الشيخ: إي نعم، أما حديث: «لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ؛ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ»، فقد استدل به مَن لا يرى اشتراط النصاب للسرقة، وهم الظاهرية، قالوا: مجرد السرقة يُقْطَع به الإنسان، ولكنه ما دام عندنا حديث صحيح صريح في الموضوع: «لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» (3)، فإنه لا يمكن أن نقول بالإطلاق؛ لأن السُّنَّة تُقَيِّد القرآن.
وأما قوله: «لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ؛ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ»، فبعض العلماء يحمل الحديث على أن المراد بالبيضة بيضة السلاح التي يضعها الإنسان على رأسه، قالوا: وهذه تساوي رُبُع دينار، أو ثلاثة دراهم، وقد قطع النبي صلى الله عليه وسلم في مِجَنٍّ قيمته ثلاثة دراهم (4).
والمراد بالحبل الحبل ذو القيمة الذي يبلغ رُبُع دينار، أو ثلاثة دراهم إذا قلنا بأنها أصل، قالوا: مثل حبال السفن التي تُرْبَط بها، فإنها حبال غليظة طويلة وغالية، هذا وجه.
أو أن المراد يسرق البيضة فيتذرَّع بها إلى سرقة ما تُقْطَع به يده، وكذلك يسرق الحبل فيتذرَّع به إلى سرقة ما تُقْطَع به اليد، بمعنى أنه يتدرج من سرقة الأقل إلى سرقة الأكثر، ويتعين أن يُحْمَل الحديث على أحد هذين الوجهين، أو على وجه ثالث إن عُلِمَ التاريخ بأن يكون هذا الحديث المطلَق قبل تقييد المسألة بالنصاب، لا بد أن يُحْمَل الحديث على هذا؛ لأننا لو لم نحمله على ذلك لزم التعارض، والشرع ليس فيه تعارض.
قوله: (أو ما يساوي أحدهما) على الرأي الذي رَجَّحنا بأن المعتَبَر الدنانير، (أو ما يساوي أحدهما) إذا اعتبرنا أن كليهما نصاب، أما إذا اعتبرنا بأن النصاب رُبُع الدينار فنقول: أو ما يساوي ربع دينار.
الرابع: أن تنتفي الشبهة بألَّا يكون للسارق شبهة في سرقته، فإن كان له شبهة في السرقة فإنه لا قَطْعَ عليه؛ لأنه يسرق متأوِّلًا، كيف متأوِّل؟ بأن له الحق في أن يأخذ من هذا المال، وحينئذ يُعْطَى حكم المتأوِّل، والمتأوِّل ليس عليه ضمان وليس عليه قطع، يعني ليس عليه إقامة حد، وقد قَتَلَ أسامة رضي الله عنه رجلًا شهد أن لا إله إلا الله، لكنه قتله متأوِّلًا، حيث قال للرسول صلى الله عليه وسلم: إنما قالها تعوُّذًا (5).
فانتفاء الشبهة لا بد منه خوفًا من أن يكون السارق متأوِّلًا جواز السَّرَق، وله صور، يعني الذي فيه شبهة له صور، منها إذا سرق الأب من مال ولده، أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: ويش الشبهة؟ أن له أن يتملك من مال ولده، بالعكس إذا سرق الولد من مال أبيه؟
طالب: شبهة.
الشيخ: ويش الشبهة؟
طلبة: (... ).
الشيخ: إي، له حق النفقة، إذا كانت تجب نفقته على أبيه فهي شبهة بلا شك؛ لأنه يحتمل أن أباه مُقَصِّر فسرق، مع أن الصحيح أنه إذا كان ذلك بسبب تقصير مَن يلزمه النفقة فإنه ليس فيه تحريم أصلًا، وليست بسرقة، قال النبي عليه الصلاة والسلام لهند بنت عتبة: «خُذِي مِنْ مَالِهِ -يعني مال زوجها- مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي وَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» (6).
سرق من مال أمه، ما تقولون؛ يُقْطَع ولَّا لا؟
طالب: (... ).
الشيخ: لا، المذهب ما يُقْطَع، المذهب لا يُقْطَع أصلٌ بفرع، ولا فرع بأصل، والغريب أنهم بنوا هذا الأمر، قالوا: لأن شهادة أحدهما للآخر لا تُقْبَل، وهذا لا شك أنه بناء ضعيف على ضعيف، فهو بناء ضعيف؛ لأنه لا مقارنة، أو لا صلة بين السرقة وبين الشهادة، وهو أيضًا مبني على ضعيف؛ فإن الصحيح في الشهادة أنه لا يمتنع قبول شهادة الرجل لابنه أو بالعكس إذا كانت العدالة قوية؛ لأن العلة ما هو الأصل والفرع، العلة التهمة.
فالحاصل أن نقول: الضابط في الشبهة فيما نرى أنه إذا سرق مما له في ماله حق، من شيء له فيه حق، فإنها شبهة، وإذا لم يكن له في ماله حق فليس بشبهة، ولا عبرة بالأصل ولا بالفرع، ولا بالأخوة ولا بالعمومة، العبرة هل هذا السارق له حق في هذا المال أَوْجَبَ له أن يتجرأ فيأخذ منه أو ليس له حق، على هذا إذا سرق إنسان فقير من بيت المال يُقْطَع ولَّا ما يُقْطَع؟
طلبة: ما يقطع.
الشيخ: السبب؟
طلبة: له حق.
الشيخ: لأن له فيه حقًّا، فبيت المال لعموم المسلمين، فالفقير له فيه حق، فيحتمل أن هذا الرجل سرق لأنه يقول: هذا حقي، أنا لي في هذا حق، وهو القيام بالكفاية، فلا يُقْطَع.
لو أنه اضطُرَّ إلى طعام، وصاحب الطعام أَبَى أن يعطيه، فلما رآه مُعْرِضًا سرق منه، يُقْطَع ولَّا لا؟ ما يُقْطَع؛ لأن له في ماله حقًّا، إذ يجب على الإنسان إذا رأى مضطرًّا أن يدفع ضرورته بما استطاع.
إذن ما هي الشبهة على هذا، تعريفها؟ أن يكون له حق في المال الذي سرق، هذه الشبهة، فمتى كان له حق، ولهذا لم يقطع أمير المؤمنين عمر في زمن المجاعة العامة، ليش؟ لأن الأغنياء في هذه الحال يجب عليهم دفع ضرورة الجائعين وجوبًا، ولما سُئِلَ الإمام أحمد، فقيل له: تذهب إلى هذا؟ قال: إي لعمري، يعني: إلى أنه لا قَطْع في زمن المجاعة العامة والحاجة العامة.
أما الجوع الخاص فلا، لو واحد جوعان مرة ولا لقي طعامًا، وراح وسرق من مال إنسان فإنه يُقْطَع؛ لأنها ضرورة خاصة، ولو أن كل إنسان سرق وقال: أنا والله جوعان وأبغي أنقذ أنفسي، كان يبقى القطع متعذِّرًا في الغالب، لكن نعم لو جاء وطلب من هذا الرجل بعينه أن يعطيه من ماله وينقذه من ضرورته فلم يفعل فإنه في هذه الحال إذا سرق شبهة؛ لأنه تعين على هذا الرجل أن يعطيه.
طالب: إذا كان متأوِّلًا، ما (... ).
الشيخ: ويش لون؟ لا، على وجه خفي إذا كان جهرًا، الخفاء ضده الجهر، يعني أخذه من صاحبه وهو يراه، هذا الجهر.
طالب: السرقة (... ).
الشيخ: لو سرقت من مال ابنها تُقْطَع إذا لم يكن يجب عليه الإنفاق، مع العلم بأن هذه إن شاء الله ما هي بواقعة؛ لأن من شرط ذلك المطالبة، ومعلوم أن الإنسان ما هو مطالب أن أمه تُقْطَع يدها، أبدًا مهما كان العقوق ما يمكن يفعل هذا الشيء.
الشرط الرابع: أن تنتفي الشبهة، ما ضابط الشبهة؟ أن يكون للسارق حق في المال المسروق منه، فإذا كان له حق من المال المسروق منه فإن هذا الحق يوجِب أن يكون هذا السارق متأوِّلًا فلا يقام عليه الحد.
(... ) السرقة بطريق شرعي، وثبوت السرقة يكون بواحد من أمرين؛ الأمر الأول: البَيِّنَة، وهي رجلان اثنان، وهنا لا مدخل للنساء في باب الحدود على المشهور من المذهب، يعني أنه لو ثبتت السرقة برجل وامرأتين فإنه لا يقام الحد، ولكن يثبُت المال لوجود نصابه؛ لأن المال يثبت بشهادة الرجل والمرأتين، ولا يثبت الحد؛ لعدم وجود نصابه.
إذن فالطريق الذي تثبت به السرقة له وجهتان أو نوعان؛ النوع الأول: أن يثبت بالشهادة، بالبينة، وذلك بشهادة رجلين يشهدان بالسرقة، ويتفقان في وصفها وزمانها ومكانها.
فإن أتى بشاهد واحد وامرأتين فإن الحد لا يثبت، ولا تُقْطَع اليد، ولكن المال يثبت؛ لأن نصابه موجود، كذلك لو أتى المسروق منه بشاهد وحلف معه فإن الحد لا يثبت، يعني ما تُقْطَع يده، وأما المال فإنه يغرمه؛ لوجود النصاب.
ومن هذا نأخذ أن الأحكام تتبعَّض، فيوجَد مثلًا حكمان في قضية معينة، يثبت أحدهما ولا يثبت الآخر، ففي السرقة -كما تعرفون- يثبت أمران؛ أحدهما القطع، وهو حد لله سبحانه وتعالى، والثاني ضمان المال، وهو حق للآدمي، فالقطع لا يثبت إلا بشاهدين، والمال يثبت بشهادين، وشاهد وامرأتين، وشاهد ويمين المدَّعِي، فإذا وُجِدَت أسباب ثبوته، أي ثبوت المال، وجب الحكم بثبوته.
الأمر الثاني أو الطريق الثاني من طريق الثبوت: أن يُقِرّ السارق بالسرقة، وهل يُشْتَرَط أن يقر مرتين؟ أو يُكْتَفَى بإقرار مرة واحدة؟ المذهب: لا بد من مرتين، لا بد أن يكون مرتين، فإن أَقَرَّ مرة واحدة لم يثبت القطع، ولكن يثبت المال، إذا أقَرَّ مرة واحدة ثبت المال، ولكنه لا يثبت القطع، وذلك لأن القطع عندهم لا يثبت إلا بشاهدين.
ولكن القول الراجح ما عليه جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأبو حنيفة، يقولون: إنها تثبت -أي السرقة- حَدًّا وضمانًا بإقرارٍ مرةً، وهذا هو الأصح.
وقد سبق لنا الخلاف في ثبوت الزنا بالإقرار؛ هل يُشْتَرَط فيه التكرار أو لا يُشْتَرَط، وهذا أضعف من الزنا، يعني ثبوته هنا -أي ثبوت السرقة- أضعف، يعني طريق ثبوتها أضعف من طريق ثبوت الزنا.
بقي طريق ثالث لثبوت السرقة اختلف فيه أهل العلم، وهو وجود المال المسروق بيد السارق، مثل أن يَدَّعِي أن فلانًا سرق ماله ويُنْكِر، ثم يوجَد المال عنده، فهل يُحْكَم بالسرقة لوجود المال عند السارق أو لا؟
يرى بعض العلماء أنه يثبت حكم السرقة ما لم يَدَّعِ شبهة، إن ادَّعَى شبهة بأن قال: أنا اشتريته ولا أدري ممن، أو أخذته وأظن أنه مالي، أو ما أشبه ذلك، فهنا ينتفي عنه القطع، وأما إذا لم يَدَّعِ شبهة فإنه يُقْطَع.
وإلى هذا ذهب بعض السلف، قالوا: وهو شبيه بوجود الرائحة من شارب الخمر في فمه، أو بتقيُّئِه الخمر.
والصحيح أنه إذا تقيأ الخمر فإنه يُحَدَّ؛ لأنه ما يتقيؤها إلا بعد شربها، وهذا الذي وُجِد عنده المال من أين أتاه المال ما دام أنه ما يدعي أنه اشتراه، ولا أنه غلط فيه، ولا أنه وُهِبَ له، وقد أقر بأن هذا مال فلان، فهو يقول: إنه سرقه، صاحب المال يدعي أنه سرقه.
وعلى كل حال فينبغي في هذا الطريق الثالث أن يُرْجَعَ فيه إلى رأي الحاكم، فقد يرى أن هذا الشخص الذي ادُّعِيَ عليه بهذا المال وأنه سارقه قد يرى فيه أنه محل لذلك، وحينئذ يحكم، وقد يرى أنه ليس أهلًا لذلك، وأنه أتاه عن طريق شبهة فلا يحكم، فالذي يظهر أنه يُرْجَع في ذلك إلى اجهتاد الحاكم في هذه المسألة.
(... ) لا يثبت القطع.
طالب: (... ).
الشيخ: السبب في ذلك لأنهم يقولون: إن الحدود تُدْرَأ بالشبهات، وأما الأموال فإنه إذا ثبت أن هذا مال فلان بالطريق الشرعي وجب الحكم به (... ).
طالب: (... ).
الشيخ: الطريق الثاني يعني الإقرار؟
الطالب: لا، اللي (... ).
الشيخ: اللي هو الطريق الثالث.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: زين، على هذا القول الذين يرون أن وجود المال عند السارق يُعْتَبَر بينة يرون أن ما ذكرت يكون بينة.
الطالب: (... ).
الشيخ: إي، يرونه بينة من باب أولى.
فيه أيضًا نظير لهذا؛ مسألة الحمل اللي مرت علينا، حمل المرأة يثبت به الزنا؛ لأنها ما حملت إلا من وطءٍ، فإذا لم تَدَّعِ شبهة في هذا الوطء فإنها تُحَدّ، فصار هذا الطريق الثالث له شواهد، منها: الحمل تُحَدُّ به المرأة حد الزنا إذا لم تَدَّعِ شبهة، ومنها مَن تقيَّأ الخمر فإنه يعاقَب عقوبة الشارب، ويضاف إلى هذا إذا وُجِدَ المال المسروق عند السارق.
طالب: (... ).
الشيخ: هكذا يفرِّقون، وهذا التفريق واضح.
طالب: ما ذكرنا يا شيخ أن يطالب المسروق السارق.
الشيخ: إي نعم، ما ذكرناه لأننا ما نرى أنه شرط.
طالب: (... ).
الشيخ: قوله تعالى في شهادة الزنا.
(... )
بقينا فيه شرط ذكره الفقهاء وهو أن يطالب المسروق منه بماله، فإن لم يطالب فإنه لا قطع، وهذا القول خلاف الصحيح، الصحيح أنه لا يُشْتَرَط المطالبة، متى ثبتت السرقة فإنه يجب أن يقام الحد؛ لأن هذا هو ظاهر القرآن والسنة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية على أنه ليس بشرط أن يطالب المسروق منه بماله؛ لأن هذا حد لله، كما أنه ليس من الشرط أن تطالب المرأة بانتهاك عرضها فيما لو زنى بها رجل كُرْهًا، فإنه يقام عليه الحد وإن لم تطالب به.
فالحدود ليست مبنية على مطالبة الناس، الذي يُشْتَرَط فيه المطالبة هو ضمانه المال، ولَّا لا؟ ضمانه المال للمسروق منه، إذا لم يطالب به ما نقول: لازم تطالب بمالك، وأما إذا ثبت أن هذا الرجل سارق فإننا نقيم عليه الحد؛ لأن الغرض من إقامة الحد ليس مجرد العدوان على هذا الشخص الذي أسقط حقه، ولكن العدوان على الأمن العام، على أمن الناس العام.
ولنفرض أن هذا الرجل مثلًا أُعْطِيَ دراهم ولم يطالِب، أو أنه قريب للسارق فلم يطالبه، هل تسقط الحدود بمثل هذا مع أننا نريد حماية غير هذا الرجل؟ نحن نريد حماية المجتمع كله، فالصواب في هذه المسألة أنه ليس بشرط أن يطالب المسروق منه بماله.
وأما قضية صفوان بن أمية فيمن سرق رداءه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يده، فقال: يا رسول الله، هو له، لما شاف أنه تقطع يده كأنه -رضي الله عنه- رَحِمَهُ وَرَقَّ له، فقال: «هَلَّا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ؟ » (7)، فهذا ما يدل على أنه لا بد من المطالبة؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام ما علم بهذا السارق إلا من طريق صفوان، فلو أن صفوان سكت واتفق ويَّاه على شيء في ردائه ما حصل من هذا إشكال.
طالب: (... ).
الشيخ: إي نعم، حتى لو وصل عن طريق شرعي، يعني إذا جاء ناس يشهدون بأن فلانًا سرق، وذاك ما طالَب، ما يُتَعَرَّض له.
باب حد قطاع الطريق
(... ) أولًا نبدأ بتعريف قُطَّاع الطريق، الطريق معروف أنه هو السبيل الذي يسلكه الناس في العبور، وقُطَّاع الطريق، قُطَّاع جمع قاطع، وقاطع الطريق هو الذي يفعل فعلًا تنقطع به الطرق، فلا يسلكها الناس من أجل أفعاله، هذا هو تعريف هذا الكلام من حيث كل كلمة بمفردها.
أما معنى مَن هم قُطَّاع الطريق فقال أهل العلم: إنهم الذين يعرِضون للناس بالسلاح فيَغْصِبُونَهم المال مجاهَرَةً لا سرقة.
وسواء كان ذلك في الصحراء أو في البنيان، فهم يعرضون للناس بالسلاح، يعني: لا بد أن يكون معهم سلاح، وأما بدون سلاح فليسوا قطاع طريق؛ لأنه يمكن التغلب عليهم، لكن المسلح لا يمكن للإنسان أن يتغلب عليه، ولا بد أيضًا أن يغصبوهم المال مجاهرة لا سرقة، فإن غَصَبُوهم المال سرقة فليسوا قُطَّاع طريق، يعني معناه: أخذوا المال سرقةً فليسوا قطاع طريق، هم قُطَّاع طريق يُعْرَفُون عند العامة الآن بالحنشة، إي نعم، فيقفون للناس في الطرق وهم مسلحون ثم يغصبونهم المال، يأخذون مركوباتهم أو مواشيهم أو أسلحتهم أو ما أشبه ذلك.
ومن هذا أيضًا -من هؤلاء- الذين يسطون على البيوت بالسلاح، فإن هؤلاء حكمهم حكم قطاع الطريق، وذلك لأن التحرُّز منهم أبعد من التحرُّز من الذين يتعرضون للناس في وسط الطرق؛ لأن الإنسان قد يكون إذا خرج إلى الطريق يكون متحرِّزًا ومتأهبًا، لكن في بيته يكون آمنًا.
فعلى هذا يكون الذين يسطون على البيوت وهم مسلحون من قُطَّاع الطريق، وهم -أي قطاع الطريق- بلا شك من المفسدين في الأرض؛ لأن من أعظم الفساد في الأرض إزالة أمن الناس وتخويفهم وإرعابهم، وهذا يؤدي إلى تعطيل مصالحهم الدينية والدنيوية، فالدينية مثلًا إذا أراد الإنسان أن يحج وهو يعلم أن في الطريق قطاع طريق، فهل يحج ولَّا ما يحج؟ ما يحج، فتتعطل المصالح الدينية، إذا أراد أن يضرب في الأرض يبتغي من فضل الله بالتجارة، وعلم أن في هذا الطريق قُطَّاعًا، فإنه أيضًا سوف يتعطل ولا يذهب، وحينئذ تتعطل مصالح الناس الدنيوية.
إذن فهم مفسدون في الأرض، ولهذا كان حَدُّهُم ما تسمعون إليه، إما قتل وصلب، وإما قتل بلا صلب، وإما قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، وإما نفيٌ من الأرض، وهو تشريدهم، فلا يُؤْوَوْنَ إلى بلد، يعني حدهم أربعة أنواع؛ إما قتل وصلب، وإما قتل بلا صلب، وإما قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، وإما نفي من الأرض، أربعة أنواع.
وهذه الأربعة أولًا يُجْمَع لهم بين القتل والصلب، لكن متى يكون الصلب، هل هو قبل القتل، ولَّا بعد القتل وقبل التغسيل والتكفين، وإلا بعد التغسيل والتكفين والصلاة وقبل الدفن، كل هذه آراء لأهل العلم، منهم من يقول: إن الصلب يكون وهم أحياء، يُصْلَبُون أمام الناس حتى يحصل لهم بذلك الألم القلبي والعار، فهذا لا شك أنه عار وخزي -والعياذ بالله- يذوقون أَلَمَهُ وهم أحياء، ومنهم مَن يقول: إنهم يُصْلَبُون بعد أن يُقْتَلُوا قبل التغسيل والتكفين والصلاة، وهذا لا يحصل به ألَمٌ قلبي على هؤلاء المصلوبين؛ لأنهم أموات، وما لجرح بميت إيلامٌ.
لكن قد يكون أشد رعبًا للأحياء مِن صَلْبِهم في حال الحياة؛ لأن رؤية الحي إلى الميت مصلوبًا توجب له الرعب والنفرة أكثر من رؤيته مصلوبًا وهو حي.
والذين يقولون: إنهم يُغَسَّلُون أولًا ويُكَفَّنُون ويُصَلَّى عليهم قالوا: لأن هذه حقوق للميت ينبغي المبادرة بها، ثم يُصْلَب وهو في كفنه قبل أن يُدْفَن، أيّ هذه الأقوال أولى؟
طالب: الأوسط.
الشيخ: الظاهر أن الأوسط هو الوسط، وهو الأولى؛ لأن صَلْبَه بعد التكفين والصلاة عليه ما يوجب العار والذل عليه، ثم هو شيء ملفوف ما يحصل به من الرعب مثل ما يحصل إذا كان مَكْسُوًّا كأنه حي.
ثم الصلب إلى متى ينتهي؟ قال بعض العلماء: ينتهي بانتهاء ثلاثة أيام، إذا مضى عليه ثلاثة أيام وجب أن يُنَزَّل.
وقال بعض العلماء: إنه يبقى إلى أن يتفسخ أو ينتن فيتأذى الناس به، فإذا خِيفَت أَذِيَّتُه نُزِّل.
والمشهور من المذهب أنه يُصْلَب حتى يشتهر، إذا اشتهر بين الناس وتبين أمره فإنه يُنَزَّل، وعلى هذا فمثلًا إذا كان الصلب يوم الجمعة اشتهر أكثر مما لو صُلِبَ في غير يوم الجمعة، لماذا؟ لأن اجتماع الناس يوم الجمعة أكبر من اجتماعهم في غير الجمعة، فيكون اشتهاره أوسع، وبناء على هذا نقول: إذا اشتهر أمره في البلد وتبيَّن فإنه يُكْتَفَى بذلك، ويُنَزَّل ويُدْفَن.
المذهب أنه يكون الصلب كما قلت لكم متى؟ بعد التغسيل والتكفين والصلاة.
وأما قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى فمن أين يكون القطع؟ يكون القطع -كما سبق في السرقة- من مفصل الكف بالنسبة لليد، ومن مفصل العقب بالنسبة للرِّجْل.
وأما النفي من الأرض فهو التشريد، تشريدهم من الأرض بحيث لا يُتْرَكُون يأوون إلى بلد، كلما جاؤوا إلى بلد طُرِدُوا من البلد، هذا هو النفي؛ لأن النفي من الأرض نهائيًّا غير ممكن، إلا إلى السماء، والنفي إلى السماء ليس بممكن.
إذن يكون المراد بالأرض هنا الأرض المسكونة، وهي القرى والمدن، فيُنْفَوْن منها فلا يُتْرَكُون يأوون إلى بلد.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن المراد بالنفي ﴿يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33]: الحبس، يعني: يُحْبَسُون بحيث لا يخرجون، حبسًا مؤبَّدًا، ولكن هذا أيضًا بعيد من مدلول اللفظ؛ لأن ﴿يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ النفي معناه الطرد والإبعاد، وليس معنى النفي الحبس أبدًا، ولكن قول أبي حنيفة وجيه فيما إذا لم يمكن نفيهم على وجه الكمال، مثل أن يَلْزَم من نفيهم عن البلاد أن يُكَوِّنُوا جماعة في البَرّ وعصابات يكون ضررهم أكثر من إيوائهم، ففي مثل هذه الحال يكون قول أبي حنيفة متوجهًا، وإن كان هو بعيدًا من اللفظ لكنه ما يمكن الحصول على المصلحة التي أراد الله سبحانه وتعالى بنفيهم من الأرض إلا بهذا العمل؛ إلا بالحبس حتى يُقْضَى على شرهم.
ما هو الدليل على هذه الأنواع من الحد؟ الدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33]، وكلمة ﴿يُقَتَّلُوا﴾ و ﴿يُصَلَّبُوا﴾ و ﴿تُقَطَّعَ﴾ التشديد هنا لفظًا دليلٌ على التشديد معنًى، التشديد اللفظي ما قال: أن يُقْتَلُوا أو يُصْلَبُوا أو تُقْطَع، بل قال: ﴿يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ﴾؛ لأن جريمتهم عظيمة، فكان ينبغي المبالغة في تعذيبهم، وهذا يقتضي التنفير من هذا الفعل.
كلمة ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ﴾، ﴿أَوْ يُنْفَوْا﴾ فيها (أو) كُرِّرَت ثلاث مرات، فهل هي للتخير أو للتنويع؟
طالب: للتخيير.
الشيخ: للتخيير، معناه إذن يكون نحن مُخَيَّرين بين أن نقتلهم ونصلبهم أو ننفيهم من الأرض، وهذا لا يمكن أن تأتي به الشريعة؛ أن يكون التخيير بين شيئين مختلفين اختلافًا كبيرًا، وليس الغرض من ذلك التخفيف على المكلَّف، ليس هذا كفارة لحق الله حتى نقول: إن (أو) للتخيير، ولكنها عقوبات، والعقوبات تقتضي الحكمةُ أن تكون مناسبة للجريمة، ما يمكن تكون عقوبات مختلفة في شدتها لجريمة واحدة.
على كل حال العلماء اختلفوا في هذه الآية؛ منهم من يرى أن (أو) هنا للتنويع، فلكل عقوبة جريمة، ﴿يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ هذه لجريمة، ﴿تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ هذه لجريمة أخرى أقل من الأولى، ﴿يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ لجريمة ثالثة أقل مما قبلها.
ومنهم مَن يرى أن (أو) للتخيير، والذين يرون أنها للتخيير يقولون: إن هذا التخيير ليس تخييرَ تَشَهٍّ، ولكنه تخييرُ مصلحةٍ، فيجب أن تُنَزَّل عليهم هذه العقوبات بحسب المصلحة، إن رأى الإمام أن جزاءهم القتل والصلب فليفعل، إن رأى أن جزاءهم دون ذلك فليفعل، وهذا قد يكون فيه مصلحة في بعض الأحيان، وقد يكون فيه مَضَرَّة أكبر من مصلحته؛ لأن الحاكم الذي يوثَق به في مراعاة المصالح -لا سيما في زماننا هذا- يكون قليلًا أو معدومًا، فلذلك تنزيلها -ولا سيما في هذا الوقت- على أن تكون أو للتنويع أولى من أن تكون للتخيير.
التنويع الآن في الآية الكريمة: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾، وظاهر الآية الكريمة أن القتل وحده، والصلب وحده، ولكن المعروف عند أهل العلم أن القتل مع الصلب، ولا يمكن أن ينفرد الصلب وحده؛ لأن الصلب في اللغة العربية معروف أنه إنما يكون بعد القتل، وعلى هذا فيكون (أو) هنا وإن كانت للتنويع لكنها لا تنفرد وحدها، يصير ﴿يُقَتَّلُوا﴾ هذا قتل بلا صلب، ﴿يُصَلَّبُوا﴾ تدل على قتل وصلب، تكون هذه عقوبتان.
﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ هذه العقوبة الثالثة، ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ هذه هي العقوبة الرابعة.
كيف نَوَّعَ العلماء الجريمة في مقابلة هذه العقوبات؟ قالوا: إذا قتلوا وأخذوا المال فهنا جريمتان؛ على النفس، وعلى المال، يُجْمَع لهم بين القتل والصلب، كما فعلوا جريمتين فإنهم يعاقَبُون عقوبتين، إذا قتلوا ولم يأخذوا مالًا فإنهم يُقْتَلون بدون صلب، وهذا القتل هنا ليس راجعًا إلى أولياء المقتول؛ إن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا أخذوا الدية، وإن شاؤوا عفوا، هذا قتل واجب، لماذا؟ لأنه حد، والحدود الشرعية ما تسقط، لا بد من تنفيذها.
فهنا يجب القتل، حتى لو عَفَا أولياء المقتول فإنه يجب قتلهم؛ إذ إن شرهم هنا خاص ولَّا عام؟ عام، افرض أن أولياء المقتول عَفَوْا وأسقطنا القَوَد، لكن إذا أخرجناهم عادوا إلى هذه، فلذلك يجب أن يُقْتَلُوا.
إذا أخذوا المال ولم يَقْتُلوا فإنها تُقَطَّع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أيديهم لأنهم أخذوا بها المال، وأرجلهم لأنهم سَعَوْا بها للفساد في الأرض، فكانت الحكمة أن تُقَطَّع اليد التي أخذت والرِّجل التي سعت.
وكونه من خلاف؛ لأن قطعها من جانب واحد يؤدي إلى إضعاف البدن من جانب واحد، وتوزيع العقوبة على الجانبين أسهل على البدن، ولهذا صارت هذه العقوبة جامعة بين الحكمة والرحمة؛ حكمة بقطع اليد والرِّجل، ورحمة باختلافها، اليد اليمنى والرِّجل اليسرى.
طالب: ما يؤخذ يا شيخ تشديد العذاب، يعني فرعون كان يهدَّد السحرة: ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [طه: 71] (... )؟
الشيخ: وربما قد يكون في هذا زيادة عذاب من جهة الألم من جهتين، لكن جمعها في جانب واحد فيه هدم للبدن، وقد يكون فرعون هدَّدهم؛ لأن العقوبة المعروفة في ذلك الوقت هي هذه، ما أراد أن يعاقبهم بأقصى العقوبات؛ لأن فيه عقوبات ثانية مثلًا غير هذه؛ قطع مثلًا ألسنتهم، يقطع آنافهم، وما أشبه ذلك.
طالب: قوله ﴿مِنْ خِلَافٍ﴾ هل يُفْهَم منه (... )؟
الشيخ: لا، يُفْهَم منه أنه لا بد من التخالف، لكن لما كانت السرقة يجب فيها قطع اليد اليمنى صار هنا لا بد أن يقطع اليد اليمنى، فإذا قطعنا اليد اليمنى تعين أن يكون القطع للرِّجْل اليسرى، ولَّا الآية ما فيها دليل أنها تكون اليد اليمنى والرجل اليسرى؛ إذ من الجائز أن تكون اليد اليسرى والرِّجل اليمنى، لكن لما كان القطع في السرقة لليد اليمنى كما في قراءة ابن مسعود (فاقطعوا أيمانهما) فصار هذا هو.
﴿يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33] متى؟ إذا أخافوا الطريق، ولم يقتلوا ولم يأخذوا مالًا، يعني: هم ما يريدون أن يقتلوا الناس ولا أن يأخذوا أموالهم، بس يريدون أن يخوِّفُوا الناس، إذا أقبل الناس هجموا عليهم، وهات وأعطنا وإلا قتلناك، (... ) الثوب (... ) المتاع وما أشبه ذلك، لكنهم لا يريدون القتل ولا الأخذ، هؤلاء ما يمكن أن نقتلهم ولا أن نُقَطِّع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ولكننا لا بد أن نحمي الناس منهم، في أي مكان؟ نتركهم ما يأوون إلى البلاد، لكن كما قلنا: إنْ هذا لم يندفع به شرهم وجب الأخذ بما قاله أبو حنيفة رحمه الله وأصحابه بالحبس؛ لأن أبا حنيفة وأصحابه لاحظوا أنهم إذا نُفُوا وتُرِكُوا لا يأوون إلى بلد أنه قد يزداد شرهم، قد يتجمعون، إحنا الآن بنشردهم، يعني حتى نفينا إياهم ما معناه نخليهم مثل فرقة طير يطيرون جميعًا ويأتون جميعًا، نشردهم كل واحد نخليه مع جهة، لكن مع ذلك مَن الذي يحمي البراري، لا سيما البراري الواسعة؟
إذن إذا خفنا ألَّا يندفع شرهم إلا بالحبس فإننا نحبسهم؛ لأن هذه العقوبات يُعْلَم علم اليقين أن المقصود بها حماية المصالح العامة.
طالب: (... ).
الشيخ: الذين يتعرَّضون للناس ويغصبونهم المال.
الطالب: المال، ويتعرضون للعِرض.
الشيخ: ما ذكر العلماء تعرضهم للعِرض، لكنه أشد من المال بلا شك.
الطالب: تجري عليهم العقوبات؟
الشيخ: تجري عليهم هذه العقوبات، إي نعم، وهم أيضًا تعرف أنهم إذا تعدوا على الأعراض يقام عليهم حد الزنا، فإذا كانوا مُحْصَنِين يُرْجَمُون.
طالب: (... ).
الشيخ: بالطبع، لا بد من الثبوت، حتى مثلًا لو ادَّعى إنسان أنهم اعتدوا على عرضه ما نقبل إلا ببينة، أو بقرينة ظاهرة قوية، وحينئذ تُجْرَى عليهم الأحكام التي ذكرت هنا.
طالب: حكمهم في الدنيا (... )؟
الشيخ: إي نعم، حكمهم حكم المسلمين، يعني بمعنى: إذا نُفِّذ فيهم الحد كل مَن نفذ فيه الحد فإنه مسلم، فيعامل في أحكام الآخرة معاملة غيره.
الطالب: (... ).
الشيخ: لا، ما قال (... )، أبدًا، يمكن من الخوارج.
الطالب: (... ).
الشيخ: معكم الكتاب؟ لا، هذا ما هو بصحيح، حتى البُغَاة يُصَلَّى عليهم، ولهذا يَرِث -كما مر عليكم في الفرائض- أنه بيرث الباغي من العادل، والعادل من الباغي، فهم مسلمون، يحتاج إلى تحرير الكتاب هذا، ما تعرَّض له المدرس عندكم؟
طالب: لا.
الشيخ: من اللي مُدَرِّس.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، نَبِّهُوه على هذه المسألة، قولوا: هو هذا مذهب الحنابلة، ولَّا مذهب مَن، وما دليله؟
طالب: بقية الآية.
الشيخ: أيهم؟
الطالب: آية الحرابة.
الشيخ: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 33].
الطالب: (... ) الكفار.
الشيخ: نعم، الآية هذه، أما قوله: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾ فظاهر، وأما قوله: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فهذا يُحْمَل على الكافرين منهم؛ لأنه ثبت عن الرسول عليه الصلاة والسلام في الصحيحين وغيرهما أن مَن أصاب من هذه الجرائم شيئًا وأقيم عليه الحد فهو كفارته، وقد مر علينا هذا، يكون قوله: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ هذا على الكافرين منهم، فيكون الحد عامًّا في الكافرين والمسلمين، وأما عقوبة الآخرة فهي للكافرين فقط.
طالب: يا شيخ إذا أقيم عليه الحد في الدنيا (... ).
الشيخ: إذا كان من نيته بعدما أقيم عليه الحد وهدفه يسعى في القتل، وما فعل هذه النية فهو يعاقب عليها في الآخرة، وأما إذا أقيم عليه الحد وسكت، يعني ما عزم على ألا يفعل ولا على أن يفعل فإنه يكون كفارة له.
قال: (ويقتل الصائل إن لم يندفع بدونه، أو خِيف أن يبادر بالقتل).
الصائل معروف هو المهاجم الذي يريد الإنسان إما على نفسه أو ماله أو حرمته، هذا الصائل، الذي يصول على الإنسان، وليس قاطع طريق هنا؛ لأن قطاع الطريق إنما يريدون قطع الطريق عامة، أو الاعتداء على المسلمين عامة، لكن الصائل يريد هذا الخاص يصول عليه، إما يريد نفسه أو حرمته أو ماله، فإذا صال أحد على شخص فإنه إن كان على نفسه، أو على حرمته، أو على غيره من الناس، وجب عليه أن يدافع وجوبًا؛ لأن النفس محترَمة وأمانة عندك، فيجب عليك أن تدافع عنها.
وأما إذا صال يريد مالك فقد اختلف العلماء؛ هل يجب عليك الدفاع أو لا يجب، فالمشهور من المذهب أنه لا يجب عليك أن تدافع عن مالك، كما أنه لا يجب عليك حفظه من الضياع، والقول الثاني أنه يجب عليك أن تدافع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن إضاعة المال (8)، وهذه إضاعة له إذا تركت الصائل المجرِم يأخذه.
ولكن الصحيح في هذه المسألة أن نقول: إذا كان في الإنسان قوة ويغلب على ظنه القدرة على ذاك الصائل، فإنه يجب عليه أن يدافع، لا من أجل احترام المال فحسب، ولكن من أجل احترام الأمن أيضًا؛ لأنك إذا لم تدافع وتسَلط هذا الصائل على مالك فإن هذا سوف يغيره بالتسلط على غيرك، وحينئذ تكون أنت المتسبب بإغراء هذا المجرم على جريمته.
فإذا كان فيك قدرة يغلب بها على الظن أنك ستمنعه وتقضي عليه فإن الواجب عليك أن تدافع احترامًا لمالك، واحترامًا لأمن غيرك، وبهذا التفصيل يكون الجمع بين القولين وبين الأدلة أيضًا.
وأما القول بأنه لا يجب حفظ المال عن الضياع فهو ضعيف جدًّا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن إضاعة المال، والله تعالى يقول في الأموال إنه جعلها قيامًا لنا، فما جُعِلَ قيامًا لمصالح ديننا ودنيانا كيف يجوز لنا أن نفرط فيه وأن نضيعه.
الصواب أنه لا يجوز للإنسان أن يضيع ماله، بل يجب عليه حفظه من الضياع، ولكن دفع الصائل ليس خالصًا في كونه دفاعًا عن ضياعه؛ لأن الصائل سينتفع به، ليس ضائعًا المال، لكن دفع الصائل من أجل الحرمة؛ حرمة الإنسان وماله، ولهذا قال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن جاءني رجل يريد أن يأخذ مالي؟ قال: «لَا تُعْطِهِ»، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «قَاتِلْهُ»، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: «فَأَنْتَ شَهِيدٌ»، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: «هُوَ فِي النَّارِ» (9)، فالحاصل أن التفصيل في هذه المسألة أولى من الإطلاق.
فالمسألة فيها قولان: وجوب الدفع مطلقًا، وعدمه مطلقًا؛ وهو المذهب، والصواب أنه إذا كان الإنسان يغلب على ظنه أنه قادر فإنه يجب الدفع.
ولكن ما ترون؟ هل يجب الدفع ولو كان المال قليلًا؟ لو فرضنا واحدًا بيأخذ قلمًا، القلم يسوى ريالين فقط، تدافعه ولَّا لا؟ نعم تدافعه؛ لأن المقصود منع الاعتداء، وما دمت قادرًا وعارفًا أنك ستخلصه فدافع، أما إذا كنت تعرف أنه سيغلبك فلا تدافع؛ لأنك إن دافعت الآن ويش بيكون؟ انتهاك لحرمة المال، وانتهاك لحرمة النفس أيضًا، وربما يقتلك إذا رأى أنك مدافعه.
الصائل يدافَع بالأسهل فالأسهل، إن اندفع بالكلام والزجر والتهديد فلا تفعل معه سوى ذلك، وإن لم يندفع إلا بالضرب باليد ضربته باليد، بالعصا فاضربه بالعصا، بما هو أكبر فاضربه بما هو أكبر، المهم تدافع بالأسهل فالأسهل؛ لأن المقصود منع هذه المفسدة، فإذا لم يندفع إلا بالقتل فلك قتله، إذا لم يندفع إلا بالقتل فإنه يجوز أن تقتله، لكن لو اندفع بالإيثاق أنت مثلًا (... ) مسكته وأوثقته، تقتله ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يجوز تقتله، لو تقتله في هذه الحال وجب أن تُقْتَل به إذا تمت شروط القصاص.
إذا لم يندفع إلا بالقتل فله أن يقتله.
إذا كان الرجل ما يدري هل يندفع بالقتل أو بما دونه، لكنه خاف أن يبادره بالقتل، فهل له أن يقتله؟
الجواب: نعم، إذا كنت تقول: أنا لو أقعد أكلمه أو أهدده أو أضربه بعصا أو ما أشبه ذلك قتلني، أعرف أنه مُعْتَدٍ، فإنه يجوز لك أن تقتله بدون استعمال الأسهل في حقه خوفًا من أن يقتلك ويبادرك بالقتل.
طالب: شيخ، لو بإصابة.
الشيخ: نعم، إذا أمكن تصويبه ما يجوز قتله، يعني لو أمكن لك مثلًا تضربه في رجليه تكسرهما مثلًا، أو في يديه، هو ما يمكن القتل، هو متى اندفع بالأسهل فلا يُعْدَل إلى الأعظم، كل هذا أمر فيما بينك وبين الله.
لكن فيما بينك وبين الناس الآن لو أن أحدًا قتل شخصًا وادَّعى أنه مدافع، وأن المقتول صائل، فأمام المحكمة ماذا يكون الحكم؟ ما تُقْبَل دعواه، دعوى أنه صائل عليك وأنك قتلته دفاعًا غير مقبولة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَالٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (10)، ففي هذه الحال نقول: إذا لم يكن لك بينة فإنه لا تُقْبَل دعواك، وحينئذ يُقْتَل ولا لا؟
طالب: يُقْتَل.
الشيخ: يُقْتَل، ودعواه أنه مدافع ليست شبهة تمنع القصاص، هذه الشبهة ما تمنع القصاص؛ لأن الأصل الحرمة والعصمة، فلا يكفي مجرد دعوى أنه صائل، ولا شك أن هذا القول على إطلاقه فيه نظر، كما أن القول بقبول دعواه على الإطلاق فيه أيضًا نظر، في كلا القولين مفسدة إذا أخذناهما على الإطلاق.
ولهذا الصحيح في هذه المسألة أن نقول: إذا كان هناك قرينة قوية تُرَجِّح جانب المدَّعِي فإنه يجب الأخذ بها؛ لئلا تضيع حقوق الناس، أو يُحْجَز الناس عن المدافعة عن أعراضهم وأموالهم وأنفسهم، فإذا كان هذا المقتول معروفًا بالشر والفساد، والقاتل معروف بالخير والصلاح، وادَّعَى أنه صال عليه، ووُجِد قرينة أيضًا تؤيد ذلك، كما لو وُجِدَ في بيته، فإن هذا يدل على صدق دعوى المدَّعِي، قرينة مثلًا في جانب القاتل، وقرينة في جانب المقتول، وقرينة في ملابسات القضية، فإن هذا دليل على صدق دعواه، وحينئذ يرتفع عنه القصاص ويؤخذ بقوله؛ لأننا لو منعنا قبول قوله على الإطلاق صار في هذا فتح كبير لمن؟ للمفسدين؛ لأن هذا المفسد يقول: إن غنمت -كما يراه هو- فقد ربحت، وإن قُتِلْتُ فصاحبي سيُقْتَل، فهو على زعمه غانم على كلا الاحتمالين، ولا شك أن هذا شر كبير، لو أنه أُخِذَ على إطلاقه، وإن كان هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة لكنه ضعيف، فالصحيح ما ذكرنا من التفصيل، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، على أن المعروف بالشر والفساد يُقْبَل قول من ادعى أنه قتله دفاعًا عن نفسه.
طالب: تلزم الدية يا شيخ؟
الشيخ: ما تلزم الدية، كيف تلزم! ما له شيء أبدًا، ما دام عُلِم أن هذا صحيح، القرينة تؤيد أنه يدافع فهو هدر.
انتهى الكلام على حد قُطَّاع الطريق وعلى قتل الصائل.
طالب: (... ).
الشيخ: لا؛ لأن القاتل لنفسه والقاتل عمدًا كلهم في النار، الرسول أخبر أن القاتل لنفسه يُعَذَّب بما قتل به نفسه في نار جهنم، ومع ذلك أمر بأن يُصَلَّى عليه.
طالب: (... ).
الشيخ: هذا في السلطان، الرسول أمر أن الإنسان يصبر على جور السلطان ويسمع ويطيع وإن أخذ ماله وضرب ظهره.
طالب: (... ).
الشيخ: إي نعم، هذه المسألة نحتاج أن نستثنيها من قولنا: إنه يلزم الدفع عن نفسه، إي نعم، جيد ذكرتني بها، الدفع عن النفس إنما يجب في غير الفتنة، أما في الفتنة فلا بأس أن الإنسان يستسلم وينظر ما هو أصلح؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنٌ، فَكُنْ فِيهَا عَبْدَ اللهِ الْمَقْتُولَ وَلَا تَكُنِ الْقَاتِلَ» (11)، ويدل لذلك فعل أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه، فإن عثمان حُصِرَ في بيته كما هو معلوم، وطلب الصحابة رضي الله عنهم علي وغيره أن يدافعوا عنه، ولكنه أبى عليهم؛ لأنه خشي إذا دافعوا أن يكون هناك شر أكبر، يمكن يُقْضَى على أهل المدينة بسبب هذه المدافعة، وحينئذ يُقْتَل الخليفة ويُقْتَل غيره معًا.
فهذه المسألة تُسْتَثْنَى من قولنا: إنه يلزم الدفع عن نفسه، يعني: ما لم يكن هناك فتنة، فإن كانت فتنة فإن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر أن يصبر الإنسان، وأن يكون عبد الله المقتول ولا يكن القاتل، لكن مع ذلك هو هذا الأمر مُقَيَّد فيما إذا لم يكن مَن أُرِيدَ قتله أقوى، فإن كان أقوى فإن الرسول عليه الصلاة والسلام، بل في القرآن، أنه إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين فإننا نقاتل التي تبغي، نقاتل الباغية حتى تفيء إلى أمر الله، والله أعلم.
طالب: جزاك الله خيرًا.
باب حد المسكر
طالب آخر: (... ). الشيخ: السَّكَر، أولًا السَّكَر تعريفه: تغطية العقل على وجه اللذة والطرب، هذا هو السَّكَر، إن العقل يتغطى وليس يزول؛ لأنه لو زال صار جنونًا، لكنه يتغطى بأي شيء؟ بسبب هذه القوة التي طرأت على النفس، وهي قوة الطرب واللذة حتى أفقدت الإنسان وعيه، والإنسان يفقد وعيه وإدراكه بعدة أمور؛ منها هذه السَّكَر -والعياذ بالله- لقوة اللذة والطرب يضيع عقله.
ومنها أيضًا: قوة الغضب، فإن الإنسان إذا غضب أحيانًا لا يدري ما يقول، ولذلك مر علينا العام الماضي في الطلاق أن الغضبان الذي يصل به الغضب إلى حد لا يدري ما يقول فإنه لا يقع طلاقه.
فتغظية العقل على هذا الوجه؛ وجه اللذة والطرب، هذا هو السَّكَر، تغطيته على وجه آخر ليس بِسَكَر، ولهذا البنج لا يعتبر سكرًا، ولَّا لا؟ مع أنه يغطي العقل، هذه الحبوب المخدِّرة لا تعد سَكَرًا، لأنها لا تغطي العقل على سبيل اللذة، ولكنها تُفْقِدُه قوة الإحساس، فهذا هو الفرق بين السَّكَر وبين غيره، وهو قوله: على وجه اللذة والطرب؛ لأن السكران يرى نفسه أنه فوق مرتفع، حتى إنه ربما يرى نفسه ملِكًا وأن مَن سواه كلهم خدم له، مثلما جرى لحمزة -كما مر عليكم حين مر به ساقيان لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، بعيران سانيتان، وكان عنده جارية تغنيه، فقالت:
أَلَا يَا حَمْزُ لِلشُّرُفِ النُّوَاءِ
..................................
فهو كان سكران، وبهذه الكلمة أثارته، فأخذ السيف فجَبَّ أسنمتهما، وأظنه أيضًا بَقَرَ بطونهما، فجاء علي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتكي عليه، فقام النبي صلى الله عليه وسلم إلى حمزة، فكَلَّمَه، فقال له: هل أنتم إلا عبيد أبي؟ يقول للنبي صلى الله عليه وسلم.
مثل هذا الكلام يقوله حمزة في حال صحوه؟ لا يمكن أن يقوله، فعرف النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان ثَمِلًا فتقهقر وتركه (12).
شوف كيف؟ تأمل أنه قال لأشرف الخلق عنده وعند غيره، قال له: هل أنتم إلا عبيد أبي؟ ! فيحصل له من اللذة والطرب ما يجعله يسكر وينسى كل شيء، نسأل الله العافية.
طالب: شيخ، (... ).
الشيخ: لا ما أظن (... ) تخمين.
طالب: (... ).
الشيخ: إي، بس ما هو على سبيل أنه لذة وطرب، إنما يكون عنده هبوط في الوعي فقط.
طالب: (... ).
الشيخ: (... ) لا، يقصد به الراحة؛ لأنه -والعياذ بالله- عدم تحمله لما وقع عليه من الأمور يقصد بذلك أنه يرتاح بس، مثل حَقَّة النوم، تشبه حقَّةَ النوم، أما الحشيشة اختلف العلماء فيها، هل هي مُسْكِرَة أو غير مُسْكِرَة، ولكن شيخ الإسلام جزم جزمًا أكيدًا بأنها مُسْكِرَة، وأنها يحصل فيها من اللذة والطرب ما يحصل في الخمر.
ثم إن الخمر قد سبق لنا تعريفها، وهو كل ما خامَرَ العقل على سبيل اللذة والطرب من أي نوع كان.
أما عقوبته فهي جلد أربعين إلى ثمانين، وإن لم يندفع الناس بذلك فله الزيادة، إلا على قول مَن يقول: إنه حد لا تعزير.
أولًا: كلمة (قول من يقول: إنه حد لا تعزير) تدلنا على أن العلماء اختلفوا في عقوبة شارب الخمر؛ هل هي حد أو تعزير، فمن العلماء مَن يرى أنه حد، وهو رأي جمهور أهل العلم؛ لأنه بتقدير عمر بن الخطاب رضي الله عنه صار حَدًّا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي» (13)، ولا ريب أن منهم عمر بن الخطاب، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنْ يَكُنْ فِيكُمْ مُحَدَّثُونَ فَعُمَرُ» (14)، يعني: مُلْهَمُون مُوَفَّقُون للصواب فعمر، فعلى هذا يكون حدًّا.
وقال بعض أهل العلم: إنه حد ولكنه لا يُتَجَاوَزُ به الأربعون، وإنما تكون عقوبته أربعين جلدة؛ لأن هذا هو المعروف في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وعهد أبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر، فإذا كان كذلك فالواجب الأخذ به دون مَا سَنَّهُ عمر؛ لأنه حادث على إجماع في الحقيقة، وهذا مذهب الشافعي، والأول مذهب الإمام أحمد بن حنبل.
وقال بعض العلماء: إن الإمام مُخَيَّر بين الأربعين والثمانين؛ إذا كان الناس لا يشربونه كثيرًا فأربعون، إذا كانوا يشربونه كثيرًا فحَدُّه ثمانون، وهذا القول يجمع بين القولين؛ لأنه ما رفعه عمر رضي الله عنه إلا حين كَثُر الناس في شربه، فيكون في هذا جمع بين القولين، وهذا فيما أظن اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
فالذين يقولون: إنه حد الآن صاروا ينقسمون إلى ثلاثة أقسام؛ قسم يقول: إنه لا يتجاوز به الأربعين؛ لأن ذلك المعروف في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر وصدرًا من خلافة عمر، والثمانون طارئة على إجماع.
والذين يقولون: إنه ثمانون، يستدلون بفعل عمر، ويقولون: إن عمر رضي الله عنه له سُنَّةٌ مُتَّبَعَة، وأن ما قبل عهده ليس صريحًا في التحديد، ولهذا الذين جُلِدُوا في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام قام الناس إليهم منهم مَن يضرب بثوبه، ومنهم من يضرب بالجريد، ومنهم من يضرب بنعله، فلم يكن هناك تحديد بَيِّن، بدليل الناس كلٌّ يضرب، ولكنها نحو أربعين.
والذين قالوا: إنْ كَثُر الناس فثمانون، وإن قَلَّ شربها بين الناس فأربعون، هؤلاء جمعوا بين الحالين؛ حال الناس على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وأول خلافة عمر، وحال الناس بعد ذلك، وجمعوا بين السُّنَّتَيْن في الواقع؛ لأن سُنَّة عمر واضح سببها، وهو كثرة شربها.
ولكن هناك قولًا آخر، وهو القسيم لهذه الأقوال؛ أن عقوبة شارب الخمر تعزير، لكنه لا تُنْقَص عن الأربعين؛ لأن أقل ما حصل أربعون، واستدلوا لذلك بأدلة، منها: أنه لو كانت عقوبة شارب الخمر حَدًّا ما أمكن لعمر ولا غيره أن يزيده، أليس كذلك؟
لو زاد الناس في الزنا مثلًا هل لأحد من الخلفاء أو من الفقهاء أن يزيد حد الزاني على مئة جلدة؟ لا، إذن لو كانت عقوبة شارب الخمر حَدًّا ما أمكن لعمر ولا لغيره أن يزيده، هذه واحدة.
الدليل الثاني أنه لما كثر شربه في الناس في عهد عمر جمع الصحابة واستشارهم، فقال عبد الرحمن بن عوف: أَخَفُّ الحدود ثمانون، فجعله عمر ثمانين (15)، فقول عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانون، يدل على أنه ليس بحد؛ لأن الحدود اللي يقول: أخفها ثمانون، ويش يعني بأي حد هو ثمانون؟ القذف، فعُلِمَ أن ما دون القذف ليس بحد، يعني ما دون الثمانين ليس بحد.
وقد اتفق البخاري ومسلم (16) وغيرهما على أن الناس يعاقَبون على شرب الخمر في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر يعاقَبون عليه بأيش؟ بأربعين جلدة، لو كانت الأربعون حدًّا لكان أخف الحدود أربعين.
الدليل الثالث: ما ثبت في البخاري (17) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: ما كنت لأقيم على أحد حَدًّا فيموت فأجد في نفسي إلا شارب الخمر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يَسُنَّه، يعني: يقول: إني لو أقمت حدًّا على إنسان فمات فإني لا أجد في نفسي من هذا شيئًا، ويش السبب؟ لأنه مات بحد، والحد حق، وكما قال الفقهاء: مَن مات في حد فالحق قتله، إلا شارب الخمر، قال: فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يَسُنَّه، وهذا نص صريح من علي بن أبي طالب في أنه -أي عقوبة شارب الخمر- ليست بحد؛ لأن معنى (لم يسنه) يعني: لم يتخذ فيه طريقًا محددًا لا يُزَاد ولا ينقص.
وبهذه الثلاثة الأدلة يتبين لنا أن عقوبة شارب الخمر ليست بحد.
فإذا قال قائل: قولكم هذا فيه مفسدة عظيمة؛ لأنه يوجِب أن يتتايع الناس في شرب الخمر؟
فالجواب أن الأمر بخلاف ذلك؛ لأن قولنا هذا يقتضي أننا إذا رأينا أن من المصلحة أن نزيد على ثمانين يجوز لنا ولَّا لا؟ يجوز لنا، لكن لو قلنا: إنه حد، ما جاز أن نتجاوزها لو يشربها في البيت عشرة من أحد عشر، لكن هذا القول الذي نقول به هو الذي تقتضيه المصلحة، وهو أنه إذا رأى الحاكم -وطبعًا إننا نعني بالحاكم الحاكم الذي يحكم بالشرع لا بالهوى، يحكم بالهدى لا بالهوى- إذا رأى أنه يقرِّر أن شارب الخمر يعاقَب بمئة جلدة أو مئتين، ويزيد على ذلك مثلًا حبسًا أو ما أشبه ذلك فإن هذا لا بأس به.
أما أن يقال مثلًا: يُجْلَد ثمانين جلدة أو أربعين جلدة، ولا سيما أنه قد تكون الجلدات أيضًا ليست بشيء؛ لأني أسمع بعض الناس إذا جُلِدَ يقف يضربونه بالسوط يسلتونه سلتًا، بحيث إنه حتى الثوب نفسه ما يحس بالضرب، فهذا حرام ولا يجوز، ولا يؤدي إلى مصلحة، ولهذا نسمع أن بعض المجلودين إذا انتهى ركب سيارته وفَحَّط على الشرطة، تَحَدٍّ يعني.
كل هذه من الأمور التي يجب على الناس إذا ضعف الإيمان أن يقوى رادع السلطان، وهذه القاعدة مأخوذة من سياسة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إذا ضعف الإيمان فيجب أن يَقْوَى رادع السلطان؛ لأن عمر لما كثر شرب الناس لها، معناه أن الإيمان ضعف عند هؤلاء، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ» (18)، لما ضعف الإيمان عند هؤلاء ماذا صنع عمر؟ زاد في ردعهم، ولما كثر الطلاق الثلاث في عهده أمضاه عليهم حتى يكون فيه ردع لهم، حيث تَعَجَّلُوا ما جعل الله لهم فيه أناة.
فالحاصل أنه يجب أنه إذا ضعف وازع الإيمان أن يقوى رادع السلطان، وأما أن يضعف هذا وهذا فإنه فساد للأمة، نسأل الله السلامة.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، يعني معناه ضبطه إلى الثمانين، ضبطه إلى أخف الحدود ثمانين، ولا يزيد على ما يتجاوز؛ يدل على أنه ليس بالحد وهو رأى في ذلك الوقت أن الدنانير مانعة رادعة، لكن ربما يأتي في يومنا الآن ما تمنع ولا تضر.
طالب: هل يصل التعزير إلى القتل؟
الشيخ: لو وصَّل نعم، يصل إلى القتل، وحديث عبد الله بن عمرو: «إِذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ» (... ) هذا الحديث صَحَّحَه بعض المحدثين، وممن صححه ابن حزم، ولكنه مع ذلك الحديث ما فيه: (اجلدوه أربعين): «اجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاقْتُلُوهُ» (19)، يُقْتَل في الرابعة.
فابن حزم وجماعته يرون أنه يجب قتله في الرابعة إذا كان يُجْلَد في كل الثلاث السابقة، وشيخ الإسلام يقول: يُقْتَل إذا لم ينته الناس بدونه، ابن تيمية جعله من باب التعزير، قال: يُقْتَل إذا لم ينته الناس بدونه، وليت هذا الأمر يُنَفَّذ، لو نُفِّذ هذا الأمر وصار مَن جُلِد ثلاث مرات في الخمر قُتِلَ في الرابعة لكان يحصل به ردع، ويعرف الناس أنه ليس بالأمر الهين، لكن الناس الآن مع الأسف الشديد انفتح عليهم البلاء من كل جانب، صاروا يسمعون بالبلاد الأخرى ويسافرون إليها، ويرون أنه يُجْعَل على مائدة الأكل، وعلى طاولة القهاوي، فصاروا لا يرونه شيئًا، يعني في غير بلاد السعودية -والحمد لله، ونسأل الله أن يثبتها ويديم عليه النعمة ويزيدها- في غير بلاد السعودية تجلس في القهوة ويجاب لك بيبسي ويجاب لك جرة خمر، ويجاب لك فنجان شاي، (... ) اللي تبغيه تطلبه، ما فيه شيء.
في الطائرة غير السعودية يقدِّم المضيفون أو المضيفات كؤوس الخمر مع أكواب الشاي، هذا شيء مُشَاهَد.
هؤلاء الناس الذين يذهبون إلى هذه البلاد، وهي بلاد تنتمي إلى الإسلام أيضًا مع الأسف ماذا يكون شأن الخمر في نفوسهم وهم يرونه بهذه السهولة؟ لا يكون شيئًا؛ لأنهم يقولون: مع كثرة المساس يقل الإحساس.
فالحاصل أن هذه المسألة لو طُبِّقَت بأن الإنسان الذي يُجْلَد في الخمر ثلاث مرات ولا يتوب يُقْتَل، لكان هذا طيبًا وفيه مصلحة للمسلمين، حتى للذين يهوون الشرب فيه مصلحة لهم.
طالب: المذهب (... ).
الشيخ: هذا بيجينا إن شاء الله في التعزير.
المهم الآن إحنا ما تكلمنا عن السَّكَر، ما هو المسكر إلى آخره، إلا أنّا تكلمنا عن السَّكَر وعلى حده.
يُشْتَرَط طبعًا كما مر علينا في أول الحدود أن يكون الإنسان عالِمًا، ولَّا لا؟ فإن كان جاهلًا، مثل أُعْطِيَ شيئًا من الخمر وهو لا يدري ما هو فشربه ثم سَكِر، عليه عقوبة ولَّا لا؟ ليس عليه عقوبة.
إذا كان الشيء يُسْكِرُ إن أَكْثَرَ منه ولا يُسْكِر إن أَقَلَّ، هل يحرُم ولا ما يحرُم؟ يحرُم، ولكنه إذا شربه ولم يسكر فإنه لا يُحَدّ، يُعَزَّر تعزيرًا، يعني حتى على القائلين بأنه يُحَدّ، يُعَزَّر تعزيرًا يمنعه عنه؛ لأنه فعل معصية، ولكن لا يجب عليه الحد، لماذا لا يجب؟ لأنه ما سَكِرَ، لكنه حرام عليه.
وأظننا قد نَبَّهْنَاكم على خطأِ فَهْمِ بعض الناس للحديث: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» (20)، حيث ظنوا أن ما اختلط بالخمر القليل يكون حرامًا، ولَّا لا؟ وبَيَّنَّا أن هذا ليس بصحيح؛ لأن بعض الناس يقول: إذا كان الشراب فيه مادة من الخمر ولو قليلة فإنه يكون حرامًا؛ لحديث: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ»، ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأن معنى «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» ويش معناه؟ أن الشيء الذي إن أكثرت منه أسكرك، وإن أَقْلَلْتَ لم يسكر، يحرُم عليك قليله؛ لأن شرب القليل يؤدي إلى شرب الكثير، فمنعُ القليل إذن من باب سد الذرائع، لكن خمر اختلط بغير الخمر ولم يظهر له أثر فهنا لا أثر له؛ لأن الحكم يدور مع علته، وكما مر علينا في كتاب الطهارة أنه لو أصاب الماءَ شيء من النجاسة ولم يؤثر فيه فما حكم هذا الماء؟
طلبة: طاهر.
الشيخ: طَهُور، ولَّا نجس؟ طَهُور؛ لأنه ما ظهر أثر الخبث فيه، كذلك ما اختلط بالخمر لا يكون حرامًا إذا لم يظهر في ذلك أثر الخمر.
وهذا الذي ذكرناه موجود حتى في كتب الفقهاء، على أنه إذا لُتَّ شيء بخمر ولم يظهر له أثر، أو اختلط فيه ولم يظهر له أثر، فإنه لا يحرُم، أما إذا ظهر أثره برائحته أو طعمه أو أثره في السَّكَر فلا شك أنه مُحَرَّم ولا يجوز.
طالب: (... ).
الشيخ: البيرة حلال إذا لم تُسْكِر فهي حلال.
طالب: ما يضاف إلى الأدوية؟
الشيخ: بعض الأدوية نعم، يدخلها شيء من الخمر أو الكحول، هي نفس الشيء، إذا ما ظهر فيها أثر، إذا تناولته هل يحصل أنك سكرت بها؟
طالب: يعني (... ).
الشيخ: ما يخالف، الغريب أن الخمر يقولون: إذا أكثرت منه ما عاد يسكرك إلا ما زاد عن العادة، يعني إذا جاء واحد -والعياذ بالله- يعتاد شرب الخمر دائمًا ما يسكر إلا إذا زاد عن عادته، يكون الزيادة عن عادته كالتجديد لغيره، إي نعم.
طالب: بعض (... ).
الشيخ: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾، ظاهر الأمر بالاجتناب.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، كل شيء، ﴿اجْتَنِبُوهُ﴾ عام، لكن التعليل يدل على أن المراد الشرب؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: 91]، فهذا التعليل لا ينطبق إلا لمن تناوله شربًا أو أكلًا، أما مَن تطيَّب به أو تداوى به فلا يشمله، ولهذا أنا ما أرى أنها حرام بحيث أني أمنع الناس منها، وإنما أرى أن الورع عنها أولى، إلا إذا احتاج إليها، مثل لو احتاج إليها في تطهير الجروح فلا بأس به؛ لأن هنا حاجة، واجتنابها توَرُّعًا، وما كان اجتنابه تورعًا فإنها تبيحه الحاجة.
بقي علينا أن بعض الناس يقولون: إن طريقتكم هذه، أو اختياركم هذا ينافي قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الخمر: «إِنَّهَا دَاءٌ وَلَيْسَتْ بِدَوَاءٍ» (21)، فإن هذا عام، كونك تقول: إن تطهير الجروح هذا إنه دواء هذا يخالف الحديث.
فنقول في الجواب على ذلك: إنها داء وليست بدواء فيما إذا استُعْمِلَت أكلًا وشربًا فهي داء، وأما إذا لم تؤثر فإنها دواء، والدليل على ذلك الواقع، فإنها مطهرة، تقتل الجراثيم التي يمكن يُخْشَى على الجرح منها.
ولهذا أجاز العلماء أن الإنسان يتداوى بالنجاسة في ظاهر بدنه، مع أن النجاسة قذرة، بشرط أن يطهرها عند إرادة الصلاة.
(... )
باب قتال أهل البغي
أولًا: تعريف أهل البغي، البغي معناه: العدوان، في اللغة العربية، فأهل البغي معناه: أهل العدوان، ولكن هذا العدوان في هذا الباب عدوان خاص، ليس كل عدوان يسمى بغيًا في هذا الباب، إنما هو عدوان خاص، وهم الذين يخرجون على الإمام بتأويل سائغ ولهم شوكة، لهم شوكة يعني معناها قوة ومَنَعَة، فيخرجون على الإمام بتأويل سائغ، هذه أربعة قيود؛ قوم لهم شوكة ومَنَعة ويخرجون على الإمام، ثلاثة، فهو بتأويل ثلاثة، وسائغ أربعة.
إذا اجتمعت هذه الشروط الأربعة فإنهم بغاة، وإن شئنا أن نجعل قوله: يخرجون على الإمام، قيدًا خامسًا فلا بأس، إنما هؤلاء هم البغاة.
فقولنا: قوم يخرجون على الإمام، خرج به ما لو كان الخروج على غيره، مثل أن يخرجوا على أمير من أمراء البلد، أو ما أشبه ذلك، فهؤلاء ليسوا بغاة.
وقد قال الفقهاء: إنه إذا اختل شرط منها عُومِلُوا معاملة قُطَّاع الطريق، فهم يكونون هنا قُطَّاع طريق، يعني: حكمهم حكم المحارِبين، فيستعمل فيهم ما سبق من العقوبات الأربع المتنوعة.
هنا توقف الشيخ -رحمه الله- عن شرح متن الزاد إلى الشرح من مذكرة أخرى.
يعني ناس مثلًا واحد أو اثنين ثاروا على الإمام، أو ما أشبه ذلك، فإن هذا ليس حكمه حكم أهل البغي، بل إن هذا يعتبر من المفسدين في الأرض المحاربين لله ورسوله، مثل لو أراد اغتيال الإمام، وخرج فإن هذا لا يعامل معاملة أهل البغي، وإنما يحكم له بحكم خاص حسب ما يقتضيه الشرع حتى لو أدى ذلك إلى قتله.
وقولنا: يخرجون على الإمام بتأويل، خرج بذلك ما لو خرجوا بغير تأويل، اجتمع قوم مثلًا لهم شوكة ومنعة، وجاؤوا يحاربون الإمام ليش يا جماعة قالوا: والله إحنا ودنا نصير إحنا الحكام.
بأي طريق؟ ما عندنا طريق نريد الحكم.
فهؤلاء لا يحكم لهم بحكم أهل البغي؛ لأنهم ليس عندهم أيش؟ تأويل بخروجهم.
الرابع: أن يكون هذا التأويل سائغًا، ومعنى (سائغًا)؛ أي جائزًا، أي له وجهة شرعية، مثل لو خرجوا على الإمام لماذا؟ قالوا: لأنك تظلم الناس في كذا، وفي كذا، وفي كذا، وعددوا أشياء الإمام واقع فيها وهي ظلم، فهذا تأويل سائغ، لكن ليس لهم الحق في أن يخرجوا ليس معنى قولنا: سائغ أنه جائز؛ بمعنى يجوز لهم شرعًا الخروج؛ لأن الخروج على الإمام ما يجوز إلا إذا رأى الإنسان كفرًا بواحًا عنده فيه من الله برهان، وأما مجرد الظلم والفسوق والمعاصي فهذه لا تجيز الخروج عليه، ولهذا لو كان هذا الخروج جائزًا ما سموا بغاة، إذن لا بد أن يكون تأويلًا سائغًا، أما لو خرجوا بتأويل، لكن ليس بسائغ مثل أن يقولوا: نحن خرجنا على الإمام؛ لأنه بنى مدارس للعلم نحن ما نريد أن يبني مدارس للعلم ليش؟
قال: نبغي أن تكون المدارس في المساجد مثل عهد الصحابة هذا التأويل سائغ ولَّا لا؟
هذا غير سائغ، رجل يبني مدارس للعلم، تقولون: هذا يجب أن يحارَب، هذا يجب أن يناصر، ويؤيد، ولكل عصر ومكان أسلوبه الذي يحصل به الإنسان على الغاية المحمودة، ولهذا نحن مر علينا ما أدري ذكرت لكم أن الوسائل غير المقاصد، وأن ما كان وسيلة لمقصود شرعي فإنه يستعمل إذا كانت هذه الوسيلة مباحة، وتكون هذه الوسيلة حكمها حكم ما كانت وسيلة له، فالآن بناء المدارس لا شك أنه أفضل، تنظيم الآن الدروس، فيه ناس الآن ينتقدون تنظيم الدروس ليش (... )؟ أين في كتاب الله وسنة رسوله (... )؟
فيه ناس يقولون هكذا، وربما ينتقدون من يدرس في هذه المدارس؛ لأنه مشى على نظام (... )، كل نظامكم محارب من قبل الإسلام؟ لا.
فالمهم إذا كان التأويل غير سائغ فإنهم ليسوا بغاة؛ لأن ما ليس بسائغ، أي ما ليس له وجه، وجوده كعدمه، فكأنهم خرجوا بغير تأويل.
العلماء يقولون: إذا اختل شرط من هذه الشروط فهم قطاع طريق، ومعنى قولهم قُطَّاع طريق أنهم يعاملون معاملة قُطَّاع الطريق، وإن كان تعريف قطاع الطريق لا ينطبق عليهم، لكنهم يُعاملون معاملة قطاع الطريق.
إذن عرفنا من هم أهل البغي؟ هم قوم لهم شوكة ومنعة يخرجون على الإمام بتأويل سائغ.
والسؤال الآن: هل يجوز الخروج على الإمام بهذا التأويل أو لا يجوز؟
الجواب: لا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصبر على أئمة الجور، وعلى الأئمة الذين نرى منهم ما نكره فقال: «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ مَا يَكْرَهُ فَلْيَصْبِرْ؛ فَإِنَّ مَنْ خَالَفَ الْجَمَاعَةَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» (1).
فيجب علينا أن نصبر حتى ولو رأينا الظلم، ورأينا الجور، ورأينا المحاباة، ورأينا الفسوق والمعاصي، فيجب علينا أن نصبر، ولا نخرج، لكن النصيحة واجبة ومراسلتهم واجبة، وكذلك أيضًا يحب علينا أن نُبيِّن لهم ما وقعوا فيه من الخطأ بيانًا صريحًا، وألا نحابيهم في هذه الأمور، ونقول: والله أنتم على كل حال، كل شيء زين، وكل شيء ماشي؛ لأن هذا هو اللي يضر بعض الولاة أن يجي لهم واحد يقول: أبدًا، كل شيء ما أحسن من بلادنا، ولا أحسن من معاملتنا، فهم قد يكونون لا يعرفون الأمر كما هو عليه، فينخدعون بأقوال هؤلاء، وقد يعرفون الأمر على ما هو عليه، ولكنهم يتخذون من أقوال هؤلاء وسيلة تبرر ما هم عليه، وعلى كل حال فالواجب على المسلمين النصح لأئمة المسلمين، أما الخروج فلا.
ولهذا سئل الإمام أبو حنيفة رحمه الله عن هذه المسألة، وقيل له: إنهم يخرجون ليأمروا بالمعروف، وينهوا عن المنكر، فقال: نعم، هم يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، لكن ما يفسدون أكثر مما يصلحون، صحيح من سفك الدماء واستحلال الحرام.
المسألة ما هي ببسيطة، المسألة ليست بأمر هين حتى ولو رأينا كفرًا بواحًا عندنا فيه من الله برهان، ما يمكن أن نخرج هكذا حتى يكون لدينا من القوة ما نتمكن فيه من القضاء الكفر؛ لأننا رأينا واقعًا وعقلًا أنه إذا خرج من يخرج في مثل هذه الحال يكون الأمر منتكسًا، وعلى العكس، ويقضى على هؤلاء، وعلى من شابه هؤلاء، ويحصل رد فعل أكثر مما كان عليه الأمر.
ولذلك يجب أن الإنسان عندما يقرأ مثل هذه النصوص التي تُبيح الخروج على الإمام إذا وصل إلى حد الكفر أن يعرف الأساليب، وكيف يكون العمل، ولا حاجة بنا إلى أن نُمثل أمثلة تدل على فشل هؤلاء الذين خرجوا على أئمة يرونهم كفارًا؛ لأن هذا أمر واضح، لكننا نقول: إن الإنسان يجب أن يكون لديه عقل ودين، إذا لم يكن لديه عقل ودين فإنه تضيع عليه الأمور؛ لأن مَنْ فَقَد الدين لا يستقيم، ومن فقد العقل لا يُحكم، فلا بد من الاستقامة والحكمة حتى يكون الإنسان على الصواب؛ فإذن الخروج على الأئمة صار محرمًا ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: لو رأينا الفسوق والعصيان، والمحاباة والظلم، وشرب الخمر، وغير ذلك، لكن إذا رأينا كفرًا بواحًا عندنا فيه من الله برهان وجب علينا أن نخرج؛ لأن الله يقول: ﴿لَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141]، ولكن هذا الواجب يحتاج إلى الشروط منها أن يكون في استطاعتنا أن نغير الوضع، أما إذا لم يمكن ذلك في استطاعتنا فإن الخروج يُحدث أكثر وأشر مما كان.
طالب: (... )؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: (... ).
الشيخ: ما (... )؛ لأنهم يقول: يخرجون على الإمام.
طالب: (... ).
الشيخ: (... ).
طالب: الشروط التي تتعارض مع (... ) دليل؟
الشيخ: لا، من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 9].
فإن هذا اللي ظاهر الآية الكريمة أن طائفة لها قوة وسيطرة، ثم إن المسائل الفردية جاءت النصوص في أنه يقضى على فاعلها بدون أن يحصل المعاملة التي يعامل عليها أهل البغي؛ لأن أهل البغي لهم معاملة خاصة كما ستذكر في الفقرة الثانية.
المسائل الفردية يقضى على المجرم فيها قضاء مبرمًا، ولا حاجة إلى أي شيء، لكن المسائل غير الفردية اللي هي مسألة البغي لهم معاملة خاصة.
طالب: أقول: كيف الكفر البواح؟ نريد بعض الأمثلة يا شيخ.
الشيخ: يعني مثلًا لو حكم الإمام بأن الصلاة ليست بواجبة قال مثلًا للعمال: أنتم ما عليكم من صلاة، إن شئتم فصلوا، وإن شئتم فلا تصلوا مثلًا، هذا كفر بواح صريح، لو قال مثلًا: إن علي بن أبي طالب أفضل من الرسول صلى الله عليه وسلم، هذا أيضًا كفر صريح، وهكذا، أمثلة واضحة، أو قال: الصيام ليس بواجب، ما عليكم صيام، من شاء فليصُم، ومن شاء فلا يصوم، هذا معلوم كفر بواح؛ لأنه معناه أنه أنكر فرضيته.
طالب: وعدم إقامة الحدود؟
الشيخ: لا، هذه ما بكفر بواح، هذه تعتبر مخالفة للشرع، ولكن ليس من لم يقم الحد يكون كافرًا.
طالب: الحكم بغير ما أنزل الله؟
الشيخ: الحكم بغير ما أنزل الله معتقدًا أن هذا أنفع للجماعة، ومنكرًا لحكم الله فهذا كفر، أما إذا كان بتأويل؛ لأن بعض الناس يمكن يُفتح لهم باب التأويل لا سيما أنه قد يتصل بهم أناس يعدونهم علماء، ويرون أن عندهم علمًا، ويبيحون لهم هذا الشيء باعتبار المصالح المرسلة التي يسمونها المصالح المرسلة، هم يقولون: هذا مصلحة، وتقتضيه الأحوال الوضعية، وما أشبه ذلك.
طالب: تشريع القوانين (... )؟
الشيخ: لا، تشريع قوانين معناه إذا قال: إحنا بنعدِّل، ما نحكم بالشرع إلا في مسائل العبادات، وفي الأحوال الشخصية كما يقولون، والباقي نرفض الشرع، هذا كفر.
طالب: (... ).
الشيخ: أيش لون.
الطالب: (... ).
الشيخ: لا، عَلِمناها إلا في شيء حكم الشرع بأنه كفر، مثل ترك الصلاة كفر، إنما مجرد ما بيخالف الإنسان الشريعة هذا ما يقال، الآن لو يحكم قاضٍ مثلًا بغير ما أنزل الله يعرف أن هذا حكم الله، لكن بيحكم بغير ما أنزل ظلمًا وعدوانًا أو محاباة للمحكوم له ما يقال: هذا كافر.
طالب: (... ) من تشريع جماعي (... ).
الشيخ: نعم، حتى التشريع الجماعي إذا قال: أنا أظن أن هذا التشريع أنه معقود من القرآن والسنة مثلًا، ويش دليله؟
طالب: (... ) يطالب بالدليل (... ).
الشيخ: هذه إذا طالبناه بالدليل، وقلنا: الدليل يقول: هذا حرام، حرَّم الربا وقال: إن الربا حلال.
طالب: (... ).
الشيخ: ويش يقول؟
طالب: (... ) مصلحة، وتقوم عليه معاملات.
الشيخ: يقول: مصلحة، وتقوم عليه المعاملات؟
طالب: (... ).
الشيخ: إي نعم (... ).
ثم يقول أيضًا كما قيل له: إن هذه الأوراق ليس فيها ربا، وإن الربا بالذهب والفضة، وهذه عبارة مثل الخام والسكر والشاي والأشياء هذه، يعني قُوِّمت بدراهم فليس يجري فيها الربا، هذا مفتوح للحكام.
طالب: (... ) جزئية (... ) تشريع كامل للقوانين (... ).
الشيخ: طيب التشريع الكامل للقوانين، أما تعلم أن بعضهم يقول: هذه مستمدة من القرآن والسنة.
طالب: يا شيخ، القاتل له سجن مؤبَّد ويش موضعه؟
الشيخ: على كل حال، هذا شيء يرجع للإنسان، إذا رأينا كفرًا بواحًا عندنا فيه من الله برهان وجب علينا الخروج وإزالة هذا الحكم.
طالب: (... ) يحكم بالكفر (... ).
الشيخ: إذا وقعت قضية معينة يمكن دراستها (... ).
طالب: (... ) ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ [النساء: 65].
الشيخ: إي، هذا ما فيه شك أنه نفي الإيمان الكامل؛ لأن فيه من يلتزم الحكم الشرعي، ولا يسلمه تسليمًا، يكون في نفسه حرج، فيه ناس يمكن يلتزمون الحكم، ولا يخالفونه، لكن في نفسهم حرج منه، وهذا -بلا شك- أن النفي هنا لا يؤمنون، يعني مثل: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (2) الإيمان الكامل هو بهذا.
طالب: لأن من الأول ما يحكموه أصلًا، ما هم يعني في صدورهم حرج، ويسلمون، لا، انتقض الأول أصلًا ما يحكمونه.
الشيخ: على كل حال، اللي بيتخذ تشريعًا بديلًا عن شريعة القرآن، وهو يعلم شريعة القرآن هذه وهذا هذا متخالفان فهذا كافر، نعم، يعتبر كافرًا، أما إنسان يتخذ هذا التشريع، ويزعم، أو يقال له: إن هذا منطبِق على القواعد الشرعية، فهذا ما هو ببواحٍ، هذا قد يكون ظاهره الكفر، لكن ليس بصريح، والنبي عليه الصلاة والسلام احترز؛ لأن المسألة ما هي هينة، (بواح) بمعنى الصريح مثل الأرض البواح الواسعة، اللي ما فيها أى إشكال.
طالب: (... ) كفر (... ) الشريعة (... ) يحكم ولا ينظر.
الشيخ: والله يا أخي، مسألة التكفير صعب ما هو بهين لا سيما بالنسبة للأئمة الذين إذا كفرناهم جوزنا الخروج عليهم؛ يعني أنت مثلًا ما تستطيع تكفر واحدًا إلا أن تعرف أنه كافر، إذا كان ما نستطيع نقول: هذا حرام إلا إذا عرفنا أنه حرام، فكيف نخرج واحدًا من دائرة الإسلام وهو ما فيه نص بيِّن؟ ! صعب هذا، صعب، ويجب التحرز منه.
أهل البغي يعاملون بما يأتي، وهذا العنوان: كيف يعاملهم الإمام؟
يقول العلماء إنه يجب على الإمام أن يراسلهم، يعني يُرسل لهم رسولًا، ويسألهم: ويش اللي عندكم ماذا تريدون؟ يقولون مثلًا: عندنا كذا وكذا وكذا، ويعددون طيب، ونحن بيننا وبينكم كتاب الله، تفضلوا إذا تبين أن ما عددوه وانتقدوه على الإمام حق وجب على الإمام أن يعدله وجوبًا، فإن خالف فهو عاصٍ إما أن يكون كافرًا، وإما أن يكون فاسقًا حسب حال تلك القضية المعينة، إنما يحب عليه إذا بينوها، وتبين في شريعة الله أنها مُحرَّمة يحب عليه وجوبًا أن يغيرها كلها، وتعرفون فيما يبدو في هذه الحال أن الإمام سيغير؛ لأنه ما دام قام عليه ناس يعرف أنه يحصل في هذا فوضى كثيرة وزعزعة لحكمه، فسيُغير في الغالب إلا أن يكون أهوج، ولا يبالي أبدًا، ولا يبالي بالنتائج، فهذا قد يكون.
إذا ذكروا شبهة قالوا: ما نعرف أنك ظلمت أحدًا، لكن إحنا اشتبه علينا عملك، هذا اشتبه علينا هو حق ولَّا باطل يجب عليه؟
يجب عليه أن يبين هذا الشبهة التي حصلت، إذا ذكروا محاباة لقريب قالوا: أنت مثلًا أخذت مثلًا من بيت المال لقريبك كذا وكذا بدون حق يجب عليه أن يسحب ما أعطاه لقريبه؛ لأنه يجب أن يكون معاملة الإمام لأبعد الناس إليه وأقرب الناس عليه؟
طالب: سواء.
الشيخ: بالعدل، لا ما نقول: سواء، نقول بالعدل؛ اللي يقتضي العدل أن يُعطى يعطى، واللي يقتضي أن يُحرم، يحرم فينظر إلى القضايا، يجب على الإمام، وعلى من دون الإمام يجب أن ينظر إلى القضايا على أنها قضايا لا على أنها قضية فلان وفلان، لو كنا ننظر إلى القضايا على أنها قضية فلان وفلان.
كان الإنسان إذا جاءته قضية لإنسان يبغضه يجعلها عليه بدون تفصيل، ولإنسان يحبه؛ يجعلها له ولقريب يجعلها له، ولبعيد يجعلها عليه، لكن الواجب ينظر إلى القضية على أنها قضية لا بالنسبة لفلان القريب، أو فلان البعيد، أو فلان صديق، أو فلان العدو، هم يقولون مثلًا: إنك تعطي مثلًا أقاربك من بيت المال ما لا يستحقون، وتحرم فقراء المسلمين الذين يستحقون شيئًا مما جعل الله لهم، وهذا يجب عليك أنت تزيله، فماذا يكون يسحب ما حبا به أقاربه، ويعطي المحتاجين من المسلمين، وعلى هذا فقِسْ.
المهم أنهم إذا ذكروا ظلمًا يجب عليه إزالته، إذا ذكروا شبهات اعترضت لهم يجب عليه أن يبينها لهم حتى يُهدئ الأمور، ثم إن اقتنعوا بذلك ورجعوا، وإلا وجب عليه أن يقاتلهم، ووجب على رعيته أن يقوموا معه على هؤلاء؛ لأنه تبين الآن أن هؤلاء ليس غرضهم الحق بعد ما تبين أنه التزم بإزالة الظلم، وكشف الشبهات وبيان الحق، ثم أصروا على ما هم عليه تبين أنهم ظلمة، والظالم يجب أن يمنع من ظلمه؛ ولهذا قال العلماء: يجب عليه في هذا الحال أن يقاتلهم، ويجب على رعيته مساعدته في قتالهم إزالة لهذا المنكر العظيم، فصارت المعاملة الآن يراسلهم يعني يبعث إليهم الرسل لأجل أن يسألهم ماذا ينقمون عليه إذا ذكروا مظلمة وجب عليه ردها.
إذا ذكروا شبهات وجب عليه كشفها، إذا ذكروا جورًا وجب عليه الاستقامة والعدل، فإن لم يذكروا شيئًا، أو ذكروا شيئًا من هذه الأمور التزمت أو فعلًا أزاله وأصروا على القتال وجب عليه أن يقاتلهم، ووجب على رعيته مساعدتهم حتى يكسروا شوكتهم، ثم هل هم بعد القتال كالكفار تُسبى زراريهم وتغنم أموالهم، ويُجهز على جريحهم، ويُقتل أسيرهم؟
لا، ليسوا كذلك؛ لأنهم بمنزلة الصائل الذي متى اندفع شره وجب الكف عنه، هؤلاء لا تُسبى زراريهم، ولا تغنم أموالهم، بل أموالهم لهم، ولا يُجهز على جريحهم، الجريح منهم ما يقتل، ولا يرق، أو يقتل أسيرهم، بل هم أحرار؛ لأنهم مسلمون.
هذه أظن ثلاثة مباحث: معاملتهم، ونتيجة الحرب، الأموال التي تلفت بفعلهم أموال لهم وأموال أتلفوها هم ماذا يكون شأنها؟ الشأن فيها أنها ينظر إذا تكافأت هذه الأموال بين الطائفتين إذا تكافأت بين الطائفتين فإنه لا شيء لا على هؤلاء ولا على هؤلاء، وإن زادت أموال أحدهم على الآخر وجب أن يضمنها وقد يقال: إنه إذا كانت الزيادة لأهل البغي فإنهم لا يعطونه، لماذا؟ لأنهم معتدون، وإن كانت لأهل العدل فإنه يضمنها هؤلاء.
طالب: إذا كانت أنفس يا شيخ؟
الشيخ: إذا كانت أنفس تذهب ما على أحد شيء؟
طالب: ما تودى؟
الشيخ: ما تودى، لا سيما إذا كانت من أهل العدل.
طالب: إذا لم يلتزم الإمام بالتغير؟
الشيخ: إذا لم يلتزم التغيير تبين أنه ظالم، وحينئذٍ وجب على أهل الحل والعقد أن يفاوضوه بالتنازل وإعطاء الأمر إلى من يقوم بشريعة الله، وأما القتال فلا يجوز أن يقاتل.
طالب: إن أبى؟
الشيخ: إن أبى يبقى، يبقى ظالمًا والله تعالى حسيبه.
طالب: وإن أهل هؤلاء نزلوا أهل الذين خرجوا عليه أخذهم وقتلهم عندما اجتمعوا، فماذا يُقال؟
الشيخ: يقال: هذا ظلم، لكنه إن خاف من أنهم يستعدون فيما بعد، ويقوون فله أن يحبسهم اتقاء لشرهم؛ لأنه ربما إنه مثلًا يقول: أنا الآن تم القضاء عليهم، ولكني أخشى أن فلولهم يجمعون الناس، ثم يخرجون مرة ثانية، ويكون الناس منهم في قلق، وحينئذٍ لا بأس، بل يجب عليه أن يحبسهم كسرًا لشوكتهم سواء كان هذا الحبس حبسًا خاصًّا منفردًا أو حبسًا مثلًا في مكان معين؛ يعني مثلًا كما نقول: في قرية، ويكون عليهم رعاية ما يدخل عليهم من يُخشى منه الشر، المهم أنه يستعمل فيهم كل ما يدفع شرهم.