، فيخشى إن تحاكم عنده أن يضيع حقه بسبب هذا القصور أو التقصير، فيطلب من خصمه أن يتحاكم إلى غيره.
فإذن نقول: مَن كان مقتضى ولايته أن ينظر في هذه المسألة فإنه لا يجوز أن يحيلها إلى غيره إذا وردت عليه؛ لأننا لو قلنا بجواز ذلك لزم أن يتحمل أحد القضاة قضايا كثيرة، والآخر ليس عنده شيء.
طالب: (... ). الشيخ: ما تفيده الولاية، يعني ما الذي يستفيده القاضي إذا ولي في القضاء.
الطالب: أقول: أقسام التولية كأنها متداخلة.
الشيخ: متداخلة.
الطالب: لذلك ما فهمت.
الشيخ: ما فهمت إلى الآن؟ الطالب: ما فهمت إلا اثنين، عموم النظر في.. الشيخ: ويش فهمت؟ الطالب: عموم النظر في عموم العمل.
الشيخ: إي نعم.

الطالب: وعموم النظر في خصوص العمل، ووقفت.
الشيخ: بخصوص النظر؟ الطالب: نعم بخصوصه.
الشيخ: خصوص العمل مثل أن يكون في بلد معين، عموم النظر تنظر في جميع القضايا، خصوص النظر أنت وَلَّيْتُك قاضيًا على الأنكحة فقط في هذا البلد، ويش يصير هذا؟ الطالب: هذا خصوص عمل.
الشيخ: خصوص نظر.
الطالب: نعم نعم.
الشيخ: هي خصوص عمل أيضًا.
الطالب: نعم.
(... ) الشيخ: ولكن الضابط في هذا أنها ترجع إلى ما يقتضيه العرف بين الْمُوَلِّي والمولَّى، هذا الضابط في الأصل، فإذا قيل: وَلَّيْتُك قاضيًا في البلد الفلاني، فإنه (... ) كل ما تقتضيه هذه الصيغة بحسب العرف.
والفقهاء رحمهم الله في وقتهم ذكروا أنها تفيد أشياء كثيرة، منها: الحكم بين الناس، وهذا أهمها، ومنها: النظر في الأوقاف، وهذا في الوقت الحاضر منزوع من القضاة إلى؟ طلبة: وزارة الأوقاف.
الشيخ: إلى وزارة الأوقاف، ومنها: تزويج مَن لا وَلِيَّ لها، وعقد الأنكحة، وهذا في الوقت الحاضر أيضًا نزع إلى المأذون الشرعي.
ومنها أيضًا النظر في مصالح العمل من إصلاح الطرق وأفنيتها وتنظيفها وتوسيعها، هذا في الوقت الحاضر أيضًا نزع إلى البلدية، القاضي ما يتكلم بهذا أبدًا إلا كرجل واحد من الناس يشير برأيه ولا يلزمه.
ومنها أيضًا النظر فيمن يستحق النظر من الصغار والسفهاء وما أشبه ذلك، فهذا إلى الآن موجود، ومنها النظر في المساجد وأئمتها وإصلاحها، وهذا في الوقت الحاضر منزوع.
على كل حال الشيء الذي يمكن أن نضبط القضية به أن نقول: تفيد ولاية القضاء ما تقتضيه صيغتها بحسب العرف؛ لأن هذا الشيء المحسوس شرعي، فإذا أُطْلقت فإنه يُرْجَع في ذلك إلى ما يقتضيه هذا الأمر، وإذا كان ولي الأمر الأعلى قد جعل لكل جهة ولاية، فمن كان في هذه الولاية فإن القاضي لا (... ). شروط القاضي وآدابه الواجبة والمستحبة:

أولًا: لا بد أن نعلم أن كل شيء يُشْتَرَط فيه شرطان أساسيان، هما: القوة والأمانة، قال الله تعالى عن صاحب مدين: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26]، ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: 39]، فلا بد من القوة، ولا بد من الأمانة.
فنأتي إلى شروط القاضي لننظرها واحدًا واحدًا، يُشْتَرَط أولًا: أن يكون مسلمًا، فالكافر لا يصح أن يكون واليًا على المسلمين، قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141]، ولو كان الكافر قاضيًا لكان له سبيل على المؤمنين؛ لأنه ينفذ، يقول: هذا الحق فيه كذا والحق فيه كذا، ولأن الكافر غير مأمون على الحكم، ولّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: هو مأمون ولّا لا؟ والحكم يا جماعة يتضمن إخبارًا؛ لأنه يقول: حكم الله كذا، ويتضمن إلزامًا، وهذا لا يمكن أن يقع من الكافر، ويُشْتَرَط فيه أيضًا أن يكون عدلًا، والعدل مَن استقامت مروءته واستقام دينه، مَن هو العدل؟ طالب: من استقامت مروءته واستقام دينه.
الشيخ: واستقام دينه، ولهذا قلنا: عدل؛ لأن العدل ضده الميل، والاستقامة هي العدالة، استقامة الدِّين قال أهل العلم: هي القيام بالواجبات وترك الأعمال الْمُفَسِّقَة، اجتناب الْمُفَسِّق من المعاصي، فإذا كان القاضي غير مستقيم المروءة، مثل واحد (... ) يمشي بين الناس (... ) غترة ولا شماغ ولا شيء، هل هذا مروءة؟ طلبة: لا.
الشيخ: أبدًا، ما هو هذا مروءة، وإن كانت جائزة من الناحية الشرعية من حيث الأصل لكنها ليست مروءة.
إنسان مثلًا (... ) فصفص، هذه مروءة ولّا لا؟ طالب: لا.
الشيخ: ما هي مروءة؟

المهم أنه لا بد أن يكون مستقيم المروءة، يعني ما يأتي بما يخل بمروءته بين الناس، وإذا قلنا بالمروءة فإن المروءات تختلف، مروءة كل إنسان بحسبه، أليس كذلك؟ كل إنسان له مروءة بحسبه، فذوي المروءات والهيئات والشرف ليست مروءتهم كمروءات أهل السوق والسوقة فبينهما فرق.
استقامة الدين قلنا: القيام بالواجبات وترك الْمُفَسِّق من المعاصي، فإذا كان مثلًا لا يشهد الجماعة فهل هو عدل؟ طلبة: ليس بعدل.
الشيخ: ليس بعدل، ولو صَلَّى في البيت بل هذا ينافي العدالة.
حتى قال الإمام أحمد: مَن ترك الوتر فهو رجل سوء لا ينبغي أن تُقْبَل له شهادة، وإذا كان ما تُقْبَل منه الشهادة فمن باب أولى ألَّا تُقْبَل له ولاية القضاء.
إذا كان يحلق لحيته هذا ويش يعتبر؟ هذا في الحقيقة يُعْتَبَر فاسقًا لإصراره على هذه المعصية، كما أنه إخلال بالمروءة، واضح؟ طالب: نعم.
الشيخ: وإذا كان ينام وقت الدرس؟ طلبة: (... ). الشيخ: إذا كان ينام وقت الدرس فهو من باب الإخلال بالمروءة؟ طالب: غصب عليه.
الشيخ: كيف؟ طالب: غصب عليه.
الشيخ: لا، ما هو غصب عليه، لو شيئًا لنفسه ما نام.
حتى لو نام في الصف الأول الذي ينام (... ) نعم، أعني بذلك المسجلات؛ لأنه يسجل ما يحتاجه وبيأخذه.
أقول: إنه يشترط أن يكون عدلًا، وهو مَن استقامت مروءته واستقام دينه، واضح؟ يشترط أيضًا أن يكون ذكرًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2]، ﴿ذَوَيْ﴾ أي: صاحبي عدل، وهل القاضي شاهد ولَّا غير شاهد؟ طلبة: شاهد.
الشيخ: قلنا: إن الحكم يتضمن الشهادة؛ لأنه يشهد أن حكم الله كذا، ويشهد أن الحق لهذا على هذا، فهو شاهد في الحقيقة.
فإذن لا يصح أن يكون امرأة، ولقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: 34].
ولو كانت المرأة قاضية لكانت هي؟ طالب: قوامة.

الشيخ: القوامة على الرجال، وهذا أمر خلاف ما أراده الله عز وجل، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً» (12)، وهذا القضاء (... ) من أعظم أمور المسلمين.
هذه ثلاثة أدلة أثرية، يعني من السابقين، والدليل النظري أن المرأة قاصرة في عقلها وتفكيرها، وسريعة العاطفة وقريبة النظر، وهي محل لتعلُّق النفس بها تعلقًا جنسيًّا، ومحل للإغراء والإطاحة بها؛ فلذلك لا تصلح بحال من الأحوال أن تكون لها ولاية، لا في القضاء ولا في غيره من أمور المسلمين، حتى مثلًا الوزارة وما أشبه ذلك إلا على قوم من جنسها، مثلًا امرأة نخليها رئيسة على مدرسة، هذا لا بأس به، أما على حكم عام هذا لا يجوز في شرع الله سبحانه وتعالى، ولا فيما يقتضيه العقل.
فإذا قال قائل: يوجد من النساء مَن هو أقوى بالحكم والنظر والحزم من بعض الرجال، فنقول: هذا نادر، والحكم للغالب، هذه ثلاثة شروط.
الشرط الرابع: أن يكون سميعًا، وضده الأصم، قالوا: لأن غير السميع لا يسمع الكلام، ما يسمع، كيف بيحكم وهو ما سمع الكلام؟ وظاهر كلامهم حتى لو كان قارئًا وكتب له الكلام بورقة أو ما أشبه ذلك.
وهذه المسألة فيها نظر، نقول: إذا كان أصم ولكنه يدرك ما يقوله الخصمان بطريق آخر، مثل أيش؟ طلبة: الكتابة.
الشيخ: مثل الكتابة، وأنا أذكر رجلًا رحمه الله ما يسمع أبدًا، لو يثور عنده مدفع ما سمعه، لكنه يبصر ومعه ما نعرفه في الصغر لوح حجر، ما أدري عرفتموه أنتم ولّا لا؟ لوح حجر أسود يُكْتَب فيه، مثل الطباشير كان مع الأولاد الصغار فيه (... ) وفيه حبات بالعدد سبورة صغيرة، هذه السبورة معه، إذا واجه الرجل أوقفه وكتب: اكتب لي أيش حصل اليوم، يكتب له أخبار الناس كلها كل يوم عند هذا الرجل، كل أخبار الناس عند هذا الرجل، يعرف من الأخبار ما لا يعرفه كثير من السامعين.
طالب: ويتكلم؟

الشيخ: يتكلم إي، الكلام يتكلم ويبصر، لكن ما يسمع، ومع ذلك يرجع الناس إليه في الأخبار؛ لأنه (... ) وأي واحد يلاقيه ما يحقر نفسه يجلس قال: صبَّحكم الله بالخير، ويش اللي جرى اليوم؟ طالب: قارئ هو؟ الشيخ: لا، ما هو بقارئ، القصد إني أنا أقول: إن فقد السمع ليس معناه أن الإنسان يُفْقَد من الدنيا، قد يكون الإنسان حريصًا، ويدرك ولو كان أصم ما لا يدركه السميع، فإذا كان هذا الأصم عنده علم، وعنده عقل، وعنده تمييز، ويدرك كلام الخصمين بطريق آخر غير السمع، فما المانع من تَوَلِّيه؟ ! الشرط الخامس: أن يكون بصيرًا، وهذا أيضًا عند الفقهاء، أن يكون بصيرًا، فإن كان أعمى لم يصح أن يكون قاضيًا، وإذا حكم بين اثنين فحكمه باطل؛ لأنه ليس أهلًا للولاية، إذ من الشروط أن يكون بصيرًا، لماذا؟ قالوا: لأن غير البصير لا يعرف الخصمين، فربما يُمَوَّه عليه، وهو وإن كان يسمع الكلام فالكلام قد يقلَّد ولّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: يأتي اثنان عفاريت يقول: تعالَ أنا بأقلِّد فلانًا بالكلام وأنت تقلِّد فلانًا، ونقيم دعوى في الملك الفلاني، ويتخاصمون عند الرجل الأعمى ولا يدري يحكم بمجرد الصوت ولا يدري.
ولكن هذا صحيح، في الحقيقة تعليل قوي، إلا أنه يمكن التغلب على هذا، شو به؟ بأن يكون عنده إنسان ثقة مُبْصِر، مثل ما قلنا في الذي لا يعرف الكلام يجعل عنده مترجمًا، هذا أيضًا عنده راءٍ فيمكن التغلب عليه بأن يكون إنسان ثقة (... ). كونه بالغًا؛ لأن مَن دون البلوغ يحتاج إلى ولاية فلا يكون وليًّا على غيره، ولأنه لصغره قد تفوت منه القوة، وهي أساس في العمل كما سبق.
الشرط السابع: أن يكون عاقلًا، فإن كان غير عاقل لم يصح أن يكون قاضيًا، ويشمل ذلك فاقد العقل، وناقص العقل وهو المعتوه الذي لا يكاد يميز بين (... )، فهذا أيضًا لا يصح أن يكون قاضيًا؛ لما علمنا من أنه يُشْتَرَط أن يكون قويًّا في أداء عمله، وهذا لا يمكنه أن يقوى في أداء عمله.

الشرط الثامن: أن يكون متكلِّمًا، يعني ينطق، وأما الأخرس فلا يجوز أن يكون قاضيًا، لماذا؟ قالوا: لأن القاضي يحتاج إلى النطق لإفهام الخصمين مصدر الحكم، فإذا كان لا يتكلم فالإشارة قد لا تحيط بما في نفسه، فلا يصح أن يكون قاضيًا.
وهذا الشرط ما دام ثابتًا بتعليل فإن هذه العلة المانعة من تولية غير الناطق إذا تخلفت يتخلف الشرط، فإذا كان هذا لا ينطق ولكنه يستطيع أن يكتب عما في نفسه، هو يسمع الخصمين، ويرى الخصمين، ويعلم ويتصور تصورًا كاملًا لكنه لا ينطق، إنما يكتب، فالكتابة تعبِّر عما في الضمير كما نعبر باللسان.
وعلى هذا فنقول: إذا كان القاضي لا ينطق لكنه يكتب فإنه يصح أن يكون قاضيًا؛ لأن العلة تزول.
الشرط التاسع: أن يكون مجتهدًا، فالمقلِّد لا يصح أن يكون قاضيًا لأنه مقلد، فهو يتكلم بما عند غيره.
وقد قال ابن عبد البر رحمه الله: أجمع العلماء على أن المقلِّد ليس معدودًا من أهل العلم؛ لأنه عبارة عن نسخة كتاب، بل النسخة أضبط منه؛ لأنه هو قد ينسى أو يفهم الشيء خطأً، والنسخة ليست كذلك.
وبهذا عرفنا نقصان درجة المقلد، ما دام أن العلماء أجمعوا على أنه ليس بعالم فهذا دليل على النقص، لكن هذا الشرط شرط بحسب الإمكان، فإذا لم نجد إلا مقلِّدًا فلا ريب أن المقلِّد خير من العامي، وخيرٌ مِن تَرْك الناس بدون قاضٍ.
فنحن نقول: نولي من العلماء مَن هو أمثل، كما أنه لو لم نجد إلا قضاة فَسَقَة -والعياذ بالله- يأخذون الرشوة، ويجورون في الحكم، ويغتابون الناس، ويَجُرُّون ثيابهم، وما أشبه ذلك، إذا لم نجد إلا مثل هؤلاء هل نبطل هذه الولاية، ولَّا المراد بمن هو أمثل نولي أمثل الفاسقين؟ طلبة: نولي أمثل الفاسقين.
الشيخ: نولي أمثل الفاسقين؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، ولا نَدَعُ الناس بدون قاضٍ.

على هذا نقول: اشتراط الاجتهاد إن أمكن أن يوجَد المجتهِد فذاك، ولا يُشْتَرَط أن يكون مجتهدًا اجتهادًا مطلقًا في جميع المذاهب، بل يكفي أن يكون مجتهدًا ولو في مذهبه، وأظنكم تعرفون الفرق بين المجتَهِدَيْنِ؛ المجتهد المطلَق هو الذي يقارن بين أقوال أهل العلم من كل مذهب، والمجتهد في مذهبه هو الذي يقارن بين الأقوال في مذهبه خاصة، ويعرف الراجح من غيره بمقتضى الدليل، هذا مجتهد ولو في مذهبه.
فنحن نقول: المجتهد المطلَق أعلى الأنواع، ثم المجتهد في مذهبه، ثم المقلِّد إذا لم نجد مجتهدًا.
هذه الصفات التي يجب أن تتوفر في القاضي: أن يكون مسلمًا بالغًا عاقلًا عدلًا سميعًا بصيرًا، ويش بعد؟ طلبة: ذَكَرًا.
الشيخ: ذَكَرًا متكلِّمًا مجتهدًا.
الشرط العاشر: أن يكون حُرًّا، يعني غير مملوك، وذلك لأن المملوك مملوك على اسمه، فإذا كان مملوكًا لم يصح أن يكون واليًا؛ إذ إنه هو نفسه مملوك مُوَلًّى عليه، فلا يمكن أن يكون واليًا على المسلمين.
ولكننا نقول: هذا اشترطه الفقهاء رحمهم الله، ولكن ليس عليه دليل؛ لأن هذه الشروط العشرة يجب أن نردها إلى القوة، ويش بعد؟ طلبة: الأمانة.
الشيخ: والأمانة، القوة والأمانة؛ القوة في العلم، والقوة في التصور، والأمانة أيضًا في العلم الذي ينافيه العدالة، الخيانة فيها فسق.
فالحاصل أننا نقول: اشتراط الحرية ما عليه دليل، وكم من قاضٍ عدل مملوك يكون خيرًا بكثير ممن هو حُرّ، والمدار على كونه عالمًا ومؤديًا للقضاء على وجهه، أما كونه مملوكًا أو غير مملوك هذا ليس بشرط، وكما أننا قلنا في الشهادة: إنه لا يشترط فيها أن يكون الشاهد حُرًّا، فكذلك ينبغي أن نقول في القضاء: لا يشترط أن يكون حُرًّا.
قد نقول: إنه يشترط في المملوك أن يكون مالكه موافقًا على توليته؛ لأنه إذا ولي بدون رضا مالكه فَوَّت على مالكه مصالِحَه، وأما اشتراط أن تكون الحرية مصححة لقضاء هذا الرجل فالصحيح أنها ليست بشرط.

طالب: (... ). الشيخ: إذا كان القاضي يرى أن الحق خلاف هذه التعليمات هو يجب عليه واحد من أمرين؛ إما أن يحكم بما يراه حقًّا، وإذا غصبه مَن فوقه فالمسؤولية عليه، وهذا هو الأوجب وهو الأولى أيضًا، وإما أن يصرف المتخاصمين، كما أنه لو تحاكم إليه رجلان وهو يعلم أن الحق مع أحدهما، فإنه لا يحكم له بعلمه ولكن يصرفهما إلى قاضٍ آخر، ويكون هو شاهدًا على ما يعلمه، فهنا نقول: الإنسان الذي له عنده تعليمات خلاف ما يراه حقًّا لا يجوز أن يحكم بمقتضى هذه التعليمات؛ لأن معنى ذلك أنه حَكَمَ؟ طلبة: بغير ما أنزل الله.
الشيخ: بغير ما أنزل الله، ولكن يجب عليه واحد من أمرين؛ إما أن يحكم بما يرى، وهذا خير الأمرين، وإما أن يصرفه، وإنما قلنا: الأول خير الأمرين؛ لأنه يتضمن مصلحتين هامتين؛ المصلحة الأولى هو تنفيذ الحكم، بحيث إنه ما يعرف إلا الخصمين؛ لأنه لو صرفهما يمكن عاد يبقى مدة يعيِّنان مَن يحكم بينهما، والمسألة الثانية هو أنه إذا حكم بمقتضى ما يراه حقًّا قد يكون ذلك فتح باب للمسؤولين فوقه أن ينتبهوا للأمر، وأن يراجعوا ويحرصوا على المراجعة.
ولّا معلوم إذا حكم بخلاف ما يقتضيه النظام بكل سهولة يطلب المحكوم عليه أن يرفع إلى (... )، لكن إذا حكم هو بما يراه الحق ودَلَّلَ على حكمه فهذا يوجب أن ينتبه مَن فوقه انتباهًا بالغًا، ثم يكون أيضًا وسيلة إلى أن غيره من القضاة يقتدي به، ويفتح الله على يديه خيرًا كثيرًا.
أما الثاني وهو الصرف فإن صرفهما يتضمن مفسدتين: أولًا: عدم الحكم لهؤلاء مع أنهما قد حضرَا إليه، والثاني أنه تبقى المسألة هكذا عمياء ما أحد يفتح باب الاستدلال أو باب النظر، فلذلك نرى أن الخير أن يحكم بما يرى، وإذا نقض فالمسؤولية على الناقض.
طالب: لكنه يُعْزَل.
الشيخ: (... ). طالب: لازم يُعْزَل (... ) عُزِلُوا عن مناصبهم.
الشيخ: عُزِلُوا عن مناصبهم أحسن وأحسن ما يهم، إذا اتقى الله فإنه لا يهمه.

على كل حال مثل هذه المسائل إحنا ودّنا إن الناس يتحركون إلى طلب الدليل، ما يبقون راكدين هكذا؛ لأن الركود في الحقيقة موت للأفكار، وتعطيل للنصوص، لكن إذا بِدّنا ناس يتحركون نحو الدليل وصاروا يتباحثون فيما بينهم حصل في هذا خير كثير، وانفتحت أبواب من العلم ما كانت مفتوحة؛ لأن العلماء الذين أَلَّفُوا يعيشون في عصر غير عصرنا، وتجدَّد من القضايا والأمور ما يحتاج إلى نظر شديد، فإذا بقينا على ما سبق فهذا معناه الجمود والركود، لكن إذا فتحنا أبواب المعرفة والاستدلال ففي الكتاب والسنة من مسائل العلم ما لا يوجد في الكتب، وكثيرًا ما تبحث عن مسألة من المسائل في الكتب وتدوّر وتطلبها ما تجدها، لكنك لو راجعت الكتاب والسنة وجدتها في الكتاب والسنة إما منطوقًا أو مفهومًا أو إشارةً.
شروط القاضي انتهينا منها، كم صارت؟ طلبة: عشرة.
الشيخ: عشرة، وناقشنا ما يحتاج إلى النقاش فيها مع ذكر الأدلة.

باب آداب القاضي

أما آداب القاضي الواجبة والمستحبة فللقاضي آداب واجبة، وهي مراعاة العدل، لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ﴾ أيش؟ طلبة: ﴿أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾.
الشيخ: ﴿أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58] فيجب على الإنسان مراعاة العدل أولًا في الحكم، بل قبل هذا أولًا في طريق الحكم، ثم في الحكم، طريق الحكم معناه أن يكون استقصاؤه مع أحد الخصمين كاستقصائه مع الخصم الآخر؛ لأنه قد يستقصي القاضي مع شخص ويلح عليه ويعنته حتى ينقطع ويعدل عن أن يقوم بالحجة، ويكون مع الشخص الآخر على غير هذه الحال، بمجرد ما ينطق يأخذ بقوله، وهذا حرام ما يجوز.

كذلك أيضًا من طريق الحكم قد يكون القاضي مع أحد الخصمين إذا أتى بالبينة قَبِلَها، والثاني إذا أتى ببينته حاول أن يجد فيها جارحًا حتى تُرَدّ، هذا أيضًا محرَّم، فلذلك يجب العدل على القاضي في معاملة الخصمين أنفسهما.
قال العلماء: يعدل بينهما في لفظه، وفي لَحْظِه، وفي المجلس، وفي الدخول؛ الدخول عليه يخليهم يدخلوا الاثنان، هذا إذا صار هو اللي يرتِّب الدخول، هو أو البواب اللي عند الباب، ما يقول: يا فلان ادخل قبل الثاني، إما أن يقول: ادخلوا وخَلَّى مسألة التقديم والتأخير عائدًا إلى؟ طلبة: إليه.
الشيخ: إليه يعني: أن يقول البواب: ادخلوا، وخَلَّى التقديم والتأخير عائدًا إليه، أو يقول: ادخلَا جميعًا، أو: ادخلوا جميعًا، إذا كان الباب واسعًا، وأما إنه يقول: تفضل يا فلان، ويُقَدِّمه على الآخر، فهذا لا يجوز.
كذلك أيضًا في المجلس، يجب يعدل بينهما في المجلس، ويكونان بين يديه لا على يمينه ولا على يساره؛ لأن جلوسهما عن يمينه إذا أجلس أحدهما على اليمين معناه أنه؟ طالب: قَدَّمَه عليه.
الشيخ: فضَّله على الآخر؛ إذ الأيمن أحقّ وأقدم، ثم إن القاضي إذا أجلسهما على يمينه ويساره ما يستطيع أن يعرف مِن تأثُّر وجوههما في الإدلاء بالحجة، ما يعرف مَن المحق؛ لأن الإنسان اللي بيُدْلِي بالحجة إذا كانت باطلة لا بد أن يتأثر؛ إما في نظره أو في ملامح وجهه، فإذا كانوا أمامه استطاع أن يعرف مَن هو له الحق إذا كان عنده فِرَاسة، لذلك لا يُجْلِسهما عن يمينه ولا عن يساره، بل بين يديه.
كذلك أيضًا ما يُقَدِّم واحدًا، واحد يحطه على كَنَب، وواحد يحطه على عتبة حجر حَرْشَة، ما يمكن هذا، ما يجوز، لماذا؟ لأنها خلاف العدل، إن جاؤوا إليك الآن كل واحد منهما في كفّة يجب أن تُسَوِّي بينهما، ما تحط واحدًا على مجلس جيد ومريح والآخر على خلافه.

يجب عليه كذلك أن يعدل بينهما (في لفظه)، اللفظ يجعله واحدًا بقدر الممكن، لا يقول لأحدهما عندما يطلب منه الحجة: ما حجتك بارك الله فيك، والثاني يقول: ويش تقول أخذك الله؟ هذا ما يصلح، السبب؟ طالب: لخلاف العدل.
الشيخ: هذا خلاف العدل، ثم إن فيه تقوية لأحد الجانبين وقد يكون مُبْطِلًا، ويكون فيه إضعاف للجانب الآخر ولو كان عنده حجة، الإنسان حجته صحيحة وقوية إذا عامله القاضي هذه المعاملة، والثاني عامله تلك المعاملة، لا بد أن يهون في نفسه وأن يضعُف عن الإدلاء بالحق أو الحجة، لذلك يجب أن يعدل بينهما في اللفظ.
لو كان أحدهما قريبه قال له: صَبَّحَك الله بالخير، كيف الأهل، ويش لون الوالد، ويش لون الأخت، ويش لون البنت، والثاني قال: سلام عليكم، عليكم السلام، يجوز ولّا ما يجوز؟ طلبة: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز؛ لأن الناس الآن القريب والبعيد في حد سواء، حتى إن الفقهاء رحمهم الله ذكر بعضهم أنه يقدِّم المسلم على الكافر في الدخول، والصحيح أنه ما يقدِّم؛ لأن الناس في هذا المكان كلهم على حد سواء، المقام مقام حُكْم، فلا بد أن يكون بحسب العدل، وإذا كان تحب أنك تسأل قريبك عن أقاربك فبعد انتهاء القضية اسأله عما تريد، اعزمه أيضًا، حطه جنبك على الكَنَب (... )، لكن ما دام في القضية فإنه لا يجوز أن تفضِّل أحدًا على أحد.
كذلك قال العلماء: يجب أن يعدل بين الخصمين في لَحْظِه، (لَحْظه) لام حاء ظاء، في لحظه، أي: في نظره وملاحظته، كيف ذلك، هل يمكن هذا؟ طالب: (... ).

الشيخ: إي نعم، يمكن واحد ينظر إليه بنظرة غضب وبعين حمراء أو ما يناظر، والثاني ينظر إليه بعين الرضا والانبساط، فهذا أيضًا لا يجوز، يجب أن يكون النظر إليهما واحدًا في كميَّته وكيفيَّته، الكمية ما يجب إذا أدلى الأيسر بحجته ولم يُنْظَر إلى الأيمن، وإذا أدلى الأيمن بحجته وإذا هو ينظر إليه، يصير فضل بينهما في؟ في الكمية، خَلَّى عيونه دائمًا في الأيمن، الأيسر ما يناظر ولو كان هو اللي يدلي بالحجة، أو بالكيفية بأن ينظر إلى هذا نظر غضب، وإلى هذا نظر رضا، وهذه معروفة عند الناس.
فالمهم أنه يجب أن يعدل بين الخصمين في طريق الحكم، وفي الحكم أيضًا، إذا تبين له الحق مع أحدهما يجب الحكم له، وفي الأمور الأربعة التالية وهي: الدخول عليه، والمجلس، واللفظ، واللحظ، كل هذه من الآداب الواجبة؛ لأنها من العدل الذي أمر الله به في قوله: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58].
طالب: (... ). الشيخ: إي نعم، إذا تطاول أحدهما على الآخر أو على القاضي مثلًا فله أن ينتهره؛ لأنه هنا هو الذي قام بسبب هذه الغضبة عليه.
طالب: (... ). الشيخ: على حسب الحال، فيه ناس يحسن إنك تُغْلِظ عليهم، وناس يجب أنك تخفف عنهم، المهم لا يفضل واحدًا على الثاني، حتى لو فُرِضَ واحد معروف بالفسق والفجور، وآخر معروف بالعدل والاستقامة، وجاؤوا يختصمون في أمر بينهما، ويش الواجب؟ طلبة: العدل بينهما.
الشيخ: العدل بينهما، حتى لو أن هذا الرجل الثاني الفاجر الفاسق من أقرب الناس عندك رؤيةً ونطقًا، المقام الآن واحد، لا بد أن يكونَا على حد سواء.
طالب: والرجل والمرأة؟

الشيخ: حتى الرجل والمرأة سواء، بس طبعًا النظر ما هو واحد، عند المرأة بالنسبة للآداب المستحبة، الآداب المستحبة قالوا: إنه ينبغي أن يكون حليمًا من غير ضعف، وقويًّا من غير عنف، كيف قوي بدون عنف، هل يمكن هذا؟ يمكن يكون قويًّا في ذات الله سبحانه وتعالى، وفي تنزيل الحكم، وفي استخلاص القرائن مثلًا، لكنه دون عنف، وهذا ما يسمى عند الناس بقوة الشخصية، ويمكن يصير إنسان من أعنف ما يكون وهو ما هو بقوي، ولّا لا؟ (... ) أي شيء الذي يبدأ، لكنه ليس بقوي فهذا أيضًا ما يستقيم، لا بد أن يكون قويًّا ولكن بدون عنف، وبعض الناس قوي ويكون عنيفًا، وهذا أيضًا ليس بمستحب.
هي أربعة أقسام في الحقيقة: قوي عنيف، والثاني: ضعيف غير عنيف، والثالث: عنيف بلا قوة، والرابع: قوي بلا عنف، هذه الأخيرة هي المطلوبة، كذلك ينبغي أن يكون حليمًا بدون ضعف؛ لأن غير الحليم اللي بيؤاخِذ على كل شيء كل دقيق وكل جليل هذا صعب، الرسول عليه الصلاة والسلام قال له الرجل: إن هذه قسمة ما أُرِيدَ بها وجهُ الله، يقول للرسول صلى الله عليه وسلم، هذا ويش يوجِب من الإنسان، ويش يفعل؟ يوجِب يعني أكبر عنف عليه، لكن الرسول ما قال هكذا، بل قال: «خِبْتُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ» (13)، هذه كلمة بسيطة لكنها في الحقيقة دَقّ على قلب هذا الرجل.
كذلك أيضًا بعض الناس يكون حليمًا لكنه ضعيف مسكين، تجد الخصمين عنده يتناوشون ويتلاسنون ويتشاتمون وتضيع الحجة وهو (... ) آخر ما يكون (... ). طالب: (... ). الشيخ: (... ) هذا خطأ أيضًا، يعني ينبغي يكون للقاضي وقار وهيبة، لكنها لا تُضَيِّع الحق، فالضعيف مُشْكِل، والعنيف مُشْكِل، لكن قولوا لي: هل هذه الآداب من الأمور الممكنة أو هي أمور غريزية؟ طلبة: غريزية.

الشيخ: هي أصلها غريزة، صحيح، الأصل أنها غريزة، لكنها تحصل بالاكتساب، بالتمرن عليها تحصل، ولهذا نجد الناس مثلًا كانوا من أهل الفجور، ومن أهل العنف، ومن أهل الانحراف، فمَنَّ الله عليهم بالعلم، تعلَّمُوا وصار هذا العلم مَكَّنَهُم من أخلاق فاضلة ما كانوا عليها من قبل، قلنا: إن الإحسان يُكْتَسَب، فهذا لا شك أنها غريزة، ولكنها تحصل أيضًا بالاكتساب.
ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لأشَجّ عبد القيس: «إِنَّ فِيكَ لَخُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ».
طالب: (... ). الشيخ: لأشج عبد القيس: «إِنَّ فِيكَ لَخُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ»، قال: يا رسول الله، خُلُقَيْنِ تخلَّقتُ بهما أو جُبِلْتُ عليهما؟ قال: «جَبَلَكَ اللهُ عَلَيْهِمَا»، فقال: الحمد لله الذي جَبَلَنِي على ما يحب.
(14) فقوله: تخلَّقت بهما، دليل على أن مثل ذلك يحصل بالاكتساب، لكن الذي يحصل بالاكتساب قد يزول؛ لأنه يحتاج إلى ضبط، إن الإنسان يضبط نفسه جازمًا ويكون على حذر، بخلاف الذي يكون هذا الأمر جِبِلَّةً له فإنه يكون طبيعةً، لكن هذا يحتاج إلى كبح جماح النفس دائمًا وملاحظتها دائمًا.
ولهذا يجب أن نقول بما ذكره الفقهاء أن يكون حليمًا، وأن يكون لَيِّنًا، وأن يكون قويًّا، هي الأصل أنها أخلاق غريزية، ولكنها تحصل بالاكتساب.
ينبغي أيضًا من الآداب التي ذكرها الفقهاء أنها مستحبة ألَّا ينزل بنفسه إلى سفاسف الأمور، مثل سؤال الناس، وعدم التعفف عما في أيديهم ولو بغير طريق مباشر، قد يكون بغير طريق مباشر، ما يقول للناس: أعطوني ساعة، أعطوني قلمًا، لكن يأخذ ساعة ويضعها عنده ويقول: والله هذه ساعة طيبة، (... ) خصوصًا إذا قال: ما يوجد مثلها، يعني ما دام ما هي موجودة إلا عندك أعطني إياها، مثل هذه الأمور أيضًا ينبغي أنه يبعد نفسه عنها.

كذلك أيضًا من الأمور التي ينبغي أن يُنَزِّه نفسه عنها أن يكون مجلسه مع العامة مجلس انتهاء وابتداء له، وألَّا يَرَوْا منه شيئًا، أنا لا أقول: يتكبَّر على الناس، لكني أقول: ينبغي أن يكون له وقار، حتى لا يُمْتَهَن فيُبْتَذَل؛ لأن مَن لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمُ، ومَن يَهُنْ يسهُل الهوان عليه، أنت لا تكون مُتَرَفِّعًا عن الناس؛ لأن هذا ليس من خُلُق الرسل وأتباعهم، ولكن لا تكن مُبْتَذَلًا بينهم بحيث يستهين الناس بك، ولا (... ) شيئًا، كذلك هل من الآداب أن يكون مُتَنَزِّهًا أو أن يكون غير مجيب للدعوات؟ طلبة: (... ). الشيخ: يعني هل مفهومه أنه ينبغي للقاضي إذا دُعِيَ أن يجيب؟ طالب: لا.
الشيخ: اتباعًا لأمر الرسول عليه الصلاة والسلام، أو نقول: ينبغي أنه إذا دُعِيَ يقول: والله أنا ما أقدر.
طالب: حسب الحال.
الشيخ: والله أنا رأيي كلمة حسب الحال واسعة بالمذهب، لكن ما أدري أيش الحال اللي تقتضيها.
طلبة: إذا كان طرفًا في القضية هذا (... ). الشيخ: يعني إذا كانت الدعوة رشوة فأنا لا أجيب، أما إذا لم تكن كذلك فأنا أجيب؛ لأن إجابة الدعوة فيها مصلحة، غير امتثال الشرع، امتثال الشرع فوق كل شيء، لكن فيها أيضًا مصلحة وهي معرفة الناس وأحوال الناس؛ لأن اللي ما يخالطهم ما يمكن يعرف ولا يعيش معهم، الناس (... ) لكن إذا خالَط الناس وامتزج بهم أولًا أن الناس يألفونه أكثر، وكان من.. هنا توقف الشيخ -رحمه الله- عن شرح متن الزاد إلى الشرح من مذكرة أخرى.
والتوجيه نعم، ولا أقول: إنه يفعل مثلما يفعل بعض الناس، يفرض نفسه على الجماعة؛ بعض الناس يجي مثلًا يحاضر، ثم يصطحب معه كتابًا (... ) يقول: اقرأ حتى ينتهي المجلس، والناس ما تكلموا معه ولا عرفوه، هذه طيبة، لا شك أن العلم طيب، لكن يمكن أن تُوصل إلى المجلس مسائل ينتفعون بها ومن حياتهم اليومية أكثر مما ينتفعون مما يستمعون هذا الكتاب مثلًا.

أو مثلًا إذا شك أنهم (... )، أحيانًا في المجلس يتكلمون شوي (... )، كل واحد يتهيَّب أن يتكلم، هذه لا بأس أنك تقول: واحد مثلًا اقرأ آية من القرآن أو حديث من الأحاديث، مين تكلم عليه؟ نعم بحسب الحالة.
المهم الذي نقول: إن مجالسة الناس خصوصًا بالنسبة للقاضي، أو للأمير، أو للإنسان بيحتاج إلى معرفة أحوال الناس أنه من الأمور الهامة، ولكن بشرط ألا تؤدي إلى الابتذال والامتهان، هذا لا بد منه.
هل مثلًا من الآداب أن يلتزمَ هيئة معينة بأن يلتزم العمامة مثلًا، والمشلح، والكم الواسع، وما أشبه ذلك، أو يتبع في ذلك وقته؟ يتبع في ذلك الوقت؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الصحابة رضي الله عنهم لما نزحوا إلى الأقطار بعد فتحها صاروا يلبسون كما يلبس الناس، صاروا يلبسون؛ ولهذا تحولت الألبسة الآن بدل من الرداء والإزار.
طالب: إلى قمص.
الشيخ: إلى قُمص (... )، وأشياء أخرى.
فالمهم أنه من الآداب ينبغي أن يسلك ما يسلكه الناس، لكن إذا قال: كل القضاة مثلًا، أو العلماء على هذا النمط، فهل الأولى أن أخرج عن طريقهم وأتبع طريق العامة، أو أن آخذ بطريق نظير؟ وهذا الأخير هو الحق إن الإنسان يأخذ بطريق نظيره، لكنه إذا كان هذا الطريق قد تناساه الناس وتركوه؛ فلا حرج عليه في تركه.
كان الناس في الأول -حسب ما أسمع- ما يمشي العالم، أو الإنسان المعروف بالتديُّن إلا ومعه عصا (... ) ومسواك، ولهذا قال أحد الشعراء عندنا: ثَلَاثَةٌ لِلطُّوعِ قَدْ تَحُوزُ مَهَفَّةٌ مَلَفَّةٌ عَكُّوز

المهفة معروفة، والملفة؟ طالب: (... ). الشيخ: لا، الملفة العمامة والعكُّوز: العصا، فيكون شرط الطوع عندهم أن يكون حائزًا على هذه الثلاثة؛ وهي: ثَلَاثَةٌ لِلطُّوعِ قَدْ تَحُوزُ مَهَفَّةٌ مَلَفَّةٌ عَكُّوز

الملفَّة (... )، ولَّا لا؟ طالب: نعم.

الشيخ: والعكوز أيضًا بدأ يتلاشى، والمهفة أيضًا ذهبت؛ لأن الناس يصطحبون المهفة بالأول؛ لأنه ما في الأماكن أسباب راحة كما في هذا الوقت الحاضر، فكانوا يصطحبونها، أما الآن فالحمد لله هنأها الله.
طالب: (... ). الشيخ: كيف؟ الطالب: (... ). الشيخ: (... ). الطالب: (... ). الشيخ: إي، صحيح، نعم.
الطالب: (... ). الشيخ: لا، ما أظنهم، ما يأخذون هذا من الناحية الشرعية، يأخذونها دلالة على أن هذا (... ) القضاة (... )، يأخذونها كعلامة؛ لأنك تعرف الناس الآن ما لهم إلا المظاهر، ويمكن ما يحصل إلا بمظهرهم الذي يرونه مظهر عالم ولا قاضٍ ولَّا ما أشبه ذلك.
(... ) ما يقصد التعبد، وما قصد أنه يتعبد لله، ولا قصد أن هذا الزي من الأمور المشروعة (... )، بل ومن العادة التي يعتادها مثل هذا الصنف من الناس، ثم إنه لا بد أيضًا من أن يكون هناك خلو القلب من الرياء، وبعدين إذا صار فيه مثلًا رياء حتى إن بعض الناس يتصنع مثل هذه الأمور، يتصنعها (... ) نظره نعم، ويمشي على الأرض يدب بيه، يتصنع، هذا هو اللي ما لا ينبغي.
لعلنا نقتصر على هذه الآداب.
(من لا يُقبل حكمُه له) القاضي ليس كل واحد يُقبل حكمه له، نعم، هناك أناس لا يقبل حكمه لهم لأسباب متعددة: أولًا: إذا كانوا له شراكة، أو له شركة فيما حكم به فإنه لا يقبل حكمه؛ تخاصم إليه شخصانِ في أمر هو شريك فيه لأحد الخصمين فلا يحكم لشريكه به، السبب؛ لأن حكمه به حُكم لنفسه، أليس كذلك؟ طلبة: بلى.
الشيخ: حكمه لنفسه، فإذا كان حكمه به حُكمًا لنفسه فإنه لا يُقبل أن يحكم لنفسه، ومن هنا نأخذ أيضًا أنه لا يحكم لنفسه بطريق الأولى، فإذا كان بينه وبين شخص خصومة في عين معينة، ووكَّل إنسانًا ليخاصم هذا الرجل، وقال: تخاصموا عندي، يجوز ولَّا ما يجوز؟ طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؛ لأنه إذا حكم هنا.
طالب: يحكم لنفسه.

الشيخ: بيحكم لنفسه، لكن لو فُرض أنهما تخاصما عنده، وحكم على نفسه، على وكيله ينفذ ولَّا لا؟ طالب: ينفذ.
الشيخ: ينفض بنص القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: 135]، فيحكم على نفسه فينفذ حكمه على نفسه، ولا يحكم له، هذه واحدة، الحكم لنفسه سواء استقلالًا أو اشتراكًا.
ثانيًا: الحكم لأصوله أو لفروعه لا يؤخذ، لماذا؟ لأنه متهم فيهم؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135]، فالإنسان في الحقيقة متهم إذا حكم لولده أو لوالده، الحواشي مثله ولَّا لا؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا، الحواشي مثل أخيه وعمه وخاله لا بأس أن يُحكم لهم؛ لأنه غير متهم والتهمة بعيدة، كذلك لا يحكم أحد الزوجين لصاحبه، موافقون؟ طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ طلبة: (... ). الشيخ: لأن الزوجة ما يمكن أن تكون قاضية، لكن لا يحكم الزوج لزوجته.
طلبة: صالحة.
الشيخ: تكون صالحة؟ كل من لا تقبل شهادته له على ما يوصف الشهادة، فكل من لا تُقبل شهادته له لا يُقبل حكمه له، ولكن حُكمه عليه يقبل ولَّا لا؟ طالب: يُقبل.
الشيخ: يقبل لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135].

باب طريق الحكم وصفته

(أما طريق الحكم وصفته) فطريق الحكم ما يُتوصَّل به إلى الحكم، هذا الطريق، طريق البلد ما يُتوصل به إلى البلد، طريق الحكم ما يُتوصل به إلى الحكم؛ يعني كيف يتوصل القاضي إلى الحكم بين الناس؟ (... ).

على كل حال نفرض -بل هو الواقع- أن الحكومة تكون بين خصمين، ونعني بالخصم ما يشمل الواحد والجماعة؛ لأن الخصم يُطلق على الواحد والجماعة ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: 21] خصْم تسوروا جمع، ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ﴾ [ص: 22]، فدل هذا على أن كلمة خصم تكون للواحد؛ أي للواحد والاثنين والثلاثة فأكثر.
إذا حضر إليه خصمان فإنه يسأل أيهما المدعِي، يقول: أيكما المدعي؟ فإن سكت ولم يسأل القاضي حتى بدأ أحدهما فله ذلك، ولكن لا يبقى ساكتًا، وهؤلاء ساكتون، إذا كان الخصمان كل منهما ينتظر سؤال القاضي فليسأل، أما إذا كان قد عرف ذلك فلا حاجة إلى أن يسأل؛ لأنه قد يكون بعض القضاة له هيبة في صدور الناس، إذا قال: ادخلوا مثلًا، ودخلوا يسكتون ما يتكلمون حتى يسأل، فإذا كان هذا حال القاضي فإنه يجب أن يسأل.
وإذا كان القاضي عاديًّا فإنه لا بأس أن يسكت حتى يتكلم أحدهما فيقول: أيكما المدعي؟ فإذا ادعى فأقر له الخصم حكم عليه إذا ادعى، قال: أنا أدعي على فلان بكذا، فأقر له الخصم، قال: نعم، صحيح أن ما ادعاه عليَّ فإنه عليَّ وأنا مستعد بتسليمه، يحكم له عليه، لكن هذه الصورة تقع ولَّا ما تقع؟ طالب: تقع.
الشيخ: هي في الحقيقة قد نقول: إنها لا تقع؛ لأنه لو كان يريد أن يقر له ما أكله فقد نقول: إنه حدث له أن يتقي الله سبحانه وتعالى عندما حضر عند القاضي قال: أنا مثلًا الآن بين يدي حكم أستطيع أن أتخلص منه بالإنكار، ولكني سأكون بين يدي حكَم لا أستطيع أن أتخلص منه بالإنكار، فحينئذٍ يتقي الله سبحانه وتعالى وهو (... ). مثل قصة المرأة التي كان لها ابن عم يُريدها على نفسها، وتأبى عليه حتى ألمت بها سَنَة فوافقت، فلما جلس منها مجلس الرجل من امرأته قالت: اتقِ الله ولا تفُضَّ الخاتم إلا بحقه، فقام عنها وهي أحب الناس إليه.

هذا الرجل متى حصل له هذه التقوى؟ حينما أراد أن يفعل وأن يباشر؛ فالإنسان قد يكون له حالات عند إيقاع الفعل غير حالاته عند بُعده عن الفعل، فهذا الرجل قد يتقي الله سبحانه وتعالى عندما يحضر عند القاضي ويقر، هذه واحدة، ربما يفعل ذلك لأجل أن يتخلص من الأمر في المستقبل؛ لأنه في هذه الحال بيعطى صكًّا بهذا الشيء، وكثير من الناس قد يخشى على نفسه في المستقبل أنه يهينك، يعني يقر لخصمه اليوم، لكن يخشى على نفسه في المستقبل أن ينكر إما لوجود تقديرات بعيدة أو قريبة كما يوجد الآن -حسب ما نسمع- بعض الناس يكون عنده نية على أن يقر بما يجب عليه، ويقول لأولاده: لا تكترثوا، هذا ما عنده بينة أن هذه أرضه هي أرض كثيرة وزين (... )، لكن يحب أن يروح للقاضي يثبت الحكم عنده حتى لا يبقى أي احتمال للرجوع.
إنما على كل حال، المسألة إذا وقعت ويمكن تصويرها بعدة صور، وإن كان ما فائدة وقعت، وأقر له حكَم عليه، وإذا كانت من عادة الناس أن يُعطوا صكًّا بهذا فإنه يجب على القاضي أن يكتب لهم به صكًّا.
طالب: (... ). الشيخ: لا، أقر به بالكلام، السكوت ما يكفي.
إذا لم يُقر طلب من المدعي البينة، طلب من؟ طالب: القاضي.
الشيخ: طلب القاضي من المدعي البينة فقال: إن كان لك بينة فأحضرها، فإن أتى بها حَكَم بها، طبعًا إذا كان له بينة وأتى بها حكم بها.
وهل يحكم على حسب شهادتها أو على حسب دعوى المدعي؟ الجواب: يحكم على حسب شهادتها، قد يدعي بألف، وتشهد بثمان مئة فيكون الحكم على أي شيء؟ طالب: على شهادتها.

الشيخ: على ما شهدت به ما لم تكن الشهادة متضمنة لتكذيبه، فإن كانت متضمنة لتكذيبه لم يُعتد بها مثل أن يدعي عليه ألف درهم ثمن المبيع، ثم تشهد بأن عليه ألف درهم أرش جناية، الآن البينة شهدت بما لم يدَّعِ، فطبعًا ما يحكم له بها حتى لو كان الآن المؤدى واحدًا في الحقيقة، دعواه وشهادة البينة ويش يتضمن؟ ثبوت ألف في ذمته، لكن اختلف السبب فلا يُحكم له بذلك.
لا بد أن تشهد البينة بمقتضى السبب الذي ادعى به، فإذا شهدت بالحق أو بما في ذمته، واختلف السبب فلا يُعتد به (... )، وإلا حلف الخصم على نفي ما ادُّعِي عليه وخُلِّي.
إذا قال المدعي: ما لي بينة، أو قال: ما عندي بينة، أو قال: لا أعلم بينة، في هذه المسائل كلها نقول: يتوجه الآن على الخصم اليمين؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَلَكِنِ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (1). فنوجِّه الآن اليمين على الخصم المدَّعَى عليه.
وهنا أظن سيُذكر أنه يفرق بين قول المدعي: ما لي بينة، وقوله: لا أعلم لي بينة؛ إذا قال: ما لي بينة، ثم أتى بها فيما بعد؟ طالب: لا تصح.
الشيخ: فإنها لا تصح، وإذا قال: لا أعلم لي بينة، ثم أتى بها فيما بعد.
طالب: قُبلت.
الشيخ: قُبلت؛ لأنه في الأثر الثاني نفى العلم، وقد يكون الإنسان جاهلًا ببينته أو ناسيًا، ثم يذكر أو يعلم فيأتي بها، أما إذا قال: ما لي بينة فقد نفاها، فإذا أتى بها بعدُ فإنه هو نفسه قد شهد بتكذيبها حيث قال بالأول: ما لي بينة.
ولاحظوا -في الحقيقة- أن هذا الأمر بالنسبة للعوام لا يفرقون، أليس كذلك؟ طلبة: بلى.
الشيخ: العامي اللي ما عنده بينة وما أعلم بينة.
طالب: كله سواء.
الشيخ: كلها سواء، ولذلك المذهب الأول؛ وهو أنه يفرق بين الكلمتين، والقول الثاني أنه إذا كان ذلك من عامي لا يتم التفريق بينهما؛ فإنه إذا أقام بينة بعد تُقبل سواء قال: لا أعلم أو قال: ما لي بينة.

وهذا هو الصحيح؛ لأن الواجب أن نأخذ الناس بما يفهمون من الأقوال، هذا هو الواجب؛ إذ إن الأقوال هي قالب المعاني، والمعاني هي المقصودة، والإنسان في أمر لا يعرفه لا يمكن أن يقصده؛ إذ إن تتبع العلم.
قوله: (وإلا حلف الخصم) (حلف) للقاضي الحق بأن يُوجه اليمين على المدَّعى عليه قبل أن يسأل ذلك المدعِي؟ هذا أيضًا اختلف فيه الفقهاء، بعضهم يرى أنه يجوز للقاضي أن يُوجِّه اليمين إلى المدَّعَى عليه، وإن لم يطلبه المدَّعِي، وبعضهم يقول: إنه لا يلزمه، بل إنه لا يملك توجيه اليمين إلى المدَّعَى عليه حتى يطلب المدَّعِي ذلك، والأقرب أن للقاضي أن يُوجِّه اليمين إلى المدَّعَى عليه؛ لأننا لو قلنا بعدمه؛ معناه انصرف الخصمان الآن بدون أي فائدة، وبدون أي حل لمشكلتهما، ثم يلزم من هذا أن يأتي إلى القاضي كل يوم يجلسانِ يتخاصمان، ويضيعان الوقت عليه، وآخر الأمر لك بينة؟ ما لي بينة يقول: قوموا.
هذا لا شك أنه ضرر حتى في مجلس القضاء، ولذلك الصحيح، والرواية الصحيحة أن له أن يُحلِّفه بدون طلب المدعي، وحينئذٍ يحكم ببراءته، ولكنه ليست براءة تامة، فلو أتى المدعِي بعد ببينة فإنه يُحكم له بها، ولم تكن اليمين مزيلة للحق كما سيُذكر.
طالب: (... ). الشيخ: إي نعم.
الطالب: (... ). الشيخ: على المذهب ما يمكن.
الطالب: (... ). الشيخ: هو ما رضي، هو الغالب أنه لو رضي بالبينة ما قام عليه بينة، لكن مع ذلك يقول: ما تقبل سواء كان جاهلًا أو ناسيًا، وهو قد يكون جاهلًا -كما قلت- يكون مثلًا قد سمع من الناس وهو ما شافه مثلًا، أو أقر المدعى عليه بالحق عند أناس وهو ما علم، وقد يعلم وينسى؛ ولهذا الصحيح أنه تقبل لا سيما إذا كان عاميًّا، أما طالب العلم فإنه يعرف الفرْق فيكون يعني مُعذَّرًا بما يكون فيه الحيطة في نفسه.
طالب: (... ). الشيخ: أيش؟ الطالب: اليمين (... ).

الشيخ: لأن اليمين هذه لحل النزاع فقط، نجيب للناس الحق، فالأصل هو البينة لكن البينة على المدعى عليه، وهو يقول: أنا ما أعلم، ثم علم.
طالب: (... ). الشيخ: لا، هي ما تكون ملزمة للحق.
يقول: (على نفي ما ادعى عليه، وكل، فإن أقام المدعي البينة بعد ذلك حُكِم بها ولم تكن يمينًا ملزمة للحق)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «وَلَكِنْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» (1)، وإن نكر الخصم عن اليمين قُضِي عليه بالنكول بدون يمين المدعي وقيل: بيمين المدعي، وهذا فيه تفصيل.
الآن المدعِي قال: ما عندي بينة، والمدعى عليه لم يحلف، قال: ما أنا بحالف، نجيب الشهود ولا أنا بحالف، نلزمه باليمين، وإلا نقضي عليه، نقول: إما يحلف وإلا قضينا عليه، إذا قال: ما أنا بحالف هو المدعي يأتي ببينة، نقول له: ماذا يضرك من اليمين؟ إن كنت صادقًا فاليمين لا تضرك، وإن كنت كاذبًا تبوء بالإثم.
فإذا قال قائل: إن هذا المدعِي سيحلف ولا يُبالي؟ نقول: نعم، ليس لك إلا يمين؛ يمين الخصم؛ لقول الرسول: «شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ» (2). ما لك إلا يمينه، وهو إذا كان يكذب فليس عليك، فالحلف وحلَّفناه، ما فيه إلا أن نحلفك، فليس لك عليه حق، إذا نكل يُقضى عليه بالنكول، أيش معنى نكل؟ طلبة: امتنع.
الشيخ: امتنع عن اليمين، يقضي عليه القاضي بالنكول، وهذه أحد الطرق التي يُحكم بالحق فيها، فيقضي عليه بالنكول، لكن هل يُحلَّف المدعي أو لا يُحلَّف؟ المذهب أنه لا يُحلَّف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (1). وهذا المدعِي مُنكِر ولا مطالِب؟ طالب: مطالِب.
الشيخ: مطالِب؛ فلا يُحلَّف.
وقال بعض العلماء: بل يُحلَّف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جعل اليمين في جانب المنكر لقوة جانبه، بماذا قوي جانبه؟ طالب: بيمينه.

الشيخ: لا؛ لأن معه الأصل، الأصل عدم الثبوت الأصل وهو البراءة، فإذن صار الواجب في حقه اليمين، هنا لما نكر المدعى عليه، ويش اللي ترجح الآن؟ ترجح جانب المدَّعِي ولَّا لا؟ طالب: نعم، ترجح.
الشيخ: فالمدعي ما له بينة يا جماعة، لما نكر المدَّعَى عليه لا شك أنه يقوم في نفوسنا قرينة ظاهرة على أيش؟ طالب: صدق المدَّعِي.
الشيخ: على صدق المدَّعي، وإذا ترجح جانبه بسبب نكول المدعى عليه صار توجه اليمين إليه قويًّا؛ لأن اليمين في الحقيقة ليست في جانب المدَّعِي دائمًا، أو في جانب المدعى عليه دائمًا، أحيانًا تكون في جانب المدعِي، وأحيانًا تكون في جانب المدَّعى عليه، وقد مر علينا أيضًا في القسامة؛ أن اليمين في جانب المدعِي مع أنه مدعِي، ومر علينا أيضًا لها نظائر، وهو أن الرجل والمرأة إذا ادعيا شيئًا في البيت فالذي يصلح للرجل يكون للرجل، واللي يصلح للمرأة يكون للمرأة، ومضى علينا واحد معه شماغان وواحد أصلع.
طالب: (... ). الشيخ: من يترجَّح؟ طالب: الأصلع.
الشيخ: جانب الأصلع، وعلى هذا فقِسْ.
إذن القول بأنه تُردُّ اليمين على المدعِي إذا نكل المدعَى عليه له وجه ولَّا لا؟ طالب: له وجه.
الشيخ: له وجه، فيه رأي ثانٍ: التفصيل، فيه رأي آخر: التفصيل، وهو أنه ينبغي للقاضي أن ينظر في جانب المدَّعِي والمدعَى عليه قد يكون المدَّعَى عليه يقول: ما أنا بحالف، أنا موفيه مثلًا، ولا أنا بحالف، ويكون المدعِي معروف بأيش؟ معروف بالفجور، فحينئذٍ نقول للقاضي: حلِّفه، ولا تحكم له إلا بيمينه؛ لأنه في هذه الحال ما دام أننا نعرف أن المدعى عليه الذي امتنع أن يحلف أنه رجل أمين وذو ورع، ولكنه تحرج عن اليمين، وأن الثاني أيضًا معروف بالفجور ودعوى ما ليس له وإنكار ما عليه فإنه ينبغي أن ترد اليمين إلى المدعي؛ وهذا قول التفصيل وهو الظاهر لي.

وحينئذٍ إذا قال قائل: كيف نذهب إلى التفصيل والمسألة فيها قولان، والمعروف أن العلماء إذا اختلفوا على قولين لم يجز إحداث ثالث؟ وهذا معروف عندكم في أصول الفقه.
طلبة: نعم.
الشيخ: نقول: إذا كان القول الثالث لا يخرج عن القولين فإنه يجوز؛ لأن هذا التفصيل يوافق أحد القولين في حال، وأحد القولين في حال أخرى، أما اللي ما يجوز مثل لو قال أحد العلماء: هذا واجب، والآخر قال: هذا مستحب، والثالث قال: هذا مباح، فهذا اللي يقول بالإباحة مثلًا إذا أجمعوا على أنه إما مستحب أو واجب يكون قولًا خارجًا عن الإجماع، وأما التفصيل فإنه لا يخرج عن محل الإجماع.
وشيخ الإسلام أحيانًا يأتي بمثل هذا ويقول: وهو بعض قول من يقول بكذا، بعض قول؛ لأن حقيقة الأمر أنه بعض من يقول: ترد اليمين على المدَّعي ومن يقول: لا تُرد، قولوا يا جماعة.
طالب: (... ). الشيخ: ويش وجه التبعيض؟ أنه في حال يأخذ بقول من يقول تُرد، وفي حال أخرى يأخذ بقول من يقول: لا ترد.
إذن الصواب، قلنا: طريق الحكم (... ). المدعى عليه يعني ما يُحكم له به.
طالب: (... ). الشيخ: كلهم على ما يحل، نعم، يبقى بيد المدعى عليه، ويقال للمدعي الآن: إذا كنت صادقًا في دعواك، فما الذي يضرك إذا حلفت؟ طالب: (... ). طالب آخر: إذا حلف ثبت.
الشيخ: لا بأس، هو شوفوا يا جماعة، لا يشفع له، إذا حلف المنكر قال: والله ما هذا الذي بيدي لفلان، بل هو لي، قلنا للمدعي: خلاص روح، ما لك شيء، واضح يا جماعة؟ طلبة: نعم، واضح.
الشيخ: إذا قال المنكر: ما أنا بحالف، هو يجي ببينة ولَّا ما يجي، ولا أنا بحالف.
على المذهب؟ طالب: يكره.
الشيخ: يكون -لا يُكره على الحلف- نكوله حُكمًا للمدعِي، فيُؤخذ المدَّعَى به، ويُعطَى المدعِي، وتنتهي القضية.

بعض العلماء يقول: نعم، الحكم كذلك إذا نكل المدَّعَى عليه، ولكن لا بد أن نُحلِّف المدعي؛ لأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (3) إنما جعلت اليمين على من أنكر لقوة جانبه، فهنا قوي جانب المدعي، لما نكل المدعى عليه قوي جانب المدعي؛ فوجب أن تكون اليمين في حقه فيحلف، إن حلف حُكِم له، وإن لم يحلف؛ لم يحكم له وبقيت في جانب المدعى عليه.
فيه رأي ثالث يقول بالتفصيل: إذا علم القاضي بأن المدَّعِي رجل صدوق فلا يحتاج إلى تحليفه، وإذا علم أنه رجل قد يدَّعي ما ليس له فإنه يُحلِّفه.
في هذه الصورة يا جماعة، هذا الذي ذكرنا هل ينطبق على جميع الناس، وفي جميع الدعاوي؟ يعني مثلًا افرض واحد قال: أنا أطلب رئيس الوزراء شيخ تميم؛ لأنه اشترى مني حزمة بقل، ويش تقولون في ها الدعوى؟ طالب: لا، ما تصح.
الشيخ: يحضر عند القاضي؟ طلبة: لا.
الشيخ: ما يحضر؛ ولهذا هذه المسألة موضع خلاف بين العلماء طويل عريض.
فعام لقول الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (3). وهذا عام، ولم يفرق، وبعضهم يقول: إن من القواعد المقررة شرعًا أن ما خالف الحس لا يُقبل، وهذا مخالِف للمحسوس، هل من المعقول أن رئيس الوزراء مثلًا يجي يشتري من هذا الرجل حزمة بقل؟ طالب: (... ). الشيخ: لا، ما هو معقول، لا والله يا شباب وإلى اليوم (... )، هذا في الحقيقة بعيد جدًّا، هذا ربما يكون مثلًا في بلاد غير بلده؛ في بلد ليس بها رئيس وزراء يجوز، هذا ممكن، يسافر للخارج، وإذا سافر إلى خارج بلده، تعرف الغريب ما يهتم بهذا الموضوع.
فهذه من المسائل التي اختلف فيها العلماء، ولكن الحقيقة أنه إذا كانت الدعوى التي يكذبها الحس هي غير مقبولة.
طالب: (... ). الشيخ: خلاص انتهى، ما عاد يمكن إذا حكمنا ببينته ما عاد يمكن؛ لأنه حكمنا له باليمين كبينته.

طالب: (... ). الشيخ: المدعي معلوم، إذا قال: أنا ما أعرف إذا قال: أنا ما أرضى أنه يقول: إذا لم يكن لك بينة ما لك شيء إلا بمثل القتل كما في القسامة فإنه يُودَع من بيت المال، أما هذا نقول: ما لك شيء، إذا ما رضيت ما لك شيء، تجيب بينة ولَّا ما لك شيء.
طالب: شيخ، ما هي صيغة اليمين؟ الشيخ: صيغة اليمين: واللهِ ما له عليَّ شيء، أو: واللهِ ما له حق في هذه العين المدعى بها، حسب عادة ما يكون الجواب يحلف على حسب جوابه.
الطالب: صيغة يمين خاصة قوية؟ الشيخ: ما سمعت.
الطالب: مثلًا يقول: والله والله مثلًا، يعني.. الشيخ: لا، أبدًا، تغليظ اليمين يكون في مواضع، بعض العلماء يقول: يغلظ اليمين في مواضع؛ في الأشياء التي لها خطر؛ لأنها تُغلَّظ في الزمان، وفي المكان، وفي الهيئة، وفي الصيغة.
في الزمان بعد العصر، وفي المكان عند المحراب، وفي الهيئة قائمًا، وفي الصيغة مثل أن يقول: والله الذي لا إله غيره، عالم الغيب والشهادة، الغالب القادر، وما أشبه ذلك، من الأشياء التي يكون لها قوة لكن هذه ما في كل يمين، في المسائل الخطيرة، مثل أموال كثيرة، أو دماء، أو ما أشبه ذلك.
طالب: (... ). الشيخ: لا، ما له حلف مثلما قلت: إن الأمور الخطيرة هي نعم بتغلظ وغير الخطيرة ما هي بتغلظ.
الطالب: (... ). الشيخ: لا، ما (... ) هذه -والعياذ بالله- العقوبة تسير في الإنسان مهما كان حسب ما سمعنا إن كثيرًا من الناس حلفوا كذبًا ورأوا العقوبة حاضرة -والعياذ بالله- حدثني واحد من الناس يقول: إنه كان بينه وبين شخص في (... ) دعوى طلب، وأنه أنكر المطلوب وحلف عند القاضي، فخرج إلى الرياض في سيارته ومعه زوجته وأولاده فحصل لهم حادث وماتت زوجته وأولاده بقي هو فقط منفردًا والعياذ بالله.
وهي الغالب أنها الحقيقة، أنها كما جاء في الحديث: «أَنَّهَا تَذَرُ الدِّيَارَ بَلَاقِعَ».
(4) اليمين الغموس أبدًا ما يعيش صاحبه، والعياذ بالله، إلا كمثل إرادة من الله.

يقول المؤلف: (وإن نكَل قُضِي عليه بالنكول، وإن تداعيا عينًا بيد أحدهما، وأقام كل منهما بينته بأنها).
طالب: بأنه.
الشيخ: بأنه، الصواب (بأنها له قضي بها للخارج، والراجح للداخل، وهو الذي بيده العين لقوة جانبه باليد).
(تداعيا عينًا بيد أحدهما) كل واحد منهما أقام بينة أنها له، ويش دل؟ طالب: (... ). الشيخ: إي نعم.
الطالب: (... ). الشيخ: يا سليمان، أقام سليمان بينة أنه له، وأقام عبد الرحمن بينة أنه له، فهمتم الآن؟ فماذا نصنع؟ المذهب يُقضى للخارج، الخارج اللي ما هي بإيده، وهو عبد الرحمن، فيُقضى له ببينته ويأخذها من سليمان، لماذا؟ قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (3). فالمنكر جانبه له اليمين، والمدعي جانبه له البينة، وقد أتى بالبينة فيُحكم له فيها، يحكم له بها، هذا هو وجه نظرهم.
وقال بعض العلماء: يُقضى بها للداخل الذي هي بيده؛ لأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ».
ليس معناه أن البينة على المدعي وأن اليمين على من أنكر أنه لو أتى من أنكر بالبينة لم تُقبل، بل لأن الغالب أن من هي بيده لا يحتاج إلى بينة؛ لأنه معه الأصل، وهي أن الأصل أن ما بيد الإنسان فهو له، وهنا نقول: إذا وزنا القولين بالقسط، قلنا: كل من القولين أو من الدعويين كل منهما فيه بينة، صح ولَّا لا؟ طالب: نعم.
الشيخ: فتتساقط البينتان؛ بينة هذا تسقط بينة هذا، ويبقى المدَّعى عليه يترجح جانبه بأي شيء؟ طالب: باليد.
الشيخ: إي نعم، باليد الذي هو الأصل فنقول: إذا أردنا أن نزن والشرع كله ميزان: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ [الشورى: 17] فنقول: نزن، البينة هذه تسقط هذه، ويبقى جانب من بيده العين مترجحًا فيحكم له بيمينه، والله أعلم (... ).

شروط الدعوى: الدعوى هي ادعاء الإنسان على غيره حقًّا، سواء كان هذا الحق عينًا أو دينًا، أو أي حق من الحقوق؛ فالدعوى معناها إضافة الإنسان لنفسه شيئًا على غيره، هذه الدعوى بأن يقول: هذا لي، أو لي الحق الفلاني، أو ما أشبه ذلك، والدعوى لا تُقبل إلا بوجود بينة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَالٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (1). شروط الدعوى أولًا: (إن كانت تحس)، يعني أن يمكن أنها صحيحة، وإن كان عقليًّا ولَّا عرفيًّا أو هما؟ هما جميعًا، لا بد أن يكون مما يمكن عقلًا وعرفًا، فإن لم يمكن لا عقلًا ولا عرفًا فإنها لا تُقبل.
مثال التي لا يمكن عقلًا، أو فلا تصح على ابن عشرين سنة أنه سرق منذ عشرين سنة، لماذا؟ طلبة: (... ). الشيخ: ما يمكن يسرق، هذا شيء مستحيل، أو على ابن عشرين سنة أنه سرق منذ ثلاثين سنة من باب أولى، هذا لا يمكن عقلًا، هذا غير ممكن عقلًا.
ما لا يمكن عادةً وعُرفًا، قالوا: لو ادعى على الملك أنه اشترى منه حزمة بقل؛ البقل مثل الكرات وما أشبهه، أو هذا الذي يستعملونه أيضًا في الأطعمة.
طالب: البقدونس.
الشيخ: البقدونس، والأشياء هذه، لو ادعاها على الملك، هل يُقبل هذا ولَّا ما يقبل؟ طالب: ما يُقبل.
الشيخ: ما يُقبل ولا يصح، والسبب أن هذا أمر مستحيل عادةً، ولو أننا قبلنا مثل هذه الأمور، وقلنا: إذا ادعى على الملك هذا، كان يروح مثلًا يجيب الملك ويخليه يجلس عند القاضي والقضية بقدونس (... )، هذا يقول العلماء: إنه لا يمكن واختلف العلماء في هذه المسألة هل يُؤدَّب المدعي أو لا يؤدب؟

قال بعض العلماء: إنه يؤدب؛ لأنه استهان بحرمة الغير، وقال آخرون: إنه لا يؤدب، وعسى أننا نتجاسر ونقول: إن دعواه لا تُسمع؛ يعني غاية ما نأتي به أن نتجاسر، ونقول: إن الدعوى لا تسمع، وأما كونه يمتهن حرمة غيره فإنها كل شيء جائز من الناحية العقلية، وتمثيلنا مثلًا للملك ليس معناه أن يقتصر عليه، كل إنسان مثلًا له شرف وجاه يبعد عادة أن يفعل هذا المدَّعَى به فإن حكمه حكم المنع.
إذن اللي كان (... ) أيش؟ طالب: عقلًا وعادة.
الشيخ: عقلًا وعادة، أو عقلًا وعرفًا، فإن خالف فإنها لا تُقبل.
الثانية: أن تكون محررة؛ والتحرير معناه إزالة شوائب الجهل والغرر عنها بحيث يُذكر جنس المدعى به، ويذكر أيضًا نوعه وقدره، نشوف الآن الجنس بأن نقول أدَّعِي عليه بصاع بُر (... ). له عدة وجوه، فلا بد أن يستقصي أي (... ) رقبة، فالصواب أن تحرير الدعوى ليس بشرط، ولكنه إذا كان في الدعوى التباس وجب على القاضي أيش؟ طالب: أن يستكشف.
الشيخ: السؤال والاكتشاف حتى يكون على بينة من الأمر.
أيضًا حتى لو قلنا بوجوب تحريرها فإن ذكر النوع يكفي عن ذِكر الجنس؛ لأن النوع أخص؛ يعني مثلًا لو أقول: نعين مئة صاع نعين، هل يحتاج مع ذلك أنك تنظر؟ طالب: لا.
الشيخ: لأن نعين معروف أنها تنظر، فاشتراط الجنس مع اشتراط النوع ليس له وجه؛ إذ إن النوع أخص، وإذا وُجِد الأخص فإن الأعم لا شك أنه موجود.
القدْر صحيح لا بد من ذِكر القدر؛ لو قال: أدعي عليه دراهم، تُسمع الدعوى ولَّا ما تُسمع؟ طالب: ما تُسمع.
الشيخ: ما تُسمع على اشتراط تحرير الدعوى؛ وذلك لأنه لم يعينها دراهم كم؟ وعلى القول بسماعها تُسمع، ويحضر إلى مجلس الحكم، ويقال له: كم الدراهم؟ عيِّنها، وهل يشترط أن يقول مثلًا: قيمة مبيع، أجرة بيت، أرش جناية ولَّا ما هو شرط؟ طلبة: لا، ما هو شرط.

الشيخ: على الأول أن يشترط التحرير يُشترط أن يقول ذلك، وعلى الثاني لا يشترط؛ لأن المقصود ثبوت الحق عليه، ولكن إذا علم القاضي أن هناك حقوقًا متعددة لهذا الرجل على هذا الرجل فإنه يجب عليه أن يستقصي حتى يأتوا على الحق المعين من هذه الحقوق.
طالب: (... ). الشيخ: يعني لا بد أن يكون (... ) المدعى عليه، وأخذ الدراهم كم هي؟ الطالب: (... ). الشيخ: يعني يقول: أنا أصدِّقه في ذلك.
الطالب: (... ). الشيخ: بيمكن في الغالب أنه يمكن؛ لأنه لو كان منتظرًا ما حضر.
الطالب: (... ). الشيخ: يقول: دخل الدار وكسر (... ) ولكن ما أخذ شيء.
الطالب: (... ). الشيخ: هو داخل الثياب، لكنه يقول: ما أخذته.
نعم، إذا شهد وقال: أشهد بأنه أخذ من الثغور بيده لفة من الدراهم، شفناها في يده، حينئذٍ يثبت أنها دراهم، وتحتاج إلى المقدار، هذا المقدار نقول للرجل: ادَّعِ ما شئت، الآن القدر، ثم إذا ادعى ما شاء سألنا هذا المدَّعَى عليه أن يقر أو ما يقر، وتجري الحكومة على (... ). الشرط الثالث: أن تكون معلومة المدَّعى به إلا فيما يخص مجهولًا (... ) أن تكون معلومة المدعى به؛ يعني بمعنى أن الدعوى معلومة إلا في الأشياء التي تصح مجهولة.
الوصية تصح مجهولة، وهذا مثال، وليس على سبيل الحصر مثل أن يقول: أدَّعي على هؤلاء الورثة أن مُورِّثهم أوصى لي بشيء، هذا مجهول ولَّا غير مجهول؟ طالب: مجهول.
الشيخ: مجهول، والوصية بشيء من ماله مرت عليكم أنها تصح، وأن الورثة يورثونه ما شاؤوا، وحينئذٍ تسمع الدعوى، ويقال للورثة: أعطوه ما يسقط عليه أنه شيء، إذا ادعى أنه أوصى له بسهم من ماله تصح ولَّا لا؟ تصح؛ لأن الوصية بسهم من ماله صحيحة، وقد سبق أنه يُعطى كم؟ السدس، يُعطى السدس.

جارٍ التحميل